<?xml version="1.0" encoding="UTF-8"?><GetPassage xmlns="http://relaxng.org/ns/structure/1.0" xmlns:a="http://relaxng.org/ns/compatibility/annotations/1.0" xmlns:tei="http://www.tei-c.org/ns/1.0">
<request>
<requestName>GetPassage</requestName>
<requestUrn>urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.39.TEIP5:</requestUrn>
</request>
<reply>
<urn>urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.39.TEIP5:</urn>
<passage>وداع وعتاب الله أكبر فالظلاَّم قد علموا لأيّ منقلب يفضي إلا لي ظلموا لقد هوى اليوم صرح الظلم وانتقضت أركانه وتولت أهلهُ النقمُ وحصحص الحق في عزٍّ وفي ظفرٍ يحفه خادماه السيفُ والقلمُ ثارت له عصبةٌ كانت مشردةً وقد تهددها الإرهاق والعدمُ من كل أروع في حيزومة حنقٍ في نفسه عزة في أنفه شممُ عبد الحميد استمع منهم مناقشةً فطالما صبروا بل طالما كظموا غادرت أمتك المنكود طالعها تغض مقلتها إن عدَّت الأممُ أطلقت فيها سيوف الغادرين وقد كانت بحبلك بعد الله تعتصمُ الله الله يا راعي القطيع فقد لاقت مصارعها في رعيك الغنمُ حماتنا ما تنوءُ الراسيات به كيف الصنيع وأنت الخصم والحكم فكم شكونا ولم تسمع شكايتنا وكم دعونا وحظ الدعوة الصممُ وليَّ نعمتنا قل لي أما بطلت تلك الولاية لما ضاعت النعمُ فلو رفقت أمير المؤمنين بنا ما كان أنفث مصدور وسال دمُ محافظ الحرمين أعدل فهل آمنت في ظلمك الكعبة الزهراء والحرمُ أم حج حجاج بيت في دعةٍ بدون أن يرهقوا فيه ويهتضموا وليته فاسقاًراتب باشا لم يرع حرمة من في ذمة الله ضاعت عنده الذممُ كم استجاروا عليه فازدريت بهم إن لم تكن ناقماً فالله منتقمُ رب الهلال أجب هل كنت تمنحه ما اعتاد من نصرات ذلك العلم ماذا فعلت بأحرار البلاد وما جنوا على الدين والدنيا وما اجترموا حتى قسمتهم شطرين فازدحمت على جسومهم النينان والرخم مزقت شملهم في كل ناحية فأرغموك بحول الله والتأموا ويا سلالة عثمان أما اتصلت منه إليك الصفات الغر والهمم أين الغطاريف أرباب العزائم من أسلافك الصيد من بالعدل قد عظموا شادوا لك العزة القعساء من قدم فجئت تهدم ما شادوا وما رسموا كانت لهم دولة بالسيف ناهضة وفي زمانك لا سيف ولا قلم حصدت ما زرعوا فرقت ما جمعوا هدمت ما رفعوا بعثرت ما نظموا ملكتنا فرأينا منك طاغية لم يدر ندَّاً له المشهود والقدم نيرون عندك أو فرعون قد غفرت زلاته واستحبت شاهها العجم حجاج عصرك بل تولي العقاب بلا ذنب ومزَّاك عنه الجمع والنهم قد اخترعت ضروباً للمظالم والتنكيل ما فطنوا فيها ولا حلموا خليفة الله قد خالفت ما أمرت به الشريعة والتنزيل والكلم وسيرة الخلفاء الراشدين بها خير المواعظ للظلام لو فهموا ركبت مركب جوزٍ ليس يقبله ممن يخلفه في قومه الصنم دمرت بيتك يا هذا فأنت إذن عدو نفسك أو قد مسك اللمم حشدت زمرة غدارين كم سفكوا واستنزفوا ثم لا قيدوا ولاغرموا المخلصون تولوا منك وانهزموا والخائنون على أبوابك ازدحموا أسرفت في نهب بيت المال فاستلبت منه الجواسيس ما شاؤوا وما غنموا عصابة ثقلت في الناس وطأتهم صموا عن الحق في أغراضهم وعموا اخترتهم واختيار المرء شاهده يا ليتهم رفقوا بالخلق أو رحموا خانوك لما رأوا منك الخيانة في بنيك والمرء موسوم كما يسم حبست آلك حتى بعضهم هلكوا كأنما لم تكن قربى ولا رحم حاولت إطفاء نور الحق وهو لظى تثور أفواهه إن سد منه فم طال الزمان على جور تعالجه وعيل صبر الورى واستحوذ السأم ضيقت دارتهم في الأرض فاتسعت والمرءُ مستبسلٌ إن عضه الألم قد جمع الظلم منهم كل مفترق وشدّ ما استتروا في الأمر واكتتموا وكلما نام عنهم رهطك انبعثوا يدبرون وإن لاحظتهم جثموا وعند ما اكتملت الموثب عدتهم توكلوا واستخاروا بالذي عزموا سلوا عليك سيوف العدل مرهفة كأنها شهب في الأفق أو رجم شقوا بها جلابيب الدجى شفقاً بشت له الأرض وانجابت به الظلم وطالبوك بحق كنت هاضمه وحاكموك إلى البتار واختصموا فأدوا بأرواحهم حباً بأمتهم فلتحي تلك السجايا الغر والشيم قد كان ما كان والرحمان ناصرنا فالعدل منتصرٌ والجور منهزم دبرت فتنة سوءٍ تستعيد بها من مجدك الباطل الغرار ما هدموا مجد كبير طوته ظلمة كثفت ثم انجلت فإذا ما تحتها ورم كروا بعزمة حر جاء منتصراً لنفسه واستباحوا منك ما احترموا فأنزلوك عن العرش الرفيع وما كانوا يريدونها لكنهم رغموا تأبى الشريعة أن تبقيك حافظها وأنت بالغدر والإغواء متّهم فاليوم تعلم عقبى من يخون ومن يطغى وتندم إذ لا ينفع الندم هبطت من قمة الأمجاد منحدراً كصخرةٍ حطها من شاهق عرم ففي هبوطك عاد الملك مرتفعاً وفيهلاكك كل الخلق قد سلموا كانت بإقبالك الأقدار عابسةً فأصبحت بعد ما أدبرت تبتسم السلطان عبد الحميد المخلوع قلما جاء في الملوك من ترضيك أخلاقه وأعماله لضعف التربية الدينية والمدنية ولأن الملك يسكر فيقتضي له عقل كبير يحسن به صاحبه التصرف ويراعي فيه حقوق الخالق والخلائق. ولذا ندر في ملوك بني عثمان والملك متسلسل فيهم منذ زهاء ستة قرون من تأهل بالفعل للجلوس على عرش السلطنة فقد رأيناهم وفيهم الأخرق والأحمق والمنتهك والمسرف على نفسه والسفاك ولكن لم يأت فيهم على التحقيق مثل السلطان الخامس والثلاثين عبد الحميد الثاني. نقول فيهم وما أخلقنا أن نقول في غيرهم من ملوك الإسلام بل وفي الأمم الأخرى فقد تدبرنا تراجم ألوف من الملوك والعظماء ولم نشهد لعبد الحميد مثيلاً في أخلاقه وأعماله. بل رأيناه يشبه الناصر لدين الله العباسي بتجسسه وحرصه والحاكم بأمر الله الفاطمي بهذيانه وتلونه والحجاج بن يوسف الثقفي ببطشه وسفكه والسلطان إبراهيم العثماني بسفاهته وإسرافه. ومن جمع في شخصه هذه الصفات مجسمة كان جديراً بأن يدعى طاغية الملوك والسلاطين. تولى عبد الحميد زمام السلطنة وكيلاً عن أخيه مراد الخامس لمرض طرأ على عقله وكتب على نفسه عهداً دفعه لمدحت باشا ناشر أعلام الحرية في المملكة العثمانية ثم أرسل على ما يقال من أحرق دار مدحت باشا وحرق العهد في جملة ما حرق وأخذ يستجلب قلوب أهالي الأستانة مدة وكالته حتى اجتمع الصدر محمد رشدي باشا ومدحت باشا فقررا دعوة رجال الدولة إلى الباب العالي للنظر في توسيد السلطنة إلى عبد الحميد أصالةً فاجتمع نحو ألف شخص من الكبراء وقرروا أن جنون السلطان مراد مطبق لا يرجى أن يفيق منه فأفتى شيخ الإسلام بحل إمامته وبويع لعبد الحميد الذي أظهر أولاً بأنه يميل إلى الحكم الدستوري ومنح القانون الأساسي ثم سلبه وأقفل مجلس الأمة وأتعب مدحت باشا في معاناة أخلاقه وكان أول عهد نكثه معه أنه أخذ على نفسه أن يعين لرئاسة كتاب امابين نامق كمال بك الكاتب الشاعر الشهير وضياء بك رئيس المابينية فعين غيرهما ثم أخذ يدس الدسائس ونفى مدحت باشا ثم أرسل به إلى الطائف فسجن في حبسها مدة ثم أمر بخنقه. وأخذ السلطان يكثر من التضييق على أخيه السلطان مراد وعلى سائر أفراد الأسرة السلطانية ولاسيما ولي عهد السلطنة السلطان الجديد محمد خان الخامس الحالي ويشرد كل من عرف بالإنكار عليه من الوزراء والعظماء فألقى بذلك الرهبة في نفوس قواد المملكة ورجال سياستها فأصبحوا يسيرون على رغباته وكل من خالفها ولو فيسره أقصاه وسجنه وعذبه وكلما مضت سنة على ملكه يزداد مراناً على هذه الفعال ويبالغ في الاحتياط لنفسه وغدا يتولى كل أمر بذاته ويبعد أرباب الوجدان من رجال الدولة ويستعيض عنهم بأناس ممن يصطنعهم وما يصطنع إلا الأسافل من كل جنس من أجناس الدولة لعلمه بأنهم يفادون بكل مبدأ في سبيل نصرته على الباطل حتى آلت أزمة الدولة في العهد الأخير إلى أيدي السفلة من أعوانه الجهلاء الطغاة إلا قليلاً. وإذ كان مفطوراً على الطمع ويحسب أن المال يعمل كل شيء أخذ يملك الأملاك باسمه على خلاف عادة الملوك والسلاطين فكان كلما سمع بأن في إقليم كذا أراضي من أملاك الدولة يحتال لأخذها بلا ثمن إن كانت من الأملاك الأميرية أو بثمن طفيف إن كانت للأفراد ثم ألف الشركة الخيرية لتسيير السفن في مواني الأستانة وشركة أخرى لحسابه بين البصرة وبغداد وفتح في العاصمة مخازن لبيع البضائع ومعامل لصنع السجاد وغيره وضارب بالأوراق المالية وهكذا أصبح عبد الحميد تاجراً مزارعاً مضارباً لا يهتم بشيءٍ من أمر الملك إلا إذا كان تقريراً من جواسيسه الذين كثروا في العاصمة والولايات كثرة ضاقت بها خزينة الأمة وكلهم أمناؤه إن أخطأ وأفلهم الأجر وإن أحسنوا فحدث ما شئت أن تحدث عما ينهال عليهم من إنعامه وإحسانه. حتى لقد قلَّ جداً في عماله من لم يتجسس له لاسيما بعد أن رأى الناس أن الترقي في الوظائف لا يتأتى في الأغلب إلا من طريق الجاسوسية. وبهذا استنزل غضب عقلاء الأمة وأحرارها وكان كلما بالغ في الضغط عليهم واشتد في إرهاقهم وإعناتهم ينمو عددهم بنمو الميل إلى التعلم. فكانت مدارس الدولة ولاسيما العالية منها على شدة المراقبة عليها لا يتصور العقل أكثر منها وعلى إصدار إراداته تترى لجعل المعارف صورية لا حقيقية — منبعث تلك الشعلة التي قضت على استبداده الذي لم يكد يعهد له مثيل في تاريخ الأمم فزحزح المتخرجون فيها أسس الحكومة المطلقة المدمرة وأقاموا مكانها على التقوى أساس الحكومة المقيدة المعمرة. عرف عبد الحميد أن بالمدارس والمطبوعات تستنير العقول فيقل الراضون عن حكمه فأنشأ يضيق الخناق على المدارس حتى حظر أن يعلم فيها التاريخ وعلوم السياسة والاجتماع لأنها ترقي العقل وتلقح الأذهان وتدعو الأمة إلى سبل الرقي والأمان. ورأت المطبوعات منه ومن أعوانه الجهلاء خصوماً يكفي في نعتهم أنهم أعداء كل فكر وارتقاء وتجديد حتى أصبح ما يطبع تحت السماء العثمانية في الثلثين الأخيرين من حكمه عبارة عن كتب خرافات وزهد وتلفيق أو أماديح كاذبة له ولأرباب المظاهر أو أموراً عادية لا ترقي عقلاً ولا تزيل جهلاً. ووصلت المراقبة على المطبوعات في أيامه إلى درجة من الهزل لم تصل إليها في أمة مغلوبة على أمرها فرفعت من المعاجم كثير من الألفاظ كالعدل والمساواة والقانون الأساسي والجمهورية ومجلس النواب والخلع والديناميت والقنابل وأصبحت الجرائد أبواقاً تضرب بتقديسه وتأليهه والعياذ بالله أو تكتب في التافه من الأخبار والأفكار. جرى كل هذا برأيه ورضاه لا كما يزعم بعض من يريدون أن يتفحلوا له الأعذار الباردة من أنها كانت من عماله ووزرائه وهو لا علم له بما يأتون. كثرت في الأيام الحميدية أنواع المظالم وأصبح كلما طال عهده يشتد في إعنات من يخالف له فكراً أو يعرض له في الإصلاح أمراً حتى صار بعض العقلاء من عماله يتظاهرون بالبله أو ينقطعون عن الخدمة لأن سلطانهم لا يرضيه إلا أن يكونوا على قدمه في الظلم وارتكاب المنكرات. ولقد نصح به بعض سفراء الدول منذ بضع سنين أن يكف من شرور بعض العمال لأن استرسالهم فيها مما يسقط شأن المملكة ويضر بمستقبلها فقا لهم وماذا أعمل مع من ذكرتم وهم يحبونني ويتفانون في خدمتي أي إنهم في حلّ من عمل ما أرادوا من العسف في الأمة ما داموا يظهرون له الحب ويخدمون أغراضه. اشتهر عبد الحميد بالحقد الشديد والحرص الأكيد والحدة المتناهية والاحتيال الذي ينطلي على ضعاف العقول فيقولون أنه الدهاء والحكمة. وكانت هذه الأخلاق بادية عليه قبل أن يلي أمر الأمر حتى قال نابوليون الثالث فيه يوم رآه مع عمه السلطان عبد العزيز في باريز أن هذا الفتى سيجيء منه داهية باقعة فما هو إلا أن قيض الله له الجلوس على سرير آل عثمان حتى صحت فراسة نابوليون فيه بل برز في هذا المضمار. كان السلطان عبد المجيد يحب ابنه مراداً أكثر من عبد الحميد لأن هذا كان يبدو عليه الخبث منذ الصغر ولما ترعرع شرع يتجسس لعمه السلطان عبد العزيز على أخوته وآل بيته لينال منه الإحسان ويغلو فيكشف عورات أخيه ماد خاصة وكانت تقاريره للسلطان عبد العزيز متصلة كتقارير جواسيسه في عهد سلطنته ولطالما كدره السلطان عبد العزيز على تشاغله بالسفاسف ويكفي في بيان الفرق بين أخلاق السلطان مراد وأخلاق السلطان عبد الحميد أن الأول كان يعنى في صباه بالشعر والموسيقى ودرس مدنية أوربا وتاريخها على حين كان أخوه لا همَّ له إلا درس السحر والطلسمات وضرب المندل وأخذ الفأل ويتقرب لذلك من المشايخ والبله والدجالين. مضى ثلث قرن على الأمة العثمانية وهي تفنى في سلطانها فناء جنون لا فناء عقل وكنت إذا خلوت حتى بخاصته وصنائعه يحدثونك من تلاعبه وأخلاقه ما تسأل الله معه السلامة وتسجل على فساد أخلاقنا أكثر من فساد أحكامنا وأعمالنا وكل منهم يورد لك من أسباب اضطراره إلى الصبر على هذه الخدمة ما هو العجب العجاب. فبالإسراف في مال الأمة استمال عبد الحميد قلوب الأغمار ممن تزيوا بزي العلماء وهم جاهلون فكانوا يكذبون على الله والناس ويذكرون لهم من صفات سلطانهم ما هو الزور البحت وإذا فتح المنصفون أفواههم بالنقد أسكتوهم وحرموا إنكار المنكر عليهم. وبالجواسيس اطلع على الدقيق والجليل من نيات الأمة وما كان يهتم إلا للأمور الصغيرة ولاسيما ما كان منها متعلقاً بشخصه أما عمران البلاد وترقية معارفها وصناعاتها وزراعتها وتجارتها فلم يكن لها قيد في سجل أعماله. وكفى في عدم احتفاله بأمور الرعية وإصلاح البلاد أنه انسلخت عن جسم الدولة في أيامه المشؤومة بلغاريا والروم أيلي الشرقية ودوبروجه في رومانيا والجبل الأسود والبوسنة والهرسك وانضمت بعض الألوية للصرب ولليونان تساليا وابيروفارتا ولفرنسا تونس ولروسيا القوقاس وباطوم وأردهان وقارص ونال الجبل الأسود استقلاله وانفصلت قبرص وكريت لو كادتا واحتل الإنكليز مصر وهكذا انفصل من جسم الدولة نحو ثلثيها بعدد النفوس والعمران. ماذا تعدد هذه الأمة من سيئات الدور الحميدي ونزع سلطة الحكم من الباب العالي وكانت من قبل فيه على شيء من العقل والقانون وانتقالها إلى المابين يعبث بمصالح الأمة الخصيان والجواري والجواسيس والدجالون والمرتشون والمنافقون والمنطبعون بطابع السياسة الحميدية. فقد كانت الوظائف والرتب والأوسمة ومظاهر التكريم تباع بالمزاد كما يباع العقار والدار ويقتنيها في الأغلب من لا يهمهم إلا حظوظ أنفسهم وإملاء جيوبهم وبطونهم حتى هلكت البلاد ليغتني عبد الحميد والمنفذون لرغائبه وافتقر الفلاح والصانع وهما مادة حياة الوطن واغتنت تلك الطائفة الفاسدة من الموظفين الذين سماهم غلادستون كبير وزراء إنكلترا جماعة من اللصوص تألفوا في صورة حكومة. ولكم كان عمال عبد الحميد سبباً في إهراق دماء الأبرياء ونزع روح الحياة الوطنية من الناس وما ننس لا ننس سياسة المابين في المذابح الأرمنية والحروب اليمانية والكريتية وغيرها من الوقائع الأهلية التي ألقى بها السلطان الشقاق بين أبناء هذا البيت الواحد وفرق مجتمع القلوب عملاً بالقاعدة الباردة فرق تسد ولو عقل لجرى على قاعدة اعدل تسد. نعم كانت المدارس منبعث تلك القوة التي قضت على السلطة الحميدية بل على السلطة الاستبدادية في السلطنة العثمانية. وناشئة الأمة الذين كان يحتقرهم السلطان المخلوع ويغويهم بالمال ويطعمهم بالمراتب والرواتب هم الذين دبروا بسلطان العقل أسباب الانقلاب الأخير في المملكة وغلبوا سلطان الجهل فكان يوم ١٠ تموز الماضي مبدأ سعادة العثمانيين وتاج الأيام وغرة الشهور والأعوام. كان الصدر محمود نديم باشا يقول للسلطان عبد العزيز أن بعض الوزراء يخوفونك بالأمة وما الأمة الأكمن تراهم يمشون هناك وأشار إلى جماعة من فلاحي الأناضول ومثلهم لا يميز ولا يعقل فاصنع ما بذلك فانتهى الأمر بخلع ذاك السلطان وقتله. وكان أحمد عزت باشا العابد يحقر للسلطان عبد الحميد أمر الأمة ويزين له البطش ويقول له أن المسلمين لا يعرفون غيرك خليفة وسلطاناً ورباً صغيراً فاحكم فيهم بحكمك فهم عبيدك لا ينازعك في التصرف فيهم منازع الأحرار أفراد طائشون. صم أذنك عن سماع خيالاتهم ودعهم يعوون ولا يضر عواء الكلاب بالسحاب. أما حكومات أوربا فأمرها إلى التفاشل إن اتحدت كلمتهن لأقبل لنا بدفعها وما دمن متخاذلات فنحن في مأمن. وهكذا جرى السلطان المخلوع في دوره الأخير على هذه السياسة الخرقاء فكانت سبباً في نزع السلطة الاستبدادية من يده يوم ١٠ تموز الماضي وإنزاله عن العرش يوم ١٤ نيسان. يئس الناس من الخلاص من جور هذا السلطان إلا بموته ولكن تلك النفوس الكبيرة من أعضاء جمعية الاتحاد والترقي التي احتك معظم أعضائها بالأوربيين وبلادهم قطعة من أوربا أبت أن تضيع ملك بني عثمان بالإهمال والتواكل فاضطرت عبد الحميد إلى إعلان القانون الأساسي في الصيف الماضي مرغماً ولما لم تطب نفسه لما جرى وأنشأت تحدثه بإعادة الدور السالف لتكون الأحكام طوع أمره ونهيه وهو الحاكم المتحكم في الأموال والأعراض والأرواح يفعل ما يشاء ولا يسأل عما يفعل أخذ يوقد نيران الفتن بين الأمة ليقول لها وللأجانب أن العثمانيين لا يليق لحكمهم إلا الحكم الاستبدادي. ثم احتال للتفريق بين عناصر الدولة أولاً وإغواء بعض الخونة من رجاله بالمال ليبثوا دعوته فتألفت جمعيات عناصر بعد إعلان الحرية ولكل منها نزعة خاصة. يريد الأرمن توسيع الاختصاص المأذونية أو الاستقلال النوعي بعبارة أخرى والعرب ينادون بأن الترك غمطوهم حقوقهم وهم يريدون أن يشاطروهم الوظائف أو ينفصلون عن الدولة وبعض الأرناؤود يدعون إلى مثل دعوة الأرمن. ولما رأى السلطان أن الأمة انتبهت لرد هذه الترهات وقام العقلاء يحاربونها شرع يسلك سبيلاً آخر ويحرك عامة المسلمين باسم الدين بواسطة جمعية ألفها في الأستانة دعت نفسها بالجمعية المحمدية تطالب بالشريعة الإسلامية ولا تريد القانون الأساسي لأنه بزعمها مخالف للإسلام ومن قواعده الحرية والحرية ليست من شأن الدين المحمدي. وهكذا أَلفت الجمعية فروع في الولايات تهيج العامة باسم الدين وتربطهم بالسلطان وذلك على يد زعانف كان للمال الذي بذله تأثير عظيم في نفوسهم ونفوس الغوغاء. كاد عبد الحميد لأمته بتدبير الفتنة المحمدية بل بالفتنة العسكرية فعصت جنود الأستانة إلا قليلاً بما بذله لهم من الذهب الوهاج ولم ير أعوانه الذين أثاروا الجند واسطة لإضاعة رويتهم أحسن من إسكارهم فأسكروهم ليلة الفتنة وفرقوا عليهم الذهب الكثير الذي جمعه من دماء الفقير ليقوموا بالمطالبة بإعادة الشرع المحمدي أو يوقدون نيران مذبحة عامة يقتل فيها أحرار الأمة أولاً ثم الأقرب فالأقرب من رجال الإصلاح والتجديد ولو وفق عبد الحميد لاستعادة سلطته الاستبدادية وتمت له مكيدته الشيطانية لما هلك في هذه الفتنة الأهلية في أنحاء السلطنة أقل من مليوني رجل كما وقع في ثورة فرنسا الأولى. ولكن الله أراد لهذه الأمة الخير وقيض لها من رجال الدستور والمتفانين في الاحتفاظ به من كان إخلاصهم الداعي الأكبر في نجاحهم فقامت بعض ولايات الروم إيلي على ساق وقدم تطلب التطوع في الجندية للدفاع عن الدستور وهب جند الفيلق الثاني والثالث أي أدرنة وسلانيك — ومنهما انبعثت جذوة الحرية أول مرة — وزحفا في جموع المتطوعة على الأستانة بقيادة البطل المغوار محمود شوكت باشا الفاروقي البغدادي فاستوليا على المواقع الحربية في العاصمة في أسبوع وقبضوا على المنتفضين والعصاة من الجند المشاغب وخلعوا السلطان عبد الحميد مدبر تلك المكايد بفتوى من شيخ الإسلام أثبت عليه فيها قتل الأنفس البريئة ومخالفة الشرع وحرق كتب الإسلام والإسراف في مال الأمة وبايعوا باتفاق مجلس النواب والأعيان لولي عهده السلطان محمد الخامس وساقوا ذاك الذي عبث بمصلحة العثمانيين إلى قصر الأتيني في ضاحية سلانيك ليجري عليه ما جرى على كل سلطان مخلوع خان أمته ودولته بدون أن يلحقوا به إهانة. فحق للدولة والأمة أن تدعو بدوام نصر الجيش العثماني المظفر لأنه كان سبب حياتنا اليوم ولطالما كان هذا الجيش سبب رفع هذه الدولة العلية كما كان في بعض الأدوار سبب خفضها. أعلن جيش الدستور الأحكام العرفية أي عطلت القوانين الموضوعة وجعلت العاصمة تحت الأحكام العسكرية ريثما يستتب الأمر لجيش الفاتح محمود شوكت باشا ويفتك بمن أضاعوا دينهم ودنياهم بممالاة السلطان المخلوع على رغائبه فشنق كثيرون ممن كان لهم ضلع في تشويش نظام الأمة وإهاجة العامة باسم الشريعة وحكم على بعضهم بالأشغال الشاقة وعلى البعض الآخر بالنفي وهكذا تمت الغلبة لكلمة الحق على الباطل وكتب البقاء للحكم النيابي في السلطنة آخر الدهر إن شاء الله. فكرنا ملياً في أمر عبد الحميد وأردنا أن ننصفه في الترجمة فما رأينا له مزية يذكر بها ويرحم. بلى وجدناه حسوداً يحسد حتى خصيانه وأشق خبر يترامى إليه أن يعلم بأن في إحدى أطراف مملكته عالماً ينفع الناس بعلمه فيحتال عليه ليأتي به إلى الأستانة ليدفنه حياً فإن لم يقدر فلا أيسر عليه من التقول عليه وتزوير حيلة للانتقام منه والحط من كرامته. وكان إذا عزّ لا يلحق غباره نمرود وفرعون وإذا ذل وذله يكون للأدنياء غالباً ينسى منزلته ومقامه. وكان يلذه جداً أن يشهد الشقاق مستحكماً بين حاشيته ويلقي بينهم العداوة والبغضاء. وفي أيامه كثر اختلاف النساء إلى قصره حاسرات متبرجات بدعوى أنه خليفة وللخليفة أن ينظر إلى المحارم ولا حرج عليه وعليهن ولهذا اخترع لهن وسام الشفقة. ولعل بعض من درسوا الأخلاق الحميدية عن أمم يكتبون كتاباً مفصلاً فيها ليقرأ الأخلاف عن الأسلاف ما فعلته في ذلك المخلوع قلة التربية والعلم وفساد الفطرة والله أعلم. في سلانيك لقد سمعوا من الوطن الأنينا فضجوا بالبكآء له حنينا وناداهم لنصرته فقاموا جميعاً للدفاع مسلحينا وثاروا من مرابضهم أسوداً بصوت الاتحاد مزمجرينا شباب كالصوارم في مضآء يرون وكالشموس منورينا سلانيك الفتاة حوت ثراءً يهم فقضت عن الوطن الديونا لقد جمعوا الجموع فمن نصارى ومن هود هناك ومسلمينا فكانوا الجيش ألف من جنود مجندة ومن متطوعينا تراهم فيه متحدين عزماً وما هم فيه متحدين دينا هي الأوطان تجعل في بنيها إخاءً في محبتها رصينا وتتركهم أولي أنف كبار يرون حياة ذي ذل جنونا وإن الموت خير من حياة يظل المرء فيها مستكينا مشوا والوالدات مشيعات خرجن وراءهم والوالدونا يقلن وهن من فرح بواكٍ وهم من حزنهم متبسمونا على الباغين منتصرين سيروا وعودوا للديار مظفرينا ولا تبقوا الذين قد استبدوا وراموا كيدنا وتخونونا فإن لم تنقذوا الأوطان منهم فلستم يا بنين لنا بنينا فقد هاجوا على الدستور شراً بدار الملك كي يستعبدونا هم الأشرار باسم الدين قاموا فعاثوا في المواطن مفسدينا فما تركوا من الدستور شورى ولا أبقوا لنغمته طنينا وكم قلن من قول شجيّ لهم فتركنهم متهيجينا ومذ حان الوداع دنون منهم فقبلنا الصوارم والجفونا وما أنسى التي برزت وقالت وقد لفتوا لرؤيتها العيونا إلا يا راحلين لحرب قوم لئام ضيعوا الوطن الثمينا خذوني للوغى معكم خذوني ممرضة لجرحاكم حنونا وإن لم تفعلوا فخذوا ردائي به شدوا الجروح إذا دمينا ولما جد جدهم استقلوا على ظهر القطار مسافرينا فطاروا في مراكبه سراعاً بأجنحة البخار مرفرفينا وظل الجيش صبحاً أو مساءً تسير جموعه متتابعينا فلم يتصرّم الأسبوع إلا وهم بربى فروق مخيمونا هنالك قمت مرتحلاً إليهم لأبصر ما أؤمل أن يكونا وباخرة علت في البحر حتى حكت بعبابه الحصن الحصينا يؤثر جريها في البحر إثراً تكاد به تظن الماء طينا فتترك خلفها خطاً مديداً بوجه البحر يمكث مستبينا ركبت بها على اسم الله بحراً غدا بسكون لجته رهينا فرحنا منه ننظر في جمال يعز على الطبيعة أن يهونا ومرأى البحر أحسن كل شيء إذا لبست غواربه السكونا كأنك منه تنظر في سماء وقد طلعت كوكبها سفينا أتينا دار قسطنطين صبحاً وقد فتحت لهم فتحاً مبينا وظل الجيش جيش الله يشفي بحد سيوفه الداء الدفينا فأرهق أنفس الطاغين حتى سقاهم من عدالته المنونا ورد الخائنين إلى جزاء أحلهم المقابر والسجونا وحطوا قصر يلدز عن سمآء له فانحط أسفل سافلينا وأصبح خاشع البنيان يغضي عيوناً عن تطاوله عمينا خلا من ساكنيه وحارسيه فلم تر فيه من أحد قطينا هوى عبد الحميد به هوياً إلى درك الملوك الظالمينا ونزل عن سرير الملك خلعاً وأفرد لا نديم ولا قرينا فسيق إلى سلانيك احتباساً له كي يستريح بها مصونا ولكن كيف راحة مستبد غدا بديار أحرار سجينا يراهم حول مسكنه سياجاً ويعجز أن ينيم لهم عيونا وموت المرء خير من مقام له بين الذين سقوه هونا لقد نقض اليمين وخان فيها فذاق جزاء من نقض اليمينا وقد كانت به البلدان تشقى شقآءً من تجبره مهينا فكم أذكى بها نيران ظلم وكم من أهلها قتل المئينا وكان يدير من سفه رحاها بجعجعة ولم يرها طحينا وقد كانت به الأيام تمضي شهوراً والشهور مضت سنينا ولما ضاق صدر الملك يأساً وصار يردد الوطن الظنونا وأضحى سيف قائده المفدى على الدستور محتفضاً أمينا حماه من العداة فكان منه مكان الليث إذ يحمي العرينا وأسقط ذلك الجبار قهراً وأنباه بصارمه اليقينا فقرت أعين الدستور أمناً وشاهت أوجه المتمردينا الجباية في الإسلام الصدقات ورسم التعدد لما كانت الحكومة متعهدة بحفظ راحة الأمة وحياتها ومالها وعرضها حق لها أن تأخذ من الأمة أجرة خدمتها وقياسها بما تعهدت به نحوها باسم ضرائب وتكاليف أميرية غير أن الحكومة المطلقة كحكومتنا قبل إرجاع الدستور إلى أحكامه اعتبرت الضرائب من حقوقها الاستعبادية وعلى ذلك بنت قواعدها واستحلت أي ضريبة كانت وإذا أزالت ضريبة من ضرائبها تأخرت واعتبرت عملها كرماً منها على الرعية وكانت الأراضي يومئذٍ تعد من جملة الغنائم التي غنمها السلاطين والأمراء ولذلك ادعت الحكومة العثمانية أن جميع الأراضي ملك لبيت المال إلا ما كان ملكاً صريحاً فقسمت الأراضي على خمسة أنواع وهي أراضٍ مملوكة وأراضٍ موقوفة وأراضٍ أميرية وأراضٍ متروكة وأراضٍ موات. فأما الأراضي المملوكة فهي التي يتصرف بها مالكها كيفما شاء فيبيعها ويقفها ويرهنها ويوصي بها ويحولها إلى بناء ورياض وكروم من غير أن يستأذن فيها أحداً وتجري عليها أحكام الشفعة وغيرها من أحكام الملك وهي على أربعة أنواع: النوع الأول العرصات في القرى والأراضي التي عدت من تتمة السكنى. النوع الثاني الأراضي التي أفرزت من الأراضي الأميرية وجعلت ملكاً صحيحاً على أنواع وجوه الملكية الصرفة وبني تمليكها على المساغ الشرعي. النوع الثالث الأراضي العشرية. النوع الرابع الأراضي الخراجية فرقبة هذه الأراضي الأربعة بملك مالكها وهي كالأموال والعروض يرثها الورثة الشرعيون وتوقف وترهن وتجري عليها الهبة والشفعة وسائر أحكام الملك كما هو مصرح في مجلة الأحكام الشرعية والكتب الفقهية. وأما الأراضي الأميرية فهي التي أحيلت وفوضت للأشخاص على شروط أن تبقى رقبتها لبيت المال كالأراضي والمروج والمحال التي يقال لها يايلاق منزل صيفي وقيشلاق منزل شتوي والحراج التي تركت للاحتطاب والمراعي أما المنازل الصيفية والمنازل الشتوية والغابات والمراعي والبيادر التي تركت لقرية أو قرى متعددة أو قصبة فهي من الأراضي المتروكة. وأما الأراضي الموقوفة فهي قسمان القسم الأول الأراضي المملوكة التي وقفت على الوجه الشرعي ويقال لها أوقاف صحيحة فجميع أحكامها تابعة لسرط الواقف والقسم الثاني الأراضي المفرزة من الأراضي الأميرية التي وقفها السلاطين العظام أو وقفت بإذن سلطاني فهذه كالأراضي الأميرية في جميع أحكامها ولم يمش الوقف إلا على أعشارها ومنافعها الأميرية. وأما الأراضي المتروكة فهي قسمان القسم الأول: الأراضي التي تركت للناس كافة كالطريق العام والأسواق والمرافئ والمساجد والمتنزهات والميادين العامة. والقسم الثاني الأراضي التي تركت لأهالي قرية أو قصبة أو لعامة الأهلين في القرى أو القصبات المتعددة كالمراعي والمنازل الصيفية والمنازل الشتوية والحراج للاحتطاب. وأما الأراضي الموت فهي الأراضي الخربة التي لم تحرث ولم تزرع وبعيدة عن أقصى العمران. ولو نظرنا قانون الأراضي ومعاملات الطابو وما تجري عليه المعاملات لوجدنا الحكومة العثمانية تدعي أن جميع الأراضي الخراجية والعشرية والأميرية والوقفية ما عدا الأوقاف الصحيحة والأراضي المملوكة والمتروكة والموات كلها ملك بيت المال وليس لمتصرفها إلا التصرف بها والانتفاع منها غير أنها سمحت بتناقلها على حسب قانون الانتقال ولم تحدد مدة التصرف والانتفاع بها فأمنت على عمرانها ولهذه الأسباب عدت الأعشار وضرائب الأملاك أجرة أراضيها وأملاكها لا أجرة خدمتها للشعب وعلى هذا النظر أنشأت القواعد والقوانين على أن أكثر البلاد وأخص بالذكر منها سورية لم تفتحها الحكومة العثمانية عنوةً بل إن أهلها استقبلوا السلطان سليماً بالترحاب وأقروا له بالملك لما كانوا يرون من ظلم ملوكها حينئذٍ. ولقد أبنت في المقدمة أن مؤسسي الدولة الإسلامية لما فتحوا البلاد وصالحوا أهلها تركوا الأراضي بأيديهم واقتصروا على الخراج أجرة القيام على ذمتهم ومن هنا يتضح أن الأراضي السورية والعراقية أراض خراجية أي من الأراضي المملوكة إلا ما ملكه غزاة المسلمين في صدر الإسلام وتقاسموه أيام الفتوحات الإسلامية وبعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقيل أن السبب في جعلها أراضي أميرية لأن أصحابها ماتوا بلا وارث وأصبحت محلولة فتملكها بيت المال وجعلها أراضي أميرية على أن العاقل يستبعد موت أهالي العراق قاطبة وأهالي سورية طراً وما شاكلهما عن غير وارث يرثهم فتغدو الأراضي محلولة بأجمعها ولم يكتب لنا المؤرخون عن ذلك شيئاً ولذلك أعتقد أن أراضي سورية والعراق وما شاكلها من الأراضي الخراجية أراض مملوكة يجب أن تكون ملك صاحبها ولا يسعني التفصيل هنا لئلا أبعد عن الموضوع وسبب ذكر أنواع الأراضي تمهيداً لجرح ما قيل من جواز أخذ الضريبة عن المواشي. وذلك أن الحكومة العثمانية لما كانت مالكة لرقبة الأراضي والغنم والدواب ترعى في بقعة من تلك الأراضي التي تنبت عشباً وإن محصول الأراضي الأميرية تدفع العشر من محصولها غير أن الشب تأكله الدواب وأن الدواب تثمر ولها ريع وثمرها وريعها يتوقفان على الرعي فقد لزم أخذ عشر العشب ضريبة على المواشي وعليه رفع العشر ومنعت الضرائب عن المراعي على أن المراعي والبيادر والحراج المتروكة للاحتطاب ومحال الأسواق والطرق العامة عدت من الأراضي العمومية المتروكة للرعية التي لا يجب أخذ ضريبة عنها إلا ما كان مقيداً بالدفتر الخاقاني بأن يدفع ضريبة وما كان من الأماكن التي تعد يايلاقاً أوقيشلاقاً وخصص لقرية أو قرى متعددة فتؤخذ على ذلك ضريبة يقال لها يايلاقية وقيشلاقية بحسب قانون الأراضي. بيد أن المواشي التي ترعى في المراعي العمومية والتي لم تكن عليها ضريبة والتي ترعى في المنازل الصيفية والمنازل الشتوية وما شابهها بل حتى التي ترعى في أراضي صاحبها تدفع ضريبة التعداد وقيل أيضاً لما كان تعيين عشر العشب صعباً رأوا أن يؤخذ العشر ممن رعى الأرض بصورة ضريبة على المواشي فجعلوا في بادئ الأمر رسم التعداد عشر الدواب أي نعجة عن كل عشر نعاج أو شاة عن كل عشر شياه فلوا ردنا أن نعرّف ضريبة المواشي على حسب هذه التفصيلات لقلنا أنها عشر العشب غير أن السبب الحقيقي في أخذ هذه الضريبة غير ما ذكرناه لأن الأصل في دعوى ملك الأرض فاسد وعلى ذلك يكون الفرع فاسداً. ولما كانت الحكومات تحمل الأمة ما تحتاج إليه من نفقة وتأدية ديون وأرادت أن توزع تلك النفقات والديون على ضرائب متنوعة ليخف حملها على الأمة جعلت على المواشي قسماً بدعوى أن المواشي وأصحابها تستفيد من خدمة الحكومة في حفظها من الغارة والنهب وإليك التفصيل: لو كان لرجل أرض لا تعادل قيمتها أكثر من ألف قرش وليس عنده سوى عشرين رأساً من الماعز وحسبنا ما يدفعه للحكومة سنوياً حسب الجدول الآتي لبلغ مجموع ما يدفعه ستمائة وثمانية وثلاثين قرشاً صحيحاً. الجدول فلو أضفنا مقدار الربا والفوائض الفاحشة التي يدفعها صاحبنا هذا لعلمنا السر في بقائه مديناً أبد الدهر وإن أرادت الحكومة أن يأخذ من كل فرد من الرعية ما أصابه ففلو طلبت من صاحبناً هذا مثلاً ٦٣٨ قرشاً دفعة واحدة لطار عقله وصرف ذهنه إلى الامتناع واستعد للعصيان وإذا استعدت النفوس لذلك قامت في وجه الحكومة وشقت عصا الطاعة ولكن لما كانت هذه الضرائب موزعة بين أن تؤخذ من الأفراد مباشرة تحت أسماء منوعة وبين أن تؤخذ بالواسطة كرسم المكوس كمرك والدخان والملح فلا يشعر بثقلها أحد وهذه الحكمة في أخذ ضريبة المواشي ولهذا تؤخذ هذه الضريبة تحت اسم خدمة الحكومة لحفظها من التعدي والنهب والسلب وهذا ما أصاب المواشي من نفقات الحكومة وديونها وبعد ذلك أرى أن المراعي والأراضي لا للحكومة لأن الحكومة هي الأمة فلا فرق بين الأمة والحكومة والخزينة هي خزينة الأمة ويظهر مما تقدم أن للحكومة أن تطرح ضريبة على الماشية. بقي علينا أن نبحث في كيفية تلك الضريبة لتكون عادلة: سمى الإمام أبو يوسف رضي الله عنه الضريبة المذكورة بالصدقات أي الصدقة في المواشي فقال سمعنا حديثاً عن الزهري عن سالم بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب كتاباً في الصدقة فقرنه بسيفه أو قال بوصيته فلم يخرجه حتى قبض صلى الله عليه وسلم فعمل به أبو بكر حتى هلك ثم عمل به عمر قال فكان فيه في كل أربعين شاة شاة إلى عشرين ومائة ٤٠ — ١٢٠ فإذا زادت فشاتان إلى مائتينيفإذا زادت فثلاثة شياه إلى ثلاثمائة فإذا زادت ففي كل مائة شاة شاة وليس فيها شيء حتى تبلغ المائة وفي خمس من الإبل شاة وفي عشر شاتان وفي خمسة عشر ثلاث شياة وفي عشرين أربع شياه وفي خمس وعشرين بنت مخاض إلى خمس وثلاثين فإن زادت ففيها ابنة لبون إلى خمسة وأربعين فإن زادت ففيها حقة إلى ستين فإن زادت ففيها جذعة إلى خمس وسبعين فإن زادت ففيها بنتا لبون إلى تسعين فإن زادت ففيها أربعين بنت لبون ولا يجمع بين متفرق ولا يفرق بين مجتمع اهـ وعن علي رضي الله عنه وإبراهيم النخعي وأبي حنيفة أنه إذا كثرت الإبل ففي كل خمسين حقة وكذلك الغنم عنه إذا كثرت ففي كل مائة شاة شاة وليس في أقل من ثلاثين بقرة من البقر السائمة شيء فإذا كانت ثلاثين ففيها تبيع جذع إلى تسع وثلاثين فإذا كانت أربعين ففيها مسنة فإذا كثرت ففي كل ثلاثين تبيع جذع وفي كل أربعين مسنة ولعل معاذ في اليمن مثله وأما الخيل فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قد عفوت لأمتي عن الخيل والرقيق وقال أبو يوسف قد روينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما نقله إلينا رجال معروفون أنه قال تجاوزت لأمتي عن الخيل والرقيق وقال عن سفيان بن عبينة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال تجاوزت لكم عن صدقة الخيل والرقيق وقال أبو يوسف فأما الإبل العوامل والبقر العوامل فليس فيها صدقة وشرط أبو يوسف في أخذ الصدقة شروطاً فقال وأما ما يؤخذ في الصدقة من الغنم فلا يؤخذ إلا الثني فصاعداً ولا تؤخذ في الصدقة هرمة ولا عمياء ولا عوراء ولا ذات عوار فاحش ولا فحل الغنم ولا الماخض ولا الحوامل ولا الربي وهي التي معها ولد تربيه ولا الأكيلة وهي التي يسمنها صاحب الغنم ليأكلها ولا جذعة فما دونها فإن كانت فوق الجذع وما دون هذه الأربع أخذها المصدق وليس لصاحب الصدقة أن يتخير الغنم فيأخذ من أخيارها ولا يأخذ من شرارها ولا من دونها ولكن يأخذ الوسط من ذلك على السنة وما جاء فيها ولا تؤخذ الصدقة من الإبل والبقر والغنم حتى يحول عليها الحول والمعز والضأن في الصدقة سواء. فتبين مما تقدم أن الشارع عليه الصلاة والسلام نظر في قيم المواشي الحقيقية وإيرادها الحقيقي لتكون الصدقة متناسبة مع الإيراد الحقيقي ثم إن الصدقة أو رسم التعداد هي شرعاً واحد من أربعين أي اثنان ونصف من مائة فلو نظرنا إلى ريع الغنم وريع البقر وريع الإبل وحسبنا الصدقات لم نجد تفاوتاً بين قيم الصدقات مثلاً فقد جعل عليه السلام شاة على الأربعين شاة وشاة على الخمسة من الإبل المتوسطة بحسب السوق نحو الأربعين ليرة فتكون الصدقة في الإبل والضأن ليرة من أربعين على أن الشارع لم يأخذ الصدقة من دون الأربعين شاة والخمس من الإبل رحمة بالفقراء. اهـ وأما رسم التعداد النظامي الذي قام مقام الصدقات الشرعية فقد كان من قبل واحداً من عشرة ثم انقلب إلى الرسم فصار أربعة قروش صحيحة عن كل دابة من معز وضأن فإن كان عند رجل مائة وعشرون رأساً من الضأن وجب عليه دفع أربعمائة وثمانين قرشاً صحيحاً رسم تعداد وتسعة وعشرين قرشاً صحيحاً ونصفاً للتجهيزات العسكرية وقرشاً صحيحاً ثمن ورقة سكة حجاز ونصف قرش ثمن طوابع فتبلغ الصدقة عن المائة والعشرين رأساً ٥١١ قرشاً صحيحاً أي نحو خمس ليرات ونصف ريال مجيدي وأما الصدقة الشرعية في هذه المائة والعشرين فهي شاة متوسطة لا تعادل قيمتها ليرة فصار رسم التعداد ستة أضعاف الصدقة الشرعية في الضأن وأما الماعز فعلى المائة وعشرين رأساً منها كذلك ٥١١ قرشاً صحيحاً وهذا بمقام شاة من الماعز المتوسط وثمن الماعز المتوسط لا يتجاوز الثلاثة ريالات أي ٥٧ قرشاً صحيحاً فيكون رسم التعداد عشرة أضعاف الصدقة في الماعز وهذا منتهى الظلم فقد اتضح لنا أن الفرق بين الصدقة الشرعية والضريبة الرسمية عظيم جداً وكنا ذكرنا في المقدمة أنه يجب على الحكومة أن تستوفي رسم التعداد عندما يكبر نسلها ويبيعه صاحبها ليدفع الرسم من ريع ماله غير أن القانون الجاري حتى الآن يجبر أصحاب المواشي على دفع الضريبة في آذار أو نيسان أو قبل آذار حينما تكون الخراف والحملان صغيرة لا تباع فيضطر صاحب المواشي إلى الاستدانة بأرباح فاحشة فيكون تحمل الضريبة مضاعفة ضريبة التعداد وفائضها فيصبح رسم التعداد عشرين ضعفاً من الصدقة الشرعية وهذه الضريبة الفادحة دفعت الأهالي إلى الاحتيال وتهريب الغنم والماعز لأنهم استكثروا الرسوم واعتقدوا أنها ظلم صراح لا صدقة شرعية فأثار هذا التهريب طمع القائممقامين والمتصرفين ومأموري المال فصاروا يبيعون مأموريات التعداد بدراهم معدودات ولا يخفى على أولي البصيرة أن مأمور التعداد الذي لا تزيد أجرته على أربعمائة قرش لا يدفع خمسين ليرة من أجل أن ينال تلك الوظيفة إلا إذا كان يعتقد تحصيل مائة ليرة والمائة لا تؤخذ إلا من أفراد متعددين فيضيع على الخزينة أكثر من مائتي ليرة وعلى ذلك فقس المملكة بأجمعها تجد الحكومة قد أضاعت مبالغ تعادل ما أخذته فوق الصدقة الشرعية ولم تربح إلا شيئاً قليلاً غير أنها حملت الأمة أثقال الضرائب والظلم هذا إذا صرفنا النظر عما يذبحه الموظفون من الخراف فتخسر الأمة مبالغ غير مشروعة بسبب انحراف الحكومة عن أحكام الشريعة انحرافاً كلياً. ولما كانت القاعدة المشئومة تزييد واردات الخزينة بأي صورة كانت من أجل أن تصرف على بذخ الظالمين في الأستانة وكان بعض القاممقامين والمتصرفين يخشون النقص عن البدل السابق أنشأوا يضيقون على مستخدمي التعداد ليأتوا بزيادة الواردات يحملون الفقراء العاجزين ما ينقصونه عن الأغنياء فتبلغ ضريبة أغنام الفقراء أضعاف أضعاف ضريبة أغنام الأغنياء وأرباب السطوة والصولة ولهذا فقد نقص رسم تعداد الأغنام على توالي الأيام نحو أربعمائة ألف ليرة في المملكة كما أنه قل الخير وهجر الغنم أصحابها وقل اعتناؤهم وقلت المواشي فارتفعت إبان اللحم والسمن وضاق أمر المعاش. ولو نزلت الضريبة إلى حد الصدقات وفرقت الحكومة بين الضأن والماعز وعدلت في رسم تعداد البقر والإبل المسومة لتنفس الأهالي وهانت عليهم الضريبة واعتقدوا أنها فرض ديني فلا يخفون ولا يهربون مواشيهم بسبب قلة الضريبة وأداء الفريضة فحينئذٍ يرغب الناس في تكثير الغنم والمعز وإصلاحها لكثرة ريعها ووفرة أرباحها فيكثر السمن والصوف والشعر فتسهل المواد الصناعية الابتدائية ويخرج ذلك إلى الممالك الأجنبية فتستفيد الخزينة من تمنع التجار والصناع ورسم الكمرك المكوس ويرخص السمن واللحم فتتسع على الناس معايشهم وتقوى على العمل أجسامهم وقد وقفت عند هذا القدر ريثما يتم النظام الجديد وسأعود إلى البحث إذا دعت الحاجة والله الموفق. ضراء العلماء ٢ بين هذا الجيل الناشئ نفرٌ لم يكتب لهم الوقوف على حضارة المشرق وآدابه بل غاية ما وصلت إليه أفهامهم من البحث والتدقيق أخذهم بغشاء العلوم الغربية الحديثة فقط فراحوا وهم ثملون بحثالة تلك الثمالة يهرفون بما لا يعرفون زاعمين أن المشرق وحده منبعث الأعمال البربرية كما أن البعض حتى من علماء المغاربة يصورون الشرقي ذلك الغر المجرد والعربي ذلك الذي يخوض بحاراً من رمال محرقة وأشعة الشمس المذابة قطراتها تتصبب عليه فتصهر رأسه في فضاء صحاري جرداء تكاد لا تتناهى. . . ولو تهيأ لذلك العربي ما تهيأ للغربي من التربية والبيئة المحيط وتكاثر الوسائل والوسائط ما كان مدعاةً للتأثير في أخلاقه وأفكاره وخيالاته وقوته العقلية وطبيعته الحيوية الخ. . . . لاستعاض عن ظلال الخيام التي كان يستحضر في زواياهاجابر الكوفي بدور الكيمياء ذات البنيان الضخم والمعامل الكبيرة ولكانت له ضفاف الأنهار مباءة يتفيؤ ظلالها الخضراء. ولقد رأينا العرب لما اختلفت عليهم مؤثرات التربية والبيئة وأنشاؤا يدوخون الممالك ويمصرون الأمصار أمة ناهضة بلغت في التحضر والتمصر شأواً بعيداً وضربت في المدنية والعمران بسهم وافر. ونبغ بين ظهرانيهم من الدهاة من ألفوا في العلم والاجتماع والأدبيات على اختلاف ضروبها فبرز الكندي وجابر الكوفي والطوسي وابن رشد وابن سينا والفارابي وابن أبي أصيبعة والسمرقندي في الرياضيات والطب والفلسفة والغزالي والرازي وابن حزم وابن باجة وابن خلدون والمتنبي والمعري في الاجتماع والتاريخ والأخلاق والشعر وأخذ العظماء من الأمراء يسرفون في إنشاء معاهد العلم في بغداد وسمرقند والشام والأقطار الأخرى وعهدوا وظيفة التعليم إلى من تأفقت شهرتهم في العلم في ذلك العصر مما يدل على نهضة علمية كبرى نشأت في المشرق بقي من آثار القائمين بها أطلال بالية ومن نتائج قرائحهم بقايا ملئت بها مكتبات المشرق والمغرب على كثرة ما عداها من عوادي الأيام. ألا وإن الأمم تسير في تقدمها وتأخرها على نواميس عامة قد لا تختلف في الغالب إلا بقدر الاستعداد الفطري وتأثير الإقليم. وما يصح أن يقال عن تلك الأمم من الأعمال البربرية أن هو إلا أمر طبيعي لا بد من وقوعه بين أي شعب أسفَّ للانحطاط في العلم وأخلد للجمود في الدين. مر على أوربا من أدوار الظلم والظلمات ما سجل لنا التاريخ من آثارها في الأمم الغربية ما يصح أن يكون عبرة همجية وذكرى سوء. وذلك في الغالب يرجع إلى عوامل ثلاثة كانت علة العلل لما نجم عنه من سقوط وصعود: الملوك ورجال الكنيسة والنبلاء. أما النبلاء: فلم يؤثر عنهم في الأعم الأغلب من حالهم سوى أنهم كانوا يسعون وراء تأييد نفوذهم ونيل مشتهايتهم وملذوذاتهم بأية طريقة كانت سواءٌ دعا سعيهم هذا إلى إهراق دماءِ الشعب وابتزاز أمواله واكتساح الأراضي الشاسعة من مستعمراته أو إلى مقاومة الملوك إذا آسوا منهم مالا ينطبق على ما ينزعون إليه من حب السلطة والجار الذي كان دينهم وديدنهم حتى أتيح لهم نفوذ قوي كان لهم عوناً في عامة ما تذرعوا به من الذرائع لحفظ سلطتهم وإحرازهم ميزةً على غيرهم من بني البشر حتى في المحاكم ومسائل القضاء. وأما الملوك: فإن استئثارهم في الملك وإغراقهم في البذخ والترف خملهم على مبالغتهم في الإرهاق والعسف وإتيانهم كل امرء منكر لمطاردة قادة الأفكار من رجال الأمة فكان الملك يذيب أيامه ولياليه التي كان يجب أن يقضيها فيما يعود على الأمة والوطن بالمصلحة العامة في اختراع صنوف الحيل والدسائس تارة وفي أحلام الموبقات مرة أخرى فمن طنطنة أقداح إلى إزاقة ابتسامات بين وصيف وبغا وكثيراً ما كانت الحرب بالباب والسلطان في لعب. ومما ساعدهم على عملهم هذا غفلة الشعب واتخاذهم من اعتقاده بالملوك والقياصرة والأقيال والأكاسرة إنهم آلهة الأرض والآمرون الناهون في العالمين آله صماء لتنفيذ آمالهم وأعمالهم. فكان الشعب مغلول اليد والفكر واللسان ليس له من الأمر شي إلا الطاعة العمياء. وفوق هذا كله فإنه كان يرى في هذه الطاعة خيراً يصيبه أو ثواباً يناله. ولم يكن من الشعب الغافل إلا أن وسمهم بالألقاب السماوية ووصفهم بعامة صفات الربوبية. وأما رجال الكنيسة: فكانوا يبالغون أيضاً حفظاً لسلطتهم واستبقاء لعزيز جبروتهم في اضطهاد العلم والعلماء. وتم لهم ذلك بما أسدلوه على الأبصار من السجف المبرقشة التي هي ليست سوى خيالات خداع وختل ونفاق وتلاعب قالوا عنها أنها الدين وليست منه في شيء حتى كان منهم أن كانوا يقسمون الممالك ويوزعونها ويخلعون من الملوك من يشاؤن وكانوا كما قال أحمد شعيب بك حكام أوربا المطلقين ديكتاتور. غضب مرة الأب هيلدي بران على هنري الرابع وأصحابه فحرمهم جميعاً حتى اضطر الإمبراطور هو وزوجته إلى أن يقصدوه ليغفر لهم سيئاتهم فقطع جبال الألب في أيام الشتاء وقد ارتدى قميصاً أبيض أعد للمجرمين ووقف أمام القصر الذي كان جالساً في صدره ذلك الأب ثلاثة أيام وهو يرتجف من صبارة القر وأخيراً أذن له بالحضور فتمثل بين يديه وقبل قدميه وهكذا استطاع أن يظهر بمظهر العفو.عن الحرية الدينية في التركية — لاحمد شعيب وإن أعمال رجال الكنيسة في محكمة التفتيش لا تكاد تمحى آثارها من صفحات الوجود فقد كان الغرض من إنشاء هذه المحكمة مقاومة العلم والفلسفة عندما خيف ظهورهما بسعي تلامذة ابن رشد وتلامذة تلامذته خصوصاً في جنوب فرنسا وإيطاليا. وفي مدة ثماني عشرة سنة من سنة ١٤٨١ — ١٤٩٩ حكمت على عشرة آلاف ومئتينيوعشرين شخصاً بأن يحرقوا وهم أحياء فأحرقوا وعلى ستة آلاف وثمانمائة وستين بالشنق بعد التشهير فشهروا وشنقوا وعلى سبعة وتسعين ألفاً وثلاثة وعشرين شخصاً بعقوبات مختلفة فنفذت ثم أحرقت كل توراةٍ بالعربية.الاسلام والنصرانية — ص — ٣٨ وقد قرر مجمع لاتران سنة ١٥٠٣ أن يلعن كل من ينظر في فلسفة ابن رشد وطفق الدومينكان يتخذون من ابن رشد ولعنه من ينظر في كلامه شيئاً من الصناعة والعبادة. قال الأستاذ الشيخ محمد عبده: لكن ذلك لم يمنع الأمراء وطلاب العلوم من كل طبقة من تلمس الوسائل للوصول إلى شيءٍ من كتبه وتحلية العقول ببعض أفكاره ثم قال: وأوقعت هذه المحكمة المقدسة من الرعب في قلوب أهل أوربا ما خيل لكل من يلمع في ذهنه شيءٌ من نور الفكر إذا نظر حوله والتفت وراءه أن رسول الشؤم يتبعه وأن السلاسل والأغلال أسبق إلى عنقه ويديه من ورود الفكرة العلمية إليه. هذا ولا تنس ما كان للحروب والثورات باديء بدء من التأثير السيء في الحركة العلمية في المدارس فالثورة الفرنساوية دعت إلى إلغاء دار الفنون الذي ظل يختلف إليها الطلبة منذ زمن مديد. وألغيت بالقرار المؤرخ في ١٠ آذار عام ١٧٩٤ كلية باريس وثلاث وعشرون جامعة في الولايات الأخرى وصودرت أوقافها وأملاكها وإن حروب التتار الشعواء أغارت على الجامعات التي أُنشئت في مدينة نوفوغوردو و كرسون و موسقو من بلاد روسيا لما فتحها التتار بحد سيوفهم. ولما دب في بولونيا دبيب الحياة وقامت تطالب باسترداد حريتها أنشأت الحكومة الروسية تتذرع بكل جليل وتافه لصد هجماتهم وأول ما بدأت به إغلاق الجامعات والمدارس ومن ذلك جامعة فارسوفيا الشهيرة التي أغلقت عام ١٨٣٢ وظلت كذلك موصدة سنين وأعواماً. وإنه وإن أذن للجامعات بعدئذٍ أن تفتح أبوابها بيد أنه لم يعد يراعى فيها أصول الحرية في التربية والتعليم في حال من الأحوال. وإنك لترى الجامعات والمدارس بعد ما توالى على أوربا من الأزمات العلمية والفكرية في حالة النزع والاحتضار إدارة وتعليماً. فأما ما كان من أمر التعليم فأنها كانت تسلك الخطة التي كانت متبعة في القرون الوسطى وكان المتطفلون على موائد العلم يتصافقون الرتب العلمية على رؤوس الأشهاد ولم يكن من المعلمين الحقيقيين من يستطيع أن يدرب التلاميذ على أصول التربية الحديثة وإن كان يوجد فإنهم كانوا يتقاضون مرتباً نزراً يسيراً. في ذلك الزمن الذي اشتدت فيه الأزمة كانت أوربا تتمخض بالثورات السياسية والدينية. بيد أنها لم تستطع أن تضع حملها إلا بعد أن نبغ فيها فريق من أهل العلم والأدب فبدأوا يجدون بما في طوقهم وطاقتهم وراءَ مكافحة أولئك الخونة المارقين ومنافحتهم في القلم واللسان ليستردوا لبني البشر حقوقهم المغصوبة فكان فيهم العلماء والحكماء والأدباء والقصصيون والشعراء أمثال نيوتن وباكون وديكارت وهيكو وفولتر ولامارتين وتولستوي ولوك وفيختي وكانت وميرابو وموليير وغيرهم من رجال الإصلاح وكذلك كان بين هؤلاء من رجال الإصلاح الديني كثيرون ومن أشدهم جهاداً وجلاداً لوثيروس زعيم المذهب البروتستانتي في البلاد الأوربية والأميركية جمعاء. فسد هؤلاء العظماء العجز في تربية الشعب وتعليمه واغتنت النفوس بما تجدد في البلاد من الأوضاع وما ظهر في عالم المطبوعات من المصنفات العلمية والأدبية واكتسبت بما اكتسته من الحلل القشيبة ميلاً خاصاً من القلوب فتهافت الناس عليها وهم في أشد الحاجة إلى ما يمحو ما تلطخ على صفحات الأفكار من الشوائب المبهمة. وكان أول انقلاب وقع في نظام الأسرة العائلة والمعتقدات. وتمثل هذا الانقلاب بأكمل مظاهره في المبادئ والأفكار وعلم الشعب حق العلم أنه مهضوم الجانب مهيض الجناح وأن الملوك والأمراء بأجمعها ليست سوى إجراء له وآنئذٍ نزع استرداد حقوقه بما مازج روحه من قوة الحرية في القول والعمل. شعر الملوك ورجال الكنيسة لما آنسوا من الشعب ميلاً إلى الإصلاح ورجاله بالخطر الذي يتهدد سلطتهم الملطقة فأخذوا يضيفون على مظالمهم الأولى ضروباً من الجنايات والخيانات. ألا وإن قيصر الباستيل والآلة المدعوة المقصلة كيلوتين ومحكمة التفتيش وفيافي سيبريا وسراي التويليريهي اشبه بقصر ييلدز في عهد السلطان عبد الحميد المخلوع كانت مقراً لملوك فرنسا في باريس واحرق في مايو عام ١٨٧١ أعظم شاهد على ما أتوا به من الفظائع والفجائع لمناهضة العلماء والحكماء ورجال الإصلاح: هذا لافوازيه العالم الكيماوي المشهور الذي عني بهذا الفرع من العلم عناية خاصة واكتشف عناصر جديدة لم تكن معروفة من قبل ووضع نواميس عامة أبان فيها ما خفي تعليله على المتقدمين حتى دعي بـ واضع الكيمياء الجديدة — هذا الرجل على فضله وعلو كعبه في العلم وخدمته الإنسانية جمعاء حكم عليه بالإعدام وسيق إلى ساحة القتل حيث ذهب ضحية الجهل والغدر والخيانة. وهذا غاليله العالم الإيطالي الفلكي المشهور عقدت من أجله جلسات متوالية في إيطاليا ضمت أهم رجال الكنيسة وغيرهم وأجمعوا بخروجه عن أوامر الدين في قوله بحركة الأرض ثم حكموا عليه بالإعدام فالتفت إلى الجمهور وهو جذل فرح وقال: هي تدور وفوق ذلك هي كروية. وكذلك دانتي حكيم إيطاليا وشاعرها أمر الكردينال بورجينو عام ١٣٣٩ بإحراق بعض مؤلفاته في بولونيا جهاراً وطلب إخراج جثته من القبر وإحراق عظامها انتقاماً من على إلحاده ثم لم تمضِ على هذه الأحكام عشر سنين حتى شعر الشعب الإيطالي بمنزلة هذا الجرل ففي سنة ١٣٥٠ قررت جمهورية فلورنسا أن تدفع مبلغاً من النقود إلى ابنة له راهبة تدعى بتريس وفي عام ١٣٩٦ قررت أن يبنى له ضريح ويقام له تذكار في فلورنسا على أنهم ما زالوا يحاولون بذلك إلى أوائل هذا القرن فابتنوا له ضريحاً وقد احتفلوا بافتتاحه في ١٤ تموز عام ١٨٦٥ وهو تذكار مضي ستمائة سنة من يوم ولادته. ومثله فولتر حكيم الأدباء في فرنسا نظم قصيدة هجا بها لويس الرابع عشر ملك فرنسا فحكم عليه بالسجن فسجن في الباستيل سنة نظم أثناءها قصيدة سماها التعاهد ليبج ورواية دعاها أوديبوس قالوا أنها أحسن ما كتبه من حيث شرح العواطف الحقيقية وذلك عام ١٧١٨ ثم أطلق سراحه بدعوى أنه مريض يحتاج إلى تبديل الهواء في بلومبيار فسار وقد عول على أن لا يعود إلى فرنسا ولكن قلمه ثنى عزمه فعاد إلى مثل ذلك فأعيد إلى السجن مهاناً بالضرب واللكم عام ١٧٢٦ فلبث هناك ستة أشهر ثم أطلق سراحه والتجأ إلى إنكلترا لعله يتخلص من دسائس الفرنسويين. ولقد كتب مقالات فلسفية قيل أنه تعرض فيها للدين والسياسة فأحرقت بأمر مجلس الأمة البرلمان واضطر إلى مغادرة باريس خوفاً على حياته وقد ذهب بعضهم إلى أنه ملحد لأن الكهنة لم تأذن بدفنه على العادة المألوفة وإن أحد أبناء أخيه كان رئيساً لدير فأخذ الجثة سراً إلى ديره ودفنها في الكنيسة وفي سنة ١٧٩١ نقلت الجثة إلى البانتيون مدفن الملوك والعظماء والكبراء. وكذلك روسو فإنه نال من نبال الطعن والاحتقار ما لا يكاد يخطر على بال وما ذنب هذا الرجل الكبير — كما قال أحد حكماء فرنسا — سوى أنه خالف سنة أهل النظر في عصره وهي اعتمادهم في إصلاح المجتمع الإنساني على الرجال ومخاطبتهم إياهم فيه بأن وجه خطاباً إلى الوالدات والأطفال وهو أمر هداه إليه ما فطر عليه من جودة الطبع وذكاء القريحة ثم قال: وإن أردت أن أبين لك كيف خدم روسو الأطفال خاصة بما نشره في كتبه من الانتصار لهم قلت أن ذلك إنما كان بما ألقنه تلك الكتب في نفوس الفرنسيس من بذور الثورة وهيأتها به لها. ومثله لوتيروس المصلح الديني الألماني فإنه قام بالدعوة إلى ما صح عن المسيح فطبق ما ورد في الإنجيل ضارباً بتلك الأوهام التي تعلقوا فطفوا بها عرض الحائط. وأول ما ناهضه هو مسألة الغفران ولم ير داعياً للأبوة فألغى الرتب الروحانية وشركات الدنيا والقاعدة التي تخول الرهبان عدم الزواج ظهرياً. وحملته طبيعة الحال على أن يدعي ويثبت مدعاه بأن كنائس الكاثوليك جمعاء تناقض أحكام الدين المسيحي على خط مستقيم وقد دعا الإمبراطور شارلكان المجلس العام في ألمانيا إلى الالتئام فالتئم وطلب المجلس بأكثرية الأصوات إحراق لوثيروس وقد كاد يقع ذلك لولا أنه أقام سنة كاملة في دار نبورج مختفياً عن أعين الرقباء وأتم خلال هذه المدة ترجمة الإنجيل الذي كان شرع بترجمته بادئ بدء وأحدث انقلاباً كبيراً في الأدبيات الإنكليزية والأفكار. وبلغ بالقسيسين التعصب في إسبانيا على عهد سكسيمون الثالث مبلغاً هذا حده ولم يكن منهم إلا أن أبعدوا عامة من كانت تهزهم أريحية الوطنية أيام كان القسم الأعظم من واردات الحكوممة مخصصاً لصندوق الكنيسة. وإن شعور التعصب قد بلغ في أوربا أشده حتى كان الوباء إذا فشا نسب إلى الموسويين ومن ثم ترى هؤلاء المساكين يستهدفون لضروب الإيذاء والجفاء ما الله به عليمالحرية الدينية — احمد شعيب وبعد فإن سلطة العلم لا تقاوم ومن قاومها كان خليقاً بكل أذى يلحقه إن لم يكن عاجلاً فآجلاً. وصوت العلم النافع — كما قال رنان — كثيراً ما يتضاءل أمام هجمة المهاجمين وقحة الدجالين وللعم صوت متى سكن ضجيج تلك الظواهر يظل ذاك الصوت يسمع فلا يعود أحد يسمع غيره قال: ومن أجل هذا ترى المجامع العلمية على كثرة شكوى أهل الأفكار المنحطة منها فائزة بفضل الغلبة لأنها حارسة حسن الترتيب الحقيقي وهي قليلة ولكنها مفلحة وليس لغير العقل سلطة تبقى وإن رجال الإصلاح كلما أغرقوا في الدعوة إليه صموا آذانهم عن جلبة الوشاة والمشائين ولم يحفلوا بما ينزل بساحاتهم من الكوارث وإنهم ليعدون ما يصيبهم من إهانة واحتقار شرفاً لهم وفخراً كما قال ذلك الكاتب الفرنسوي: كل قبضة من الوحل تلقى في جبهة صاحب صناعة فهي إكليل من الفخار وقد سيق من سيق من هؤلاء المصلحين إلى القتل وعلى شفاههم تلوح ابتسامة السرور ولسان حالهم يقول كما قال لازوروس: نحن نموت الآن لأن الشعب نائم وتموتون أنتم غداً متى استيقظ الشعب. هذه آثار الأدوار السوداء ونتائجها ولقد كان للأمم الشرقية من آثار مثل هذه الأدوار حظ وافر ولو لم يزل فيهم من القوة بقية ومن الذكاء الذماء لأودت بحياتهم الأدبية منها والمادية. ومما يقوي آمال رجال الإصلاح ويشد عزائمهم ما رأوه من نهضة المشارقة في هذه القرون الأخيرة فقد تناولت الحركة الإصلاحية الشمس المشرقة اليابان ففارس فالأمة العثمانية مما يدل على أن الاستعداد كامن في نفوس البشر التربية تظهره والإهمال يخفيه. ولا بدع إذا قامت تلكم الأقوام بنهضة حديثة اهتزت لها الأرض من أقصاها إلى أقصاها وهم الذين كانت لهم فيما مضى حضارة ضخمة فخمة قضت عليها النواميس الطبيعية بالاندثار والعفاء وقيضت من رجال الغرب عني بأمرها فبزوا بها وبرّزوا. وما على الأمم الشرقية اليوم إلا أن تطرس على آثار الغربيين في العلم والاجتماع وتأخذ بالأمور المعقولة من حضارتهم ومدنيتهم ليكتب لها عمر مديد وتاريخ مجيد!. . الرتب والأوسمة كانت الرتب والأوسمة العامل الأقوى في إفساد الأخلاق على عهد الحكومة الاستبدادية الماضية فاستعملها الظالم ذريعة لرفع من شاء ولو كان وضيعاً وتصغير من أراد ولو كان كبيراً وفي تقلد الأوسمة ونيل علائم الرتب كم خربت بيوت وشتت شمل أسرات وكانت أقل الوسائط إليها وأقربها تناولاً أن يعمد من يرغب في التشرف بها إلى التجسس على الأحرار وإيجاد السبل لإرهاق من يطالب الحكومة السالفة بإصلاح المختل ومداواة المعتل. ومن نظر في التاريخ يجد الألقاب عند العرب والإفرنج من بقايا القرون الوسطى قرون الهمجية والانحلال. فمنشأوها عند العرب كما قال ابن الحاج في المدخل الترك فإنهم لما تغلبوا على الخلافة تسموا هذا شمس الدولة وهذا ناصر الدولة وهذا نجم الدولة إلى غير ذلك فتشوقت نفوس بعض العوام ممن ليس له علم بتلك الأسماء لما فيها من التعظيم والفخر فلم يجدوا سبيلاً إليها لعدم دخولهم في الدولة فرجعوا إلى أمر الدين فكانوا أول ما حدثت عندهم هذه الأسماء إذا ولد لأحدهم مولود لا يقدر أن يكنيه بفلان الدين إلا بأمر يخرج من السلطنة فكانوا يعظمون على ذلك الأموال حتى يسمى ولد أحدهم بفلان الدين فلما أن طال المدى وصار الأمر إلى الترك لم يبق لهم بالتسمية بالدولة معنىً إذ أنها قد حصلت لهم فانتقلوا إلى الدين ثم فشا الأمر وزاد حتى رجعوا يسمون أولادهم بغير ما يعطوه على ذلك ثم انتقل إليه بعض من لا علم عنده ثم صار الأمر متعارفاً متعاهداً حتى أنس به العلماء فتواطأوا عليه. قال أبو بكر الخوارزمي: مالي رأيت بني العباس قد فتحوا من الكنى ومن الألقاب أبوابا ولقبوا رجلاً لو عاش أولهم ما كان يرضى به للحش بوابا قلّ الدراهم في كفي خليفتنا هذا فأنفق في الأقوام ألقابا أما في الغرب فكانت الرتب العلمية والجندية في القرون الوسطى تباع بيع العروض والعقار يمنحها الملك لمن يريد من حاشيته أو لمن يرى هو ورجاله أنه قام بخدمة لبلاده وربما ورثها عنه أبناؤه وأحفاده من بعده على نحو ما أصبح أولاد العالم في العهد الأخير في هذه الديار يرثون وظائفه ومقامه كما يرثون أرضه ومتاعه وتطلق عليهم ألقاب هي العجب العجاب وأسماءٌ ما أنزل الله بها من سلطان كأن يقال لا جهل الجاهلين أعلم العلماء المحققين وللخالع المارق ناصر السنة والدين. الرتب على النحو الذي يعهد في الشرق والغرب اليوم لم يكن لها ما يماثلها في الدولة اليونانية ولا الرومانية وغاية ما في الأمر أن الظافر في الألعاب الأولمبية في آثينة كان يذكر بالمحمدة ذكراً يورثه الشرف هو وأهل بلاده وينال جائزة سنية وكذلك من كتب به النصر على أعداء رومية ولكن لا يرث أبناؤه وأهله ما كان هو أبا عذرته وداعية مفخرته. ولما انتظمت حكومات الغرب ألغيت الرتب من معظم الممالك الأوربية ولا يزال لها أثر في بعضها ولكنه ضئيل لا ينمُّ عن شرف ولا ينبئ عن فضيلة ورجع الناس هناك أو كادوا إلى عادة السذاجة التي كانت عليها دولة العرب ثلاثة قرون وأكثر فكان يدعى الكبير باسمه أو بكنيته ولم يكن للألقاب سوق معروفة. كان براد بالرتب والأوسمة وعلائم التشريف في الأصل تحريك نفوس الناس إلى مباراة بعضهم بعضاً في طلب الكمال والمجد الحقيقي لأن من واجبات الحكومة أن تنشط العامل وتأخذ بيد صاحب الكفاءة ليكون مثالاً صالحاً لغيره والرتب والأوسمة من الأمور التي قد تساعد على هذا الشأن ولكن المتأخرين من أهل الغرب شاهدوا كما شاهد المتأخرون في الشرق أيضاً رداءة تلك الطريقة فأسقطوا بعض تلك الرتب والأوسمة وبقي غيرها عضواً أثرياً من حكومات القرون الوسطى يدل بأصرح بيان على أن من الصعب جداً على حكومة لها بعض التقاليد وإن كانت غير معقولة أن تنسفها جملة واحدة اللهم إلا إذا كانت كحكومة الولايات المتحدة لم تبن أصول حكومتها على أنقاض غيرها بل جعلت فيها العلم قائداً والعقل مرشداً ورائداً ولذلك تساوى بها العامل الصعلوك مع رئيس الجمهورية في الألقاب والتشريف. قال أحد علماء الفرنسيس: ومن الواجب الاقتصاد في منح الأوسمة والألقاب وأن يتوخى المنعم بها لا يهبها إلا لمن يستحقها ممن لا ينكر عليهم استئهالهم لها أبعد الناس عن معرفة الحقيقة ومن الخطأ الفادح أن يذهب بعضهم إلى أن عدد الراضين يزيد بمضاعفة علائم الشرف إذ الأمر بخلاف ذلك وكلما خفضت المطالب والقيود درجة زادت الدعاوي الطويلة العريضة وما أنت بصاحبها في هذا المطلب إلا كأنه يتقاضى حقاً وأمراً مشروعاً وكلما زاد إعطاء الأوسمة وقعت الحكومات في شر أعمالها فتصبح في ذلك بين أمرين ما أن تعطيها لأناس لأخلاق لهم ولمن لهم علم واقتدار ولكنهم معروفون بالأخلاق السافلة وكلا الحالتين قبيح وأقبح. وما حال الشعب إذ ذاك إلا حال الأطفال في المدرسة يطمحون إلى المكافآت المدرسية ويحرصون عليها أكثر من طموحهم إلى التقدم الحقيقي. قلنا أن الظافر في الألعاب الأولمبية بآثينة كانت تنظم له الجوائز وكذلك الظافر في البر أو البحر يجازى أحسن الجزاء في رومية ويقلد أوسمة أشبه بأوسمة هذه الأيام علاوة على المكافآت المالية ومنها تيجان للجنود وأكاليل من ورق الزيتون وأكاليل من أغصان البلوط وأسورة وقلائد من الذهب والفضة تناط في الصدور أو في قرون صغيرة تجعل في أطراف الخوذ. ولم تكد ترفع عن الأفواه والأقلام في البلاد العثمانية كمائم الاستبداد والحجر هذه ألسنة حتى قام عقلاء العثمانيين يكتبون في إسقاط الرتب والأوسمة لأن في إسقاطها رفع شأن أرباب الكفاءآت وتوعوا لذلك الأساليب وفي مقدمة الكاتبين المتخرجون من المدرسة الملكية العالية في الأستانة وهي من أرقى مدارس الدولة فقام من تعلموا فيها وفيهم الولاة وكبار العمال وتجردوا عن رتبهم مختارين قائلين أن الرتب من قبيل الامتيازاتمن مقالة في مجلة الملكية التركية بقلم سيدي بك و تعريب شاكر افندي الحنبلي الشخصية المخلة بقاعدة المساواة وأن البلاد الشوروية لا يجوز أن يكون فيها فريق من الناس محكوماً لفريق آخر من أجل هذه الامتيازات الوهمية التافهة. وبعد فإنه لا أثر لهذه الرتب الشخصية في البلاد المتمدنة ولا وجود لها إلا في بلادنا وفي بلاد إيران على أننا نعد هذه المسألة قد حلت حلاً نهائياً لأن مجلس الأمة مصمم على إلغائها بتاتاً وبما أن آخر الشيء ينبه إلى أوائله أحببنا أن نبحث في نبذة من تاريخها ليبقى حسرة في قلوب عشاقها المولعين بوضع القصب على الصدور وفوق العمائم. كان الرومانيون واليونانيون يوجهون المناصب لغير طبقة العسكرية ولكن لا يوجهون عليهم رتباً شخصية. أما العرب فكانت الرتبة عندهم هي الفضيلة والمزية الشخصية وكانوا يوجهون الرتب العسكرية عند الحاجة مؤقتاً. وإنا إذا تصفحنا التاريخ نرى النبي صلى الله عليه وسلم عين وزيره ورفيقه في الغار أبا بكر الصديق رضي الله عنه جندياً في الجيش الذي عقد لواءه لأسامة بن زيد وكان هذا ابن أمة ولكن خبرته في أمور الحرب وشجاعته أهلته لقيادة جيش فيه مثل أبي بكر الصديق ونرى عمر بن الخطاب عزل خالد بن الوليد وجعله تحت قيادة أبي عبيدة بن الجراح وكان جندياً في جيش خالد بن الوليد لما عهده عمر في أبي عبيدة من التأني والاحتياط في أمور الحرب. وأخذت الحكومات في القرون الوسطى بأوربا على عهد الإقطاعات توجه الرتب والألقاب على المأمورين الملكيين قياساً على رتب الرهبان فرتبة فارس شفالية كانت شخصية ولها درجات معينة وليس عند الأوربيين اليوم رتب شخصية توجه بالإنهاء بها. كانت الدولة العثمانية في أول أمرها توجه لقب باشا بمعنى الأخ الأكبر على من يخدم الدولة والدين خدماً فائقة ولقب جاويش وآغا على من يخدم خدماً صغيرة ولما أصلحت الأمور العسكرية والملكية والعلمية في زمن السلطان أورخان ومن يليه من السلاطين أحدثت بعض رتب خاصة بالمناصب لا يتجاوز عددها الأربعة وهي خوجكانلق و قهوجي باشيلق و ميرميرانلق و الوزارة ولا يتجاوز أصحاب هذه الترب السبعين أو الثمانين في الغالب فرتبة الوزارة كانت توجه على الصدر الأعظم وعلى توقيعئ ديوان همايون وعلى دفتر دار الشق الأول يعني ناظر المالية وتوجه نادراً على عامل الولايات الكبرى المهمة وتعلو أقدار رجال الدولة خواجكان و قهوجي باش وتوجه رتبة الروم إيلي بكلربكي التي كانت لها صبغة عسكرية على المتخرجين من أصحاب رتبة ميرميران. كان لقب سعادتلو خاصاً بالسلطان إلى عهد سليمان القانوني ويخاطب الصدر رجال الدولة بلقب عزتلو ومع هذا كله كانت الرتبة توجه وقتئذ في مقابل خدمة مهمة. وفي سنة ١٢٤٨ أدخل بعض التغيير في الرتب والألقاب رتبة أولى مع لقب سعادتلو على كتخدابكي ناظر الداخلية أو مستشار الصدارة اليوم وعلى رئيس الكتاب وهو ناظر الخارجية وعلى ناظر الضربخانة وتوجه الرتبة الثانية مع لقب عزتلو على أمين الترسانة و أمين دار المدافع وعلى الباش جاويش يعني ناظر العدلية والضبطية وأمثالهم. والرتبة الثالثة مع لقب فنوتلو على أمناء المكوس وبقية رؤساء المأمورين. والرتبة الخامسة مع لقب حميتلو على مديري الأقلام ومميزيها. وقسمت بعد ذلك التربة الثانية والثالثة إلى قسمين وجه أول منها على رجال الباب العالي والثاني على أرباب اللياقة من مأموري الولايات وقد أهملت منذ ربع قرن فروع الرتبة الثالثة كما أهملت في زماننا رتبة خواجكان و قهوجي باشى و الخامسة. وفي سنة ١٢٥٥ سمي القسم الأول من الثانية متمايزاً وقسمت الرتبة الأولى إلى قسمين وسمي القسم الأول أولى أولي بالإضافة مع زيادة حضرتلري على الألقاب و المشار إليه بين العبارات وسمي القسم الثاني أولى ثانيسي وبالنظر لتكاثر سواد أصحاب الرتب الأولى وتجاوز عددهم الأربعين شخصاً أحدثت في سنة ١٢٦١ رتبة بالا مع لقب عطوفتلو ليكون خاصة بالرجال المحلين والممتازين على شرط أن لا يزيد عدد أصحابها على السبعة. اهـ إسبانيا والعمران العربي كتب لإسبانيا من دون ساتر بلاد أوربا أن تكون مبعث أشعة التمدن الإسلامي وكهف اللغة العربية على حين ليست هذه الشبه الجزيرة متصلة من حيث موقعها الجغرافي بالشرق الإسلامي مباشرة كما هي حال الممالك البلقانية واليونان مثلاً. وأقرب البلاد بها مساساً وأقربها منها حمى بلاد أفريقية التي كانت منذ قرون ثانوية في النشوء الإسلامي فشغلت إسبانيا مكانة عظمى في تاريخ الإسلام أكثر مما جاور آسيا الصغرى من بلاد الطونة واليونان التي لم تشهد من الإسلام إلا العهد الموغل في التوحش الكثير الفتن القليل المنافع ونعني به عهد الأتراك على حين ذاقت إسبانيا أجمل عهود الإسلام وأخصبها وأعني به عهد العرب فتأصلت مدنيتهم في إسبانيا وأزهرت فيها أي إزهار. فتح طارق بن زياد وموسى بن نصير إسبانيا من سنة ٧١١ إلى ٧١٤ وكانت مستعدة لهذا الفتح لأن الفوضى كانت رافعة عليها أعلامها فاستولى العرب على عرش تلك البلاد من ملكها رودريك الذي هلك في المعركة وأظهر الأشراف ورجال الدين من الإسبانيين من الجبن والنذالة شيئاً كثيراً فهربوا من إشبيلية وقرطبة عندما سقطتا في أيدي العرب ولم يفكروا في الدفاع عنها وبلغ بهم الخوف في طليطلة أن بعضهم هرب إلى غاليسيا ومن رجال الدين من لم يقفوا إلا في رومية لأنهم كانوا يخشون على حياتهم وأموالهم على أن حكومة إسبانيا إذ ذاك كانت مكروهة من العبيد واليهود لأن هؤلاء كانوا مضطهدين. خدم العبيد باديء بدء الدولة الإسبانية قبل دخول العرب ثم قلَّ إخلاصهم لها حتى أن قرطبة سلمها للعرب راهب من العبيد وتمت على أيديهم خيانات أخرى. وكان اليهود أكثر ضرراً على حكومة إسبانيا الغربية ولا يتأتى تقدير عددهم بالتدقيق بل هم فيما يظهر عنصر مهم للغاية انتشروا في قرطبة وإشبيلية والبيرة وغرناطة وطليطلة وغيرها من المدن ولا سيما لوسنا. وكان اليهود في الأندلس على جانب عظيم من الغنى وحسن معرفة بالتجارة وأرقى علماً من جيرانهم واستحكمت بينهم الصلات حتى أصبحوا حكومة وسط حكومة فخاف الملك ورجال الدين الكاثوليكي من امتداد سلطانهم وأخذوا يضطهدونهم بتحامل شديد فربي الخوف والاضطهاد في نفوسهم البغضاء وحب الانتقام. وفي سنة ٦٩٤ قبل مجيء طارق والعرب بسبع عشرة سنة دبر الإسرائيليون مكيدة بمعاونة قبائل البربر اليهود من أهل إفريقية وكادوا يستولون على زمام المملكة الإسبانية. فاكتشفت المكيدة التي دبروها وأخذ المسيحيون يعاملون الإسرائيليين معاملة العبيد الأرقاء وكاد يقضى على العنصر اليهودي عندما بدت طلائع الفاتحين من العرب. اعتبر اليهود العرب مخلصين لهم فاطمأن المسلمون إليهم وأخذوا يعاملونهم معاملة حلفاء لهم وكلما كان يفتح العرب مدينة يجعلون نصف حاميتها من اليهود والنصف الآخر من المسلمين ولم يستثن من ذلك إلا مدينة مالقة حيث قصراليهود فلم يتداخلوا في أمرها. وكان لليهود شأن وأي شأن مع العرب فكان من يناله اضطهاد المسيحيين على أوائل الفتح العربي يدخل في الإسلام ويتحرر من قيود العبودية فمن ثم أصبح اليهود حلفاء المسلمين يتمتعون بأراضيهم وأموالهم وحريتهم في عبادتهم وغدت لهم مكانة في تنظيم شؤون إسبانيا ولاسيما في غرناطة التي ازدهرت بمساعيهم وغدت تسمى في أواخر القرن العاشر مدينة اليهود ثم حدثت م ١ بحة سنة ١٠٦٦ فقتل فيها من الإسرائيليين أربعة آلاف رجل في غرناطة وحدها. ولم يكن المسيحيون الأحرار في الأندلس مثل العبيد واليهود من أعوان الفتح العربي بل كانوا خصومه ومع هذا كنت تراهم على حالة حسنة مع الفاتحين ممتعين بحريتهم المذهبية ومحتفظين بالقسم الأعظم من كنائسهم وكثير منهم دانوا بالإسلام سياسة أو اعتقاداً لاسيما وقد رأوا المسلمين نالوا النصر المؤزر الباهر. والسبب في تسامح العرب مع نصارى إسبانيا أن مركز العرب كان إلى التقلقل وكلمتهم مختلفة وذلك لأن العرب والبربر يكره بعضهم بعضاً. ثم إن العرب بطبيعتهم مفطورون على التسامح الديني وكان النصارى وحدهم يدفعون الجزية حتى إذا أخذوا يدينون بالإسلام فرغت خزائن الحكومة العربية لقلة الجزية الواردة إليها ثم إن المسلمين أخذوا يتزوجون من الإسبانيات اللائي كن بجمالهن أعظم صلة للامتزاج بين الفاتحين وخصومهم. وكانت تجري على سادات الإسبانيول أحكام الإسلام فيختلطون بأشراف العرب ومن ظل محتفظاً بدينه منهم نسي مبادئه فصار يحجب نساءه كالمسلمين ويقتدي بأزيائهم وألبستهم وعاداتهم في مآدبهم ورفاهيتهم وخلاعتهم ويزهد في اللغة اللاتينية ويجتهد في تعلم اللغة العربية وآدابها ويسعى في نيل وظيفة في الجيش الإسلامي أو التعلق بخدمة الخليفة أو أحد رجاله. ولقد كان القشتاليون والليونيون والنافاريون من سكان إسبانيا المسيحيين يأتون بكثرة للانخراط في خدمة الخليفة المنصور وكان هذا مؤقتاً بأن حب الكسب هو الذي يحمل هؤلاء على الإخلاص له أكثر من أشراف العرب الطائشين فيجري عليهم لذلك الأرزاق والجرايات الوافرة ويشملهم برعايته. وإذا شجر اختلاف بين مسيحي ومسلم من جنده يعطي الحق غالباً للمسيحي. وكانت أيام الآحاد أيام عطلة بدل الجمع. ولما انقسمت بلاد الأندلس بين الطوائف أمسى ملوك المسيحيين يتزوجون من بنات الأمراء المسلمين فقد تزوج ألفونس السادس بزايدة ابنة أمير إشبيلية. وإن إسبانيا على ما كان بين العنصرين المسيحي والإسلامي في الأندلس من الاختلاف الذي لا مناص منه قد أصبحت مدة قرنين ونصف أي منذ الفتح العربي إلى زوال الخلافة الأموية ٧٧٤ — ١٠٣١ تحت السلطة العربية والمدنية العربية برضاها لا بالرغم منها وقد مزجت تلك المدنية بالمدنية الإسبانية اللاتينية واليهودية التي كانت هناك قبل الفتح الإسلامي وكان ذلك بفضل العقل العربي. من الظلم أن يقال أن إسبانيا كانت قبل إغارة العرب عليها في حالة الهمجية فقد كانت المدنية اللاتينية زاهرة فيها بفضل رجال الدين فأصبحت إشبيلية بواسطة أسقفها القديس إيزيدورس مركزاً علمياً قوي الدعائم لم يقو الفتح العربي على زعزعته وأنقذت مدرسة إشبيلية التقاليد اللاتينية من الحركة الشرقية فأصبحت البيع والأديار محال الاعتقادات والمعارف ولاسيما طليطلة وقرطبة وإشبيلية فكان يدرس فيها علم العروض والآداب اللاتينية مع علم اللاهوت. وعلى الرغم من سعي الأساقفة انتشرت المدنية العربية بسرعة وكادت تقضي على الوطنية الإسبانية وانحلت تلك المدنية الأصلية حتى ظلت معاهدها من القرن العاشر إلى القرن الثاني عشر مباءة الانحلال والتنبت. دان كثير من الإسبانيين بالإسلام فأخذوا يتناسون أصولهم ويستعربون بحضارتهم وأخلاقهم وأنشؤا يتكلمون بالعربية بفصاحة لا غبار عليها وتمكنوا من آداب العرب حتى صار الخلفاء يختارونهم فيما بعد عمالاً لإداراتهم وأمناءَ لمشورتهم وأسرارهم أي في جميع الوظائف التي تقتضي أن يكون لصاحبها معرفة واسعة باللغة العربية ومتى قبل أحدهم مدنية الفاتحين لا يلبث أن يعترف بأنها أرقى من غيرها. كانت مدنية العرب في إسبانيا محسوسة في الأمور المادية وذلك بما استعملوه من الوسائط الزراعية لإخصاب الأراضي البور في إسبانيا بالأساليب العلمية التي اتخذوها لريها وهي أساليب إن لم تكن اختراع العرب فهم الذين أكملوا نواقصها وأحسنوا استخدامها كما أنهم أسسوا معامل للحرير والجلود والبلور وغزل الصوف والقطن والكتان والقصب وأقاموا ما لا يحصى من البنايات العمومية من مثل الجوامع والحمامات ومنها ما يستدعي إعجاب الأمم بأسرها حتى بعد ثمانية قرون من تأسيسه مثل جامع قرطبة وقصر الحمراء في غرناطة. ثم خدموا العمران بتخطيط المدن الآهلة بالسكان الغنية الرباع التي لم تسترجع بعد الرعب ما كان لها في أيامهم من الحضارة وما برحت أنقاضها وما فيها من جمال رائع وصناعة محكمة ولاسيما في قرطبة وغرناطة شاهدة أبد الدهر بتلك المدنية باعثة على التأسف لزوالها. نعم إن العرب فاقوا في تقدمهم في شبه جزيرة الأندلس بعلوم الطب والنبات والفلك والطبيعيات سواء كان بالعمليات أو بالنظريات فكيف لا يبتزون في علم البلاغة والفلسفة والشعر وهي العلوم التي كان لهم القدح المعلى فيها. وقد اجتذب حب هذه الحضارة حتى المسيحيين ومنهم من تناسى الأحقاد والمبادئ وما انقضت ثلاثون سنة على الفتح حتى أصبح الناس ينسخون الكتب اللاتينية بحروف عربية كما كان يفعل اليهود بمخطوطاتهم العبرية وما مضي نصف قرن إلا وقد دعت الحال إلى ترجمة التوراة والقوانين الكنائسية إلى اللغة العربية ليتمكن رجال الدين أنفسهم من فهمها. ولقد اتخذ المسيحيون اللغة العربية ترجماناً لعواطفهم وقلوبهم حتى شكاالفار والقرطبي صديق الشهيد ألوج كما قال دوزي في كتابه تاريخ المسلمين في إسبانيا من أن المسيحيين في الأندلس قد أفرطوا في حبهم للعربية حتى صاروا يحبون تلاوة قصائد العرب وقصصهم ويدرسون كتب علماء الإسلام وفلاسفتهم لا ليردوا عليها بل ليحلوا بها منطقهم. قال وكيف السبيل إلى إيجاد رجل من العامة يقرأ التفاسير اللاتينية على الكتب المقدسة ومن منهم يتدارس الأناجيل والأنبياء والرسل ومن الأسف أن جميع صغار المسيحيين الذين اشتهروا بقرائحهم لا يعرفون غير العربية وآدابها فهم يقرؤن الأسفار العربية ويتدارسونها بنشاط لا مزيد عليه ويقتنونها بالأثمان الغالية يؤلفون بها خزائن نفيسة ويذكرون في كل مكان أن آداب العربية مما يعجب به وإذا حدثتهم بالكتب المسيحية يجيبونك بازدراء أن هذه الكتب غير حرية بالتفاتهم. وأي ألم أعظم من أن ينسى المسيحيون حتى لغتهم ولا تجد في ألف واحد منهم من يستطيع أن يكتب كتاباً مناسباً باللغة اللاتينية إلى صديق له وأنت إذا كلفت أحدهم أن يكتب بالعربية تجد جمهوراً يعبرون عن أفكارهم بهذه اللغة على صورة بديعة وقد ينظمون من الشعر العربي ما يفوق بما فيه من الصناعة شعر العرب أنفسهم. واللوم في قصور الإسبانيين عن شأو العرب أن الحضارة الإسبانية اللاتينية قد نضب معينها وذهبت نضارتها على حين كانت الحضارة العربية على أشد نضرتها على عهد خلفاء بني أمية في الأندلس ولاسيما زمن عبد الرحمن الثالث وابنه الحكم الثاني وفي أيامهما كان الأمويون في إبان عزهم. فكان في قرطبة وسكانها نصف مليون نسمة ثلثمائة مسجد جامع وأحواض ماء وحدائق وفيها الآكام المزروعة المعروسة والحدائق الأنيقة وعلى نحو فرسخ من قرطبة قصر الملك الزهراء ودائرة الحريم منها تسع ثمانية آلاف امرأة فكانت قرطبة تنازع بغداد الأولية ببهجتها ونضارتها. وقد عرف عبد الرحمن الثالث أذكى ملوك عهده جناناً وأكثرهم استدارة وأغناهم — وكان في خزانته عشرون مليون ذهب كذا — بسخائه المتناهي في اجتلاب الشعراء وأرباب الموسيقي ومشاهير العلماء يقتدي في ذلك بأسلافه عامة. وإن المتوسطين من هؤلاء الخلفاء ليدرون النفقات الطائلة على أناس لهم في الإسكندرية والقاهرة ودمشق وبغداد وكل إليهم أن يوقفوه على الحركة العقلية فيبعثون إليه بأهم المصنفات وأجمل الآثار. مثال ذلك أن إمبراطور القسطنطينية لم ير أحسن من أن يهدي مصنفاً بديعاً من ديوز كوريد مكتوباً بالذهب وقد حمله مع راهب عهد إليه بتعريبه للملك استجلاباً لرضاه. فاق الحكم الثاني أباه بولعه بالآداب والكتب النادرة فكان يغص قصره بالنساخ والمجلدين والنقاشين وبلغت فهرست كتبه بحسب رواية معاصريه أربعة وأربعين جزءاً وكل جزءٍ عشرون صفحة وقال آخرون أن في كل جزء خمسين صفحة. ولم يكن فيها غير اسم الكتاب ووصفه. وقد قرأ الحكم هذه المصنفات وشرحها وحشاها وعلق عليها تعليقات تدل على طول باعه في تاريخ الأدب العربي. وبذل لأبي الفرج الأصفهاني من علماء العراق خمسة آلاف دينار ليخص الأندلس بتأليفه وهو عبارة عن دائرة معارف حوت أخبار الشعراء والمغنين. وكان العلماء من إسبانيا وغيرها ينهالون على قصره فيحسن فيه لقاءهم ويفرق عليهم الإحسان واشتهرت كلية قرطبة في العالم بأسره وإن لم تكن معروفة بأنها معهد رسمي للخلفاء أكثر من جميع الكليات العربية. وكان عبد الرحمن الثالث والحكم الثاني يحميان العلماء فيها من تعصب المتنطعين في العبادة. فيأتي الجامع الأعظم ألوف من الأندلسيين والأجانب من كل البلاد لاشتهاره بأنه معهد علمي وذلك من مدينة الأستانة إلى جرمانيا حيث كان هروفستا بقرطبة وهو فيديره. وفي ذاك الجامع كان أبو بكر بن معاوية القرشي يقريءُ الحديث النبوي وأبو علي القالي البغدادي يملي أماليه المشهورة الغنية بالنكات اللغوية والشعرية المأثورة عن العرب القدماء وابن قوطية أعلم نحوي في عصره يدرس النحو. ورأى الحكم قبيل وفاته أن من الصعب على من بعده نشر المعارف بين الفقراء فأنشأ فيقرطبة سبعة وعشرين مدرسة ينفق على مدرسيها من ماله. ولئن كانت هذه المدارس الصغرى كالكليات لا تنطبق على ما نريده منها اليوم فكانت المدارس الابتدائية لتعليم القراءة وتفسير بعض آيات من القرآن ومع هذا كانت تشهد بما فطر عليه رعاياه من حب المعارف والتعليم. وإن ذهاب الخلافة من الأندلس سنة ١٠٣١ وتقاسمها بين ملوك الطوائف سواء كانوا من أشراف الأسر العربية أو حذاق البربر لم يقف عثرة في سبيل هذه الحمية بل كان شأن عامة ملوك الطوائف شأن أولئك الأمراء في إيطاليا على زمن النهضة يحاولون أن يبرروا مظالمهم بحمايتهم للعلماء ولاسيما للشعراء الذين كانت أماديحهم وأهاجيهم عند العرب ذات شأن كبير حتى كان أعظم الخلفاء في بغداد ودمشق يحاول أن يسالمهم ليسالموه ويحسن إليهم ليمدحوه. وتقدمت إشبيلية في تلك القصور الخالعة المتحضرة فكان المعتضد ابن عباد ابن القاضي أبي القاسم محمد مؤسس الدولة العبادية من الأمراء الظالمين المتهتكين يزرع الورد في جماجم أعدائه الكثار ويسرح طرفه بالنظر إلى هذه الحديقة ويدمن الخمر ولكنه ينظم الغزل الرقيق ويمنح الأدباء وظل ابنه المعتمد المحبوب الذي هلك في غارة المرابطين أحد المشاهير بنظم الأغاني في الأدب الإسباني العربي وقد أعطى من أجل بيتين فذين لعبد الجلال ألف دينار. وكان ابن عمار رفيق صباه وحاجبه زمناً شاعراً أيضاً ويساوي مولاه برقة الشعر ورشاقته وكانت رومابيكا السلطانة المحبوبة التي استولت طول حياتها على عقل المعتمد وقلبه مشهورة ببديهتها وهكذا كانت غاية هؤلاء المفتونين الظرفاء من الحياة أن ينصموا ويترفهوا ولو لم يضيفوا إليه محبة الآداب والصنائع الفكرية لكانت حقيرة ومريرة. ولقد نافست مملكة المرية على صغرها مملكة إشبيلية وكان ابن عباس الوزير الجبار لزهير ١٠٢٨ — ١٠٣٨ يفاخر ببيانه المبرأ من العيوب وما اقتناه في خزانة كتبه التي تبلغ أربعمائة ألف مجلد أكثر من مفاخرته بغناء العظيم بالنسبة لعصره. ذكر المعتصم الذي طرده المرابطون كما طردوا المعتمد بأنه أحسن الملوك العلماء وأعدلهم في بلاد الأندلس فكان سخاؤه على الشعراء متناهياً حتى وهب ابن شرف قرية برمتها لبيت من الشعر قاله. وكانت قطعة من الشعر أو قصيدة من المدح الرقيق تمطر على ناظمها العطايا. وهو يرغب في سماع الأهاجي ولاسيما إذا دلت على صناعة وخلت من رميه بالبخل ولذا كان الأدباء يهرعون إلى قصره ويخدعونه ويبرمونه بمطالبهم التي لا تطاق فخف إليه في المرية طائفة من الشعراء يتبعهم أناس هاجروا إليه من البلاد الأخرى ومن جملتهم أبو الوليد النحلي الذي أغدق عليه المعتصم عطاياه فضحك منه ولكن المعتصم عفا عنه لا بالحط من قدره بل أنه أتبع العفو بالإحسان والإنعام. ومثله ابن شرف وابن أخت غانم من مالقة وهو ابن أخت اللغوي المشهور وغانم غرناطة وابن الحداد من قادش الذي اشتهر بأنه أعظم شاعر أندلسي. وكان في الأندلس مثل أبي عبيد البكري ابن أحد ملوك الطوائف وهو أعظم جغرافي عربي في إسبانيا وكان له أيضاً حظ وافر من الشعر وله صداقة أكيدة مع المعتصم وكان هذا أو جميع أسرته يتعاطون الشعر ولاسيما ما كان منه في الغزليات والخمريات ومازال غزل أبيه وابنته أم الكرام معروفاً إلى اليوم عند كل من اطلعوا على الآداب العربية. رسخت قواعد الحضارة العربية منذ القرن الحادي عشر إلى القرن الثالث عشر وبهرت العقول على ما كان من الفوضى السياسية في جميع إسبانيا الجنوبية بحيث تؤثر تأثيراً شديداً حتى على أعدائها الألداء أي الأمراء النصارى في شمالي إسبانيا. فانتشر هنا استعمال اللغة العربية بكثرة حركة فرسان ليون وأراغون الذين كانوا يذهبون للغزو مع المسلمين. وما كان يراه ملوك نافار وغاليسيا وليون وأراغون من ضرورة الاتحاد مع جيرانهم في الجنوب العرب فكانوا يؤدون إليهم الجزية على عهد خلفاء الأندلس وغدا العرب على عهد ألفونس السادس ملك غاليسيا وقشتالة وليون ونافار بعض إقطاعاته فكان في قصر ألفونس السادس ملك أهل الدينين كما كانوا يسمونه أناس من المدققين في اللغة المطلعين كل الاطلاع على دقائق اللسان العربي بحيث تسهل عليهم مكاتبة أمراء الطوائف من المسلمين فقد كان السيد كمبادور يجيد التكلم بالعربية لا فرق بينه وفي العقل والأخلاق وبين مسلمي بلنسية. ولما دخل ألفونس السادس إلى طليطلة سنة ١٠٨٥ وكانت هذه المدينة عاصمة ألوزغوت القديمة قوي نفوذه من وراء الغاية باستيلائه عليها ولم يأت عملاً يصر بشهرتها بالعلوم الإسلامية وفاءً بعهد تعهده في هذا الشأن وكان نقض العهد من المألوفات في عصره لأن المسيحيين في الشمال ما زالوا متوحشين ينتفعون من الاحتكاك بالعنصر العربي المحط في أخلاقه الراقي بعقله وسار خلفاؤه على قدمه. ناول مدرسة أنشئت في طليطلة أوائل القرن الحادي عشر هي عربية اشتهر أمرها على عهد ملوك قشتالة أي زمن أبي عبد الله محمد بن عيسى المغامي وأحمد بن عبد الرحمن بن المطهر الأنصاري وغيرهما من الأساتذة ومن هذه المدرسة نشأت تربية الإسبانيين على مناحي العرب. وفي سنة ١١٣٠ أنشأ ريمون رئيس أساقفة طليطلة في هذه المدينة مدرسة للتراجمة وبها رسخت اللغة العربية والأفكار العربية في إسبانيا المسيحية تاريخ الأمم والملوك هو أوسع تاريخ عربي أبقته الأيام لصاحبه أبي جعفر محمد بن جرير الطبري المتوفي سنة عشر وثلاثمائة قال ابن خلكان في ترجمته هو صاحب التفسير الكبير والتاريخ الشهير كان إماماً في فنون كثيرة منها التفسير والحديث والفقه والتاريخ وغير ذلك وله مصنفات مليحة في فنون عديدة تدل على سعة علمه وغزارة فضله وكان من الأئمة المجتهدين لم يقلد أحداً. . . وكان ثقة في نقله وتاريخه أصح التواريخ وأثبتها. هذه خلاصة حال هذا العلامة الكبير وقد أصابه ما أصاب كبار العلماء في الإسلام من الحط من شأنه وإيذائه قال ابن الأثير وفي هذه السنة ٣١٠ توفي محمد بن جرير الطبري صاحب التاريخ ببغداد ومولده سنة أربع وعشرين ومائتينيودفن ليلاً بداره لأن العامة اجتمعت ومنعت من دفنه نهاراً وادعوا عليه الرفض ثم ادعوا عليه الإلحاد وكان علي بن عيسى يقول والله لو سئل هؤلاء عن معنى الرفض والإلحاد ما عرفوه ولا فهموه هكذا ذكره ابن مسكويه صاحب تجارب الأمم وحاشا ذكر الإمام عن مثل هذه الأشياء وأما ما ذكره من تعصب العامة فليس الأمر كذلك وإنما بعض الحنابلة تعصبوا عليه ووقعوا فيه فتبعهم غيرهم ولذلك سبب وهو أن الطبري جمع كتاباً ذكر فيه اختلاف الفقهاء لم يصنف مثله ولم يذكر فيه أحمد بن حنبل فقيل له في ذلك فقال لم يكن فقهياً وإنما كان محدثاً فاشتد ذلك على الحنابلة وكانوا لا يحصون كثرة ببغداد فشغبوا عليه وقالوا ما أرادوا: حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه فالناس أعداءٌ له وخصوم كضرائر الحسناء قلن لوجهها حسداً وبغضاً أنه لدميم وقال الإمام أبو بكر الخطيب كان الطبري أحد أئمة العلماء يحكم بقوله ويرجع إلى رأيه لمعرفته وفضله وكان قد جمع من العلوم ما لم يشاركه فيه أحد من أهل عصره فكان حافظاً لكتاب الله عارفاً بالقرآات بصيراً بالمعاني فقيهاً في أحكام القرآن عالماً بالسنن وطرقها صحيحها وسقيمها ناسخها ومنسوخها عارفاً بأقاويل الصحابة والتابعين ومن بعدهم في الأحكام ومسائل الحلال والحرام خبيراً بأيام الناس وأخبارهم وله الكتاب المشهور في تاريخ الأمم والملوك والكتاب الذي في التفسير لم يصنف مثله وله في أصول الفقه وفروعه كتب كثيرة وأخبار من أقاويل الفقهاء وتفرد بمسائل حفظت عنه. وقال ابن خزيمة حين طالع كتاب التفسير للطبري ما أعلم على أديم الأرض أعلم من أبي جعفر ولقد ظلمته الحنابلة وقال أبو محمد عبد الله بن أحمد الفرغاني بعد أن ذكر تصانيفه وكان أبو جعفر ممن لا تأخذه في الله لومة لائم ولا يعدل في علمه وتبيانه عن حق يلزمه لربه وللمسلمين إلى باطل لرغبة ولا رهبة مع عظيم ما كان يلحقه من الأذى والشناعات من جاهل وحاسد وملحد وأما أهل الدين والورع نغير منكرين علمه وفضله وزهده وتركه الدنيا مع إقبالها عليه وقناعته بما كان يرد عليه من قرية خلفها له أبوه بطبرستان يسيرة. يعد هذا التاريخ من المطولات بل هو أطول وأجمع تاريخ للقرون الأولى الثلاثة وقد كان مؤلفه يريد أن يتوسع فيه أكثر مما توسع حتى عرض على تلاميذه قبل الشروع في تأليفه أن يريد أن يملي عليهم تاريخاً فقالوا له كم يكون حجمه فقال ثلاثون ألف ورقة فقالوا تفنى الأعمار ولا يستوفي مطالعة فقال حسبي الله ماتت الهمم وأملاه في ثلاثة آلاف ورقة كما انتهى إلينا. فجاء تاريخ ابن جرير مأخذاً للمؤرخين وطالبي التوسع في الوقوف على أخبار القرون الراقية في الأمة وقد كبر حجمه بالأسانيد والروايات على طريقة المحدثين إلا أن الحوادث بادية من خلال سطوره تنال بأدنى نظر. مثال ذلك ما رواه في الجزء الأول من الكلام على خلق العالم نقلاً عن الإسرائيليات فإنه بعد أن نقل الموضوعات كلها قال ابن صح ما روي عن رسول الله ص بحيث يتوهم المطالع قبل أن يصل إلى هذا الكلام أن ما أورده وعني به هو الحقيقة التي شائبة فيها. وتاريخ ابن جرير مرتب على السنين مثل تاريخ الكامل لابن الأثير وتاريخ أبي الفداء والمسعودي وغيرهم ومن تطويله في سرد الكوائن يستفيد المطالع أشياء كثيرة فينتفع الكاتب من حسن العبارة وجودة سبكها ويقف على تعابير فصيحة قد لا يعرفها وليست مألوفة لهذا العهد والشاعر يتعلم ضروباً من الشعر والمقاطيع على اختلاف العصور خصوصاً والشعر كله مشكول كما شكلت الآيات القرآنية والكلمات التي ربما تلتبس بل يستفيد الجندي كيفية تعبئة الجيوش في تلك الأعصر ويتعلم المكايد والباحث في الاجتماع يقع على فوائد مهمة. وفي هذا الكتاب قصائد نظمت على البديهة لشعراء مشهورين وغيرهم ومقاطيع قيلت في المناسبة وأنشدت بدواع خاصة وفيه رسائل الخلفاء لعمالهم ورسائل العمال لخلفائهم ومعظمها في الغاية إيجازاً وبياناً بنسج متعلم البيان والخطابة والشعر على منوالها وفيه من الحوادث كمقتل الحسين وشيعته مثلاً ما لوجود لكان قصصاً تاريخية حماسية فمن ذلك كلام لحيان بن ظبيان أحد زعماء الخوارج قاله لأصحابه: إنه والله ما يبقى على الدهر باق وما تلبث الليالي والأيام والسنون والشهور على ابن آدم حتى تذيقه الموت فيفارق الإخوان الصالحين ويدع الدنيا التي لا يبكي عليها إلا العجزة ولم تزل ضارة لمن كانت له هماً وشجناً فانصرفوا بنا رحمكم الله إلى مصرنا فلنأت إخواننا فلندعهم إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإلى جهاد الأحزاب فإنه لا عذذر لنا في القعود وولاتنا ظلمة وسنة الهدى متروكة وثأرنا الذين قتلوا إخواننا في المجالس آمنون فإن يظفرنا الله بهم نعمد بعد إلى التي هي أهدى وأرضى وأقوم ويشفي الله بذلك صدور قوم مؤمنون وإن نقتل فإن في مفارقة الظالمين راحة لنا ولنا بأسلافنا أسوة. وقال زياد لما استعمله معاوية على البصرة وخراسان وسجستان والهند والبحرين وعمان فقدم البصرة سنة ٦٥ والفسق بالبصرة ظاهر فاش فخطب خطبة بتراء لم يحمد الله فيها وقيل بل حمد الله فقال: الحمد لله على أفضاله وإحسانه ونسأله المزيد من نعمه اللهم كما رزقتنا نعماً فألهمنا شكراً على نعمتك علينا أما بعد فإن الجهالة الجهلاء والضلالة العمياء والفجر الموقد لأهله النار الباقي عليهم سعيرها ما يأتي سفهاؤكم ويشتمل عليه حكماؤكم من الأمور العظام ينبت فيها الصغير ولا يتحاشى منها الكبير كأن لم تسمعوا بآي الله ولم تقرؤا كتاب الله ولم تسمعوا ما أعد الله من الثواب الكريم لأهل طاعته والعذاب الأليم لأهل معصيته في الزمن السرمدي الذي لا يزول أتكونون كمن طرفت عينه الدنيا وسدت مسامعه الشهوات واختار الفانية على الباقية ولا تذكرون أنكم أحدثتم في الإسلام الحدث الذي لم تسبقوا به من ترككم هذه المواخير المنصوبة والضعيفة المسلوبة في النهار المبصر والعدد غير قليل ألم تكن منكم نهاة تمنع الغواة عن دلج الليل وغارة النهار قربتم القرابة وباعدتم الدين تعتذرون بغير العذر وتغطون على المختلس كل امريء منكم يذب عن سفيهه صنيع من لا يخاف عقاباً ولا يرجو معاداً ما أنتم بالحكماء ولقد أتبعتم السفهاء ولم يزل بهم ما ترون من قيامكم دونهم حتى انتهكوا حرم الإسلام ثم أطرقوا وراءكم كنوساً في مكانس الريب حرم عليَّ الطعام والشراب أُسويها بأرض هدماً وإحراقاً إني رأيت آخر هذه الأمر لا يصلح إلا بما صلح أوله لين في غير ضعف وشدة في غير جبرية وعنف وإني أقسم بالله لآخذن الولي بالولي والمقيم بالظاعن والمقبل بالمدبر والصحيح منكم بالسقيم حتى يلقى الرجل منكم أخاه فيقول انج سعد فقد هلك سعيد أو تستقيم لي قناتكم أن كذبة المنبر تبقى مشهورة فإذا تعلقتم عليَّ بكذبة فقد حلت لكم معصيتي من بيت منكم فأنا ضامن لما ذهب له إياي ودلج الليل فإني لا أوتى بمدلج إلا سفكت دمه وقد أجلتكم في ذلك بقدر ما يأتي الخبر الكوفة ويرجع إليَّ وإياي ودعوى الجاهلية فإني لا أجد أحداً دعا بها إلا قطعت لسانه وقد أحدثتم أحداثاً لم تكن وقد أحدثنا لكل ذنب عقوبة فمن غرق قوماً غرقته ومن حرق على قوم حرقناه ومن نقب بيتاً نقبت عن قلبه ومن نبش قبراً دفنته حياً فكفوا عني أيديكم وألسنتكم أكفف يدي وأذاي لا يظهر من أحد منكم خلاف ما عليه عامتكم إلا ضربت عنقه وقد كانت بيني وبين أقوام أحن فجعلت ذلك دبر أذني وتحت قدمي فمن كان منكم محسناً فليزدد إحساناً ومن كان مسيئاً فلينزع عن إساءته إني لو علمت أن أحدكم قد قتله السل من بغضي لم أكشف له قناعاً ولم أهتك له ستراًَ حتى يبدي لي صفحته فإذا فعل لم أناظره فاستأنفوا أموركم وأعينوا على أنفسكم فرب مبتئس بقدومنا سيسر ومسرور بقدومنا سيبتئس. أيها الناس إنا أصبحنا لكم ساسة وعنكم ذادة نسوسكم بسلطان الله الذي أعطانا ونذود عنكم بفيء الله الذي خولنا فلنا عليكم السمع والطاعة فيما أحببنا ولكم علينا العدل فيما ولينا فاستوجبوا عدلنا وفيئنا بمناصحتكم واعلموا أني مهما قصرت عنه فإني لا أقصر عن ثلث لست محتجباً عن طالب حاجة منكم ولو أتاني طارق بليل ولا حابساً رزقاً ولا عطاءً عن أبانه ولا مجمراً لكم بعثاً فادعوا الله بالصلاح لأئمتكم فإنهم ساستكم المؤدبون لكم وكهفكم الذي إليه تأوون ومتى تصلحوا يصلحوا ولا تشربوا قلوبكم بغضهم فيشتد لذلك غيظكم ويطول له حزنكم ولا تدركوا حاجتكم مع أنه لو استجيب لكم كان شراً لكم أسأل الله أن يعين كلاً على كل وإذا رأيتموني أنفذ فيكم الأمر فانفذوه علي أذلاله وأيم الله إن لي فيكم لصرعى كثيرة فليحذر كل امريء منكم أن يكون من صرعاي اهـ. نقلت هذه الخطبة على طولها لأنها مرآة ذاك الزمان وعلامة على استحكام أزمة الأحكام في رقاب الأمة ولأن فيها من الشدة واللين والتفتن في أساليب التأثير ما لا يتسنى قو مثله اليوم إلا لأناس من رجال الغرب ممن مرنوا على الخطابة ودربوا عليها فكانت ملكة البيان فيهم طبيعية هذا فضلاً عما حوت من البلاغة والفصاحة. وزياد هو الذي وطد الملك لمعاوية ويزيد وقتل الحسين واشتد في استئصال شأقته وكان يقول لو ضاع حبل بيني وبين خراسان علمت من أخذه وكتب خمسمائة من مشيخة أهل البصرة في صحابته فرزقهم ما بين الثلثمائة إلى الخمسمائة فقال فيه حارثة بن بدر الغدّاني: ألا من مبلغٌ عني زياداً فنعم أخو الخليفة والأميرُ فأنت إمام معدلة وقصد وحزم حين يحضرك الأمور أخوك هليفة الله بن حربٍ وأنت وزيره نعم الوزير تصيب علي الهوى منه ويأتي محبك ما يجن لنا الضمير بأمر الله منصورٌ معانٌ إذا جار الرعية لا تجور يدرُّ على يديك لما أرادوا من الدنيا لهم حلب غزيرُ وتقسم بالسواء فلا غنيٌّ لضيم يشتكيك ولام فقير وكنت حياً وجئت على زمان خبيث ظاهر فيه شرور تقاسمت الرجال به هواها فما تخفي ضغائنها الصدور وخاف الحاضرون وكل بادٍ يقيم على المخافة أو يسير فلما قام سيفُ الله فيهم زياد قام أبلج مستنير قويٌ لا من الحدثان غزٌّ ولا جزع ولا فان كبير ومما ورد فيه من الشعر وهو ما نورد مثالاً ما قالته هند ابنة زيد بن مخرمة الأنصارية وكانت تشيع ترثي حجر بن عدي من زعماء الشيعة وقد قتله معاوية بواسطة عامله زياد. ترفع أيها القمر المنير تبصر هل ترى حجراً يسير يسير معاوية بن حرب ليقتله كما زعم الأمير تجبرت الجباير بعد حجرٍ وطاب لها الخورنق والسدير وأصبحت البلاد لها محولاً كأن لم يحيها مزنٌ مطير ألا يا حجر حجر بني عدي تلقتك السلامة والسرور أخاف عليك ما أردى عدياً وشيخاً له في دمشق له زئير يرى قتل الخيار عليه حقاً له من شر أمته وزير إلا يا ليت حجراً مات موتاً ولم ينحر كما نحر البعير فإن يهلك بكل زعيم قوم من الدنيا إلى هلك يصير ومن خطب الحسين خطبة خطبها بأصحابه لما أحيط به وقام أصحابه يدعونه للمطالبة بحقه قال: أيها الناس إن رسول الله ص قال من رأى سلطاناً جائراً مستحلاً لحرم الله ناكثاً لعهد الله مخالفاً لسنة رسول الله ص يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان فسلم يعير عليه بفعل ولا قول كان حقاً على الله أن يدخله مدخله ألا وإن هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان وتركوا طاعة الرحمان وأظهروا الفساد وعطلوا الحدود واستأثروا بالفيء وأحلوا حرام الله وحرموا حلاله وأنا أحق من عير وقد أتتني كتبكم وقدمت عليَّ رسلكم ببعثكم أنكم لا تسلموني ولا تخذلوني فإن تممتم عليّ بيعتكم تصيبوا رشدكم فأنا الحسين ابن علي وابن فاطمة بنت رسول الله ص نفسي مع أنفسكم وأهلي مع أهلكم فلكم فيَّ أسوة وإن لم تفعلوا أو نقضتم عهدكم وخلعتم بيعتي من أعناقكم فلعمري ما هي لكم بنكر لقد فعلتموها بأبي وأخي وابن عمي مسلم والمغرور من اغتر بكم فحظكم أخطأتم ونصيبكم منعتم ومن نكث فإنما ينكث على نفسه وسيغني الله عنكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. ومن جملة فوائده ما ذكره في حوادث سنة ٧١ أن عبد الملك بن مروان لما قتل مصعباً ودخل الكوفة أمر بطعام كثير فصنع وأمر به إلى الخورنق وأذن إذناً عاماً فدخل الناس فأخذوا مجالسهم فدخل عمرو ابن حريث المخزومي فقال إليَّ وعلى سريري فأجلسه معه ثم قال أيّ الطعام أكلت أحبُّ إليك وأشهى عندك قال عناق حمراء قد أجيد تمليحها وأحكم نضجها قال: ما صنعت شيئاً فأين أنت من عمروس راضع قد أجيد سمطه وأحكم نضجه اختلجت إليك فأتبعتها يده غذي بشر يجبن من لبن وسمن ثم جاءت الموائد فأكلوا فقال عبد الملك بن مروان ما ألذ عيشنا لو أن شيئاً يدوم ولكنا كما قال الأول: وكل جديد يا أميم إلى بلىً وكل امريء يوماً يصير إلى كان فلما فرغ من الطعام طاف عبد الملك في القصر يقول لعمرو بن حريث لمن هذا البيت ومن بنى هذا البيت وعمرو يخبره فقال عبد الملك: وكل جديد يا أميم إلى بلى وكل امريءٍ يوماً يصير إلى كان ثم أتى فاستلقى وقال: إعمل على مهل فإنك ميتٌ واكدح لنفسك أيها الإنسان فكان ما قد كان لم يك إذ مضى وكأن ما هو كائنٌ قد كان ومن فوائده سأل المهدي يوماً كاتبه أبا عبيد الله بن زياد بن أبي ليلى عن أشعار العرب فصنفها له فقال أحكمها قول طرفة بن العبد: أرى قبر نحام بخيل بماله كقبرٍ غوي في البطالة مفسدِ ترى جثوتين من تراب عليهما صفائح صم من صفيح مصمد أرى الموت بعنام الكرام ويصطفي عقيلة مآلِ الفاحش المتشدد أرى العيش كنزاً ناقصاً كل ليلة وما تنقص الأيام والدهر ينفد لعمرك أن الموت ما أخطأ الفتى لكالطول المرخى وثنياه باليد وقوله: وقد أرانا همَّ صاحبه لو أن شيئاً إذا ما فإما رجعا وكان شيءٌ إلى شيءٍ نفرقه دهر يكر على تفريق ما جمعا وقول لبيب: ألا تسألان المرء ماذا يحاول إنحب فيقضي أم ضلال وباطل ألا كل شيءٍ ما خلا الله باطل ومل نعيم لا محالة زائل أرى الناس لا يدرون قدر أمرهم بل كلُّ ذي رأي إلى الله واصل وكقول النابغة الجعدي: وقد طال عهدي بالشباب وأهله ولاقيتُ رَوعاتٍ تشيب النواصيا فلم أجد الإخوان إلا صحابة ولم أجدالأهلين إلا مثاويا ألم تعلمي أن قدرُزِئت محارباً فما لكِ منه اليوم شيئاً ولا ليا وكقول هدبة بن خشرم: ولست بمفراح إذا الدهر سرَّني ولا جازع من صرفه المتقلب ولا أبتغي الشر والشر تاركي ولكن متى أحمل على الشر أركب وما يعرف الأقوام للدهر حقه وما الدهر مما يكرهرن بمعتب وللدهر في أهل الفتى وتلاده نصيب كحز الجازر المتشعب  وكقول زيادة بن زيد وتمثل عبد الملك بن مروان: تذكر عن شحط أميمة فأرعوى لها بعد إكثار وطول نحيب وإن امرأً قد جرب الدهر لم يخف تقلب عصريه لغير لبيب هل الدهر والأيام إلا كما ترى رزيئة آل أو فراق حبيب وكلُّ الذي يأتي فأنت نسيبه ولست لشيءٍ ذاهب بنسيب وليس بعيدٌ ما يجيء كمقبلٍ ولا ما مضى من مفرح بقريب وكقول ابن مقبل: رأت بدل الشباب بكت له والشيب أرذلُ هذه الأبدال والناس همهم الحياة ولا أرى طول الحيوة يزيد غير خبال وإذا افتقرت إلى الذخائر لم تجد ذخراً يكون كصالح الأعمال كتب سفيان بن أبي العالية أحد قواد الحجاج وكان بعث به لقتال بعض أعدائه: أما بعد فإني أخبر الأمير أصلحه الله أني اتبعت هذه المارقة حتى لحقتهم بخانقين فقتلتهم فضرب الله وجوههم ونصرنا عليهم فتبينا نحن كذلك إذا أتاهم قوم كانوا غيباً عنهم فحملوا على الناس فهزموهم فنزلت في رجال من أهل الدين والصبر فقاتلتهم حتى ضررت بين القتلى فحملت مرتثاً فأتي بي بأول مهروذ فها أنا بها والجند الذين وجههم إليَّ الأمير وافوا إلا سورة بن أبجر فإنه لم يأتني ولم يشهد معي حتى إذا ما نزلت بابل مهروذ أتاني يقول ما لا أعرف ويعتذر بغير العذر والسلام. فلما قرأَ الحجاج الكتاب قال من صنع كما صنع هذا وأبلى كما أبلى فقد أحسن ثم كتب إليه: أما بعد فقد أحسنت البلاد وقضيت الذي عليك فإذا خف عنك الوجع فأقبل مأجوراً إلى أهلك والسلام. وكتب إلى سورة بن أبجر: أما بعد فيا ابن أم سورة ما كنت خليقاً أن تجتريء عليّ ترك عهدي وخذلان جندي فإذا أتاك كتابي فابعث رجلاً ممن معك صليباً إلى الخيل التي بالمدائن فلينتخب منهم خمس مائة رجل ثم يقدم بهم عليك ثم سر بهم حتى تلقى هذه المارقة واحزم في أمرك وكد عدوك فإن أفضل أمر الحرب حسن المكيدة والسلام. ومع أن الحجاج معروف بالشدة فاقرأ ما يلي تعرف أنه للشدة تارة وللين أخرى: كتب إليه شبيب أحد قواده: أما بعد فإني أخبر الأمير أصلحه الله أني خرجت فيمن قبلي من الجند الذي وجهني فيه إلى عدوه وقد كنت حفظت عهد الأمير إليَّ ورأيه فيهم فكنت أخرج إليهم إذ رأيت الفرصة وأحبس الناس عنهم إذا خشيت الورطة فلم أزل كذلك ولقد أرادني العدو بكل إرادة فلم يصب مني غرةً حتى قدم عليَّ سعيد بن مجالد رحمة الله عليه ولقد أمرته بالتوءدة ونهيته عن العجلة وأمرته أن لا يقاتلهم إلا في جماعة الناس عامة فعصاني وتعجل إليهم في الخيل فأشدت عليه أهل المصرين أني بريء من رأيه الذي رأى وأني لا أهوى ما صنع فمضى فأصيب تجاوز الله عنه ودفع الناس إليَّ فنزلت ودعوتهم إليَّ ورفعت لهم رايتي وقاتلت حتى صرعت فحملني أصحابي من بين القتلى فما أفقت إلا وأنا على أيديهم على رأس ميل من المعركة فأنا اليوم بالمدائن في جراحة قد يموت الرجل من دونها ويعافى من مثلها فليسئل الأمير أصلحه الله عن نصيحتي له ولجنده وعن مكايدتي عدوه وعن موقفي يوم البأس فإنه يستبين له عن ذلك أني قد صدقته ونصحت له والسلام. فكتب إليه الحجاج أما بعد فقد أتاني كتابك وقرأته وفهمت كل ما ذكرت فيه من أمر سعيد وعجلته إلى عدوه فقد رضيت عجلته وتوءدتك فأما عجلته فإنها فضت به إلى الجنة وأما توءدتك فإنها لم تدع الفرصة إذ أمكنت وترك الفرصة إذا لم تمكن حزمٌ وقد أصبت وأحسنت البلاء وأجرت وأنت عندي من أهل السمع والطاعة والنصيحة وقد شخصت إليك حيان بن أبجر ليداويك ويعالج جراحتك وبعثت إليك بألفي درهم فأنفقها في حاجتك وما ينوبك والسلام. هذه نموذجات من فوائد الكتاب الممتع ولو اتسع المقام لأفضنا فيه أكثر مما أفضنا فإن استيعاب الكلام على اثني عشر مجلداً لا يتأتى في بضع صفحات. مطبوعات ومخطوطات  الاشتقاق والتعريب تأليف عبد القادر أفندي المغربي طبع بمطبعة الهلال ب مصر سنة ١٩٠٩ ص ١٤٦ صاحب هذه الرسالة من بلغاء الكتاب ومصنفه هذا يبحث فيما يعرض اللغة العربية من تكاثر كلمتها بواسطتي الاشتقاق والتعريب وإن هذا الأخير طبيعي في لغتنا وفي غيرها من اللغات وإن استعمال المعرب لا يحط من قدر فصاحة الكلام. وقد أفاض في الاشتقاق والقلب والإبدال والنحت وشروط التعريب ومعربات السنة والكلام المولد والمحدث إفاضة أتى فيها ببعض الشواهد على مقصده. فنثني عليه الثناء الطيب لعنايته بهذا الموضوع ويا ليته رجع إلى ما قاله الباحثون في هذا الفن وأستشهد تأييداً لقوله بكلام الباحثين ولاسيما علماء المشرقيات الذين بحثوا أحسن بحث في أصول اللغات لاسيما السامية منها.  تاريخ النصيرية للمسيو رني دوسو هو المستشرق الفرنسوي العالم صاحب كتاب لغة الصفا وغيره من المصنفات المفيدة وله جلد على التأليف وأكثر ما يكتب يتعلق ببلاد الشام وسكانها قدمائهم ومحدثيهم. وقد كتب كتاباً في تاريخ النصيرية وديانتهم فظهر له بعد التحقيق أنهم شيعة إسلامية فساءَ قوله بعضهم فرد عليه بأن أصلهم مسيحيون وهذه كانت بين الفريقين نقطة الخلاف. وصف دوسو بلاد النصيرية وهي جبلية يحيط بها من الجنوب نهر الكبير ومن الشرق والشمال نهر العاصي ومن الغرب الساحل وجبل النصيرية يمتد من نهر الكبير إلى حوالي صهيون والزاوية التي تهبط بين نهر الكبير من الشمال والعاصي يطلق عليها اسم جبل الأكراد والنصيرية ضاربون أيضاً في أنطاكية حيث اشتهروا بصناعاتهم وسعة عيشهم. وبين سكان الجبال والسهل من التناقض ما يدهش. ذلك أن قلة فائدة العمل في المقاطعات الجبلية أورثت النصيري الكسل والجهل فعاش من غلة وقتية ومن السلب والنهب على حين غدا في أنطاكية ملاكاً وتاجراً مستعداً لأنواع الصنائع وعلى شيءٍ من الغنى وفتح له في مرسين وطرسوس وأذنة أعمالاً رابحة ناجحة. وفي بلاد النصيرية بعض قرى للأرمن حوالي القدموس وفي جبل النصيرية أيضاً بقايا الإسماعيلية القدماء النازلين اليوم في مصيات وقدموس وماوالاهما. وهم يكتمون نفوسهم فراراً من الجندية ولذلك لا ثقة بالإحصاء فعددهم مائة وثلاثون ألفاً في سورية ويبلغ عددهم إذا أضيف إليه النازلون في تلك المدن مائة وخمسين ألفاً وهم قلائل إذا نسبوا إلى البلاد التي يشغلونها وهي أوسع مجالاً من سائر ما يشغله الشيع والشعوب الراحلة في سورية. وفي رأي المؤلف أن عددهم أيام ارتقائهم كان عشرة أضعافه اليوم. قال وهم بادية قائمون على الفلح والحرث وقلما يسكنون المدن دع عنك أنطاكية وجسر الشغور واللاذقية. قال وخبط الناس في أصل النصيرية حتى ادعى بعضهم أنهم أخلاط من الوطنيين اختلطوا مع الفرنجة في القرن الثاني عشر والثالث عشر فزعموا أن نصيري أصله من نصراني وهو اسم تصغير. وهذا رأي رنان وقد رده المسيو دوسو بالبرهان القاطع قائلاً أن الرأي الشائع اليوم في الأندية العلمية أن اسم النصيرية أتى من محمد بن نصير ويقول ستانيسلاس كويارد المؤلف المشهور أن الديانة النصيرية نشأت كالإسماعيلية في أواخر القرن التاسع على يد الإمام الحادي عشر من الشيعة حسن العسكري وكان مقيماً في سامراء بالقرب من بغداد. فالديانة النصيرية كان لها إذا أصل مشابه لديانة الإسماعيلية فدعا وجه الشبه بين الفرقتين إلى أن أخطأ أهل التأليف المسلمين بجزمهم أن الديانتين متحدتان جوهراً وعرضاً مع أن بينهما أحناً ومشاكسات. وقصارى القول فقد فصل المؤلف أحوال هذه الطائفة تفصيلاً شافياً مشفوعاً بأقوال العلماء من مسلمين وإفرنج فذكر فيه اسم مائة وخمسة عشر مؤلفاً ومصدراً ذكرت النصيرية فاستقى المؤلف من مواردها ثم أتبعه بفصل في مسكنهم وأصلهم ومنشأهم منذ العهد الروماني إلى أيامنا ثم أشبع الكلام على عاداتهم وأخلاقهم. هكذا علماء الغرب يبحثون في بلادنا فأين هم منا وأين علماؤنا من علمائهم فشكراً لفضلهم وبيض أياديهم.  إرشاد الأريب إلى معرفة الأديب المعروف بمعجم الأدباء أو طبقات الأدباء لياقوت الرومي عني بنسخه وتصحيحه الأستاذ د. س. مرجليوث طبع بمطبعة هندية ب الموسكي بمصر سنة ١٩٠٩ ص ٤٣٨ لناشر هذا الكتاب ومعلق حواشيه الأستاذ مرجليوث من علماء المشرقيات الإنكليز فضل على الآداب بإحياء هذا الكتاب النفيس بعد أن كاد يأتي عليه العفاءُ كما ثبت له الفضل بإحياء غيره من آثار العرب وقد توسع ياقوت الرومي صاحب معجم البلدان في ترجمة بعض من خدموا الأدب العربي إلى عهده وذكر من نكاتهم وأخبارهم ومنثورهم ونظامهم ما هو مرآة الحياة الاجتماعية والأدبية والعلمية في الأعصار الستة الأولى للإسلام واختصر في تراجم بعضهم على القدر الذي عرف منهم واشتهروا به بين الناس وفي هذا الجزء بقية من أول أسمائهم ألف إلى من أول أسمائهم جيم وعدد المترجمين فيه ١٦١ ومنهم على شهرتهم وخدمتهم للآداب من لم نظفر لهم بترجمة فيما بين أيدينا من كتب الطبقات والتراجم مثل أحمد بن يوسف بن صبيح كاتب المأمون. وبطبع هذا الكتاب ونشره بين الناس تتم سلسلة مهمة من سلاسل التاريخ العربي وسيكون كله في ستة أجزاء نشر منهما الآن اثنان. وفق الله القائم بنشرهما وأعانه على خدمة الفروع التي أخذ نفسه بها لخدمة العلم والآداب.  ديوان رستم طبع بالمطبعة الأدبية في بيروت ص ٤٠٠ أسعد أفندي رستم ممن ولعوا بنظم الشعر الفكاهي العصري وقد أفرد منظوماته في ديوان خاص فجآء مجموعة أدب وظرف وفكاهة. والظاهر أن الناظم توخى في منظوماته الألفاظ العامية ليحكم إيراد النكات والفكاهات ولئلا يستعصي فهمه حتى على الطبقة المنحطة من أبناء الأمة على حين أن في صميم اللغة العربية كما علم الناظم من الألفاظ الجزلة المستملحة ما فيه الغناء دون كبير عناء.  رحلة إلى اليمن سنة ١٨٦١ نشرها بالإفرنسية الأب أنستاس ماري الكرملي طبعت أولاً في مجلة الأنتروبوس الإنسان في النمسا هي رحلة رحلها الخواجة ميخا يوسف النجار البغدادي إلى اليمن ولقي فيها ما يلاقيه أرباب الرحلات في البلاد الشرقية عادة وهي لا تخلو من فوائد اجتماعية وغيرها في خصائص البلاد والشعوب.  الحرية في الإسلام تأليف السيد محمد الخضر بن الحسين التونسي طبعت بالمطبعة التونسية بنهج سوق البلاط بتونس سنة ١٣٢٧ — ١٩٠٩ وعدد صفحاتها ٦٤ ص هذا الموضوع من أجل الموضوعات المثقفة للعقول ذكر مؤلفه حقيقة الحرية والشورى والمساواة والحرية في الأموال وفي الأعراض وفي الدماء وفي الدين وفي خطاب الأمراء وأجاد في كيفية الاستخراج من الكتاب والسنة وتاريخ السلف والتطبيق على حالة العصر مما دل على عراقته في أحوال العصر وتمكنه من أحكام الشريعة وهو من المدرسين بجامع الزيتونة الأعظم له حظ وافر من الإنشاء والتاريخ.  محاضراتأدبيات الجغرافيا والتاريخ واللغة عند العربباعتبار علاقتها بأوربا وخصوصاً بإيطاليا للسنيور جويدي طبعت في مجلة الجامعة المصرية أولاً ص ١٠٩ هذه الرسالة في موضوع جليل يكاد يكون بكراً بالنسبة إلينا إلقاء الأستاذ الشيخ المؤلف على طلبة الجامعة المصرية بلغة العرب وهو إيطالي الجنس والمنشأ معدود من أهل الطبقة الأولى بين المستشرقين الأوربيين. وهذه الدروس هي أربعون درساً كلها جعبة فوائد نستدل منها على خدمة العرب لهذه الفنون الجميلة فنشكر له ولأصحاب مجلة الجامعة المصرية التي تنقل إلينا زبدة دروس العلماء في كلية هي أول مفخر من مفاخر مصر.  بلاغة الغرب نحن اليوم في دور مثل صفحة البحر يريد أن لا يترك فروقاً بين أجزاء الناس ولا مميزات في منازعهم وأن لا يدع سمواً في الشعوب ولا انخفاضاً. فهو معمل عظيم الأدوات منوع الآلات يعمل ليل نهار ليبرهن للأدوار الغابرة أنه هو أول ما تغلب بالفعل على إشاعة السوآء والإخاء والتعارف وإطراح التباين والتباعد والانقسام. فالبخار والكهرباء قد قضيا على استئثار القطر الواحد زرعه وضرعه وصنعه وأشركا أطراف الأرض كلها بالانتفاع مما يخرجه لبنيه كما خول بنيه التمتع بثمرات الطبيعة والناس في الأقطار الأخرى لسد حاجتهم. والطباعة والصحافة كالبخار والكهربآء تنقلان ثمار العقول ونتائج التفكير من أرض إلى أرض وتشيعانه من شعب إلى شعب كما بتوصل زمننا إلى مآربه من القضاء على التخالف. على هذه الطريقة تجري روح العصر في حضارتها ولكن كثيراً ما يكون أمام الباخرة فيما بين البحر والبحر برزخ وفي وجه القطار والقاطرة فيما بين البر والبرّ جبل ودون الطباعة والصحافة في نقل التفكير من دماغ إلى آخر عجمة فرأى القائمون بأمر هذا المعمل في القديم والحديث أن لا مندوحة لهم من حفر ترعة في البرزخ بين البحرين ونقب نفق في الجبل بين البرين وفتح منفذ الترجمة بين اللغتين. وأن الإنسان ليذهل لكثرة ما يراه من تفكيرهم وموازناتهم وحسابهم ومقايساتهم عند اختيار البرزخ ليحفروه ترعة والجبل لينقبوه نفقاً والمصنف أو القطعة لينقلوها من لغة إلى لغة وعدَّ أصحاب الألباب الاختيار دليلاً على اللبيب وميزاناً له. أمامي الآن كتاب بلاغة الغرب وهو مجموع ما اختاره محمد أفندي كامل حجاج المصري من منثور الإفرنسية ومنظومها ونقله على العربية مصدراً القطع بشيء من تاريخ حياة أصحابها وقد جاء فيه نموذج مما كتبه هيكو ولامارتين وألفرد دي موسي وأندري شينيه ودو فيني وكوبه وروستان ودوده وتيوفيل وغوتيه وكورنيل وراسين. وإني أشكر لمحمد أفندي كامل ولكل من يصرف وقتاً في نقل شيء من العلم والأدب إلى لغتنا وفتح منفذ بيننا وبين جاراتنا من الأمم ولكني أنتقد عليه تسميته الكتاب ببلاغة الغرب في حين أنه لم يرفع لنا فيه الستار إلا عن بعض أدباء الفرنسيس وأدبيات هؤلاء غير أدبيات الألمان والروس والإنكليز. كما أني أعجب كثيراً من إغفاله بالزاك وفلوبر وزلا والأخوان غونكور وغيرهم من زعماء مذهب الحقيقيين ريالزم وصرفه صفحات الكتاب جزافاً للأدباء الخياليين رومانتيست مع أننا في زمان أحوج فيه إلى الهبوط من ثريا الخيال المزوق إلى ثرى الحقيقة المريرة وأن يتعلم القصصيون عندنا من زولا والشعراء من كوبه والمؤلفون من فلوبر كيف يصرفون الأشهر الطويلة والليالي الليلاء الباردة في أعماق المناجم وزوايا القصور وأطراف المعابد وأبواب الحانات ليقفوا على سرائر طبقات الهيئة الاجتماعية ويطلعوا الأمة على ويلاتها وأدوائها وجروحها كما هي لاسيما وهم يريدون أن تكون وهم خلف منضداتهم مرتاحون يتلاعبون بالعقول كما تشاء السياسة طوراً ويغشون القراء بما توحيه أهواؤهم تارة. وفي الكتاب غير اقتضاب تراجم المشاهير وإغفال البحث في مذاهبهم الأدبية تساهل لغوي في المفردات والتراكيب مثل استعمال مرسح والصحيح مسرح وصبحية والصواب صبيحة ومواضيع بدل موضوعات وإثباته اسم ألفرد موسي كما يستعمله الفرنج دوسوسيه وقوله مذهب المحققين وأحسن أن نقول مذهب الحقيقيين وقوله قبل قطعة الدرس الأخير لألفونس دوده وقد دعاني لكتابة هذا وكان الأولى أن يقول إلى تعريب هذا وقوله المؤلف الرئيسي وهذا تعبير لا نعرفه العرب وتأنيسه الرأس بقوله رأسه الصلعاء وقوله حارب ضد لويس بونابارت حيث كان يقال ناضل عنه وتكريره كلمة هذا في قوله يتلألأ في كبدها بنور هذا المولود الذي اختاره القادر ليقبض على صولجان هذا الملك الفخم فما كان لهذا الشعب الصارخ إلا أن صمت واستكان لظهور هذا المولود. والكتاب جيد الطبع يقع في مائتي صفحة. كتاب خصائص اللغة العربيةفي أصول العربية للإمام أبي الفتح عثمان بن جني في أصول العربية للإمام أبي الفتح عثمان بن جني. هذا الإمام ممن اشتهر بالإجادة بالتأليف وأشهر مؤلفاته هذا الكتاب وهو كتاب تعرض فيه لأصول العربية على نحو أصول الكلام والفقه أبان فيه ما أودعته هذه اللغة من خصائص الحكمة ونيطت به من علائم الإتقان والصنعة وقد قال في أثنائه: أن هذا الكتاب ليس مبنياً على حديث وجوب الإعراب وإنما هو مقام القول على أوائل أصول هذا الكلام وكيف بديءَ وإلى م نمي. وهو كتاب يتساهم ذوو النظر من المتكلمين والفقهاء والمتفلسفين والنحاة والكتاب والمتأدبين تأملاً له والبحث عن مستودعه فقد وجب أن يخاطب كل إنسان منهم بما يعتاده ويأنس به ليكون لهم سهم منه. وقد ألفه بعد أن أناف عمره على الستين كما أشار إليه عند قوله: ومن ظريف حديث هذا الخاطر أنني كنت منذ زمن طويل رأيت رأياً جمعت فيه بين معنى آية ومعنى قول الشاعر: وكنت أمشي على رجلين معتدلاً فصرت أمشي على أخرى من الشجر ولم أثبت حينئذ ضشرح حال الجمع بينهما ثقة بحضوره متى استحضرته ثم إني إلى الآن وقد مضي لي ستون أعاني الخاطر وأستمده وأعانيه وأتورده على أن يسمح لي بما كان رأيته من الجمع بين معنى الآية والبيت به وهو معتاص منأب وصنين به غير معط. والكتاب مشتمل على أبواب شتى يصعب إيرادها لكثرتها وهاك شيئاً مما اشتملت عليه بعض الأبواب مما له علاقة بأهل الآداب. ذكر في باب القول على إجماع أهل العربية حتى يكون حجة: اعلم أن إجماع أهل البلدين إنما يكون حجة إذا أعطاك خصمك يده أن لا تخالف المنصوص والمقيس على المنصوص فإما أن لم يعط يده بذلك فلا يكون إجماعهم حجة عليه ثم قال إلا أننا مع هذا الذي رأيناه وسوغنا مرتكبه لا نسمح له بالإقدام على مخالفة الجماعة التي قد طال بحثها وتقدم نظرها وتتالت أواخر على أوائل وإعجازاً على كلاكل. . . إلا بعد أن يناهضه إتقاناً ويباينه عرفاناً ولا يخلو إلى سائح خاطره ولا إلى نزوة من نزوات تفكره فإذا هو حذاها على هذا المثال وباشر بإنعام تصفحه أضاء الحال أمضى الرأي فيما يريه الله منه غير معازبه ولا غاض من السلف رحمهم الله في شيء منه فإنه إذا فعل ذلك سدد رأيه وشيع خاطره وكان الصواب مئنة ومن التوفيق مظنة وقد قال أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ ما على الناس شيءٌ أضر من قولهم ما ترك الأول للآخر شيئاً وقال أبو عثمان وإذا قال العالم قولاً متقدماً فللمتعلم الاقتداء به والانتصار له والاحتجاج بخلافه إذا وجد إلى ذلك سبيلاً وقال الطائي الكبير: يقول من تطرق أسماعه كم ترك الأول للآخر  وقال في باب الرد على من ادعى على العرب عنايتها بالألفاظ وإغفالها المعاني: اعلم أن هذا الباب من أشرف فصول العربية وأكرمها وأعلاها وأنزهها وإذا تأملته عرفت منه وبه ما يونقك وتذهب في الاستحسان كل مذهب بك وذلك أن العرب كما تعنى بألفاظها وتصلحها وتهذبها وتداعيها وتلاحظ إحكامها بالشعر تارة وبالخطب أخرى وبالأسجاع التي تلزمها وتتكلف استمرارها فإن المعاني أقوى عندها وأكرم عليها وأفخم قدراً في نفوسها فأول ذلك عنايتها بلفظها فإنها لما كانت عنوان معانيها وطريقاً إلى إظهار أغراضها ومراميها أصلحوها وبالغوا في تجييدها وتحسينها ليكون ذلك أوقع لها في السمع وأذهب بها في الدلالة على القصد ألا ترى أن المثل إذا اكن مسجوعاً لذ لسامعه فحفظه فإذا هو حفظ كان جديراً باستعماله ولو لم يكن مسجوعاً لم تأنس النفس به ولا أنفت لمستعمله وإذ لم يكن كذلك لم تحفظه وإذا لم تحفظه لم تطالب أنفسها باستعمال ما وضع له وجيءَ به من أجله. وقال لنا أبو علي يوماً قال لنا أبو بكر إذا لم تفهموا كلامي فاحفظوه فإنكم إذا حفظتموه ؟ وكذلك الشعر النفس أحفظ وإليه أسرع ألا ترى أن الشاعر قد يكون راعياً جلفاً أو عبداً عسيفاً تنبو صورته وتمج جملته فيقول ما يقول من الشعر فلأجل قوله وما يورده عليه من طلاوته وعذوبة مسمعه وما تصير قوله كلما يرجع إليه ويقاس به ألا ترى إلى قول العبد الأسود: إن كنت عبداً فنفسي حرة كرماً أو أسود اللون إني أبيض الخلق وقول نصيب: سودت ولم أملك سوادي وتحته قميص من القوهي بيض بنايقه وقول لآخر: إني وإن كنت صغيراً سني وكان في العين نبو عني فإن شيطاني أمير الجن يذهب بي في الشعر كل فن حتى يزيل عني التظني فإذا رأيت العرب قد أصلحوا ألفاظها وحسنوها وحموا حواشيها وهذبوها وصقلوا عزوبها وأرهفوها فلا ترين أن العناية إذ ذاك إنما هي بالألفاظ بل هي عندنا خدمة منهم للمعاني وتنويه بها وتشريف منها ونظير ذلك إصلاح الوعاء وتحصينه وتكوينه وتقديسه وإنما المبغي بذلك منه الاحتياط للموعى وعليه وجوازه بما يعطر نشره فلا يعتر جوهره كما قد عد من المعاني الفاخرة ما قد نمقوه وزخرفوه ووشوه ودبجوه ولسنا نجد مع ذلك تحته معنى شريفاً بل لا نجده قصداً ولا مقارباً ألا ترى إلى قوله رحمه الله: ولما قضينا من منى كل حاجة ومسح بالأركان ما هو ماسح أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا وسألت بأعناق المطي الأباطح وقد ترى إلى علو هذا اللفظ وما به وصقاله وتلامح أنحائه ومعناه مع هذا ما تحته وتراه إنما هو لما فرغنا من الحج ركبنا الطريق راجعين وتحدثنا على ظهور الإبل ولهذا نظائر كثيرة شريفة الألفاظ رفيعتها مشروفة المعاني خفيضتها قيل هذا الموضوع قد سبق إلى التعليق به من لم ينعم النظر فيه ولا رأى ما رآه القوم منه وإنما ذلك لجفاءِ طبع الناظر وخفاءِ غرض الناطق ثم أفاض في بيان معاني البيتين. وقال في باب إرادة العرب للأغراض التي نسبها إليهم حدثني المتنبي شاعرنا وما عرفته إلا صادقاً قال كنت عند منصرفي في مصر في جماعة من العرب وأحدهم يتحدث فذكر في كلامه فلاة واسعة فقال يحير فيها الطرف قال آخر منهم بلغته سراً من الجماعة بينه وبينه فيقول يحار يحار أفلا ترى إلى هداية بعضهم إلى بعض وتنبيهه إياه على الصواب. سير العلم والاجتماع أدب السعادة كتب رئيس تحرير المجلة الباريزية مقالة في هذا الموضوع قال فيها أن السعادة مادة حياتنا وقائد لها وهي تتزيا بأشكال منوعة وإنا إذا رأينا ما يبذله أهل الأرواح الشريفة من الهمم يتراءى لنا أن رغبتهم في أن يعيشوا في شقاء ولكن إذا أمعنا في استقراء أعمالهم نراهم يرمون إلى نيل سعادة أرقى. الغاية العامة من العلم الأدب والغاية الخاصة تخليص الحقيقة من الحوادث والعواطف. المؤُ مدين بكل ما فيه للأجيال الغابرة وهذا دين عليه يجب عليه أداؤه لن يأتي بعده وعلى المرء فروض يجب عليه القيام بها نحو الأموات ونحو الأحياء وهذا واجب يتحتم عليه في أعماله وأفكاره فقد علمه الاختبار أن سعادته ليست إلا نتيجة سعادة مشتركة فهو مخلوق على مثال الأجيال السالفة وهو تابع للإنسانية التي تحيط به. إذا عاد المجتمع إلى عهد اللصوصية واختل نظامه فإن سعادة المرء الخاصة تضمحل في السعادة الاجتماعية وكل احتياط صحي يأتيه المرء يفيد المجموع كما أن صحته مناطة بما يقوم به المجموع من أساليب الصحة العامة والأمثلة كثيرة على أن التكافل مشترك والعلاقة مؤكدة بين مصالحنا الخاصة ومصالح المجموع فليس لامريءٍ حق أن يستمتع بالخيرات التي هي ثمرة عمل الآخرين دون أن يساعد بنفسه وعلى قدر طاقته على رفع منار السعادة وعلم الأمن والسلام. ليس الأدب أو الأخلاق إلا بعض فكرنا نستطيع أن نصوره أو نقلبه على الصورة المؤلفة منها عناصره. يقول بعضهم أن الأخلاق غريزية في المرء وليست كسبية ولو صح قولهم لكانت الأديان والتربية لغواً لا فائدة منها ولكان على الناس أن يغلقوا المعابد والمدارس أيضاً. نعم إن السعادة مناطة بشعورنا الأدبي والذكاء والسعادة يسيران معاً على خط متوازٍ يتجليان أنهما متشابهان وهما متخالفان جوهراً وعرضاً فالذكاء لا يؤثر في السعادة إلا بالواسطة وذلك بتجهيز حياتنا بسلاح ماض وبالتأثير في أخلاقنا وميولنا. قال أغوست كونت مؤسس الفلسفة الحسية أن كمالنا الأدبي يعيننا على سعادتنا الحقيقية مباشرة من دون أدنى ريب أكثر مما يعيدنا غيره. وقال الفيلسوف ديكارت صاحب الفلسفة الحديثة: كل من عاش عيشة لا يوبخه عليها وجدانه ولم يقصر في القيام بكل ما يراه أحسن من الفضائل ينال عن سعيه جزاءً وفاقاً وتواتيه السعادة. قال الكاتب ومتى أدركت الإنسانية أن سعادتنا منا وأننا لسنا سعداء لأن لنا إرادة في السعادة تنهار حوالينا ألوف من الأوهام التي تعوقنا عن كمالنا الأدبي وتقف عثرة في سبيل سعادتنا. وما شقاؤنا إلا ثمرة إساءتنا فهم معنى الحياة فنضر غيرنا دون أن يخطر لنا ببال أن شقاءَ غيرنا ضار بنا فالحسد مثلاً مصدر النقائص الاجتماعية وهو ضار بنا أنفسنا. والخير والحب وهما منبع سعادة الغير ينفعان من يأتيهما قبل كل الناس. حياة العائلة المؤسسة على الحب والاحترام المتبادل تنفع أعضاءها وأي نفع. وأنا حيثما التفتنا نرى العبر قائلة بلسان حالها ومقالها بأنه من المتعذر أن نستمتع بسعادة شريفة دائمة دون أن يتمتع بها القريبون منها وكلما امتد ميدان حياتنا وشرفت مبادئها وخواتمها يزداد التكافل بالسعادة فقد قال أفلاطون أن السعادة علم فمن عمل الشر فهو ممن لا يعرف الخير وهكذا الحال في السعادة فإن الشقي هو الذي يجهل كيف يقدر أن يكون سعيداً. التسمم بالتدخين جرب الدكتور سرج جبرو وسكي تجارب كثيرة ليبين أن التدخين يحدث في جسم الإنسان آثاراً تسممية وذلك بأن حقن الحيوانات تحت الجلد وفي الدم بالنيكوتين وقد استعمل لذلك جهازاً تمكن بواسطته من أن يضع الأرانب ست أو ثماني ساعات في اليوم في مكان محكم السد يدخل إليه بمضخة دخان اللفافة سيكارة فكانت تظهر في غضون الأسبوع الأول على الحيوان آثار القلق ويزيد فيه إفراز الدمع والبصاق وبعد امتصاص الدخان كان يستولي على الحيوان الضعف والبلادة وتتثاقل مشيته وفي الأسابيع التالية تزول هذه الأمارات وتحل محلها قلة القابلية للطعام. وقد مات عند انتهاء الشهرين أرنبان ودل الفحص المجهري الميكروسكوبي لقلبهما على تلف الجسم من فعل الدخان على أن الاخرى قاومت خمسة أشهر وظهر فيها فساد الدم ونزل وزنها إلى النصف وبهذا أثبتت تجارب الطبيب الموما إليه أن الحيوانات تعتاد التدخين ولكن فساد نسج قلب الحيوان معادل لما يحصل في الإنسان. الاستحمام قال أحد الباحثين في مجلة الحياة البيتية ما تعريبه: يطالب التبرج والزينة أن تصرف العناية في الطهارة خاصة وتكون متناسبة مع السن والمزاج والجنس على حين أن حفظ الصحة يتطلب أن تختلف هذه العناية باختلاف الأمكنة والأزمنة والحرارة. والحمام ألطف جميع ما تقتضيه الزينة من أنواع العناية وأكثرها بساطة وطبيعة فهو الذي يؤثر تأثيراً سريعاً في الصحة. فبالحمام رفاهية لا تنكر مزاياها وذلك لأن المسام إذا فتحت بالحمام تسرع حركة الدم وتعمل في الحال في الجلد بأن تنزع عنه القشور التي تغطي بشرة جسمنا. وتختلف تأثيرات الحمام بحسب درجة الحرارة أو البرودة في الجو كما تختلف الاحتياطات عند الخروج باختلاف المناخ وذلك لأن الحرارة تشد الجسم والبرودة على العكس تضيقه. الحمامات الباردة مقوية ويجب أن يغطس الجسم كله بسرعة وقد يحدث من الدخول في حمام بارد بعض الضرر وذلك عندما ينغمس المرء في الماء بالتدريج فتدفع البرودة بالحرارة نحو الأطراف فتصل إلى الدماغ مثلاً. ويقال بوجه عام أن الحمام البارد إذا نفع الأحداث وقوى بنيتهم فلا يليق بالشيوخ ولا بأرباب الصدور النحيفة لأن رد الفعل لا يتم فلا يتأتى أن تعود الحرارة إلا بصعوبة. إذا أريد الاستحمام بالماء البارد يجب على كل حال أن يكون الجسم مستريحاً والهضم تاماً كل التمام ورشح البدن لا يكون كثيراً من المشي. وإذا بلغت الحرارة درجة لطيفة يمكن أن يبقى فيها المرء نصف ساعة أو ثلاثة أرباع الساعة ولا يجب أن يتجاوز المستحم هذا القدر من الوقت. وعلى المستحم عندما يخرج من الحمام أن يحتاط بتنشيف بدنه ودلكه جسمه كله لينزع منه الرطوبة ويرفع عن الجلد الأجزاء الصغيرة التي تستخرج منه بفعل الماء. وإذا شعر بأنه برد ينبغي له في الحال أن يدلك جسمه بماء البيون أو ببعض الأرواح الأخرى وعليه لإعادة الرشح تماماً أن يمرن عضلاته تمريناً خفيفاً. ومن الحكمة أن يمتنع المستحم عن تناول الطعام حال خروجه من الحمام لأن الحرارة تنتقل من وسط الجسم إلى الأطراف فتترك الحواس الهاضمة خالية من جزء من القوة اللازمة للقيام بوظائفها. وإذا ناسبت الحمامات الباردة الدمويين أو السمان من الأشخاص فقد تضر المستعدين للهزال. وعلى الجملة فإنها قلما تنفع من عودوا الرخاء والجلوس. ومن الاحتياط أن لا يستحموا كذلك إلا بإشارة الطبيب. الحمامات الحارة تزيد العرق وإذا قلّ تعيده كما كان وتلين الألياف. والواجب أن يستعمل الحمام بحسب الحالة الصحية وإذا أكثر منه يضعف الجسم ويتعب ويعد للنزلات. أما الحمامات الفاترة أو الحارة فلا يقتضي لها الاحتياط بقدر الاحتياط للحمامات الباردة والاحتياط فيها مطلوب عند الخروج منها ويحسن بعد الحمام السخن أن يقعد المرء في فراشه بعد أن يكون قد نشف جسمه بمناشف غير ندية وحارة وذلك لأن ما يحدث أمراضاً كثيرة هو التعرض لفعل الهواء الخارجي. ومن القواعد التي يجب مراعاتها أن يستريح المستحم قبل الحمام البارد وبعد الحمام السخن والواجب أن يعنى بدلك الجسم عند الخروج من الحمام حتى لا يتضرر الجلد ويتخلص من الذرات القشرية التي أبقاها الاستحمام على الجسم. وإذا لم يسع المرء أن ينام بعد الحمام فلا أقل من أن يمرن جسمه قليلاً فليشعر في الحال بتأثيرات هذا الاحتياط وينتفع الجسيم من ذلك أحسن نفع. تنفع الحمامات البخارية في البلاد التي يشتد بردها في إهاجة الرشح البطيء النادر وضروري في الأقاليم المعتدلة الاستحمام بالماء الفاتر لينزع من البشرة الذرات التي تنبعث من الجسم. وفي الأوقات الرطبة يحسن الدلك الناشف. ولما كان الرشح في البلاد الحارة يكاد يكون متواصلاً فمن الضروري أن تكون الحمامات على درجة أقل من درجة حرارة الجو ليحدث بذلك التوازن في الأخلاط ويسكن هيجانها العادي. وإذا لم يساعد الحال والمكان على استيفاء شروط الاستحمام فالواجب أن يستعاض عنه بغسل بعض البدن بماءٍ حار أو بارد بحسب الموسم وقد لا تستوفى من هذا الاغتسال الشروط الصحيحة الناشئة من الحمامات ولكنها تكفي في صيانة الجسم. والأشخاص الذين يتعبون أحياناً بما ينهال من الدم على رؤوسهم يجب عليهم أن يستحموا استحماماً تاماً ويغسلوا أرجلهم ويتأتى لهم الاستعاضة عن الأول والثاني بغسل أيديهم بالماء المغلي. وهذا الدواء على سهولته نافع في أمراض الأسنان لا للطاعنين في السن بل لصغار الأولاد. المحظورات يحظر عليك أن تضع إصبعك أو طرف مظلتك في عين جارك. كما يحظر عليك أن تضع إصبعك في أنفك حتى ولو كان يحك. لا تنظف أمام الناس أنفك ولا أذنك ولا أسنانك ولا أظافرك. لا تدعس على رجل جارك ولا على ثوب جارتك. لا تجلس على طرف كرسيك ولا تهتز عليه. لا تعبث بهدب ثوبك ولا بأزرارك. إذا صافحت فلا تصافح بغصبع واحد بل بجماع راحتك مفتوحة. لا تدخل إلى قاعة الاستقبال ومعك مظلتك ولا معطفك ولا مشمعك. غلط الشعر تختلف ثخانة الشعر من واحد إلى عشرة من الميليمتر إلى أربعين. وقطر خيط الحرير كما تخرجه الدودة هو نحو خمسة مليم من الميليمتر ويمكن أن تحاط الكرة الأرضية بليبرة من خيط العنكبوت كما أن قمحة واحدة من المسك تعطر غرفة مدة عشرين سنة وفي جسمنا ٢.٣٠٤.٠٠٠ من المسام. أثقل تمثال أثقل تمثال من البرونز تجده في بطرسبرج وهو تمثال بطرس الأكبر ثقله زهاء ألف طن. الطول البشري تبين من التجارب التي صنعت لاختبار طول قامات الرجال والنساء أن من يولد في الربيع أو في الشتاء أكبر قامة ممن يولد في الفصلين الآخرين والبنات الطويلات القامة يلدن في آب أما البنون فأطولهم قامة من ولدوا في تموز وأصغرهم من ولدوا في تشرين الثاني. التفنن في التعليم ورد في قصة لديكنس أن إحدى المعلمات كانت تكرر على تلميذاتها كلمات برون بريسم بوتاتويس ليمددن شفاههن المنضمات بعضها على بعض ويبدو الظرف على أفواههن. وقد توسعت الآن إحدى العقائل فيهذه الطريقة وقامت تدعي أنها تستطيع أن تعيد القبيحة من النساء مليحة وأن تصير الملاح أعجوبة الأعاجيب فأسست لهذه الغاية في إنكلترا مدرسة أخذ الطالبات ينهلن عليها انهيالاً وقد قسمتها صفوفاً فجعلت صفاً لتعليم البنات كيف يلقين نظراتهن الفتانة ويسحرن بها الألباب وصفاً لتعليم البنات تحريك أنوفهن تحريكاً جذاباً خلاباً وصفاً لتعليم الشفاه على الحركة ومتى أتم الفتيات التعليم في هذه الصفوف ينتقلن إلى صف أرقى حيث يعدن نظرة إجمالية على كل ما تعلمن فيأتين فاتنات ساحرات. النوم الضروري كلما أمكن ترك الأولاد ينامون كثيراً كلما كان أنفع لصحتهم. ويؤخذ من البحث الذي تم في بلاد السويد أن الأولاد الذين لا ينامون القدر الكافي من النوم تزيد أمراضهم جزئين من خمسة أجزاء. فمعدل ما ينبغي من النوم للطفل الذي يذهب إلى المدرسة اثنتا عشر ساعة لمن كان في الرابعة من سنه وإحدى عشرة لمن كان في السابعة وتسع ساعات لمن كان بين الرابعة عشرة إلى العشرين. أرجل الصينيات كنا نسمع بأن من جمال الفتاة الصينية أن تكون صغيرة الرجلين وأن القوم هناك يستعملون لتصغيرهما قوالب مخصوصة وقد ذكرت الصحف أن حكام ولايات كينغ سو وكينغ سي وكينغ هوي وناكان هوي من الولايات الصينية قد أصدروا بياناً يحظرون فيه على النساء أن يعصبن أرجلهن قائلين إن ذلك مما يمس حنان قلب الأم والفتيات يضعن الحياء إذا تكلفن الجمال ويصبحن ضعيفات غير قادرات على العمل ويحسبن فقيرات. وقد وعد أولئك الحكام بمكافآت للصينيات اللاتي يعدلن عن تصغير أرجلهن. أسماء الأقمشة سميت كثير من الأقمشة في بلاد الإفرنج بأسماء المدن التي حاكتها أول مرة فعندهم نوع من القماش اسمها دماس نسبة لدمشق حيث كان ينسج الحرير منقوشاً بنقوش بارزة. وعندهم قماش اسمه كاز نسبة لغزة في فلسطين وآخر اسمه أندرينوبل نسبة لأدرنة في الروم إيلي والموسلين وهو الشاش الرفيع صنع لأول مرة أيضاً فيمدينة الموصل فنسب إليها والكاليكو قماش صنع أول الأمر في مدينة كاليكوت من بلاد الهند فنسب إليها. انقضاء العالم نشر أحد علماء الطبيعة مقالة في مدة بقاء الأرض أو انقضاء العالم ومتى صلحت الأرض لسكنى الحيوانات والنباتات فقال أن من الأسهل أبداً السؤال عن هذه الأسئلة ولكن الصعوبة في الإجابة عنها فقد كان النظام الشمسي في البدء عبارة عن كتلة عظيمة من الأبخرة المتأججة أو منطاداً ضخماً من الغاز حامياً يدور بحركة فوق نفسه. فجمد البرد في الفضاء الغيوم الأصلية وانفصلت السيارات من الأجرام الموجودة في الوسط وأخذت السيارات تبرد على الولاء بقدر أجرامها فيبرد الأصغر ثم الأكبر. وقد طال أمد كل سيارة ونمت على توالي الأزمان فجمدت الأرض وتماسك سطحها السائل وعلى هذه الصورة نشأت القشرة الأرضية. ويهمنا هنا أن نعرف عمر الأرض أو عدد السنيني التي مضت على تكونها والأعوام التي تفصل العصر الحالي من العصر الذي ظهرت فيه على سطحها الأحياء الأولى ولا سبيل إلى ذلك إلا على وجه التقريب. وإذ كان عمر الأرض مرتبطاً بعمر الشمس كان من الواجب أن نعلم أولاً الحدود التي يجب أن نحصر فيها وجود الشمس فقد حسب علماء الهندسة كمية الحرارة التي ادخرها تقلص السديم الأول في السيارة الوسطى وحققوا قوة الحرارة الحالية وما يفقد منها كل سنة واستنتجوا من ذلك مقدار الزمن الذي وجدت الشمس فيه. وبحسب ما حسبوا تبين أن الشمس موجودة منذ خمسة وعشرين مليون سنة على الأقل أو منذ أربعين مليون سنة على الأكثر. ورأى الطبيعي نوكمب بحسب النور الحاضر أن الكوكب يصغر إلى نحو النصف من قطره في خمسة ملايين من السنين على أكثر التقدير وأنه بعد عشرة ملايين سنة يكاد يكون له قشرة فيحتمل إذ ذاك أن تصلح الأرض للأحياء على الوجه الذي نعرفها به. وإذا كان جرم كرتنا الأرضية أصغر من جرم الشمس بـ ٣٥٠٠ . ٠٠٠ مرة فظاهر أن الأرض بردت قبل غيرها وثبت لعالم آخر اسمه ويليام طومسون بالتحليل الرياضي أن الأرض جمد سطحها منذ عشرة ملايين من السنين أو منذ خمسة عشر مليوناً على التقدير الأكثر فيرد تاريخ أصل الأحياء على الأرض إلى اثني عشر مليون سنة. وبالجملة فإن لنا أن نستنتج من هذا أن الأرض موجودة منذ خمسة وعشرين مليون سنة على الأقل وأن الأحياء الأولى التي عاشت على سطحها قد ظهرت منذ اثني عشر مليون سنة والغالب أن الكائنات الحية الحاضرة تنقضي أيامها بعد عشرة أو اثني عشر مليوناً من السنين وعلى هذا فآخر أيام الدنيا بعيدة وبحسب ما تقدم تكون الأرض الآن قد قضت نصف حياتها فمضى اثنا عشر مليوناً من السنين وبقي ما يقرب منها بعد وبذلك نطمئن على مستقل الجنس البشري. جمال النساء معيار الجمال في الأمم أذواقها ومصطلحاتها فمن الجمال في أوربا أتكون أسنان النساء بيضاء وفي اليابان يؤثرون من اصفرت أسنانهن وفي الهند يصبغنها بالحمرة وفي بوكارات بالسواد والنساء في غروانلاندا يدهن وجوههن بمادة زرقاء صفراء والتاتاريات مهما بلغن من الجمال الطبيعي يرين أنفسهن بشعات إن لم يبيضن وجوههن على مرأى من الناس على حين ترى الأوربيات إذا وضعن الحمرة على وجوههن يخفين أمره ولا يكدن يظهرنه. وفي فرنسا يفضل من النساء الممشوقات القدود وفي البلاد العثمانية يؤثرون السمينات المكتنزات كما يفضلون من استدار وجهها. أما الفرنسيس فيفضلون الوجوه المستطيلة المتناسبة. ويفضل اليونان من النساء من صغرت جبهاتهن أما الفرنسيس فيطلبون أن تكون جبهات النساء عالية مكشوفة. الناس في أوربا يفضلون الشعر الأسود أو الأشقر أو الأسفع ولكن سكان جزائر ماريانا يفضلون من ابيض شعرها من ربات الجمال. وعلى هذا فلا ييسر لامرأة أن تتفق الأمم على جمالها لأن ما يراه قوم حسنة قد يراه غيرهم سيئة فسبحان مقسم العقول والأرزاق. الآثار العربية أهدى المسيو دكورد مانش لمكتبة الأمة في باريز مجموعة مؤلفة من ١٥٨ متاباً من المخطوطات العربية والفارسية والتركية وكان أهدى مثلها من المخطوطات والمسكوكات العربية إلى تلك المكتبة نفسها فكتبت مجلة العالم الإسلامي مقالة في هذه المناسبة قالت فيها أن هذه المخطوطات لا تروق المشتغلين بالعربية من المستشرقين ممن يرون أن المصنفات التاريخية الشائعة هي وحدها تحتوي على بعض الفوائد مدفوعين إلى ذلك بعامل فهمهم لها من دون سائر ما خطته أيدي مؤلفي العرب وزاعمين أن ما بقي من الأدبيات الإسلامية عبارة عن أحاديث ملفقة وهذيان ليست حرية بنظر رجل تمكن من الطريقة القويمة في المعارف وإن مثل هذه الكتب لا يقبل عليها ويصرف أوقاته فيها إلا من تبلد ذهنه أو اختل شعوره فإذا كان التاريخ الإسلامي هو م الفروع المهمة جداً في الآداب الشرقية فإن سائر فروع العلوم كالفقه والنحو وأكثر مجموعة المسيو كوردمانش منها ربما لا تقل عنها شأناً لأنها ليست وحدها التي تصور حالة العقل في الرجال الذين أتوا قبل ثلاثة عشر قرناً من الهجرة النبوية وكيف كانوا يفكرون ويذهبون في مذاهب الأمور الذهنية والروحية. لا جرم أن المشاغل السياسية منذ بضع سنين ولاسيما منذ قتال موكدن قد قلبت الأفكار الإسلامية ظهراً لبطن وأخذ رجال الإسلام يزينون لأبناء دينهم الرجوع إلى الدروس التي انغمس فيها أجدادهم بحيث كادوا يغرقون وتعزوا عن الخيبة التي نالتهم بما قرأوا فيها من الأفكار على أن النظر الصحيح يقضي بأن المهندسين الذين مدوا في بادية بلاد العرب خطوط السكة الحديدية من دمشق إلى المدينة قد أتوا بعمل أنفع مما أتى الزمخشري وجميع شراح الكافية لابن الحاجب. إلا أن الأفكار الحديثة توشك أن تؤدي بالإسلام إلى طرق مخالفة للطرق التي سار عليها إلى أوائل القرن الرابع عشر من الهجرة ويمكن أن يكون المجتمع الإسلامي بعد مائة وخمسين سنة وأعني به الجيل المفكر المهذب من المسلمين مخالفاً للمجتمع الذي عاش على عهد عبد الحميد خان الغازي وناصر الدين شاه قاجار كما نختلف نحن معاشر الفرنسيس اليوم عن أجدادنا زمن لويس الخامس عشر وربما كان اختلاف المسلمين أكثر. كان المسلمون الذين عاشوا في بلاد ما وراء النهر إلى أواخر القرون الوسطى على عهد أخلاف تيمورلنك قد ورثوا التمدن اليوناني وبلغوا بالعلوم إلى درجة عجيبة من الكمال ثم لم يلبثوا أن ضعف أمرهم وتخلوا عن هذا التراث العلمي وانصرفوا جملة إلى الفقه والنحو فكان ذلك مبدأ سقوط الأمم الإسلامية. ومهما كانت الطرق التي سيجري عليها أهل الإسلام في ظل العلم والدستور اليوم فإنهم ولا جرم يخالفون المسلمين الذين عاشوا في ظل الاستبداد كل المخالفة ولا يتأتى الآن الوقوف على فكر العالم الإسلامي قبل مضي زمن وتصفح الكتب التي يستخدمونها في تعليم ناشئتهم وطريقة الرجال الذين عاشوا على عهد الخلافة الدينية أو خلافه السلاطين الذين حلوا محل خلفاء بغداد وهكذا فإن هذه الكتب التي تشهد بفضل مؤلفيها وبعنايتهم الفائقة التي بذلوها في وضعها وهي تساوي بأسلوبها وتعليمها أقل مما تساوي بدلالتها على الحركة العقلية في مدنية كانت الحاكمة المتحكمة على العالم زمناً ونعني بها مدنية الإسلام. ومكانة هذه الكتب لا تسقط أبد الدهر حتى ولو أدى الارتقاء العلمي الإسلامي إلى طرحها والاستعاضة عنها بمصنفات تؤلف على غير نسقها وعلى أسلوب يغاير أسلوبها ولا سيما متى انصرفت النفوس عن دراسة علوم اللسان والفقه إلى علوم يكون نفعها عملياً ظاهراً. لا جرم أن علوم المسلمين ودرسها تشبه ما كان لنا منها في عهد الحكومات البائدة وأن من عانوها وأتقنوها إذا تعلموا جميع دقائق النحو العربي وتبحروا في فقه السنة والشيعة لا يتأتى لهم بذلك أن يقفوا على مطالب الحياة الاجتماعية والعالم الخارجي. وبعد فإن كتب النحو العربي التي هي مصنفات تامة في بابها يجب الرجوع إليها إذا أريد التعمق في هذه العلوم وفهم فكر العربي وهي تشبه كتبنا التي كانت مستعملة في المدارس قبل إصلاح بور رويالهو دير للنساء . وربما زهد المسلمون في الاعتماد على الطريقة القديمة والكتب القديمة في هذه الفنون لأن بعضهم يرى أن الألفية والأجرومية قبلاً تستدعي انتباه ذهن الطلبة وذاكرة فائقة لاختيار طريقة تشبه طريقة الكتب التي نعول عليها في دراسة اللاتينية وغيرها من اللغات وربما لا يمضي وقت طويل إلا وتتحسن طريقة دراسة الآداب العربية كما تحسنت عندنا في الغرب. على أنه لا يبعد أن تقل الرغبة في هذه الدروس اللسانية كان درس الفقهية التي كانت الدروس المعول عليها فقط في العهد الماضي ولاسيما في البلاد العثمانية والفارسية ويعتبر القوم علوم الدين واللغة التي كانت موضوع اهتمام المتفقهة والمتصوفة من علوم الرجعة لأن القائمين عليها أناس كانوا في الجملة مراعاة لمصالحهم أصدق أنصار عروش السلاطين الذين يدعون الخلافة عن الله في الأرض. وكيفما كان الحال فإنه لا يتأتى الوقوف على الفكر الإسلامي في كتب ألفت على النسق الأوربي وسارت في أسلوبها على نسق الخطط الغربية كما أنك لا تسقط على الفكر الياباني قديماً من مراجعة الترجمات الإنكليزية والفرنسوية التي تعين رعايا ميكادو واليابان من اجتياز أبواب المدراس الحربية في مملكة الشمس المشرقة. ولا يتيسر درس الحضارة الإسلامية القديمة بغير الرجوع إلى هذه الكتب في الفقه معاملاته وعباداته والنحو ومتعلقاته. تلك الكتبالتي يهملها علماء المشرقيات لأنها على غير أسلوبهم ولأنها من بقايا القرون الوسطى على حين أن نشوء الدروس الذي وقع في الغرب منذ عهد النهضة قد صير الكتب المكتوبة باللاتينية بأقلام أساتذة علم الكلام معقدة غير مفهومة إن لم يصرف فيها المرء وقتاً طويلاً. وفي المجموعة التي أهداها المستشرق المشار إليه عدة كتب مشهورة منها قطع من القرآن ربما كانت بخط ياقوت المستعمي الخطاط الشهير وقطعة من كشاف الزمخشري وقطعة من تفسير القرآن للبيضاوي من أوائل القرن الرابع عشر وقطعة من الحديث من القرن الثالث عشر ونسخة قديمة جداً من مقامات الحريري وكتاب في القرآات فارسي وشرح كافية ابن الجاحب بالفارسي. وقد ظفروا بهذه المجموعة في سمرقند وهي تمثل صورة من صور علم الفقه والكلام عند السارتيين والتاجكيين في بخارى وسمرقند وكشغر وبعبارة أخرى صورة من صور علوم المسلمين في التركستان الرمسي والتركستان الصيني وبها يتمثل الناظر حالة المعارف عند كل من كانوا يعيشون في تلك الأنحاء من المسلمين لأن جزءاً كبيراً من الكتب التيتألف منها هذه المجموعة قد نسخت هناك. وليس في هذه المجموعة إلا كتب خاصة بطائفة مهذبة من طوائف المسلمين إلى حد معلوم والنسخ الحديثة من كتب الفقه والنحو تدل على أن معرفة اللغة العربية التيهي أساس الدروس الإسلامية هي في أقصى دركات الانحطاط في تركستان على أن هذا الانحطاط يرد إلى أبعد من ذاك العهد لأنه وجد في عهد التيموريين في الكتب والمكتوبات على الأحجار من الأغلاط الفادحة ما يستدل منه أن معرفة اللغة العربية هو أحط من ذاك العهد مما هي عليه اليوم في فارس حيث أصبح طلاب الفقه دع عنك المجتهدين ولاسيما في النجف وكربلاء أساتذة في أسرار علوم الصرف والنحو. وهذه النسخ بالإجمال استنسخها أناس لم يعنوا بها حق العناية وليس لهم فيها ذوق حتى إن بعضها لم يكتبوا عليه اسمه واسم مصنفه لجهلهم في الغالب. وهذا الجهل وهذا الإهمال يكفيان لبيان السقوط المريع الذي أصيب به ذاك الذي يسكن تلك الأقطار التي كانت فيما غبر مهد العلوم والآداب اهـ</passage>
<license>Distributed under a Creative Commons Attribution-ShareAlike 4.0 International (CC BY-SA 4.0) license</license>
<source>https://github.com/tillgrallert/digital-muqtabas/blob/master/xml/oclc_4770057679-i_39.TEIP5.xml retrieved via Canonical Text Service http://cts.informatik.uni-leipzig.de/muqtabas/cts/ with CTS URN urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.39.TEIP5:</source>
</reply>
</GetPassage>
