<?xml version="1.0" encoding="UTF-8"?><GetPassage xmlns="http://relaxng.org/ns/structure/1.0" xmlns:a="http://relaxng.org/ns/compatibility/annotations/1.0" xmlns:tei="http://www.tei-c.org/ns/1.0">
<request>
<requestName>GetPassage</requestName>
<requestUrn>urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.38.TEIP5:</requestUrn>
</request>
<reply>
<urn>urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.38.TEIP5:</urn>
<passage>إيقاظ الرقودقصيدة لمعروف افندي الرصافي العالم الاجتماعي الشهير نظمها لما ارسلت الدولة حملة علي القصيم من بلاد نجد واصابها ما اصابها منذ بضع سنين إلى كم أنت تهتف بالنشيد وقد أعياك إيقاظ الرقود فلست وإن شددت عرى القصيد تجد في نشيدك أو مفيد لأن القوم في غي بعيد إذا أيقظتهم زادوا رقادا وإن أنهضتم قعدوا وئآدا فسبحان الذي خلق العبادا كأن القوم قد خلقوا جمادا وهل يخلوا الجماد عن الجمود أطلت وكاد يعييني الكلام ملاماً دون وقعته الحسام فما انتبهوا ولا نفع الملام كأَن القوم أطفال نيام تهز من الجهالة في مهود إليك إليك يا بغداد عني فإني لست منك ولست مني ولكني وإن كبر التجني يعز علي يا بغداد أني أراك عَلَى شفا هول شديد تتابعت الخطوب عليك تترى وبدل منك حلو العيش مرّا فهلاّ تنجبين فتى أغرّا أراك عقمت لا تلدين حرا وكنت لمثله أزكى ولود أقما الجهل فيك له شهودا وسامك بالهوان له الجسودا متى تبدين منك له جحودا فهلا عدت ذاكرةً عهودا بهن رشدت أيام الرشيد زمان نفوذ حكمك مستمر زمان سحاب فيضك مستدرّ زمان العلم أنت مقر زمان بناء عزك مشمخر وبدر علاك في سعد السعود برحت الأوج ميلاً للحضيض وضقت وكنت ذات عليّ عريض وقد أصبحت فيجسم مريض وكنت بأوجه للعز بيض فصرت بأوجه للذل سود ترقى العالمون وقد هبطنا وفي درك الهوان قد انحططنا وعن سنن الحضارة قد شحطنا فقطنا يا بني بغداد قطنا إلى كم نحن في عيش القرود ألم تك قبلنا الأجداد تبني بناءً للعلوم بكل فن لماذا نحن يا أسرى التأَني أخذنا بالتقهقر والتدني وصرنا عاجزين عن الصعود كأن زحل يشاهد ما لدينا لذاك أحمر من حنق علينا قال موجهاً لوماً إلينا لو أني مثلكم أمسيت هينا إذاً لنضوت جلباب الوجود وكنتم في الجهالة وهي تعشي وعشتم كالوحوش أخس عيش أما فيكم فتى للعز يمشي تبارك من أدار بنات نعش وصفدكم بأصفاد الركود حكيتم في توقفكم جديَّا فصرتم كالسها شعباً خفيا ألا تجرون في مجرى الثريا تؤم بدورها فلكاً قصيا فنبرز منه في وضع جديد حكومة شعبنا جارت وصارت علينا تستبد بما أشارت فلا أحداً دعته ولا استشارت وكل حكومة ظلمت وجارت فبشرها بتمزيق الحدود حكومتنا تميل لباخسيها مجانبةً طريق مؤسسيها فلا يغررك لين ملابسيها فهم كالنار تحرق لامسيها وتحسن للنواظر من بعيد لقد غص القصيم بكل نذل وأمسى من تخاصمهم بشغل فريقاً خطتي غيّ وجهل كلا الخصمين ليس له بأهل ولكن من لتنكيل المريد إليهم أرسلت بغداد جندا ليهلك ثم عن عبث ويفدى لقصد ابن الرشيد أضاع قصدا فلا يا ابن الرشيد بلغت رشدا  ولا بلغ السعود ابن السعود مشوا يتحركون بعزم ساكن ورثة حالهم تبكي الأماكن وقد تركوا الحلائل في المساكن جنود أرسلت للموت لكن بفتك الجوعِ لا فتك الحديد قد التفوا بأسمالٍ بوال مشاةً في السهول وفي الجبال يجدون المسير بلا نعال بحال للنواظر غير حال وزيّ غير ما زي الجنود مشوا في منهج جهلوه نهجاً يجوبون الفلا فجاً ففجاّ إلى حيث السلامة لا ترجى فيا لهفي على الشبان تزجى عَلَى عبث إلى الموت المبيد وكلٌ مذ غدوا للبيت أما فودع أهله زوجاً وأما وضم وليده بيد وشما بكى الولد الوحيد عليه لما غدا يبكي على الولد الوحيد تقول له الخليلة وهو ماش رويدك لا برجت أخا انتعاش فبعدك من يحصل لي معاشي فقال ودمعه بادي الرشاش وكلتكمو إلى الرب الودود عساكر قد فضوا عرياً وجوعاً بحيث الأرض تبتلع الجموعا إلى أن ضار أغناهم ربوعاً لفرط الجوع مرتضياً قنوعا بقدر لو أصاب من الجلود هناك قضوا وما فتحوا بلادا هناك بأسرهم نفدوا نفادا هناك لحيرة عدموا الرشادا هناك لروعهم فقدوا الرقادا هناك عروا هناك من البرود أناديهم ولي شجن مهيج وأذكرهم فينبعث النشيج ودمع محاجري بدم مزيج إلا يا هالكين لكم أجيج ذكا بحشاي محتدم الوقود سكنا من جهالتنا بقاعا يجور بها المؤَمر ما استطاعا فكدنا أن نموت بها ارتياعا وهبنا أمة هلكت ضياعا تولى أمرها. . . . . أيا حرية الصحف ارحمينا فأنا لم نزل لك عاشقينا متى تصلين كيما تطلقينا عدينا في وصالك وامطلينا فأنا منك نقنع بالوعود فأنت الروح تشفين الجروحا يحرّج فقدك البلد الفسيحا رأس لبلدة لم تحو روحا وإن حوت القصور أو الصروحا حياة تستفاد أقول وليس بعض القول جداً لسلطان تجبر واستبدا تعدى في الأمور وما استعدَّا ألا يا أيها الملك المفدى ومن لولاه لم نك في الوجود أنم عن أن تسوس الملك طرفاً أقم ما تشتهي زمراً وعزفا أطل منكم الريمة خل عرفاً سم البلدان مهما شئت خسفا وأرسل من تشاء إلى اللحود فدتك الناس من ملك مطاع ابن ما شئت من طرق ابتداع لا تخش إلا أنه ولا تراع فهل هذي البلاد سوى ضياع ملكت أو العباد سوى عبيد تنعم في قصورك غير دار أعاش الناس أم هم في بوار فإنك لم تطالب باعتذار وهب أن الممالك في دمار أليس بناء قصرك بالمشيد جميع ملوك هذي الأرض فلك وأنت البحر فيك ندى وهلك فأين لهم علاك وذاك أنك لئن وهبوا النقود فأنت ملك وهوب للبلاد وللنقود التجارة والإسلام وهي محاضة ارتجلها ليلة الاربعاء في ٢١ ذي الحجة في المنتدى التجاري بدمشق أحمد زكي بك واستملاها منه صلاح افندي قنباز يا كرام الشام أراني كمن هو في المنام يتنقل من أمر غريب إلى أمر أغرب وكل ما أراه من هذه المظاهر يزيدني في كل ليلة سروراً على سرور حتى لا يكاد يوجد موضع لزيادة السرور. رأيت في هذه الليلة مشهداً حافلاً ومثالاً يدل على الوطنية الحقيقية في هذه المعاهد فلذلك لم أتمالك أن أبتدأ كلامي بالإشارة إلى حكمة من رجل قديم وهي أنه جمع أحد الرجال أولاده وأوصاهم بالرمز لأنه وجد الإشارة أفضل من كل عبارة فقدم لهم أعواداً من أغصان الشجر وأعطى لكل واحد منهم عوداً وقال له إقصم هذا فكان ما أسهل عليه من كسره. ثم ضم الأعواد بعضها إلى بعض وأعطاها للقوي من أولاده فالثاني فالثالث فالرابع فكانت النتيجة سلبية فقال بهذا الاتحاد يكون نيل المراد. لذلك أحييكم بوجود هذه العاطفة عاطفة الود والاتحاد التي تربطكم بعضكم ببعض وما افترق عضو إلا وكان مشلولاً والاتجاه ممدوح ويد الله مع الجماعة. من دواعي السرور التي رأيتها في هذا البلد الأمين أنني اجتمعت بنفر من الخاصة ثم بالعامة أمس واليوم اجتمعت بالوسط وهم التجار وخير الأمور الوسط اجتمعت بهؤلاء في نادي التجارة وهي أساس الملك وركن العمران ولا أطيل الكلام في فوائدها فكلكم أدرى بها مني وتعرفون مزاياها. على التجارة قامت الأمم وارتقت الممالك حتى قيل في الأمثال: إذا كان مجد العالم بكراريسه فمجد التاجر بكيسه ولكن مجد العالم لا يكون له شأن في ترقية الوطن إلا إذا أمده التاجر بكيسه. العلماء قوم يشتغلون بالعلم ولو اشتغل الناس كلهم بالعلم لكانوا في غير هذه الدنيا أو من غير هذا العالم إذ ما الفائدة من الورق المكتوب إن لم ينضمَّ له الورق المضروب وما الفائدة من الطمامير إن لم تؤيدها الدنانير. أم تروا أن سيد الخلق كان تاجراً وأن كثيراً من علماء الإسلام اشتغلوا بالتجارة والعلم لما في التجارة من سعادة الدنيا وحياة الأمم وما في العلم من سعادة الآخرة. إذا نظرنا إلى المسلمين رأينا الخلفاء وأرباب الدولة منهم يتجرون بأمتعة الدنيا ليكتسبوا قوتهم من الحلال لأن التجارة هي المكتسب الحلال الصافي من كل قذر. تعلمون أن علوم العرب قد أخفى عليها الزمان ولكن بقي لنا شيءٌ من ذلك البحر الزخار. كان ابن جبير الأندلسي وابن حوقل البغدادي والمسعودي يطوفون البلاد للتجارة والمكسب ويدونون كل ما يشاهدونه من المعارف ليفيدوا أبناء جنسيتهم بكل ما استفادوا من التجارة بهذه الوسيلة تملك العرب في أيام مجدهم أطراف الدنيا وارتقى لديهم العلم ولذلك كان الإسلام ذلك المظهر البديع في الدين والسياسة الذي ضمن له كل درجة في ارتقاء العلم. ما هي الأسس التي قامت عليها الحياة؟ هي الزراعة والصناعة والتجارة. فالزراعة أول مصدر حقيقي لمعيشة الإنسان حتى أخذ في التحضر والتمصر ولكنها كانت قاصرة فجاءتها الصناعة فاشتغلت بما تنتجه الأرض من الخيرات واستحصلت منها خيرات أخرى صناعية. بقيت هذه الحالة في دور الطفولية في أدوارها الأولى فجاءت التجارة وصلةً بين الزارع والصانع سبباً في تقدم العلوم وارتقاء المدارك وحسب التجارة فضلاً أن سيد البشر ونبي العرب والعجم قد اشتغل بها كما ذكرنا. ليست كل البلاد زراعية بل منها ما هو جبل أو واقع في سفح البحر فلا يمكن أن تنبت لها الأرض شيئاً ونرى الإنسان في مكان كهذا ليس للزراعة فيه أثر ومع ذلك يعيش بفضل التجارة ولهذا يمكن للإنسان أن يستغني عن الزراعة والصناعة ولا يمكنه الاستغناء عن التجارة لأنها تنقل له المحصولات الزراعية والصناعية من البلاد التي تمتاز بهما ولكن إذا بارت التجارة عدمت الزراعة والصناعة فالتجارة والأمر على ما ذكر سيدة المعايش. كان تجار الشام ملوك التجارة وأعني بالشام تلك البلاد التي يحدها من الشرق العراق ونهر الفرات ومن الغرب البحر الأبيض المتوسط بحر الروم ومن الشمال بلاد آسيا الصغرى المعروفة عند العرب بأرض الروم ومن الجنوب بادية الشام أو بادية السماوة أو بادية النفود ولا أدري معنى النفود فأغتنم الفرصة لفهم معنى هذه الكلمة: رأيت في كتب الإفرنج وخرائطهم تسمية هذه البادية ببادية النفود قائلين أن النفود معناه الرمل ولكني بحثت في هذه الكلمة وحورتها وقلبتها فلم أعثر في كتب اللغة على اسم يوازي هذا الاسم الذي هو شبيه بالعربي ونقله جغرافيو الألمان والإنكليز. وكلامي يسمعه بالطبع كثير من التجار الذين تمر قوافلهم بتلك البادية فعسى أن يحققوا المقتبس سئل الشيخ عبد الله الاحمد الرواف النجدي نزيل دمشق في هذه الايام: هل الكلمة النفود استعمال بيت العرب؟ فاجاب: نعم معنى هذه الكلمة حتى لا يقال أن الإفرنج يأتوننا بكلمة عربية ولا نعرف معناها. وبهذه المناسبة أقول أنا نجد لبلادنا مصورات باللغة الإفرنجية واللغة العربية وإذا نظرنا للعربية نجدها كلها مترجمة عن الإفرنجية وربما كان المترجم يتحرج في بعض الأسماء فيتركها. في أحد دروسي أردت أن أشرح للتلاميذ حالة بلاد العرب عند ظهور الإسلام فرأيت خرائط مصر ودار السعادة كلها خلواً من أسماء البلاد والأماكن لذلك دعوت تلامذتي لأن يتلافوا هذا النقص ويستعينوا بالذي أبقاه لنا مثل ابن خرداذبة والأصطخري والمسعودي لنسد هذا النقص حتى إذا قرأنا شيئاً عن أخبار العرب عرفنا مواطن القبائل والشعوب وقلت لهم إن الذي يساعدنا على العمل الأكبر لهذا المقصد أن نسأل التجار وتلاميذ الجامعة الإسلامية الكبرى وهي الأزهر الذين يأتوننا من سائر البلاد الإسلامية فإنهم إذا سألوا أهل العلم والتجار الوافدين إلى مصر يمكننا أن نرسم خريطة وافية لبلاد العرب كافة أحسن من التي عملها الإفرنج وأضاعوا في سبيلها كثيراً من الأموال والأرواح ثم نعمل خريطة لبلاد العراق والشام وأتمنى من الذين يهمهم ذلك أن يستعينوا بأهل البلاد سواء كانوا من أهل العلم أو التجار لأنا بمجرد انقطاعنا عن طلب العلم والكسب قد نزلنا إلى الحضيض ووقفنا في طريق الجمود بينما كان الإفرنج يكدون. أنا إذا أردت أن أعرف مواقع دمشق لا أقدر على ذلك إلا بالخرائط الإفرنجية وأما خرائط مصر ودار السعادة فكلها خلو من ذلك. هذا نقص يجب أن نتعاون على سده حتى لا نكون عالة على الإفرنج لا في العلوم فقط بل في مواقع بلادنا. أول خريطة رسمت في العالم رسمها نفر قليل من أهل الشام وهم الفينيقيون وبلادهم جزر صغيرة متواصل بعضها ببعض ولم يكن لديهم قوة غير التجارة فملكوا بها العالم كله ووصلوا في ذلك الزمان المظلم إلى مضيق جبل طارق ومنه إلى بلاد الإنكليز وهم أول من عرف تلك البلاد وقد ملكوا منها كثيراً كما أسسوا كثيراً من البلاد في إسبانيا وكانت لهم المستعمرات في صقلية وغيرها. ثم نزحوا إلى تونس وأقاموا في قرطاجنة تلك المدينة الكبيرة ولقد كانت هذه المدينة تاج ملك الفينيقيين والدهر تارة لها وتارة عليها. أولئك هم آباء الشام حتى دار الدوروغار منهم الروم واليونان فأتوا أيضاً بطريق التجارة والملاحة وصاروا يأخذون أملاك القرطاجنيين وحينئذ تقدمت رومية وأزالت أثرهم من الوجود لكنا لا ننسى أن آنيبال بفضل التجارة مر من الجزائر ومراكش إلى إسبانيا ومنها إلى فرنسا فإيطاليا ووقف حتى صاح الرومانيون ببعضهم: ما لكم قاعدون والعدو على الأبواب وحينئذٍ لم يتمكن آنيبال من إتمام مقصده ولو كانت عنده السفن الحربية لكان محق رومية ولكنه أبعد عنها كثيراً ولم يأته المدد فذهب فريسة إقدامه الهائل ولا شك أنه فخر لأهل الشام لأنه فينيقي والفينيقيون من الشام. دار الزمان دورته وجاء المجد للعرب فابتدأت تجارتهم بالصعود وكانوا يقصدون الفتوح والتوسع في الملك بواسطة التجارة ولذلك كان الخليفة العباسي يهدد أهل الهند إذا أقفلوا باب التجارة أمام تجار بغداد والشام. لكن الهنديين حرفوا اسم الكوفيين وسموهم كوكل وكذلك أتاها جماعة هربوا من الحجاج أيام تجبره على الذين يرغبون في مناوأة السلطة المروانية وذلك أنه أجلى نفراً من قريش وكان فخر قريش قبل النبوة بالتجارة كما قال تعالى لإيلاف قريش إيلافهم رحلة الشتاء والصيف فلما أجلاهم ذهبوا عن طريق البحر إلى الهند فسماهم أهلها بالنوائت النوتية وبقوا فيها زمناً طويلاً حتى انتشروا انتشاراً هائلاً وهم الذين أسسوا الإسلام هناك. فللتجارة إذن فضل كبير في انتشار الدين الإسلامي أيضاً. كان التجار يذهبون إلى شطوط أفريقية فيرى أهلها من حسن معاملتهم وعظم أخلاقهم ما يزهدهم في دينهم رغبة في انتحال الإسلام ولذلك لم ينجح كثير من النصارى كما نجح تجار الإسلام. فالتجارة هي أساس العمران والتاجر أساس نجاحه الأمانة والصدق في الأخذ والعطاء. لما دالت الدولة في دمشق وانتقلت إلى بغداد اختار المنصور الموقع التجاري لبناء العاصمة الكبرى وهي بغداد التي قال عنها علماء العرب: إن العراق سرة الدنيا وبغداد سرة العراق فبغداد سرة الدنيا. كان كرسي الدولة العباسية عند أول قيامها في الكوفة ثم صار في الهاشمية ثم في الأنبار لكن الخليفة رأى عاصمة بلاده في موقع غير تجاري فأراد أن يجعلها في أهم مركز تجاري لتكون مضمونة البقاء على الدوام ولذلك أرسل الرسل ليقفوا على الجهة المطلوبة فاختاروا البقعة التي أقيمت فيها بغداد قائلين للخليفة: هنا تجيئك الميرة من المغرب وطرائف مصر والشام عن طريق الفرات وتجيئك في السفن من الصين والهند عن طريق دجلة. وتجيئك الميرة من الروم وآمد والجزيرة والموصل في دجلة وتجيئك الميرة من أرمينية فما فوقها عن طريق الزاب وأنت بين أنهار لا يصل عدو إليك إلا على جسر أو قنطرة فإذا قطعت الجسر وأخربت القناطر لا يصل إليك عدوك وهو محتاج لعبور دجلة والفرات وهما خندقان طبيعيان لبلدة أمير المؤمنين. فأمر بحشر الصناع والفعلة من الشام والموصل وفارس والكوفة وواسط والبصرة واختار قوماً من أهل الدين والعدالة والمعرفة والهندسة فوكل إليهم أمر العمال وكان فيهم الحجاج بن أرطاة المهندس وأبو حنيفة ابن ثابت الفقيه وإنما اختار أبا حنيفة لأن المنصور أراد أن يولي أبا حنيفة القضاء فامتنع فضربه فامتنه فحلف أنه لا بد أن يوليه عملاً ولذلك أمره بأن يتولى الطوب واللبن ليبرّ بقسمه وأمر بتخطيط المدينة كلها فلما تم تخطيطها بالرماد أقبل يدخل من كل باب ويمر في طرقاتها ورحابها فرآها وافية بما تميل إليه النفس فوضع أول حجر بيده قائلاً: بسم الله وبالله والأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين ثم قال للعمال: ابنوا على بركة الله. وعند البناء أمر بطبخ الطوب الأحمر الآجر وكان يعد على يد أبي حنيفة بالملايين فاستدعى لذلك وزيره جعفر البرمكي وقال له ما رأيك في هدم إيوان كسرى لجلب أنقاضه واستعمالها في البناء فأجابه الوزير: إنه رأي غير صائب لأن الإيوان من آثار الفرس وهذا البناء الذي تقيمه الآن من آثار الإسلام ينبغي أن لا يدخل فيه أثر لغيرهم. فقال له الخليفة: أخذتك النعرة لقومك وحننت إلى العجم فأردت أن تمنعني عن ذلك. ولم يعبأ بقول وزيره وأرسل فعله فنقضوا بغضه وأتوا به إلى بغداد فحسبوا النفقة فوجدوها تزيد بكثير على استحضار أدوات جديدة ولذلك رأى الخليفة أن الأولى جلب الطوب الأحمر الجديد وحينئذٍ استدعى جعفر ثانياً وسأله في ذلك قائلاً: أريد أن أجلب الأحجار من الجبال لا من أنقاض الإيوان فأجابه الوزير: لا تفعل ذلك يا أمير المؤمنين بل ثابر على ما باشرت به لئلا يقال أن ملك الإسلام عجز عن نقض ما بناه ملوك الأكاسرة رأى المنصور أن الكلام صواب ولكن لا يمكنه العمل به لأن المدينة تجارية اقتصادية فلم يسمع قول وزيره. استمرت دولة العرب على هذه الحال من الترقي في العلم والتجارة في آن واحد والتجارة من فرنسا وروسيا وبريطانيا إلى الهند وغيرها كلها عن طريق بغداد حتى دالت الدولة منها وانتقلت إلى الأندلس فكان للتجارة فيها رقي عظيم لكن أهلها أصبحوا بعد مدة مثل الأعواد التي ذكرتها لكم فدالت دولتهم بسبب التفرق والانقسام. قامت على أنقاضهم دولة إسبانيا وسعت حتى رقيت بما اكتسبته من علوم الشرقيين وكذلك أخذت في الترقي دولة البرتغال وليس في وسعها التوسع في الملك فهجم أرباب الأقدام فيها على المخاطر ولما كانت الهند أعظم محل تجاري بما ترسل من البهارات والأباريز والفلفل والأفاوية إلى بغداد وأوربا أرادوا أن يذهبوا إليها ليستعمروها وتولدت عندهم رغبة جديدة في أن يصلوا إلى الهند عن طريق آخر لأن الإسلام في المغرب الأقصى ومصر واقفون لهم بالمرصاد لذلك استغنوا عن طريق البر وسلكوا طريق البحر فاكتشفوا طريق رأس الرجاء الصالح وتملكوا موزامبيك وزنجبار ووصلوا إلى الهند وعاملوا تجارهم قائلين لهم لا نزيد سوى الفلفل بهذه الوسيلة صار لهم مع أهل العند معاملة قوية لكن تفرق تجار الهند جعل لهم عليهم كلمة فاستغاثوا بملوك مصر وآل عثمان فلم يجيبوهم لأن العداوة كانت متأصلة بين السلطان سليم والغوري ملك مصر. وذلك أن الغوري أرسل طائفة من الجند إلى الهند عَلَى سفن ويسمونها أغربة صنعها في السويس فلما وصل قائده إلى اليمن حدثت بينه وبين أهلها مناوشات اضطرته لأن ينسى الوظيفة التي أرسل إليها وهي إنقاذ البلاد من البورتقال فبقي في اليمن وفي أثناء ذلك كانت القاهرة في اضطراب شديد أنساها الهند أيضاً لمحاربتها مع السلطان سليم وانتصاره في واقعة مرج دابق التي قتل فيها الغوري واستولى هو على حلب ومصر والشام ثم اشتغلت الدولة العثمانية بمحاربة السلطان اسماعيل الصوفي ونسيت الهند فكان هذا التفرق والاضطراب أعظم وسيلة لامتلاك البورتقال تلك البلاد الغنية بتربتها ومحصولاتها. رأينا بلاد الهند فتحت على يد التجار كما امتلكها الإنكليز اليوم بواسطة التجارة أيضاً لما أصبحت إنكلترا ملكة البحار وأهلها ملوك التجار. في ذلك الوقت قامت إسبانيا لتوسع دائرة ملكها فرأت أنها لا يمكنها طلب الهند من طريق البورتقال والمنافسة التجارية أساس الاستعمار فقام خريستوف كولمب وجرى في البحر من جهة الغرب ليملك بلاد الهند. بهذه الوسيلة اكتشف أميركا وسماها الهند الغربية. وارتقت إسبانيا حتى كانت كلمتها هي العليا خصوصاً في أيام شارلكان فإنها اغتنت وتدفقت إليها الأموال من جهات الدنيا ولكنها تضعضعت أخيراً بإخراج المسلمين وبالتراخي فألهاها التكاثر حتى دخلت في عداد أهل المقابر. في هذه الآونة كانت أوربا جارية نحو التمدن والشرق قد أخلد إلى النوم والسكون إلى الموت والجمود. وهنا أذكر لكم كلمةً عن تمدن الأوربيين: كانت أوربا في منتهى التوحش حين كانت بغداد في أوج الحضارة حتى أن تجار العرب لما ذهبوا لاستحضار العنبر من شلسويج وصفوا أهلها بأنهم وحوش عراة لا يسترون عوراتهم إلا بقطع من الجلود ذكره القزويني في آثار العباد وأخبار البلاد هذا وصف أحد سياح العرب لتلك الدولة التي هي اليوم في أرقى درجات الحضارة. تنبهت أوربا من رقدتها باختلاطها مع العرب شرقاً في الشام وغرباً في الأندلس فجمعت الزبدة والخلاصة النافعة من مدنية اليونان والرومان وضمت إلى ذلك ما أخذته من احتكاكها بالشرق أيام الحروب الصليبية فتولدت لديها الحضارة. دخل أحد أمرائها في زمن الحرب الصليبية أحد الحمامات في فلسطين صور أو صيدا فاستعمل معه الحمامي النورة فاستعجب الأمير من ذلك وخرج في الحال فأتى بامرأته وقال له افعل معها كمافعلت معي. في تلك الأيام كان تعليمهم مبنياً على أسس العرب مثل كتب ابن سينا والفارابي وابن رشد وغيرها مما ترجموه إلى لغاتهم. كانت هذه الحركة أول مبدأ لترقيهم بعد أن كانوا عبيداً لقليل من السادة وكانت أوربا ملكاً لأفراد من الملوك. كان السكان عبيداً لهؤلاء السادة فإذا بيعت الأرض بيعت رجالها وحيواناتها وكل شيء معها حتى كان للسادات حق التفخيذ أي أن لا تزف العروس حتى يأخذها الرئيس. فباختلاطهم بأهل الشرق دفعوا هذه الوصمة عنهم وقامت لديهم شبه حكومات ابتدائية في تلك البلاد ثم عثروا على مصنفات اليونان فصاروا يأخذون عنها مباشرة بعد ما كانوا يأخذون عن العرب واستمروا على هذه الحالة لكن هبت عليهم نفحة من الأفكار الصائبة التي اكتسبوها من المسلمين فأخذوا بالتجارة مع القوم ودرس علومهم بإتقان غير أن ضغط الملوك وخصوصاً الباباوات باسم الدين كان سبباً لتفرقهم على بعضهم إذ كان التعصب آخذاً منهم مبلغاً عظيماً. ومع ذلك فقد أوجدت شدة الضغط أفراداً نوابغ كسروا قيود الاستعباد وفكوا أغلال الجمود مجاهرين بالحرية فكان من أجل ذلك ما كان من أمر ديوان التحري القسيسي وواقعة القديس برثلماوس بين البروتستانت والكاثوليك وواقعة صلاة العصر في صقلية حيث قام الناس بعضهم على بعض. ولذلك اضطر أرباب الأفكار الحرة وهم البروتستانت إلى المهاجرة من ألمانيا وفرنسا إلى إنكلترا وهولاندة حيث نشروا العلوم ووسعوا دائرة الأفكار فترقت بهم البلاد وأفاضت المعارف منها على باقي بلاد أوربا. سعى القوم وراء العلم والمعارف كثيراً فكان ذلك أسهل طريق لتأصيل دعائم التمدن بينهم حتى أن غاليله لما قال بدوران الأرض وأنكروا قوله وحكموا عليه بالإعدام قدم إلى النطع والسيف وهو يقول: ومع ذلك تدور. وكذلك قام في إيطاليا جوردانو برونو فأحرقوه بالنار لأنه نشر أفكاراً حرَّة وأما اليوم فكم له في بلاد أوربا من تماثيل لأنه كان من الذين سعوا في تفكيك الرقاب من ربقة الجهل والعبودية. ثم قام ميرابو بنشر الأفكار الحرة بين الشعب حتى أن الملك أرسل من قبله إلى هذا الحزب رجلاً يقول لهم اخرجوا من هذه الدار فأجابوه نحن هنا نواب الشعب بإرادته فلا نخرج إلا بأطراف الحراب وكذلك قام دانتون وكان يخطب بالقوم ويقول: من أراد الظفر فعليه بالجرأة والإقدام وليكن شعاره على الدوام الجرأَة والإقدام — جاء فولتير وروسو فأقاموا هذا الصرح العظيم فوق ذلك الأساس المتينيوكانت إحدى الجمعيات العلمية حينئذٍ اقترحت وضع كتابٍ في الاجتماع والعمران جاعلة مكافأة كبيرة لمن يسبق في هذا المضمار ويجيد في التأليف فألف عندها جان جاك روسو كتابه عقد الاجتماع إلا أنه لم ينل الجائزة المعينة وإنما أخذها رجل آخر لأغراض في النفوس لكن الأفكار لم تستنر إلا بهذا الكتاب ولذلك أسبل الدهر ستره على ما سواه. انتشرت بهذه الوسيلة روح الحرية في فرنسا فكانت سبباً لتقويض أركان الاستبداد ورفع منار الحرية على تلك البلاد وصار كل واحدٍ يقول ما يريد لأن الأفراد أصبحوا أحراراً في أقوالهم وأفكارهم وبذلك بلغت أوربا ما نراه اليوم من التقدم المدهش وخوارق الأعمال. انتشرت الحرية من فرنسا إلى أمم أوربا فترتب على ذلك وجود المجالس النيابية وهي حكومة الشعب بالشعب التي كانت السبب لرقي دول أوربا كلها. وهم اليوم على هذه الدعامة الإسلامية فالحمد لله الذي أعاد لنا الشورى في هذه الأيام. في تلك الآونة انفسح المجال أمام التجار وبات لهم طريقان طريق من الشرق وهو طريق رأس الرجاء الصالح وطريق من الغرب وهو طريق أميركا لكن بعد الشقة وطول المدة التي تزيد عن سبعة عشر يوماً ألجأتهم إلى فتح ترعة السويس فكانت أكبر ممهدٍ للتجارة وترقيها على ما نشاهده اليوم بالعيان. ولكن لدينا طريق أهم وأكثر فائدة وهو طريق بغداد فمتى تمت السكة الحديدية في هذا الطريق تعود لنا التجارة. والسكك الحديدية في الأرض كالشرايين في الجسم فإذا لم يجر شريان في البلد كان ذلك سبباً لهدم الحياة فيه وكلما انتشرت السكك في البلاد كان فيها زيادة الخير. من أجل هذا أرجو من أهل الشام وخصوصاً التجار أن يسعوا في هذه البلاد التي هي من أغنى أقطار الدنيا على الإطلاق ولكن تنقصها السكك الحديدية وأناشدهم أن يهبوا للتعاون على تأليف الشركات الوطنية حتى تبقى ثروة البلاد في البلاد ولا يتمتع بها الأجنبي وأنتم منها محرومون. أؤمل كم أهل الشام أن يضعوا الميامين بعضها في بعض لنقل خيرات البلاد إلى البلاد وبذلك ترقي دور التجارة والصناعة وتنال كثيراً من الفوائد دون أن يشترك فيها الأجنبي إلا بما لا مندوحة عنه. رأَيت القسم الأعظم من التجارة هنا بيد الأهلين فحذار حذار أيها الكرام من أن تذهب من أيديكم وعليكم بالسعي في إصلاح طرق المواصلات كيلا تكون بيد الشركات الأجنبية. نحن نسمع في مصر أن التفاح في الشام يعطى بصورة علف للدواب لما في سبيل نقله من الصعوبة، نسمع ذلك ونأسف كل الأسف لأننا نستجلبه من البلاد الأخرى بقيمة غالية. فإذا أصلحت طرق المواصلات تجدون مورداً للرزق واسعاً وبه تنالون الفوائد الجسام وتعيدون للشرق مجده إن شاء الله. الجباية في الإسلامراجع ما نشرته في الجزء الرابع من المجلد الثاني من مجلد المقتبس العشر العشر: لغة جزوء من عشرة وجمعه أعشار وعشور وفي اصطلاح الفقه ما أخذ عن أرض العشر وأما أرض العشر فكلالخراج لابي يوسف أرض أسلم أهلها عليها وهي من أرض العرب أو أرض العجم فهي لهم وهي أرض عشر بمنزلة المدينة حين أسلم أهلها وبمنزلة اليمن وكذلك كل من لا تقبل منه الجزية ولا يقبل منه إلا الإسلام أو القتل من عبدة الأوثان من العرب فأرضهم أرض عشرأفكارهمأ وإن ظهر عليها الإمام لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ظهر عَلَى أرضين من أراضي العرب وتركها فهي أرض عشر حتى الساعة: وأيما دار من دور الأعاجم ظهر عليها الإمام وتركها في أيدي أهلها فهي أرض خراج وإن قسمها بين الذين غنموها فهي أرض عشر وكل أرض من أراضي الأعاجم صالح عليها أهلها وصاروا ذمة فهي أرض خراج. وأما أرض الحجاز ومكة والمدينة وأرض اليمن وأرض العرب التي افتتحها رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يزاد عليها ولا ينقص منها لأنه شيء قد جرى عليه أمر رسولا لله صلى الله عليه وسلم وختمه فلا يحل للإمام أن يحوله إلى غير ذلك كذا فسودا العراق وأرض الشام وأرض مصر وغيرها مما فتحه الإسلام على عهد أو ذمة فهي أراض خراجية يجب عليها الخراج غير أن أبا يوسف رجمه الله جوز للإمام الخليفة أن يصير الأرض الخراجية عشرية فقال: فكل أرض أقطعها الإمام مما فتحت عنوة ففيها الخراج إلا أن يصيرها الإمام عشرية. . . إلخ ومن ثم يتضح أن الخليفة يحق له أن يحول أرض العراق وأرض الشام وأرض مصر وكل أرض خراجية إلى أراضٍ عشرية. وأما مقدار العشر الشرعي فهو واحد من عشرة عن محصول الأراضي العشرية التي تسقى بماء المطر أو بماء الأنهر سحاً سقياً أو نصف واحد من عشرة عن محصول الأراضي العشرية التي تسقى بالدلو أو الدولاب قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما سقت السماء أو سقي سحاً العشر وفيما سقي بالغرب أو السواني والنضوح نصف عشر. وأما العشر النظامي فقد جاء في المادة الأولى من نظام الأعشار الصادر في ٩ حزيران سنة ٣٢١ ما تعريبه بالحرف يؤخذ العشر عن المحصولات الأرضية ولم يعرفه بغير هذا التعريف لأن ما كان يؤخذ من العشر حينئذٍ اثني عشر وثلاثة وستين سانتيماً من المائة عن المحصول وهذا لا يعبر عنه بالعشر وكانت الدولة عقيب التنظيمات الخيرية تجبي العشر واحداً من عشرة باسم الخزينة ثم أضافت عليه واحداً من المائة باسم المنافع — من أجل الأشغال العمومية — ونصفاً من المائة باسم المعارف فصار العشر يومئذ ١١٥ من المائة وفي سنة ٣١٣ مالية ضمت الدولة نصفاً آخر باسم الخزينة فبلغ العشر اثني عشر: فكانت هذه الزيادة من أجل سد العجز المالي يوم أخذت الجواسيس تتكاثر والاستبداد تشتد وطأته وفي سنة ٣١٦ صدرت الإرادة السنية قاضية بأخذ ستة في المائة عن بدل العشر يعني أن تؤخذ الستة عن الاثني عشر من المائة فبلغ العشر يومئذ ١.٢٦٣ اثني عشر وثلاثة وستين سانتيماً فصار هذا الكسر سبباً لشدة ظلم ملتزمي الأعشار إذ أصبحوا يأخذون ثلاثة عشر في المائة تفادياً من تشويش الحساب على زعمهم وبعد سنتين أصدرت نظارة المالية أمراً عاماً مبنياً على إرادة سلطانية قاضياً بإسقاط ١٣ سانتيماً من الشعر تخفيفاً عن الأهالي ودفعاً لتشويش الحساب فأصبح العشر اثني عشر ونصفاً عن المائة وهذا عبارة عن الثمن ولذلك لو أردنا أن نعرف العشر نظاماً لقلنا أن العشر النظامي ثمن أي واحد من ثمانية من عامة المحصول على حصص الأعشار ولذلك وضعت دائرة الديون العمومية دستوراً قاعدة من أجل حساب الحصص فعممته نظارة المالية في جميع دوائرها كي يطبق العمل عليها وهذه صورتها: وبذلك صارت بدلات الأعشار تحال دفعة وتوزع على هذه القاعدة مثلاً لو أحيلت قرية ببدل قدره أربعون ألفاً يوزع على نسبة الحصص المذكورة أعلاه وهذه أقسام من المائة فلذلك يجب ضرب القسم ببدل القرية وتفريق عددين من حاصل الضرب من أجل المائة فيظهر مقدار الحصة وهذا مثاله: وهذه الأربعون ألفاً هي اثنا عشر ونصف عن محصول القرية أي ثمن محصولها فما أغنى نظارة المالية عن هذا الدستور أو هذه القاعدة لو جعلت هذه الاثني عشر ونصفاً إلى هذا الترتيب: فكرت ملياً فلم تتجل لي الحكمة في المحافظة على ذلك التشويش وعلى ما أظن أن هذا التشويش إما حفظاً لأحكام الإرادة السنية أو لمقصد خفي يراد به حفظ زيادة واردات إحدى الحصص والله أعلم. عرفنا العشر فيما سلف تعريفاً لغوياً وشرعياً ونظامياً وإليك العشر وحالة تلزيمه وإلزامه وجبايته وضرره الذي تئن منه الأمة العثمانية. يؤخذ العشر عن عامة المحصول بموجب القانون إلا من الحطب والفحم وما فسد بعد زوال الطراوة من الخضر والبقول كالخبازة والباقلاء والخس والكراث والسبانخ وأما ما حفظ بالملح أو الكبيس بماء الملح من الخضر فيؤخذ عنه العشر أي الثمن. اختلف الأئمة الفقهاء في جواز أخذ العشر عن الخضر فيجوزه أبو حنيفة رضي الله عنه شية ابن عابدين على أنه عند أبي حنيفة يجب العشر في الخضروات ويخرج حقها يوم الحصاد أي القطع — ابن عابدين. وقد خالف ذلك الإمام أبو يوسف فقال حدثنا الوليد بن عيسى قال: سمعت موسى بن طلحة يقول لا صدقة في الخضر الرطبة والبطيخ والقثاء والخيار. وعن علي رضي الله عنه قال ليس في الخضر زكاة البقل والقثاء والخيار والبطيخ وكل شيءٍ ليس له أصل. وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال ليس في البقول زكاة اه وفي الخانية لا يجب العشر فيما كان من الأدوية كالموز والهليلج ومن هذه العبارة يظهر أن واضع النظام راعى القوانين ولكنه لم يترك ما وجد منه ريعاً مهماً للخزينة ولو كان فيه رحمة للأمة. وقد يجب العشر في كل ما أخرجته الأرض فالعشر الشرعي الحقيقي هو كما ذكر في الكتب الفقهية قال وحدثنا أبان بن أبي عياش عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال فيما سقت السماء أو سقي سيحاً العشر وفيما سقي بالقرب دلو أو السواني أو النضوح نصف العشر اه كتاب الخراج. وفسره بقوله إنما جعل العشر في السيح ونصف العشر في الدالية لمؤنة الدابة والسانية: يجب العشر في الأول ونصفه في الثاني بلا رفع أجرة العمال ونفقة البقر وكري الأنهار وأجرة الحافظ ونحو ذلك درر. قال في الفتح لا يقال بعدم وجوب العشر في قدر الخارج الذي بمقابلة المؤنة بل يجب العشر في الكل لأنه عليه الصلاة والسلام حكم بتفاوت الواجب بتفاوت المؤنة ولو رفعت المؤنة كان الواجب واحداً وهو العشر دائماً في الباقي لأنه لم ينزل العشر إلى نصفه إلا للمؤنة والباقي بعد رفع المؤنة لا مؤنة فيه فكان الواجب دائماً العشر لكن الواجب قد تفاوت شرعاً فعلمنا أنه لم يعتبر شرعاً عدم عشر بعض الخارج وهو القدر المساوي للمؤنة أصلاً اهـ حاشية ابن عابدين. فقد فهم مما تقدم أن صاحب الشرع عليه السلام نظر إلى حالة الزراع وفرض عليهم العشر بالنسبة لريعهم الحقيقي ولا يخفى أن الأرض التي تشرب بالدلو والدولاب ليست كالأرض التي تشرب من الأنهار سيحاً يعني سقياً أو من ماء المطر فالأولى تحتاج إلى عمل ودراهم أكثر من الثانية ولذلك عد صاحب الشرع صلى الله عليه وسلم نصف عشر الأولى بمثابة عشر الثانية اهـ. وقد اعتبروا الضم على العشرة أمراً لازماً مشروعاً لاحتياج الحكومة من أجل المعدات الحربية ولتعمير الطرق وإنشائها وتعميم المعارف على أنهم خصصوا نظارة ومستخدمين من أجل المعدات الحربية ليموهوا على الأمة زاعمين أنهم بعملهم هذا يدخرون هذا الضم للمعدات الحربية ويدفعون عنه سوء الاستعمال فهيهات هيهات! أتدري ماذا كانت النتيجة؟ لم تكن إلا تزييد الضريبة على الأمة وإيجاد وظائف للمقربين والملتمسين وصرف الواردات في غير ما وضعت له ومن أغرب تصوراتهم ظنهم أن حصة التجهيزات إذا دخلت الخزينة تبعت قانون الفوضى في نظارة المالية فكأن الحكومة أرادت أن تعترف بعجزها عن تنظيم أمور ماليتها وحفظ إيرادها من سوء الاستعمال. وأما حصة المنافع فلم نر ولم نسمع بأنها صرفت في تعمير الطرق أو الجسور وأما ما صرف على الطرق والجسور فهو من بدلات العملة المكلفة التي كانت مأكلاً للولاة والمتصرفين والقائمقامين والمهندسين. وأما حصة المعارف فكان القسم الأعظم منها يصرف لأولئك الجواسيس الذين تصدروا على كراسي العالم ليمنعوا الجرائد والكتب المفيدة ويلقبوها بذلك التعبير الذي ترتعش لذكره الفرائص وهو مضرة كأنهم كانوا نافعين! ويصرفون هذه المبالغ على السفاهة والبذخ. ويحتجون بجواز هذه الضمائم بما يوجد في الضرائب من الضمائم في بلاد الغرب وقد فاتهم أن تحميل أعظم الضرائب على عاتق الفلاح ظلم وضرره في عمران البلاد واضح. أشرت إلى أن الشرط في وضع الضرائب حفظ النسبة بين إيراد الأشخاص الحقيقي فإن حسبنا ريع الفلاح السالم ألغينا ريعه أقل من ثلث ما تأخذه الحكومة باسم العشر وزد عليه أن بذاره وبقره ولباسه ومؤنته قد استدانها بفائض يتجاوز الخمسة والعشرين إذا ما قلت الخمسين في المائة فأي أرض تضمن لفلاحنا التعس هذا العشر الفاحش وهذا الفائض المدهش؟ تلزيم العشر يعلم العثمانيون كافة أن العشر يؤخذ بطريق البدل إلا في بعض الأنحاء كحوران تدفعه للحكومة عيناً وبدل الأعشار يباع مزايدة وللمزايدة وإلا حالة أوقات محدودة تحددها مجالس الإدارة وعندما تطرح بدلات الأعشار للمزايدة تستدعي الحكومة شيوخ القرى وتكلفهم بوضع بدل عشر قريتهم بزيادة عن بدلها السابق فإن أجابوا تخلصوا ورجعوا إلى قريتهم وإن أبوا أو اعتذروا لقلة المحصول عندهم ضربوا وأهينوا وأدخلوا السجن وهذا العمل مغفور في نظر أولي الأمر لأنه به تزيد واردات العشر. ولا ينكر أن بعض الأهالي أيضاً يسعون في تخفيف بدل الأعشار فيهضمون حقوق الخزينة فإن كان في قريتهم ربح تهاجم عليها الملتزمون وإن كان فيها خسارة أحيلت على أهلها بالكفالة المتسلسلة بالرغم من أنوفهم في كل قضاء وفي كل مركز متصرفية أو مركز ولاية. في جميع أنحاء المملكة العثمانية أعيان من أرباب النفوذ يلتزمون ضيعهم ويختصون بقرى عدوها من مستعمراتهم وعندما يضع هؤلاء أختامهم في قائمة المزايدة لا يستطيع أحد من الملتزمين أن يزيد عليهم فإن زاد حل به البلاء لأن ذلك الوجيه يستطيع بسيطرته أن يسجنه أو يتهمه بجناية فيتوب عن الالتزام هذا إذا صادف من يرحمه ويخلصه من ذلك الافتراء. وأرباب النفوذ لا يتعدى بعضهم على بعض لأنهم تقاسموا الغنيمة وكل منهم رضي بما اختص بع واعتاد الملتزمون أيضاً أن يتقاسموا القرى أو يتشاركوا في بدلات القرى التي تربح ربحاً عظيماً ومنهم من جعل السفه مسلكه فتراه يهدد الذين لا نفوذ لهم ولا سيطرة عندهم في التزام ضيعهم ويأخذ منهم دراهم معدودات تحت اسم حق السكوت لئلا يزيد على بدلها وخوفاً من أن يصير البدل قانوناً يطلب الزيادة عليه في السنة الآتية وقد يلتزم ملتزم بدل أعشار قرية من أجل دين له على أهاليها على أمل استيفاء ديونه حتى ولو كان محصولها لا يعادل بدلها. والمهارة والشطارة التي تطلب من القائمقام والمتصرف أو الوالي الغيرة على تزييد بدلات الأعشار ولو كان فيه ظلم الأهالي وخرابهم وقد تبلغ قرى الأهالي فوق بدلها الحقيقي وربما يدفعون ٢٠ في المائة ويرضون بهذه الخسارة لما صادفوه أثناء الإحالة من الضغط والتضييق والضرب وأما المتوسطون فيكون بدل بلادهم معتدلاً ولكن قرى أرباب النفوذ تحال بأبخس الأثمان فقرية يبلغ بدلها مائة ألف قرش مثلاً تحال عليه بخمسة أو عشرة آلاف قرش فالفقراء يظلمون والأغنياء والوجوه وأرباب النفوذ يظلمون الخزينة ويأكلون حقوقها فإن نظرنا إلى أنحاء المملكة بأسرها نجدها منقسمة بين أولئك المستبدين ولذلك نجد ما خسرته الخزينة بسببهم أعظم مما تستوفيه بالضرب والحبس من أولئك الفقراء المدقعين. جباية العشر فبعد إحالة الأعشار يتهاجم الملتزمون على اختلاف طبقاتهم إلى القرى ويستخدمون الأشقياء والمحكومين والفارين من وجه الحكومة ويتخذونهم آلة الجباية وحقهم من العشر ولما يصل الملتزم في جنوده إلى القرية يجمع المختار والشيوخ ويعدهم بأن يترك لهم قسماً مما يترتب عليهم من العشر على شرط أن يقدروا البساتين والصحاري والكروم والخضر بأضعاف أضعاف أثمانها الحقيقية ولذلك ترى الفلاح يدفع عن بساتينه وكرومه وخضره نصف ما أخذه من الثمن إذا لم نقل كله ويعطون الملتزم دفتراً بما رفع قبل الإحالة ويتفقون معه على إعطائه ١٤ من المائة بدل ١٢،٥ وهو العشر النظامي والباقي عوضاً عما أكله الدواب ويسمونه إطعامية وتلفية. وهذا المقدار يختلف بحسب رضا الشيوخ ومن البلاء المبرم إذا صاروا شركاء فترى الملتزم يتحكم في الأهالي تحكم النمرود ولذلك تدخل المملكة في حرب داخلية أيام الأعشار فيفتح باب الرزق للمحاكم فيعذبون الزراع حينئذ أنواع العذاب وإن أحيلت القرية على الأهالي فالبلاء الأعظم يأتيهم من شيوخهم ووجوههم والمطلع على أحوال الفلاحين أيام الأعشار وما يقاسونه بعلم منه ومما فصلناه أن إحالة بدلات الأعشار على هذه الصورة مضرة بالأهالي والخزينة أيضاً. مضرات الالتزام صاحب المال أي الفلاح يصبح كالمحكوم عليه ريثما تحال القرية ويأتي الملتزم فلا يستطيع الأكل من ماله ولا إطعام دابته فبينما هو يعرف أنه مكلف بدفع العشر للحكومة التي قامت بحفظه وحفظ ماله وعرضه يرى نفسه محكوماً عليه لرجل مثله من أفراد الرعية وهذا ما يصعب على الطبع والإحساس ولما كان إخراج الغلة متوقفاً على الإحالة والمساعدة من الملتزم وقد تمضي شهور ريثما تجري الإحالة فيضيع على الزراع السعر وربما يخسرون ألوفاً وقد تنقص البيادر في هذه البرهة بسبب أكل الدواب والعصافير والطيور وهذه لا تأكل سوى الحبوب ولا ترجح على القمح والشعير شيئاً ومن غرائب الالتزام أن الفلاحين يجبرون على نقل الغلة من مسافة ساعة بحسب المادة ٩ من نظام الأعشار وهناك أناس من أصحاب النفوذ أهل البطالة ينتظرون موسم الأعشار ليلتزموا قرية أو قرى باعتبار قيم أراضي آبائهم وهؤلاء قلما تجد في قلوبهم رحمة فيستبدون بالأهالي ويظلمونهم ظلماً لا مزيد عليه والأهالي لا يستطيعون الشكوى فلو تجاسر أحدهم واشتكى من تعدى عليه وغصب ماله الذي أحرزه بعرق جبينه بين شدة الحر وزمهرير البرد كان البلاء عليه من الحكومة ومن ذلك الملتزم. وإن أرادت الحكومة أن تجبي الأعشار بنفسها أمانةً تحتاج إلى استخدام مأمورين ويصعب عليها أن تجد مستخدمين صادقين يحفظون حقوقها وتكون قد سلطت على الأمة أناساً يظلمونها ويسومونها سوء العذاب ويخونونها معاً فتكون حينئذ ظلمت الأهالي وأضاعت إيرادها. وقد يستحسن بعضهم تلزيم الأعشار لما فيه من الزيادة من سنة أخرى وفاته أن كان ثمة زيادة فذلك من شدة الضغط وإن من نتائج الترقيات التي أخذت تنتشر رويداً رويداً وأن حالة الفلاح أحسن من قبل ولا ننسى أن الزيادة بجانب النقص والخسارة بجانب الربح وخلاصة الكلام أن تلزيم بدلات الأعشار وإحالته على ما ذكرنا وجبايته مضر بالأهالي وببيت المال ايضاً. ماذا تفعل الحكومة؟ تجعل العشر ضريبة على الأراضي لا تخميناً كما يظن الناس وإليك التفصيل. أما أراضي الحجاز والمدينة ومكة واليمن وأرض العرب فكلها عشرية لا يجوز تحويلها إلى غير ذلك ولا يزاد عليها ولا ينقص منها لأنه أمر جرى عليه أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وحكمه فأصبح أمراً دينياً لأنه ثبت ذلك بالكتاب والسنة والإجماع والمعقول أي يفترض لقوله تعالى وآتوا حقه يوم حصاده فإن عامة المفسرين قالوا أنه العشر أو نصفه وهو مجمل بيّنه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ما سقت السماء ففيه العشر وما سقي بقرب أو دالية ففيه نصف العشر. . إلخ. حاشية ابن عابدين ص ٥٣ وعد العشر من العبادة قال ابن عابدين في حاشيته إذا أدى بنفسه فله ثواب العبادة وإذا أخذه الإمام يكون له ثواب ذهاب ماله في وجه الله تعالى — بدائعوفي البزازية لا يحل الأكل من الغلة قبل أداء الخراج وكذا قبل أداء العشر إلا إذا كان المالك عازماً على أداء العشر اهـ وقد عد العشر زكاة أو صدقة اه. فأهل تلك البلاد المباركة الذين عرفوا بالتدين والمحافظة على العهود والأقوال لا يتأخرون عن أداء العشر الشرعي بل إنما يأتون به إلى بيت المال ليحل لهم الأكل من المحصول فيجب استيفاء العشر فيها كما وضعه صاحب الشرع عليه السلام ولا يجوز تحويله أو تزييده أو تنقيصه وتجب العناية بتفهيم أهاليها أن العشر فرض ديني لا يجوز أكله والحيلة فيه. وأما ما كان في الأهالي من الخيانة فهو من سوء تأثير الاستبداد وظلم المأمورين وفساد أخلاقهم. وأما أرض الشام وأرض مصر وسواد العراق وغيرها فأرض خراج يحق للإمام أن يحولها إلى أرض عشرية ويضع عليها العشر كما يشاء وقد سبق ذكره غير أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما مسح سواد العراق سأل عماله على الخراج حذيفة بن اليمان وعثمان بن حنيف فقال لعلكما حملتما الأرض ما لا تطيق فقال عثمان حملت الأرض أمراً هي له مطيقة ولو شئت لأضعفت وقال حذيفة وضعت عليها أمراً له هي محتملة فقال: انظرا ألا تكونا حملتما الأرض ما لا تطيق أما لئن بقيت لأرامل أهل العراق لأدعهن لا يحتجن إلى أحد بعدي فتأمل ومن هذا يتضح أن الإمام لا يجوز له أن يحمل الأرض فوق طاقتها من العشر أو الخراج. هل يجوز جعل العشر الجاري الآن ضريبة على أراضي الخراج؟ جاء في كتاب الخراج أن عمر رضي الله عنه مسح سواد العراق فبلغ ستة وثلاثين ألف جريب وأنه وضع على جريب الزرع درهماً وقفيزاً وعلى الكرم عشرة دراهم وعلى الرطبة خمسة دراهم وعلى جريب النخل ثمانية دراهم وعلى جريب القصب ستة دراهم وعلى جريب الحنطة أربعة دراهم وعلى جريب الشعير درهمين وعلى جريب السمسم خمسة دراهم وعلى الخضر من غلة الصيف على كل جريب ثلاثة دراهم ومن جريب القطن خمسة دراهم وجاء في كتاب الخراج أيضاً أن عبد الملك بن مروان أحد خلفاء بني أمية حمل الأموال على قدر قربها وبعدها فجعل على كل مائة جريب زرع مما قرب ديناراً وعلى كل مائتي جريب مما بعد ديناراً وعلى كل ألف أصل كرم مما قرب ديناراً وعلى كل ألفي أصل مما بعد ديناراً وعلى الزيتون على كل مائة شجرة مما قرب ديناراً وعلى كل مائتي شجرة مما بعد ديناراً وكان غاية البعد عنده مسيرة اليوم أو اليومين وأكثر من ذلك وما دون اليوم فهو في القرب وحملت الشام على مثل ذلك وحملت الموصل على مثل ذلك نتبين مما تقدم ذكره أن الخراج كان عبارة عن ضريبة مقطوعة على الأرض تنوعت بالنسبة للإيراد الصافي وقد سبق أن أرض الشام والعراق ومصر وغيرها كالأناضول والروم أيلي وطرابلس الغرب مما افتتحه المسلمون عنوة كانت أراضي خراجية وقد جوز الإمام أبو يوسف تحويلها لأراضي عشرية وجوز تزييد مقدار العشر وتنقيصه فيها فيتضح لك مما تقدم ومما تقتضيه المصلحة العامة أن تحويل العشر الجاري حتى الآن إلى ضريبة عادلة تطرح على الأراضي الخراجية على شرط أن تطيق حملها وتكون متناسبة مع الريع الحقيقي جائز بل واجب. ما هي القاعدة في تحويل العشر إلى ضريبة؟ تتألف لجنة قوامها رجال ممن لهم خبرة بفن الزراعة واقتدار بتخمين القيم ويصحبهم مهندس ويرأسهم رجل ذو خبرة واطلاع على أحوال البلاد والفلاحين دارس في المدارس العالية ويشترط في الجميع أن يكون ممن تحلى بشرف النزاهة والصدق والاستقامة فيتجولون في أنحاء الولاية ويفحصون قوة إنبات الأراضي ويقسمونها إلى ثلاثة أو أربعة أقسام أعلا وأوسط وأدنى وضعيفة يعني قلما تعطي ريعاً ثم ينظرون في بدل أعشار عشر سنين أو خمس عشرة سنة عن قرية ما على شرط أن ينظروا إلى حقيقة البدلات السابقة فإن كانت للأهالي فلا شك بأنهم يجدون بدلاتها فاحشة فيجب عليهم التخفيف وإن كانت لأرباب النفوذ فلا شك بأنهم يجدون بدلاتها ناقصة فيجب عليهم التزييد وربما وجدوا قرية من قرى الأهالي محفوظة من الغدر الفاحش لاتفاقهم وتيقظهم كما أنهم يجدون بعض قرى الأعيان مظلومة لتجاوز بعض أرباب النفوذ أو لغضب أولي الأمر عليهم ثم يقسمون مجموع البدلات على عشر سنين أو خمس عشرة سنة وبعد ذلك يوزعون خارج القسمة على حسب درجات الأراضي من حيث قوة الإنبات وهكذا يفعلون في الولايات التي هي من الأراضي الخراجية ولا بد من النظر إلى نوع الأراضي إن كانت مشجرة أو غير مشجرة ويجب تفريق الأراضي التي تسقى بماء المطر أو بماء النهر سيحاً من الأراضي التي تسقى بالدلو أو الدولاب وتفريق الأراضي التربية من المدن والمرافئ الأساكل عن الأراضي البعيدة. وخلاصة الكلام يجب على اللجنة أن تحمل الأرض ضريبة تطيقها ولا تتجاوز عشر محصولها فإن فعلوا أراحوا الأمة وتزايدت واردات الخزينة ودخلت تحت قاعدة الانتظام وخف الظلم وصار إيراد الدولة معلوماً فلا تخطئُ في تنظيم ميزانيتها وإن ظلم رجل بضريبة فله أن يراجع ويدفع ظلمه والآن قد فتح باب العدل فلا يبقى مظلوم على غدره إن شاء الله. منافع الضريبة على الأراضي يعرف الإنسان ما عليه من الضرائب فيحسب مصروفه على أراضيه وريعه الحقيقي فيسعى في عمارة أراضيه ليخفف عنه ألم الضرائب ويضمن ربحاً عظيماً فإن وصل إلى مرغوبه عمر الأرض فتعمر البلاد وإن خسر ترك الزراعة وانصرف إلى التجارة وعلى ما أظن أن الحكومة الدستورية ستسعى في تخفيف الضرائب عن عاتق الأمة وأخص منهاضرائب الزراع وإذا خفت عنهم أغنتهم وجعلتهم يتزوجون ويعملون الولائم ويكتسون ويصرفون المبالغ في اللبس والفرش فيزيد واردات البلاد مع واردات الخزينة وأكرر قولي أن الحكومة لا تغنى إلا بغنى الأمة والأمة لا تغنى إلا بتخفيف الضرائب. وحينئذ ترى فلاحنا قد أصبح حراً وتخلص من استبداد الملتزمين ومن أسرع في إخراج محصوله فأدرك الأسعار في غلائها ربح الأرباح وصارفي رغد من العيش وهذه النعم لا نجدها في تلزيم بدلات الأعشار وكفى بذلك عبرة. عبث الوليد أبو تمام حبيب الطائي وأبو الطيب أحمد بن الحسين المتنبي وأبو عبادة البحتري هم الشعراء المعول على شعرهم في المولدين جمعوا إلى جزالة الألفاظ وحسن السبك معاني الحضارة وأساليب الحكمة ولذلك كانت دواوينهم من جملة ما يقضي على طالب الأدب أن يتدارسها ويستظهرها وكانت مما أوصى بتعلمه ضياء الدين بن الأثير صاحب المثل السائر كل مشتغل بالمنظوم والمنشور لأنها حوت عامة المزايا اللغوية والأدبية. ومن أجل هذا ترى هذه الدواوين قد خدمت أجل خدمة منذ القديم ولاسيما ديوان أبي تمام وديوان أبي الطيب فنظر فيهما مشاهير اللغويين والعلماء وتعاورتهما الأقلام بالشرح والنقد إلا ديوان أبي عبادة البحتري لم نسمع بأن أحداً من العلماء تصدى لنقده غير أبي العلاء المعري. فإن هذا العلامة الحكيم اللغوي أبى أن يغفل كلام البحتري من وضعه على محك انتقاده بعد أن ألف في ديواني الطائي والمتنبي كتابين مستقلين دعا الأول ذكرى حبيب والثاني معجز أحمد — فألف في الثالث كتاباً سماه عبث الوليد ان النسخة التي نعتمد عليها هنا هي نسخة استنسخها احمد بك تيمور الخزانة كتبه عن نسخة دار الكتب المصرية قال في مقدمته: أثبت ما في ديوان البحتري ما أصلحُ من الغلط الذي وجد في النسخة المكتوب في آخرها أنها بخط ظفر بن عبد الله العجلي وإنما أثبت ذلك ليكون مولاي الشيخ الجليل أدام الله عزه كأنه حاضر للقراءة ولم يمكن إثبات جميع الأغلاط لأن أكثرها غير محيل وقد وُصل بذكر شيء مما جرى إليه أبو عبادة من الضرورات وما بجنبه أمثاله وبالله التوفيق. قال أبو العلاء في الكلام على قول أبي عبادة: إذا تشاكلت الأخلاق واقتربت دنت مسافة بين العجم والعرب إذا وقعت بين في هذا الموقع فالاختبار خفضها وكذلك ترفع إذا وقعت في موقع وقع كما جاء في الكتاب العزيز لقد تقطع بينكم أكثر القراء على الرفع ويجوز النصب فقال قوم يكون الاسم مضمراً كأنه قال لقد تقطع الوصل بينكم وقال قوم يضمر ما كأنه قال لقد تقطع ما بينكم وحسن حذف ما ههنا كما حسن حذف لا إذا قيل والله أفعل أي والله لا أفعل قال امرؤ القيس: كلاَّ يمين الإله يجمعنا شيءٌ وإخواننا بني جُشما أي لا يجمعنا. وهذا البيت ينشد بخفض بين ونصبها. يديرونني عن سالم وأديرهم وجلدة بين العين والأنف سالم فالخفض على الإضافة والنصب وعلى تقدير ما وقال المعري في مكان آخر: وكان في النسخة هذه الأبيات التي أولها: يا أمتا أبصرني راكب يسير في مسحنفر لاحب والأبيات الثلثة منها مذكورة في أمالي قوم من العلماء المتقدمة ويجوز أن يكون غلط بها على أبي عبادة فنسبت إليه أو ظنها بعض الناس من شعر العرب فألحقها بما يحكى عنهم والبيت الثالث الثابت في هذه النسخة لا يوجد في الحكاية المتقدمة وقد اختلف في أشياء من هذا الجنس وربما حسد بعض فنسب شعره إلى المتقدمين ليُكاد بذلك وينقص من قدره. وحكى بعض الكتاب أنه رأى كتاباً قديماً قد كتب على ظهره أنشدنا أحمد بن يحيى ثعلب من الجآذر في زي الأعاريب. وذكر خمسة أبيات من أول هذه القصيدة وهذا كذب قبيح وافتراء بيّن. وإنما فعله مفرط الحسد قليل الخبرة بمظان الصواب غرضه أن يلبس على الجهال. وقد رويت أبيات أبي عبادة التي في صفة الذئب لبعض العرب ويجب أن يكون ذلك كذباً مثل ما تقدم في حديث البائية التي لأبي الطيب. وقد نسبوا الأبيات التي في صفة الذئب إلى عبد الله بن أنيس صاحب النبي صلى الله عليه وسلم وهو من بني الترك راشد بن وبرة ولا ريب أن ذلك باطل والرواية التي يرويها أصحاب اللغة يجيئون بالبيتين الأولين فيجعلونهما من قول الجارية ثم يقول فأجابتها أمها: الحصن أدنى لو تأَييته على أن هذه الأبيات بعيدة من نمط أبي عبادة وإن كان الشاعر المغزر يجوز أن يأتي بكل فن من القول. وقال المعري في الكلام على بيت البحتري الذي هو: والحدود الحسان يبهى عليها جلنار الربيع طلقاً وورده جلنار من أطراف كلام العامة وليس هو اسماً موجوداً في الكلام القديم ويجب أن يكون المراد به جل نار أي ما عظم من الجمر ثم كثر في كلام العامة حتى جعلوه كالاسم الواحد وأجروه مجرى الأسماء العربية غير المركبة. والشعراء والمولدون يعربون الراءَ فيقولون كأنه جلنار ورأيت جلناراً ولو أضافوه وقالوا جلَّ نار لكان أقيس ولو أنهم جعلوه بمنزلة حضرموت لوجب أن يقول هذا جلنار ورأيت جلنار ومررت بجلنار فلا يصرفون ولم يأخذوا به في هذا المنهاج بل أدخلوا عليه الألف واللام فقالوا الجلنار واجتروا على توحيده فقالوا جلنارة فأجروه مجرى تمر وتمرة وقال بعض المحدثين: غدت في لباس لها أخضر كما تلبس الورق الجلنارا ولا أعلم هذا الاسم جاء في شعر فصيح وإنما هو لفظ محدث وكأنه في الأصل جاء على معنى التشبيه شبهوا حمرته بحمرة الجمر وهو جل النار ثم تصرفوا فينقله وتغييره وقالوا في تسمية الطعام الفارسي نيرباج وزعموا أن نير بالفارسية رمان وفارس تنطق بالياء كأنها ألف والألف كأنها ياء فيجوز أن يكون نار في جل نار من هذا النحو فكأنهم أرادوا جل الرمان ويجوز أن يكون جل بلسانهم في غير هذا المعنى على أن لغتهم اختلطت بالعربية وصارت فيها حروف كثيرة من كلام العرب وهم يسمون الفارسية الخالصة الفهلوية والذين يتكلمون بها اليوم قليل تفتقر إليهم الملوك في تفسير سير المتقدمين. وقال في كلامه على بيت: أسند صدور اليعملات بوقفة في الماثلات كأنهن المسند أشبه ما يجعل المسند ههنا أن يكون في معنى خط حمير لأن مذهب الشعراء في ذلك معروف وإياه قصد أبو عبادة كما قال ذؤيب: عرفت الديار كرقم الدواة يزبرها الكاتب الحميري وكانوا يسمون خطهم المسند وسموا هذا الخط العربي الجزم لأنه جزم من ذلك الفن أي قطع وقد يحتمل أن يعنى بالمسند الحديث المسند أي هذه المنازل قد صار حديثاً يذكر. وقال في الكلام على بيت: يغضون دون الاشتيام عيونهم فوق السماط للعظيم المؤَمر الاشتيام كلمة لم يذكها المتقدمون من أهل اللغة فإذا سئل من ركب البحر عنها قال البحريون الذين يسلكون بحر الحجاز يسمون رئيس المركب الاشتيام فإن كانت هذه الكلمة عربية فهي الافتعال من شام البرق لأن رئيس المركب يكون عالماً بشؤون البروق والرياح ويعرف من ذلك ما لا يعرفه سواء فكأنه سمي بالمصدر من اشتئام كما قيل رجل زور وهو مصدر زار ودنف وهو مصدر دنف وفي البحر سمكة تعرف بالاشتيام وهي عظيمة ويجوز أن يكون سميت برئيس المركب كأنها رئيسة السمك وإذا أخذ بهذا القول فهمزة الاشتيام همزة وصل وإن صار في البيت زحاف قد جرت عادته باستعمال مثله وإن كان الاشتيام كلمة أعجمية فألفه ألف قطع كألف إبريسم وإبرهيم ونحو ذلك. وقال في قوله: إن أتبع الشوق أزراءً عليه فقد جافى من النوم عن عيني ما جافا قوله أزراءً عليه رديءٌ وإنما المعروف أزريت به وزريت عليه وقد عابوا على ابن دريد قوله في رسالة الجمهرة إلى الأزراء على علمائنا وقد حكى بعض أهل اللغة أزريت عليه وليس بمعروف وإنما الفصيح أزري به كما قال الأعشى: فإن تعهدي لامرئٍ ملةً فإن الحوادث أزرى بها ومثل هذا ما صححه للبحتري في قوله: إذا استقلته جرد الخيل فقال أنها غير مستعملة وإنما المعروف إذا استقلت به ويقولون استقل القوم إذا ساروا غير متعد وإنما أراد بقوله استقلته أقلته ولو قال أقلته لاستقام الوزن ولعل أبي عبادة كذلك قال: كما أنكر عليه لفظة البرطيل الذي تستعمله العامة في معنى الرشوة وقال أنه لا يعرف في الكلام القديم وكذلك وردت لفظة الأطروش فيشعر البحتري فأنكرها المعري وقال أنه لا أصل لها في العربية وقال في: أخواله للرستمين بفارس وجدوده للتبعين بموكل يروى للرمسين على الجمع وكذاك التبعين ويروى بالتثنية والجمع أشبه لأنه قال أخواله فجمع وكذلك قال جدوده فإن تكون الأخوال والجدود لملوك كثيرة أشبه من أن تكون لملكين وموكل اسم موضع باليمن ويقال أنها دار مملكة جمير وهو مفتوح الميم والكاف وكذلك نقل أهل اللغة وكان أبو عمرو والزاهد يقول الموكل قبة الملك فإن كان ذلك شيئاً قديماً سمعه فقد يجوز أن يكون حمل على أن هذا الموضع يقال له موكل وهو مقر مملكة القوم والذي يتهم به أبو عمرو يتخرج كثير منه على هذا النحو وكأن قبة الملك تسمى موكلاً لأنه يقعد فيها ويكل أموره إلى الخدم والحشم وقدم هذه البلاد رجل من أهل نجران ممن يسكن في البادية فصيح ينتمي إلى زبيد من مذحج فسمع فتى في المكتب ينشد هذه القصيدة فلما انتهى بموكل كسر الكاف فقال النجراني موكل وكذلك حكاه أهل العلم. وقال في كلامه على: وكنا نرى بعض الندى بعد بعضه فلما انتجعناه دفعنا إلى الكل كان المتقدمون من أهل العلم ينكرون إدخال الألف واللام على كل وبعض وروى الأصمعي أنه قال كلاماً معناه قرأت آداب ابن المقفع فلم أر فيها لحناً إلا في موضع واحد وهو قوله: العلم أكبر من أن يحاط بكله فخذوا البعض وكان أبو علي الفارسي يزعم أن سيبويه يجيز إدخال الألف واللام على كل لا أنه لفظ بذلك ولكنه يستدل عليه بغيره والقياس يوجب دخول الألف واللام على كل وبعض وقد أنشد بعض الناس قول سحيم عند بني الحسحاس: رأيت الغني والفقير كليهما إلى الموت يأتي الموت للكلى معمدا هذه نموذجات من كتاب عبث الوليد وقد وقع في ٩٤ ورقة وحوى فوائد لغوية وأدبية قلما يعثر عليها في الكتب المتداولة وقد جاء في آخره تم الإملاء المعروف بعبث الوليد وهذه السمة موقوفة بين أمرين أحدهما أن يراد عبث الوليد الذي هو البحتري والآخر أن يعني الوليد الذي هو الصبي وكون الرجل سمي بالوليد يحتمل هذه التسمية. وصف الأسطول كلما زهت طبيعة قطر وحف بضروب النعيم الصناعي والطبيعي تنفتق ألسن أبنائه في وصفه والميل إلى رباعه ولذلك تجد للشاميين في وصف إقليمهم من الأماديح ما لا تجده للعراقيين وما تجده للأندلسيين لا تراه لأدباء المصريين. والأندلس هي من البلاد التي زهت بنضرتها وتاهت بفطرتها ولذلك ترى شعراءها وكتابها أشبه بالأوربيين في مناحيهم الأدبية لهذا العهد ينطقون بوصف ما تقع عليه أبصارهم وما كانت تقع إلا على أثر في الحضارة وشيءٍ من العمران وإذ قد اضطرتهم الحال أن يخوضوا غمرات البحار كالفينيقيين أيام عزهم والبريطانيين في أيامنا كان لهم من أساطيلهم ما وصفه شعراؤهم فيما يلي. قال ابن هانئ يصف الأسطول: معطفة الأعناق نحو متونها كما نبهت أيدي الحواة الأفاعيا إذا ما وردنا الماء شوقاً لبرده صدرن ولم يشربن غرقي صواديا إذا أعملوا فيها المجاذيف سرعة يُرى عقرباً منها على الماء ماشيا وقال أبو عمرو يزيد بن عبد الله اللخمي الأشبيلي الكاتب: ويا للجواري المنشآت وحسنها طوائر بين الماء والجو عوماً إذا نشرت في الجو أجنحة لها رأيتَ به روضاً ونوراً مكمما وإن لم تهجه الريح جاء مصالحاً فمدت له كفاً خضيباً ومعصما مجاذف كالحيات مدت رؤوسها على وجل في الماء كي تروي الظما كما أسرعت عداً أنامل حاسب بقبض وبسط ينسبق العين وإنما هي الهدب في أجفان أكحل أوطف فهل صنعت من غندم أو بكت دما قال ابن الأبار وقد أجاد ما أراد في هذا الوصف وإن نظر إلى قول أبي عبد الله ابن الحداد يصف أسطول المعتصم بن صمادح: هام صرف الردى بهام الأعادي إن سمت نحوهم لها أجياد وتراءت بشرعها كعيون أبها مثل خائفيها سهاد ذات هدب من المجاذيف حال هدب باك لدمعه إسعاد حمم فوقها من البيض نار كل من أرسلت عليه رماد ومن الخط في يدي كل رد ألف خطها على البحر صاد قال وما احسن قول شيخنا أبي الحسن بن حريق في هذا المعنى من قصيد أنشد فيه: وكأنما سكن الأراقم جوفها من عهد نوح خشية الطوفان فإذا رأين الماء يطفح نضنفت من كل حرق حية بلسان قال ولم يسبقهم إلى الإحسان وإنما سبقهم بالزمان على بن محمد الإيادي التونسي في قوله: شرعوا جوانبها بجاذف أتعبت شادي الرياح لها ولما تتعب تنصاع من كثب كما نفر القطا طوراً وتجتمع اجتماع الربرب والبحر يجمع بينها فكأنَه ليل يقرب عقرباً من عقرب وعلى جوانبها أسود خلافة تختال في عدد السلاح المذهب وكأنما البحر استعار بزيهم ثوب الجمال من الربيع المعجب ومن هذه القصيدة الفريدة في ذكر الشراع: ولها جناح يستعار يطيرها طوع الرياح وراحة المتطرب يعلو بها حدب العباب مطارة في كل لج زاخر مغلولب يسمو بآخر ذي الهواء منصب عريان منسرح الذوَّابة شوذب يتنزل الملاح منه ذؤَابة لو رام يركبها القطا لم يركب وكأنما رام استراقة مقعد للسمع إلا أنه لم يشهب وكأنما جن ابن داود هم ركبوا جوانبها بأعنف مركب سجروا جواهم بينهم فتقاذفوا منها بالسن مارج متلهب من كل مسجون الحريق إذا انبرى من سجنه أنضلت أنضلات الكوكب عريان يقدمه الدخان كأَنه صبح يكر على ظلام غيهب ومن أولها: أعجب بأسطول الإمام محمد وبحسنه وزمانه المستغرب لبست به الأمواج أحسن منظر يبدو لعين الناظر المتعجب من كل مشرفة عَلَى ما قابلت أشراف صدر الأجدل المتنصب ومنها: جوفاء تحصر موكباً في جوفها يوم الرهان وتستقل بموكب وحال الموج بين بني سبيل يطير بهم إلى الصوب ابن ما أفر له جناح من سباح يرفرف فوق جنح من سماء وأخذه إسحاق بن خفاجة فقال: وجارية ركبت بها ظلاماً بطير من الصباح بها جناح إذا الماء اطمأن ورقّ خصراً علا من موجه ردف رداح وقد فغر الحمام هناك فاه وأتلع جيده الأجل المتاح قال المقري ولا يخفاك حسن هذه العبارة الصقيلة المرآة وقال ابن الأبار وقد قلت أنا في ذلك: يا حبذا من بنات الماءِ سابحة تطفو لما سبّ أهل النار تطفئه تطيرها الريح غرباناً بأجنحة الحمائم البيض للإشراك ترزؤه من كل أدهم لا يلغى به جرب فما لراكبه بالقار يهنئوه يدعى غراباً وللفتخاء سرعته وهو ابن ماءٍ وللشاهين جوء جوءه وقال عبد الجليل بن وهبون يصف الأسطول: يا حسنها يوماً شهدت زفافها بنت الفضاءِ إلى الخليج الأزرق ورقاءُ كنت أيكة فتصورت لك كيف شئت من الحمام الأورق حيث الغراب يجر شملة عجبه وكأنه من غرة لم ينعق من كل لابسة الشباب ملاءة حسب اقتدار الصانع المتأنق شهدت لها الأعيان أن شواهناً أسماؤها فتصفحت في المنطق من كل ناشيرةٍ قوادم أجنحٍ وعلى معاطفها وهادق سودق زأرت زئير الأسد وهي صوامت وزحفن زحف مواكب في مأزق ومجاذفٍ تحكي أراقم ربوة نزلت لتكرع من غدير متألق وقال القسطلي في أسطول أنشأه المنصور بن أبي عامر من قصيدة: تحمل منه البحر بحراً من القنا يروع بها أمواجه ويهول بكل محالات الشراع كأنها وقد حملت أسد الحقائق غيل إذا سابقت شأو الرياح تخيلت خيولاً مدى فرسانهن حيول متحالب تزجيها الرياح فإن وقت أطافت بأجياد النعام فيول ظباء فلاة ما لهن مفاحص وورق حمام ما لهن هديل سواكن في أوطانهن كأن سما بها الموج حيث الراسيات نزول كما رفع الآل هوادج بالضحى غداة استقلت بالخليط حمول أراقم تحوي نافع السم ما لها بما حملت دون العداة مقيل العربية والتركية أصيبت الأمة بعد سقوط دولة بني العباس بفتور غريب في العلم والآراء لما عايشته من أهاويل الحروب والفتن. ولما قامت الدولة العثمانية فجمعت تحت لوائها الأقطار المختلفة نظرت إلى الأقطار العربية من الوجهة السياسية ولم تعن بها ولا بغيرها من الوجهة العلمية الاجتماعية شأنها في عامة أدوارها وأقطارها ولم يشذ عن ذلك إلا مصر فكانت أشبه بمملكة مستقلة حتى بعد استيلاء العثمانيين عليها. وبعيد أن قامت الدولة تؤسس لها مدارس في العاصمة والولايات لتعلم العلوم الحديثة وتستبدل النور بالظلمة والعلم بالجهل قام محمد علي والي مصر فنزع القطر المصري من المماليك في الظاهر ومن الدولة في الباطن وأنشأ فيه مدارس عربية وتوفر بدلالة جماعة من مستشرقي الفرنسيس النبهاء على ترجمة الكتب العلمية من اللغات الأوربية فانتعشت اللغة العربية في مصر فقط وظلت كهف العرب عنها يأخذون علومهم وموطن الطباعة والكتب والصحف وبأنوارها يستضيئون وذلك لغناها العظيم وتاريخها المجيد القديم. بقي الأمل في نهوض العربية محصوراً في مصر لأن الشام والعراق والجزيرة والحجاز واليمن ونجد وطرابلس وتونس والجزائر ومراكش أمست في فتور. وقد أنشئت في تونس وسورية بعض المدارس والمطابع تدرس بالعربية وتطبع اللازم من الكتب العربية لكنها لم يمضِ على تأسيسها بضع سنين حتى أطفئت شعلتها بما أصاب سورية من بلاء المراقبة وما أصاب تونس من الاحتلال الفرنسوي. والمراقبة واحتلال الغريب مما يقتل روح العلم وينزع حياة النهضة القومية. وقد أوشكت مصر أن تصاب بضعف لغتها لما احتلها الإنكليز لولا أن قامت الأمة وطلبت جعل العربية لغة المدارس الابتدائية والثانوية فلم تر الحكومة بدّاً من إجابة طلبها. أما هذه الديار فكان أول ما انصرفت إليه الوجوه بعد إعادة القانون الأساسي العثماني مسائل التعليم فالتركية لسان الدولة الرسمي تريد أن تعلمه جميع العناصر العثمانية ليجيء منهم في المستقبل مزيج واحد وتقوي وحدتهم السياسية. وقد نشرت نظارة المعارف برنامجها ولم نشهد فيه ذكراً للعربية في المدارس الابتدائية والثانوية والعالية بل قالت أن تعليم العلوم التركية للذكور والإناث وللصغار والكبار وللعرب والترك والروم والأرمن والبلغار والأرناؤد حتى أن المبادئ البسيطة التي سمحت تعلمها من العربية تدرس في كتب ألفها أتراك باللغة التركية. فأدرك بعض الباحثين في أحوال البلاد والعناصر أن غرض الحكومة من هذه الخطة تتريك العرب وغيرهم وهو عمل إذا كان نافعاً من حيث السياسة فلا نفع فيه من حيث الاجتماع والعلم خصوصاً بعد أن رأينا أصغر الشعوب الأوربية تحافظ على لغتها الأصلية محافظتها على أعراضها وأموالها وأرواحها. لا بد للحكومة أن تجعل التعليم إجبارياً في المملكة فإذا جعتله باللغة التركية ولم تراع حالة كل قطر ولغة أهله تسوء العاقبة ولا تأتي الشجرة التي تريد غرسها الآن بثمرة جنية بل يكون شأن البلاد العقم في العلم والفكر ومن لم يتعلم العلوم بلغته هيهات أن يأتي منه عضو يفيد أمته وبلاده. وإذا فعلت الدولة ذلك الآن فتكون في عهدها الدستوري أظلم منها في عهدها الاستبدادي وتكون حكومة مصر أرفق بأهل مصر من حكومتنا بنا لأنها منا فينتظر عن يدها الكثير وتلك ليست منهم وكل شيء تأتي به يعد كبيراً. وبعد فإن كانت الحكومة العثمانية لم تنشط اللغة العربية في الماضي مع أنها لغة الدين والآداب والحضارة فهي لم تضع العقاب في سبيلها مباشرة ولكن الغلطة الفظيعة التي ارتكبتها ولا يغفرها لها التاريخ هو أن القائمين بأعبائها منذ البدء جعلوا اللغة التركية لغة الدولة الرسمية خلافاً لما جرت عليه دول الإسلام السالفة كدولة المصامدة البربر في الغرب الأقصى والأدنى ودولة الجراكسة في مصر والشام ودولة آل سلجوق التركية في العراق وشبه الجزيرة ودولة بني بويه الفارسية ودولة آل أيوب الكردية في مصر والشام والحجاز واليمن وغيرها من الدول التي طرحت لغاتها وعمدت إلى اتخاذ اللغة العربية لغة الحكومة والدولة الجراكسة والبربر والفرس والأكراد والأتراك يتخلون عن لغاتهم مختارين ولا يستعملون في الرسميات غير العربية لغة البيان والعلوم أما الترك فجروا على غير سنة الدول السالفة فلم يروا من المصلحة تعلم لغة عامة المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها واكتشفوا بلغة ملفقة بدوية ما برحوا يتوفرون منذ قرون على إصلاحها وهيهات أن تكون كما يحبون. ولما جاء السلطان سليم الفاتح مصر والشام وكان على شيء من المعرفة يحسن العربية كما يحسن الفارسية والتركية أحب أن يتلافى الغلط الذي سارت عليه دولته وأن يجعل اللغة العربية لغتها الرسمية أسوة الدول الإسلامية البائدة فقام عليه بعض ضعاف العقول من أهل دولته وأرادوه على العدول عن رأيه مخافة أن تندثر لغتهم بل تخلصاً من أن يتعلموا لغة غيرها فكان عملهم هذا من جملة السدود التي حالت دون آل عثمان وبسط أيديهم على الممالك الإسلامية المجاورة لهم واللغة العربية أعظم رابطة بين المسلمين. ولقد كانت الدولة ولا تزال تعلم في مدارسها الرسمية العربية كما تعلم الفارسية وذلك لأن التركية مزيج من هاتين اللغتين وبدون معرفة قليل من اللغتين لا يتأتى لتركي أن يكتب كتابة صحيحة في لغته فكان شأنها من بعض الوجوه شأن المدارس في أوربا لا تزال إلى اليوم تعلم اللاتينية واليونانية لأنهما أصل لغات أوربا وإن كانتا بادتا أو كادتا. ولكن مدارس أوربا أخرجت كتاباً بهذين اللغتين ولم نعهد من مدارس الحكومة العثمانية كاتباً بالعربية أو الفارسية. هذا والتركية ليست لغة دين ولا لغة علم ولا لغة حضارة قديمة ولا مدنية معروفة كالعربية التي شهد أهل الأرض بأمجاد أهلها وحضاراتهم. ومن الغريب أنه لم ينبغ في الدولة العثمانية كاتب عربي من أصل تركي على حين نبغ وينبغ من الفرس والأكراد وغيرهم أناس يؤبفون بالعربية فتحسبهم عرباً خلصاً. وإنك لتقرأ العجمة في كلام ابن كمال باشا وكاتب جلبي وطاشكو بربلي وغيرهم من الأتراك الذين عانوا القلم العربي وعدوا في المصنفين ما لا تقرأوه في كلام الراغب الأصفهاني وأبي بكر الخوارزمي وحجة الإسلام الغزالي بل إن هؤلاء على منشأهم الفارسي كانوا أئمة الإنشاء العربي. إذا تعلم أبناؤنا اليوم على الطريقة التركية لا يلبثون أن يجيئوا أتراكاً ويتقنوا التركية كأرقى أبنائها وبذلك لا يخدمون أبناء لغتهم أدنى خدمة وقد رأينا معظم الذين تعلموا من أبناء سورية والعراق في المدارس الرسمية لا يحسنون التكلم بالعربية العامية فضلاً عن أن يكتسبوا سطرين صحيحين بلغتهم بل ربما رأيتهم يمزجون المصطلحات التركية وبعض الألفاظ التركية بينما هم يكلمونك بالعربية فكأن شأنهم في هذا شأن أكثر التوانسة والجزائريين من سكان المدن يتكلمون بعربية تكاد تكون أقرب إلى الإفرنجية لما خالطها من الألفاظ الإفرنسية والإسبانيولية والطليانية. وقد رأى بعض العقلاء أن أحسن حل لمسألة اللغة العربية في المدارس الرسمية وسلمه عاقبة على أجيال الدولة المختلفة هو أن يجعل تدريس العلوم المادية كلها باللغة العربية كالطبيعيات والرياضيات والفلك والكيمياء والطب وأن تجعل العلوم السياسية كلها باللغة التركية كالجغرافيا والتاريخ والاقتصاد والحقوق والاجتماع وبذلك لا يقع حيف على العرب وهم نصف الدولة أو يزيدون ولغتهم أفضل لغات سائر العناصر العثمانية. والمستقبل كفيل بحل هذه المعضلة العلمية. ضراء العلماء يلد الإصلاح بادئَ بدءٍ غريباً لا يأنس به إلا ذوو الاستعداد الفطري للمبادئ العالية وأبناء العلم والتهذيب من رجال الأمة والبقية منهم يناهضونه إما بدافع جهلهم وتعصبهم أو لعدم انطباقه مع ما ينزعون إليه من التقاليد التي وجدوا عليها آباءهم ولهذا تعترضه قبل أن يدرج من عشه قوتان متناقضتان: الواحدة تسعى لإنمائه والأخرى تعمل على تلاشيه ويساعد الثانية في الغالب مال وخول في ملك ضخم البنيان وجاء منبسط الظلال. . . بين هاتين القوتين تشهر حرب شعواء يضطرب لها فلك الإصلاح ولا بد أن تنجلي وقد أزهق الحق الباطل لأن القوة الحقيقية بجانبه. ولقوة الحق حركة كبرى في ميدان تنازع البقاء. إلا وأن أنصار الباطل كانوا وما زالوا في كل عصرٍ ومصر يوقظون الفتنة ويضرمون جذوة الثورة فيقومون بدعوى الغيرة على الدين مرة وخدمة النفع العام تارة أخرى وما يريدون بذلك كما يشهد الحق إلا منافعهم الشخصية فهي قبلة آمالهم التي يولون شطرها وكعبة أميالهم التي يسوقون نحوها مطايا همهم وهممهم. وليس أضر شيئاً على العلم والدين من هؤلاء فبمثلهم كسد سوق العلم وراجت بضاعة الجهل المزجاة وهم بما يختلقونه من الأوهام مثلوا الدين بأقبح صورة مشوهة يفر منها الناظر فرار السليم من الأجرب وفسحوا للدين مجالاً واسعاً أمام الأغيار فأخذوا يسلقونه بالسنة حداد وينزلونه في غير المنزلة التي وضعها السلف الصالح أيام كانوا على بيضاء نقية لا يضرهم من خالفهم إذا كانوا هم المهتدين. منيت الأمم الإسلامية جمعاء بمثل هؤلاء منذ ثلاثة عشر قرناً أو ما يزيد. بيد أنه مع وجود هذه الطغمة بين ظهرانيهم وارتفاع جلبتهم وضوضائهم وعملهم على إطفاء شعاع الأماني الذهبية في مهب تلك العواصف لم تعدم رجالاً توفرت على الأخذ بناصر الحق وسلبت قرارها رغبة فيشد أزره ممن تمحضوا للعلم الخالص واغترفوا من معينه وشلا فكانت القوة بجانبهم ينافحون بها أعداء العلم الألداء ويكافحونهم والغلبة لهم وإن تألبت عليهم الجموع الكثيفة وتحلقت أمامهم الصفوف كالبنيان المرصوص ممن تجمعهم جامعة الجهل تحت لواء الحسد اللئيم. شهد شيخنا التاريخ منذ نشأ الفكر البشري هذه الأعمال البربرية ولم تزل صفحاته ندية بعد فلم يجف ما أريق من الدماء في سبيل نصرة الحق ولم يتبخر ما أذرف من الدموع الصافية المصدر والمورد على تلك العقول الرصينة التي بينما ترصد فضاء السماء الفسيح إذا بها تفحص أعماق هذه الأرض وتجتهد في استكناه أسرار الحياة المطوية طي كتل تلك الطبقات الصماء. وها هو قد حشد في صدره ألوفاً مؤلفة ممن ذهبوا ضحية الجهل والحسد ما لو جمع وأُفرد بمؤَلفات خاصة لأخرجت للناس مجلدات ضخمة في محكمة التفتيش الإسلامية الكبرى. وليس بالنزر القليل ما نال الأئمة المصلحين من النكبات التي يسود لها وجه الإنسانية فكم كفر من هو أشد تمسكاً بدين الله وأتوا على من هو أعظم اعتصاماً بحبله المتينيوحكم بالزندقة على من كان يحارب الدهريين وضلل من كان يجاهد في سبيل الشرك واضطهد من كان يعمل فكرته للاجتهاد والعمل في كتاب الله وسنة رسوله. ويا ليتهم وقفوا عند هذا الحد فلم يتخطوا دائرة الإنسانية بتمثيلهم عباد الله المصلحين أقبح تمثيل وضربهم بالأسواط حتى تشل الأطراف أو تعتل إحدى الأعضاء فتفقد وظيفتها وسلخهم جلودهم وهم أحياء مما لم يعهد نظيره إلا بين ظهراني الأمم العريقة في التوحش والعمجية. وأمامي الآن كثيرٌ من أمثال تلك الحوادث في بطون عدة من التواريخ التي تضم تراجم مشاهير المشارقة والمغاربة آتي على شيءٍ منها مقتصراً على رجال الفريق الأول ممن ذاقوا الأرم ولقوا من معاصريهم إلا لاقي لقآء بث فكرةٍ إصلاحية أو القيام بمشروع جديد ليعلم أن التاريخ هو المحشر الذي ينسل إليه الناس من كل حدب وأنه لا يفلت أحداً دون أن يناقشه الحساب: هذا مالك بن أنس سعي به إلى جعفر بن علي بن عم أبي جعفر المنصور فدعا به وجرده وضربه سبعين سوطاً ومدت يداه حتى انخلع كتفاه وذلك جزاء قوله الحق حين سئل عن مبايعة محمد بن عبد الله بن حسن وقولهم له: إن في أعناقنا مبايعة أبي جعفر فقال: إنما بايعتم مكرهين وليس على مكره يمين فأسرع الناس إلى محمد فسعى به فضرب لذلك. قال صاحب الفلاكة: ثم لم يزل بعد في علو ورفعة كأنما تلك السياط حلياً تحلى بها. وهذا أبو حنيفة النعمان الفقيه الكوفي ضربه يزيد بن عمر بن هبيرة الفرازي وكان أمير العراقيين مائة سوط وعشرة أسواط وكل يوم عشرة أسواط أيضاً وذلك لما أراده لقضاء الكوفة أيام مروان بن محمد آخر ملوك بني أمية فأبى وبقي على الامتناع وسجنه فتوفي في السجن في أحد القولين. وقيل: أن سبب سجنه الأبدي ما ذكره الزمخشري وهو من كبار الحنفية في تفسير آية: لا ينال عهدي الظالمين إن أبا حنيفة رحمه الله كان يفتي سراً بوجوب نصرة زيد بن علي رضوان الله عليهما وحمل المال إليه والخروج معه على اللص المتغلب المسمى بالإمام والخليفة كالدوانيقي وأشباهه. وقالت له امرأة: أشرت على ابني بالخروج مع إبراهيم ومحمد ابني عبد الله بن الحسن حتى قتل فقال: ليتني مكان ابنك وكان يقول في المنصور وأشياعه: لو أرادوا بناء مسجد وأرادوني على بناء آجره لما فعلت اهـ. وحينئذ بعلم الباحث المدقق أن سبب سجنه أمر سياسي. ومثله أحمد بن حنبل بن هلال الشيباني المروزي ثم البغدادي أمر المعتصم بضربه فأخذ وجيء بالعقابين والسياط وضربه ضرباً مبرحاً حتى أغمي عليه وغاب عقله ثم أمر بإطلاقه إلى أهله فنقل وهو لا يشعر وذلك أنه أبى أن يقول خلاف ما يعلم أو يعتقد حين أجلسه المعتصم ودعاه إلى القول بخلق القرآن فامتنع وقال للمعتصم ما قال ذلك ابن عمك رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقد دعا إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأن القرآن علم الله ومن علم أن علم الله مخلوق فقد كفر. فناظره أحمد بن أبي دؤاد وغيره وأنكروا عليه الآثار التي أوردها وقالوا للمعتصم هذا كفرك وأكفرنا وقال له إسحق بن إبراهيم نائب بغداد: يا أمير المؤمنين ليس من تدبير الخلافة أن تخلي سبيله ويغلب خليفتين فعند ذلك حمي واشتد غضبه وكان ما كان. وكذلك يوسف بن يحيى البويطي صاحب الإمام الشافعي كان الشافعي يسأل عن الشيء فيحيل عليه فإذا أجاب قال: هو كما أجاب وقال عنه الشافعي: هو لساني حمل إلى بغداد في أيام الواثق بالله من مصر وفي عنقه غل وأرادوه على القول بخلق القرآن فامتنع ومات بالسجن في قيوده. وضم إلى هؤلاء الأئمة من أساطين العلم والعمل من لم يرفعوا الأعمال المفسدين رأساً ولم يقيموا لها وزناً وليس ما أصابهم من المصائب بأقل مما نال الأغمار من معاصري الأخير أن تألبوا عليه وكادوه واستظهروا عليه بالأمراء فأحرقوا كتبه الثمينة ومصنفاته وفي ذلك قال: فإن تحرقوا القرطاس لا تحرقوا الذي تضمنه القطراس بل هو في صدري يسير معي حيث استقلت ركائبي وينزل أن أنزل ويدفن في قبري إلخ. وإنك لترى العجب العجاب حينما تأتي على تراجم المشاهير وما تجد في غضونها من المحن والإحن التي قصد من إيقاعها بهم غمط فضلهم والحط من كرامتهم ووضعهم أمام سيل شهرتهم الجارف سوراً من الجمود أركانه التعصب الأعمى ودعائمه الجهل المطبق. ولقد أفضت ضراء العلماء والوقيعة بهم إلى الطعن بالمذاهب وقيام طائفة على أخرى كلما لاح لها من الفرصة بارق. ومن ذلك قيام الأكابر على محمد بن هبة الله بن محمد بن الحسين الملقب بلقب أبيه جمال الإسلام وحدهم له فإنهم خاصموه واستظهروا بالسلطان عليه وعلى أصحابه وصارت الأشعرية مقصودين بالإهانة والمنع عن الوعظ والتدريس وعزلوا من خطابة المجامع وتبع من الحنفية طائفة أشربوا في قلوبهم الاعتزال والتشيع فخيلوا إلى ولي الأمر الإزراء بمذهب الشافعي عموماً وبالأشعرية خصوصاً قال السبكي: وهذه هي الفتنة التي طار شررها وطال ضررها وعظم خطبها وقام في أهل السنة خطيبها فإن هذا الأمر أدى إلى التصريح يلعن أهل السنة في الجمع وتوظيف سبهم على المنابر وضار لأبي الحسن الأشعري بها أسوة بعلي بن أبي طالب رضي الله عنه واستعلى أولئك في المجامع فقام أبو سهل في نصر السنة قياماً مؤَزراً إلخ. . . ومما يجدر ذكره في هذا الباب من المتأخرين الشيخ عبد الغني النابلسي فإن أهل الشام تألبوا عليه ووصموه بوصمات لم تكن من الشيخ رحمه الله في شيء. وما دعا أولئك الرعاع إلا حسدهم لمنزلة الشيخ حتى اضطروه إلى مغادرة دمشق والسكنى بالصالحية حيث دفن ثمة. وفي ذلك يقول من قصيدة مطلعها: يا من تكلم فينا بالذي فيه وقعت في كف ضرغام وفي فيه إلى أن قال: فقد جحدت الغيور الحق ملته هيهات أنك تنجو من أياديه وإن جهلت فما بالكفر يعذر ذو جهل لذي الشرع والشيطان يطغيه دم في ظنونك مفتوناً فسوف ترى من الذي منه قبح الفعل يرديه ولا تقل أي جاهٍ للضعيف يرى فإن للبيت رباً سوف يحميه يا مستبيحين أعراضاً محرمةً بسوء ظن وتلبيس وتمويه أهكذا ملة الإسلام تأمركم؟ أم قد سلكتم عن الإسلام في تيه؟ تباً لكم ولمن قد عاد يتبعكم والعبد مولاه في الأعداء يكفيه وبعد فإن التاريخ يعيد نفسه والحوادث لا تفتأ تتعاقب على ممر الأيام وإن الحال صورة من الماضي وإن طرأ عليه من مؤثرات التجديد ما أدخله في طور جديد ولا يخلو كل عصر من شرذمة نفاق واختلاق حتى في هذا العصر يعترضون كل عمل نافع يقوم به المصلحون في مصر وسورية والعراق ويعينهم فيما يطلبون تلكم الرعاع الذين هم أتباع كل ناعق. ألا فليعلم أولئك الأغرار أن موت المصلحين في سبيل نصرة الحق بعث ونثور وأن رمي الآخرين بالكفر والزندقة هو حياة لهم وذكرى. ولقد كانت لأولئكم الجهلة الأغمار حياة مادية ولكن كانوا يتجرعون منها الحنظل ويموتون في كل يوم مراراً. وكانت لهؤلاء العلماء المصلحين شعلة حياة مادية أطفأها الحسدة فحلت محلها حياةٌ أدبية مملوءةٌ ضياءً ونوراً! شرف الموسيقى كل شيءٍ يشرف ويوضع بشرف القائمين به ووضاعتهم وكل علم يشرف ويوضع على نسبة اعتبارية من فائدة تتوقع منه وغاية تكون وراءه وصناعة الموسيقى هي من إمارات الظرف تعدُّ عند الأمم الحديثة المتحضرة من الفنون الجميلة كما كان يعهدها العرب إبان حضاراتهم من الكماليات. قال ابن خلدون والغناء يحدث في العمران إذا توفر وتجاوز حد الضروري إلى الحاجي ثم إلى الكمالي وتفتنوا فتحدث هذه الصناعة لأنه لا يستدعيها إلا من فرغ من جميع حاجياته الضرورية والمهمة من المعاش والمنزل وغيره فلا يطلبها إلا الفارغون عن سائر أحوالهم تفتناً في مذاهب الملذوذات وكان فيسلطان العجم قبل الملة منها بحر زاخر في أمصارهم ومدنهم وكان ملوكهم يتخذو ذلك ويولعون به حتى لقد كان لملوك الفرس اهتمام بأهل هذه الصناعة ولهم مكان في دولتهم وكانوا يحضرون مشاهدهم ومجامعهم ويغنون فيها. قال وأما العرب فكان لهم أولاً فن الشعر يؤلفون فيه الكلام أجزاءً متساوية لم يزل هذا شأنهم في بداوتهم وجاهليتهم فلما جاء الإسلام واستولوا على ممالك الدنيا وحازوا سلطان العجم وغلبوهم عليه وكانوا من البداوة والغضاضة على الحال التي عرفت لهم مع غضارة الدين وشدته فيترك أحوال الفراغ وما ليس بنافع في دين ولا معاش فهجروا ذلك كثيراً ما ولم يكن الملذوذ عندهم إلا ترجيع القراءة والترنم بالشعر الذي هو ديدنهم ومذهبهم فلما جاءهم الترف وغلب عليهم الرفه بما حصل لهم من غنائم الأمم صاروا إلى نضارة العيش ورقة الحاشية واستحلاء الفراغ وافترق المغنون من الفرس والروم فوقعوا إلى الحجاز وصاروا موالي للعرب وغنوا جميعاً بالعيدان والطنابير والمعازف والمزامير وسمع العرب تلحينهم للأصوات فلحنوا عليها أشعارهم وظهر بالمدينة نشيط الفارسي وطويس وسائب خاثر مولى عبيد الله بن جعفر فسمعوا شعر العرب ولحنوه وجادوا فيه وطار لهم ذكر ثم أخذ عنهم معبد وطبقته وابن سريج وأنظاره وما زالت صناعة الغناء تتدرج إلى أن كملت أيام بني العباس عند إبراهيم بن المهدي وإبراهيم وابنه إسحق وابنه حماد. قال وكثر ذلك ببغداد وأمصار العراق وانتشر منها إلى غيرها وكان للموصليين غلام اسمه زرياب أخذ عنهم الغناء فأجاد فصرفوه إلى المغرب غيرة منه فلحق بالحكم بن هشام بن عبد الرحمن الداخل أمير الأندلس فبالغ في تكرمته وركب للقائه وأثنى له الجوائز والإقطاعات والجرايات وأحله من دولته وندمائه بمكان فأورث بالأندلس من صناعة الغناء ما تناقلوه إلى أزمان الطوائف. وطما منها بإشبيلية بجر زاخر وتناقل منها بعد ذهاب غضارتها إلى بلاد الغدوة بإفريقية والمغرب وانقسم على أمصارها وبها الآن منها صبابة على تراجع عمرانها وتناقص دولها. وهذه الصناعة آخر ما يحصل في العمران من الصنائع لأنها كمالية في غير وظيفة من الوظائف إلا وظيفة الفراغ والفرح وهو أيضاً أول ما ينقطع من العمران عند اختلاله وتراجعه. وقال ابن خلدون أيضاً: ولقد عذلت يوماً بعض الأمراء من أبناء الملوك في كلفه بتعلم الغناء وولوعه بالأوتار وقلت له ليس هذا من شأنك ولا يليق بمنصبك فقال لي أفلا ترى إلى إبراهيم بن المهدي كيف كان إمام هذه الصناعة ورئيس المغنين في زمانه فقلت له يا سبحان الله وهلا تأسيت بأبيه وأخيه أو ما رأيت كيف قعد ذلك بإبراهيم عن مناصبهم فصم عن عذلي وأعرض. هذه زبدة تاريخ الغناء أو الموسيقى في العرب وطرف مما كان من عناية ملوك الإسلام بها أيام الحضارة ولقد انتشرت بعد حتى صار يتعلمها بعض أهل العلم من غير نكير وشرفت بإقبال الكبراء عليها بحيث لم تكن في شرفها دون غيرها من العلوم. فقد ذكر بن أبي أصيبعة أن الفارابي المعلم الثاني وصل في علم صناعة الموسيقى وعملها إلى غاياتها وأتقنها إتقاناً لا مزيد عليه ويذكر أنه صنع آلة غريبة يسمع منها ألحاناً بديعة يحرك بها الانفعالات وله كتاب الموسيقى الكبير ألفه للوزير أبي جعفر محمد بن القاسم الكرخي وكتاب في إحصاء الإيقاع وكلام له في النقلة مضافاً إلى الإيقاع كلام في الموسيقى. ويحكى أن القانون الذي يضرب عليه للطرب هو من وضعه وأنه كان أول من ركب هذه الآلة تركيبها المعهود اليوم. وألف يعقوب بن إسحق الكندي فيلسوف العرب في الموسيقى فكتب رسالة في ترتيب النغم الدالة على طبائع الأشخاص العالية وتشابه التأليف ورسالة في المدخل إلى صناعة الموسيقى ورسالة في الإيقاع ورسالة في الأخبار عن صناعة الموسيقى ومختصر الموسيقى في تأليف النغم وصنعة العود ألفه لأحمد بن المعتصم ورسالة في أجزاء جبرية الموسيقى. وألف أحمد بن الطيب السرخسي العالم الحكيم كتاب الموسيقى الكبير ولم يعمل مثله كما ألف كتاب نزهة النفوس ولم يخرج باسمه وكتاب اللوم والملاهي ونزهة المفكر الساهي في الغناء والمغنين والمنادمة والمجالسة وأنواع الأخبار والملح صنفه للخليفة. وألف ثابت بن قرة كتاباً في الموسيقى ورسالة إلى علي بن يحيى المنجم فيما أمر بإثباته من أبواب علم الموسيقى ورسالة إلى بعض إخوانه في جواب ما سأله عنه من أمور الموسيقى. وكان أبو بكر محمد بن طفيل من فلاسفة المسلمين في الأندلس يأخذ رواتب كثيرة مع الأطباء والمهندسين والكتاب والشعراء والرماة والأجناد وغيرهم ويقول لو نفق عليهم علم الموسيقى لأنفقته عندهم. وكان ابن باجة الفيلسوف الأندلسي على جلالة قدره متقناً لصناعة الموسيقى جيد اللعب بالعود قال ابن سعيد أن ابن باجة في الموسيقى بالمغرب بمنزلة أبي نصر الفارابي بالمشرق وإليه تنسب الألحان المطربة بالأندلس التي عليها الاعتماد. وكان ابن يونس المنجم المشهور يضرب بالعود على جهة التأدب. وكان أبو المجد بن أبي الحكم من الحكماء المشهورين يعرف الموسيقى ويلعب بالعود ويجيد الغناء والإيقاع والزمر وسائر الآلات وعمل أرغناً وبالغ في إتقانه. وكان أبو زكريا يحيى البياسي من أفاضل العلماء جيد اللعب بالعود وعمل الأرغن أيضاً وحاول اللعب به وكان يقرأ عليه علم الموسيقى. وكان أبو الصلت أمية بن عبد العزيز الأندلسي العالم الرياضي الطبيب متقناً لعلم الموسيقى وعمله جيد اللعب بالعود. وكان أبو الحكم الأندلسي الطبيب الشاعر يعرف الموسيقى ويلعب بالعود. وكان الحرث بن كلدة الثقفي أحد أطباء العرب يضرب بالعود تعلم ذلك بفارس واليمن. وكان قسطاً بن لوقا البعلبكي العالم الفيلسوف بارعاً في علم الموسيقى. وكان أمين الدولة بن التلميذ يحب صناعة الموسيقى وله ميل إلى أهلها. وكان صفي الدين عبد المؤمن بن فاخر العالم المفنن عالماً بالموسيقى. وكان نجم الدين بن المنفاخ المعروف بابن العالمة لأنه أمه كانت عالمة بدمشق وتعرف ببنت دهين اللوز فاضلاً في الأدب والطب وله معرفة بالضرب بالعود استوزره الملك مسعود صاحب آمد وحظي عنده. وكان فخر الدين بن الساعاتي الفلكي الفيلسوف الطبيب خدم بني أيوب وتوزر للملك العادل والملك المعظم وكان ينادم هذا ويلعب بالعود. وكان رشيد الدين بن خليفة الطبيب العالم أعرف أهل زمانه بالموسيقى واللعب بالعود وأطيبهم صوتاً ونغمة حتى أنه شوهد من تأثر الأنفس عند سماعه مثل ما يحكى عن أبي نصر الفارابي فكثر إعجاب الملك المعظم به جداً وبعد ذلك أخذه إليه واستمر في خدمته. وذكر ابن خلكان أن أبا بكر محمد بن زكريا الرازي الطبيب المشهور كان في شبيبته يضرب بالعود ويغني فلما التحى وجهه قال كل غناء يخرج من بين شارب ولحية لا يستظرف فنزع عن ذلك وأقبل على دراسة كتب الطب والفلسفة. وكان أبو الحسين علي بن الحمارة آخر فلاسفة الأندلس آخر من برع في الألحان وعلمها وهو من أهل غرناطة قال في نفح الطيب واشتهر عنه أنه كان يعمد إلى الشعراء فيقطع العود بيده ثم يصنع منه عوداً للغناء وينظم الشعر ويلحنه ويغني به فيطرب سامعيه. وكان الفاضل أبو الحسين بن الوزير أبي جعفر الوقشي آية في الظرف والموسيقى والتهذيب وشيخه في هذا الفن أبو الحسين بن الحسن بن الحاسب كان ذا ذوق فيها مع صوت بديع أشهى من الكأس للخليع قال أبو عمران بن سعيد ما سمعته إلا تذكرت قول الرصافي: ومطارح مما تجس بنانه لحناً أفاض عليه ماء وقاره يثني الحمام فلا يروح لوكره طرباً ورزق بنيه في منقاره وكان محمد بن أحمد بن أبي بكر القرموطي المرسي من أعرف اهل الأندلس بالعلوم القديمة المنطق والهندسة والعدد والموسيقى والطب فيلسوفاً طبيباً ماهراً يقريء الأمم بألسنتهم فنونهم التي يرغبون فيها وفي تعلمها ولما تغلب الإفرنج على مرسية عرف له حقه فبنى له مدرسة يقريء فيها المسلمون والنصارى واليهود قاله في النفح. وعلى الجملة لم تكن صناعة الموسيقى بالمنزلة التي يصورها أهل جيلنا من الغضاضة والضعة بل عرف بها أناس من أهل الصيانة والعلم وما كان كل من تعاطى صناعة الغناء عارياً من سائر العلوم فقد كان إسحق بن ابراهيم الموصلي نديم الخلفاء وشيخ الغناء ومع هذا كان من العلماء باللغة والشعر وإخبار الناس وله يد طولى في الحديث والفقه والكلام وكان المأمون يقول لولا ما سبق لإسحق على ألسنة الناس واشتهر بالغناء لوليته القضاء فإنه أولى وأعف وأصدق وأكثر ديناً وأمانة من هؤلاء القضاة ولكنه اشتهر بالغناء وغلب على جميع علومه مع أنه أصغرها عنده. ومثل هذا ما وقع لقاضي إشبيلية أبي بكر القاضي أبي الحسن الزهري فإنه كان كثير اللعب بالشطرنج لم يكن من يلعب به مثله في بلده قال فكانوا يقولون أبو بكر الزهري الشطرنجي فكان إذا بلغني ذلك أغتاظ ويصعب عليَّ فقلت في نفسي لا بد أن أشتغل عن هذا بشيءٍ غيره من العلم لا نعت به ويزول عني وصف الشطرنج وعلمت أن الفقه وسائر الأدب ولو اشتغلت به عمري كله لم يخصني منه وصف أنعت به فعدلت إلى أبي مروان عبد الملك بن زهر واشتغلت عليه بصناعة الطب وكنت أجلس عنده وأكتب لمن جاء مستوصفاً من المرضى الرقاع واشتهرت بعد ذلك بالطب وزال عني ما كنت أكره الوصف به وهذا هو السبب والله أعلم في إخفاء كثير من أهل الوقار والعلم أنهم على جانب من علم الموسيقى والضرب على العود وغيره من أنواع الملذوذ ولولا التقية لانتهى إلينا أسماء كثير ممن تبلغنا عنهم سوى أخبار العلوم المتعارفة على أن الشرف كله اعتباري ولا مانع من الغناء والتلحين إذا لم يتبعهما التلطخ بحمأة السفاهة والرذيلة. أما الملوك والأمراء الذين عنوا بالموسيقى قديماً فأكثر من أن يحصوا منهم يزيد ابن عبد الملك ومسلمة بن عبد الملك وأبو عيسى بن الرشيد وعبد الله بن موسى الهادي وابراهيم بن عيسى بن جعفر المنصور ومحمد بن جعفر المقتدر والمتوكل والمهدي والمؤيد وطلحة الموفق والطائع والمقتدر وابن المعتز وغيرهم من الملوك المتأخرين والله أعلم. قوى النساء كتب باولو لومبروز العالم الإيطالي مقالة في المجلة الباريزية قال فيها ما تعريبه: حكم الناس منذ قرون بأن الرجل من الجنس القوي والمرأة من الجنس الضعيف. فجميع مظاهر النشاط والمتانة والقوة الطبيعية من امتيازات الرجل. عضلاته كالفولاذ ويحمل السيف ويحارب ويتسلق الجبال الخطرة ويتحشم البحار وهي في أشد أنوائها ويرى الموت وجهاً إلى وجه. أما المرأة اللطيفة المزاج فإنها ترى أن قصم ساق زنبقة يعد منها قوة فهي التي يغمى عليها وهي جالسة على الكرسي وتصرخ مذعورة إذا رأت عنكبوتاً أو فأرة. فلذا يسأل السائل من أين تنبعث قوتها أي جوهر شجاعتها ومقاومتها ورباطة جأشها على أن المرأة في الغالب تظهر بمظهر الغيرية والإخلاص وسلامة العقل وإنكار النفس والمفاداة وكل ما يعرف به الإنسان الخارق للعادة. القوة والمتانة الطبيعية هما أساس القوة الأدبية وشرط لازم لهما وقد أبان التاريخ والإحصاء والبحث بأن المرأة ليست دون الرجل في المقاومة الطبيعية للأمراض والأوجاع والأتعاب فإنا نرى النساء المتوحشات البربريات يقمن بأشق الأعمال فيحرثن الأرض ويطحنّ الحب ويحملن الأثقال بيناهن مرضعات أو حاملات. ومن الغريب إنا نرى الضعف في النساء والقوة في الرجال عند بعض الشعوب المتوحشة على صورة معكوسة فنرى المرأة عندهم تضع ولداً فلا تلبث أن تنهض وتتولى في الحال أعمالها على حين يبقى زوجها في الفراش كالنفساء وهذا مما دلّ على مضائها الغريب. وإنا لنرى النساء في بلاد الهرسك يقرنَّ بالسكة بدل البقر كما نراهن في بلاد الألب ينقلن أحمال العلف عوضاً عن البغال. وليس من رياضة مهما صعبت واقتضت صاحبها من الجرأة والثبات والشجاعة إلا قامت به المرأة بنشاط وبرزت في مضاميره أي تبريز. فنراها تركب الخيل وتسبح وتلعب بالسيف وتركب الدراجة وترتاض في الجبال وكل ذلك مما يقتضي له عدا أعصاب من حديد ومقاومة فائقة حضور ذهن وحذر واحتقار للموت أي ما لا يمكن القيام به إلا إذا اتفقت القوة الطبيعية مع القوة الأدبية. وهناك أحوال كثيرة لا ندعوها رياضة لما يقتضي لها من النشاط والشجاعة والثبات في المرأة ونعني بذلك اكتشاف البلاد الجديدة لما فيها من المخاطر وما ينبغي لدخولها من الجرأة. ومن الناس من يظن أن مجد الاكتشاف لا يحرزه إلا الرجال على حين هناك عدد كبير من النساء المكتشفات والسائحات اللائي لم يهبن الأخطار واستهنّ بكل ما ينبغي للنجاح. فقد رأينا العقيلة كودرو طافت مع زوجها أقطار غويانا الموبوءة واجتازت نهر البرازيل المأهول بالهنود ومات زوجها سنة ١٨٩٩ فلم تكن أقل منه مثابرة على السياحة وحدها. وليفنكستون وهو أعظم سائح إفريقي في عصرنا كانت ترافقه زوجته في أكثر رحلاته وهي التي أنقذته من الهلاك في شوبانكا وقضت كالأبطال وهي لا تريد أن تغادره في الزامبين. وقد اكتشف بكير سنة ١٨٦٤ نهرت ألبرت نيانزا وكانت زوجته اكبر مساعدة له بجرأتها ونشاطها. وصحبت جوزفين بري زوجها سنة ١٩٠٢ إلى القطب الشمالي وهي على قلة ما لقيته من الرفاهية في تلك الرحلة استطاعت أن تربي لها ولداً. ورافق كنود رامومسين أخواته في رحلته إلى غروانلاندا. وطاف بوتانين الروسي وأجفالفي المجري مع زوجتيهما في آسيا الوسطى وكانت زوجة الثاني باريزية الأصل والرتبية فكتب لها السيد أن تعود إلى أوربا فوضعت لها كتاباً بديعاً في رحلتها أما زوجة الأول فبقيت إلى الآخر وقضت وهي لا تخاف دركاً ولا تخشى. وإن ما حدث لرينهارد زوجة السائح المبشر كان من المدهشات حقيقة فقد كانت ترافق زوجها مع ولد لها في بلاد التبت وكانت سياحتهما خطرة وشاقة من وراء الغاية. ولقد داهمهما لصوص من أهل التبت بالقرب من لاهاسا فهرب جميع من كانوا معهما. وبعد أن بقي المبشر كامناً مع زوجته في السياج خرج قاصداً أحد المساكن القريبة يطلب معونة من فيه وظلت زوجته في انتظاره فلما نفذ صبرها عرفت أن اللصوص قتلوه وعندئذ قامت تسير وحدها عائدة من حيث أتت مع زوجها وهي تتوقع الموت في كل دقيقة وبعد أربعة أسابيع قضتها ماشية في صعبات وآلام لا تصدق بلغت مدينة قاتسين لو ناجية هي وطفلها. هذا ولا تشارك المرأة الرجل في مخاطر الرحلات والوحدة والحميات المؤذية والجليد والحر والمخاوف بل إن لها في الدفاع عن حياض البلاد يداً طويلة يدعوها إلى ذلك حبها لوطنها أو لأولادها. فقد عرفت جان دارك المحاربة الفرنسوية المشهورة بأيامها الغر المحجلة كما عرفت كاترين سفورزا في القرن الخامس عشر في إيطاليا فإنها بعد أن رأت زوجها يذبح تحصنت في قلعة فورلي وقاومت حصار قيصر بورجيا ثلاثة أسابيع وبقيت في مقدمة رجالها ليل نهار راجلة وراكبة وهي لم تترك سلاحها ولما أعيتها الحيل أرادت أن تقتل نفسها بنسف الحصن ولكنها بقيت حية مع زمرة من أصحابها وعادت تقاتل بين أشلاء القتلى إلى أن أسرت وعندها صاحت إني أسلم نفسي لملك فرنسا. والتاريخ لا ينسى نساء مدينة سين وقد ضيق الحصار عليها الملك شارلكان فهببن يتألفن ثلاثة توابير مؤلفة من بنات جنسهن خاصة لا يقل عددهن عن ثلاثة آلاف فلبست قائدة التابور الأول لباساً بنفسجياً وقائدة الثاني لباسر حرير أحمر والثالثة اكتست بالبياض. وبمثل هذا قامت حنة هاشيت يصحبها نساء بوفي للدفاع عن مدينتهن وجاكلين روبنس عرضت حياتها للخطر لتخبأ في قاربها الذخائر اللازمة سان أومار خلال حرب انتقال الملك الإسباني. ولكم من امرأة اشتهرت بإقدامها وشجاعتها بحيث يكاد ينكر عليها المرء ما يصدر عنها وهي التي عرفت بالضعف ووصفت بكثرة التأثر وكان الذي يحملهن فيالغالب على تقحم المهالك تعصب ديني أو كراهة للظلم أو حب للحرية يقيمهن ويقعدهن. وعلى هذا رأينا شارلوت كورداي فأدت بنفسها وقتلت مارات المظالم وحدها ولما سئلت عما أتت أجابت: إن حب الحرية علمني أسباب الوصول إلى الظالم لأقتله. وقالت: ما أتعس بلاد كفرنسا يعجب فيها من امرأة تفادي بحياتها دفاعاً عن بلادها. ومن النساء صاحبات القوة الأدبية يخرج أولئك الروسيات بالمئات متخليات عن ثروتهن وراحتهن ورفاهيتهن في قصورهن الآمنة الوادعة منذرات على أنفسهن الدعوة إلى الثورة. يعرف الناس اسم صوفيا بوروفيسكايا التي مشت إلى المشنقة هادئة دون أن يبدو عليها الضعف ساعة. ويذكرون فيراساسولتش التي قتلت القائد تريبوف جلاد العدميين في روسيا وبرأتها محكمة المحلفين فأقرت بأنها كانت تؤثر أن يحكم عليها لأنها تكون إذ ذاك آمنة من أنها عملت ما تقدر عليه للدفاع عن حقيقتها. وقضت الفتاة فيرافنير البديعة الطلعة المحببة إلى النفوس ست سنين وهي روح جميع المكائد التي حدثت في روسيا فتجتاز البلاد من أقصاها إلى أقصاها وهي تحمل قذائف في مشدها وتختبئ متوارية عن أنظار رجال الشرطة ولإنقاذ أوراق ومستندات محظورة. وقد سجنت هذه الفتاة الفتانة التي خلقت للحركة والاضطراب والشجاعة والثورة عشرين سنة في سجن شلوسبورج وخرجت منه بحماستها الأولى ومراميها التي طالما سعت لها سعيها. ويرى العدميون نيهيلست أن من الأخلاق التيفطر عليها النساء فكانت من قلواههن الأدبية أنهن إذا سجن والرجال في الحبوس أو نفين إلى سيبيريا يعشن أكثر من الرجال ولا ييأسن كالرجال على حين يموت الرجال أو ينتحرون أو يجنون لا قليلاً أو يغضبن من وحدتهم ومن بعدهم إلى الأبد عن عالم الأحياء. ولعل أحدهم يقول أن أمثال هؤلاء النساء هن من النادرات يرزقن عاطفة الحب والمفاداة والمقاومة وأنه قد ينشأ مثلهن وكم ترى في النساء من النابغات في الأدب فجورج ساند وأليصابات بروفنيك وجورج أليوت وبشير ستاف ومدام هومفري وأرد كلهن من الأديبات اللائي يقلُّ أمثالهن في الرجال على أن النساء والرجال أيضاً الذين اشتهروا بقواهم الأدبية وأفكارهم السياسية لا ينبغن إلا في مجتمع أو في دور يكون فيه مستوى المكارم والآداب راقياً جداً. وقد أظهر البحث أن نصف النساء من الشجاعة على جانب عظيم إذا نميت فيهن هذه القوة أتين بالأعاجيب ولكن من ينظر إلى النساء نظراُ مجرداً من التدقيق يراهن إلى الوناء والضعف والجبن والتعلق بأهداب الأمور التافهة والألاعيب الصبيانية. والفرق عظيم بين القوة الأدبية في الرجل وبينها في المرأة فالرجل ينشأ على ذلك بالفطرة أو بالتربية ويبقى كذلك مهما شقيت حياته أو سعدت بيد أن الرجال الأقوياء من حيث الطبيعة بل من حيث الأدب هم أندر مما نتصورهم. والمرأة لا تعنى بقوتها الأدبية عندما تكون حياتها سعيدة أو عادية إلا أن الحاجة إذا مست وأصابها شقاءٌ وبؤسٌ ومرض في أسرتها ينقلب كيانها في الحال ويصبح المتوسطات والرخوات منهن قويات شديدات يقاومن المصاعب أي مقاومة ويطعن صدور العوائق بسلاح قد يكون غير ماضٍ ولكن له من نار الحمية الموقدة ما يشحذ غراره ولا يطفأ أواره. ولكم شهدنا النساء يأتين من ضروب الشجاعة حين الحاجة ما لم يخطر ببال فكم رأينا عقائل كان أزواجهن على جانب عظيم من سوء الأخلاق والعشرة معهن وكن صابرات على الأذى حتى إذا فقد بعولتهن ثرواتهن وسيقوا إلى السّجون والمطابق يعطفن عليهم ويأخذن في الإنفاق عليهم من كدهنّ وعملهن. ورأيت امرأة أخرى كانت شرسة الطباع تناكد زوجها وتسيء عشرته فلما أضاع ماله راحت وهي في سن الأربعين تراجع دروسها التي تعلمتها وتقدمت لنيل شهادة التعليم وأخذت منذ ذاك الحين تصرف على زوجها وأولادها من كسبها القليل وتعمل أعمال المطبخ والبيت بيدها وتشتغل من الصبح إلى المساء وكانت من قبل لم تتنزل لتبل يدها بالماء ولا لترفع ثيابها بنفسها أما زوجها فبقي سنين يعيش من كدح زوجته يلعن الزمان ويدخن الدخان ولا يفارق داره إلا للنزهة. ورأيت امرأة أخرى كان زوجها أحد رجال الإدارة وكانت مرفهة تعيش عيش الأميرات فأصيب زوجها بالروماتيزم فأخذت تمرضه وتعنى به بنفسها ثماني عشرة سنة ليل نهار حتى أنها لم تنزع عنها لباسها خلال العشر سنين الأخيرة لتكون على مقربة من سرير زوجها وتقوم بخدمته حق القيام بل إنها قضت بعض السنين الأخيرة ولم تخرج إلى الشوارع حتى صار منظر المركبات والقطارات في عينها غريباً. كلمتها ذات يوم وأنا أعجب بها فقالت لي أنها لم تسأم قط لأنها أدركت أنها تقوم بواجب وكانت كل ساعة من ساعاتها ولها ما يشغلها فيها وأنها لم تمرض منذ أخذت في تمريض زوجها وكانت تغتبط عندما ترى زوجها يشكر لها بعينيه عنايتها به قالت وكنت سعيدة أن أتوفر على إطالة حياته فلما قضى نحبه لم يبق لي مطمع في الحياة وأسفت عليه كثيراً وإن أدركت أن آلامه انتهت بالموت. وغريب أمر النساء في مفاداتهن بكل عزيز عليهن في سبيل ما يوطدن النفس على القيام به فإذا انصرفت أذهانهن إلى عمل من مثل ما تقدم يزهدن في الملاذ والبنين والبنات وينسين أن جمالهن ظل زائل وأنهن يضعن حياتهن بمفاداتهن ولكن ما يلذهن هو أن يغنين فيما صرفن وكدهن له وليس الرجال كذلك ولعلهم يؤثرون الانصراف إلى عمل عام أكثر من الميل إلى عمل خاص. أعرف أسرة غنية كان لها ابن كف بصره فأرادت أن تصحبه برفيق فاختارت له ابن بستانيها وجعلته له ترباً يغدوان ويروحان معاً فدرسا الحقوق معاً وصرفا على هذه الحال منذ كان الأعمى ابن عشر سنين إلى أن صار ابن أربع وعشرين سنة ولما أتما دراسة الحقوق افتتحا لهما مكتب محاماة وقضيا فيه سنتين ولكن ابن البستاني ضاق ذرعه من تحمل صاحبه وانفصل عنه وإن كان طيب السريرة ولم ينس أيادي أسرته عليه قائلاً أن السأم أصابه فلا يتحمل عشرة صاحبه. كما أعرف رجلاً غنياً فقد زوجته وهي تضع له ابنة فلم تحدثه نفسه يوماً أن يعنى بتربية هذه مع أنه كان يحبها حباً جمّاً وما ذلك إلا لأن الرجل بما فيه من قوة أدبية يأتي من الأعمال ما يزيد بنتائجه الاجتماعية أكثر مما تقوم به المرأة مع شخص. وعلى ذلك فالواجب على الرجال أن يشفقوا على النساء إذا رأوهن يعشن في الأحايين عيشاً طيباً المرأة لا تنزع بها نفسها إلا أن تكون خادمة خاضعة تقوم بوظائفها اليومية المحدودة ولكنها حين الحاجة يكون شأنها أن تنقل فتكون ملكة وليس غير المصائب تحملها على تغيير كيانها فعلى الرجل أن يحترمها في حال بؤسها وسعادتها. سير العلم والاجتماع الحروب الإسلامية قال أحمد زكي بك أستاذ الحضارة في الجامعة المصرية أن الحروب الإسلامية كانت استعمارية أكثر منها دينية: أن الحرب الشرعية هي التي تقام لإعلاء كلمة الله وليس المراد من إعلاء كلمة الله الدعوة إلى الإسلام بالسيف فإن هذا مما لا يكون أبداً وإنما المراد منها ما عرف في تاريخ صاحب الشريعة الإسلامية وبعض خلفائه وذلك أن الدين بني على الدعوة إليه بالحسنى ولكن زعماء المشركين وسائر الممالك وقتئذ كبر عليهم أن يدينوا لدين جاء به يتيم عربي ويسوي بين الملوك والسوقة ويسيغ للخليفة الثاني أن يأمر مثل جبلة ابن الأيهم أن يرفع رأسه لجلف من أجلاف العرب ليثأر لنفسه فيلطمه كما لطمه. كبر عليهم الإذعان فقاوموا القائمين بنشره وشنوا عليهم الغارات يريدون صدهم عن سبيل الله وإطفاء نوره ويأبى الله إلا أن يتم نوره فجاز للمسلمين وقتئذ بل وجب عليهم ان يذودوا عن حياضهم ويذبوا عن أعراضهم وإلا لكانوا أخساء جبناء فأعد المسلمون لأعدائهم ما استطاعوا من قوة ومن رباط الخيل وصدوا هجماتهم وانتقموا لأنفسهم ممن آذاهم وكذلك الله يفعل بالمعتدين: فكانت تلك الحروب لدفع من يقف في سبيل المسلمين فيمنعهم من نشر دينهم بالحكمة والموعظة الحسنة لذلك سميت حروباً شرعية وحق لها أن تسمى كذلك. ولا يفهم من قول المسلمين للمحاربين: الإسلام أو الجزية أو الحرب: إن حربهم إياهم كان لحملهم على الإسلام فإن الذي اضطر المسلمين إلى الحرب إنما هم المحاربون أنفسهم فلما كانت تشتد الأزمة بالمحاربين كانوا يحقنون دمائهم من المسلمين الذين نصرهم الله بقوة حقهم وبعدم اعتدائهم إلا على من اعتدى عليهم وكان حقن الدماء بأحد أمرين أما الإسلام ليصيروا إخوانهم وأما الجزية التي لا بد منها لأية أمة مغلوبة في كل عصر من العصور وإلا لو كانت هذه العبارة الإسلام أو الجزية أو الحرب لحمل الناس على الإسلام لما خيروهم بين الجزية والإسلام ولم يرضوا منهم دون الإسلام شيئاً. إن الذي يتأمل في مثير الحروب الإسلامية بادئ الأمر يعلم علماً ليس بالظن أن المسلمين لم يحاربوا إلا من أراد صدهم عن سبيل الله فحاربهم وآذاهم فمن ذلك أن أول الغزوات كانت مع قريش فنتركها ونترك سائر غزواتهم كذلك لما هو معروف من أمر قريش وإيذائها النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وإخراجهم من ديارهم. ونذكر من بعد ذلك غزوة بني قينقاع من يهود المدينة. فقد حاربهم المسلمون لنقضهم العهد بعد غزوة بدر الكبرى وهتكهم حرمة سيدة من نساء الأنصار ثم غزوة بني غطفان ولم يخرج المسلمون لقتالهم إلا بعد أن علموا أن بني ثعلبة ومحارب من غطفان تجمعوا برياسة دعثور المحاربي للإغارة على المدينة ثم سرية عاصم بن ثابت الأنصاري وكانوا مع رهط عضل والقارة الذين خانوهم ودلوا عليهم هذا بلا قوم سفيان بن خالد الهذلي الذي قتله عبد الله بن أنيس. ثم سرية المنذر بن عمرو وهم سبعون رجلاً يسمون القراء أخذهم عامر بن مالك ملاعب الأسنة لطمعه في هداية قومه وإيمانهم فلم يرع قومه جواره وقتلوا القراء ثم غزوة بني النضير من يهود المدينة وذلك لنقضهم العهد وإلقائهم صخرة على النبي صلى الله عليه وسلم وصحبه لما كان في ديارهم. ثم غزوة دومة الجندل ولم يخرج المسلمون لقتالهم إلا لما علموا أن في ذلك المكان أعراباً يقطعون الطريق على المارة ويريدون الإغارة على المدينة. ثم غزوة بني المصطلق وهؤلاء ممن ساعدوا المشركين في أحد ولم يكتفوا بذلك بل أرادوا جمع الجموع للإغارة على المدينة. ثم غزوة الخندق وكانت مع الأحزاب الذين حاصروا المدينة. ثم غزوة بني قريظة من يهود المدينة لنقضهم العهد واجتماعهم مع الأحزاب ثم غزوة بني لحيان لقتلهم عاصم بن ثابت وإخوانه الذين حزن عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم غزوة الغابة لإغارة عيينة بن حصن في أربعين راكباً على لقاح للنبي صلى الله عليه وسلم كانت ترعى الغابة. ثم سرية محمد بن مسلمة إلى القصة (موضع) لما بلغ المسلمين أن بذلك الموضع ناساً يريدون الإغارة على نعم المسلمين التي ترعى بالهيفاء (موضع) ثم سرية زيد بن حارثة لمعاكسة بني سليم الذين كانوا من الأحزاب يوم الخندق. ثم سرية زيد كذلك للإغارة على بني ثعلبة الذين قتلوا أصحاب محمد بن مسلمة. ثم سرية زيد كذلك للإغارة على بني فزارة الذين تعرضوا له. ثم سرية عمر بن الخطاب لما بلغ المسلمين من أن جمعاً من هوازن يظهرون العداوة للمسلمين. ثم سرية بشير بن سعد لما بلغهم من أن عيينة بن حصن واعد جماعة من غطفان مقيمين بقرب خيبر للإغارة على المدينة. ثم سرية غالب الليثي ليقتص من بني مرة بفدك لأنهم أصابوا سرية بشير بن سعد. ثم غزوة مؤتة وكانت لتعرض شرحبيل بن عمرو الغساني للحرث بن عمير الأزدي رسول للنبي صلى الله عليه وسلم إلى أمير بصرى يحمل كتاباً وقتله إياه ولم يقتل رسول للنبي صلى الله عليه وسلم غيره حتى وجد على ذلك وجداً شديداً. ثم سرية عمرو بن العاص لما بلغهم من أن جماعة من قضاعة يتجمعون في ديارهم وراء القرى للإغارة على المدينة. ثم سرية علي بن أبي طالب لما بلغهم من أن بني سعد بن بكر يجمعون الجموع لمساعدة يهود خيبر على حرب المسلمين. ثم غزوة خيبر لأن أهلها كانوا أعظم محرض للأحزاب. ثم سرية عبد الله بن رواحة لما بلغهم من أن ابن رزام رئيس اليهود يسعى في تحريض العرب على قتال المسلمين. ثم سرية عمرو بن أمية الضمري لقتل أبي سفيان جزاء إرساله من يقتل النبي صلى الله عليه وسلم غدراً. ثم حرب العراق لما ارتكبه كسرى عندما أرسل إليه كتاب عرض فيه عليه الإسلام فإنه مزق الكتاب وكتب إلى باذان أمير له باليمن يقول له بلغني أن رجلاً من قريش خرج بمكة يزعم أنه نبي فسر إليه فاستتبه فإن تاب وإلا فابعث إليّ برأسه يكتب إلي هذا الكتاب (أي الذي بدأ فيه بنفسه فقال من محمد الخ. .) وهو عبدي فبعث باذان بكتاب كسرى إلى النبي صلى الله عليه وسلم مع فارسيين وبعث بهما يأمره أن ينصرف معهما إلى كسرى فقدما عليه وقالا له شاهنشاه بعث إلى الملك باذان يأمره أن يبعث إليك من يأتي بك وقد بعثنا إليك فإن أبيت هلكت وأهلكت قومك وخربت بلادك فليس بعد ذلك عذر للمسلمين في امتناعهم عن حرب الفرس. وخصوصاً وقد كان للعرب ثارات كبيرة في ذمة العجم ثم غزوة تبوك لما بلغ المسلمين من أن الروم جمعت الجموع تريد غزوهم في بلادهم. وقد أعقبها فتوح الشام والقسم الأعظم من دولة الروم. هذه بعض الغزوات الإسلامية بادئ الأمر سردناها غير مرتبة ومنها يرى القارئ ما قصدناه من ذكرها وهو أن الحروب الإسلامية لم تقم لحمل الناس على الإسلام وإنما أقيمت لأسباب أخرى تجلت فيها بأجلى بيان. غير أن أناساً ممن يحطون من قدر الإسلام ويقعون فيه يقولون أن الإسلام لم ينتشر هذا الانتشار في مثل هذا الزمن الوجيز إلا بالسيف فهو دين توحش وهمجية وحجتهم في ذلك غزوات النبي صلى الله عليه وسلم والحروب الإسلامية ورأى ناس من المسلمين آيات في القرآن تحض المسلمين على قتال المشركين والكفار والمنافقين وأمثال هذا كقوله تعالى (يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين وأغلظ عليهم ومأواهم جهنم وبئس المصير. وقاتلوا المشركين كافة واعلموا أن الله مع المتقين. قاتلوهم أئمة الكفر إنهم لا إيمان لهم أملهم ينتهون. وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله. واقتلوهم حيث تقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم.) ولم يفكروا في سياق الكلام ومواضعه وأسباب نزوله فظنوا أن القتال شرع في الإسلام لحمل الناس على الاعتقاد به فكان ذلك الظن أكبر جرم على ذلك الدين الحنيف الذي تنزه عن مثل هذه الخشونة وتلك القسوة وذلك أن الأمور الاعتقادية لا تقبلها الناس إلا بالبرهان لا بالقوة والسلطان فمن قبلها منهم مكرهاً مرغماً لا يطمئن لقلبه وإذن لا فائدة من قبوله إياها. وإنما كان يتعرض المسلمون لمن آذاهم بسبب الأمور الدنيوية المدنية أو بسبب ظهورهم بدين جديد كانوا يدعون الناس إليه بالحسنى والموعظة الحسنة وليس عليهم هدى الناس وإنما الله يهدي من يشاء فمن آمن بالله فله إيمانه ومن كفر فعليه كفره وليس لهم على أحد من سلطان. هذه حال المسلمين مع من يدعونهم إلى الإسلام ولكن رؤساء بعض المدعوين ضنوا برياستهم على الزوال وأبوا ألا أن يصدوا المسلمين عن سبيل الله التي تسهل على مرؤوسيهم وعبادهم الفرا من مظالمهم إلى فضاء العدل والإحسان. غير أن هذه الحروب قد أفادت الأمة العربية الإسلامية فوائد جمة من أجلها الغنائم التي أغنت المهاجرين عما فقدوه بالهجرة والأنصار عما ذهب في إكرامهم إخوانهم المهاجرين فشغل بذلك الرعب عن غزو بعضهم بعضاً وعن إثارة الفتن الداخلية فلما فتروا عن الحرب هنيهة إثر وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم امتنع كثير منهم عن دفع الزكاة فاستباح أبو بكر رضي الله تعالى عنه قتالهم فردهم إلى الإسلام عنوة ورأى أن يتم بعد ذلك ما أراده النبي صلى الله عليه وسلم من غزو الفرس والشام ليشغل العرب عن التفرق والخصومات والنزاع الداخلي والرجوع إلى التفرق ديناً ودنيا فأنفذ جيش أسامة ليضرب الأعداء بالعرب فإن ذلك خير من أن يضرب بعض العرب ببعض إذا لم يشغلهم بحرب غيرهم وكذلك رأى عمر رضي الله تعالى عنه من بعده فدوخ بجيوشه وأبطالهم خالد والمثنى وأبي عبيدة وعمرو الأعداء وفتح البلاد لتكون موارد خير للأمة العربية وليرفع عن تلك البلاد التي فتحها الإسلام ظلم الرومان والفرس الذي بلغ إذ ذاك أشده كما كانت حاله في فتح مصر وأمرها معروف وأباح له ولأبي بكر حرب الروم وفتح لذانهم ما أباح للنبي صلى الله عليه وسلم من قبلهما وهي التراث التي للمسلمين عند الروم ومعلوم أن المسلمين لما فتحوا مصر وغيرها لم يحاربوا إلا أهل الدولة وهم الروم وذلك لأمرين أولهما إخراجهم من تلك البلاد وذلك كان خيراً للمحكومين وقد كان أهل مصر والشام يساعدون العرب على الروم وكذلك أهل العراق على الفرس. وثانيهما انتفاع العرب بالبلدان التي فتحوها انتفاعهم في الحضارة والمعايش والعلوم وغيرها. لأجل ذلك يمكننا أن نقول أن حروبهم كانت استعمارية ويتضح ذلك بأجلى وضوح في حروب من بعد عمر من الخلفاء والأمراء. يظهر ذلك لمن ينظر نظراً سطحياً إلى أسباب هذه الحروب وما جرته من الفتوح التي أوجبت نشر الدين وتعميمه بالمخالطة ومظاهر الفضيلة والكمالات التي امتاز بها المسلمون في أيام السلف الصالح والصدر الأول وقد دوّن المسلمون في تلك الأيام الخوالي كل دقيقة وكبيرة مما يتعلق بهذا الموضوع ولا نرى فيها أمراً واحداً يدعونا إلى القول بخلاف مذهبنا وهو أن الحروب كانت حروب مسلمين لا حروب إسلام وأنها كانت حروب توسع في الملك واستعمار للبلدان. الشمس وطول الحياة للشمس دخل كبير في إطالة العمر فقد ثبت أن الأعمار تطول في الأصقاع المشمسة أكثر من غيرها كما هو الحال في بعض قرى سويسرا واشتهرت مقاطعة لوكارنو على بحيرة ماجور ومقاطعة لوكانوا ومقاطعة ماجليازو على نهر تيسين في سويسرا بأنها البلاد المشمسة وقد تطلع الشمس في بعضها ٣٣١ يوماً في السنة ولذلك ترى أهلها والنازلين فيها أطول الناس أعماراً واختارها المترفون لقضاء فصل الشتاء وربيعها من أعظم المساعدات على طول حبل الحياة في الشيوخ وكثير في أهل مقاطعة تيسين يبلغون المئة سنة من العمر أما أبناء التسعين والثمانين فهم من الحوادث العادية والاستشفاء بالشمس من أفضل أنواع الوقاية الصحية. تعليم الزنوج أقام أحد أساتذة كلية هوفارد بأميركا الحجة على من يقول أن الزنجي غير قابل للتربية فقال أن الهمة التي بذلت في سبيل تعليمه منذ أربعين سنة قد أتت بأحسن النتائج حتى جاء من الزنوج أطباء وأساتذة وقضاة ومحامون وطابعون وغيرهم ممن يسعون السعي الحثيث لإنهاض بني جلدتهم بحيث قلّ فيهم عدد الأميين إلى النصف. أعمال المرسلين تمتد أعمال المرسلين من دعاة الدين المسيحي كل يوم امتداداً غريباً ولاسيما دعاة البرتستانتية منهم فقد كانت إنكلترا مبعث المرسلين بما يدره عليهم أهل الخير وأنصار الدين من الأموال الطائلة واليوم أخذت الولايات المتحدة تنافسها في هذا السبيل فترسل بمبشر لها إلى الهند الإنكليزية خاصة فالأميركان ينفقون على ١٣٥٠ مبشراً في الهند وحدها. وبحسب الإحصاءات الأخيرة بلغ عدد المبشرين للولايات المتحدة ٦٥٠٠ ولإنكلترا ٨٠٠٠ ولأوربا كلها ٣٠٠٠ أما الرهبان والراهبات فقد كانوا في أوربا على عهد فولتير ستمائة ألف فقط وما ندري عددهم الآن. دار الصناعة في إنكلترا ثبت أن دار الصناعة في برورتثموت هي أقدم وأعظم دار صناعة في العالم كلفت ٤٠٠ مليون فرنك فقد صرف لارتفاع بنائها زهاء ألف ألف ألف آجرة ويبلغ علوها ٦٠٠ قدم إنكليزي وأعظم عمارة حربية لا تبلغ ثلث ارتفاعها. فيها من الأدوات والآلات الكهربائية ما لا يوجد في غيرها كما أن فيها ١٨ ألف عامل يشتغلون ٤٨ ساعة في الأسبوع أي ٧ ساعات في النهار وينفكون عن العمل ظهر كل سبت إلى الاثنين. والعامل الذي يغيب ١٤ يوماً في السنة يطرد. وقد دفع للعملة سنة ١٩٠٧ ثمانية عشر مليون فرنك وليس للعملة ناظر أو مفتش يراقبهم أثناء العمل إلا ملاحظ خفيف يأتي من حين إلى آخر فمن رأى إحسانه في عمله أعطاه جائزة ثمينة. ومع مكانة هذه الدار تضطر إدارتها أن تصرف بعض عملتها أحياناً وقد اضطرت مرة إنكلترا إلى نزع سلاح مئة بارجة فصرف المعمل أربعة آلاف عامل دفعة واحدة حتى لا يعطيهم رواتبهم بدون عمل ولما طالبوا بحقوقهم قيل لهم أن البحرية الإنكليزية شركة مساهمة فلا سبيل إلى إجابة طلبكم إلا إذا رضي كل إنكليزي بأن تقعدوا وتأخذوا مشاهراتكم بدون عمل. ولكل فرد في هذا المعمل عمله الخاص ومديره نائب أميرال دار الصناعة ببورتثموت وهو في معمله كالملك في قصره. وتقدر إنكلترا أن تستصنع البارجة الحربية في هذا المعمل في سنتين على أن ألمانيا لا تقدر على إيجاد مثلها في أقل من ثلاث سنوات وفرنسا في أقل من خمس. كهربائية الإنسان كل قوة في حاسة من حواس الجسم البشري فيها شيءٌ من الكهربائية لا تدرك حق الإدراك إلا بآلتين حساستين جداً وهما الإلكتروسكوب والإلكتروميتر وقد اخترع أحد علماء الألمان آلة جديدة تفوق تينك الآلتين بتأثرها وتعريفها المجاري الكهربائية في عمل القلب البشري خاصة وبهذه الآلة يتأتى تشخيص طبيعة مرض القلب. آلة الكذب اخترع عالمان من علماء النفس أحدهما ألماني والثاني أميركي آلة سموها البسيكومتر الكهربائي إذا وضعت على الإنسان يتبين بها كلام المرء صدقه من كذبه. وتتركب هذه من كالفانومتر وآلة خاصة تفيد اختلاف الأفكار والإحساس والكالفانومتر مناط بمصباح يرتفع لهيبه وينخفض على حساب قوة المجرى الكهربائي ويقاس ارتفاع هذا اللهيب بواسطة مرآة تعكس اللهيب. فإذا أريد اختبار درجة صدق الرجل توضع إحدى يديه على عمود من الزنك والأخرى على عمود من الفحم فينشأ من ذلك مجرى كهربائي يختلف تأثيره باختلاف قوة الأحوال النفسية التي تحدث في الشخص المفحوص بهذه الآلة فإذا كان يكذب أي إذا فرط منه تناقض بين الفكر المفكر فيه وبين الإرادة التي تغير ذاك الفكر يقوى المجرى ويدل ارتفاع اللهيب على شدته. بندقية جديدة لبنادق مكسيم الجديدة خاصة نافعة وهي أنه يكاد لا يسمع لها صوت عند إطلاقها ومهما سمع فلا يسمع إلى مسافة أكثر من ١٥٠ قدماً وقد أظهرت التجارب أن هذا الاختراع يعدل في حالة الحركات العسكرية أكثر من البارود بلا دخان فيصعب به معرفة مواقع نزول الأعداء كما أنه يخدم قطاع الطريق واللصوص فيتمكن القاتل بهذه البندقية التي يمكن أن يكون منها مسدس أن يطلق النار في شارع ولا يحس به رجال الشرطة على أن الصياد ينتفع من هذه البندقية إذ أنه يقتل برصاصة قنيصة واحدة بدون أن يفزع أخواتها فتفر. وبهذا صح أن نقول أن فن إطلاق الرصاص آخذ بالانقلاب وهذا الانقلاب له عوائق وله منافع ويصعب في الدنيا إيجاد خير محض.  عمران كريت نشرت مجلة العالم الإسلامي الباريزية مقالة في هذا المعنى قالت فيها ما تعريبه: يبلغ سكان جزيرة كريت ٣٠٣٥٤٣ ساكناً منهم ٣٣٤٩٦ من المسلمين وكان من نتائج ثورة سنة ١٨٩٦ — ٩٧ أن هاجر المسلمون زرافات من الجزيرة فتضررت كريت من حيث الأمور الاقتصادية كثيراً فقد كان عدد المسلمين فيها بحسب إحصاء سنة ١٨٨١ — ٧٣٢٣٤ فنزل عددهم بحسب الإحصاء الأخير إلى ٣٣٤٩٦ ولا يزال المسلمون يهاجرون منها ومعظمهم من الزراع إذا غادروا الجزيرة يبيعون أملاكهم أو يتخلون عن أراضيهم تاركيها بوراً حاملين معهم رؤوس أموالهم وقد بلغ ما أباعه المسلمون من المسيحيين من الأملاك منذ سنة ١٨٩٨ إلى ١٩٠٢ — ٩.٤٤٢.٤٢٩ فرنكاً على حين بلغت الدراهم التي اقترضها المسيحيون لابتياع هذه الأراضي زهاء ستة عشر مليون فرنك. وكان نزول الجيش العثماني والأسطول العثماني أيام ارتفاع علم الهلال عليها يوسع على الجزيرة فينفق فيها نحو ٩٥ ألف ليرة عثمانية مسانهة فتغيير حكومتها أخر بتجارتها كثيراً وكان مداخيل الجزيرة قبل الاستقلال تصرف فيها على حكم العهد العثماني وربما صرفت فيها مداخيل غيرها من الولايات أيضاً ثم إن الجزيرة لم تبرح تدفع ما عليها للديون العمومية وشركات الفنارات في المملكة العثمانية. وترى المسيحيين الكريتيين ناقمين من الحكم الاستقلالي لأنه أضر بهم أضراراً مالية واقتصادية والمسلمين ناقمين لما يلحقهم من الاضطهاد في عهد الحكم الحالي ومنذ أصبحت الجزيرة مستقلة لم ترتق خطوة إلى الأمام حتى إن حظ ولاية بعيدة من ولايات الأناضول العثمانية أرقى من حظ كريت من حيث الزراعة والصناعة والتجارة والإدارة. الهند الشرقية الهولاندية يقدرون عدد المسلمين في جزائر جاوه بـ ٢٧.٧٨١.٦٧١ وفي صومطرا بـ ٣.٢٧٥.٠٠٠ وفي بورنيو بـ ٩٨٥.٤٤٠ وفي سيليب بـ ١.١٤٠.٠٠٠ وفي بانكا وأعمالها بـ ٨٦.٥٤٠ وفي ريو وأعمالها بـ ٩٣٤٣٤ وفي بيلينسون بـ ٣٤٢٠٠ وفي أصبهان وأعمالها بـ ٧١٢٠٤ وفي ترنات وغانة الجديدة وأعمالها بـ ١٠٨٢٤٠ وفي تيمور وأعمالها بـ ٣٤٦٥٠ وفي بالي وكومبوك بـ ٣٦٨٤١٨ منهم كلهم ٣٣٩٣١٦٠٦ من الوطنيين و ٣٣٨٦٠ من العرب و ٧٥٣١ من الصينيين و ٥٠٦١ من الهنود وغيرهم و ٧٧٤ من الأتراك والسوريين وهكذا فقد بلغ عدد سكان جزائر الأرخبيل الهندي التي يخفق عليها العلم الهولاندي أربعين مليون نسمة وبلادهم كنز ثمين لأهل بلاد القاع هولاندة وسيكون مستقبلها زاهراً عندما يتم تنظيم شؤونها فتأمل كيف يستولي عدد قليل متعلم كالأمة الهولاندية على عدد كبير متوحش كسكان جزائر ذاك الأرخبيل. مطبوعات ومخطوطات  الأجوبة المرضية تأليف الشيخ جمال الدين القاسمي طبع بمطبعة روضة الشام بدمشق ص ٣٧ . هذه الرسالة وضعها المؤلف جواباً عما أورده كمال الدين ابن الهمام على المستدلين بثبوت سنة المغرب القبلية ولعل بعض المعاصرين ينكرون على بعضهم إذا ناقشوا بعض المتقدمين على عصرهم على حين أن ذلك مألوف معهود منذ القديم فقد ناظر — كما قال مؤلفنا المنوه بقدره — الإمام الشافعي الإمام محمد بن الحسن وحاور الكناني بشر المرسي وغيرهم وحاور البيهقي الطحاوي وابن حزم الأشاعرة وغيرهم والمازري أمام الحرمين والطبري الطالقاني والنووي الرافعي والأسنوي النووي وشمس الأئمة الكردري الغزالي وابن عبد الهادي السبكي وابن حجر العيني والسيد السعد والفيروز أبادي الجوهري وابن الأثير الصابي وابن عباد وابن أبي الحديد ابن الأثير وأبو حيان ابن مالك والعز ابن عبد السلام ابن الصلاح ومعضد الجار بردي وفضل الله الرومي ابن الملك والناصر ابن المنير الزمخشري وزين العرب الشيرازي والسيوطي السخاوي وابن الجوزي والمؤلفات في هذا الموضوع لا تحصى.  أسباب الانقلاب العثماني لمؤلفه محمد روحي بك الخالدي ومصححه السيد حسين وصفي رضا طبع بمطبعة المنار في القاهرة سنة ١٣٢٦ ص ١٨٢ . مرلف هذا الكتاب من أفاضل سورية عانى صناعة القلم والسياسة ورسالته هذه تدل على علو كعبه في تاريخ الدولة الأخير وحسن مراقبته للحركة الإصلاحية التي قام بها أحرار العثمانيين ووصفها أوجز وصف يرسخ في الأذهان.  تحفة الأنام للشيخ عبد الباسط الفاخوري طبع بالمطبعة الأهلية في بيروت ص ٢٨٦ هو مختصر في تاريخ الإسلام فيه مقدمة في أصل العرب وأحوالها قبل الإسلام وبعده وسير الخلفاء الراشدين والأمويين والعباسيين والملوك العثمانيين وغيرهم بعبارة مختصرة وكلام المؤلف في الغلو بالملوك المتأخرين من بني عثمان يرفع الثقة من كلامه كله فعسى أن يرفع الطابع تلك المبالغات من آخر التاريخ في طبعة ثانية.  أعظم تذكار للعثمانيين الأحرار أو الحرية والمساواة والمبعوثان لمؤلفه الشيخ عبد الله العلمي طبع بالمطبعة الأهلية في بيروت سنة ١٣٢٦ ص ١٩٠ كتاب وضعه مؤلفه لما رأى كثيراً من العامة يسألون عن مجلس النواب المبعوثان الشوري هل هو شرعي أم لا وعن الحرية هل هي موافقة للشرع الشريف ولتزييف من قال بأن الإسلام وجد وبجانبه سلطة مطلقة مستدلاً على كل نوع منها بآيات كثيرة من الكتاب. ومما جاء فيه — وهو مما ننقله نموذجاً على أسلوبه — في باب المساواة وبين المسلم واليهودي والنصراني في أنهم بشر وأن التمسك من كل منهم بالأرومات غلط جاء في الكتاب الكريم خطاباً للعرب ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب الموسويين والمسيحيين إنما من يعمل من الطوائف الثلاث سوءاً يجز به ولا يجد له من دون الله ولياً ولا نصيراً ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى من الطوائف الثلاث وهو مؤمن بالله ورسله فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيراً وأورد آيات كثيرة استنبط منها أموراً من هذا القبيل. وقال في حرية المساواة بين المسلم واليهودي والنصراني في الحكم عليه أو له بالحكم الشرعي: المساواة في الأحكام الشرعية المحكوم بها على الناس على اختلاف عناصرها هي شريعة الله تعالى في كتابه وهي سنته في خلقه جاء في سورة النساء إنا نزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس جميعاً المسلم وغيره بما أراك الله ولا تكن للخائنين المخالفين لك خصيماً بل انهج منهج المساواة والشورى على أسلوب عصري لا يستند فيه إلا على الكتاب واستنتاجه من الآيات الكريمة دل على بعد غوره وحسن الإمعان بمعانيها وتطبيقها على حالة الزمن فتثني على المؤلف لفضله وغيرته ونحث كل من يخامرهم الشك في الحكم الدستوري ومخالفته لروح الإسلام أن يقتنوا كتابه وينصفوه وينصفوا الشريعة المدنية والشريعة الدينية.</passage>
<license>Distributed under a Creative Commons Attribution-ShareAlike 4.0 International (CC BY-SA 4.0) license</license>
<source>https://github.com/tillgrallert/digital-muqtabas/blob/master/xml/oclc_4770057679-i_38.TEIP5.xml retrieved via Canonical Text Service http://cts.informatik.uni-leipzig.de/muqtabas/cts/ with CTS URN urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.38.TEIP5:</source>
</reply>
</GetPassage>
