<?xml version="1.0" encoding="UTF-8"?><GetPassage xmlns="http://relaxng.org/ns/structure/1.0" xmlns:a="http://relaxng.org/ns/compatibility/annotations/1.0" xmlns:tei="http://www.tei-c.org/ns/1.0">
<request>
<requestName>GetPassage</requestName>
<requestUrn>urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.37.TEIP5:</requestUrn>
</request>
<reply>
<urn>urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.37.TEIP5:</urn>
<passage>سنتنا الرابعة يفتتح المقتبس عامه الرابع بحمد الله ثناؤه والشكر على ما وفق إليه من نشر الحقائق التي يهديه إليها البحث والدرس لاهجاً بالدعوة التي طالما دعا إليها مجملاً ومفصلاً من أن مقصده نبث دفائن المدينة العربية وبث خزائن الحضارة الغربية مع ما يقتضي لذلك من النظر في تاريخنا وتاريخ الغربيين وآدابنا وآدابهم ومناحينا وأعمالنا وأعمالهم ناعياً عَلَي الجامدين عَلَى القديم إذ الاقتصار عليه وحده هو العقم بعينه داعياً إلى تناول الضروري من الحديث لأن القديم وحده يبلى ولا حديث لمن لا قديم له ومن لم يحرص على جديده فهو أقرب إلى الزهد كل حين بقديمه. ندعو إلى الأخذ بمعارف الغربيين لأن ما أصاب هذا الشرق من ضعف العقول والملكات نشأ عن انصراف القلوب عن الاهتداء بهديهم ونهج سبيلهم في مادياتهم ومعنوياتهم والوقوف عند حد ما رسمه المخرفون والمخرقون فصدونا عن سبيل الانتفاع بالماضي وبالحاضر وحرموا بالتعصب الممقوت ما لم يحرمه عقل ولا نقل وسدوا الآذان عن سماع داعي المدنية وغضبوا عن الإبصار عن النظر في بدائع العلم والصناعة. وإن المقتبس ليغتبط اليوم بصدوره من ضفاف بردى بعد أن انتشر عَلَى ضفاف النيل ثلاث سنين ولئن كان بردى بعض جداول النيل وترعه فإن المسك بعض دم الغزال ولئن قدر لمصر اليوم أن تسبق الشام في قوتها الأدبية والعلمية فليس ذلك من الجديد لما عرف به قديمها وإن كان وادي النيل أفسح وأخصب فوادي جلق الفيحاء أثمر وأعشب والسر في السكان لا في المكان. فعسى أن لا تكون أرض الشام أقل استعداداً لقطف ثمرات العلوم والمعارف وأن يظل مؤازرونا على إتحاف هذه المجلة بنتائج عقولهم فلا تعظم فائدة العمل إذا استقل به الفكر الواحد ولا تتنزع بفرد أفانين الفنون والآداب ونسأله تعالى تسديدنا وهدايتنا. الشام والحرية هذه محاضرة القاها أحمد زكي بك علماء القاهرة في دار صاحب المقتبس بدمشق ليل ١٨ ذي الحجة سنة ١٣٢٦ بحضور جمهور كبير من اهل العلم والاداب والقضاء والوجهاء أحمد إليكم الله الذي آخى بينكم فجمعكم في صعيد واحد بعد أن كانت كلمتكم متفرقة وأشكره تعالى الذي جعل لي لساناً ناطقاً في هذه الدار الكريمة المشرقة بأنواركم المتألقة وأتقدم إليكم بالثناء الصادر من صميم الفؤاد على تنازعكم بإجماعكم على طلب مقولة مني في هذا المقام وقد سئمت الكلام فهربت من مصر إلى الشام ولكنني أظن أن الله كتب عليّ الكلام حتّى يوم الحمام فليس من مفر والسلام. بيد أني أسألكم بالصفح يا نجوم الفيحاء عما تجدونه في محاورتي لكم من التقصير فعذري ظاهر وأنتم أنتم الكرام. لعل هذه تكون أول محاضرة في ربوع هذه الحاضرة بعد أن هبت عليها نسمات الحرية العاطرة وقد طال عليها الاستعباد. والحرية خلق شريف يجاهر بسلطانها الإنسان بما يريد ما دام داخلاً في حدوده المرسومة له ولا يتعدى على دائرة غيره فلذلك أردت أن أتكلم عن شيءٍ من حضارات الإسلام التي توطدت دعائمها في دمشق الشام وفي دار السلام وفي القاهرة الفاطمية وفي قرطبة الأموية. فلأجدادكم في هذه الحاضرة الباهرة فضلان بدمشق وبقرطبة وأنتم البقية الصالحة لهؤُلاء الأسلاف الأشراف والأمل معقود بكم أن تقتدوا بهم وتزيدوا عليهم كما هي سنة الترقي وكما هو شعار الاتحاد. فلم يبق لكم عذر بعد اليوم في وضع دعائم النهضة الحديثة بدياركم الشجراء الزهراء وقد كمنت فيكم تلك البذرة الصالحة على ما شاهدته بعيني وخبرته بنفسي. ألا ترون من الفضول أيها الفضلاء أن يقوم فيكم نزيل من النزلاء ويناجيكم بما أنتم أهله بلا مراء. لعمري هذا منتهى الفضول من الواقف بينكم وهو ضعيف وصوته أضعف لأنه لا يتكلم أمام مائة ألف إذ يعتقد أن كل واحد منكم بألف. فأنتم إن لم يكن لكم عذر بعد اليوم في النهوض بأمتكم وبلادكم فلي ألف عذر في هذا المقام وأنتم أنتم الكرام. خصوصاً إذا اعترفت لكم بأنني من الطائفة الثالثة التي أشار إليها الخليل بن أحمد في قوله أن الرجال أربعة: رجل يدري ويدري أنه يدري فذلك عالم فاتبعوه ورجل يدري ولا يدري أنه يدري فذلك غافل فنبهوه ورجل لا يدري ويدري أنه لا يدري فذلك جاهل فعلموه ورجل لا يدري ولا يدري أنه لا يدري فذلك مائق فاحذروه. لا أريد الافتخار بقولي لا أدري لأنني لا أرضى بذلك المذهب الذي يزعم أصحابه أن من قال لا أدري فقد دري أصف العلم وإنما أرتضي مذهب إبراهيم بن طهمان الخراساني فإنه ولد بهراة ونشأ بنيسابور ورحل في طلب العلم ونال منه قسطاً وافراً حتى كان له ببغداد جراية فاخرة من بيت المال فسئل يوماً في مجلس الخليفة فقال لا أدري فقالوا تأخذ في كل يوم كذا وكذا ولا تحسن مسألة فقال إنما أخذت على ما أحسن ولو أخذت على ما لا أحسن لفني بيت المال ولا يفنى ما لا أدري. فأعجب أمير المؤمنين جوابه وأمر له بجائزة وزاد في جرايته. فلذلك أرى في إجماعكم عليّ إلزامي بمحاضرتكم على ما أنا فيه من تشتت البال بالأسفار والحنين إلى الديار إنكم إنما قصدتم أن تشجعوا القائمين بالعمل على إحياء حضارة الإسلام وشد أزر الطالبين للعلم فلذلك امتثلت أمركم لئلا أخرق الإجماع ولئلا أكون شاذاً عن رأي الجماعة وتمثلت بما قاله الخليل أيضاً فقد قال ثلاثة تيسر المصائب سهر الليالي والمرأة الحسناء ومحادثة الرجال. فقد جئت لأحادثكم وأستفيد منكم فأردتموني على الخطابة بينكم فكان مثلي معكم كمن يحمل الصدف إلى عمان ولا أقول الدرر أو كمن يحمل الغرض من علوم الشرق إلى أهل دمشق ولا أقول الجوهر. مصر والشام توأمان ربطتهما الطبيعة والأخلاق قبل الإسلام وبعد الإسلام بعروة وثقى ليس لها انفصام فلا عجب إذا كانت كل منهما تحن للأخرى وتشاركها بعاطفة الود والقربى فيما يحل بها من سعد ورخاء أو ما ينزل عليها من نحس وشقاء لهذا تروني يا أبناء الأكرمين لا أستغرب منكم هذا الحنين لرجل من أبناء النيل أتاحت له الأيام أن يحل بركابه في أرض الشآم وقد كان آلى على نفسه أن لا يضع قدماً في أرض سورية ولا في غيرها من أرجاء السلطنة لما لاقاه من صنوف الحيف حينما غرر بنفسه في أحد فصول الصيف فولى وجهه شطر قبة الإسلام منذ بضعة أعوام. أما الآن قد تفككت قيود الاستعباد ودالت دولة الاستبداد وزالت سلطة الفرد وقامت شورى الأمة على أساس ثابت كالجبال الرواسي وأعني به القانون الأساسي فأشرق نور الدستور على الجمهور فقد انفك عنه قسمه وصار في حل من العهد الذي أخذه على نفسه فلم يتمالك من الشخوص في أول فرصة إلى تلك الربوع التي خفقت عليها رايات الحرية في صدر الإسلام فمرحت تحت ظلالها ونالت بها أقصى آمالها ونثرت ثمراتها في الشرق ثم أرسلت فروع هذه الشجرة الزاكية النامية إلى ما وراء البر فصادفت خير مغرس في رياض الأندلس فإن الحرية الإسلامية أينعت لأول مرة في الفيحاء فتأرجحت بأريجها الأرجاء وأنبتت حضارة الإسلام في أرض جلق فازدهى بها المغرب كما اختال بها المشرق. امتازت دولة العرب القائمة في دمشق على عهد معاوية ومن تلقى صولجانه بنعمة الحرية التامة حتى كانت هذه البقعة المباركة عروس الدنيا وقرارة المجد وكهف الشرف وأشرق سناها على الدنيا من أدناها إلى أقصاها. غير أن الإنسان جبل على الاندفاع مع التيار وعدم الوقوف عند الحدود فلم تلبث هذه الحرية أن انقلبت إلى الإباحة فصار الناس فوضى وكان رؤوس الدولة أول من أسرف في الإساءة إلى الحرية فتابعتهم الأمة والناس على دين ملوكهم فانهار هذا الملك العظيم وغاضت عيون الحضارة في دمشق التي تزدان على الدهر بعيونها الفياضة. لذلك أناشدكم الله أن تتعهدوا الحرية التي عادت إلى ربوعكم في هذا العهد السعيد فتحافظوا عليها ولا تفرطوا في العناية بها حتى لا تعود إلى الذبول فكفاكم ما حاق بكم من الخمول بسبب الانحراف عن صراطها المستقيم وهذه نصيحة خالصة أنحضكم إياها يا وجوه العرب لئلا تضيع منكم الحرية بتجاوز الحدود الذي يجعلها إباحة فلا يلدغ المؤمن من جحر مرتين. وكفاكم موعظة ما قاله مروان آخر الأمويين حينما ضاع ملكه في الشام وفر إلى وادي النيل فالتجأ هو وأهله وشيعته إلى كنيسة في قرية بوصير من صعيد مصر فلحقه المسودة أي جنود بني العباس وشعارهم السواد وكانوا في نفر قليل جداً بحيث كان من أسهل الأمور على مروان ومن معه أن يبيدهم عن آخرهم لولا أن دولته كانت في أدبار ودولتهم في إقبال فلم يمهلوه حتى يطلع النهار فلجأُوا إلى شجر ونخل ثم ناوشوه القتال فخرج إليهم وهو يقول: كانت لله علينا حقوق فضيعناها ولم نقم بما يلزمنا فحلم عنا ثم انتقم منا. ثم فكر في كثرة جيوشه بالشام فقال: إذا انقضت المدة لم تنفع العدة. وذلك أنه كان عندما استفحل أمر بني العباس استعرض جيوشه بالرقة فمر به من العرب وحدهم ثمانون ألف فارس على ثمانين ألف فرس عربي. ثم احتزوا رأسه وأخرجوا أكبر بناته من الكنيسة وهي ترعد فقيل لها لا بأس عليك فقالت أي بأس أعظم من إخراجي حاسرة من حيث لم أر رجلاً قط. ثم أجلسوها ووضعوا الرأس في حجرها. فصرخت واضطربت. فقيل لهم ما حملكم على هذا. قالوا كفعلهم بيزيد بن علي حين قتلوه فإنهم جعلوا رأسه في حجر زينب بنت علي صاحبة المقام المشهور في القاهرة ثم أرسلوا الرأس إلى مدينتكم هذه فنصب على باب المسجد الأموي ثم بعثوا به إلى الكوفة فخر السفاح ساجداً لله وتصدق بعشرة آلاف دينار. هذا الذي قاله مروان شبيه بمقوله هرقل حينما جاء أهل الإسلام وأجلوا الأروام عن بلاد الشام. ركب البحر وهو ينظر إلى الشام ويقول الوداع يا سوريا يا سلام عليك يا سوريا. ويشبه أيضاً قول أم أبي عبد الله آخر سلاطين بني الأحمر بغرناطة حينما أجلاه الإسبنيول عن تلك البقعة الباقية للعرب في ديار الأندلس. فإنه بعد أن سلم البلاد إلى فرديلند وإيزبلا وخرج في حاشيته وأهل بيته. أعاد نظرات كلها حسرات وأرسل رائد الطرف بمزيد الأسف وهو يتلهف على الحمراء فتهاطلت دموعه على خديه فقالت له أمه: أبك مثل النساء ملكاً مضاعاً لم تحافظ عليه مثل الرجال إن الذكرى تنفع المؤمنين لذلك أردت أن أسرد عليكم هذا النبأ الذي كان فيه ضياع الملك من دمشق ونزولها عن درجتها السامية التي لم تعد لها إلى الآن لئلا يتجاوز الناس حدود الحرية وقد أشرقت عليهم وعلينا في هذا العهد النوراني المجيد فيقعوا في شر أعمالهم كما وقع الأولون والعاقل من إذا مرت به العبرة ازدجر أو قيلت له الموعظة ادكر. فلقد بلغ ملك بني أمية ما بين قرني الشمس ثم زال لأنهم أساؤا إلى الحرية التي نشروا أعلامها ورفعوا منارها حتى بلغت دولتهم من المجد أعلا ذراه فتقرب إليهم ملك الروم بإرسال مائة عامل من مهرة الصناع وأرسل إليه مائة ألف مثقال من الذهب الأحمر وبأربعين حملاً من الآلات حينما أراد الوليد تجديد الروضة الشريفة والزيادة فيها فبعث بهم إلى واليه عمر بن عبد العزيز فاستخدمهم وأنتم تعلمون ورع عمر بن عبد العزيز الذي لا يشبهه ورع مع ما تعلمون من شدة الخلف بين العرب والروم على امتلاك آسيا الصغرى التي كانت بين الفريقين حاجزاً حصيناً يرد العرب عن امتلاك فروق وهي كانت ولا تزال مطمح الأنظار. ومما يدل على بلوغ الحرية في دمشق نهاياتها دون أن تتجاوز حدودها أن معاوية كان يمد الأسمطة للعامة ويؤاكلهم وأن الوليد بن عبد الملك بنى في مدينتكم دار الضيافة العامة وهو أول من فعل ذلك في الإسلام وذلك للتحبب إلى الرعية بمخالطتها وتعرف أحوالها وكان الخلفاء يسائلونهم في العلم والسياسة بهذه الوسيلة وها هو التاريخ وها هي كتب الأدب تخبرنا بكثير من الإصلاحات التي حدثت بهذه الواسطة الشريفة التي كانت تربط الأمة بالخليفة وسرت من الأمويين إلى العباسيين فكان الرشيد يجالس الناس على المائدة فكانت حكومة المسلمين في الصدر الأول وفي أيام السلف الصالح أشبه بشيء بالحكومة الديموقراطية أي حكومة الأمة بالأمة كما هو الحاصل الآن في دولتنا العثمانية فلم يكن فيها من القاب الشرف ولا رتب ولا يكون التعظيم إلا بالكنية وهي من المفاخر التي استأثر بها العرب دون سائر الأمم إلى هذا الزمان فكانوا يقولون أبو فلان فإن لم يكن له ولد قيل أبو فلان باسم أبيه هكذا كان الناس في أيام بني أمية مهما بلغت درجاتهم وعلت مناصبهم كما هو الشأن الآن في بلاد الأميركان التي هي بلاد الحرية الحقيقية بأكمل معانيها فليس منهم إلا مستر فلان حتى رئيس الجمهورية فنازلاً من الوزراء إلى كل أرباب الوظائف إلى عامة الناس وكذلك الحال في بلاد سويسرة التي تتفجر منها ينابيع الحرية الصحيحة في أوربا فلا يمتاز فيها ولا في أميركا رجل بأي لقب اللهم إلا باللقب الذي يطابق رتبته في العسكرية فقط. فأما أول من تلقب من الخلفاء فهو عبد الله أبو جعفر وقد غلب لقبه حتى أنني لو اكتفيت بهذه الإشارة عنه لما عرف من هو إلا الأقلون وأما ما ذكرت لكم اللقب الذي اشتهر لعرفتموه لأنه أصبح له علماً في التاريخ وهو المنصور ثاني الخلائف من بني العباس ثم تغلغلت الدول الإسلامية في الألقاب فكثرت وتنوعت وتعددت حتى صرنا إلى ما ترونه الآن فصار الجوهر تغشاه أعراض براقة خلابة ضغطت عليه وطمست معالمه حتى كاد يضيع إن لم نقل ضاع فصرنا ولنا الألقاب نتهافت عليها ونتطلبها من سبيل الحرام أكثر مما نتطلبها من سبيل الحلال بل أصبحنا وعدم الالتقاب هو اللقب فيا حبذا الرجل منا الذي يشابه الحرف عند النحاة فيكون عدم العلامة له هو العلامة. أما وقد تنبهنا من رقدتنا وأخذنا بأسباب الرجوع إلى الحياة فقد أشار إلى محو الرتب وإلغائها كاتب مجيد في جريدة شوراي أمت التي تطبع بالتركية في عاصمة الإمبراطورية العثمانية فأستميحكم أن أقول كلمة في هذا الموضوع. فقد جاء الوقت الذي نجاهر فيه بضمائرنا وأميالنا ونقول الحق ونصدع به فقد كان هذا العاجز يقول لكثير من أصدقائه في مصر أنني والله أحب أن أتخلى عن هذا اللقب الذي نلته بجدي واجتهادي ولطالما جاهدت بالتأفف منه استنكافاً منه لأنني أراه فوق قدري ولكن استنكافاً لكثيرين ممن حازوه أو حازوا أعلا منه وهم إنما شروه بفضل الدراهم أو ببعض المساعي الممقوتة. كثيرون من أصدقائي وهم أحياء يرزقون يشهدون لي بأنني طالما تمنيت على الله أن يزول عني هذا اللقب لا بالتجريد فإنه مشين ولكن بالتسليم فإنه شريف بحيث أرجع إلى اسمي أحمد أفندي أو أحمد بن إبراهيم أو أبو إبراهيم أحمد زكي فأتكنى باسم والدي إذ قد جعلني الله في نعمة وافية من عدم الحصول على خلف لي ولكن الآن يجب أن نشير في محو الألقاب بطريقة معقولة مقبولة فلا نلغيها مرة واحدة من الحاصلين عليها لأنهم ربما لا يرضيهم ذلك وهم إن لم يعبروا عن عدم رضاهم جهراً فربما يكون فيهم كثيرون لا يرضون به سراً ونحن في عصر الحرية ينبغي أن نحترم إرادة كل إنسان وأن لا يقتات البعض على البعض ولو في الألقاب. وأحسن وسيلة هي أن لا نسلك في هذا الموضوع شططاً بل نسير فيه سيراً وسطاً وذلك في رأيي هو تخبير أصحاب الألقاب في التنازل عنها فمن رضي فيها ونعمت ولا ريب أن الأكثرين يرضون التجرد من هذه الألقاب التي قد ترهقهم عسراً أما الذين يريدون حفظها فأمرهم إليهم. ولكن الدولة تقرر أنها من الآن فصاعداً تلغي الرتب فلا ألقاب عندها منذ اليوم بحيث لا يأتي زمن طويل حتى تنقرض الألقاب ويبقى الناس كلهم أفندي أو سيد أو خواجه أو شيخ أو أبو فلان وتصبح الأمة كلها سواء تحت هلال الدستور لا يتميز بعضهم على بعض إلا بالعمل النافع للمجموع فتكون الأمة كلها راقية لأن كل فرد يتطلب النبوغ ويسعى إلى التفوق بكده وجده وحسبنا ذلك فخاراً. بهذه الوسيلة يزداد سواد أهل الفضل في هذه البلاد فيكون لأهل العلم والعمل دلال على أرباب الدولة كما كان لأمثالهم في أيام عز الإسلام فإن الخليل بن أحمد الذي ذكرته في صدر هذه المحاضرة كتب إليه سليمان بن علي الهاشمي يستدعيه لتعليم ولده بالنهار ومنادمته بالليل وبعث إليه بألف دينار ليستعين بها على حاله فأخرج للرسول زنبيلاً فيه كسر بالية وقال: إني ما دمت أجد هذه الكسر غني عنه وعن غيره ورد الألف دينار على الرسول وقال أقرأ على الأمين السلام وقل له أني قد ألفت قوماً وألفوني أجالسهم طول نهاري وبعض ليلي وقبيح بمثلي أن يقطع عادة عودها إخوانه وإني غنيّ عنه وعن غيره وكتب إليه بهذه الأبيات: أبلغ سليمان أني عنه في سعة وفي غنى غير أني لست ذا مال وأن بين الغنى والفقر منزلةً معروفة بجديد ليس بالبال سما بنفسي أني لا أرى أحداً يموت هزلاً ولا يبقى على حال والفقر بالنفس لا بالمال تعرفه ومثل ذاك الغنى في النفس لا المال والرزق عن قدر لا العجز ينقصه ولا يزيدك فيه حول محتال والخليل هذا كان يقسم الأيام إلى ثلاثة: معهود ومشهود وموعود وكان دائماً يتمثل بقوله: يكفيك من دهرك هذا القوت ما أكثر القوت لمن يموت ولم ينفرد الخليل بهذه المزية الفاخرة في التكبر والدلال على أهل الدولة وأرباب المال فأمثاله كثيرون أذكر منهم من يحضرني ذكره في هذا المقام فمنهم حماد بن أبي سلمة دخل عليه مقاتل بن صالح الخراساني فإذا ليس في البيت إلا حصير وهو جالس عليه وبيده مصحف يقرأُ فيه وبجانبه حراز فيه علمه ومطهرة يتوضأُ فيها. قال مقاتل فبينا أنا عنده جالساً دق داق الباب فقال: يا صبية اخرجي فانظري من هذا قالت: رسول محمد بن سليمان قال قولي له يدخل وحده فدخل فناوله كتاباً فيه: بسم الله الرحمن الرحيم من محمد بن سليمان إلى حماد بن أبي سلمة أما بعد فصبحك الله بما صبح به أولياءه وأهل طاعته وقعت مسألة فإنا نسألك عنها والسلام. فقال يا صبية: هلمي بالدواة. ثم قال لي اقلب الكتاب واكتب: أما بعد وأنت صبحك الله بما صبح أولياءه وأهل طاعته. إنا أدركنا العلماء وهم لا يأتون أحداً فإن كانت وقعت مسألة فأتنا وسلنا عما بدا لك وإن أتيتني فلا تأتني إلا وحدك ولا تأتني بخيلك ورجلك فلا أنصحك ولا أنصح نفسي والسلام. فبينا أنا عنده إذ دق داق الباب فقال: يا صبية اخرجي انظري من هذا قالت: محمد بن سليمان قال: قولي له ليدخل وحده فدخل فسلم ثم جلس بين يديه. فقال مالي إذ نظرت إليك امتلأت رهباً قال: سمعت عن ثابت الغسائي عن مالك أن رسول الله قال: أن العالم إذا أراد وجه الله هابه كل شيء فإذا أراد أن يكنز الكنوز هاب كل شيءٍ. فقال أربعون ألف درهم تأخذها تستعين بها على ما أنت عليه قال ارددها على من ظلمته قال: والله ما أعطيك إلا ماورثته قال: لا حاجة لي فيها ازوها عني زوى الله عنك أوزارك قال فتقسمها قال فلعلي أن عدلت أن يقول بعض من لم يرزق منها لم يعدل ازوها عني وزى الله عنك أوزارك. هذه السنة الصالحة انتشرت بين علماء المشرق فارتقت بهم الأمة وكان لها شأن كبير لأنهم كانوا يطلبون العلم للعلم وقد انتشرت هذه السنة الحميدة في عامة أمصار الشرق وشاعت أيضاً في بلاد الأندلس حتى في أيام تقهقرها. فقد ألف أحد العلماء الأندلسيين كتاباً في اللغة فبلغ ذلك مجاهداً العامري صاحب الجزائر جزائر ميورقة ومنورقة المعروفة الآن بجزائر الباليار فوجه للعالم بألف دينار وبكسوة وخلعة وتحف كثيرة وطلب منه أن يتكرم بوضع اسمه في صدر الكتاب وأنه ألفه برسمه. فرد المال وهو في حاجة إلى أقله وقال: كتاب صنفته لله ولنفع الناس لا أفرده لواحد منهم. ويقرب من هذا مالك من دينار فإنه ترفع عن الملوك ونصح اللصوص. دخل اللصوص داره فلم يجدوا شيئاً يسرقونه. ولما هموا بالخروج قال لهم ماذا عليكم لو صليتم ركعتين فتابوا وأنابوا وقد كان لهذه السجية في مصر شأن كبير فلا أحدثكم إلا بحادثة واحدة من هذا القبيل. فأنتم تعلمون من هو شيخ الإسلام زكريا الأنصاري فقد كان أهل الدولة يتسابقون إليه ويقبلون عليه وهو عنهم معرض أيما إعراض. مع أنه كان يقتات بقشور البطيخ الملقاة في الطريق ولا يكفيه النهار للدوس وليس لديه شيءٌ من الدنيا يقتني به مصباحاً لنفسه فكان يأخذ الكراريس ويدرس على ضوءِ القناديل المعلقة على أبواب البيوت. وأمثال شيخ الإسلام كثيرون في مصر وغير مصر يطول بذكرهم المقام وربما كان في إيرادها ما يدعو إلى الملل والسآم غير أني أستميحكم الآن في ذكر نادرتين وأقول نادرتين لأنه بعد ذلك السلف قد خلف من بعدهم خلف فصار شمم العلماء وترفعهم بعلمهم في هذا الزمان الأخير كالكبريت الأحمر بل هو أندر. فالأولى تقضي عليّ صلة الرحم أن أغتنم هذه الفرصة لإذاعتها ولست أخشى تكذيباً لها لأن الذين رأوها أو علموا بها علم اليقين لا يزالون أحياء يرزقون وهم في مصر كثيرون. وذلك أن جدي لأمي الشيخ ابراهيم سويدان حضر إليه برشيد والي مصر عباس الأول وقد انتهى إليه عمله وصلاحه وزهده وانعطافه على المساكين فأعطاه مالاً كثيراً فلم يرضَ فألح عليه وقال له أهل البطانة خذ هذا المال فإنه حلال وهو يساعدك على نفع المساكين فامتثل بشرط أن يضع الأمير المال في كمه فرضي الوالي وأخذ جدي المال فطاف به في الأسواق يفرقه بواسطة غلامه على هذا وذاك حتى فرغ المال كله ثم ذهب إلى النيل فغسل هذا الكم الذي لامسته دراهم الوالي. وأما الثانية فهي معلومة لكم جميعاً وهي واقعة بينكم هنا وبيننا في مصر. ذلك أستاذ الشام على الإطلاق العلامة الشيخ طاهر الجزائري فهو يضم بين طمريه العلم الجم والخلق الأشم. أنا لا أدري كيف يعيش هذا الرجل في بلد مثل مصر قد اشتد فيه الغلاء حتى شكا منه الأغنياء وقد بذلت ما في وسعي كما يعلم الأستاذ كرد علي صاحب المقتبس وأمام المقتبسين ورب هذا البيت الكريم في أن يناله شيءٌ من الأوقاف الخيرية على أن يكتب عريضة لذوي الحل والعقد وقد تلطفت معه كثيراً بواسطة رب هذه الدار فلم يرض إلى الآن. فماذا أقول عن هذه البقية الصالحة. لا أقول سوى كلمة واحدة تخرج من صميم الفؤاد بحب وإخلاص فليعش الشيخ طاهر الجزائري هذه الحرية وهذا الشمم هما جرثومة من ذلك الماضي المجيد وقد صادفت في عصر الدستور المنير أرضاً خصيبة فلعلها تتأصل في نفوسنا ونفوس الناشئين ليكون لقومنا ما كان للأسلاف من العز الذي ضرب رواقه في المشرقين وفي المغربين. هذه الحرية هي التي جعلت الأخلاف من بني أمية يحتملون الكلم الشديد والقول المر من العلويين ومن سائر الناس. لو فرضنا أن احتمالهم للعلويين كان من قبيل المداراة ومن باب المحافظة على الملك فماذا نقول عما سجله التاريخ من معاملتهم للعامة. أفليس أبو صخر الشاعر الخزاعي المشهور بكثير عزه هو الذي كان يجاهر بالتشيع لعلي وبنيه وقد كانوا يسبونه على المنابر بأمر الخلفاء الأمويين. أفليس هو الذي قام في يوم من الأيام فصعد المنبر في بيت الله الحرام وأخذ بأستار الكعبة وقال: لعن الله من يسب علياً وبنيه من سوقة وإمام أيسب المطهرون أصولاً والكرام الأخوال والأعمام يأمن الطير والحمام ولا يأ من آل الرسول عند المقام فأنزلوه من المنبر وأثخنوه ضرباً بالنعال وغيرها فقال: إن امرأً كانت مساوئه حب النبي لغير ذي عتب وبني أبي حسن ووالدهم من طاب في الأرحام والصلب أترون ذنباً أن أحبهم بل حبهم كفارة الذنب ومع أنه سب الإمام جهاراً وفي الكعبة وضربه القوم خوفاً من الخلافة فقد دعاه عبد الملك ليستوزره ثم ازدراه لدمامته وقال تسمع بالمعيدي خير من أن تراه فقال كثير: مهلاً يا أمير المؤمنين فإنما الرجل بأصغريه قلبه ولسانه فإن نطق نطق ببيان وإن قاتل قاتل بجنان ثم أنشد: وجربت الأمور وجربتني فقد أبدت عريكتي الأمور وما تخفى الرجال عليّ إني بهم لأخو مثابته خبير ترى الرجل النحيف فتزدريه وفي أثوابه أسد مزير ويعجبك الطرير فتبتليه فيخلف ظنك الرجل الطرير وما عظم الرجال لهم بزين ولكن زينها كرم وخير بغاث الطير أكثرها فراخاً وأم الصقر مقلاة نزور لقد عظم البعير بغير لب فلم يستغن بالعظم البعير فيركب ثم يضرب بالهراوى فلا عرف لديه ولا نكير فناشده عبد الملك الأشعار في الإخوان ثم قال: إن كنا أسأنا اللقاء فلسنا نسيء الثواء. حاجتك. قال: زوجتي عزة فأراد أهلها على ذلك فقالوا: هي بالغ وأحق بنفسها فقيل لها فقالت: أبعد ما شبب بي وشهرني في العرب ما لي إلى ذلك سبيل ولعلها أحسنت في التنصل والاعتذار وتلطف فلم تذكر أن سبب امتناعها هو دمامة خلقه. وبقي كثير مع تشيعه للطالبين مرعي المقام نافذ الكلمة على خلفاء بني أمية مع أنه سبهم ولعنهم في البيت الحرام فإن يزيد بن عبد الملك حينما جاؤا إليه بأسارى بني المهلب أمر بضرب أعناقهم وكان من حسن حظهم أن الأمر صدر بحضرة كثير فقام وأنشأ يقول: فعفواً أمير المؤمنين وحسبة فما تحتسب من صالح لك يكتب أساؤا فإن تعفوا فإنك قادر وأفضل حلم حسبة حلم مغضب هذه الحرية التي اشتهرت بها الدولة الأموية في دمشق هي التي جعلت الناس أحراراً في أعمالهم وفي اعتقاداتهم فقد كان كثير هذا يقول بالرجعة على مذهب الهنود ويخالف الملة الإسلامية كلها في ذلك كما كان يخالف سنة الدولة ويتشيع لعلي ولكن الخلفاء عرفوا فضل الحرية فتركوا الناس يعتقدون كما يشاؤون ويكتفون منهم بتوحيد الكلمة من جهة السياسة. إنني أيها السادة أرى الدين لم يخلق إلا ليقرب المخلوق من الخالق فلا يمكن ولا يجوز أن يكون الدين سبباً في ابتعاد المخلوق من المخلوق فالدين لله وللأمة الوطن فعلينا أن نتمسك بعروة الوطن ليعود لأمتنا فخارها السابق وتكون لنا منزلة سامية بين الخلائق. وقد بدت علينا علائم هذه النعمة المباركة فالواجب يقضي بتعهدها وإنمائها ليكون المسلم والمسيحي والإسرائيلي أخوة في الوطن فإنهم أخوة في الإنسانية أبوهم آدم والأم حواء أفنكون في هذا العصر الزاهر أقل احتمالاً وتسامحاً من أجدادنا الكرام في صدر الإسلام فقد وسعت صدورهم أهل الملل والنحل ووضعوا أيديهم في أيدي بعضهم بعضاً فكان منهم سور منيع لحفظ الدولة ورفع راية الوطن. هذا صدر الدولة العربية قد وسع كثيراً من أمثال كثير وقد كان يقول بالتناسخ والرجعة ومع تشيعه كان يخالف جمهور أهل الشيعة فكان مخالفاً لأهل السنة ولأهل الشيعة ومع ذلك كان له في الدولة العربية ذلك المقام الكريم. كان يقول بإمامة محمد بن الحنيفة وأنه أحق من الحسن ومن الحسين ومن سائر الناس وأنه حي مقيم بجبل رضوى لا يموت. وكان يقول عن نفسه أنه يونس بن متى بمعنى أن روح هذا الذي التقمه النون نسخت فيه فصار هو هو. ولقد سأل يوماً ماذا تقول الناس عنه فقيل يقولون إنك الدجال فقال إني لأجد في عينيّ ضعفاًَ منذ أيام إشارة إلى أن الدجال أعور كما يقال وحينما حضرته الوفاة كان يقول لا تبكوا عليّ لأني بعد أربعين يوماً أرجع إليكم. كل هذه الأقاويل لم تمنع الناس عن القول حينما مات هو وعكرمة في يوم واحد بعد الظهر: لقد مات أفقه الناس وأشعر الناس. لم يكن كثير وحيداً في القول بالرجعة والتمتع بالحرية في الرأي فقد تمسك بمذهبه بعده كثيرون منهم السيد الحميري الشاعر المجيد وهو أبو هاشم اسمعيل بن محمد بن يزيد بن ربيعة كان يقول أيضاً بإمامة محمد بن الحنيفة وأنه لم يمت بل هو مقيم بجبل رضوى وقال في ذلك: إلا قل للوصي فدتك نفسي أطلت بذلك الجبل المقاما أضر بمعشر والوك منا وسموك الخليفة والإماما فعادوا فيك أهل الأرض طرا مقامك فيهم ستين عاما وما ذاق ابن خولة طعم موت ولا ذاقت له أرض عظاما لقد أمسى بمورق شعب رضوى تراجعه الملائكة الكراما هدانا الله إذ حزتم لأمر به ولديه نلتمس التماما تمام إمامة المهدي حتى يروا آياتنا تترى نظاما وكان الحميري يشرب الخمر جهاراً ويقول بالرجعة ليلاً ونهاراً. قال لرجل تعطيني ديناراً بمائة دينار إلى الرجعة قال إن وثقت لي بمن يضمن لي أنك ترجع إنساناً إنما أخشى أن ترجع كلباً أو خنزيراً فيذهب مالي. هذه الحرية في الفكر والاعتقاد كانت لذلك السيد الحميري في أيام الأمويين فلما دالت الدولة وتغيرت الأيام وانتقل الملك إلى بني العباس بقي الرجل على حريته في نحلته ولم يعارضه أحد من أهل الدولة الجديدة لأن الحرية كانت شعار الدولة العربية فإن انتقل السلطان من بيت إلى بيت فالحرية ثابتة الدعائم هنا وهناك والناس بفضلهم لا بمذهبهم ورأيهم. انظروا إلى السيد الحميري ودلاله على أهل الدولة الناشئة كما كان لأمثاله في الدولة البائدة ذلك لما استقام الأمر لأبي العباس السفاح خطب يوماً فأحسن في خطبته. فلما نزل عن المنبر قام إليه السيد الحميري فأنشد: دونكموها يا بني هاشم فجددوا من آيها الطامسا دونكموها فالبسوا تاجها لا تعدموا منكم لها لابسا دونكموها لأعلا كعب من أمسى عليكم ملكها نافسا خلافة الله وسلطانه وعنصراً كان لكم دارسا لو خير المنبر فرسانه ما اختار إلا منكم فارسا والملك لو شور في ساسة ما اختار إلا منكم سائسا فقال له السفاح: سل حاجتك فقال ترضى عن سليمان بن حبيب بن المهلب وتوليه الأهواز فكتب له منشوراً بالولاية ودفعه إليه فأخذه وقدم به على سليمان بالبصرة فلما وقعت عينه عليه أنشده: أتيناك يا قرم أهل العراق بخير كتاب من القائم أتيناك من عند خير الأنام وذاك ابن عم أبي القاسم أتينا بعهدك من عنده على من يليك من العالم يوليك فيه جسام الأمور فأنت صنيع بني هاشم فقال له سليمان شريف وشافع ووافد وشاعر ونسيب سل حاجتك فقال: سأحكم إذ حكمتني غير مسرف ولا مقصر يا ابن الكماة الأكارم في أبيات طلب بها جارية فارهة جميلة ومن يخدمها وبدرة ومن يحملها وفرساً رابعاً وسايسه وتختاً من صنوف الثياب وحامله قال قد أمرت لك بجميع ما سألت ولك عندي في كل سنة مثله. هذه هي الحرية التي جعلت هشاماً الخليفة الأموي يعطي الكميت وقد أنشده مائة ألف درهم وقد كان الكميت مجاهراً بحب العلويين وبذم الأمويين. هذه هي الحرية التي أشرقت اليوم شمسها على دولة آل عثمان وهي التي نرجو بها ارتفاع الدولة ومجد الوطن لا نفرق بين دين ودين ولا نعرف شيئاً آخر سوى أننا نستظل كلنا براية الهلال. فحذار حذار من التهاون بها أو الاستهتار في سبيلها حتى لا تعود تلك الأيام السود وما فيها من ظلم وظلام. إن الأمة العثمانية قد أثقلتها المظالم وأخنت عليها يد الاستبداد حتى كادت تقضي عليها ولكن العناية الربانية تداركتها بنفحة من نفحات الحرية فعادت إليها الروح ودب في جسمها الانتعاش فظهرت بهذا المظهر البديع الذي يعجب به من في الأرض ومن في السموات. فاحرصوا يا رعاكم الله على الحرية فإنها ملاك السعادة. إياكم ثم إياكم أن تنقلب هذه الحرية إباحة فتتدهور الأمة في هاوية ليس لها قرار. يقولون أن هذا الانقلاب سلمي لم تسفك فيه قطرة من الدماء. نعم ولكن المقامات التي أوصلت الأمة العثمانية إلى هذه الغاية المجيدة كانت محفوفة بالحبس والكبس. بالتشريد والتجريد. بالإحراق والإغراق. بالتيتيم والتلطيم. أفلم يكن في هذه الشناعات وفي تلك الدماء الزاكيات وفي ذلك الصراخ الذي بلغ عنان السماوات ما يكفي لشراء هذه الحرية الثمينة بأغلى الأثمان يا آل عثمان. وفي هذا المقام أتقدم إلى أهل الأدب منكم وكلكم أهل الأدب في تدوين تلك الحوادث التي هي أشبه بالخرافات لأنها لا تكاد تدخل في دائرة المعقولات دونوها ولكن بالصدق والإخلاص ليعرف المعاصرون لكم والناشئون بعدكم أنكم اشتريتم هذه الحرية بأغلى الأثمان ودونوا هذه النكت وتلك النوادر مع الأمانة والصدق حتى لا تنعكس النتيجة فكل شيء جاوز الحد انتهى إلى الضد. لا تكتفوا بروايتها فإن الذاكرة أصبحت في هذه العصور ضعيفة والمطالب كثيرة وإنما هو التدوين عرفنا به مفاخر الأولين وإن كان لم يصل إلينا منه إلا القليل. أصبحنا في عصر تشعبت فيه المعارف وكثرت أمامنا الحاجيات فلا مناص لنا من التدوين الذي يحفظ الحوادث للدهور الآتية والأجيال المستقبلة. نعم نحن في حاجة إلى تدوين كل شيء إذ قد صار من المستحيل علينا أن نضارع الحفاظ الذين اشتهرت بهم حضارة الإسلام. بل أين لنا ان نكون مثل عامر بن شراحيل أو ابن إدريس الشافعي أو ابن حزم الظاهري وأمثالهم ممن يعدون بالألوف هذا عامر بن شراحيل كان يقول: ما كتبت سوداء في بيضاء ولا حدثني رجل بحديث قط إلا حفظته وما أحببت أن يعيده عليّ. وما أدري شيئاً أقل من الشعر ولو شئت لأنشدتكم شهراً ولا أعيد ولقد نسيت من العلم ما لو حفظه رجل لكان عالماً. وهذا الشافعي يقول: علمي معي حيثما يممت ينفعني صدري وعاءُ له لا بطن صندوق إن كنت في البيت كان العلم فيه معي أو كنت في السوق كان العلم في السوق وهذا ابن حزم الظاهري الأندلسي أحرق القوم تواليفه فقال: فإن تحرقوا القرطاس لا تحرقوا الذي تضمنه القرطاس بل هو في صدري يسير معي حيث استقلت ركائبي وينزل أن أنزل ويدفن في قبري ومع ذلك فقد دون الناس من أجدادنا في كل فن وفي كل شيء حتى أننا بفضل القليل الذي خلص إلينا من مدونات الأقدمين عرفنا أموراً خصوصية لا يمكننا أن نبدي شيئاً مما يماثلها في عصرنا هذا فمثال ذلك أننا عرفنا أن السيدة سكينة المدفونة بمصر القاهرة كان مهرها ألف ألف درهم خمسين ألف ليرة فرنساوية تقريباً وعلمنا أنها ولدت الرباب فكانت تلبسها اللؤلؤ وتقول ما ألبسها إياه إلا لتفضحه. وكان مجلسها بالمدينة كعبة للأدباء والشعراء وأخبارها معهم أشهر من نار على علم وخصوصاً مع الفرزدق. هذا من الأمور الخصوصية الداخلية وأما الأمور العمومية فقد علمنا منها مثلاً أن الخليفة الأموي هشام كان إذا صلى الغداة بجامع دمشق فلول من يدخل عليه صاحب حرسه فيخبره بما حدث في الليل. ثم يدخل عليه موليان له مع كل واحد منهما مصحف فيقعد أحدهما عن يمينه والآخر عم شماله حتى يقرأ عليهما جزأه ثم يقومان فيدخل الحاجب فيقول فلان بالباب وفلان فيقول ائذن فلايزال الناس يدخلون عليه حتى إذا انتصف النهار وضع الطعام ورفعت الستور ودخل الناس وأصحاب الحوائج وكاتبه قاعد خلف ظهره فيقوم أصحاب الحوائج فيسألون حوائجهم فيقول لا ونعم والكاتب خلفه يوقع ما يقول حتى إذا فرغ من الطعام وانصرف الناس صار إلى قائلته فإذا صلى العصر دعا بكتابه فناظرهم فيما ورد من أمور الناس فإذا كانت العشاء الآخرة ثم اختلى بسماره من رجال العلم والأدب. واتفق أنه بعد أن صلى العشاء الآخرة وأقبل سماره كعادتهم جاءه الخبر بأن خاقان ملك الترك خرج بأرمينية فنهض في الحال وحلف لا يؤويه سقف حتى يفتح الله عليه. بمثل هذا التدوين عرفنا أيضاً كيف كان الخليفة العباسي يجلس للناس ويشتغل بأمور الدولة فقد كان المنصور العباسي مثلاً يشتغل صدر نهاره بالأمر والنهي والولايات وشحن الثغور والأطراف والنظر في الخراج والنفقات ومصالح الرعية فإذا صلى العشاء نظر فيما ورد عليه من كتب الثغور والأطراف وشاور سماره وكان ولاة البريد يكتبون إليه كل يوم بسعر القمح والحبوب والأدام وسائر المأكولات. ويحيطونه علماً بكل ما يقضي به القاضي في نواحيهم وبما يرد إلى بيت المال وعلى العموم بما يتجدد من الحوادث في دائرة إدارتهم. فينظر في كتبهم بعد صلاة المغرب فإن رأى تغيراً في الأسعار كتب إلى العامل يسأله عن العلة ومتى ورد الجواب تلطف حتى يعود سعر ذلك البلد إلى حاله. وإن شك في شيءٍ مما قضى به القاضي كتب إليه في ذلك فإن أنكر شيئاً كتب إليه يوبخه ويلومه فإذا مضى ثلث الليل قام إلى فراشه وانصرف سماره فإذا مضى الثلث الثاني قام من فراشه فتوضأ وتبوأ المحراب حتى يطلع الفجر فيعود إلى عمله في الأمس. ومشى العباسيون على هذه السنة حتى أن المعتصم عندما جلس مع سماره في أواخر الثلث الأول من الليل ومعه كأس يشربها قال أحد سماره: أنه سمع من رجل قادم من الثغور ثغور الروم أن في عمورية امرأة مسلمة في الأسر قالت وامعتصماه فختم على الكأس وقام من فوره وأخذ الجند حتى استولى على عمورية وخلص الأسيرة ثم شرب كأسه. ومثلهما المنصور بن أبي عامر في الأندلس فقد بلغه أن بأرض الجلالقة أسيراً يستنجد به فقام من مجلس سمره لا يلوي على شيء حتى فتح تلك الحصون وخلص الأسير. بهذه العناية من العلماء على طلب العلم ومن الرؤساء على حفظ بيضة الدولة كان للأمة الإسلامية مقام كبير حتى إذا ما تولاها التراخي فأهملت شؤونها سقطت إلى الحضيض. أما وقد رأيناها وهي تتأهب بفضل الدستور وفي ظل الهلال المنير لاسترجاع مجدها فقد وجب علينا أن نتعاون قلباً وقالباً على العمل فيما يرفع شأنها فبإعمال الإفراد يرتقي المجموع وترتفع منزلة الدولة. وكيف لا نصل إلى هذه الغاية من أيسر طريق وفي أقرب وقت وقد رجعت دولتنا إلى السنة القديمة المجيدة تلك السنة التي قامت بفضلها الدولة العربية في أبهى المظاهر وأبهر المناظر — تلك السنة يا سادتي هي سنة الشورى التي أمر الله بها المسلمين وقامت بها دولتهم فعنت لها المشارق والمغارب. فإن الدين الإسلامي يأمر بالشورى فإذا نظرنا إلى التاريخ نجد أن دولة الإسلام بعد أن ذهب صاحب هذا الدين إلى الرفيق الأعلى قد قامت بالشورى وبالمبايعة من الجماعة فقد اتفقوا كلهم على أبي بكر ثم تسلسلت الحوادث وصارت الخلافة ملكاً عضوضاً يتوارثها الأبناء أو الأعمام أو أبناء الأعمام في الشرق والغرب في دمشق وفي بغداد وفي القاهرة وقرطبة في المغرب الأقصى وفي القسطنطينية يتوارثونها بالبيعة ولكنها بيعة مزدوجة تكون أولاً من الخاصة الذين يتفقون على الخليفة ثم من العامة الذين يقرون على ما أقره الخاصة ولا نجد لذلك استثناء إلا في دمشق فإن عمر بن عبد العزيز بعد أن جاءته الخلافة عفواً تنازل عنها وقصة ذلك أن سليمان بن عبد الملك لما مرض كتب كتاب العهد لابنه أيوب ولم يكن بالغاً فرده عن ذلك رجاء ابن حياة فقال له ما ترى في ابني داود فقال له بقسطنطينية وأنت لا تدري أحي هو أم ميت فقال فمن قال رأيك يا أمير المؤمنين قال ما ترى في عمر فقال أعلمه والله صالحاً فاضلاً خيراً فقال إن وليته ولم أول أحداً من ولد عبد الملك لتكونن فتنة ولا يتركونه فكتب له وجعل من بعده يزيداً أخاه وختم الكتاب وأمر بجمع أهل بيته فقال لهم هذا عهدي فاسمعوا له وأطيعوا وبايعوا على من فيه فغفلوا. فجاء عمر بن عبد العزيز لرجاء بن حياة فقال يا رجاء قد كان لي عند سليمان حرمة وأنا أخشى أن يكون قد أسند إليّ من هذا الأمر شيئاً فإن كان فأعلمني أستعف فقال رجاء والله لا أخبرك بحرف واحد فمضى. ثم جاءه هشام فقال لي حرمة وعندي شكر فأعلمني فقال لا والله لا أخبرك بحرف فانصرف هشام وهو يضرب بيد على يد ويقول: فإلى من. ثم جددت البيعة ومات سليمان. فقرأ رجاء بن حياة الكتاب فلما ذكر عمر بن عبد العزيز قال هشام والله لا نبايعه. فقال له رجاء والله إذن اشرب عنقك. قم فبايع. فقام يجرر رجليه ويسترجع إذ خرج عنه هذا الأمر وعمر يسترجع إذ وقع فيه. ثم جيءَ بمراكب سليمان بن عبد الملك مراكب الخلافة فقال عمر قربوا إليّ بغلتي ثم خطب فقال: أيها الناس قد ابتليت بهذا الأمر من غير رأي كان مني ولا مشورة وإني قد خلعت ما في أعناقكم من بيعتي فاختاروا لأنفسكم فصاح الناس صيحة واحدة قد اخترناك يا أمير المؤمنين تلي أمرنا باليمين والبركة. فقال أوصيكم بتقوى الله خلف من كل شيء ليس من تقوى الله خلف وبعد أن أتم خطبته نزل فدخل داره فأمر بالستور فهتكت وبالثياب التي كانت قسطاً للخلفاء فحملت وأمر ببيعها وإدخال ثمنها في بيت المال. ولما بلغ الخوارج سيرته وما رد من المظالم قالوا ما ينبغي لنا أن نقاتل هذا الرجل. وقد حدثنا التاريخ بأن عمر بن عبد العزيز اشترى ملطية من الروم بمائة ألف أسير فأرضاهم وجعل لدولته سداً منيعاً دونهم فكانت أيامه كلهاً سلاماً في سلام فانظروا إلى ما جرى في هذه الأيام فقد قامت النمسا بالتهام البوسنة والهرسك غنيمة باردة وبغير ثمن فهل عندها مائة ألف أسير أو أسير واحد فقط. ولعمري ما كان أغناها عن الدخول في هذه الورطة التي أوقعت نفسها فيها بلا طائل ولا فائدة معجلة أو مؤجلة ظاهرة أو باطنة لأنها تحتل هاتين الولايتين بمقتضى معاهدة برلين فأي فائدة لها في هذا التملك الذي لا يرضى به حر عاقل أو ذو ضمير حي ولذلك قابلتها الأمة العثمانية بحرب سلمية ولكنها كانت على النمسا شراً من امتشاق الحسام تلك هي المقاطعة التجارية التي نرى آثارها في طول البلاد وعرضها هذه المقاطعة ليست من مستحدثات هذا الزمان فإن أول من سنها هو نبي الإسلام عليه السلام. فقد غضب على رجل من أهل المدينة فأمر الناس بمجافاته فما كان أحد يتعامل معه على الإطلاق ولا كان أحد يقرؤه السلام حتى تاب واهتدى فعسى أن تكون النتيجة في هذه الأيام الأخيرة مثل ما كانت في تلك الأيام الأولى. وليست المقاطعة هي السنة الشريفة الوحيدة التي أحياها بنو عثمان في هذا الزمان. فإننا إذ تصفحنا التاريخ وجدنا أن الدول تقوم على ربوات من الجثث والهامات وإذا اقتصرنا على ذكر الإسلام نرى أن دولة الأمويين قامت بالسيف والنار فحروب صفين وغيرها معلومة للخاص والعام وكل الناس يعلمون أن الحجاج قتل ١٢٠ ألف نفس في توطيد دعائم الدولة المروانية. كذلك دولة العباسيين قامت على قتل الأمويين وقد سفك أبو مسلم الخراساني دم ٦٠ ألف إنسان. وكذلك دولة الأمويين في الأندلس قامت على أطلال الحرب وأشلاء القتلى. ومثل هذا وقع بمصر حينما دالت دولة الفاطميين فإن صلاح الدين رحمه الله وأكرم مثواه اضطر بحكم السياسة لارتكاب هذا الأمر ولكنه تلطف فلم يدع للوم سبيلاً وذلك أن حبس الفاطميين والفاطميات في قصر كبير ومنع الرجال عن النساء وصبر عليهم حتى قضوا نحبهم حتف أنفهم. وكذلك حدث في القاهرة حينما تبوأَ محمد علي سريرها فإنه أخذ في مداراة المماليك واكتساب ثقتهم فلما أعيته الحيل اضطر لإبادتهم في وقعة القلعة المشهورة. هذه الأمثال وقد ذكرت منها القليل تدلنا على صحة قولهم أن الملك عقيم وأن تأسيس الدول لا يقوم إلا على الدماء. حتى جاءت هذه الأيام فرأينا دولة الشورى قد قامت بسلام على سلام في سلام فعليها ألف تحية وسلام. لعمري إنها معجزة غريبة في بابها. نعم رأينا معجزة المعجزات فكيف لا نصدق بما رواه لنا التاريخ من المعجزات. بلاد الشام هي موطن المعجزات ففيها قام الأنبياء. بلاد العرب كانت لها أكبر معجزة بظهور أحمد. بلاد أوربا وأميركا جاءتنا بمعجزات العلوم والصناعات والفنون. بلاد اليابان في أقصى الشرق كانت لها في هذه الأيام نهضة تفوق المعجزات. فلم يبق إلا آل عثمان وكأنهم عجزوا عن المعجزات حتى أتونا بالأمس بمعجزة هي نهاية ما يصل إليه أهل الأرض فقيامهم بإقامة دولة الشورى هو معجزة المعجزات. لذلك حضرت إليكم لأهنئكم أيها السادات بمعجزة المعجزات. بأعجوبة الأعاجيب وإنني أرجو لدولتنا بقاء ليس له انتهاء والسلام عليكم ورحمة الله. القديم والحديث لم يأت على هذه الأمة دور مثل هذا اشتد فيه النزاع بين القديم والحديث وانهزم القديم بضعف القائمين وقوة أنصار الحديث. عنينا بذلك أرباب التقليد ممن يرون السعادة في الاكتفاء بما تعلموه من آبائهم وورثوه عن أجدادهم من العلوم والآداب ويعدون ما عداها ضرراً يجب البعد عنه ومحاربته بكل وسيلة كما عنينا أرباب التجديد الذين يزعمون أن الاكتفاء بعلوم أهل الحضارة الحديثة وحدها كافية في رفع شأننا. نشأت للأمة ناشئة بعد أن كثر احتكاكنا بأوربا في أواسط القرن الماضي عادت القديم معاداة خرجت فيها عن طور التعقل وذلك نكاية بما رأته من دعاة ذلك القديم وأكثرهم مثال الجمود والبلاهة وأنموذج الفساد وسوء التربية فقامت تزهد فيهم وفيما يدعون إليه تحمل عليهم حملاتها وتتحامل عليهم بحملاتها وكذلك كان شأن أنصار القديم مع دعاة الحديث يرمونهم بكل كبيرة ويسلبونهم كل فضيلة ويطعنون بعلومهم إلا قليلاً ويعدون النافع منها مما لا يضر ولا ينفع. لا خلاف في أن ملكة الدين والآداب ضعفت في البلاد الإسلامية لضعف حكوماتها والعامل الرئيسي في كل البلاد هو السياسة إذا ضعفت يتبعها كل شيء فجهل الحكام والملوك منذ نحو ألف سنة هو الذي رفع شأن المنافقين من العلماء الرسميين فصار العلم الديني يتعلمه المرء لا لينال السعادتين ويكون عضواً مهما في جسم المدينة الفاضلة بل ليخدم به أغراض أمراء السوء ويستولي على عقول العامة وتقبل يداه ويكرم بالباطل وهذا ما حدا بحجة الإسلام الغزالي وإضرابه في عصره وبعده أن ينحوا على فقهاء السوء أنحاءهم على أمراء السوء لأنهم يتعلمون علوم الفقه والفتيا ليتقربوا بها فقط من السلاطين ويجعلوا من الدين سلاحاً يقاتلون به من يناصبهم في شهواتهم وأهوائهم. ولقد فضل الغزالي في الإحياء وتهافت الفلاسفة من يتعلمون الطب على الفقهاء وقال أن من يقولون أن علوم الدنيا تنافي الدين يجني على الدين. شغلت الأمة زمناً بنفسها فضعفت ملكاتها وكانت الحروب الصليبية وغارات التاتار من العوامل المنهكة لقواها ثم قام ملوك الطوائف وفرقوا الشمل بعد اجتماعه إلى أن جاءت الدولة العثمانية وهي تاتارية لا تقيم للمدينة وزناً ولا تعرف لعلوم العمران لفظاً ولا معنى قوتها بجندها وعلمها في أرهاف حدها وعظمتها ببطشها ومجدا باكتساح البلاد وإخضاع النفوس لسطوتها فحاول محمد الفاتح أحد ملوكها أن يجعل من القسطنطينية دار علم كما هي دار ملك مجاراة لدولة الجراكسة في مصر والشام وأعظم لذلك الأعطيات والهبات وأنشأ المدارس وحبس الأوقاف ولكن ذلك لم يدم إلا بدوامه حتى إذا مضى لسبيله عادت الحكومة إلى زهدها في العلوم وقد صارت رسمية على عهد المفتي أبي السعود الذي سعى لجعل العلم وراثياً وصار ابن العالم يرث أباه ووظائفه ورواتبه وإن كان أجهل من قاضي جُبَّل. وعالم هذه حاله هو الجناية الكبرى على الدين والدنيا والبلاء العمم على البلاد. ومع أن الفرس والترك سواءٌ في العجمة فالفرس أقدر من الترك على تلقف اللغة العربية منذ القديم. والعربية لغة الدين لا يبرز في علومه من لم يتعلمها ولا يفهم الكتاب والسنة من لم يحكم بيانها. وما تراه من حال علماء فارس اليوم وإتقانهم العربية وارتقاء علومهم الشرعية وانحطاط العربية في بلاد الترك وضعف ملكة العلوم الدينية فيها لا يرجع إلا إلى أن ميل أبناء فارس إلى إحكام العربية قديم فيهم وأن الترك بأمرائهم المتبربرين جمدوا على فروع قليلة من الفقه والكلام وزهدوا فيما عداها فجنوا على البلاد جناية كبرى. ولما أرادت الدولة أن تنهض وتتشبه بأوربا وأخذت على عهد سليم الثالث تتعلم فنون الحرب والبحر والسياسة وما ينبغي لها من الطبيعة والرياضة والاجتماع أخذت روح التفلسف تسري إلى الأستانة ومنها سرت إلى الولايات ومصر فلم يعبأ أنصار القديم بما رأوه أولاً واحتقروا ذاك السيل الجارف الآتي عليهم من أوربا وارتأى بعضهم أن خير ما يقابل به المتزندقون أن يكفروا أو يحرموا أو يضربوا أو يحبسوا أو يهددوا بالقتل أو يقتلوا ولم يعدوا لذلك من العدد اللازمة لبث دعوتهم وحفظ ملكة الدين في القلوب لتسير مع علوم الدنيا كتفاً إلى كتف وجاءت أدوار أصبح الوزراء وولاة الأمر إلا قليلاً من الطائفة التي نزعت ربقة القديم فلم يبق عليها إلا اسمه بل كان بعض المتطرفين في انحلالهم يدعون سراً وجهراً إلى عدم التأدب بآداب الدين محتجين بما هو مائل للعيان من فساد القائمين عليه وانحطاط المنتسبين إليه. وها قد أصبحنا بعد هذا النزاع بين علوم الدين والدنيا والأمة شطرين شطر هو إلى البلاهة والغباوة وشطر إلى الحمق والنفرة وبعبارة أخرى نسينا القديم ولم نتعلم الجديد. ومن الغريب أن معظم المستنيرين بقبس العلوم الأوربية منا لا يرجعون إلى آداب دينهم ويميلون في الظاهر والباطن إلى أن يكون الدين فقط جامعة تجمع الأمة على مثال الجامعات السياسية والجنسية وإذا سألتهم عن الحلال والحرام وعما شرعته الأديان صعروا إليك خدودهم وقالوا لك أن الأمة تعيش بحديثها دون قديمها وأن ذاك القديم إن لم يضرنا الأخذ به فهو لا ينفعنا والعاقل لا يقبل إلا على ما ينفعه ويعلي قدره. تلك هي شنشنة أصحاب الحديث أو الملاحدة والزنادقة الطبيعيون كما يطلق عليهم المتدينون وهذه حالة هؤلاء مع أولئك وستكون الغلبة لأنصار الحديث إذا لم يقم خصومهم لهم شعثهم على صورة معقولة مقبولة وبين هذين الفريقين فريق ثالث اختار التوسط بينهما فلم ير طرح القديم كله ولا الأخذ بالحديث بجملته بل آثر أن يأخذ النافع من كل شيء ويضم شتاته وهذا الفريق المعتدل على قلته لا يقاومه العقلاء من أهل الفريقين الآخرين مقاومة فعلية وعامتها غير راضين عنهم بالطبع لأن أكثر الناس يحبون أن تكون معهم أو عليهم ولا وسط بين ذلك. ولقد كتب إلينا أحد علماء الشرقيات في برلين وهو ممن طافوا بلاد المشرق وسكنوا فيه زمناً وانقطعوا لدرس أحواله الاجتماعية وعلومه الإرثية كتاباً بالعربية فيه المقتبس وما يجب للمسلمين أن يقوموا به لقيام أمرهم بعد ذاك السبات الطويل قال: أما الرسائل التي هي لبها المجلة فرأيتها تدور أبداً على حث الناس على درس العلوم المدنية التي تركت في العالم الشرقي منذ نحو خمسمائة سنة واقتباس الآثار الإفرنجية الحديثة فيها وإحياء الأدبيات العربية وهذا مطابق بحسب اختياري للطريقة الصحيحة لسعادة الأمم إذ لا فائدة من تقليد الأجانب وحده ولا فائدة من التناغي فقط بالآثار الشعبية الوطنية وحده بل الخير كل الخير في الأخذ من هنا وهناك وتعميم الدرس والبحث مع إضرام تلك الشعلة العظيمة التي هي ذات نور وذات حرارة وذات إنبات وأعني بها المبدأ الشعبي ولنا أن نسميه الشعوبية على شرط أن نجرده من الرائحة غير المقبولة. اجتهد الإسلام والنصرانية أن ينشأآ جمعية تقوم بالدين وحده ليكون أصل الشهادة بذلك الدين ظاهرين على الدين كله إلا أنهما فشلا. ولقد تنبأ بعض المسلمين بأن الجامعة الإسلامية التي ستكون في أواخر هذه السنة لن تأتي بما يرجوه أكثرهم من تقوية عروة الدين بل ستقوي الأحزاب الشعبية وربما يتسع الخرق بين الجماعات من جهة المذهب الديني. أما أنا فأقول أن تقوية روابط المسلمين مع من حولهم من غير المسلمين المبنية على وحدة التربية والأخلاق والعادات وعلى وحدة اللسان لا تخلو حقيقة من تقوية الدين نفسه لأن هذا الاجتماع من شأنه أن يدعو إلى نمو عامة القوى فيزيد من له ميل إلى الحياة الدينية اعتقاداً وعملاً كما يزيد من له ميل إلى غير الدين قوة فيما اختاره وعلى هذا فمن مصلحة كل دين أن يكون نصف منتحليه مجتهدين مخلصين من أن يكون الجميع فاترين غير مكترثين بشيء. هذا ما كتب لنا به العالم الغربي الشرقي منذ أشهر نشرناه ليطلع عليه أنصار القديم والحديث فيعلم الجامدون على مسطور القديم أن لا قيام لأمرنا بغير الأخذ من مدينة أوربا ويدرك أنصار الحديث بأن هذه المدنية الجديدة التي بهرتهم بزخارفها وسفاسفها لا تنفعهم وتنفع بني قومهم إلا إذا رافقها ما يجملها من علوم الأسلاف وآدابهم والأمة التي تنزع ربقة قديمها جملة واحدة وتنتقل إلى طور آخر دفعة قد ينعكس عليها الأمر ويلتوي عليها القصد ولم تنجح اليابان إلا لكونها اقتبست المدنية الغربية ومزجتها بأجزاء مدنيتها وهذا سر قول العالم المشار إليه لا فائدة من تقليد الأجانب وحده ولا فائدة من التناغي فقط بالآثار الشعبية أي ما ورثناه عن أجدادنا من التشبث بأهداب الوطنية وذكر القديم والحرص عليه. ولنا في الغرب دولتان كبريان هما مثال في اقتباس الجديد والحرص على القديم. فقد شهدنا ألمانيا إلى اليوم تجري في مدارسها وكلياتها على آداب النصرانية المنقحة فلا توسد التدريس فيها إلا لرجل عرفت ترجمته وحياته مخافة أن يفسد عليها تربية أبنائها فتكون مدنية دينية أما فرنسا فناهضت الدين منذ زهاء مئة سنة وزادت مناهضتها له في السنين الأخيرة حتى نزعت لفظ الجلالة من المعاهد العامة وأخذت تضيق الخناق على أهل التدين من حملة العلم والأقلام حتى صار المتدين سراً يتجاهر بالانحلال جهراً ليأمن على معاشه ورزقه وسموا هذا حرية ولكن الله يحصي على الأمم ذنوبها كما لا يغفل عن الأفراد وها قد أخذت المدنية الإفرنسية التي بهرت العيون في الزمن الماضي ترجع القهقهرى وعلماء الأخلاق فيها يبكون دماً على انبتات شملهم وتراجع عمرانهم حتى روى بعض الإحصائيين أن عدد الفرنسيس سينزل في أواخر القرن العشرين إلى ثلاثة ملايين لأن المواليد أخذت تنقص عن الوفيات أما في ألمانيا فبفضل التربية الدينية والحرص على الأخلاق قبل الحرص على تلقين العلوم فإن النفوس تتزايد سنة عن سنة بحيث خيف من تكاثر نسلهم على البلاد المجاورة لهم مع ما هم عليه من المدنية الصحيحة والعلم بالصناعات والفنون ولا غرو فإن من خلق الألماني أن يترك من القديم كل ما ينفع منه أما الفرنسوي فيجرف منه النافع مع الضار وشتان بين الخلقين والمدنيتين وها هي النتيجة قد ظهرت للعيان مذ الآن. وبعد فإن كل عاقل عرف تاريخ هذه الأمة يرى الخير كل الخير في احتفاظها بقديمها وضم كل ما ينفع من هذا الجديد على أن يكون للدين والعلم حريتهما فتكون المعتقدات بمأمن من طعن الطاعنين بها كما تجري المدنية على الشوط الذي تستنسبه وإذا رأى بعضهم في بعض المعتقدات ما لا ينطبق على روح الحضارة والعلوم العصرية فالأولى أن يطبقوا العقل على النقل كما هو رأي كبار علماء الإسلام منذ القديم. وإذا عجزت عقولهم عن ذلك فالأجدر بهم أن يأخذوا بعض القضايا بالتسليم ويتركوا العالم حراً يسير وجده دون أن يعوقه عائق وما نخال وكل عاقل إلا ويعتقد أن صحيح النقل لا يخالف صريح العقل والله أعلم. التربية والأمهات هي الأخلاق تنبت كالنبات إذا سقيت بماء المكرمات تقوم إذا تعهدها المربي على ساق الفضيلة ثمرات وتسمو للمكارم باتساق كما اتسقت أنابيب القناة وتنعش من صميم المجد روحا بأزهار لها متضوعات ولم أر للخلائق من محل يهذبها كحضن الأمهات فحضن الأم مدرسة تسامت بتربية البنين أو البنات وأخلاق الوليد تقاس حسناً بأخلاق النساء الوالدات وليس ربيب عالية المزايا كمثل ربيب سافلة الصفات وليس النبت ينبت في جنان كمثل النبت ينبت في الفلاة فيا صدر الفتاة رحبت صدراً فأنت مقرّ أسنى العاطفات تراك إذا ضممت السفل لوحاً يفوق جميع ألواح الحياة إذا استند الوليد عليك لاحت تصاوير الحنان مصورات لأخلاق الصبي بل انعكاس كما انعكس الخيال على المرآة وما ضربان قلبك غير درس لتلقين الخصال الفاضلات فأول درس تهذيب السجايا يكون عليك يا صدر الفتاة فكيف نظن بالأبناء خيراً إذا نشأوا بحضن الجاهلات وهل يرجى لأطفال كمالٌ إذا ارتضعوا ثدي الناقصات فما للأمهات جهلن حتى أتين بكل طياش الحصاة حنون على الرضيع بغير علم فضاع حنوّ تلك المرضعات أأم المؤمنين إليك نشكو مصيبتنا بجهل المؤمنات فتلك مصيبة يا أم منها نكاد نغص بالماء الفرات تخذنا بعدك العادات ديناً فأشقى المسلمون المسلمات فقد سلكوا بهن سبيل خسرٍ وصدورهن عن سبل الحياة بحيث لزمن قعر البيت حتى نزلن به بمنزلة الأداة وعدّ وهن أضعف من ذباب بلا جنح وأهون من شذاة وقالوا شرعة الإسلام تقضي بتفضيل الذين على اللواتي وقالوا إن معنى العلم شيء تضيق به صدور الغانيات وقالوا الجاهلات أعف نفساً عن الفحشا من المتعلمات لقد كذبوا على الإسلام كذباً تزول الشم منه مزلزلات أليس العلم في الإسلام فرضاً على أبنائه وعلى البنات وكانت أمنا في العلم بحراً تحل لسائليها المشكلات وعلمها النبي أجل علم فكانت من أجل العالمات لذا قال ارجعوا أبداً إليها بثلثي دينكم ذي البينات وكان العلم تلقيناً فأمسى يحصل بانتياب المدرسات وبالتقرير من كتب ضخام وبالقلم الممد من الدواة ألم نر في الحسان الغيد قبلا أوانس كاتبات شاعرات وقد كانت نساء القوم قدماً يرحن إلى الحروب مع الغزات يكنّ لهم على الأعداء عوناً ويضمدن الجروح الداميات وكم منهن من أُسرت وذاقت عذاب الهون في أسر العداة فماذا اليوم ضر لو التفتنا إلى أسلافنا بعض التفات فهم ساروا بنهج هدىً وسرنا بمنهاج التفرق والشتات نرى جهل الفتاة لها عفافاً كأنّ الجهل حصن للفتاة ونحتقر الحلائل لا لجرم فنؤذيهن أنواع الأذاة ونلزمهن قعر البيت قهراً ونحسبهن فيه من الهنات لئن وأدوا البنات فقد قبرنا جميع نسائنا قبل الممات حجبناهن عن طلب المعالي فعشن بجهلهن مهتكات ولو عدمت طباع القوم بؤماً لما غدت النساء محجبات وتهذيب الرجال أجل شرط لجعل نسائهم متهذبات وما ضر العفيفة كشف وجه بدا بين الأعفاء الأباة فدى لخلائق الأعراب نفسي وإن وصفوا لدينا بالجفاة فكم بزرت بحيهم الغواني حواسر غير ما متربيات وكم خشف بمربعهم وظبي يمرّ مع الجداية والمهاة ولولا الجهل ثمّ لقلت مرحي لمن ألفوا البداوة في الفلاة الشعوبية يقوى تفاخر أهل كل عنصر بعنصرهم وأهل كل جنس بجنسهم كلما كانوا أقرب إلى الهمجية والعصبية الجاهلية. جاء الإسلام فكان من أعظم إصلاحه إسقاط دعوى الجنسيات والقضاء على التفاخر بالآباء والأجداد فساوى بين العربي والفارسي والأحمر والأصفر والأبيض والأسود وكانت قاعدته العامة لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى. والظاهر أن دعوى الشعوبية أي عدم الاعتداد بالعرب وتفضيل العجم عليهم دخلت بدخول أجيال كثيرة من الفرس والترك والنبط في خدمة الدولة الإسلامية فنشأت منها العداوات بين العرب أهل الدولة وبين العجم كما كانت تنشأ في هذه البلاد بين تركي وعربي كلما اشتد الأول في إرهاق الثاني. سألنا أستاذنا الشيخ طاهر الجزائري عن الشعوبية فكتب إلينا ما يأتي: أما الزمن الذي ظهرت فيه الشعوبية فلا يحضرني فيه شيء. والوقوف على أوائل الأشياء من أصعب المسائل وأدقها إلا أن الذي ظهر لي أن ذلك حدث بعيد عصر الخلفاء الراشدين لوجود الداعي إلى ذلك وهو التفاخر بالجنس الذي هو من عادات الجاهلية التي أتى الدين بإبطالها. ومن نظر لمنزلة سلمان الفارسي وصهيب الرومي وبلال الحبشي في أوائل الأمة زال عنه الشك في هذه المسألة ولا يدخل في هذا الأمر بحث المؤرخ عن خصائص الأجناس مما يقصد به الوقوف على الحقائق فإن هذا نوع آخر إلا أن من بحث عن أحوال الأمم ووفى النظر حقه تبين له أن العرب في الجملة لا تساميهم أمة البتة. وأظن أنه لا بد أن تؤلف بعد حين كتب في خصائص الأمم وكتب في خصائص البلاد كما أُلفت كتب في خصائص اللغات وتجعل من الفنون التي يعنى بها وتميز عن غيرها ولا نذكر بطريق العرض إلا أن فن خصائص الأمم تتيسر المشاغبة فيه والمغالطة أكثر من غيره إلا أن كل فن وضعت مقدماته ونقحت مسائله يبدو بسرعة عوار المغالط فيه. هذا وكما حدث بعد عصر الخلفاء أمر المفاضلة بين العرب والعجم حدث أمر المفاضلة بين العدنانية والقحطانية وهما الفريقان اللذان يجمعهما اسم العرب ونشأ بسبب ذلك من الفتن ما يعرفه المولع بالأخبار ولم يزل أثر ذلك باقياً في بعض الجهات إلى ما قبيل عصرنا وقد رأيت في بعض البلاد أناساً يقولون إلى الآن نحن قيسية وآخرين يقولون نحن يمانية. هذا ما قاله أستاذنا وفيه من كشف الغامض ما لم نظفر في كتاب. والشعوبي بالضم محتقر أمر العرب. قال ابن منظور وقد غلبت الشعوب بلفظ الجمع على جيل العجم حتى قيل لمحتقر أمر العرب شعوبي أضافوا إلى الجمع لغلبته على الجيل الواحد كقولهم أنصاري وهم الشعوبية وهم فرقة لا تفضل العرب على العجم ولا ترى لهم فضلاً على غيرهم وأما الذي في حديث مسروق أن رجلاً من الشعوب أسلم فكانت تؤخذ منه الجزية فأمر عمر أن لا تؤخذ منه قال ابن الأثير الشعوب ههنا العجم ووجهه أن الشعب ما تشعب من قبائل العرب أو العجم فخص بأحدهما ويجوز أن يكون جمع الشعوبي كقولهم اليهود والمجوس في جمع اليهودي والمجوسي. قال شارح المفصل في شرح قول الزمخشري الله أحمد على أن جعلني من علماء العربية وجبلني على الغضب للعرب وللعصبية وأبى لي أن أنفرد عن صميم أنصارهم وأمتاز وأنضوي إلى لفيف الشعوبية وأنحاز والشعوبية مصدر الشعوبي بضم الشين وهو الذي يصغر شأن العرب ولا يرى لهم على العجم فضلاً إذ الفضل بالتقوى وهو منسوب إلى قوله تعالى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم وقال ابن الحاجب في شرح المفصل أيضاًهو من مخطوطات المكتبة الظاهرية بدمشق والشعوبية بضم الشين قوم متعصبون على العرب مفضلون عليهم العجم وإن كان الشعوب جيل العجم إلا أنه غلبت النسبة إليه لهذا القبيل ويقال أن منهم معمر بن المثنى وله كتاب في مثالب العرب وقد أنشد بعض الشعوبية للصاحب بن عباد يمدحه: غنينا بالطبول عن الطلو وعن عنس عذافرة ذمول فلست بتارك إيوان كسرى لتوضح أو لحومل فالدخول وضب بالفلا ساع وذئب بها يعوي وليث وسط غيل إذا نحروا فذلك يوم عيد وإن ذبحوا ففي عرس جليل يسلان السيوف لرأس ضب هراشاً بالغداة وبالأصيل بأية رتبة قدمتموها على ذي الأصل والشرف الأصيل أما لو لم يكن للفرس إلا نجار صاحب العدل الجليل لكان لهم بذلك خير عز وجيلهم بذلك خير جيل أراك على شفا خطر مهول بما أودعت رأسك من فضول طلبت على مكارمنا دليلاً متى احتاج النهار إلى دليل السنا الضاربين جزي عليكم فإن الجزي أقعد بالذليل متى قرع المنابر فارسي متى عرف الأغر من الحجول متى علقت وأنت بها زعيم أكف الفرس أعراف الخيول فخرت بملء ما ضغينتك فخراً على قحطان والبيت الأصيل فخرت بأن مأكولاً ولبساً وذلك فخر ربات الحجول تفاخرهن في خد أسيل وضرع من مفارقة رسيل فقال الصاحب للشعوبي: كيف ترى فقال: لو سمعت ما صدقت ثم قال له: جائزتك جوازك إن وجدتك بعدها في مملكتي شربت عنقك. وفد النعمان بن المنذر على كسرى كتاب الف بالابي الحجاج يوسف بن محمد البلوي فوجد عنده وفود الروم والهند والصين فذكروا من ملوكهم وبلادهم فافتخر النعمان بالعرب وفضلهم على جميع الأمم لا يستثني فارساً ولا غيرهم فقال كسرى وأخذته عزة الملك يا نعمان لقد فكرت في أمر العرب وغيرهم من الأمم فرأيت الروم كذا ووصف من حالهم وجعل يثني عليهم ورأيت الهند التي لها كذا وكذا ثم قال مثل ذلك في الترك والخزر والصين متى ذكر قبيلة أثنى عليها ووصف ما يفتخرون به ثم قال ولم أر للعرب شيئاً من خصال الخير وجعل يصف شأنهم وهو يحقرهم ويصغرهم فقال النعمان: أصلح الله الملك وجعل يثني عليه ثم قال: إلا أن عندي جواباً في كل ما نطق به الملك في غير رد عليه ولا تكذيب له فإن آمنني من غضبه نطقت به قال كسرى فأنت آمن فقال النعمان أما أمتك أيها الملك فليست تنازع في الفضل لموضعها الذي هي به في عقولها وأحلامها وبسطة محلها وبحبوحة عزها وما أكرمها الله به من ولاية آبائك وولايتك وأما الأمم التي ذكرت فأي أمة تقرنها بالعرب إلا فضلتها قال كسرى: بماذا قال النعمان بعزها ومنعتها وحسن وجوهها ودينها وبأسها وسخائها وحكمة ألسنها وشدة عقولها وأنفتها ووفائها فأما عزها ومنعتها فإنها لم تزل مجاورة لآبائك الذين دوخوا البلاد ووطدوا الملك وقادوا الجنود لم يطمع فيهم طامع ولم ينلهم نائل حصونهم ظهور خيولهم مهادهم الأرض وسقفهم السماء وجنتهم السيوف وعدتهم الصبر إذ غيرها من الأمم إنما عزها الحجارة والطين وجزائر البحور. وأما حسن وجوهها وألوانها فقد تعرف فضلهم في ذلك على غيرهم من الهند المتحرقة والصين المحنتمة والترك المشوهة والروم المقشوة وأما أحسابها وأنسابها فليست أمة من الأمم إلا وقد جهلت آباءها وأصولها وكثيراً من أولها وآخرها حتى أن أحدهم يسأل عما وراء أبيه دنياً فلا ينسبه ولا يعرفه وليس أحد من العرب إلا يسمي آباءه أباً أباً حفظوا بذلك أحسابهم وضبطوا أنسابهم فلا يدخل رجل في غير قومه ولا ينتسب إلى غير نسبه ولا يدعي إلى غير أبيه وأما سخاؤها فإن أدناهم رجلاً الذي يكون عنده البكرة أو الناب عليها بلاغة في حمولته وشبعه وريه فيطرقه الطارق الذي يكتفي بالفلذة ويجتزي بالشربة فيعقرها له ويرضى أن يخرج له من دنياه كلها فيما يكسبه حسن الأحدوثة وطيب الثناء. وأما حكمة ألسنتها فإن الله أعطاهم في أشعارهم ورونق كلامهم وحسنه ووزنه وقوافيه مع معرفتهم بالإشارة وضرب الأمثال وإبلاغهم في الصفات ما ليس لشيءٍ من ألسنة الأجناس ثم خليهم أفضل الخيول ونساؤهم أعف النساء ولباسهم أفضل اللباس ومعادنهم الذهب والفضة والحجارة جبالهم الجزع ومطاياهم التي لا يبعد عن مثلها سفر ولا يقطع بمثلها بلد قفر. وأما دينها وشريعتها فإنهم متمسكون بها حتى يبلغ أحدهم من تمسكه بدينه أن لهم أشهراً حرماً وبلداً حراماً وبيتاً محجوباً ينسكون فيه مناسكهم ويذبحون ذبائحهم فيلقى الرجل قاتل أبيه أو أخيه وهو قادر على أخذ ثأره وإدراك دمه فيحجزه كرمه ويمنعه دينه عن تناوله بالأذى وأما وفاؤها فإن أحدهم يلحظ اللحظة ويومي الإيماء فهي اللب وعقد لا يحلها إلا خروج نفسه وإن أحدهم ليرفع عدداً من الأرض فيكون رهناً بدينه فلا يغلق رهنه ولا تخفر ذمته وإن أحدهم ليبلغه أن رجلاً استجار به وعسى أن يكون نائياً عن داره فيصاب فلا يرضى حتى تفنى تلك القبيلة التي أصابته أو تفنى قبيلته لما أخفر من جواره وأنها ليلجأ إليهم المجرم المحروب من غير معرفة ولا قرابة لتكون أنفسهم دون نفسه وأموالهم دون ماله وأما قولك أيها الملك أنهم يئدون أولادهم من الحاجة فإنما يفعله من يفعله منهم بالإناث أنفة من العار وغيرة من الأزواج وأما تحاربهم وأكل بعضهم بعضاً وتركهم الانقياد لرجل يسوسهم ويجمعهم فإنما يفعل ذلك من يفعله من الأمم إذا آنست من نفسها ضعفاً وتخوفت نهوض عدوها إليها بالزحف وإنه إنما يكون في المملكة العظيمة أهل بيت واحد يعرف فضلهم على سائرهم فيلقون إليهم أمورهم وينقادون إليهم بأزمتهم. فأما العرب فإن ذلك كثير فيهم حتى لقد حاولوا أن يكونوا ملوكاً أجمعين مع أنفتهم من أداء الخراج والوطء والعسف فعجب كسرى مما أجابه النعمان به وقال: إنك لأهل لموضعك من الرياسة في إقليمك ولما هو أفضل ثم كساه من كسوته وسرحه إلى موضعه من الحيرة فلما قدم النعمان الحيرة وفي نفسه ما فيها مما سمع من كسرى من تنقيص العرب وتهجين أمرهم بعث إلى أكثم بن صيفي وحاجب بن زرارة وجماعة من رؤوس العرب سماهم فلما قدموا عليه في الخورنق قال لهم: قد عرفتم حال هذه الأعاجم وقرب جوار العرب منهم وقد سمعت من كسرى مقالة أتخوف أن يكون لها غدر واقتص عليهم مقالة كسرى وما رد علبه فقالوا: وفقك الله أيها الملك ما أحسن ما رددت عليه وأبلغ ما حجته به فمرنا بأمرك وادعنا إلى ما شئت قال النعمان: إنما أنا رجل منكم وإنما ملكت وعززت بمكانكم وبما يتخوف من ناحيتكم وليس شيءٌ أحب إلي مما سدد الله به أمركم وأصلح به شأنكم والرأي أن تسيروا بجماعتكم أيها الرهط وتنطقوا بكتابي هذا إلى باب كسرى فإذا دخلتم عليه نطق كل واحد منكم بما حضره ليعلم أن العرب على غير ما ظن أو حدثته به نفسه ووصاهم بوصايا فذهبوا وقد ساق القصة صاحب العقد وأوردها أبو الحجاج يوسف بن محمد البلوي في كتاب ألف باء. ومن حجة العقد الفريد الجزء الثاني ص ٧٠ الشعوبية على العرب أن قالت أنا ذهبنا إلى العدل والتسوية وأن الناس كلهم من طينة واحدة وسلالة رجل واحد واحتججنا بقول النبي عليه الصلاة والسلام: المؤمنين أخوة لتكافأ دماؤهم ويسعى أدناهم وهم يد على من سواهم. وقوله في حجة الوداع وهي خطبته التي ودع فيها أمته وختم نبوته: أيها الناس إن الله أذهب عنكم نخوة الجاهلية وفخرها بالآباء كلكم لآدم وآدم من تراب ليس لعربي على عجمي فضلٌ إلا بالتقوى. وهذا القول من النبي عليه الصلاة والسلام موافق لقول الله تعالى إن أكرمكم عند الله أتقاكم فأبيتم إلا فخراً وقلتم لا تساوينا وإن تقدمتنا إلى الإسلام ثم صليت حتى تصير كالحني وصمت حتى تصير كأوتار ونحن نسامحكم ونجيبكم إلى الفخر بالآباء الذي نهاكم عنه نبيكم صلى الله عليه وسلم إذا أبيتم إلا خلافه وإنما نجيبكم إلى ذلك لاتباع حديثه وما أمر به صلى الله عليه وسلم فنرد عليكم حجتكم في المفاخرة ونقول: أخبرونا إن قالت لكم العجم هل تعدون الفخر كله أن يكون ملكاً أو نبوة فإن زعمتم أنه ملك قالت لكم: وإن لنا ملوك الأرض كلها من الفراعنة والنماردة والعمالقة والأكاسرة والقياصرة وهل ينبغي لأحد أن يكون له مثل ملك سليمان الذي سخرت له الأنس والجن والطير والريح وإنما هو رجل منا أم هل كان لأحد مثل ملك الإسكندر الذي ملك الأرض كلها وبلغ مطلع الشمس ومغربها وبنى ردماً من حديد ساوى به بين الصدفين وسجن وراءه خلقاً من الناس تربي على خلق الأرض كلها كثرة لقول الله عز وجل حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون فليس شيء أدل على كثرة عددهم من هذا أو ليس لأحد من ولد آدم مثل آثاره في الأرض ولو لم يكن له إلا منارة الإسكندرية التي أسسها في قعر البحر وجعل في رأسها مرآة يظهر البحر كله في زجاجتها وكيف ومنا ملوك الهند الذين كتب أحدهم إلى عمر بن عبد العزيز: من ملك الأملاك الذي هو ابن ألف ملك والذي تحته بنت ألف ملك والذي في مربطه ألف فيل والذي له نهران ينبتان العود والفوة والجوز والكافور والذي يوجد ريحه على اثني عشر ميلاً إلى ملك العرب الذي لا يشرك بالله شيئاً أما بعد فإني أردت أن تبعث إليّ رجلاً يعلمني الإسلام ويوفقني على حدوده والسلام. وإن زعمتم أنه لا يكون الفخر إلا بنبوة فإن منا الأنبياء والمرسلين قاطبة من لدن آدم ما خلا أربعة هوداً وصالحاً واسماعيل ومحمداً ومنا المصطفون من العالمين آدم ونوح وهما العنصران اللذان تفرع منهما البشر فنحن الأصل وأنتم الفرع وإنما أنتم غصن من أغصاننا فقولوا بعد هذا ما شئتم وادعوا. ولم تزل للأمم كلها من الأعاجم فيكل شق من الأرض ملوك تجمعها ومدائن تضمها وأحكام تدين بها وفلسفة تنتجها وبدائع تفتقها في الأدوات والصناعات مثل صنعة الديباج وهي أبدع صنعة ولعب الشطرنج وهي أشرف لعبة ورمانة القبان التي يوزن بها رطل واحد ومائة رطل ومثل فلسفة الروم في ذات الخلق والقانون والإسطرلاب الذي يعدل به النجوم ويدرك به علم الأبعاد ودوران الأفلاك وعلم الكسوف لم يكن للعب ملك يجمع سوادها ويضم قواصيها ويقمع ظالمها وينهى سفيهها ولا كان لها قط نتيجة في صناعة ولا أثر في فلسفة إلا ما كان من الشعر وقد شاركتها فيه العجم وذلك إن للروم أشعاراً عجيبة قائمة الوزن والعروض فما الذي تفخر به العرب على العجم فإنما هي كالذئاب العادية والوحوش النافرة يأكل بعضها بعضاً ويغير بعضها على بعضٍ فرجالها موثوقون في حلق الأسر ونساؤها سبايا مردفات على حقائب الإبل فإذا أدركهن الصريخ استنقذن بالعشي. قال بجير يعير العرب باختلافها في النسب واستلحاقها للأدعياء: زعمتم بأن الهند أولاد خندف وبينكم قربى وبين البرابر وديلم من نسل ابن ضبة ناسل وبرجان من أولاد عمر وبن عامر فقد صار كل الناس أولاد واحد وصاروا سواء في أصول العناصر بنو الأصفر الأملاك أكرم منكم وأولى بقربانا ملوك الأكاسر أتطمع في صهري دعياً مجاهراً ولم تر ستراً من دعي مجاهر وتشتم لؤماً رهطه وقبيله وتمدح جهلاً طاهراً وابن طاهر وقال الحسن بن هانئ على مذهب الشعوبية: وجاورت قوماً ليس بيني وبينهم أواصر إلا دعوة وبطون إذا ما دعا باسمي العريف أجبته إلى دعوة مما عليَّ يهون لا زد عمان بن المهلب نزوة إذا افتخر الأقوام ثم تلين وبكر يرى أن النبوة أنزلت على مسمع في البطن وهو جنين وقالت تميم لا نرى أنا واحداً كأحنفا حتى الممات يكون فلا لمت قيساً بعدها في قتيبة إذا افتخروا أن الحديث شجون قال ابن قتيبة في كتاب تفضيل العرب: وأما أهل التسوية فإن منهم قوماً أخذوا ظاهر بعض الكتاب والحديث فقضوا به ولم يفتشوا عن معناه فذهبوا إلى قوله عز وجل: إن أكرمكم عند الله أتقاكم. وقوله: إنما المؤمنون أخوة فأصلحوا بين أخويكم. وإلى قول النبي عليه الصلاة والسلام في خطبته في حجة الوداع أيها الناس إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتفاخرها بالآباء ليس لعربي على عجمي فخر إلا بالتقوى كلكم لآدم وآدم من تراب. وقوله المؤمنون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم وإنما المعنى في هذا أن الناس كلهم من المؤمنين سواءٌ في طريق الأحكام والمنزلة عند الله عز وجل والدار الآخرة لو كان الناس كلهم سواء في أمور الدنيا ليس لأحد فضل إلا بأمر الآخرة لم يكن في الدنيا شريف ولا مشروف ولا فاضل ولا مفضول فما معنى قوله صلى الله عليه وسلم إذا أتاكم كريم قومٍ فأكرموه وقوله صلى الله عليه وسلم أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم وقوله صلى الله عليه وسلم في قيس بن عاصم هذا سيد الوبر. وكانت العرب تقول لا يزال الناس بخير ما تباينوا فإذا تساووا هلكوا. تقول لا يزالون بخير ما كان فيهم أشراف وأخيار فإذا حملوا كلهم جملة واحدة هلكوا أو إذا ذمت العرب قوماً قالوا: سواسية كأسنان الحمار وكيف يستوي الناس في فضائلهم والرجل الواحد لا تستوي في نفسه أعضاؤه ولا تتكافأ مفاصله ولكن لبعضها الفضل على بعض وللرأس الفضل على جميع البدن بالعقل والحواس الخمس وقالوا القلب أمير الجسد ومن الأعضاء خادمةٌ ومنها مخدومةٌ. قال ابن قتيبة: ومن أعظم ما ادعت الشعوبية فخرهم على العرب بآدم عليه السلام وبقول النبي عليه الصلاة والسلام لا تفضلوني عليه فإنما أنا حسنةٌ من حسناته ثم فخرهم بالأنبياء أجمعين وأنهم من العجم غير أربعة هود وصالح واسماعيل ومحمد عليهم الصلاة والسلام واحتجبوا بقول الله عز وجل إن الله اصطفى آدم ونوحاً وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم ثم فخروا بإسحق بن إبراهيم وأنه لسارة وأنا إسماعيل لأمة تسمى هاجر قال شاعرهم: في بلدة لم تصل عكن بها طنباً ولا خباء ولا عك وهمدان ولا لجرم ولانهد بها وطن لكنها لبني الأحرار أوطان أرض تبنى بها كسرى مساكنه فما بها من بني اللخناء إنسان فبنو الأحرار عندهم العجم وبنو اللخناء عندهم العرب لأنهم من ولد هاجر وهي أمة وقد غلطوا في هذا التأويل وليس كل أمة يقال لها اللخناء من الإمام الممتهنة في دعي الإبل وسقيها وجمع الحطب وإنما أخذ من اللخن وهو نتن الريح يقلل لخن السقاء إذا تغير ريحه فأما مثل هاجر التي طهرها الله من كل دنس وارتضاها للخليل فراشاً وللطيبين إسماعيل ومحمد أماً وجعلهما سلالة فهل يجوز لملحد فضلاً عن مسلم أن يسميها اللخناء. قال بعض من يرى رأي الشعوبية فيما يرد به على ابن قتيبة في تباين الناس وتفاضلهم والسيد منهم والمسود إننا نحن لا ننكر تباين الناس ولا تفاشلم ولا السيد منهم والمسود والشريف والمشروف ولكننا نزعم أن تفاضل الناس فيما بينهم ليس بآبائهم ولا بأحسابهم ولكنه بأفعالهم وأخلاقهم وشرف أنفسهم وبعد هممهم ألا ترى أنه من كان دنيء الهمة ساقط المروءة لم يشرف وإن كان من بني هاشم في ذؤابتها ومن أمية في أرومتها ومن قيس في أشرف بطن منها إنما الكريم من كرمت أفعاله والشريف من شرفت همته وهو معنى حديث النبي عليه الصلاة والسلام إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه وقوله في قيس بن عاصم هذا سيد أهل الوبر إنما قال فيه لسؤدده في قومه بالذب عن حريمهم وبذله رفده لهم ألا ترى أن عامر بن الطفيل كان في أشرف بطن في قيس يقول: وإني وإن كنت ابن سيد عامر وفارسها المشهور في كل مركب فما سودتني عامر عن وراثة أبى الله أن أسمو بأم ولا أب ولكنني أحمي حماها وأتقي أذاها وأرمي من رماها بمنكب وقال آخر: أنا وإن كرمت أوائلنا لسنا على الأحساب ننكل نبني كما كانت أوائلنا تبني ونفعل مثل ما فعلوا وقال قس بن ساعدة لأقضين بين العرب بقضية لم يقض بها أحد قبلي ولا يردها أحد بعدي أيما رجل رمى رجلاً بملامة دونها كرم فلا لوم وأيما رجل ادعى كرماً دونه لؤم فلا كرم له. ومثله قول عائشة أم المؤمنين كل كرم دونه لؤم فاللؤم أولى به وكل لؤم دونه كرم فالكرم أولى به. تعني بقولها أن أولى الأشياء بالإنسان طبائع نفسه وخصالها فإذا كرمت فلا يضره لؤم أوليته وإن لؤمت فلا ينفعه كرم أوليته. وقال الشاعر: نفس عصام سودت عصاما وعلمته الكر والإقداما وجعلته ملكاً هماما وقال آخر: ما لي عقلي وهمتي حسبي ما أنا مولى ولا أنا عربي إن انتمى منتم إلى أحد فإنني منتم إلى أدبي روى أبو العيناء الهاشمي عن الفخذمي عن شبيب بن شبة قال كنا وقوفاً بالمربد موضع بالبصرة وكان المربد مألف الأشراف إذ أقبل ابن المقفع فبششنا به وبدأناه بالسلام فرد علينا السلام ثم قال: لو ملتم إلى دار نيروز وظلها الظليل وسورها المديد ونسميها العجيب فعودتم أبدانكم تمهيد الأرض وأرحتم دوابكم من جهد الثقل فإن الذي تطلبونه لم تفلتوه ومهما قضى الله لكم من شيءٍ تنالوه. فقبلنا وملنا فلما استقر بنا المكان قال لنا: أي الأمم أعقل فنظر بعضنا إلى بعض فقلنا: لعله أراد أصله من فارس فقلنا: فارس فقال: ليسوا بذلك إنهم ملكوا كثيراً من الأرض ووجدوا عظيماً من الملك وغلبوا على كثير من الحق ولبث فيهم عقد الأمر فما استنبطوا شيئاً لعقولهم ولا ابتدعوا باقي حكم في نفوسهم قلنا: فالروم قال: أصحاب صنعة قلنا: فالصين قال: أصحاب طرفة قلنا فالهند قال: أصحاب فلسفة قلنا السودان قال: شر خلق الله قلنا: الخزر قال: بقر سائمة قلنا: فقل قال: العرب قال: فضحكنا قال: أما أني ما أردت موافقتكم ولكن إذ فاتني حظي من النسبة فلا يفوتني حظي من المعرفة أن العرب حكمت على غير مثال مثل لها ولا آثار أثرت أصحاب إبل وغنم وسكان شعر وأدم يجود أحدهم بقوته ويتفضل بمجهوده ويشارك في ميسوره ومعسوره ويصف الشيء بعقله فيكون قدوة ويفعله فيصير حجة ويحسن ما شاء فيحسن ويقبح ما شاء فيقبح أدبتهم أنفسهم ورفعتهم هممهم وأعلتهم قلوبهم وألسنتهم فلم يزل حياء الله فيهم وحياؤهم في أنفسهم حتى رفع لهم الفخر وبلغ بهم أشرف الذكر وختم لهم بملكهم الدنيا على الدهر وافتتح دينه وخلافته بهم إلى الحشر على الخير فيهم ولهم فقال سبحانه أن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين فمن وضع حقهم خسر ومن أنكر فضلهم خصم ودفع الحق باللسان أكبت للجنان أهم. أما عناية الإسلام بإسقاط الجنسية فتراه ماثلاً من حسن معاملتهم للموالي فقد الكامل للمبردولى رسول الله صلى الله عليه وسلم جيش موتة زبداً مولاه وقال إن قتل فأميركم جعفر وأمر رسول اله أسامة بن زيد فبلغه أن قوماً قد طعنوا في إمارته وكان أمره على جيش فيه جلة المهاجرين والأنصار فقال عليه السلام إن طعنتم في إمارته لقد طعنتم في إمارة أبيه قبله ولقد كان أهلاً وإن أسامة لها لأهل. وقالت عائشة لو كان زيد حياً ما استخلف رسول الله غيره وقال عبد الله بن عمر لأبيه: لم فضلت أسامة عليّ وأنا وهو سيان فقال: كان أبوه أحب إلى رسول الله من أبيك وكان أحب إلى رسول الله منك أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض أزواجه لتميط عن أسامة أذى من مخاط أو لعاب فكأنها تكرهته فتولى منه ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده وقال لو يوماً ولم يكن أسامة من أجمل الناس لو كنت جارية لنحلناك وحليناك حتى يرغب الرجال فيك وفي بعض الحديث أنه قال أسامة من أحب الناس إليَّ. وكان صلى الله عليه وسلم أدى إلى بني قريظة مكاتبه سلمان منا أهل البيت ويروى أن المهدي نظر إليه ويد عمارة بن حمزة في يده فقال له رجل: من هذا يا أمير المؤمنين فقال: أخي وابن عمي عمارة بن حمزة فلما ولى الرجل ذكر ذلك المهدي كالممازح لعمارة فقال له عمارة انتظرت أنه يقول: ومولاي فانفض والله يدك من يدي فتبسم أمير المؤمنين المهدي ولم يكن الأكرام للموالي في جفاة العرب. زعم الليثي أنه كانت بين جعفر بن سليمان وبين مسمع بن كردين منازعة وبين يدي مسمع مولى له بهاء ورواء ولسن فوجه جعفر إلى مسمع له لينازعه ومجلس مسمع حافل فقال أن أنصفني والله جعفر أنصفته وإن حضر حضرت معه وإن عند عن الحق عندت عنه وإن وجه إليَّ مولى مثل هذا وأومأ إلى مولى جعفر فقال مولى مثل هذا عاضاً لما يكره وجهت إليه وأومأ إلى مولاه فعجب أهل المجلس من وضعه مولاه ذلك الموضع الذي تباهي بمثله العرب وقد قيل الرجل لأبيه والمولى من مواليه. وفي بعض الأحاديث أن المعتق من فضل طينة المعتق. ويروى أن سلمان أخذ من بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم تمرة من تمر الصدقة فوضعها في فيه فانتزعها منه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا أبا عبد الله إنما يحل لك من هذا ما يحل لنا. ويروى أن رجلاً من موالي بني مازن يقال له عبد الله بن سليمان وكان من جلة الرجال نازع عمرو بن هداب المازني وهو في ذلك الوقت سيد بني تميم قاطبة فظهر عليه المولى حتى أذن له في هدم داره فأدخل الفعلة دار عمرو فلما قلع من سطحه سافاً كف عنه ثم قل يا عمرو قد أريتك القدرة وسأريك العفو وقد كان في قريش من فيه جفوة ونبوة. كان نافع بن جبير أحد بني نوفل بن عبد مناف إذا مر عليه الجنازة سأل عنها فإن قيل قرشي قال واقوماه وإن قيل عربي قال وامادتاه وإن قيل مولى أو عجمي قال اللهم هم عبادك تأخذ منهم من شئت وتدع من شئت. ويروى أن ناسكاً من بني الهجيم بن عمور بن تميم كان يقول في فصصه اللهم اغفر للعرب خاصة وللموالي عامة فأما العجم فهم عبيدك والأمر إليك. ومثل ذلك ما كان بعضهم يقولونه لا يقطع الصلاة إلا ثلاثة حمار أو كلب أو مولى وكانوا لا يكنونهم بالكنى ولا يدعونهم إلا بالأسماء والألقاب ولا يمشون في الصف معهم ولا يتقدمونهم في الموكب وإن حضروا طعاماً قاموا على رؤوسهم وإن أطعموا المولى لسنه وفضله وعمله أجلسوه في طريق الخبار لئلا يخفى على الناظر أنه ليس من العرب ولا يدعونهم يصلون على الجنائز إذا حضر أحد من العرب وإن كان الذي يحضر عزيزاً وكان الخاطب المرأة منهم إلى أبيها ولا إلى أخيها وإنما يخطبها إلى مواليها فإن رضي زوج وإلا رد فإن زوج الأب والأخ بغير رأي موليه فسخ النكاح وإن كان قد دخل بها كان سفاحاً غير نكاح. وذكر عمرو بن بحر الجاحظ في كتاب الموالي والعرب أن الحجاج لما خرج عليه ابن الأشعث وعبد الله بن الجارود ولقي ما لقي من قراء أهل العراق وكان أكثر من قاتله وخلعه وخرج عليه الفقهاء والمقاتلة والموالي من أهل البصرة فلما علم أنهم الجمهور الأكبر والسواد الأعظم أحب أن يسقط ديوانهم ويفرق جماعتهم حتى لا يتألفوا ولا يتعاقدوا فأقبل على الموالي وقال أنتم علوج وعجم وقراؤكم أولى بكم ففرقهم وفض جمعهم كيف أحب وصيرهم كيف شاء ونقش على يد كل رجل منهم اسم البلدة التي وجهه إليها وكان الذي تولى ذلك منهم رجل من بني سعد بن عجل بن لجين يقال له حراش وقال شاعرهم: وأنت من نقش العجلي راحته توفر شيحك حتى عاد الحكم يريد الحكم بن أيوب التميمي عامل الحجاج على البصرة. ولد أورد ابن بسام في الذخيرة في ترجمة الأديب أبي جعفر أحمد الدودين البلنسي رسالة ابن غرسية يخاطب بها أبا جعفر بن الجزار في فضل الشعوبية وذم العرب ابتدأها بقوله: يا ابن الأعارب ما علينا بأس لم نجك إلا ما حكاه الناس ولم أشتم لكم حسباً ولكن حدوث بحيث يستمع الحداء وقال فيها في وصف العجم: هم ملكوا شرق البلاد وغربها وهم منحوكم بعد ذلك سؤددا حلم وعلم ذوو الآراء الفلسفية الأرضية والعلوم المنطقية الرياضية حملة الأسترلوميقا والجومطريقا والعلمة بالأرتماطيقا والأنولوطيقا والقومة بالموسيقى والطوبيا والنهضة بعلوم الشرائع والطبائع والنفرة في علوم الأديان والأبدان ما شئت من تحقيق وترفيق حبسوا أنفسهم على العلوم الدينية والبدنية لا على وصف الناقة العدنية فعلهم ليس بالسفاف كفعل نائلة وإساف أصغر بشأنكم إذ بزق خمر باع الكعبة أبو غسانكم وإذا أبو رغالكم قاد فيل الحبشة إلى حرم الله لاستئصالكم. والرسالة كلها على هذا النسق استغرقت مع الردود عليها سبع عشرة ورقة من الذخيرة ولولا غلبة التحريف الكثير عليها لأوردناها برمتها وقد رد عليها كثيرون من أدباء الأندلس في عصر كاتبها ومن جملتهم المخاطلب بها أبو جعفر وردودهم كلها إلى السفاهة والبذاءة أقرب وكتابة ابن غرسية أمتن وحججه أوضح. وكنا نود أن نشبع الكلام على الشعوبية أكثر مما أشبعناه واكتفينا الآن بمالدينا من النقول الصحيحة ولعل أحد مؤازرينا يكتب في هذا الموضوع ليجلوه أكثر مما جلوناه وفوق كل ذي علم عليم. اللسان كلُّ حرفٍ تعطي عليه جواباً خطأ كان لفظه أو صوابا فتمعن قبل الإجابة تسلم من جواب يجني عليك عذابا بين فكيك ليث غابٍ إذا ما فهت جهلاً في القلب أنشب نابا من يفه عن روية يقضب الغي ظ فتغدوا أعداؤه أصحابا مقول المرء مثل حانوت عطا ر حوى ما قد مرَّ طعماً وطابا فإذا ما أراد يقطر أَريا وإذا ما أراد يقطر صابا رب سهم إن أوترته أناة فلج القصد واستقادا الرغابالم ترد الرغاب في المعاجم وإذا ما رماه طائش فكر يتعدى المنى فقاد الصعابا كم قتيل للفظةٍ لو عداها ما عداه برد الصفا جلبابا غادرته تحت التراب إذا لم تلفها غادرت بفيه الترابا كان قبلا يسقي من المسك كأساً صار يروي من الصديد شرابا أيها اللين الذي هو ذو اللب دة قد حل داخل الفم غابا قل لنا ما صنعتَ بالناس قدماً فلقد قيل قد صنعت عجابا لفظ الكيسُ اللطيف أنا من ساد أهل العروش والأربابا أوضح القلب كاشفاً ما حواه مطفئاً فيه ثائراً لهابا بكلام مثل الندى فاق في جل ب الأماني هاطلاً سكَّابا سقطه في السماع خير ونعمى مرجعٌ للشيخ العتيّ الشبابا تجد الملك والمملك في قب ضة كفي وما رجوت استجابا أفتن الكلَّ بافتتاني ومن تل فيه مثلي محبباً خلاَّبا بي بصبي الملك الرعايا فتبدي آي حب إذا دنا أو غابا ويسوس الشعب الوزير فيحا ز المرجي ويبلغ الآرابا وأخو المتجر الوسيع بي أسلس قي الأماني فأمطرته سحابا كم دعوتُ ابن خيشة في نعيم يكتسي فاخر الدمقس ثيابا كم مني دونها الثريا دنت بي فجنت قطفها إلا كفُّ اقتصابا وإذا ما أطلقتُ من حكماتي ضيقت شرتي المغاني الرحابا ودعوت الصبح المنير ظلاماً واعتبرت الحق المبين كذابا وأطرحت الخل الصفي قصيا بعد ما كان يستزيد اقترابا واتخذت الرأي الضلال دليلا وتركت الراضين عني غضابي واجتلبت الألوف تلقى ألوفاً مرويات مناصلاً وحرابا ناطقات الكرات متقداتٍ حاصدات كهولها والشيابا كم صباح تكسي النهار كستها شرتي بردة الظلام إهابا وبنوها الفراخ أمسوا بيتم يتلوَّون حيرة واكتئابا اترك المعلم الأغن وقد با ت بمسعايَ شر مسعى يبابا فأنا من أُدير خمراً وغسلي ناً وأجني الزقوم والعنابا وأنا من يجيب شأني أَني انشرُ الميت أو أبين الرقابا وقصارى أمري مبين ببيت لذوي النبل مشرع أبوابا من تخطي بي الروية أخطا من حدا بي نهج الصواب أصابا الحاكي أو الفنغراف نظم هذه الأبيات ونقشها على أسطوانة بصوته تلبية لاقتراح صديق له صوت السلام أميركا حياك وبكشفه كولمبسٌ أحياكِ إن الصحائف والمطابع والمدا رس والمعامل زينت مغناكِ وكذا الزراعة والصناعة والتجارة عززت في نجمها مبداكِ سميت نصف الأرض عن ثقة وقد فاخرت كل الأرض في أنباكِ فعلى أَديسن أَلف أَلف تحية وبه اجتنيت من الفنون مناكِ يكفيه إيجاد الفنغراف الذي قد شاع بين العرب والأتراك أَلفى بنفخ البوق بعثة ميتنا فأقامه من قبره الفتاكِ وتصيد الأصوات من بحر الهوا بشباكه كصيد الأسماكِ فيعي بإذنٍ ما يقال كسامع ويعيده بلسانه كالحاكي هو صادق في نقل أخبار وفي حفظ الكلام وليس بالأفاكِ يتقلد الأصواتَ كيف تلونت بفصاحة وهو الضحوك الباكي ونراه ينطق باللغات كأَنه متلقن بالروح وحي ملاكِ ويدور كالدولاب وقت تكلم فكأنه سيارة الأفلاكِ ومحل حفظ الصوت شبه دماغنا في شدة الإحساس والإدراكِ ولسانه بعد الفكر ناطق بعواطف القلب الشكور الشاكي هذا عجيبة عصرنا وأديسن مبدي العجائب فيه كل رجاكِ لا زال بالعمر الطويل ممتعاً ما شنف الآذان صوتُ الحاكي سير العلم والاجتماع حياة النبات يرى أوسونسكي أحد كبار علماء روسيا أن حياة النبات تشبه بجملتها حياة الإنسان فلها مزاج وشهوات وميل وكراهة كالآدميين وكان علم الزراعة من قبل يرى أن النباتات عارية من هذه القوى فيكتفي الزارعون بزرعها وسقيها أو بتغذيتها وذلك بوقايتها من أخطار رداءة الهواء وتحسين ما يلائم طبيعتها من الأجواء ولكن هذا العالم رأي الآن أن لا سبيل إلى الانتفاع من النباتات واستنبات الجيد منها إلا بمعاملتها معاملة من يعقل ويحس وقد مثل لذلك بنبات البطارس الخنثار والفطر والطحلب وقال أنها تنقبض إذا أخذت ووضعت على قطعة من خشب مغشاة بالجلاتين واستدل من تأثر هذه النباتات على أنها حساسة كالحيوان ومن رأيه أن النباتات تتأثر بالنور والهواء أكثر من جميع الحيوانات فمنها ما يتجه نحو الشمس ومنها ما يوجه وجهه قبل المشرق ومنها ما يغلق نفسه عند الغروب ومنها ما يسهر في الليل وينام في النهار نوماً أشبه بالموت. ومن أنواع البقول ما ينام على سوقه ومنها ما يقي نفسه من حرارة أشعة الشمس بأن تجعل أوراقها على صورة لا تتعرض بها للنور مباشرة وأنا لنرى الأزاهير في الأصاصي أواني الزهور توجه وجهها نحو النافذة كما نرى الهندباء تتنبأ بسقوط المطر ولا تفتح ونبات المسحية تخاف من الضجة بل قد يغشى عليها متى أطلق أمامها مدفع. ومعظم النباتات تتأثر بالأثير والمورفين والكوكايين. وعلى هذا فقد استنتج العالم بأن أرسطو كان على صواب في قوله أن للنباتات روحاً فقال أن معرفة ذلك من حال النبات يدعو إلى إحسان تربيته وتعهده فإذا فعل المزارعون الفلاحون وأرباب الحدائق ذلك فهناك الغلات الجيدة في الكمية والكيفية. المجموع العصبي يحثوا في المؤتمر الطبي في جنيف مؤخراً في ضعف المجموع العصبي نوراستينيا والحمر فقال بعضهم أن المكثرين من تناول الماء أكثر عرضة لهذا الضعف من غيرهم ومعلوم أن هذا الضعف لا يتناول القوى الطبيعية فقط بل يتناول القوى العقلية والحماسة الأدبية ويشعر المصابون باضطراب في الوظائف العضوية وجميع هذه الأسباب تؤثر تأثيراً مضعفاً في الجسم والعقل. وجرى البحث فيما إذا كان الاعتماد على المنعشات في مثل هذه الحال لا يفيد المصاب بهذا الداء إذا شفعها بتحسين أصول غذائه لا شك أن المصاب بضعف الأعصاب يشكو من سوء الهضم في الغالب فمن الاحتياط أن لا يعطى من الأطعمة المائعة والسائلة ما يهيج معدته وليس معنى هذا أنه ينبغي حذف جميع المنعشات من طعامه وقد تبين أن الخمور على أنواعها تضر بالمصاب بهذا الضعف كما ثبت أن المكثرين من تناول الماء مصابون بالسوداء وسريعو الانفعال والسخط. الماء المقدس لفت راهب إيطالي من المشتغلين بعلم الجراثيم والطب الأنظار للأخطار التي تحدث من أجران الماء المقدس في الكنائس فثبت لديه أن في كل مئة سنتمتر من الماء المقدس في كنيسة القديس كروس في تورين مئة وخمسين ألف جرثومة إذا أخذ الماءُ من سطح الجرن وإذا اغترف من داخله يحتوي على ستة ملايين جرثومة. وقد حقن بهذا الماء حيوانات فكان سبباً في قتلها بالسل أو الخناق أو غيرهما من الأمراض العضالة وقد بين الطرق الواقية من تناول الماء على الصورة المألوفة وأخذ رجال الدين هناك يبحثون في واسطة تدفع الجراثيم عن الماء لا بغسل الأجران بالسليماني فقط بل بالنظر في كيفية تناول الماء. طهارة برلين أصبحت مدينة برلين بالنظر للارتقاء الذي ما زال متواصلاً فيها وفضل العناية في تطهيرها ووقايتها من أطهر مدن العالم إن لم نقل أنها أطهر مدينة في العالم فأصاب الصحة من هذه الطهارة حظ وافر فقد كان معدل الموت فيها سنة ١٨٧٦ — ٢٩ فأصبح سنة ١٩٠٠ — ٣٥ وصار هذه السنة ٣٨ . الحكم بالإعدام نسمع الكثيرين من أصحاب الرأي يقولون حينما يبلغهم أن الأشقياء كمنوا لفلان فسلبوه متاعه وقتلوه شر قتلة لو نفذ الحكم بالإعدام لوقف الأشقياء عند حدهم ولما تجرأوا تلك الجرأة على قتل النفوس التي حرم الله قتلها قال أحد نواب الفرنسيس ما جعل الأسافل يغتالون الكرام إلا عدم الشدة في العقوبات وها نحن أولاً نعربه بالحرف الواحد: كل جمعية لها الحق أن تتخذ جميع الوسائل الضرورية لحفظ كيانها وإني لا أظن أنه يمكن أن تعاقب المجرمين كافة لأنه يوجد منهم من يستحيل وجود عقاب يناسب فظاعة جرمهم وإني لست من الذين يقولون أن السبب في كل الجرائم البؤس فلا محل لتلك الأعذار التي ينتحلها لهم بعضهم قبل أن نلغي حكم الإعدام يجب أن نتحقق من أمر العقاب الذي يحل محله. قد لطف قانون السجون ولكل الجرائم لم تخفف بل لا تزال في ازدياد وزاد على ذلك أن الجرائم التي ترتكب اليوم أفظع من التي كانت ترتكب أمس نعم إن البشر ليسوا بمعصومين وقد يغلطون ولكن طرق التحقيق المتبعة اليوم بفرنسا والمرافعات القضائية تجعلنا نقول أن الخطأ أقل من القليل. وأرجو من زملائي أن يشملوا بنظرهم القوم الصالحين أكثر من أن يشملوا به المجرمين. فالجاني الذي يدخل تحت جنح الليل إلى بيت فيه أسرة آمنة مطمئنة شاهراً بيده مسدساً لا شك أنه يستحق عقاباً على هذه الجريمة الفظيعة بالأشغال الشاقة المؤبدة فإذا لم يجر عليه الحكم بالإعدام فلا شك أن هذا الأثيم يقتل كل من يقع تحت يديه كي لا يكون شاهداً عليه. الحكم بالإعدام وحده كفيل بغل أيدي سفاكي الدماء فأرجو من زملائي أن يزنوا هذه الفكرة بميزان النصفة ولا يسلبوا الهيئة الاجتماعية سلاحها. مزرعة المستقبل جربوا الكهربائية على شواطئ البحر المحيط الهادي بأميركا في تعهد المزارع وحرثها وزرعها وحصادها فاستعملوا لذلك أدوات دافعة ورافعة لتحرك بشلالات مجاورة فتحدث منها القوة المطلوبة فأتى ذلك بنتائج مهمة. ولئن كانت النفقة على هذا العمل تستدعي صرف مئات من الريالات إلا أنه يتوفر بها ثلاثة أرباع ما ينفق في العادة على مثل هذه المزارع لاستثمارها واستنباتها فضلاً عما في ذلك من الاقتصاد في الوقت والذين يتبرمون من المزارعين من كثرة النفقات والأيدي العاملة في مزارعهم يعلقون الآمال الكبيرة على أن تكون الكهربائية أعظم عاملة في مزارع المستقبل. الصحة في السويد اتفقت المجتمعات كلها على أن الرياضة البدنية من أسلم الرياضات النافعة حتى أن بلاد السويد تعتبر هذه الرياضة اعتبارها للفروض الدينية وتقضي على السكان عامة أن يعمدوا إليها فالرياضة البدنية إجبارية في المدارس على كل طفل منذ صغره فتبعث الحكومة بأساتذة من قبلها إلى كل مدرسة ليشرفوا فيها على تعاطي هذه الرياضة كما أنها تقضي على كل تلميذ أن يسبح سواء خاف من الماء أم لم يخف كمدرسة تكره على. والحكومة هناك تدفع للأطباء المنتشرين في الأقاليم المختلفة من البلاد رواتب من خزانتها لأن ما يتناوله الطبيب في القرى من زبنه لا يكتفيه في معاشه. ومن العادة في البلدان المأهولة بالسكان أن لا يتناول الطبيب أجرة عيادته بل يترك معاشه لذمة زبنه فيدفع له كل زبون بقدر طاقته بحيث يسمن كيسه بدون طلب ولا إبرام ويعيش كالأغنياء أو أحسن. اللبن الحليب استبان لأرباب الإحصاء أن الغرام باللبن الحليب في العالم يزيد ولا ينقص فقد بلغ ما يصرف كل يوم منه في العالم كله مليوناً وثلاثمائة وثمانين ألفاً وخمسمائة طن منها خمسمائة ألف طن في الولايات المتحدة. واللبن هو الغذاء الطبيعي المغذي والشافي واللذيذ والبسيط. احترام الآراء خطب أرنست لافيس في إحدى المدارس الفرنسوية في معنى احترام الآراء والمذاهب فقال أن القضاء والشرطة لم يجعلا إلالدفع الناس بعضهم عن بعض وإن الأسباب التي تدعوا كبار الرجال إلى أن يتباغضوا بغضة شديدة جداً ترجع إلى أمر واحد ألا وهو الاختلاف في الآراء السياسية والدينية وينشأ عن هذا الاختلاف أحياناً بغض وكراهية. فالناس يختلفون في العقائد فمنهم الملحد ومنهم المحافظ الذي يرى بقاء القديم على قدمه في السياسة وأن الاحتفاظ بالتقاليد من الضروريات في الحياة العامة ومن دافع عنها فيقوم بالواجب عليه وكأنه يدافع عن مصلحة الوطن نفسه ومنهم الثوري الذي لا يرى السعادة في غير إهراق الدماء وأن الخير معقود بنواصي الفتن ولا تستقيم الأمور بدونها أما أنا فأقول أنه من الممكن أن يتخالف الناس بدون أن تسوء حالهم وأنه قد يتأتى للخصوم أن يحب بعضهم بعضاً ويحترم بعضهم بعضاً فإذا قدروا على ذلك فإنه يجب عليهم ولا سبيل إلى أن يعيش الناس بعضهم مع بعض في سلام إلا إذا جعلوا التسامح رائدهم وإذا قضي على أحد الرجلين أن يحكم عليه فمن يفصل بينهما؟ لا شك أن القوة هي الحكم ولكن استعمال القوة في مصادرة الأفكار هو من الأغلاط التي نلوم المستقبل عليها ولكم حكموا بإسقاط بعض الآراء في القدم فما زالت على انتشارها إلى اليوم ولكم حكم القضاة في الأمور الذهنية فعدنا نحن اليوم نحكم عليهم بل ننقم عليهم سوء حكومتهم ولكم أقيمت التماثيل اليوم لرجال ذهبوا بيد الغدر والقهر ورموا في النار فأضحت الساحات التي أعدموا فيها مزدانة اليوم بتماثيلهم التي نصبت لتمجيدهم. يقول قوم ليس أشق من إرادة المرء أن لا يعمل مع غيره ما لا يريد أن يعملوه معه وأن أنصار الحرية إذا قبضوا على القياد يمنعونها غيرهم فيخالفون بذلك قاعدة الحرية كما يقولون أن الحكم بين المتناقضات ليس له إلا حاكم واحد يخضع له العالم بأسرهم صاغرين ونعني به العالم ولكن من يدعون إلى العلم يجهلون ماهيته فإن الفضيلة الكبرى في العالم هو أنه يبحث على الدوام وربما ضلَّ في أبحاثه ضلالاً بعيداً ولكن من فضيلة العالم هو أنه يجد بنفسه الأغلاط التي ارتكبها وأنه يرجع عن الأوهام التي جاء عليه زمن فأعجبته وأخذت بمجامع قلبه ثم يعود إلى البحث وما موضوع بحثه إلا الحوادث ففي الحوادث التي اكتشفها يتخذها الناس حججاً وبراهين فهم ينظرون مثلاً في حوادث تاريخ الأرض والإنسان التي أبرزها العلماء إلى عالم الوجود خلال القرنين الأخيرين ويتناقشون بما تجدد لهم من هذه الحوادث في معتقداتهم الموروثة ويعزمون إما على رفضها أو على قبولها ولكن العلم لا يكتب الغلبة لدين على آخر بل يأخذ في سبيله باحثاً مستقصياً ولا يعرف أحد إلى أي طريق ينتهي به البحث وما عظمته وجماله وإنسانيته إلا بما يبدو على معاطفه من الشك والريبة. ولا أرى مخلصاً للناس من تعليل فيها للمباحث الدينية صوتاً وأن الحرية إذا لم تكن متأصلة في الأخلاق لا تجدي بنيها نفعاً. النوم كتب أحد الباحثين في المجلة الباريزية بحثاً في النوم وما ينبغي للإنسان منه حتى تجود صحته فقال أن النوم هو أحد نواميس الكون وجميع البشر على اختلاف في أعمارهم خاضعون له وأن الرجل العادي يموت من قلة الهواء في خمس دقائق ومن قلة الماء في أسبوع ومن قلة النوم في عشرة أيام أما الإكثار من النوم فيجعل في الرأس ثقلاً وفي الجسم كسلاً. قالت لعقيلة مريم ماناسين في كتاب لها نشرته حديثاً أنه لا ينام نوماً طويلاً إلا من فرغ ذهنه وقلّ فكره وأن أناساً يسترسلون إلى النوم عندما يتفرغون من مشاغلهم لأن طبائعهم مفتقرة بحيث يتعذر عليهم أن يجدوا من أفكارهم الخاصة مادة يهتمون بها وقد أكد سارس من علماء الأخلاق أن أرباب السخافة ينامون طويلاً. وقد سأل صاحب المبحث جلة من كبار أرباب العلم والفنون في فرنسا في معنى ما يلزم للرجل المفكر من النوم فكانت أجوبتهم متفقة في الجوهر وإن اختلفت في العرض فقال أحدهم: إني متى تعبت يستحيل عليَّ أن أتعاطى أي عمل كان فأراني مفتقراً إلى الراحة. وعليه فالواجب أن ينام المرء ليعيش لا أن يعيش لينام وقال آخر: إنني في حاجة لأن أنام ثماني ساعات على الأقل ولكن كيفية النوم تهم أكثر من كميته ومن رأيي أن لا يعمد طالب النوم إلى استعمال المنومات والمخدرات وقال جول كلارسي أحد أعضاء المجمع العلمي: إني في حاجة إلى النوم كثيراً ويقلُّ تعي عندما أنام وأنام سبع ساعات على الأقل على أني أعمل بلذة إن نمت قليلاً أو كثيراً وأنا لا أشكو إلا من الأرق فإن التفكر في أشغال الغد هي التي تؤرقني حتى السحر. وقال كورمون من مجمع العلوم: أنام من ثماني ساعات إلى تسع ساعات وأتأثر لأقل حركة تحدث أمامي وكثيراً ما أقضي الليل ساهراً كأني ملسوع فإن نمت ليلتي أتعاطى عملي من الغد وإذا أفرطت في نومي لا أحسن العمل أيضاً ومتى تمت لي ثماني ساعات تكون صحتي إلى الاعتدال وقال الأستاذ ديولافوا: أن النوم كالغذاء فبعض الناس يحتاجون لطعام كثير وبعضهم يتبلغون بالقليل كما أن بعضهم ينامون طويلاً وبعضهم يكتفون بقليل من السهاد ومن القواعد العامة أن قلة النوم والأرق يجلبان التعب ويقللان الميل للأشغال العقلية وعلى العكس في النوم الكافي والسهاد المصلح المعوض فإنهما من شروط العمل أما أنا فأنام سبع ساعات. وذكر آخر أنه إذا نام يتضاعف عمله ويجود عشر مرات عما إذا لم ينم وتسهل أموره وأنه على ثقة من أن بلزاك الشاعر لو كان نام القدر اللازم له لجاد شعره أكثر وخلدت آثاره فقد ظن أنه بسهره يقتصد وقتاً وفي الحقيقة أنه أضاعه ويقال أن نابوليون لما أنهك السهر قواه نام في معركة واترلو وهو واقف. وذكر الكاتب أسباب الأرق فقال أنها قد تكون أدبية مثل الاهتمام بالأشغال والقلق للمستقبل والتعب العقلي وتعب الوجدان والحزن وتبكيت القلب وقد ينشأ الأرق من أمراض طبيعية صرفة وفي الغالب أن المرء يحرم النوم بتساهله لأنه يحسن الاضطجاع على فراشه ولا يتخذ الأسباب اللازمة فلقد اهتدينا إلى أفضل الطرق في الأكل وأفضلها في الشرب ولم نهتد إلى الطريقة المثلى في النوم فإن أردت يا هذا أن تنام فعليك أن تتخذ لك غرفة بعيدة عن الضجة خالية من الأنوار الصناعية والحيوانات والزهور والأثاث والبسط وأن تكون معرضة كل التعرض للتهوية حتى في الشتاء وأن يكون الفراش منحنياً قليلاً من الرأس إلى الأقدام بحيث ترتاح فيها الأعضاء جيداً وأن يتخذ الفراش من الصوف وتكون المخدة لا رخوة ولا يابسة وأن يختار من الغطاء الخفيف ومن الوسائد القليلة التضاعيف والنعومة وعليك أن تنام بعد الأكل بساعتين أو ثلاث فالأولى أن لا تغفي الجفون إلا بعد أن يتم الهضم على أن الأستاذ هالوبو ينصح للمشتغلين بالأشغال العقلية أن يناموا بعد الأكل ومن رأيه أن الواجب ترك الدماغ يستريح خلال الهضم. وخير طريقة يعمد إليها الفيلسوف والشاعر في نومهما هو أن يقطعا الليل شطرين وذلك بأن يناما بعد العشاء حتى الساعة الواحدة صباحاً بعد نصف الليل ثم يأخذان في الاشتغال ثلاث ساعات قبل أن يعاودا النوم وينبغي لهما أن لا يتخليا عن القيلولة في خلال أيام القيظ ويفضل النوم منفرداً وعلى النائم أن يختار وسط الفراش لينام هنيئاً وترتاح أعصابه وتنبسط وأن لا ينهض وذراعاه فوق رأسه كما يفعل بعض النساء تدللاً لأن ذلك مما يخالف نواميس الفسيولوجيا فإذا صدر النائم صفحة وجهه كثيراً يتعب أعصاب ذراعيه وأعصاب صدره وينقبض عنقه ويهز تنفسه فلا يمتد طويلاً وعليه فالواجب أن يكون الرأس واطئاً ما أمكن حتى يتسرب الدم إلى الدماغ على صورة منتظمة وأن يتمدد الجسم كل التمدد وأن لا ينثني الساقان وأن لا يشبك أحدهما مع الآخر وأن لا ترفع الركبتان ولا ينفع النوم مستلقياً على الظهر ويؤكد بعض الأطباء أن هذا الضرب من النوم بالاستلقاء يحدث أرقاً مضنياً أو كابوساً أو أضغاث أحلام والنوم على الشق الأيسر أصعب حالاً من الاستلقاء أيضاً لأنه يوقف الهضم ويؤدي إلى ضيق التنفس والاختناق وإلى حدوث حركات في القلب تضغط عليه وتؤذيه. وعلى النائم أن لا ينام وبطنه منبسط فالأفضل أن ينام المرء على جانبه الأيمن لما في ذلك من النفع للحواس وعلى هذه الطريقة ينبغي لنا تعويد أولادنا وأن نقتصر نحن أيضاً أن ننام مثلهم. وإذا حدث لنا أرق فالواجب علينا أن نعمد إلى الطرق البسيطة لجلب الكرى إلى العيون وذلك بالمشي والاستحمام قبل النوم ولا ينبغي أخذ شيءٍ من العقاقير والمخدرات لأنها ضارة وتأثيرها مؤقت لا يلبث أن يزول هذا وعلى كل إنسان أن لا يغفل أمر النوم فقد قال ليبسول أن في النوم لصحيحي الجسم قوة وفرحاً وللمريض شفاء وهناء. البنون والبنات خطب المسيو أرنست لافيس أحد أعضاء المجمع العلمي الباريزي في معنى وجوب المساواة بين البنين والبنات في إحدى مدارس البنات في فرنسا قال ما محصله: علمت المدرسة أنكن أيتها الفتيات لم تخلقن لتعشن عيشة أصحاب القناطير المقنطرة من المال بل هي تعلمكن استعمال أدوات العمل وأعني بها المقراض والإبرة وتعلمكن مبادئ الاقتصاد المنزلي أي تدبير المنزل وليس من منزل مهما كان صغيراً إلا هو محتاج إلى ربة تدبر أمره وتصلح شأنه وتقوم على تعهده. فالنظام والنظافة والذوق والراحة كلها تدعر المرء لأن يزيد المكث في داره ويحل منزله محلاً رفيعاً من سويداء قلبه ومن حسنت إدارة بيته وكان فيه اللطف والظرف يحسن هندام نفسه. وحسن تدبير المنزل هو من أكبر الدواعي لإدخال النظام على ثروة البنت وإن قلت ومعنى القيام على تدبير المنزل التفكر للغد والنظر في المستقبل أبداً وحسن استعمال الوسائط التي تدفع اليوم عنا عوادي الحياة وتصرف عنا السوء. وهذه الذرائع هي التي تعلمنا المدرسة. إلا فاستمعن لقولي واليحط علمكن بأنه ما من بيت وإن صغر إلا وفي المكنة أن يكون كبيراً. فالأم المتوسطة الحال إذا قامت بالواجب عليها وراعت قواعد الاقتصاد في دخلها وخرجها ونظرت أبداً في لوح المستقبل يتأتى لها في البلاد الديمقراطية أن ترفع أبناءها مكاناً علياً وتنيلهم من الرغائب ما كان قصياً وعندها لا يلبث ذلك البيت الصغير أن يكبر بفضل السعي والانكماش. لا تكتفي المدرسة اليوم كما كانت أمس بأن تعلمكن القراءة والكتابة والحساب فإن معرفة الإشارات وتقليدها وإتقان وضع الأرقام هو من الأمور التافهة البسيطة تود المدرسة أن تفهمن ما تقرأن وأن تتعلقن في ما تكتبن وأن تتلقن في حساباتكن حتى تفهمن في حياتكن بعد حين ما يقال لكن وما تقلن وما تعلمن. فالمدرسة تعلمكن واجباتكن وهي تعتقد كما تعتقد الإنسانية منذ زمن طويل أن هناك شراً وخيراً فالخير هو نتيجة عمل العامل وهذا العمل شريف في ذاته والمدرسة تعلمكن الجمالي فهي تدرسكن تاريخ بلادكن وتملي عليكن بالتعليم الوطني ما هي معاهدنا وتقاليدنا وقوانيننا. ولقد رأى بعضهم أن تعليم البنات هذا القدر من التعليم ليس فيه لهن غناء ولكننا لو تابعناهم على آرائهم لظللنا بدل التقدم إلى الأمام متأخرين إلى الوراء. وأي بلاهة أعظم من أن نترك نصف الشعب الفرنسوي جاهلاً بلاده ونقضي بهذا الجهل على النساء والأمهات أن يخرجن من عداد أبناء الوطن. المدرسة توسع دائرة أبصاركن بتعليمكن الجغرافيا فتدرسكن المبادئ اللازمة في تصور العالم والنواميس الكبرى في الطبيعة وهي تريد أن تعرفن مسكن الجنس البشري والتخوم الفاصلة بين أقطاره وعرضه وطوله وقرب البلاد من الحرارة والبرودة. تتوخى المدرسة بل تجعل من أهم واجباتها الضرورية أن ترفع الغشاوة عن ذكاء الفتيات وتشركهن ما أمكن بتسهيل طرق التعليم في معرفة الأعمال العظيمة التي يقوم بها الفكر في جميع ضروب المعرفة وأن تنبه فيهن الشعور بالآداب السامية وتعدهن إلى الاطلاع على حقائق الحياة كما هي الآن. المدرسة هنا لا تميز بين البنات والبنين فقد رأيت في كلية السوربون في إحدى الأيام الآحاد في هذا الربيع مشهداً أخذ بمجامع قلبي. شهدت مئات من العذارى الأوانس وقد تزين وأخذن ينشدن الأناشيد وكن عبارة عن تلميذات المدارس العالية في باريز أقمن حفلة لأسراتهن ولعمري من كان يظن منذ خمسين سنة أن يكون لفرنسا مدارس عالية للبنات. كنت في سنة ١٨٦٩ أمين سر المسيو دروي ناظر المعارف العمومية فحاول هذا الأستاذ الشهير العظيم وكانت آراؤه كلها صائبة سديدة أن يؤسس مدارسة ثانوية للبنات فوافقه بعضهم على ما ارتأى ولكن ما لبثت الفكرة أن انتشرت بين الناس بأن الأخوات لسن كالأخوة في التساوي وأن المذكر أفضل من المؤنث كما جاء في كتب النحو التي ألفها الرجال. فكان القوم يظنون أنه يكفي الإبنة قليل من التعليم وأن هذا التعليم من خصائص الكنيسة فقط أن تعلمه ولذلك قاوم رجال الدين في إنفاذ مشروع الناظر المشار إليه. أتت أيام وأزمان فأصبح عدد المدارس العالية للبنات ٤٢ مدرسة جامعة و ٥ مدرسة داخلية و ٦٩ مدسة ثانوية وبلغ عدد المتعلمات فيها ٣٠٨٣١ بعد أن كان أقل من النصف قبل عشر سنين وهم يؤسسون هذه السنة أربع جامعات أخرى وربما خمساً وتسع مدارس داخلية وربما عشراً ولم يكن في أول سنة ١٩٠٣ غير ٣٠ مدرسة داخلية فزادت إلى هذه السنة ثلاثة أضعاف. النساء فقط هن المعلمات في هذه المدارس يستعددن لهذا العمل الشريف بالدرس والتربية الكثيرة فيعملن ناصحات بإخلاص ونشأة وإنك لتجد مفتش المعارف والرؤساء ونظار المجامع العلمية يمتدحون بلسان واحد المعلمات والمتعلمات لأنهن يتوفرن على تعليم البنات أحسن تعليم بل أقول ولا أخشى من الحق أنهن يعلمن أحسن من تعليم المعلمين من الرجال وقد كان الناس يقولون من قبل أن النساء لا يستطعن أن يفهمن العلوم ولا أن يعلمنها وها هن اليوم يتبحرن في هذه العلوم ويعلمنها كأحسن معلم. إلا وأن في منافسة البنات للرجال في مضمار العلم لأكبر دليل على صحة ما أقول فقد رأيناهن ينصرفن إلى الدراسة أكثر من الشبان فأصبحن بفضل السهر والدرس وصيفات في الكليات للأساتذة من الرجال وقد خلفت العقيلة كوري زوجها في كلية العلوم الباريزية وكانت شريكته في اختراع الراديوم. كل هذا يدل دلالة صريحة أن النساء مستعدات كل الاستعداد للتعلم وأن من حقهن أن يتعلمن. اعتقد صغار الفتيان منذ خلق العالم بأن البنات من جنس غير جنسهم وأن الرجال أسمى مقاماً وأكبر عقلاً وأقوى جناناً إذا قيسوا بالجنس اللطيف. وما قول الناس هذا من الجنس اللطيف أي النساء وهذا من الجنس القوي أي الرجال إلا من الأوهام في المرأة نشأت من التوحش وما كتب للرجال من قوة العضلات وكانت الأنانية والمصلحة هما المساعدتين على انتشار هذا الفكر. وها قد ضعف اليوم هذا الوهم وانتشرت الحقيقة كالشمس الساطعة وما أسهلها وأبسطها ولكن الحقائق البسيطة هي التي يطول عهد اكتشافها. الحقيقة التي أعنيها هو أن للبنت كما للصبي ذكاء وإن كانت الكفاآت وأميال الذكاء في الذكور والإناث متفاوتة الدرجات فليس معنى ذلك أن الذكاء الأنثوي أضعف من الذكاء الرجلي بل إن معنى ذلك أن كلاً من ذكاء الفريقين متمم لصاحبه ليتألف من مجموعه ذكاء الإنسانية. والحقيقة بأن للابنة كما للصبي قلباً يحب ويفرح ويحزن بل أن حظ البنات من الأحزان في هذه الحياة أعظم وأشد وفي قلوب الزوجات والأمهات من بنات المستقبل مادة عظيمة من الدموع سيفرغونها في حياتهن المستقبلية. الحقيقة بأن معظم البنات كمعظم البنين مضطرات إلى الكدح لمعاشهن وأنهن يصعب عليهن السير في هذا السبيل ومعزى ذلك أن الواجب يقضي على البنات والبنين أن يجتمعن ذات يوم ليؤسسن معاً أسرة جديدة ويحدث من هذه الحقيقة البسيطة أن البنات كالبنين متساويان في حقوق الإنسانية فلا مسوغ والحالة هذه إلى أن يعاملن معاملة مختلفة في سبيل إعداد الجنسين لجهاد الحياة. وبعد فإن النساء لا يصبحن كلهن عالمات كما لا يكون المتعجرفات فيهن بقدر المتعجرفين من الرجال والعجرفة من الأمور البشعة والنساء لا يحببن أن يكن بشعات كما أنهن لا يتولين الأعمال كلها لما يقوم في وجوههن من منافسة الرجال منافسة شديدة ولأن الطبيعة تقضي بأن تكون للنساء صناعات خاصة بهن وللرجال كذلك فإذا جاء فيهن النساء المخرفات تضطرهن الحال إلى الاعتدال بيد أن الحقوق المخولة للنساء اليوم لا تكفي لتغيير حالتهن الاجتماعية. ولقد عنيت دائماً في حياتي الطويلة أن أشوق أفكار الشبان بل الأطفال إلى الحياة وأن أطلعهم على ما عساهم يطلعون عليه في حياتهم وأرى الآن أنه من الواجب أن ألقنهم محبة حب الوقت إذا كان للوقت ثمن عندهم. أنا مقتنع بأن الناشئة متى عرفوا بعد حين الوقت الذي عشنا فيه يعترفون له بالفضيلة الجميلة من أنه عمل على تقوية كل نوع من أنواع الضعف كضعف الولد وضعف المرأة وضعف الشيخ وضعف الفقير وضعف العاجز والزمن. وهذا العمل الشريف الذي تممته الأزمان لا نلحظه كما أن المتحاربين لا يلحظون في معمعان الحرب كل ما يجري بينهم بل يرون من خلال التراب والدخان حركات لا يميزونها وهجمات وأناساً يفرون وآخرين يركضون وغيرهم يسقطون وهذا الاضطراب العظيم يبعدهم عن تصور ما تم ومع هذا يتم في ساحة الوغى ما انصرف إليه المقاتلة وتخفق أعلام النصر على من كتب لهم. ولكن قوماً يقولون أن إنهاض الضعيف من كبوته يضعف من قوة الحاكم وسطوته ويرى ولاة الأمر أن هذه السطوة ضرورية مشروعة وأنها إذا فقدت فهناك القضاء على المجتمع وعلى العالم. ولكن الناس لم يسمعوا هذه النبوآت إلا عندما تمس آراءهم أو عاداتهم القديمة أما أنا فأعتقد بأن هذا المجتمع في تبدل ولن يزول فإذا ذهبت صورته يبرز في صورة أخرى. لغة البلاد كانت اللغة البلجيكية الشائعة هي الإفرنسية مع أن أكثر من نصف أهلها يتكلمون باللغة الفلامندية وقد علم من إحصاء أخير أن ٢٧٤٤٠٠٠ من أهل البلجيك يتكلمون باللغة الفلامندية و ٢١٤٥٠٠٠ يتكلمون بالإفرنسية و ٧٠٠٠٠٠ يتكلمون بكلتيهما والسواد الأعظم من السكان يطلبون فقط أن تكون اللغة الفلامندية اللغة الرسمية للنصف الشمالي من البلجيك وقد صرح النائب الحر المسيو جورج لوراند بأنه يحق لكل فرد أن تدار شؤونه بلغته وأن الموظفين وهم خدمة الناس يجب عليهم أن يكلموا الأمة بلغتها. قالت المجلة التي نقلنا عنها هذا الخبر وهذا من المعقول بمكان وهو الذي سيكون عليه القرار. الجامعة المصرية افتتحت المدرسة الجامعة يوم ١٥ كانون الأول الماضي حساباً غربياً وهي المدرسة التي أنشأها بعض رجال النهضة المصرية وجمعوا لها الإعانات الطائلة من أرباب الخير لتعليم الناشئة تعليماً أوربياً عربياً وطنياً. والدروس التي تلقى فيها الآن محاضرات على الحضارة الإسلامية يلقيها الأستاذ أحمد زكي بك ومحاضرات على الحضارة القديمة في مصر والشرق إلى ظهور الإسلام يلقيها الأستاذ أحمد كمال بك ومحاضرات على آداب اللغتين الإنكليزية والإفرنسية يلقيها الأستاذان مللر وبوفيليه ومحاضرات على أدبيات الجغرافيا والتاريخ واللغة عند العرب وعلاقتها بأوربا يلقيها الأستاذ دي كوبه. غرف القراءة افتتح مساء ٢٤ ذي القعدة الماضي بضعة عشر أديباً من شبان دمشق وأعضاء جمعية النهضة السورية غرفاً للقراءة مجانية ووضعوا فيها ما يلزم للمراجعة والمطالعة من الكتب والمجلات والجرائد. وهذه الغرف من أحسن المشاريع الأدبية في هذه الحاضرة بعد إعلان الحرية. هجرة الإسبانيين شغلت مسألة هجرة الإسبانيين رجال البحث فيها إذ رأوا أن عدد المهاجرين تضاعف في خمس سنين فكان الراحلون عنها سنة ١٩٠٠ حسب الإحصاء الرسمي ٦٢٤٨٢ فغدوا سنة ١٩٠٦ — ١٢٧٠٠٠ وهذا القدر فيه نظر لأن كثيرين يفرون بدون أن يأخذوا جوازاً من الحكومة فيسافرون سراً فراراً من وجه رجال الشرطة والذين يعودون من المهاجرين إلى أميركا فقلما يرجعون إلى بلادهم وترى الآن ٢٤ مليون هكتار من الأرض الإسبانية بوراً لا زرع فيها ولا ضرع لقاء ٢٢ مليوناً قابلة للزراعة. جرائد الهند تصدر في أقطار الهند ٧٧٤ جريدة يومية بتسع عشرة لغة مختلفة وأكثرها انتشاراً جريدة كورالدري تصدر في بومباي ويطبع منها كل يوم خمسة آلاف نسخة وفي كلكتا جريدة بازوموتي وهي أسبوعية يطبع منها خمسة عشر ألف نسخة. الجنون في أميركا يزداد فقد العقل في الولايات المتحدة بصورة مخيفة. ففي ولاية نيويورك ستة وعشرون ألف وثلاثمائة وسبعة وخمسون مجنوناً وذلك واحد في الثلاثمائة وأغلبهم من المهاجرين. بيان وإيضاح نبهت في كلامي عن الطالع السعيد المقتبس م ٣ ص ٦٠١ على نوع من الزجل سماه المؤلف بالبليقة ولم أدر إن كان يراد به مطلق الزجل في ذلك العصر أو نوعاً مخصوماً منه ثم وقفت أخيراً على بيان وافٍ لهذا النوع في كتاب الأقصى القريب لأبي عبد الله محمد التنوخي وهو من مقتنياتي الحديثة أحببت أن أتحف به المقتبس الأغر. قال عند كلامه على الموشحات والأزجال ما ملخصه ومنها قرقيات المصريين وبليقاتهم والفرق بينهما وبين الزجل أن الزجل متى جاء فيه الكلام المعرب كان معيباً والبليقة ليست كذلك فيجيء فيها المعرب وغير المعرب ولذلك سميت بليقة من البلق وهو اختلاف الألوان وتفارق البليقة القرقية في أن البليقة لا تزيد على خمس حشوات غالباً وقد تنتهي إلى السبع قليلاً والقرقية تزيد كثيراً على حكم الزجل في ذلك وسميت القرقية قرقية من القرقة وهي لعبة يلعب بها صبيان الأعراب انتهى. قلت وهذه اللعبة ذكرها صاحب القاموس ورسم صورتها إلا أنه سماها قِرقاً لا قِرقةً والخطب سهل. قصيدة للمعري نشر المقتبس مجلد ٢ ص ٩٧ قصيدة لأبي العلاء المعري لا توجد بديوانه عثر عليها أحد علماء المشرقيات في كتاب الوافي للصفدي وقد عثرت له على أبيات لامية أيضاً لا توجد بالديوان في كتاب التذكرة لابن العديم وهو من كتب دار الكتب الخديوية وهذه النسخة بخط ابن العديم نفسه ونصها: قرأت بخط الشيخ أبي الفضل عبد الواحد بن محمد بن العطار الربعي الحلبي على ظهر كتاب أنشد أبو العلاء المعري في من قتل وصلب. أَبدْرَ دُجى غالته الغوائل فأصبح مفقوداً وليس بآفل أتته المنايا وهو أعزل حاسر خفىَّ غرار السيف بادي المقاتل غلام إذا عاينت عاتق ثوبه رأيتَ عليه شاهداً للحائل يمسّح المسك الزكيّ مرَجلاً يرفّ على المتنين مثل السلاسل سواءٌ عليه في السوابغ جرْأَةً ثنى عطفه أو في رقاق الغلائل وعزّ عَلَيّ العلياءِ إن حيل بينه وبين ظبي أسيافه والعوامل وعريّ من برديه والسيف لم يكن ليخضب إلا من دماءِ الأفاضل أَحلوُّك من أعلى الفضاء محلةً نأَت بك عن ضنك الثرى والجنادل وليس بعارٍ ما عراك وإنما حمال اتساع الصدر ضيق المنازل انتهى إلا أن قول ابن العديم أنشد أبو العلاء يحتمل أنه أنشدها لغيره وليست له ويتحمل عكسه على أني أرجح كونها له لما عليها من المسحة المعرية وقد عرضتها عَلَى الأستاذ الشيخ طاهر الجزائري فصوب رأيي فيها وزاد أنه لم يعهد في الغالب أن أبا العلاء ينشد لغير العرب فالراجح أنها من كلامه وقد أعجب بها كثيراً. مطبوعات ومخطوطات التربية الاستقلالية أو أميل القرن التاسع عشرل الفونس اسكيروس ترجمه عبد العزيز أفندي محمد وطبع ب مطبعة المنارب مصر سنة ١٣٢٦: ص ٤٦٦ هذا السفر من أجل كتب التربية عند الإفرنسيس جرى فيه مؤلفه على أسلوب أميل القرن الثامن عشر لجان جاك روسو وصاغه في قالب رسائل ملذة حوت خزانة أفكار ترقي في المرء أدب النفس وأدب الدرس. وقد قدم له رصيفنا صاحب المنار مقدمة ذكر فيها غرض المؤلف وفائدة كتابه وكذلك فعل مترجمه الأديب. وكان نشر هذا الكتاب تباعاً في أجزاء كثيرة من مجلة المنار فأفرد الآن ليعم نفعه فهو من أفضل ما يقتنيه أرباب البيوت ويتلونه على صبيانهم وبناتهم ونسائهم لتنطبع في القارئ والسامع ملكة التربية العملية وصورة من صور الآداب العالمية في المدنية الغربية فعسى أن ينتفع بالفرع كما انتفع بالأصل وأن يلهم العارفون لغات الأجانب منا إلى تعريب مثل هذه الأسفار النافعة.  دلائل التوحيد تأليف الشيخ محمد جمال الدين القاسمي الدمشقيطبع ب مطبعة الفيحاءب دمشقص ٢٠٧ عرف مؤلف هذا الكتاب بالهمة العالية في التأليف والنشر والنظر في الفنون الإسلامية واللسانية. وكتابه هذا حوى من أدلة الكلاميين والفلاسفة الإلهيين ما تدحض به حجج المبطلين والسفسطائيين ولنحل به شبهات الجامدين من الماديين وقد التزم في حجاجهم جانب الأدب والحكمة فلا يدفع الشبهة إلا بالحجة ولا يدفع الباطل إلا بسلطان الحق عازياً بعض الشواهد لأربابها مغفلاً الآخر على حسب المال. دواني القطوف في تاريخ بني المعلوفتأليف عيسى أفندي اسكندر المعلوف. طبع في المطبعة العثمانيةفي بعبدا لبنان سنة ١٩٠٧ — ١٩٠٨ص ٧٤٩ هذا المؤلف من كتاب العربية وشعرائها المجيدين ترجم وكتب كثيراً فعد من جملة من خدموا الآداب العربية وقد اختص هذا التأليف بوصف أسرته الكبرى خاصة وبعض الأسر السورية ولاسيما المسيحية عامة وألمَّ بتاريخ معظم أصقاع سورية قديمها وحديثها ومناشئ سكانها وأصولهم وعاداتهم وحكوماتهم آخذاً عن الشيوخ مشافهة ومن بطون الدفاتر والكتب المطبوعة والمخطوطة مما يصعب وصول كل باحث إليه فجمع شتيتاً من الحوادث والكوائن خدم بها تاريخ البلاد خدمة يشكر عليها وتاريخ الأفراد هو تاريخ السياسة. تقرير جمعية العروة الوثقى سنة ١٩٠٦ — ١٩٠٧ في القطر المصري جمعيتان إسلاميتان قامتا بأجل الأعمال النافعة من تربية البنين والبنات إحداهما الجمعية الخيرية الإسلامية في القاهرة والثانية جمعية العروة الوثقى الخيرية الإسلامية بالإسكندرية. وأمامنا الآن تقرير الثانية الأخير وفيه أن عدد مدارس الذكور التي أسستها كان في السنة الماضية ١١ مدرسة فيها ٩١٠ أولاد ومدارس البنات ٦ عدد تلميذاتها ٥٥٧ بنتاً وقد تبرع لها المحسنون في خلال السنة الماضية بألف جنيه بعضها من محسني اليونان وغيرهم كما تبرع المسيو موريوندو وحده بألف ليرة إفرنسية وأعطى ورثة المسيو نقولا آبيت إلى الجمعية ألف جنيه وهي مما خصها من توزيع الخمسة آلاف جنيه التي كان أوصى بها لتصرف على الأعمال الخيرية في الإسكندرية وذلك عدا الأوقاف التي وقفت عليها وهي تساوي بضعة ألوف من الجنيهات. وكان المرصد لنفقات التعليم ٥٦٤٦ فبلغت النفقات الحقيقية ٥٧٣٠ ج و ٨٦ م.  رحلة الحبشة لصادق باشا المؤيدوتعريب رفيق بك العظم و حقي بك العظم . طبعت بمطبعة الجريدةبمصر سنة ١٣٢٦ — ١٩٠٨ص ٣٣٥ المؤلف والمعربان ممن اشتهروا بالآداب وخدمة الأقلام. والمؤلف هو أحد أفراد أسرة تعلم معظمهم التعليم العصري وبرزوا في الفنون التي أحكموها. وقد كانت الحكومة العثمانية انتدبته في مهمات السياسة فرحل إلى جغبوب مقر الشيخ السنوسي كما رحل إلى كفرة وآسيا الصغرى والحجاز وآخر رحلاته رحلته إلى بلاد الحبشة في مهمة من السلطان العثماني إلى الإمبراطور منليك الحبشي فلم يشأ أن يضيع رحلاته في الطعام والمنام والسلام والكلام بل قيدها بالورق ونشر بعضها بالتركية فعز على نسيبه أن لا ينتفع برحلته إلى الحبشة عند العرب فعرباها تعريباً متقناً وفيها وصف بلاد النجاشي وصورة مصغرة من تاريخها الحاضر والغابر واجتماعها وأصول سكانها وعاداتهم وإدارتها وصلاتها ببلاد الإسلام ومشاهيرها أمس واليوم بحيث جاء الكتاب مرجعاً لأبناء هذه اللغة وسوف تنتفع به الأجيال المقبلة كما ننتفع نحن الآن برحلة ابن جبير وابن بطوطة وغيرهما من رحالة العرب والعجم. وكتب الرحلات من أنفع كتب العمران والحضارة وفي هذا الكتاب صور بعض المشاهير من الأحباش وغيرهم وبعض الرسوم والمصورات على نحو الرحلات الإفرنجية.  تركيا الجديدة ل جميل أفندي معلوفطبع بمطبعة المناظرفي سان باولومن بلاد برازيل ص ١٥٤ كتاب أجاد مؤلفه في وضعه أتى فيه على أسباب الانقلاب العثماني وتاريخه وقسمه إلى ستة كتب الكتاب الأول في أسباب الانحطاط في الشرق والثاني في تفرنج الشرقيين والثالث في التعليم والرابع في القانون الأساسي والخامس في الديانة السياسية والسادس أبقاءٌ أم فناء. كل ذلك مكتوب بقلم يدل على أن للمؤلف جولة في المسائل السياسية والاجتماعية وذوقاً في التأليف والتأثير في الأفكار ومن رأيه أن الثورة الأخيرة في السلطنة كانت لقلب مبدأ لا للانتقام من شخص ولو كانت شخصية لفشلت لأن كثيراً من ملوك بني عثمان قتلوا ولم ينتج من قتلهم فائدة للبلاد بخلاف هذه الثورة التي أشبهت ثورتي فرنسا وأميركا اللتين أريد بهما قلب المبادئ لا نقل السلطة من مستبد إلى يد مستبد آخر. قال ولا بد أن يعقب هذا الانقلاب السياسي الصغير ثورة أدبية عظيمة ضد المبادئ القديمة كلها فيثور الابن عَلَى أبيه والمرأة على زوجها والخادم على سيده والرعية على كاهنها وشيخها ورجال الدين على كتبهم وأبناء اليوم جميعاً سيثورون على خرافات أجدادهم ويبرزون أمام العالم أمة جديدة مجردة من كلا علاقة مع الأجيال الماضية.  الفتاوى والنظم تأليف محمود أفندي الحمزاوي طبع بمطبعة روضةجلق بدمشق سنة ١٣٢٦ هـص ٨٦ هي رسالة منظومة في قسم المعاملات من الفقه الحنفي فيها فوائد كثيرة لا يستغني عنها مستفت. ونظم المؤلف وسط ولعله أرقى من كثير من منظوم الفقهاء والمحدثين والمؤلف أحد مفاتي دمشق الذين تفاخر بهم لم يشتهر بالنظم اشتهاره بالفقه والحديث وله رسائل وكتب طبع بعضها وبعضها لم يطبع. نخبة عقد الأجياد في الصافنات الجيادتأليف الأمير محمد باشا الحسني الجزائريطبع على نفقة المطبعة الأهليةفي بيروت سنة ١٣٢٢ص ٣٠٤ هو كتاب موجز من سفر مطول بهذا الاسم ذكر فيه المؤلف نشأة الخيل ونضلها وتكريمها والقول في لحومها وأنواعها وألوانها وأعضائها وصفاتها وتقفيزها وأطوارها وخدمتها والإنفاق عليها وتأديبها وكيفية تضميرها والسباق وما يتعلق به إلى غير ذلك من الفوائد المهمة التي لا يستغنى عنها في هذا الباب فنشكر للأمير المؤلف هديته ونرجو أن ينسج على منواله معظم الأعيان والأمراء فيصرفون شيئاً من أوقاتهم في خدمة الآداب والمعارف. أبحاث باحث نشر المسيو لوسين بوفا من المتضلعين من العلوم المشرقية والعارفين بالعربية والفارسية والتركية كراسة أشار فيها إلى أبحاثه ومقالاته في المجلات الإفرنجية مثل مجلة العالم الإسلامي والمجلة الآسياوية ومجلة السجلات المراكشية والمجلة الإسبانية ومعظم هذه الأبحاث مما اشتهر بين أهل الأدب والعلم وقدره الباحثون حق قدره فنثني على نشاط صديقنا المشار إليه. مجلات وجرائد لم يكد الكمام الذي وضع على الأفواه والألسن منذ زهاء عشرين سنة في السلطنة يرتفع عن الناس بفضل القانون الأساسي حتى ظهرت جرائد ومجلات كثيرة بلغات مختلفة في قواعد البلاد بل في كورها الصغيرة. ومن الجرائد اليومية التي ظهرت في بيروت جريدة الاتحاد العثماني لمنشئها أحمد أفندي حسن طبارةمن قدماء الصحافيين وجريدة الثبات لصاحبها إسكندر أفندي الخوري ورئيس تحريرها خليل أفندي زبيّةمن قدماء الكتاب وجريدة الوطن لمنشئيها شبلي أفندي ملاط و نجيب أفندي شوشاني من الأدباء الشعراء وحديقة الأخبار وهي أقدم جريدة سورية صدرت يومية أيضاً لمنشئيها وديع أفندي الخوري و حنا أفندي الخوري وبيروت لصاحبيها عبد القادر أفندي الدنا و أمين أفندي الدنا صدرت يومية أيضاً والحقيقة ل لشيخ أحمد عباس الأزهري ومديرها حسن أفندي الناطور والمفيد لعبد الغني أفندي العريسي من الأدباء الكاتبين ومدير سياستها حسن أفندي بيهم من قدماء الكتاب. وبهذه الجريدة أصبحت جرائد بيروت ولبنان اثني عشرة جريدة. و صدرت في حلبجريدة يومية لصاحبها حكمت ناظم بكاسمها صدى الشهباء نصفها بالعربية والنصف الآخر بالتركية. و أصدر صاحب هذه المجلة جريدة يومية باسم المقتبس أيضاً في مدينة دمشق. ومن المجلات الحديثة مجلة المباحث في طرابلس الشام لصاحبها جرجي أفندي ينيو صموئيل أفندي يني من قدماء الكتاب المشتغلين بالآداب وهي علمية أدبية سياسية فكاهية تصدر مرتين في الشهر وصدرت في بيروت مجلة النبراس وهي شهرية تبحث في الاجتماع والعمران والعلم والأدب والتاريخ والانتقاد والسياسة لمنشئها الشيخ مصطفى الغلاييني من الكتاب الأدباء. وصدرت في بيروت مجلة المنتقد وهي عمرانية اجتماعية انتقادية فكاهية تصدر مرتين في الشهر لمنشئها محمد أفندي باقر ومديرها كمال أفندي بكداش . وصدرت فيها أيضاً مجلة روضة المعارف لصاحبها محمد علي بك القباني ورئيس تحريرها الشيخ عبد الرحمن سلام الشاعر الأديب وهي تصدر مرتين علمية أدبية فكاهية. وصدرت في مصر عدة جرائد ومجلات أيضاً منها مجلة الجامعة المصرية وهي نصف شهرية لأصحابها محمود أفندي فيضي و عبد الله أفندي أمين وهما من أدباء القاهرة وهذه المجلة تنشر دروس الجامعة المصرية. والذي يلاحظ على معظم هذه الصحف أنها تكاد تكون متشابهة في موضوعاتها فلو تفننت كل واحدة وخاضت عباب موضوع يخالف أختها لنفعت البلاد نفعاً أكثر وصادفت من الرواج والإقبال ما تستحق.  المنجد للأب لويس معلوفاليسوعي طبع بالمطبعة الكاثوليكيةفي بيروتص ٧٣٧ هو معجم عربي مدرسي موجز مرتب على الأسلوب الحديث مزين بصور بعض الحيوانات والنباتات والأدوات والأعضاء قدم له المؤلف الاصطلاحات التي اختارها وفيها فوائد كثيرة وكنا نود لو كان هذا المعجم أوسع مما هو عليه لئلا تفوته بعض الفصح وأن تكون بعض ألفاظه معززة بالشواهد الخفيفة لتكون اعلق في الذهن. وقد تحرى المؤلف كما قال المحافظة على عبارات الأقدمين ما أمكن وأغفل ذكر ما يمس حرمة الآداب من الكلمات المبذوءة التي لا يضر جهلها وقلما أفاد علمها. قال وإذا شئت البحث عن كلمة فإن كانت مجردة اطلبها في باب أول حرف منها وإن كانت مزيدة أو فيها حرف مقلوب عن آخر جردها وأوردها إلى الأصل ثم اطلبها في باب الحرف الأول من حروفها الأصلية وقد جعل أول كل مادة في صدر السطر بين هلالين وعد اليمين نقطة مربعة الشكل وإن كانت الكلمة من الدخيل فنقطة مستديرة. والكتاب من أجود طبع عهد باللغة العربية وأصغر حرف وأوسط حجم حتى يسهل على الطالب نقله كما ينقل المعاجم الصغيرة الإفرنجية فنشكر للمؤلف عنايته بخدمة اللغة والآداب ونرجو أن يكون مصنفه نافعاً للمدارس والطلاب.</passage>
<license>Distributed under a Creative Commons Attribution-ShareAlike 4.0 International (CC BY-SA 4.0) license</license>
<source>https://github.com/tillgrallert/digital-muqtabas/blob/master/xml/oclc_4770057679-i_37.TEIP5.xml retrieved via Canonical Text Service http://cts.informatik.uni-leipzig.de/muqtabas/cts/ with CTS URN urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.37.TEIP5:</source>
</reply>
</GetPassage>
