<?xml version="1.0" encoding="UTF-8"?><GetPassage xmlns="http://relaxng.org/ns/structure/1.0" xmlns:a="http://relaxng.org/ns/compatibility/annotations/1.0" xmlns:tei="http://www.tei-c.org/ns/1.0">
<request>
<requestName>GetPassage</requestName>
<requestUrn>urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.36.TEIP5:</requestUrn>
</request>
<reply>
<urn>urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.36.TEIP5:</urn>
<passage>الحافظة والحفاظ أي نعمة ينالها المرء أعظم من أن تعي ذاكرته كل ما تريد وعيه وتدخره إلى ساعة حاجة للانتفاع به. الحافظة من العوامل المؤثرة في ترقية الأفراد والجماعات وبدونها يصعب الوصول إلى إدراك الحقائق وتمحيصها لانا إذا لم نستعن في كل مطلب من مطالب الحياة بتجارب من سبقونا ونحفظ المأثور عنهم لننسج على منواله كنا أشبه بمن يريد أن يبني له يوم بناء وظلت العلوم والصناعات والآداب في طفولتها الأولى تجري على نظام مضطرب إذ يكون كل امرىء وما يختار. والذاكرة والحافظة حاسة يحفظ بها الذهن على صورة دائمة أموراً مضت وتأثرت وقعت فهي بذلك كما قال مونتين الفيلسوف ( ١٥٣٢ ـ ١٥٩٢ ) وعاء العلم وصوان الحكمة. وقال لارشفوكلد الكاتب ( ١٦١٥ ـ ١٦٨٠ ) جميع الناس يشكون من حافظتهم وما قط شكا أحد من عقله. وقال آخر: إن الذكاء بدون حافظة أشد بغربال لايكاد يمسك ما تضعه فيه. وقال أحدهم: الحافظة واسطة من وسائط الكمال وبدونها لا يستطيع امرؤ أن يقلد شيئاً وينسج على منواله. وقال لاكورنيل الشاعر: يجب لمن يعتمد الكذب أن يكون ذا ذاكرة جيدة. وهذا مثل قولهم إذا كنت كذوباً كم ذكوراً. وقال بيكته الأديب السويسري ( ١٧٩٩ ـ ١٨٧٥ ): لقد كان للحافظة شأن مهم جداً عند الناس في العصور الأولى أكثر مما صار لها في القرون اللاحقة. كانت الحافظة قبل اختراع الكتابة هي التي تتولى خاصة نقل التقاليد الوطنية والدينية وعامة القوانين والعادات والشعر ولذلك كانت هذه الحاسة التي قلما نحفل الآن بأمرها عند قدماء الآريين مشابهة للفكر نفسه. اختلفت مذاهب الفلاسفة فيما إذا كانت الحافظة حاسة قائمة بذاتها أو فيما إذا كان لكل حاسة فينا ذاكرة معينة ومعظم الحكماء وعلما النفس على أن الحافظة حاسة مستقلة عن بقية حواس الإنسان ولا يكاد أحد يدرك كيف تعي الحافظة الأرقام والأعداد وتحفظ العبارات والمفردات وتحكم اللغات واللهجات وتردد الألحان والأصوات. ويقول علماء النفس أن الشروط النفسية اللازمة لجودة الذهن متوقفة على جودة تركيب أنسجة الدماغ وحسن تغذية هذه الأنسجة. والتعب والشيخوخة من العوامل المؤثرة في ضعف الحافظة لأنهما ملازمان لضعف تغذية هذه الأنسجة ولذلك قالوا درجة الحافظة لا تختلف بحسب الأشخاص بل تختلف في الشخص الواحد في أدوار مختلفة من حياته وإذا صرفنا النظر عن الآفات العضوية التي تضر بها فمن هناك أيضاً أحوالاً أقل منها تزيدها ضعفاً إلى ضعفها مثل اضطرابات المعدة وسوء الهضم والشقيقة فإن جميع هذه العوارض على الجسم تغيرها تغييراً محسوساً. ولتركيب الدماغ وحالته تأثير ظاهر في الحافظة فقد ذكر بلين الطبيعي الروماني أن رجلاً نسي حتى رسائله بعد أن أصيب بشجة في رأسه. وزعم البابا كليمان السادس أن حافظته قويت قوة عجيبة عقب أن أصيب برضة شديدة في دماغه. وكيفما كانت الحال فللتمرين يد طولي في تخصيص الحافظة بشيء معين فالممثلون تقوى فيهم الملكة الحافظة الشفاهية وهي من اللوازم لهم في صناعتهم ورجال الشرطة تقوى فيهم الحافظة في تذكر صور الأشخاص وليس البشر كلهم سواء في الحفظ والاستظهار فمنهم من يحفظون الأشكال الهندسية وهم اللذين خلقوا رياضيين بالفطرة ومنهم من يرزقون حافظة قوية في الأنغام كالموسيقيين. وغيرهم في ذلك من الناس من يذكرون الكلمات بسرعة غريبة ومن الأطفال من تقرأ لهم بصوت عال عدة صفحات فيستظهرونها في الحال ويتلونها على مسامعك لأول مرة. وتذكر الألفاظ خاصة يمتاز بها الأولاد في العادة أكثر من الكبار في السن ممن لا تكون قويت فيهم حاسة التفكر فيحفظون الكلمات التي يسمعونها على أيسر وجد بدون أن يفهمونها والسبب في سهولة الحفظ عليهم فقدان قوة التفكر فيهم وعندما يبدأ التفكر في معظم الناس تضعف الحافظة فيهم وقد تزول من بعضهم. والحافظة الشفاهية إذا كانت هي وحدها في الإنسان لا تكون له سبيلاً إلى التفكر ومن فقد الأولى فلا يأسف لحاله لأنه يستطيع بقوة التفكر أن يأتي بالجيد من الأفكار ولكن الحافظة وحدها قد تكون من أكبر العوائق عن جودة التصور. وبعد فإن للحافظة شأناً عرقية الفكر الإنساني وبدونها يكون كل شيء عقيماً لا ثمرة لأنها واسطة لبقاء الأفكار التي صدرت وأحسن ذريعة للحصول على أفكار جديدة ولم يعرف القانون الذي تسير عليه كما أن جوهرها لم يدرك الباحثون حقيقته وغاية ما عرف من أمرها أنها بالانتباه والتمرن وأن الكسل ابن الترف والكسل يجرح الحفظة أن لم نقل يقتلها. ذكر التاريخ كثيرين من رباب الحافظة النادرة فمنهم في القديم ميتر يدانس الكبير ملك شمالي غربي آسيا الصغرى ( ١٢٣ ـ ٦٣ ق. م) فقد كان يحكم على اثنين وعشرين أمة مختلفة ويخطب أمام كل منها بلغتها ويدعو كل واحد من جنده باسمه. وذكروا مثل ذلك عن قورش ملك الفرس وليموسنقلس وسيبيون الآسياوي وإلا إمبراطور أدريان ويقال أن مزية الحافظة هيأت لاوتون الروماني تولي الملك. وتعلم ليموسنقلس اللغة الفارسية في سنة وكان ليبس اللغوي الأديب البلجيكي ( ١٥٤٧ ـ ١٦٠٦ ) يحفظ تاريخ تاسيت المؤرخ اللاتيني بألفاظه حرفاً بحرف وقد قال أنه يرضى أن يقف جلاد وبيده سيف على رأسه وهو يتلو هذا التاريخ فإذا أخل بحرف واحد يضرب عنقه. وكان لرينودي بون حافظة سعيدة يذكر جميع الأبيات اللاتينية واليونانية التي قرأها في صباه ويتلو صفحات برمتها من ديوان هوميروس وان كان مضى عليه أربعون سنة وهو لم ينظر فيه نظرة واحدة. وكان هوج دونو الفقيه المشهور في القرن السادس عشر يستظهر القوانين المعروفة في عصره بالحرف الواحد. وحفظ يوسف سكاليجة الأديب ( ١٥٤٠ ـ ١٦٠٩ ) الإلياذة والاوذيسية في أحد وعشرين يوماً. ومن ألطف ما يروى في باب الحافظة أن أحد الفلاحين في فرنسا جاء إلى باريز يقصد صاحباً قديماً له قد استلف منه خمسة فرنكات منذ خمسة عشرة وطلب إليه أن ينقده ماله فتركه وعاد فدفع إليه ليرة واحدة وخمسة فرنكات وقال له: هذا يا صاح قد كنت نلت وأنا في المدرسة ليرة جائزة عن حافظتي فرأيتك أحد مني ذاكرة وأنك أحق بهذه الجائزة مني. ليس في الدنيا خير محض فقد اخترعت الطباعة منذ نحو خمسمائة سنة فعم نفعها أهل الأرض كافة ولكن ما عتمت أن نتج عنها بعض شر إذ أصبح الناس يعتمدون على الكتب في جماع علومهم وآدابهم بعد أن كان جل اعتمادهم على محفوظاتهم ومخطوطاتهم. والغالب أن الاعتماد على الحافظة والحفاظ كان في الإسلام على أشد قبل تدوين الكتب وتأليف الرسائل والمصنفات ولما بلغ بعض الأئمة تدوين الكتب أسفوا وعدوه من دواعي تقهقر العلم وانقطاع سند الرواية وما زالت الحال ترتقي بعض الشيء في بعض الأعوام ثم يزهد في الحفظ حتى انتشرت الطباعة في بلادنا بانتشار الصناعات الفكرية فأمسى الناس يستندون إلى السطور بدل الصدور والقراطيس والأسفار بدل الحفظ والاستظهار فضعفت بهذا الضعف الحافظة وان قويت المفكرة وقلت الرواية وان لم تقل الدراية. انقطع سند الحفظ إلا في بعض ما لا يسع الأمة جهله من القرآن وعلومه فأخذ بعضهم يفتاتون على من عرفوا قديماً بسعة محفوظهم ويزيفون ولكن بدون برهان ما رواه طائفة الراوين من أبناء الأذكياء الحافظين. ولو صح الاعتماد على إلقاء الكلام على عواهنه في هذا الباب إذاً لسقط التاريخ وارتفعت الثقة من كل خبر حتى من مجيء الرسم وحروب الملوك ودثور الشعوب والمدن وما إليها. وما أشبه من يكذب بادىء الرأي بلا دليل قاطع بمن يؤثر الهدم على البناء. وشتان بين المخرب والمعمر والمتلف والمخلف والمفسد والمصلح. ما عُنيت امة بتدين دينها وحفظه ولغتها وضوابطها عناية المسلمين بدينهم ولغتهم فكان أمر حفظة الكتاب العزيز ما اشتهر في كل مصر وعصر ولا يزال في البلاد اثر من آثر تلك العناية. أما الأحاديث فقد عنوا بها قديماً وجمعوا أشتاتها وبينوا صالحها من موضوعها وضعيفها من قويها مما يدركه كل من كان له إلمام بالمراجعة ونظر في كتب القوم. لم يكن العلم في القرون الأولى للإسلام بالإرث ولا بالمظاهر ولا بالوساطات والشفاعات بل كان بالاستحقاق وكدّ القرائح سير على قوانين بقيود وروابط ولذلك لم يكن ينال لقب حافظ من لم يحفظ ألوفا من الأحاديث بأسانيدها فقد كانوا يطلقون اسم المسند على من يروي الحديث بإسناده سواء كان عنده علم به أو ليس له إلا مجرد رواية ويطلقون اسم المحدث على من كان أرفع منه والعالم على من يعلم المتن والإسناد جميعاً والفقيه على من يعرف المتن ولا يعرف الإسناد والحافظ على من يعرف الإسناد ولا يعرف المتن والراوي على منة يعرف المتن ولا يعرف الإسناد. وكان السلف يطلقون المحدث والحافظ بمعنى. والمحدث من عرف الإسناد والعلل وأسماء الرجال والعالي والنازل وحفظ مع ذلك جملة مستكثرة من المتون وسمع الكتب الستة ومسند أحمد بن حنبل وسنن البيهقي ومعجم الطبراني هذا القدر ألف جزء من الأجزاء الحديثة هذا أقل درجاته فإذا سمع ما ذكر وكتب الطباق ودار على الشيوخ وتكلم في العلل والوفيات والمسانيد كان في أول درجات المحدثين. وكان السلف يستمعون فيقرون فيرحلون ويحفظون فيعملون قال بعضهم. إن الذي يروي ولكنه يجهل ما يروي وما يكتب كصخرة تنبع أموالها تسقي الأراضي وهي لا تشرب سأل تقي الدين السبكي الحافظ جمال الدين المزي عن حد الحفظ الذي إذا انتهى إليه الرجل الذي جاز له أن يطلق عليه الحافظ قال: يرجع إلى أهل العرف فقلت وأين أهل العرف قليل جداً قال: اقل ما يكون الرجال اللذين يعرفهم ويعرف تراجمهم وأحوالهم وبلدانهم أكثر من اللذين لا يعرفهم ليكون الحكم للغالب فقلت له: هذا عزيز في هذا الرمان أدركت أن أحداً كذلك فقال: ما رأينا مثل الشيخ شرف الدين الدمياطي ثم قال: وابن دقيق العيد كان له في هذا مشاركة جيدة. قال فتح الدين بن سيد الناس وأما المحدث في عصرنا فهو من اشتغل في الحديث رواية ودراية وجمع رواة واطلع على كثير من الرواة والروايات في عصره وتميز في ذلك حتى عرف فيه خطه واشتهر فيه ضبطه فإن توسع في ذلك حتى عرف شيوخه وشيخ شيوخه طبقة بعد طبقة بحيث يكون ما يعرفه من علل طبقته أكثر مما يجهله منها فهذا هو الحافظ وأما ما يحكى عن بعض المتقدمين من قولهم كنا لا نعد صاحب حديث من لم يكتب عشرين ألف حديث في الإملاء فذلك بحسيب أزمنتهم. وقال أبو زرعة الرازي: كان أحمد بن حنبل يحفظ ألف ألف حديث قيل له وما يدريك قال: ذاكرته فأخذت عليه الأبواب: احفظ مائة ألف حديث صحيح ومائتي ألف حديث غير صحيح. وقال الحاكم في المدخل: كان الواحد من الحفاظ يحفظ خمسمائة ألف حديث سمعت أبا جعفر الرازي يقول سمعت أبا عبد الله بن وارة يقول كنت عند اسحق ابن إبراهيم بنيسابور فقال رجل من أهل العراق: سمعت أحمد بن حنبل يقول صح من الحديث سبعمائة ألف وكسروا هذا الفتى يعني ابا زرعة قد حفظ سبعمائة ألف حديث. قال البيهقي: أراد ما صح من الأحاديث وأقاويل الصحابة والتابعين وقال غيره: سئل أبو زرعة عن رجل حلف بالطلاق أن أبا زرعة يحفظ مائتي ألف حديث هل يحنث قال لا. ثم قال: احفظ مائة ألف حديث كما يحفظ الإنسان سورة قل هو الله أحد وفي المذاكرة ثلثمائة ألف حديث وقال أبو بكر محمد بن عمر الرازي الحافظ: كان أبو زرعة يحفظ سبعمائة ألف حديث وكان يحفظ مائة وأربعين ألفاً في التفسير والقرآن. وكان اسحق بن راهوية يملي سبعين ألف حديث حفظاً وأسند ابن عدي عن ابن شبرمة عن الشعبي قال: ما كتبت سواداً في بيضاء إلى يومي هذا ولا حدثني رجل بحديث قط الا حفظته فحدثت بهذا الحديث اسحق بن راهوية فقال: تعجب من هذا قلت: نعم قال: ما كنت لأسمع شيئاً إلا حفظته وكأني أنظر إلى سبعين ألف حديث او قال أكثر من سبعين حديث في كتبي. واسند عن أبي داود الخفاف قال: سمعت اسحق ابن راهوية يقول: كأني أنظر إلى مائة ألف حديث في كتبي وثلاثين ألفاً أسردها. وأسند الخطيب عن محمد بن يحيى بن خالد قال: سمعت اسحق بن راهوية يقول: أعرف مكان مكان مائة ألف حديث كأني أنظر إليها وأحفظ سبعين ألف حديث عن ظهر قلبي. حفظ أربعة آلاف حديث ضرورة وقال عبد الله أحمد بن حنبل قال أبي الداود بن عمرو الضبي وأنا أسمع: كان يحدثكم إسماعيل بن عباس هذه الأحاديث بحفظه قال: نعم ما رأيت معه متاباً قط قال له: لقد كان حافظاً كم كان يحفظ قال شيئاً كثيراً قال: كان يحفظ عشرة آلاف وعشرة آلاف وعشرة آلاف فقد كان أبي هذا كان مثل وكيع. وقال يزيد بن هرون احفظ خمسة وعشرين ألف حديث وقال الآجري: كان عبد الله بن معاذ العنبري يحفظ عشرة آلاف حديث. قال السبكي لم تر عيناي احفظ من أبي الحجاج المزي وأبي عبد الله الذهبي والوالد وغالب ظني أن المزي يفوقهما في العلل والمتون والجرح والتعديل مع مشاركة كل منهم لصاحبه فيما يتميز عليه المشاركة البالغة سمعت شيخنا الذهبي يقول: ما رأيت أحداً في هذا الشأن حفظ من الأمم أبي الحجاج المزي وبلغني عنه أنه قال ما رأيت أحفظ من أربعة: ابن دقيق العيد والدمياطي وابن تيمية والمزي فالأول أعرفهم بالعلل وفقه الحديث والثاني بالأنسب والثالث بالمتون والرابع بأسماء الرجال. وكان الدمياطي يقول: ما رأى شيخنا أحفظ من زكي الدين عبد العظيم وما رأى الزكي أحفظ من أبي الحسن علي بن المفضل ولا رأى ابن المفضل أحفظ من الحافظ عبد الغني ولا رأى عبد الغني أحفظ من أبي موسى المديني ألا أن يكون الحافظ أبا القاسم بن عساكر ولا رأى ابن عساكر والمديني أحفظ من أبي القاسم إسماعيل بن محمد التيمي ولا رأى إسماعيل أحفظ من أبي الفاضل محمد بن طاهر المقدسي ولا رأى ابن طاهر أحفظ من أبي نصر بن ماكولا ولا رأى ابن ماكولا أحفظ من أبين بكر الخطيب ولا رأى الخطيب أحفظ من أبي نعيم وأبو نعيم ما لرأى أحفظ من الدارقطني وأبي عبد الله بن مندة ومعهما الحكم مكان ابن مندة يقول: ما رأيت أحفظ من أبي اسحق بن حمزة الأصبهاني وقال ابن حمزة: ما رأيت أحفظ من أبي جعفر أحمد بن يحي بن زهير القشيري وقال: ما رأيت أحفظ من أبي زرعة الرازي وأما الدارقطني فما رأى أحفظ من نفسه وأما الحاكم فما رأى أحفظ من الدارقطني بل وكان يقول الحاكم ما رأيت أحفظ من أبي علي النيسابوري ومن أبي بكر ابن الجعابي وما رأى الثلاثة أحفظ من أبي العباس بن عقدة ولا رأى أبو علي النيسابوري مثل النسائي ولا رأى النسسائي مثل اسحق بن راهويه ولا أرى أبو زرعة احفظ من أبي بكر أبي شيبة وما رأى أبو علي النيسابوري مثل ابن خزيمة وما رأى ابن خزيمة مثل أبي عبد الله البخاري ولا رأى البخاري فيما ذكر مثل على بن المديني أولا رأى أيضاً أبو زرعة والبخاري وأبو حاتم وأبو داود مثل أحمد بن حنبل ولا مثل يحيى بن معين وابن راهويه ولا رأى أحمد ورفاقه مثل يحيى بن سعيد القطان ولا أرى هو مثل سفيان ومالك وشعبة ولا رأوا مثل أيوب السختياني نعم ولا رأى مالك مثل الزهري ولا رأى الزهري مثل ابن المسيب ولا رأى ابن المسيب أحفظ من أبي هريرة ولا رأى أيوب مثل ابن سيرين ولا رأى مثل أبي هريرة نعم ولا رأى الثوري مثل منصور ولا رأى منصور مثل إبراهيم ولا رأى إبراهيم مثل علقمة ولا رأى علقمة كابن مسعود. هذا كان مبلغ القوم في حفظ الحديث وروايته على كثرة المتشابه فيه وتوفر الأسانيد والرواة بحيث لو أراد أحد لهذا العهد أن يحفظ شيئاً مما كانوا يحفظونه لاختار استظهار اللغة الصينية واستسلها أكثر وذلك لضعف الحافظة من هذا المعنى وانقطاع سند هذه العلوم الجليلة إلا قليلاً. كان الحافظ أبو عامر محمد بن سعدون من أعيان حفاظ الإسلام قال ابن عساكر أنه أحفظ شيخ لقيه وشيوخ ابن عساكر زهاءُ ألف ومائتي شيخ وكان الفقيه أعلم الدين القمني يحفظ ما يسمعه من مرة واحدة. وكان الشافعي من أحفظ أهل دهره قضى عشرين سنة في تعلم الأدب والتاريخ وقال ما أردت بهذا إلا الاستعانة على الفقه ويروى أنه نظر في دريد صاحب المقصورة من علماء اللغة كان آية من آيات الله في اتساع صدره للرواية تقرأ عليه دواوين العرب فيسارع إلى إملائها من محفوظه. وقيل أن أحمد بن حنبل إمام المحدثين كان يحفظ ألف ألف حديث. قال سعيد بن جبير من أعلام التابعين قرأت القرآن في ركعة البيت الحرام وقال اسمعيل بن عبد الملك كان سعيد بين جبير يؤُمنا في شهر رمضان فيقرأ ليلة بقراءة عبد الله بن مسعود وليلة بقراءة زيد بن ثابت وليلة بقراءَة غيره هكذا أبداً ولا عجب وهو الذي قال فيه أحمد بن حنبل قتل الحجاج سعيد بن جبير وما على وجه الأرض أحد إلا هو مفتقر إلى علمه. وكان على الرازي يقول من فهم الكتاب (يعني الجامع الصغير لمحمد) فهو من أصحابنا ومن حفظه كان أحفظ أصحابنا وأن المتقدمين من مشايخنا كانوا لا يقلدون أحداً القضاءَ حتى يمتحنوه فإن حفظه قلدوه القضاء وإلا أمروه بالحفظ. وذكر صاحب نفح الطيب أنه كان خارج قرطبة ثلاثة آلاف قرية في كل واحدة منبر وفقيه مقلص تكن الفتيا في الأحكام والشرائع له وكان لا يجعل القالص منهم على رأسه إلا من حفظ الموطأ وقيل من حفظ عشرة آلاف حديث والمدوّنة. كان بديع الزمان الهمذاني يحفظ خمسين بيتاً بسماع واحد ويؤديها من أولها إلى آخرها وينظر في كتاب نظراً خفيفاً ويحفظ أوراقاً ويؤديها من أولها إلى آخرها وينظر الأربعة والخمسة الأوراق من كتاب لم يعرفه ولم يره نظرة واحدة خفيفة ثم يهذها عن ظهر قلبه هذّا ويسردها سرداً وهذا حاله في الكتب الواردة وغيرها. وكان أبو رياش أحمد بن إبراهيم من رواة الأدب يحفظ خمسة آلاف ورقة لغة وعشرين ألف بيت شعر إلا أن أبو محمد المافروخي بزَّ عليه لأنهما اجتمعا أول ما تشاهدا بالبصرة فتذاكرا أشعار الجاهلية وكان أبو محمد يذكر القصيدة فيأتي أبو رياش على عيونها فيقول أبو محمد إلا أن تهذها من أولها إلى آخرها فينشد معه ويتناشدان إلى آخرها ثم أتى أبو محمد بعدة قصائد لم يتمكن أبو رياش أن يأتي بها إلى آخرها وفعل ذلك في أكثر من مائة قصيدة حدثني بذلك من حضر ذلك المجلس معهما ـ قاله ياقوت في معجم الأدباء. وكان الحفظ في كل فن شائعاً بين أهل الأدب وطلاب العلم على اختلاف ضروبه عند العرب على نحو ما يتضح من تصفح سير رجالهم ولو لم يكن استناد المؤلفين في الأغلب الأعلى ما في لوح محفوظهم لما تيسر لهم أن يؤلف أحدهم عشرات من المجلدات يعجز العالم اليوم عن نسخها وعن تصفحها. فقد كان العرب قبل البعثة يروون قصائد شعرائهم وأغاني حداتهم كما يؤخذ من اجتماعاتهم في سوق عكاظ ومِربد البصرة ولم تكن بضاعتهم من ذلك كثيرة لأن أمراء الكلام لم ينبغوا إلا في الإسلام بظهور نور النبوة وفصاحة الكتاب العزيز. ولقد كان الراوية والنسابة ينشد عشرات بل مئات من القصائد كما يحفظ أحدنا لها العهد الأبيات القليلة غير متعلثم ولا متردد. خذ مثالاً لذلك حماد الرواية المتوفى سنة ١٥٥ فقد كان على قلة بضاعته من العربية يروي المئات من القصائد للجاهلين والمخضرمين كما يروي فاتحة الكتاب ويذر أشعار العرب وأيامهم وأنسابهم ولغاتهم كأنه يروي قصة وكان ملوك بني أمية يرجعون إليه في هذا المعنى ويحلونه منزلة عالية من الآجلة والإكرام روى الوليد ابن يزيد الأموي قال له يوماً وقد حضر مجلسه: بم استحققت هذا الاسم فقيل لك الراوية فقال: بأني أروي لكل شاعر تعرفه يا أمير المؤمنين أو سمعت به ثم أروي لأكثر منهم ممن تعترف أنك لا تعرفه ولا سمعت به ثم لا ينشدني أحد شعراً قديماً ولا محدثاً إلا ميزت القديم من المحدث فقال: ثم فكم مقدار ما تحفظ من الشعر قال: كثير ولكني أنشدك على كل حرف من حروف المعجم مائة قصيدة كبيرة سوى المقطعات من شعر الجاهلية دون شعر الإسلام قال سأمتحنك في هذا ثم أمره بالإنشاد فأنشد حتى ضجر الوليد ثم وكل به من استحلفه أن يصدقه عنه ويستوفى عليه فأنشده ألفينيوتسعمائة قصيدة للجاهلية وأخبر الوليد بذلك فأمر له بمائة ألف درهم ونوادره كثيرة. وكان الأصمعي المتوفى سنة ٢١١ أو قبلها صاحب لغة ونحو وإماماً في أخبار العرب وملحهم وغرائبهم قال عمر بن شبة: سمعت الأصمعي يقول: أحفظ ستة عشر ألف أرجوزة وقال اسحق الموصلي: لم أرَ إلا الأصمعي يدعي شيئاً من العلم فيكون أحداً أعلم به منه وحضر يوماً عند الفضل بن الربيع هو وأبو عبيدة معمر بن المثنى فقال له: كم كتابك في الخيل فقال الأصمعي مجلد واحد فسأل أبا عبيدة عن كتابه فقال: خمسون مجلدة فقال له: قم إلى هذا الفرس وأمسك عضواً عضواً منه وسمه فقال: لست بيطاراً وإنما هذا شيءٌ أخذته عن العرب فقال للأصمعي: قم وافعل أنت ذلك فقام الأصمعي وامسك ناصيته وشرع يذكر عضواً عضواً ويضع يديه عليه وأنشد من قالت العرب فيه إلى أن فرغ منه قال: أبو حمدون الطيب بن إسماعيل شهدت ابن أبي العتاهية وقد كتب عن أبي محمد اليزيدي قريباً من ألف جلد عن أبي عمرو بن العلاء خاصة ويكون ذلك نحو عشرة آلاف ورقة لأن تقدير الجلد عشر ورقات. قال أبو نواس: ما قلت الشعر حتى رويت لستين امرأة من العرب منهم الخنساءُ وليلى فما ظنك بالرجال. قلت ولذلك جاء شعر أبي نواس أحسن شعر المولدين كما شهد له بذلك أصحاب الشأن في هذه الصناعة وفي مقدمتهم الجاحظ الذي فضل شعره على شعر العرب العرباء قال اسمعيل بن نوبخت: ما رأيت قط أوسع علماً من أبي نواس ولا أحفظ منه مع قلة كتبه ولقد فتشنا منزله بعد موته فما وجدنا له إلا قمطراً فيه جزاز مشتمل على غريب ونحو. قال أبو العباس أحمد بن يحيى ثعلب دخل أبو عمرو اسحق بن مراد الشيباني البادية ومعه دستجيتان من حبر فما خرج حتى أفناهما بكتب سماعه عن العرب وكان أبو عمرو علاماً بأيام العرب جامعاً لأشعارها ويروي عن عمرو بن أبي عمر وقال: لما جمع أبي أشعار العرب كانت نيفاً وثمانين قبيلة وكان كما عمل منها قبيلة وأخرجها إلى الناس كتب مصحفاً بخطه ويحكى أنه أخذ عن المفضل الضبي ودواوين العرب وسمعها منه أبو حيان وابنه عمرو بن أبي عمرو وحكى أبو العباس قال كن مع أبي عمرو والشيباني من العلم والسماع أضعاف ما كان مع أبي عبيدة ولم يكن من أهل البصرة مثل أبي عبيدة في السماع والعلم قال سلمة: أملى الفراءُ كتبه كلها حفظاً لم يأخذ بيده نسخة إلا في كتابين ومقدار كتب الفراء ثلاثة آلاف ورقة وكان مقدار الكتابين خمسين ورقة. ويقال أن الأصمعي كان يحفظ ثلث اللغة وكان الخليل يحفظ نصف اللغة وكان أبو فيد يحفظ الثلثين وكان أبو مالك يحفظ اللغة كلها وكان الغالب على أبي مالك حفظ الغريب والنوادر. وكان ابن الأعرابي أحفظ الناس للغات والأيام والأنساب وقال أبو العباس أحمد بن يحيى ثعلب: قال لي ابن الأعرابي: أمليت قبل أن تجيئني يا أحمد حمل جمل وقال ثعلب: انتهى علم اللغة والحفظ إلى ابن الأعرابي وقال ثعلب: سمعت ابن الأعرابي يقول في كلمة رواها الأصمعي سمعت من ألف إعرابي خلاف ما قاله الأصمعي. وكان قتادة عالماً نحريراً وأجمع الناس في أشعار العرب وأنسابهم وقال أبو عبيدة: ما كنا نفقد في كل يوم راكباً من ناحية بني أمية ينيخ على باب قتادة فيسأله عن خبر أو نسب أو شعر وكان من أنسب الناس. وكان ابن الكنبي النسابة واسع الرواية من أعلم النسب بالنسب وكان من الحفاظ المشاهير قال: حفظت ما لم يحفظه أحد ونسيت ما لم ينسه أحد. كان لي عم يعاتبني على حفظ القرآن فدخلت بيتاً وحلفت أن لا أخرج منه حتى أحفظ القرآن فحفظته في ثلاثة أيام وتصانيفه تزيد على مائة وخمسين تصنيفاً وتوفي سنة ٢٠٤ . وكان أبو عبيدة معمر بن المثنى من أعلم الناس بأيام العرب وأخبارهم وأشعارهم قال الجاحظ: لم يكن في الأرض خارجي ولا جماعي أعلم بجميع العلوم منه ومع أن كان يلحن ويخطي: إذا قرأ القرآن وإذا أنش بيتاً لا يقيم وزنه وإذا تحدث أو قرأ لحن اعتماداً منه لذلك فقد صنف قرابة مائة مصنف وكان يرى رأي الخوارج ولذلك كثر الطاعنون في نسبه ومشربه ومذهبه وتوفي سنة ٢٠٩ . كان أبو المحاسن الرُّوياني المتوفى سنة ٥٠٢ من رؤوس الأفاضل في أيامه يقول: لو احترقت كتب الشافعي لأمليتها من خاطري. وقال أبو بكر النحوي: لما قد أحسن بن سهل العراق قال: أحب أن أجمع قوماً من أهل الأدب فأحضر أبا عبيدة والأصمعي ونصر ابن علي الجهضمي وحضرت معهم وأفضنا مرة في ذكر الحفاظ فذكرنا الزهري وقتادة ومررنا فالتفت أبو عبيدة فقال: مال الغرض أيها الأمير في ذكر من مضى وبالحضرة ههنا من يقول ما قرأ كتاباً قط فاحتاج إلى أن يعود فيه ولا دخل قلبه شيءٌ فخرج عنه فالتفت الأصمعي وقال: إنما يريدني بهذا القول أيها الأمير والأمر في ذلك على ما حكى وأنا أقرب إليك قد نظر الأمير فيما نظر فيه من الرقاع ـ وكان نظر قبل أن يلتفت إليهم في رقاع بين يديه للناس في حاجاتهم فوقع عليها فكانت خمسين رقعة ـ وأنا أعيد ما فيها وما وقع به الأمير على رقعة رقعة قال فأمر وأحضرت الرقاع قال: الأصمعي سأل صاحب الرقعة الأولى كذا واسمه كذا فوقع له بكذا والرقعة الثانية والثالثة حتى مر في نيف وأربعين رقعة فالتفت إليه نصر بن علي فقال: أيها الرجل ابقِ على نفسك من العين فكف الأصمعي. ومالي وتعداد الأسماء على هذا النحو فكتب القوم طافحة بها وإنما يكفي منا التمثيل والقليل يغني. ولقائل أن هذا القدر من الحفظ كان بعضه شائعاً في القرنين الأولين والقرون الثلاثة وقد بالغ فيه الرواة حتى اتصل بنا على هذه الصورة وما حجتي في نقض هذا إلا وقوع أمثال أمثاله في كتب أهل القرون المتأخرة مما تواطأ الثقات على نقله وتحرزوا في إثباته. ولقد كان الغرب في هذه المزية كالشرق إذ قد حذا المغاربة في حضارتهم وعلومهم حذو المشارقة. فقد كان ابن عبدون أحد فحول شعراء الأندلس وكتابها متكثراً من الحفظ. قال الوزير أبو بكر بن زهر فبينما أنا قاد في دهليز دارنا وعندي رجل شيخ أمرته أن يكتب لي كتاب الأغاني فجاءَ الناسخ بالكراريس التي كتبها فقلتُ له: أين الأصل الذي كتبت عنه لأقابل معك به قال: ما أتيت به معي فبينا أنا معه في ذلك إذ دخل رجل بذ الهيئة عليه ثياب غليظة أكثرها صوف وعلى رأسه عمامة قد لاثها من غير إتقان وقال لي: يا بني استأذن لي على الوزير أبي مروان فقلت له: هو نائم هذا بعد أن تكلفت جوابه غاية التكلف حملتين على ذلك نزوة الصبا وما رأيت من خشونة هيئة الرجل ثم سكت عني ساعة وقال: ما هذا الكتاب الذي بيديكم فقلت له: ما سؤالك عنه فقال: أحب أن أعرف اسمه فإني كنت أعرف أسماء الكتب. فقلت هو كتاب الأغاني فقال: إلى أين بلغ الكاتب منه قلت: بلغ موضع كذا وجعلت أتحدث معه على طريق السخرية به والضحك على قالبه فقال: وما لكاتبك لا يكتب قلت: طبعت الأصل منه الذي يكتب من لأعارض به هذه الأوراق فقال: لم أجيء به معي فقال: يا بني خذ كراريسك وعارض قلت: بماذا وأين الأصل قال: كنت أحفظ هذا الكتاب في مدة صباي قال: فتبسمت من قوله فلما رأى تبسمي قال يا بني أمسك عليّ قال: فأمسكت عليه وجعل يقرأ فو الله إن أخطأ واواً ولا فاءً قرأ هكذا نحواً من كراسين ثم أخذت له في وسط السفر وآخره فرأيت حفظه في ذلك كله سواءً فاشتد عجبي وقمت مسرعاً حتى دخلت على أبي فأخبرته بالخبر ووصفت له الرجل فقام كما هو من فوره وكان ملتفاً برداءٍ ليس عليه قميص وخرج حاسر الرأس حافي القدمين لا يرفق على نفسه وأنا بين يديه ويقول: يا مولاي اعذرني فو الله ما أعلمني هذا الخلف إلا الساعة وجعل يسبني والرجل يحفض عليه ويقول: ما عرفني وأبي يقول: هبه ما عرفك فما عذره في حسن الأب. ثم أدخله الدار وأكرم مجلسه وخلا به فتحدثا طويلاً ثم خرج الرجل وأبي بين يديه حافياً حتى بلغ الباب وأمر بدابته التي يركبها فأسرجت وحلف عليه ليركبنها ثم لا ترجع إليه أبداً فلما انفصل قلت لأبي: من هذا الرجل الذي عظمته هذا العظيم قال لي: اسكت ويحك هذا أديب الأندلس وإمامها وسيدها في علم الأدب هذا أبو محمد عبد المجيد بن عبدون أيسر محفوظاته كتاب الأغاني ـ رواها المراكشي. وروى أيضاً قصة تشبهها قال: أنه لزم أبا جعفر الحميري آخر من انتهى إليه علم الآداب بالأندلس المتوفى سنة ٦١٠ نحواً من سنتين فما رأيت أروى لشعر قديم ولا حديث ولا أذكر بحكاية تتعلق بأدب أو مثل سائر أو بيت أو بيت نادر أو سجعة مستحسنة من أدرك جلة من مشايخ الأندلس فأخذ عنهم علم الحديث والقرآن والآداب وأعانه على ذلك طول عمره وصدق محبته وإفراط شغفه بالعلم قال لي ولده عصام وقد رأيت عنده نسخة من شعر أبي الطيب قرئت عليّ أو أكثرها فألفيتها شديدة الصحة فقلت له: لقد كتبتها من أصل صحيح وتحرزت في نقلها فقال لي: ما يمكن أن يكون في الدنيا أصح من الأصل الذي كتبت منه فقلت له: أين وجدته قال هو موجود الآن بين أيدينا وعندنا وكنا في المسجد في زاوية فقلت له: أين هو فقال لي: عن يمينك فعلمت أنه يريد الشيخ فقلت: ما على يميني إلا الأستاذ فقال لي: هو أصلي وبإملائه كتبت كان يملي عليَّ من حفظه فجعلت أتعجب فسمع الأستاذ حديثنا فالتفت إلينا وقال: فيم أنتما فأخبره ولده بالخبر فلما رأى تعجبي قال: بعيداً أن تفلحوا يعجب أحدكم من حفظ ديوان المتنبي والله لقد أدركت أقواماً لا يعدون من حفظ كتاب سيبويه حافظاً ولا يرونه مجتهداً. ومن نظر فيما أُثر عن الأندلسيين وحدهم من هذا القبيل يكتب أوراقاً كثيرة وكنت قرأت في الاستقصا أن من جملة من غرق مع السلطان أبي الحسن لما قصد المغرب في البحر بأسطوله الغريق وكان مؤلفاً من نحو ستمائة قطعة مع من غرق من الفقهاء والعلماء والكتاب والإشراف أبو عبد الله محمد بن الصباغ المكناسي الذي أملى في مجلس درسه بمكناسة على حديث يا أبا عمير ما فعل النغير أربعمائة فائدة. وقيل أن صدر الدين بن الوكيل ويعرف عند المصريين بابن المرجل من أئمة الشافعية حفظ المفصل في مائة يوم ويوم والمقامات الحريرية في خمسين يوماً وديوان المتنبي على ما قيل في جمعة واحدة. وذكر المقريزي عن حكايات أهل الأندلس في الحفظ أن الأديب الأوحد حافظ اشبيلية بل الأندلس في عصره أبا المتوكل الهيثم بن أحمد بن أبي غالب كان أعجوبة دهره في الرواية لأشعار والأخبار قال ابن سعيد: أخبرني من أثق به أنه حضر معه ليلة عند أحد رؤساءِ اشبيلية فجرى ذكر حفظه وكان ذلك في أول الليل فقال لهم: إن شئتم تخبروني أجبتكم فقالوا له: بسم الله إنا نريد أن نحدث عن تحقيق فقال اختاروا أي قافية شئتم لا أخرج عنها حتى تعجبوا فاختاروا القاف فابتدأ من أول الليل إلى أن طلع الفجر وهو ينشد وزن (أرق على أرق ومثلي يأرق) وسماره قد نام بعض وضج بعض وهو ما فارق قافية القاف وقال أبو عمران بن سعيد: دخلت عليه يوماً بدار الإشراف باشبيلية وحوله أدباءٌ ينظرون في كتب منها ديوان ذي الرمة فمد الهيثم يده إلى الديوان المذكورة فمنعه من أحد الأدباء فقال: يا أبا عمران أواجب أن يمنعه منى وما يحفظ منه بيتاً وأنا أحفظه فأكذبته الجماعة فقال اسمعوني. وأمسكوه فابتدأ من أوله حتى قارب نصفه فأقسمنا عليه أن يكف وشهدنا له بالحفظ وكان آية في سرعة البديهة مشهوراً بذلك قال أبو الحسن ابن سعيد: عهدي به في اشبيلية يملي على أحد الطلبة شعراً وعلى ثان موشحة وعلى ثالث زجلاً كل ذلك ارتجالاً. ل ابن خلكان: كان أبو الفرج الأصبهاني صاحب كتاب الأغاني يحفظ من الشعر والأغاني والأخبار والآثار والأحاديث المسندة والنسب ما لم أرَ قط من يحفظ مثله ويحفظ دون ذلك من علوم آخر منها اللغة والنحو والخرافات والسير والمغازي ومن آلة المنادمة شيئاً كثيراً مثل علم الجوارح والبيطرة ونتف من الطب والنجوم والأشربة وغير ذلك. وذكر صاحب الصبح المنبي أن العلم الفرد في قوة الحافظة عبد الله بن عباس رضي الله عنهما. ولقد شرط الملك المعظم عيسى لكل من يحفظ المفصل للزمخشري مائة دينار وخلعة فحفظه لهذا السبب جماعة. قال أبو عمر الطلمنكي دخلت مرسية فتشبث بي أهلها يسمعون عليَّ الغريب المصنف فقلت انظروا من يقرأ لكم وأمسكت أنا كتابي فأتوني برجل أعمى يعرف بابن سيده (وهو صاحب المخصص في اللغة الذي طبع مؤخراً) فقرأه عليَّ من أوله إلى آخره فعجبت من حفظه. ولقد لازمن ثعلب ابن الإعرابي فما رآه نظر في كتاب. وأخبار الأصمعي في الحفظ والرواية أشهر من أن تذكر وكذلك خلف الأحمر والكلبي وعبيد ودعبل. وكان أبو تمام لا يلحق في محفوظاته وقيل أن كان يحفظ أربعة عشر ألف أرجوزة للعرب غير القصائد والمقاطيع. قال أبو الحسن محمد بن علي العنوي كان المتنبي يلازم الوراقين فأخبرني وزان كان يجلس إليه: قال ما رأيت أحفظ من هذا الفتى بن عبدان السقا (المتنبي) قلت له: كيف قال اليوم كان عندي وقد أحضر رجل كتاباً من كتب الأصمعي يكون نحواً من ثلاثين ورقة لبيعه فأخذه فنظر فيه طويلاً فقال له الرجل أريد بيعه وقد قطعتني عن ذلك فإن كنت تريد حفظه فهذا يكون إن شاء الله تعال بعد شهر قال فقال له ابن عبدان: فإن كنت قد حفظته في هذه المدة فمالي عليك قال: أهب لك الكتاب قال: فأخذته من يده فأقبل يهذه عليَّ إلى آخره ثم استلمه فجعله في كمه وقام فتعلق به صاحبه طالباً بماله فقال ما إلى ذلك سبيل وقد وهبته لي قال: فمنعناه منه وقلنا: أنت شرطت على نفسك هذا للغلام فتركه عليه. والأمثلة كثيرة في هذا الباب والله أعلم. حماسة الخالديين الخالديان أخوان شقيقان من أهل القرن الثالث كتبا بعض المؤلفات ونسبت إليهما آداب وغرر ولم يكونا يفترقان في حال من الأحوال ولا نعرف في أدباء العرب شقيقين آخرين اتفقا على إخراج بنات أفكارهما في مجلد واحد كما اتفقا على الخروج من بطن واحد إلا أولئك الأدباء الأخوة المشهورون عند الفرنسيس باسم كونكور وبول وفيكتور مارغريت ورسني. قال الثعالبي في اليتيمة: أبو بكر محمد وأبو عثمان سعيد ابنا هاشم الخالديان: أن هذان الساحران يغربان بما يجلبان ويبدعان فيما يصنفان وكان ما يجمعهما من أخوة الأدب مثل ما ينظمهما من أخوة النسب فهما في الموافقة والمساعدة يحييان بروح واحدة ويشتركان في قرض الشعر وينفردان ولا يكادان في الحضر والسفر يفترقان وكانا في التساوي والتشابك والتشاكل والتشارك كما قال أبو تمام: رضيعي لبان شريكي عنان عتيقي رهان حليفي صفاءِ بل كما قال البحتري كالفرقدين إذا تأمل ناظر لم يعل موضع فرقد عن فرقد بل كما قال أبو اسحق الصابي فيهما: أرى الشاعرين الخالديين سيرا قصائد يفنى الدهر وهي تخلد جواهر من إبكار لفظ وعونه يقصر عنها راجز ومقصر تنازع قوم فيهما وتناقضوا ومر جدال بينهم يتردد فطائفة قالت سعيد مقدم وطائفة قالت لهم بل محمد وصاروا إلى حكمي فأصلحت بينهم وما قلت إلا بالتي هي أرشد هما في اجتماع الفضل زوج مؤلف ومعناهما من حيث يثبت مفرد كذا فرقدا الظلماء كلا علاً أشكلا هل ذاك أم ذاك أمجد فزوجهما ما مثله في اتفاقه وفردهما بين الكواكب أوحد فقاموا على صلح وقال جميعهم رضينا وساوى فرقدا الأرض فرقد وما أعدل هذه الحكومة من أبي اسحق فما منهما إلا محسن ينظم في سلك الإبداع ما فاق وراق ويكاثر بمحاسنه وبدائعه الإفراد من شعراء الشام والعراق وقد ذكرت ما شجر بينهما وبين السري في شأن المصالتة والمسارقة وما أقدم عليه من دس أحسن أشعارهما في شعر كشاجم وكان أفضل الشام والعراق إذ ذاك فرقتين إحداهما وهي في شق الرجحان تتعصب عليه لهما لفضل ما رزقاه من قلوب الملوك والأكابر والأخرى تتعصب له عليهما. ثم أورد صاحب اليتيمة من أشعارهما ما هو السحر الحلال وما اتفق لهما من التوارد مع السري أو التسارق في زهاء عشرين صفحة. وقد ظفرنا للخالديين بكتابهما الحماسة أو الأشباه والنظائر فرأيناه جمع فأوعى من شعر الجاهليين واستشهد عليه بما أخذه عنهم المولدون أو زادوه عليهم من المعاني والتصورات قالا في مقدمته: الحمد لله بلا كيفية تقع بها الإحاطة عليه والأزلي بلا وقت تنسب الصفات إليه حمداً يورد من حليل نعمه وجزيل قسمه مشرباً عذباً ومسحباً رحباً وصلى الله على سيدنا محمد ما أورق شجر وأينع ثمر وعلى الطاهرين من عترته وسلم تسليماً وبعد فسبح الله لنا في مدتك ووفقنا لما نؤثره من خدمتك فإنا ك بأشعار المحدثين كلفا وعن القدماءِ والمخضرمين منحرفاً. وهذان الشريجان هما اللذان فتحا محدثين باب المعاني فدخلوه ونهجوا لهم طريق الإبداع للمعاني فسلكوه أما زاد الله قدرك علواً ورفعة وسمواً قول الشاعر: فهو قبل مبكاها بكيت صبابة إليها شفيت النفس قبل التندم ولكن بكت قبلي فهيج لي البكا بكاها فقلت الفضل للمتقدم ومن أمثالهم السائرة ما ترك الأول للآخر شيئاً إلا أن أبا تمام لم يرض بهذا المثل حتى قال يصف قصيدة له: لا زلتَ من شكري في حلة لابسها ذو سَلب فاخر يقول من تقرع أسماعه كم ترك الأول للآخر ومن المعنى الأول قول عنترة هل غادر الشعراء من متردم أي ما تركوا كلاماً لمتكلم فإذا كان عنترة وهو في الجاهلية الجهلاء وما لهم من فصاحة الفصحاء يقول مثل هذا القول فما ظنك بهذا العصر وقبله بمائتي سنة فلسنا بقولنا هذا أيدك الله نطعن على المحدثين ولا نبخسهم تجويدهم ولطف تدقيقهم وطريف معانيهم وإصابة تشبيههم وصحة استعاراتهم إلا إنا نعلم أن الأوائل من الشعراء رسموا رسوماً تبعها من بعدهم وعول عليها من قفا أثرهم وقلَّ شعر من أشعارهم يخلو من معان صحيحة وألفاظ فصحية وتشبيهات مصيبة واستعارات عجيبة ونحن أطال الله في العز بقاك وكبت بالذل أعداك نضمن رسالتنا هذه مختار ما وقع إلينا من أشعار الجاهلية ومن تبعهم من المخضرمين ونجتنب أشعار المشاهير لكثرتها في أيدي الناس ولا نذكر منها إلا الشيء اليسير ولا نخليها من غرر ما رويناه للمحدثين ونذكر أشياءَ من النظائر إذا وردت والاجازات إذا عنت وتتكلم على المعاني المخترعة ولا نجمع نظائر البيت والمتبعة في مكان واحد ولا المعنى المسروق في موضع بل نجعل ذلك في موضع ذكره وإن كنا نعلم أنك أدام اله تأييدك أعلم بما نحمله إليك ونعرضه منا عليك ومن أين لنا قرائح تنتج ما لا تزال تريناه وتسألنا عنه من دقيق المعاني وبعده في النوعين من دقة النظر ولطيف الفكر ما لا يتوهم أنه يطرد لسواك ولا يغن لغيرك وهو أنك أيد الله عزك قلت لنا من أين أخذ البحتري قوله: ركبنا القنا من بعد ما حملا القنا في عسكر متحامل في عسكر فإن يكن عندنا فيه شيءٌ من الاستحسان والتقريظ فعرفتنا أيدك الله أنه مأخوذ من قول أبي تمام: رعته الفيافي بعد ما كان حقبة رعاها وماءُ الروض ينهلُّ ساكبه ولا نعرف في النظر أدق من هذا ولا ألطف إلا إنا نوفي الخدمة حقها بما نتكلفه من الاختيار والكلام على ما ذكرناه وبالله التوفيق. هذه هي المقدمة ومنها تفهم العرض وتدرك صعوبة ما سلكه المؤلفان وما يحتاج إليه هذا البحث من بعد النظر وسعة الاطلاع ولقد تتصفح الصفحات الكثيرة من هذا الكتاب فتقرأ فيها أشعاراً لم تكن معهودة لنا لقلة ما طبع من شعر العرب العرباء قالا بعد المقدمة. قال المهلهل بن ربيعة: بكره قلوبنا يا آل بكر نغاديكم بمرهفة النصال لها لون من الهامات جون وإن كانت تغادي بالصقال ونبكي حين نذكر كم عليكم ونقتلكم كأنا لا نبالي أبيات المهلهل هذه هي الأصل في هذا المعنى ومثله قول الحصين بن الحمام المري. نفلق هاماً من رجال أعزة علينا وهم كانوا أعق وأظلما فأخذه بعضهم فقال قومي هم قتلوا ميم أختي فإذا رميت أصابني سهمي ولئن عفوت لأعفون جللا ولئن رميت لأوهنن عظامي وأخذه مالك بن مطفوف السعدي فقال: قتلنا بني الأعمام يوم أٌوارة وعز علينا أن نكون كذلكا هم أخرجونا يوم ذاك وجردوا علينا سيوفاً لم يكن بواتكا وأخذه حرب بن مسعر فقال: ولما دعاني لم أجبه لأنني خشيت عليه وقعه من مصمم فلما أعاد الصوت لم أك عاجزاً ولا وكلاً في كل دهياَء صيلم عطفت عليه المهر عطفة محرَج صؤول ومن لا يعشم الناس يعشم وأوجرته لدن الكعوب مقوماً وخر صريعاً لليدين وللفم وغادرته والدمع يجري لقتله وأوادجه تجري على النحر بالدم فأخذ هذا المعنى ديك الجن فقال في جارية كان يحبها فقتلها: قمر أنا استخرجته من دجنة لبليتي وجلوته من خدره فقتلته وله عليّ كرامة ملَء الحشا وله الفؤاد بأسره عهدي به ميتاً كأحسن نائم والحزن ينحر عبرتي في نحره وإلى المعنى الأول نظر أبو تمام فقال: قد انثنى بالمنايا في أسنته وقد أقام حياراكم على اللقم جذلان من ظفر حران أن رجعت أظفاره منكم مخضوبة بدم ومن هذا المعنى أخذ البحتري قوله: إذا احتربت يوماً ففاضت دماؤها تذكرت القربى ففاضت دموعها وبيت البحتري أظرف وأبدع من بيت المهلهل إلا أنه هو الذي أرشده إلى المعنى ودله عليه ومثله لقتال الكلابي: فلما رأيت أنه غير منته أملت له كفي بلدن مقوَّم فلما رأيت أنني قد قتلته ندمت عليه أي ساعة مندم ولبعضهم: أتتني آية من أم عمرو فكدت أغص بالماء القراح فما أنسى رسالتها ولكن ذليل من بنوا بلا جناح قول ذليل من يبوء بلا جناح الأمثال الجياد المختارة. وقال جران العود النميري ولا يعرف في نسيب الأعراب وغزلهم أحسن ألفاظاً من هذه القصيدة ولا أملح معاني والمختار منها قوله: ذكرتَ الصبا فأنهلت العين تذرف وراجعك الشوق الذي كنت تعرف وكأن فؤادي قد صحا ثم هاجه حمائم ورقٌ بالمدينة تهتف فبت كأن العين أفنان سدرة عليها سقيط من ندى الطل ينطف أراقب لوحاً من سهيل كأنه إذا ما بدا من آخر الليل يطرف فلا وجد إلا مثل يوم تلاقحت بنا العيس والحادي يشل ويعطف وفي الحي ميلاءُ الخمار كأنها مهاة بهجل من ظباءٍ تعطف تقول لنار العيس صعر من السرى فأخفافها بالجندل الصم تقذف حمدت لنا حتى تمناك بعضنا وقلنا أخو جدّ عن الهزل يصدف وفيك إذا لاقيتنا عجرفية مراراً وما نهوى الذي يتعجرف فموعدك الوادي الذي بين أهلنا وأهلك حتى نسمع الديك يهتف ويكفيك آثار لنا حين تلتقي ذيول نعفيها بهن ومطرف فنصبح لم يشعر بنا غير أنه على كل حال يحلفون ونحلف فأقبلن يمشين الهوينا تهاديا قصار الخطا منهن راب ومزحف (؟) فلما هبطن السهل واحتلن حيلة ومن حيلة الإنسان ما يتخوف حملن جران العود حتى وضعنه بعلياَء في أرجائها الجن تعزف فبتنا قعوداً والقلوب كأنها قطاً شرع الإشراك مما تخوف علينا الندى طوراً وطوراً يرشنا رذاذ سرى من آخر الليل أوطف ينازعنا لذاً رخيماً كأنه عوابر من قطر حداهن صيف رقيق الحواشي لو تسمع رهاب يبطنانَ قولاً مثله ظل يرجف ولما رأين الصبح بادرن ضوَءه كمشي قطا البطحاء أوهن أقطف وما بنَّ حتى قلن بالبيت إننا تراب وإن الأرض بالناس تخسف فأصبحن صرعى في الحجال كأنما سقاهن من ماء المدامة قرقف يبلغهن الحاج كل مكاتب طويل العصا أو مقعد يتزحف رأى ورقاً بيضا فشد جزيمه لها فهو أمضى من سليل وألطف ولن يستهيم الخرد البيض كالدمى هدان ولا هلباجة الليل مقرف ولكن رقيق بالصبا متطوف خفيف لطيف سابغ الذيل أهيف يلم كإلمام القطامي بالقطا وأسرع منه لمة حين يخطف فأصبح في التقينا غدية سوار وخلخال وبرد مفوف أما قوله: فبت كأن العين أفنان سدرة عليها سقيط من ندى الليل ينطف فمن أحسن ما قيل في الدمع وأجوده وشبيه به قول الآخر لعينك يوم البين أسرع وأكفا من الفنن الممطور وهو مروَّح وقيل هذا البيت قد جوّد أيضاً وزاد على من تقدمه وأتى بعده وذاك أنه لم يرض أن يكون دمعه مثل الفنن وهو الغصن الذي يقطر المطر على ورقه فهو يجري حتى قال وهو مروح أراد أن الريح تحركه فهو لا يهدأ من القطر وليس بعد هذا نهاية في تحاور الدمع وسرعته وقوله: أراقب لوحاً من سهيل كأنه إذا ما بدا من آخر الليل يطرف مليح التشبيه صحيح لأن من تأمله رآه كأنه عين تطرف وقوله يصف قولها له وفيك إذا لاقيتنا عجرفية مراراً وما نهوى الذي يتعجرف يقال أن النساء يملن إلى من كان فيه دعابة ولهو ولا يملن إلى غير ذلك فذكر جران العود عنهن أنهن قلن له لست على ما وصف لنا لأن فيك عجرفية وقد وصفت لنا بغيرها حتى تمنيناك وما نحب الذي يتعجرف ويذكر أن كثيراً أنشد بعض نساء الأشراف قوله: وكنت إذا ما جئت أجللن مجلسي وأعرضن عنه هيبة لا تجهما يحاذرن مني نبوة قد عرفنها قديماً فما يضحكن إلا تبسما فقالت له يا ابن أبي جمعة أبهذا القول تدعى الغزل والله لا نال وصلنا وحظي بودنا إلا من يجري معنا كما نريد ويجعل الغي إذا أردناه رشدا قم لعنك الله فقام منقطعاً وإلى قولها نظر البحتري فقال: ولا يؤدي إلى الملاح هوى من لا يرى أن غيه رشد وقوله: ويكفيك آثار لنا حين تلتقي ذيول نعفيها بهن ومطرف معنى مليح وقد اشترك فيه جماعة من الشعراء فأول ذلك أمرؤ القيس في قوله: فقمت بها أمشي تجر وراءنا على أثرنا أذيال مُرط مرجل وقال ابن المعتز: فقمت أفرش خدى في الطريق له ذلاً وأسحب أكماماً على الأثر ولابن المعتز في هذا المعنى زيادة حسنة على من تقدمه وقوله: فنصبح لم يسعر بنا غير أنه على كل حال يحلفون ونحلف كلام ظريف ومعنى مليح لأنه قال لابد من تهمة تلحقنا فنحلف أنا لم نفعل ويحلفون أنا قد فعلنا وقوله: فأقبلن يمشين الهوينا تهاديا قصار الخطا منهن راب ومرجف من أحسن ما يكون في صفة المشي وقد أكثرت الشعراءُ في هذا الباب فمن مليحه قول بعضهم: يمشين مشي قطا البطاح تأدوا قب البطون رواجح الأكفال وإنما شبهوا مشية المرأة بمشية القطاة لأن فيها سرعة وتأيدا قال المنخل: ودفعتها وتدافعت مشي القطاة إلى الغدير وللأعشى في المشي شيءٌ حسن وأشياءٌ يفرط فيها فمن الجيد قوله: غراءُ فرعاءُ مصقول عوارضها تمشي الهوينا كما يمشي الوجى الوجل كأن مشيتها من بيت جارتها مر السحابة لا ريث ولا عجل وقد شبه بشار بن برد خفقان القلب بالكرة في تدورها وهو قوله: كأن فؤاده كرة تنزى حذار البين إن نفع الحذار وهذا لعمري تشبيه جيد ومعنى صحيح وقال آخر وهو غير هذا المعنى فجود كأن فؤادي في مخاليب طائر إذا ذكرت ليلي يشد به قبضا هذا ذكر أن فؤاده إذا ذكرت عشيقته قبض عليه ولم يذكر أنه شديد الخفقان وهو يدخل في هذا المعنى أو يقاربه فجود وأحسن وزاد وأورد معنى ثانياً وهو قوله: من ( ٧٥٧ _ ٧٦٧ ) غير مكتوبين رجعا فسار أبو دلامة ظاهراً والمهر يجفل تحته أجفالا حتى إذا وافي الأمير وقام عن كثب ترجل دونه إجلالا وغدا يقول وكان روح ضاحكاً إني كفيتك قرني الرئبالا وقتلته بالقول لا بمهندي والحرب أحرىى أن تكون مقالا وأخذت في الهيجا عليه مواثقاً أن لا يعود ينازل الأبطالا إن الهواتف لا تزال بمسمع مني تقول إذا شكوت الحالا لا تيئسن فللزمان تنفس فأرقبه أن يتبدل الإبدالا والدهر طاه سوف ينضج أهله بالحادثات يزيدها إشعالا إن الدهور وهن أمهر سابك سترد أضداد الورى أشكالا حتى كأني بالطباع تبدلت غير الطباع وزلزلت زلزالا وكأنني ببني الملاحم أصبحوا لأبي دلامة كلهم أمثالا حكومة الشورى في المملكة العثمانية من أدق المسائل وأعضلها مسألة توليته الملك واختيار الأصلح لحكم الناس بالعدل والعقل. مسألة شغل بها البشر في كل دور من أدوارهن فقضت ولا تزال تقضي في تأييد سلطة الملوك ملايين من الناس. على هذا كان الحال في حكومات العرب بعد الإسلامية في القرون الوسطى والحكومات الإفرنجية في القرون الحديثة. الناس بخير ما حافظ ملوكهم على النظام في الجملة فإذا استرسلوا في شهواتهم وأهوائهم واستهانوا بمن تولوا رقابهم فعاملوهم معاملة الأنعام التي يرثها الابن عن أبيه ويتصرف فيها بما يشاء يفسد الأمر وتنتشر الفوضى ويتراجع ىالعمران ويذعر السكان. سنة من سنن هذا الكون مذن قامت المجتمعات الأولى وما من شيء بدل الآن على زوالها من العالم كل الزوال. لابد للناس من طاعة زعيم يرجعون إليه ببعض أمور دنياهم ولو صورة فإذا استقام هذا الزعيم وسار بمشورة أهل الرأي من قومه استقامت شؤونهم مراميهم. وقد كان من الخلافة الإسلامية وهي تجمع بين السلطتين الدينية والدنيوية أثر عظيم من الجري على هذه الطريقة بإشراك الخليفة أصحابه وسروات بلاده في حربه وسلمه وغنمه وغرمه إلا أن هذه الصورة من الحكم لم يطل عهدها كثيراً فانقلبت بعد زمن قليل إلى ملك عضوض بسعي معاوية بن أبي سفيان وغدا يتقلدها صاحب القوة بل كل ابن يوصي له بها أبوه مهما كانت أخلاقه وكفاءته وسنه. قال ابراهيم الأنصاري وهو ابراهيم بن محمد المفلوج من ولد زيد القاري: الخلفاء والأئمة وأمراء المؤمنين ملوك وليس كل ملك يكون خليفة وأماماً قال: ولذلك فصل بينهم أبو بكر رضي الله تعالى عنه في خطبته فإنه لما فرغ من الحمد والصلاة على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال: إن أشقى الناس في الدنيا والآخرة فرفع الناس رؤوسهم فقال: ما لكم أيها الناس أنكم عجلون أن من الملوك من إذا ملك زهده الله فيما عنده ورغبه فيما في يدي غيره وانتقصه شطر أجله وأشرب قلبه الإشفاق فهو يحسد على القليل ويتسخط الكثير ويسأم الرخاء وتنقطع عنه لذة الباه لا يستعمل العبرة ولا يسكن إلى الثقة فهو كالدرهم القسي (الرديء) والسراب الخادع جذل الطاهر حزين الباطن فإذا وجبت نفسه ونضب عمره وضحي ظله حاسبه الله فأشد حسابه وأقل عفوه إلا أن الفقراء هم المرحومون وخير الملوك من آمن بالله وحاكم بكتابه وسنه نبيه صلى الله تعالى عليه وسلم وإنكم اليوم على خلافة النبوة ومفرق المحجة وسترون بعدي ملكاً عضوضاً وملكاً عنوداً وأمة شعاعاً ودما مفاحا فإن كانت للباطل نزوة ولأهل الحق جولة يعفو بها الأثر ويموت لها البشر فالزموا المساجد واستشيروا القرآن والزموا الطاعة ولا تفارقوا الجماعة وليكن الإبرام بعد التشاور والصفقة بعد طول التناظر أي بلاد كمخرسة (إن الله سيفتح عليكم إفصاحاً كما فتح عليكم أدناها). وبعد فإن معاوية مبدأ شقاء هذه الأمة بملوكها أفسد أمرها كما قال الحسن البصري ليحقق أطماع نفسه ولم يكفه سفك دماء المسلمين في وقعة صفين حتى قام يعهد بالخلافة لابنه يزيد من بعده وفي العرب وقتئذٍ من رجالات قريش والصحابة بقية صالحة اضطرهم إلى مبايعة يزيد والسيوف مصلته على رقابهم في مسجد المدينة واحتال لذلك بكل حيلة تأبى النفس الشريفة أن تأتيها. فأصبح خلفاء الإسلام بعد أن كانوا مساوين للرعية أرباباً يتحكمون بالأموال والدماء والأعراض تحكم الحر المطلق الذي لا يسأل عما يفعل يقومون بضعف الناس ويغتنون بإفقارهم ويعتزون بإذلالهم. جاء خلفاء من بني أمية وبني العباس عقلوا معنى الخلافة وأدركوا حقوق الرعية وعرفوا أن الشورى لا تستقر إلا إذا كان الخليفة كاملاً في ذاته وصفاته فأحبوا أن يجعلوا الملك بانتخاب الأصلح بعدهم كعمر بن عبد العزيز الذي مثل الخلافة الإسلامية على قاعدة الشورى أحسن تخيل ولطالما قال وقد رأى محمد بن أبي بكر: لو كان لي من الأمر شيء لقلدته أخلاقه بعدي. ولكن بني مروان يشق عليهم أن تخرج الخلافة عن رسمها القيصري الذي رسمه كبيرهم لتكون كالبقرة الحلوب ينتفع بها الأقرب فالأقرب من خليفة. وكذلك فعل المأمون وقد رأى على بن موسى الرضا أعقل أهل السنة بالتشيع والشيعة بالاعتزال وهو المفرد العلم في عدله وسيرته وإيثار مصلحة الأمة على مصلحة نفسه، ىلة. ومنذ ضعف أمر بني العباس واستولى ملوك الطوائف ضعف أمر الخلافة بن ذهب رسمياً جمعة وأصبح الملوك بحسب الاتفاق أن صلح واحد من مئة يجيء أخلاقه يفسدون ما وضعه. ساعد على ذلك في الأكمثر ضعف الآداب والأخلاق وزهد المتأخرين بعلوم الدنيا فصح فينا قول ذي عمرو من أمراء اليمن لجرير بن عبد الله إنكم معشر العرب لن تزالوا بخير ما كنتمة إذا هلك أمير مرت تم في أواخر فإذا كانت بالسيف كانوا ملوكاً يغضبون غضب الملوك ويرضون رضا الملوكثم سلط عليهم جبابرتهم فساموهم سوء العذاب وضربهم بالفاقة وملأ قلوبهم رعباً. ولقد كتب لبني عثمان أن يتغلبوا على معظم بلاد الإسلام ويبنوا دولتهم على أنقاض حكومات كثيرة فدان لهم المغرب الأوسط ومصر وبلاد اليونان ورومانيا والصرب والبوسنة والهرسك والجبل الأسود وكريت وقبرص فانسلخت عن جسم الدولة بمساعدة أوروبا لها من الخارج ومناعي سكانها من الداخل. والسبب الأعظم في ذهاب القاصية من بلاد الدولة كونها ما برحت منذ أول تأسيسها دولة سيف وسنان لا دولة علم وعرفان. وضخامة الملك لا تجدي إذا لم تنظم شؤونه بنظام الاجتماع والعلم الصحيح. فجربت البلاد بسياسة التفريق بين العناصر والأجناس بيد أن دوام الحال على ذلك محال مادامت أوروبا شاخصة أبصارها نحو الشرق تتحفز كل ساعة لاكتساحه منذ زهاء مئة سنة وتتطال إلى استعماره القطعة بهد القطة. عرف وخامة العاقبة أهل الرأي في الأمة العثمانية فقاموا منذ نحو أربعين سنة ينادون في الدعوة إلى لم التعث ومجاراة الحكومات الأوروبية في نظامها فدعا شناسي وكمال ومدحت وفاضل وسعاوي وهم طليعة الأحرار الأبرار إلى نبذ الحكم المطلق والاستعاضة عنه بالحكم المقيد أي ترك الحكومة الاستبدادية الشخصية والأخذ بسنن الحكومة المدنية الثورية لتشارك الأمة سطلنها في إدارة شؤون البلاد وهو يشرف عليها إشرافاً وينفذ ما تقرره تنفيذاً كما هو حال أعاظم ملوك الأرض لهذا العهد إمبراطور الألمان وملك الإنكليز وميكاد واليابان ورئيس جمهورية أميركا على اختلاف طفيف في كيفية تأليف مجالسهم وإشراك ذوي الرأي من أهلهم في سلطانهم. وما فتئ الأحرار ينشرونة دعوتهم في جرائد لهم أنشؤها وجمعيات الفوها وكلمتهم تزيدم انتشاراً كلما اشتدت الحكومة في إرهاقهم ولاسيما في المدارس العالية في الاستانة. والمدارس العالية مجمع شمل أذكياء الطلاب من الترك والعرب والجركس والأرناؤود واللاز والروم والأرمن حتى إذا عادوا إلى بلادهم وتفرقوا في الولايات يضيفون إلى تذمر الأهلين من فساد الأحكاتم تذمراً ويكثرون سواد الحانقين على ذاك النظام الرث القديم. ولما أوشكت الدولة العلية أن تسقط سنة ١٢٩٣ باجتماع كلمة أوروبا عليها أعلن القانون الأساسي بسعي مدحت باشا وأعوانه ولم تتمتع الأمة أربعة أشهر بافتتاح مجلس قبل ففسدت النيات والتأثت الأحوال وتنتكرت الأخلاق وهزلت الفضيلة وباب القول الفصل للرشى والمحاباة والشفاعات وراجت سوق النفاق رواجاً سوق النفاقات رواجاً لم تعهده آثينة في آخر أيامها ولا رومية عند زوال سلطانها بل ولا فروق لما تأذن الله بانحلال الدولة البيزنطية منها وكثر الغش والخديعة وغلوا في التجسس والوقيعة وكثرت الهجرة من البلادم فهجرها قسم عظيم من العاملين والمفكرين من أهلها وتقهقهر عمرانها فوصلت بعض أقطارها إلى درجة من الفقر لم يعرف التاريخ أنها بلغتها في وقت من الأوقات وأمسى العاقل يعجب من بقاء الدولة العثمانية لم يعرف التاريخ أنها بلغتها في وقت من الأوقات وأمسى العاقل يعجب من بقاء الدولة العثمانية على هذه الحال وما بقي منها إلى اليوم هو من أخصب بقاع الأرض جمعت أطيب الكور من القارات الثلاث أوروبا وآسيا وأفريقية وهي الصلة والعائد بين شرق المعمور وغربه وأهلها من أقوى العناصر ذات الحضارة القديمة المستفيضة كأن لها أيامها الغر العجلة وفيها العرب والفينيقيون والحيثيون والروم والبابليون والآشوريون والكلدانيون والأرمن واليهود. بين العرب والفرس من أشهر القصائد الاجتماعية العربية قصيدة لقيطو بن يعمر الأيادي ينذر قومه غزو كسري إياهم وكان لقيط كاتباً في ديوان كسرى فقطع لسان لقيط وغزا إياداً. قال ابن دريد في كتاب الاشتقاق الذي نشره سنة ١٨٥٤ : ومن رجالهم لقيط بن معبد صاحب القصيدة التي أنذر بها إياداً لما غزتهم الفرسي وهي: كتاب في الصحيفة من لقيط إلى من بالجزيرة من إياد يعني جزيرة العرب وله قصيدة أخرى على العين مشهورة. وقد تيسرت لنا عدة مظان ومنها بعض مخطوطات فعارضنا القصيدة عليها منها هنا أصح الروايات وأضفنا إليها بعض زيادات وها هي بنصها المعجب: يادار عمرة من محتلها لجزعا هاجت لي ألهم والأحزان والجذعا تامت فؤادي بذذات الجذع خرعبة مرت تريد بذات العذبة البيعا بمقلتي خاذل أدماء طاع لها نبت الرياض تزجي وسطه ذرعا وواضح أشنب الأنياب ذي شر كالأقحوان إذا ما نوره لمعا جرت لما بيننا حبل الشموس فلا يأساً مبيناً ترى منهما ولا طعما طوراً أراهم وطوراً لا بينهم إذا تواضع خدر ساعة لمعا يا أيها الراكب المزجي على عجل نحو الجزيرة مرتاداً ومنتجعا أبلغ إياداً وخلل في سراتهم إني أرى الرأي إن لم أعص قد نصعا يا لهف نفسي إن كانت أموركم شتى وأحكم أمر الناس ما اجتمعا إني أراكم وأرضاً تعجبون بها مثل السفينة تغشى الوعث والطبعا إلا تخافون قوماً لا أبا لكم أمسوا إليكم كأمثال الدبا سرعا أبناء قوم تآووكم على حنق لا يشعرون أضر الله أم نفعا أحرار فارس أبناء الملوك لهم من الجموع جموع تزدهي القلعا فهم سراع إليكم بين ملتقط شوكاً وآخر يجني الصاب والسلعا لو أن جمعهم راموا بهدته شم الشمايخ من ثهلان لا تصدعا في كل يوم يسنون الحراب لكم لا يهجعون إذا ما غفى شجعا خزر عيونهم كأن لحظهم حريق نار ترى منه السنا قطعا ويحققون حيال الشول آونة وتنتحون بدار القلعة الرتعا وتلبس ثياب إلا من ضافية لا تفزعون وهذا الليث قد جمعا أنتم فريقان هذا لا يقوم له عصر الليوث وهذا هالك صقعا وقد أظلكم من شطر ثغركم هم له ظلل تغشاكم قطعا مني أراكم نياماً في بلهينة وقد ترون شهاب الحرب قد سطعا فأشفوا غليلي برأي منكم حسن=يضحي فؤادي له ريان قد نقعا ولا تكونوا كمن قد بات مقتنعاً إذا يُقال له أدفع غمة كنعا يسعى ويحسب أن المال تخلده إذا استفاد طريفاً زاده طمعاً فقنوا جيادكم واحموا ذماركم واستشعروا الصبر لا تشتشعروا الجزعا وشروا تلادكم في حرز أنفسكم وحرز نسوتكم لا يهلكوا هلعاً ولا يضع بعضكم بعضاً لنائبة كما تركتم بأعلى عيشة نجعا اذكوا العيون وراء السرح واحترسوا حتى ترى الخيل من تعدائها رجعا فإن علبتم على ظن بداركم فقد لقيتم بأمر حازم فزعا هيهات لا مال من زرع ولا أبل يرجى لغابركم أن أنفكم جدعا لا يلهكم أبل ليت لكم أبلا أن الغدور بخطب منكم قرعا لا تثمروا المال للأعداء أنهم أن يظفروا يحتووكم واليلاد معاً والله ما أنقلب الأموال منذ بدا لأهلها أن أصيبوا مرة تبعا يا قوم إن لكم من قوم أولكم إن ضاع آخره أو ذل واتضعا ماذا يردّ عليكم عزّ أولكم مجداً قد أشفقت أن يفنى وينقطعا فلا تغرنكم دنيا ولا طمعٍ أن تنعشوا بزماع ذلك الطمعا يا قوم لا تأمنوا إن كنتم غيرا على نسائكم كسرى وما جمعا يا قوم بيضتكم لا بها أني أخاف عليها الأزلم الجذعا هو العناء الذي تبقى مذلته إن طار طائركم يوماً وإن وقعا هو الجلاء الذي يجتث أصلكم فمن رأى مثل ذا رأياً ومن سمعا قوموا قياماً على أمشاط أرجكم ثم أفزعوا قد ينال الأمن من فزعا وقلدوا أمركم لله دركم رحب الذراع بأمر الحرب مضطلعا لا مترفاً أن رخاء العيش ساعده ولا إذا عض مكروه به خشعا لا يطعم النوم إلا ريث يبعثه همّ تكاد حشاه تحطم الضلعا مسهد النوم تعنيه أموركم يروم منها إلى الأعداء مطلعا ما أنفك يحلب در الدهر أشطره يكون متبعاً طوراً ومتبعا وليس يشغله مال يثمره عنكم ولا ولد يبغي له الرفعا قد أثمر على شزر مريرته مستحكم السن لا قحماً ولا ضرعا كمالك بن سنان أو كصاحبه زين القنا يوم لاقى الحارثين معا إذ غابه غائب يوم فقال له دمث لجنبك قبل النوم مضطجعا فساوروه فألفوا أخا علل في الحرب يحتمل الرئبال والسبعا مستنجداً يتحدى الناس كلهم لو قارع القوم عن أحسابهم قرعا هذا كابي إليكم والنذير لكم لمن رأى مثل ذا رأباً ومن سمعها فقد بذلت لكم نصحي بلا دخل فاستيقظوا أن خير العلم ما نفعا الاكتشافات الحديثة في القطب الشمالي قالت مجلة مستندات الترقي ما مثله: كانت أول حملة أرسلت لاكتشاف القطب الشمالي سنة ١٥٥٣ فقام شانسلور ودورفورث وويلوغبي من الإنكليز يحاولون الاهتداء من طريق الشمال إلى طريق بحري للوصول إلى آسيا الشرقية ودعي هذا الطريق بطريق الشمالي الشرقي. وما برح حب اكتشاف القطب آخذا بمجامع العقول حتى ساق كثيرين إلى تقحم تلك الصحاري الجامدة في الشمال لكشف ما وراءها من أسرار. ولئن فترت الهمم في سبيل اكتشاف القطب من سنة ١٦٥٠ إلى ١٧٥٠ بالنسبة لبقية الأدوار إلا أن الرغبة في اكتشافه لم تنقطع منذ ذاك العهد ومهما أعتقد الناس بأن ما ورد في أسطورة قديمة من أن في بحار الشمال جبلاً من المغناطيس كان يدعو السفن والملاحين إلى اكتشافه فتهلك فيه ـ وهي أسطورة من الأساطير الخيالية العارية من كل حقيقة ـفان القطب الجغرافي من الأرض وإن لم يره أحد حتى الآن قد أثر في العقول تأثير ذاك الجبل من المغناطيس وكان من قوة الجاذبية إن كانت السبب في هلاك أرواح كثيرة من البشر. وظل ذاك اللغز القديم بدون حل بعد جهاد لا يوصف مدة من ثلاثة قرون ونصف ووقعت مصائب هائلة في القطب والقطب نفسه لم يكتشف على أن هذه المسألة قد فقدت في العهد الأخير شيئاً كثيراً من شأنها العملي ومع هذا فلم يفلت الباحثين علم ما يصادفونه في القطب ونزعوا من الأفكار ما كان علق فيها مدة قرون من أن وراء تلك الأسوار الكالحة من الجليد مناخاً معتدلاً وعدوه من باطل التقدير وقالوا ليس فيها إلا الجليد والثلوج وبحر عميق فيه بعض جزر تختلف كبراً وصغراً ولا تزال مجهولة وهذا ما يرونه في جوار القطب كما رأوا مثله حتى الآن في الأصقاع القطبية. ولا يرجى من اكتشاف القطب الشمالي حل متكل ينفع العلم وما يتنافس فيه الذاهبون في هذا السبيل لبلوغ القطب ليس سوى عبارة عن ضرب من ضروب الأرتياض اللهم إلا ما كان من حيث الفائدة الجغرافية الصرفة. بيد أن الإنسانية لا يقر لها قرار إن لم يكتب لأحد شجعان الزمان أن يدوس ذلك الطرف الآخر من محور الأرض والظاهر أن هذا اليوم وإن طال العهد على قدومه غير بعيد الآن فإن ما تم من تقدم اكتشافات القطب في الخمس عشرة سنة الأخيرة قد بلغ حداً لم يكن يظن بلوغه حتى قري الأمل بأن ستكافئ تلك الهمم الماضية على جهادها قريباً والزمن حلال كل معضل. يعلم ذلك بأدنى نظر يلقي ببصره على تاريخ القطب والبعثات إليه وما بلغه الباحثون من العرض الشمالي. قام المقدام بارنتس الهولاندي فبلغ المرة الأولى سنة ١٥٩٦ الدرجة الثمانيين من العرض ومضى الناس زهاء مائتي سنة حتى تيسر لهم أن يتقدموا إلى الإمام ثلاث درجات أخرى وكان الصياد سكورسبي أول من وصل في الحقيقة إلى الدرجة الثالثة والثمانين من العرض سنة ١٨٢٢ ولم يصل الرحالة مارخام الأميركي إلا في سنة ١٨٧٦ إلى شمالي غرانلاندا أي إلى درجة ٢٠ / ٨٣ وبعد ستة سنين بلغ وطنية سوكفود الدرجة ٢٤ / ٨٣ وهكذا مضت ثلاثة قرون ولم يصل البشر إلى أكثر من الدرجة ٨٣ في التقدم نحو القطب ولكن لم تمض أقل من خمس عشرة سنة حتى كثر التقدم في أصقاع القطب وزاد شأنه أكثر من القرون الثلاثة الأخيرة فكان الرحالة نانسن أعظم فاتح فتح عهد سيؤدي ولاشك إلى الاهتداء للقطب وافتتاحه افتتاحا أخيراً فوصل مع رفيقه جوهانسون في ٧ نيسان (أبريل) إلى درجة ١٤ / ٨٦ في شمال الأرض المعروفة بأرض فرنسيس يوسف ولكنه أضطر إلى الرجوع على أعقابه وتقدمت بعثة الدوق دي زلبروز إلى أبعد من ذلك نحو الشمال فبلغ بعض أعضائها الدرجة ٣٣ / ٨٦ إلى شمالي أرض فرنسيس يوسف وقليلاً نحو الغرب من الجهة التي وصل إليها نانس. ووصل الأميركي في مارس ١٩٠٦ إلى الدرجة ٦ / ٨٦ وكان بلغ سنة ١٩٠٢ إلى درجة ١٧ / ٨٧ وهذا جدول بأسماء البعثات إلى القطب وما تم فيها من التقدم منذ بديء بإرسالها إلى عهدنا. تاريخ البعثة أسم رئيس البعثة جنسيته أقصى ما وصلت إليه من درجات العرض الجهة ١٥٥٣ شانسلوردورفورثوويلوغبي إنكليزا ٧٠ / ٧١ شمالي أوروبا ١٥٨٧ دافيس إنكليزي ٢٠ / ٧٢ بحر بافين ١٥٩٤ بارنتس هولاندي ٥٥ / ٧٧ زامبل الجديدة ١٥٩٦ بارنتس هولاندي ١١ / ٨٠ سبيتزبرغ ١٦٠٧ هودسون إنكليزي ٢٨ / ٨٠ شرقي غرانلاندا ١٧٧٣ فيبس إنكليزي ٤٨ / ٨٠ سبيتزبرغ ١٨٠٦ سكورسبي البكر إنكليزي ٣٠ / ٨١ شرقي غرانلاندا ١٨١٧ سكورسبي الفتى إنكليزي نحو ٨٢ شرقي غرانلاندا ١٨٢٢ سكورسبي الفتى إنكليزي ٨٣ شرقي غرانلاندا ١٨٣٤ غراه دانيمركي إلى ما بعد ٨٣ شرقي غرانلاندا ١٨٧٦ ماركام أميركي ٢٠ / ٨٣ شمالي غرانلاندا ١٨٨٢ سوكود أميركي ٢٤ / ٨٣ ١٨٩٥ نانسن نروجي ١٤ / ٨٦ أرض فرنسيس يوسف ١٩٠٠ كاني إيطالي ٣٣ / ٨٦ أرض فرنسيس يوسف ١٩٠٦ بري أميركي ٦ / ٨٧ شمالي غرانلاندا ومن الفوائد التي حدثت من السعي في اكتشاف القطب للعلوم ولاسيما للجغرافية أننا عرفنا من بعثة نانسن أن رأس القطب الشمالي ـ ربما كان مقابلاً من الجهة الثانية للقطب الجنوبي. مغشى من كل مكان يبحر قليل العمق ليس فيه إلا بعض جزائر وأرض عظيمة ذات اتساع كبير هي غرانلاندا. وقد أثبت سفردروب وهو صديق نانس المخلص بعد بضع سنين أن الشاطئ الشمالي من غرانلاندا لوم يكن يعرف منه إلى ذاك العهد غير قسم صغير ـ لا يمتد نحو الشمال. وقد قط ع الدوق دورليان سنة ١٩٠٥ جزءاً من الشاطئ الشرقي الذي لم يعرف في شمال رأس بسمرك. وأحدث الاكتشافات اكتشاف بري الذي أبان أنه يوجد في شمالي غرانلاندا بحر عميق وتيار عظيم يذهب إلى الشرق. وتبين من البعثات إلى أرجاء شمالي القارة الأميركية بأن الشاطئ الشمالي الأميركي من الغرب متصل كل الاتصال ببحر القطب الذي يسمى هناك بحر بوفور على حين أن مجموع الجزائر الغربية الموجودة في الشرق تمتد ولا شك إلى أبعد من ذلك نحو الشمال نحو أكصر مما كان يظن حتى الآن. إذ قد شوهدت في شمالي أرض اكل هبرغ في المحل الآخذ نحو الشمال جزيرة جديد سموها أرض كروكر. وبينما كانت الفوائد كثيرة مهمة من السعي في ارتياد الأرجاء القطبية خلال السنين الأخيرة في شمالي أميركا كان ما بذل من الجهاد في شمالي آسيا للوقوف على أسرار المحيط المتجمد غير مثمرة أدنى ثمرة. وقد هلك سنة ١٩٠٣ البارون تول الروسي الألماني ولم يبقِ أثراً وهو يحاول بلوغ أرض سانيكوف والغالب أنه هلك وأتباعه جوعاً. ولقد حصرت دائرة الأرجاء القطبية التي لا تزال غير معروفة في دائرة ضيقة في غضون السنين الأخيرة بفضل الرحالتين نانسن وبري خاصة. وما برح القطب يغر كثيرين من أرباب الرحلات فقد مضت على الرحالة أندره الذي سافر يوم ١١ يوليو ١٨٩٧ من سبيتزبرغ في منطاده إحدى عشر سنة ولم يأت خبر عنه وربما لم يتعد أكثر من الدرجة الثالثة والثمانين من العرض وهو الذي ساق نفسه إلى الحتف هذا لم نقل إلى أن إقدامه على ما أقدم عليه كان من الجنون المطبق إن لم يكن الانتحار بعينه. وليس هو وحده الذي حاول أن يقطع ثلوج القطب في منطاد تخلصاً من ركوب البحر والمركبات التي لا عجل لها فقد حاول ذلك غيره كالأميركي ولمان الذي أخفق في المرة الأولى ويحاول في الثانية بلوغ النجاح. والآمال معقودة الآن بأن النجاح ينال بري وامندسون وتكتب أسماؤهم في سجل أعظم العاملين في خدمة العلم باكتشاف القطب وكلاهما الآن يُعد بعثة إلى تلك الأرجاء المتجمدة وسيسافر الأول هذه السفرة للمرة السابعة على باخرته ليبحث عن طريق ليبزغ القطب والناس يؤملون له الخير لأنه إبان رحلاته السابقة عن حذر عظيم وهمة عالية وكانت رحلاته مفيدة فكاد يبلغ الدرجة التي يرمي إليها لو لم يداهمه الشتاء وتيارات الثلوج وإذا أسعده الحظ وبدونه لا يستطيع أكبر الرجال عقلاً أن يعمل عملاً يذكر ـ فإن سفرته ستكون بعد سنة مسفرة عن افتتاح القطب وإذا خانه الحظ أيضاً في رحلته هذه فإن رصيفه أمندسون النروجي الذي يعمل لهذا القصد منفرداً سيجني ثمار هذا الظفر أول الجانين من الناس. وللأميركان والنروجيين في الثلاثين سنة الأخيرة يد في السعي لاكتشاف القطب. ويرجى أن يكون لامندسون ثمرة النجاح بعد بري إذا أخفق هذا. وبعثتا هذين الرجلين هما أهم البعثات الأخيرة وأغناها وأنفعها ويؤمل أن تنحل بهما هذه المشكلة التي شغلت بال الناس أعواماً وقروناً. التأليف في الملوك كان لكثير من الملوك رغبة في العلم لإشراف نفوسهم الملكية على علو قدره وجلالة أمره فمنهم من كان يرغب فيه ويقرب أهله ويسعى في نشره. ومنهم من اشتغل به وسعى في تحصيله حتى فاز بحظ وافر منه. ومنهم من زاد على ذلك فألف فيما عُني به من العلوم غير أن المؤلفين فيهم قليلون لمنع شواغل تدبير المملكة والقيام بأعباء أمورها في أكثر الأوقات من التفرغ للتأليف. ومن الملوك الذي ألفوا عمر بن يوسف بن عمر بن علي بن رسول صاحب اليمن. وفي الكثير من خزائن الكتب شيءٌ من مؤلفاته وأغرب مؤلفاته كتاب عثرنا عليه في هذه المدة ألفه في صنع الإصطرلاب بعد أن زاول عمله مدة وأتقنه وقد أجاد في هذا الكتاب إجادة وافرة بحيث قرب هذه الصناعة على الراغبين فيها ولم يستعمل الإيهام الموجب للإيهام. فأحببنا أن نورد منه ما ذكره في المقدمة لنقف على أسلوب الكتاب والغرض منه قال: بسم الله الرحمن الرحيم وبه العون والثقة يقول العبد الفقير إلى الله تعالى عمر بن يوسف بن عمر بن علي بن رسول غفر الله له الحمد لله الذي لا يبلغ أداء حمده الحامدون وشكراً على نعمه فوق ما شكره الشاكرون فهو الواحد الذي لا تحيط به الظنون جعل النجوم دلائل يهتدي بها المهتدون فقال سبحانه وعلامات وبالنجم هم يهتدون. أحمده حمد مقصر واستهديه إلى طريق الصواب واستنصر وصلواته على محمد النبي الكريم الذي أثنى عليه في كتابه العزيز الحكيم فقال مادحاً له: وإنك لعلى خلق عظيم. وعلى آله المنتخبين صلوة وسلاماً دائمين متلازمين إلى يوم الدين ورضي الله عن الصحابة أجمعين. وبعد فلما كان الاصطرلاب أشرف آلة وضعت في علم الفلك وطريقه أوضح طريق بين في هذا الفن سُلك أحببت أن أجمع في علمه رسالة موضحة قريبة المسلك بطريقة مصححة فما زلت أداخل أصحاب هذا الفن واستحلب درَّهم بالبحث المستحسن لنعرف من منهم بورد من فنونه ويُبين ويصوّر خلاف غيره ويبرهن حتى آيست النفس بما مثلوه وعرفت نقل الأصل الذي أصلوه فتشجعت بأن كررت التعلم والتحرير والتصوير لأشكاله الموضوعة والتقدير إلى أن حسنت ما لم يحسنوا من آلته وعرفت ما يختار من عمله وصناعته ولم يذكروا في علمهم بالتحقيق سوى المقنطرات والبروج والكواكب بالتدقيق واستكفوا فيا عداها بحسن الروية من غير تقدير فلم أزل أفكر فيما أهملوه حتى وضعت له المقادير تابعاً لما رسمه الأولون من الحساب مكتسباً ما أمكنني منه الاكتساب فوضعت على غاية ما بلغ الاجتهاد إليه ووقع عن التخير الاختيار عليه ما يغني الصانع في تيسير المعرفة ويكفيه عن كثير من الكتب المصنفة وعليه في وضع المقنطرات والكواكب المعول والعمدة على وضعها وتحريرها على المصنف الأول مع معرفتي بفك حروفها وإعدادها وإبعاد مراكزها وأنصاف أقطارها ولست بالمدعي في معرفة هذه الصناعة ولا ممن يتخذها حرفة وبضاعة بل اجتهدت فيها والتمست واحتذيت من ضوء سناها واقتبست فألفت هذه الرسالة لتكون للصانع أوضح دلالة وسميتها معين الطلاب على عمل الاصطرلاب فمن وقف عليها فليتسامح عما فرط وليكن أو من لعذر بسط فإن الحليم إذا رأى حسناً مخفياً أظهره وإذا رأى قبيحاً منشوراً ستره ونسأل الله الهداية في الصلاح والبلوغ إلى أفضل المقاصد والنجاح أنه العظيم الحنان والكريم المنان. فاعلم أن الاصطرلاب يعمل بمجالات فمنها ما يكون تاماً وعدد مقنطراته تسعون منها ما يكون ثنائيا وعدد مقنطراته خمسة وأربعون ومنها ما يكون ثلثاً وعدد مقنطراتها ثلثون ومنها ما يكوون خمساً وعدد مقنطراته ثمانية عشر ومنها ما يكون سدساً وعدد مقنطراته خمسة عشر ومنها ما يعمل عشراً لصغره وضيق مداراته وعدد مقنطراته عشرة فالتام هو الذي يكون درج بروجه ومقنطراته مقسومة على درجة درجة والنصف ما كان بروجه ومقنطراته مقسومة على درجتين ودرجتين والثلث ما كان درج بروجه ومقنطراته مقسومة على ثلاثة ثلاثة والخمس ما كان درج مقنطراته وبرجه مقسومة على خمسة خمسة والسدس ما كان عشرة عشرة وأما الرسوم التي لا يقع فيها اختلاف في جميع الاصطرلابات فهي دوائر المدارات أعنى مدار السرطان والحمل والجدي وخط نصف النهار وخط الاستواء فإن هذه الخطوط كلها في جميع الاصطرلابات لا يقع فيها خلاف التبة وإنما تختلف دوائر المقنطرات وهذا الذي اتصل إلى علمنا من أعمال الإسطرلابات وأعمال التارجهار فإنه لا يمتنع أن يكون قد زيد على هذه الأقسام التي ذكرناها ولم نطلع عليه فليس لنا أن نقطع بأن هذه الأقسام التي ذكرناها هي التي تعمل فقط فعلى هذا ما كان صغيراً وقسم على درجة أو درجتين أو ثلاث تزاحمت خطوط المقنطرات لاسيما عند المركز فلا جل ما صغر منها على عشر عشر وأصحها ما كانت مقنطراته مقسومة على درجة درجة ليتحقق منها الصحة لأن ما كبر منها وكان فتحه ذراعاً بالحديد خلص نصف درجة يا تقسم درجته الواحدة بنصفين لسعة ما بينها وبين المقنطرة الثانية وما كان فتح ذراعين جديد خلص عشر دقائق أي تقسم درجته الواحدة بستة أقسام كل قسم منها عشر دقائق وما كان منه أربع أذرع أو خمسة بالحديد خلص دقيقة أي تقسم الدرجة الواحدة بسنين قسماً كل قسم منها دقيقة لأن كل ما اتسعت الآلة صح تقسيمها ويؤدي إلى الصواب لإحاطة النظر وإحاطة الصانع بالصنعة والتمكن من قسمة الدقائق بين الدرجات لكبر الآلة فيؤدي ذلك إلى الضبط وإلى الصحة فقد قيل أن الحاكم من خلفاء المصريين عمل ذوات الحلق وهي تسع حلقات الحلقة يدخل فيها الفارس راكباً برمحه فيكون وزن الحلقة الواحدة نفسها ألفي رطل وكانت جوانبها محزوزة مربعة على زوايا قائمة حتى إذا ركب بعضها في بعض كان كصفيحة واحدة فيرصد بها وبها حققوا طول مصر وعرضها ثم أن التتر لما طلبوا الرصد صنعوا دائرة بناءٍ طول حلقة سعتها عشرون ذراعاً فاستخرجوا ربع دائرة من محيطها ثم بنوا جداراً طوله مائة ذراع ونصبه مائة ذراع مربع وضعوا عليه ربع دائرة طول قائمها على زوايا قائمة ستون ذراعاً وطول القطر الآخر الممتد على الأرض مثل ذلك والقوس تسعون درجة كل درجة ذراع قوسية أي قطعة من قوس هذا الربع ودرجوه درجاً كدرج القطر من أسفله إلى أعلاه ليعملوا أشغالهم لأخذ الارتفاع وأنفقوا على ذلك أموالاً طائلة وقيل أن هلاوون أخذ آلة الحمالين وجعلها على رأسه ليرد عنه ألم الحجر وحمل حجراً كبيراً فلم يبق أحد إلا وحمل وبهذه الآلة الارتفاعية حصل الارتفاع بدقائقه وربما بثوانيه فقوس كل درجة هي ذراع فتمكنوا بهذه الآلة واستخرجوا بها أعمال الرصد وطوله وما ارادوا من باقي الأعمال. وأوردنا هذه الحكاية ليعلم منها فائدة كل ما كبر من الاصطرلابات وزيادتها فائدة في التحقيق ومع ذلك إذا كان الاصطرلاب سعته كما قلنا في فتح ذراعين وما فوقه إلى خمسة فلا يمسك باليد وقت أخذ الارتفاع لكبره هو عظمه بل يرفعه شخص بيديه وآخر يأخذ به الارتفاع فإن عظم عُلق على سيبا بقدر ما يتمكن منه الناظر وهو معلق بالسيبا فعند أخذ الارتفاع يرفع الناظر العضادة ويخفضها حتى يصبح له أحد ارتفاعه من الشمس أو الكواكب وأول ما يبتدئ به الراسم من العمل يخط خطاً بأي قدر شاء ثم يقسمه بتسعين قسماً أجزاءً صحيحة محكمة بقدر الجهد والطاقة فإن صحة العمل موقوفة على قسمة الخط المذكور فمتى كان في القسمة خلل لم تصح بها الأعمال والخط هو المسطرة المقسومة وهذا مثالها (وهنا أورد صورتها) وإن كانت هذه المسطرة بخلاف المسطرة الستينية التي ذكرها الفرغاني في كتابه فإن تلك مقسومة بستين قسماً فإذا أردت عمل هذه المسطرة الستينية التي يقاس منها أعمال الاصطرلاب فإنك تبدأ أولاً بعمل مسطرة صحيحة من خشب صلب. إلى أن قال: فإذا أردت عمل الاصطرلاب كبيراً كان أو صغيراً على أي قدر شئت عمله من الأقدار فإنما يكون كبره وصغره من حساب هذه المسطرة لأنه متى أراد الاصطرلاب كبيراً كبر في طول المسطرة ليتباعد ما بين أقسامها ومتى أراد الاصطرلاب صغيراً صغر المسطرة ليتقارب ما بين أقسامها لأن فتح نصف قطر دائرة الاصطرالاب بقدر الثلث من طول المسطرة المقسومة بتسعين جزءاً ويكون قسمة هذه المسطرة إما في مسطرة من خشب صلب كالأبنوس والعاج أو ما كان في صلابتهما من الخشب والعاج وماشا كله في الصلابة واللون والعاج أجود من الأبنوس لكونه أسود لا تتبين فيه أجزاء المسطرة وإن كانت من نحاس كانت أجود من الجميع إذ المراد بالصلابة أن لا ينزل شيءٌ من رأسي البيكار في الخشب فيخل العمل فإذا أراد قسمة الصفائح فإنه يبدأ أولاً بفتح البيكار بقدر ما يغلب على ظنه أنه نصف قطر الصفيحة أهو في آخر الكتاب شهاداتان من أهل هذه الصناعة تشهدان له بإتقانها والبراعة فيها وهذه الصورة الأولى منها: بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين الحمد لله الذي در مقادير الكواكب وظهر من مكنونات الغيب أسرار العجائب وسير النيرين كتهادي الكواعب وأجرى المتحيرات كجري القواضب وقدر بروجها بين السابق واللاحق والطالع والغارب وجعل النجوم السبعة متحيرة بالقواعد والمراتب فنسبة الشمس كالسلطان والقمر كولي العهد والصاحب وزحل كالقهرمان والمشتري كالحاكم والمريخ كصاحب الجيوش والكتائب والزهرة كالخادم والمطرب وعطارد كالوزير والكاتب فسبحان خالق هذه المحاسن والغرائب ووصفها في كتابه المنزل على سيد الأنباء والشهداء والأباعد والأقارب فقال عز وجل: إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله الكرام وأصحابه الأطايب وبعد فأقول وأنا أقل عباد الله وأصغرهم إبراهيم بن ممدود الحاسب الملكي المظفري الأشرفي: إني لما شاهدت الاصطرلابين قسمة السدس من عمل مولانا الملك الأشرف عمر بن مولان ومالك رقنا السلطان الملك المظفر يوسف بن عمر بن علي بن رسول خلد الله ملكهما وطول عمره من سنة ٦٨٩ وصحة جميع ما عمله بهما من صحة الدوائر والمقنطرات والمراكز وأنصاف الأقطار والكواكب والحجرة والصفائح سبكاً وضرباً قسمة ووضعاً وصحة قسمة دائرة البروج وصحة العضايد وعيار المجموع فيهما ولم أجد فيهما مأخذاً إلا أن كان اليسير من جهة الصانع الخراط ومولانا خلد الله ملكه عارف به وبإصلاحه فشهدت له بالفضيلة وبتجويده في صناعة الاصطرلاب ووضعت له خطي هذا شاهداً على صحة ذلك وأجزت له أن يعمل ما شاء من ذلك أي من الاصطرلابات بم استقريته من إتقانه ومعرفته وذكائه وخبرته واختباري له في ذلك وامتحاني إياه وكذلك في اصطرلابين عملهما في سنة ٦٨٩ أحدهما أصغر من الآخر قسمة السدس والأكبر فيهما قسمة الثلث أجزته وشهدت له بالصحة في الأربع اصطرلابات المذكورة وكذلك أجزته في عمله لساعات مستوية يستخرجها بترجهار يعمله علماً وعملاً وأن يعمل منها ما شاءَ لوثوقي بعلمه وعمله فيما استقريته من أعماله في جميع ما ذكرته عنه نفعه الله بما استفاده ونفعنا بما أفدناه وكتب أقل العبيد المظفري الأشرفي إبراهيم بن ممدود الجلاد الموصلي الحاسب في شهور سنة ٦٩٠ هجرية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم النبيين محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه أجمعين وشرف وعظم ثم أقول وأنا أقل عباد الله إبراهيم الحاسب الملكي المظفري الأشرفي أن مولانا الملك الأشرف بن مولانا السلطان الأعظم الملك المظفر خلد الله ملكهما جدد اصطرلاباً قسمة السدس سنة ٦٩١ هجرية صحيحة وتحرير بالغ أعظم مما قبله مما استدللت على زيادة فضائله فالله تعالى يزيده من فضله وينور باطنه بعلمه بمنه وكرمه وصلى الله على سيدنا محمد النبي وآله وصحبه وسلم. وأقول أيضاً أن مولانا الملك خلد الله ملكه أوقفني على سموت باصطرلاب قسمه الثلث سنة ٦٩٢ والسموت لعشرات فاستقريت الكثير منها أعني من السموت التي عملها بالآلات الصحيحة وبالحساب فوجدتها في غاية الصحة والتناسب مما استدللت بصحة يده وجودة ذهنه وتمكنه في العمل فحكمت بصحة ما يعمله من السموت وأجزت له أن يعمل بعد ذلك ما شاء من الاصطرلابات المسمتة وكذلك مما يعمله من الساعات الزمانية والمستوية وخطى الفجر والشفق بأي اصطرلاب شاء وذلك من جمادى الآخرة سنة ٦٩٢ والحمد لله حق حمده وصلاته على سيدنا محمد وآله وصحبه كتب ذلك أقل العبيد المظفري الأشرفي إبراهيم الحاسب في التاريخ المذكور. وهذه صورة الشهادة الثانية مهما: بسم الله الرحمن الرحيم صلى الله على سيدنا محمد وعى آله وصحبه وسلم تسليما وكذلك يقول العبد الفقير إلى الله تعالى حسن بن علي الفهري المظفري أني شاهدت الاصطرلابات التي أتقن إحكامها ووضعها مولانا ومالكنا السيد الأجل العالم الأنبل الملك الأشرف ممهد الدنيا والدين عمر بن مولانا ومالكنا السلطان الأجل السيد الأوحد العالم العادل الملك المظفر شمس الدنيا والدين يوسف بن عمر بن رسول خلد الله مملكتهما فمنها اثنان قسمه السدس عملا في سنة تسعين وستمائة واثنان أحدهما قسمة السدس والآخر أكبر منه قسمة الثلث عملا في سنة تسع وثمانين وستمائة واصطرلابان قسمه السدس أيضاً عملا في سنة إحدى وتسعين وستمائة وشاهدت جميع ما عمل بها من صحة الدوائر والمقنطرات والمراكز وأنصاف الأقطار والقطرين المتقاطعين على ظهورها وامتحنت حروف العضائد المستعملة واعتبرت كل واحد من ربعي الارتفاع فيها وأدراجها من الواحد إلى التسعين ومربعات الظل وأصابعها الإثني عشر وإقدام الظل واعتبرت أرباع الحجرة في جميعها وأدراجها الثلاث مائة وستين وخط وسط اسماء مع وتد الأرض وخط المشرق والمغرب وانتهاء أطراف كل واحد من هذين القطرين إلى محاذاة أرباع الحجرة ودوائر المقنطرات ودائرتي مداري المنقلبين ودائرة مدار أول الحمل وأول الميزان وخط العصر وخط الفجر ومغيب الشفق والساعات الزمانية وفي الاصطرلاب السداسي الصغير المعمول في سنة تسع وثمانين وستمائة خطوط للساعات المستوية متقاطعة مع خطوط الزمانية ثم بعد أيام قريبة شاهدت الاصطرلاب قسمه الثلث المعمول في سنة تسع وثمانين وستمائة وقد سمت صفائحه الثلث لست عروض وهي عرض يج. . وعرض يج. وعرض يد هـ وعرض يد ل وعرض. . وعرض كاه فوجدت سموتها متقنة العمل صحيحة محققة قسمتها بعشر قسي عشر قسي من قسي السموت ووجدت الجميع من الاصطرلابات المذكورة بقسمتها وتاريخها كاملة الجودة والتحقيق والصحة وأجزتُ له صناعة الاصطرلاب ووضعها سبكاً وضرباً ورسماً مما استقريته من إتقانه ومعرفته وذكائه وفطنته واختباري لأعماله التي أحكمها وامتحاني إياها ثم أجزي له أن يعمل ما شاء من الساعات المستوية يستخرجها بطرجهار بحكمه علماً وتحقيقاً وشاهدت جهازين من إحكامه وعمله أحدهما فضة والثاني نحاس فوجدتهما في غاية التحقيق فليعمل ما شاء منها فقد وثقت بما استقريته منه في جميع ما ذكرته في خطي هذا ووثقت بثقوب معرفته وفطنته نفعه الله بالعلم والعمل آمين وذلك بتاريخ اليوم الثاني من رجب الأصب سنة اثنتين وتسعين وستمائة أحسن الله خاتمتها وصلى الله على سيدا محمد وعلى آله أجمعين. وفي الكتاب تساهل كثير في المواضع واللغة والإعراب وهو مما يغمض عنه في مثل هذه الكتب لاسيما إن كان من طبقة الملوك الذين لا يساعدهم الوقت على التنقيح والمهم في مثل هذا هو تعليم الصناعة بأي عبارة كانت. مطبوعات ومخطوطات بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة طبع أحمد أفندي ناجي الجمالي ومحمد أمين أفندي الخانجي وأخوه هذا الكتاب للحافظ جلال الدين السيوطي المتوفى سنة ٩١١ وجلال الدين هذا من المكثرين من التأليف وبعضها جيد ممتع. أما هذا الكتاب فهو ظاهر من اسمه جمع فيه تراجم مختصرة للنحاة في كل عصر مستنداً فيه على ما انتهى إليه من كتب طبقاتهم على اختلاف العصور وقد تبين من الكتب التي سردها في المقدمة أن معظم كتب التاريخ المفقودة الآن كانت في عصره موجود بكثرة فاستدللنا على أن الزهد في الفن كثر بعد التسعمائة. والأربعة القرون الأخيرة هي عصور الظلمات لا محالة. وقد بدأه بالمحمديين ثم ذكر الأحمديين ثم ساق أسماء الرجال على حروف المعجم ووقع في ٤٦١ صفحة بالقطع الكبير وهو يطلب من مكتبه محمد أمين أفندي الخانجي الكتبي الشهير في الحلوجي باثني عشر قرشاً ورقاً وخمسة عشر قرشاً مجلداً وهو من الكتب التي يجدر بكل طالب نحو أن يقتنيه ليعرف رجال فنه ويطلع على أحوالهم ونكاتهم وآدابهم. وقد اعتمد الطالبون في طبع هذا الكتاب على نسخة دار الكتب المصرية وصححوها بقدر الإمكان على ما ظهروا به من النسخ وأجادوا انتقاء حروف طبعها فشكراً لهم. نهضة الأمة وحياتها هي مقالات كانت دبجتها براعة الشيخ طنطاوي جوهري المشهور بكتبه العصرية ونشرها تباعاً في جريدة اللواء الغراء فحازت استحسان القراء وهي في موضوعات شتى اجتماعية وعلمية. وقد قدم له صالح بك حمدي حماد من أرباب الأقلام في هذه العاصمة مقدمة ذكر فيها ما حواه الكتاب فقال أنه ضم ثلاثاً وخمسين رسالة أو بحثاً جمعت فأوعت مما يهمنا معاشر المسلمين في جميع أقطار المعمور معرفته والإطلاع عليه فصور رجال الأمة أجمل تصوير وارشد الحكام أيما إرشاد ووصف الأمم المظلومة أحسن وصف وقال في المدنية وعلومها ما شاء أن يصوغ قلمه البليغ وجال جولة في علوم الإسلام والأزهر ورجال الدين وأفاض في شرح المجالس النيابية ببيان لم ينسج على منواله وذكر تأليف الكتب وتصنيف الأسفار وبيان التأليف عند الأمم ويكف يؤلف التاريخ ثم الشعر ودرجاته وذكر نظام الجندية والقرعة العسكرية إلى غير ذلك من الأفكار العالية التي تدل على علو كعبه في البيان والتبيين وقد وقع هذه السفر في ٢٨٤ صفحة ويطلب من إدارة اللواء والمكاتب الشهيرة فنثني على مؤلفه وناشره وطابعه بما هم أهله ونشكرهم على هذه الهدية النفيسة. تاريخ الحضارة للمسيو شارل سنيوبوس أحد أساتذة كلية السوربون في باريز كتاب في ثلاث مجلدات سلسل فيه تاريخ الحضارة فالأول في الحضارة عند الأمم القديمة والثاني في الحضارة في القرون الوسطى والعصور الحديثة والثالث في الحضارة العصرية. وقد عرب صاحب هذه المجلة الجزء الأول منه الآن وبعد أن نشر في المقتبس تباعاً أفردناه في كتاب على حدة وهذا المجلد فيه ذكر الحضارة عند أمم الشرق القديمة من المصريين والكلدانيين والأشوريين والبابليين واليهود والفينيقيين والفرس وأمم الغرب القديمة وهم اليونان والرومان وقد توسع المؤلف كثيراً في الكلام على هاتين الأمتين حتى لم يبق في النفس شيءٌ من أمرهما كل ذلك على أسلوب لطيف وتنسيق في الغاية من الجودة وقد التزمنا فيه التعريب بالحرف مخافة أن يضيع شيءٌ من معانيه وإن كان هذا النوع من الترجمة لا يُحمد في الأغلب. وهو في زهاء ٢٢٠ صفحة من صفحات المقتبس ويطلب في القاهرة بستة قروش أميرية من مكتبة المؤيد بشارع محمد علي بالقاهرة ومكتبة هندية بالموسكي ومكتبة البابي الحنبي. ومن دمشق من مكتبة محمد أفندي هاشم الكتبي. الدين الإسلامي والتمدن كراسة ألفها باللغة الإفرنسية السيد أبو بكر عبد السلام بن شعيب من تلمسان أتى فيها بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي تثبت أن الإسلام موافق كل الموافقة لروح التمدن الحديث فضلاً عن منافاته للمدنية كما يدعي بعضهم في أوروبا وقد أورد بما أورده خلاصة الشرع الإسلامي رداً على من يصوّرونه في صورة تغاير حقيقته وقيل أن فرنسا إذا أحبت أن لا يعود المسلمون من أهل الجزائر إلى ما كان عليهم أجدادهم العرب من الهمجية قبل الإسلام وجب عليها أن تضاعف عدد المدارس وتسهل على أبنائهم دخولها وتجعلهم بحيث يكونون على استعداد لإدراك مبادئ دينهم والتسامح رائدهم. وقد نشرت هذه الرسالة في المجلة الوطنية بباريز أولاً فنشكر لغيرة كاتبها وأدبه الغض وهي تطلب منه في تلمسان إحدى ولايات الجزائر. سير العلم والاجتماع آثار خوزستان إقليم خوزستان في فارس من الأقاليم التي رخصت حكومتها لفرنسا أن تأخذ منها جميع ما تعثر عليه من الآثار كما عقدت معها عقداً سنة ١٩٠٠ يكون بموجبه لفرنسا حق استخراج العاديات من فارس كلها دون غيرها وقد حفر المسيو مورغان العالم الأثري في سوس عاصمة ذاك الإقليم فظفر بآثار مهمة حملها في ثمانين صندوقاً وراح يعرضها في متحف اللوفر بباريز وقد كتب عنها بعضهم في جريدة الآنال فصلاً إضافياً قائلاً أن الحفر ما زال في سوس قائماً على ساق وقدم منذ بضع سنين برئاسة هذا العالم الأثري وسوس هي المدينة الغريبة التي خربت مراث وأعيد بناؤها فأنشأ بالآجر المستخرج من أنقاض الأسوار في تلك المدينة قصراً حصيناً أشبه بقلعة ليكون في مأمن للقيام بمهمته وقد نجز بناءُ هذا الحصن وكانت هذه البعثة الأثرية من قبل عرضة لنهب الناهبين من سكان البوادي. واكتشف في الحفريات الحديثة بقايا المدينة الأولى التي كانت قبل المسيح بخمسة آلاف سنة واكتشفوا كمية من الخزف والأواني المنقوشة التي رسمت على مثال الصناعة اليونانية مما استدل منه على أن الصناعة الكلدانية أساس الصناعة اليونانية فإن ملوك خوزستان بعد أن خربوا بلاد الكلدان أخذوا إلى عاصمتهم سوس كل ما كان عند المغلوبين من الأعلاق والنفائس وزينوا به قصورهم. وأنك لتجد هذه الأعلاق المذكرة بتلك الحضارة في سوس أكثر مما تجد منها في بابل نفسها. وقد جمعت تلك البعثة ما طالت إليه يدها من الخزف المنقوش الذي كانت جعلت منه جدران قصر ملوك الإخمانيين ومتى جمعت كلها يكون منها صورة تامة يتأتى الوقوف بها على واجهات ذاك القصر وكيف كانت. قال ولقد دهشنا بما شاهدناه من تلك الأواني والأكواب والصحاف المنقوشة بالمشجر اللطيف وبصور الحيوانات التي جُعلت على نسق دلَّ على ذوق أكيد وذكاءٍ حقيقي وتحققنا أن هذا الخزف صنع بحذق يوازي حذق صناعنا في صنع الصيني وقد جعلوا منه أشكالاً كثيرة فمنه تماثيل دينية أو ألعاب للأولاد أو عجلات صغيرة أو غير ذلك من التحف والطرائف. وفي هذه المجموعة النفيسة تماثيل لمشاهير منها بعض رجال معروفين مثل تمثال الملك مونيشتوزو الذي أتى المسيو مورغان بقانونه الذي كتبه منذ أربعين قرناً قبل المسيح وقد كتبت على التمثال كتابة تؤكد أن ملك سوس بعينه. الانتحار أثبت الأستاذ قيصر لومبروز الفيلسوف الطلياني أن الحب هو أول باعث على الانتحار وإذ أن الرجال في العادة أكثر إقداماً على الانتحار من النساء في الغالب فقد بلغ عدد المنتحرين في إيطاليا في سنة ١٨٧٥ و ٧٧ و ٧٨ ـ ٢٥١٦ مقابل ٥٦٩ منتحرة وإن عدد المنتحرات بعوامل الحب هو من ٧٠ إلى ٧٥ في المئة. وعدد الرجال من ٢٠ إلى ٤٠ في المئة وكذلك الحال في فرنسا فإن عدد المنتحرين ١٧٠٠٠ مقابل ٦٠٠٠ من النساء فينتحر بدواعي الغرام ٢٨ في المئة من النساء وسبعة في المئة من الرجال فقط وبهذا صدق المثل الإفرنجي القائل (فتش عن المرأة) إشارة إلى أنها السبب في كل بلية. مساوئ الملح ثبت بالتجارب الكيماوية والفسيولوجية مؤخراً أن الملح المستعمل في المطابخ لأجل تحضير الأطعمة يأتي في بعض الأحوال بأضرار شبيهة بالتسمم. ويكفي أن الكلى لا تفرز الفضلات من كلور الصوديوم بكمية كافية وتبقى في الجسم فتحدث فيه اضطرابات. وكان الأطباء يصفون لمن يصاب بهذا التسمم الاقتصار على اللبن لأن فيه راحة للكلى ولا ينشأُ من تناوله أقل تأثير في إخراج الفضلات. فيقل بالتدريج معد الألبومين الذي يخرج في البول بواسطة استعمال اللبن ويزول التورم والاستسقاء. إلا أن الناس لا يروقهم تناول اللبن ويريدون إبدال غيره به ويسوغ لهم استعمال اللحوم والخبز والسكر والأرز والمعجنات على شرط أن لا يكون فيها ملح قبل الطبخ ولا بعده. وقد قال الدكتور فندال القائل بحذف الملح من الطعام أن أحدهم أصيب بانتفاخ في كعبه ثم سرى إلى ساقه فكان يألم كثيراً فوصف له استعمال الخبز واللحم والبطاطا والزبدة ولكن بدون ملح فأسرع شفاؤه أكثر من اللبن ولكن ما أضافوا إلى الطعام شيئاً من الملح عاود المرض المريض. فمن ثم يرى الطبيب المشار إليه أن يمتنع تماماً عن أخذ الملح في بعض الأمراض. الكنس رأت بعض المجلات العلمية أن خير واسطة لدفع مضار الغبار من الدخول عند كنس الشوارع من النوافذ والأبواب بل من السريان إلى أنوف المارة وأفواههم هو أن لا يكنس الكناسون إلا بعد أن يرش الرشاشون وكذلك الحال في نفض البسط والأثاث فإن على من أراد أن لا يضر بصحة الناس أن لا ينفضها قبل أن يرشها بماءٍ لتصبح ندية وأن من الواجب على البلديات أن لا تغفل هذا الأمر الصحي. اللبن الحليب منذ تبين أن في بعض البقر جراثيم السل تنقل عدواها بواسطة لبنها أخذ الغربيون وهم أئمة في الوقاية يحترزون من أخذ الحليب من بقرة مريضة ويبالغون في التوقي إلا أن النفوس ما زالت على كثرة النظافة التي أصبحت طبيعية في الفلاحين وأهل المدن في الغرب غير مطمئنة في هذا السبيل فأنشأت مدينة روبيه في فرنسا محلاً لتربية البقر يعني فيه بصحتها ونظافتها عناية لا يكاد يصدقها العقل كما يعنى بصحة من يحلبونها ونظافة أجسامهم وأطرافهم. أجور الكتاب فرنسا من أكبر بلاد الحضارة كتاباً ولذلك قلت فيها أجورهم حتى لا تكاد تقوم بنفقات الطبقات الوسطى منهم أما في انكلترا فإن الكتاب قلائل وهم يعيشون في سعادة أكثر فقد ذادت أجورهم خمسين في المائة منذ خمس عشرة سنة. ونسب بعضهم ذلك لوجود نقابات للكتاب تنظر في مصلحتهم كما تنظر في مصلحة أرباب المطابع. ويقال أن تسعين في المئة من المسائل المادية في لندرا تفض بواسطة ست نقابات تمخضت هذا الغرض فتدفع المجلات ثمن القصة في الغالب من ثلاثة جنيهات إلى خمسة في كل ألف كلمة وممن يربحون كثيراً من كتاباتهم كبنغ الكاتب فإنه يأخذ شلناً عن كل كلمة تخطها يده ويأخذ كونان دويل ثلاثة فرنكات عن كل كلمة من سلسلة رواياته شارلوك هولمز. أما في هذا الشرق الأدنى فقد ارتق أجور الكتاب في السنتين الأخيرتين فابتدأت مصر تدفع للطبقة العالية من كتاب الجرائد رواتب متناسبة مع ثروة الصحف وحالة البلاد وتتبعها الأستانة الآن التي تنسج على منوال الصحف الأوروبية في محرريها ومؤازريها ومكاتيبها. غلاء المنازل ارتفعت أجور المنازل في جميع عواصم الأرض في هذا القرن الازدحام والاجتماع وقد نشرت نظارة الأشغال في باريز إحصاءً جاء فيه أن المنزل الذي كان يؤجر بثمانين فرنكاً سنة ١٨١٠ أصبح يؤجر بمئة وعشرين سنة ١٨٥٠ وبمائتين وعشرين سنة ١٨٧٠ وبثلثمائة وعشرين سنة ١٩٠٠ وبثلثمائة وخمسين سنة ١٩٠٣ ومثلها قواعد الولايات وإن تكن بنسبة أقل. النساء والأطفال قررت فرنسا أن يمنع العاملات إذا كانت سنهن أقل من ١٤ من حلم رزم وزنها أكثر من خمسة كيلو غرامات والأولاد أن لا تتجاوز حمولتهم أكثر من عشرة كيلو غرامات. كما حظرت على الفتيان والفتيات أن لا يستعملن الدراجات الحمالة التي تسير بالبترول إلا إذا تجاوزن سن الثامنة عشرة. المواليد يولد في كل ألف امرأة تختلف أعمارهن من ٢٥ إلى ٥٠ في برلين ٤٧ مولوداً من عائلة غنية و ١٥٧ من عائلة فقيرة وفي باريز يولد في طبقة الأغنياء ٣٧ مولوداً و ١٠٨ أولاد في الطبقة الفقيرة ويولد في فيينا ٧١ مولوداً في كل بيت غني و ٢٠٠ في الألف في البيوت الفقيرة وفي لندرا ٦٣ مولوداً غنياً في الألف و ١٤٧ مولوداً فقيراً. الهواء حملت بعض الصحف الباريزية حملة صالحة على قلة الهواء الذي يتخلل الأحياء والشوارع وقالت أن الفراغ آخذ بالقلة مع الزمن وأن قلة الساحات العامة والحدائق هو الذي يكثر من الأمراض ولاسيما السلُّ وأنه ثبت أن الأحياء القليلة الساحات والفسحات كانت أكثر تعرضاً لهذا الداءِ الوبيل. وللندرا ١١٦٨ هكتاراً من الأرض البراح ما عدا إحدى عشرة حديقة في وسطها وفي باريز ٢١٤ هكتاراً من الفراغ ما عدا غابة بولونيا التي تحسب ضاحية فالواجب الإكثار من الحدائق لأن الهواء هو الصحة. التمثيل للأولاد رأى مارك توين الكاتب الأميركي المشهور أن تقام دار للتمثيل خاصة بالأطفال والشبان فلبي طلبه وأنشئوا دار تمثيل سموها مسرح تربية البنين والناشئةت ولا يمثل فيها إلا المولعون بفن التمثيل ويقتصرون في تمثيلهم على الروايات المدرسية وبذلك يمتنع كثير من الشبان عن غشيان دور التمثيل التي لا تمثل فيها إلا الخلاعة والرقاعة. جيش المتمردات قال أحد كتاب الانكليز لا يزال عدد المتمردات من العاملات الانكليزيات في ازدياد ففي انكلترا زهاءُ خمسة ملايين ونصف من النساء العاملات وهو جيش أضخم من جيش كسركس ملك الفرس بل أكثر من سكان لندرا. فمنهن ٨٦٧٠٠٠ عاملة في معامل القطن و ٩٠٣٠٠٠ في المصنوعات اليدوية و ٨٠٥٠٠ في التجارة ونحو مئة ألف في الزراعة و ٥٥٧٨٤ حاسبة و ٢٠٠٠٠٠ معلمة و ٤٤٠٠٠ موسيقية وممثلة و ٧٩٠٠٠ مرضعة و ٢٩٢ طبيبة. ومن هؤلاء النساء ثلاثة ملايين لم يتزوجن وإن كن جاوزن العشرين من العمر ومنهم مليون رضين أن يبقين عانسات بعد بلوغهن الخامسة والثلاثين وعدد الأيامى منهن ١٢٤٦٤٧ أيامى. العامل العظيم تبين أن أديسون مخترع الكهربائية. . ساعة أي أنه عمل ما يوازي عمل العامل الهم في مئة سنة بيد أن المرء لا يعجب من عظمة أعمال كبار الرجال بقدر ما يعجب من مقدرتهم على معاناة العمل. مطاعم الشعب أي امرئٍ فيه ذرة من الإنسانية يمر بجماعة من العملة وقت الظهر هو يتغذون ولا تأخذه الشفقة عليهم ويتأثر لجور هذه المجتمعات في قوانينها. تعطي الغني حتى تتخمه وتمنع الفقير حتى تميته. ولكن ابن هذه البلاد جبل على القناعة من طبعه إذا حاز الخبز القفار عده نعمة وإن تيسر له أن يلته بشيء من مرق المخلل أو يجمع معه الزيتون أو البصل أو الفجل اغتبط وعد ذلك سعادة. واليوم الذي يتناول فيه اللحم والأرز والبقول والفول هو يوم عيده وهنائه. بيد أن ابن الغرب ليس كابن الشرق في هذه الحال وذلك لأن مناخ الغرب يقتضي من جيد الأطعمة ما يقدر معه العامل أن يقاوم هواءَ بلاده ويتحمل مشاقها ولاسيما عملة المعامل. وهناك جمعيات وأفراد كثيرون ممن أسبغ الله عليهم نعمه يفكرون للبائس الفقير أكثر مما يفكر لنفسه ويأسفون لحرمانه فيسعون لتنعيمه حتى يساوي أهل السعة في بعض ما يجب لقوام جسمه من المطعم والمسكن لتستفيد بلاده منه إذا جادت صحته وسلمت آدابه. هناك من يتأثر المحسن إذا رأى أولاداً يأكلون قليلاً لفقرهم ويطعمون أردأ الأطعمة ويشفق الفسيولوجي على الفتيات العاملات لقلة ما يدخل معدهن من الطعام المغذي ويهتم الأخلاقي إذا رأى ابنة تهيم في الشوارع على وجهها لتملأ بطنها. ولذلك قام فيهم أمثال الأميرة دي غال (الملكة فيكتوريا) في لندره ومرغريتا مورجانستين في برلين وروتشيلد في باريز وغيرهم أو غيرهن في عواصم الغرب وقواعده حيث تصعب المعيشة لازدحام أقدام السكان. ولم يرَ القوم هناك أحسن من إنشاءِ مطاعم الشعب على النحو الذي أسسه جماعة من محسني اليونان في الإسكندرية يأكل كل فيها العامل أو العاملة هنيئاً مريئاً لقاءَ دريهمات تمكنه حالته من أدائها كل يوم. وكانت سويسرا هي السابقة إلى إنشاء أمثال هذه المطاعم والاستكثار منها وبعضها مما أنشأه النساء. وكم للنساء في الغرب من يد في الخبرات كما لهن أيد في غيرها. رأى أصحاب المعامل هناك أن مصلحتهم تقضي عليهم بأن يتغذى عملتهم تغذية جيدة فأنشئوا لهم مطاعم يبيعونهم فيها جيد الطعام بثمن بخس وذلك لأن هذه المطاعم لا يقيد من أربابها ربحاً كثيراً بل يطلبون أن تقوم بنفقاتها فقط وتسر عملتهم وتقتصد لهم من أوقاتهم ومالهم وتنفعهم في صحتهم وتدفع عادية الأمراض عنهم. وقد أسست في باريز مدرسة عالية أشبه بكلية للشعب وفي جوارها مطاعم للتلاميذ يتناولون طعاماً جيداً بثمن بخس كما يتعلمون مجاناً. وزاد عدد هذه المطاعم في أوروبا في العهد الأخير ولاسيما في انكلترا والسويد والنروج وسويسرا وألمانيا وفرنسا بسبب كثرة المدارس التي يتعلم فيها الفتيات فن الطبخ وتدبير المنزل فيعانين صنع ألوان الطعام ليتعلمن بالعمل وكل ما زاد منه ترسله إدارات المدارس إلى مطاعم أنشأتها في الجوار لتبتاعها العملة والعاملات ولاسيما العاملات بثمن قليل. ولا تتوخى معظم تلك الشركات والجمعيات الربح من تأسيس مطاعم الشعب وقد رأت بعضها أن تحدد القدر المقتضي لرأس المال من الأرباح وما زاد عنه وهو قليل أيضاً يستعين به على إنشاء مطاعم أخرى في أحياء أخرى أو مدن أخرى. وكانت انكلترا بدأت بإنشاء هذه المطاعم على عهد الملكة فيكتوريا أميرة دي غال قبل توليها عرش أجدادها ففتحت هي وزوجها المطعم بيدها وأكلت منه وجبة كلفتها أربعة بني ونصفاً ( ٤٥ سنتيماً) ثم كثرت المطاعم على هذا النحو في انكلترا وأكثرها لا يكلف زيادة عن نصف فرنك كل وجبة تحتوي على بقول ولحوم وجزءٍ من لبن. وفي ألمانيا جمعيات كثيرة من النساء أنشأت في أمهات المدن الألمان ولاسيما الصناعية مطاعم كثيرة تكلف الوجبة فيها أربعين سنتيماً والطاهيات والخادمات هناك من النساء. وقد أنشئ فيها محال لبيع اللبن والشاي والزبدة والقهوة بأثمان رخيصة لتقاوم أعمال المحال التي تبيع المسكرات. وتفردت ألمانيا وحدها بإنشاء مطاعم للمرضى الناقهين تقدم أطيب الأطعمة بحسب وصية الطبيب بأثمان لا تزيد الوجبة منها على ستين سنتيماً. والفضل في ابتكارها أولاً لمعمر كروب المشهور ثم عمت هذه الطريقة معظم أقطار ألمانيا. وللنساء السويسريات يد طولى في إنشاء مطاعم للشعب. ومن جملة الفنادق التي أنشأتها فنادق ينام فيها المرء ويأكل ويشرب ولا يدفع أكثر من ثلاثة فرنكات ونصف وترى فيها النظافة على أتم ما يمكن أن يكون والمواد جيدة ولا تجد في معظم هذه المطاعم أثراً للمشروبات الروحية وفي بعضها محال للمطالعة والتسلية المشروعة. وقد نجحت مطاعم الشعب في ولايات فرنسا أكثر من نجاحها في باريز لغلاء الأجور فيها وارتفاع أسعار مواد الأجور وثبت بالاستقراء للباحثين أنه لا يتأتي إطعام شاب في مطعم طعاماً كافياً بأقل من فرنك و ١٥ سنتيماً إلى فرنك وربع. ويرى بعض الاجتماعيون أن مطاعم الشعب يجب أن لا تحصر عملها في إطعام الطعام الجيد للفقراء ممن ينتابونها بل أن تعلمهم وتربيهم وأن لا يكتفى فهيا فقط بحظر بيع المشروبات الروحية بل أن يستعاض عنها بالأشربة والحواء المحللة الصحية ما ينسى معها الذين اعتادوا تناول الكحول أن لا يعاودوا احتساءها. والسكر أحسن مولد للحرارة في الجسم ومعين على الهضم ولذلك رأت ألمانيا أن تدفع كل يوم ستين غراماً من السكر لكل جندي يتناوله مع الماء والقهوة والشاي. وأن البلاد التي لا يطيب ماؤها حريٌّ بها أن تغلي الماء على النار في الأوقات التي إلا تنتفع بها وتمزجه بقشر البرتقال أو الأقحوان فإذا جاء المستطعمون يتناولون منه فيجمعون فيه سكراً أو يكرعونه صرفاً وهو يغنيهم عن كل شراب وينشط أجسامهم. وظهر من فوائد مطاعم الشعب أن الأمراض كانت تقل من يطعمون فيها لأنهم يكرهون على غسل أيديهم قبل الجلوس إلى الموائد. ومعلوم أن طريق الفم هو الواسطة العظمى في العدوى من الأمراض ولاسيما الهواءُ الأصفر فكان من هذه المطاعم أن علمت المختلفين إليها أن يطهروا أيديهم طوعاً أو كرهاً. هكذا يعمل الغربيون وعلى هذه السنة جرى بعض النزالة اليونانية في الإسكندرية منذ أشهر ففتحوا مطاعم لأمتهم يصرف فيها القليل وينتفع فيها بالجزيل. فهل الأفراد في أمتنا أن ينهضوا بدافع الشفقة على مثال الأمم الناهضة فيؤسسون مطاعم للبائسين ولاسيما في العواصم ومدن الأقاليم الكبرى حيث الغلاء ضارب بجرانه بما يعد معه غلاءُ أكبر مدينة في أوروبا رخصاً وسعة. آداب الجرائد كتب الدكتور رنيول في مجلة مستندات الترقي مقالة في الجرائد السياسية وآدابها قال فيها وهو يقصد في الأكثر صحف فرنسا: إن المرء يقع اختياره في الغالب على مطالعة جريدة من الجرائد تطلعه على الشؤون السياسية والحوادث المنوعة والعلوم والآداب بل على كل مطلب من المطالب اللازمة ولذلك كانت الجرائد هي المهذبة العظمى للأمة إلا أنها تستعمل مالها من التأثير في الشر أحياناً فمن جرائدنا من جعلت همها الوحيد لغت الأنظار إلى مطالعتها فهي تبذل في هذا السبيل كل شيءٍ فتدعو من أجل ذلك أشرف العواطف وتقلبها إلى شهوات ضارة فتجعل الوطني مهووساً والمؤمن متطرفاً والمتسامح مبتدعاً والمنتخب المتعقل سياسياً ناقصاً وتوقد النيران التباغض بين الأجناس والطبقات والأديان والآراء وبفضل الجرائد تنقسم الأمة إلى شطرين متعاديين يوشك أن يحمل أحدهما على الآخر في المسائل العادية كإعادة النظر في إحدى القضايا. هذه الجرائد تعظم الحوادث الساذجة لتستكثر من القراء. أن دعت إلى الاجتماع لسباق الخيل تقلب علم الفروسية ظهراً إلى بطن وإن أحبت عقد مؤتمر من التجار تضاعف ثروة الأمة عشرة أضعاف ما هي عليه وأن اقترحت الاحتفال بسباق السيارات تزعم أنها أحيت هذه الصناعة. نعم هي تدعي أيضاً أنها تظهر المحكوم عليهم من الأبرياء وتشهر الصناعات السامة وتشرف على المطاعم المغشوشة. للاستكثار من القراء تقيم الجرائد مسابقات سخيفة فهي تقترح عدَّ حبات الدخن الموجودة في زجاجة وأن تحزر الكلمات المحذوفة من رفرف (قصة في أسفل الجريدة) تافه وأن يعثر على كنز مخبوء في إحدى المتنزهات العامة وذلك بأن تعلن بأنها تدفع جوائز تقدرها بمئات الألوف من الفرنكات. هي تعمل ذلك ولا حرج عليها لأنه لا يكلفها غير الوعد فإذا ما انحل الإشكال المطلوب حله فلا يكون إلا على يد شريك لها تقاسمه الربح أو لا تعطيه منه شيئاً. لأجل أن تحبب الجرائد قراءتها تغرس فيهم الميل إلى قلة الرصانة وسماع اللغو والعبث فتقص عليك كيف أن إحدى الممثلات تلبس قفازيها (كفوفها) وتركب في المركبة وتذكر كل تفصيل عن غانية اشتهرت وتورد لك أسماء أشأم الأشرار مورية أنهم من الأبطال تستجلب عليهم الرحمة وتفاوضهم بعناية. لإكثار هذه الجرائد قراءها تستخدم رقة القلب الكاذبة في العامة بأن تأتيهم بحوادث غريبة منوعة ومدهشة تقيم وتقعد. فإن مخبري الجرائد يجتمعون كل مساءٍ في القهوة فإذا لم تحدث في المدينة حوادث خصام ولا توقيف أحد بالقوة ولا انتحار ولا فجائع عشق ولا غيرها مما يقضي عليهم أن ينشروه في جرائدهم يخترعون شيئاً منها بالاتفاق بينهم اتفاقاً لا يخرج عنه أحد. هذه الجرائد تدعو الناس إلى قراءتها بنشر أنباء الاكتشافات الكاذبة والمبالغة في رفع أقدار أدعياء العلم إلى السماكين وتتملق للمتأدبين المنحطين والموسيقيين الساقطين. نعم هي تساعد على نمو الفضائح مدعية أنها مولعة بالحق ولكنها تتحرز من إفشائها إذا كان فيه مس إحساس بعض الشركات الكبرى. وحدث ما شئت أن تحدث عن تلطفها في ذكر نقابات باعة الخمر فهي تتوقى من ذكر اسم سكير وتستعيض عنه عندما يأتي في باب الأخبار المنوعة بلفظ المغضوب أو فاقد الصواب. ومتى أفلحت تلك الجرائد بكثرة سواد قرائها لا تستنكف من بيع أعمدتها للإعلان عن أرباب الموبقات وبائعي السميات واللصوص. لا تراعي فيما نشر إلا ولا ذمة ما دام المعلنون يدفعون لها أجور إعلاناتهم. وليس أحسن من الجرائد للرقيق إلا بيض يطلب على لسانها أحدهم على صفة أنه رجل في بلد بعيد يريد فتاة لتكون في بيته وصيفة أو معلمة أو مؤنسة فإذا حُملت إليه لا تجد المسكينة غير بيوت الريبة تنتظرها وكذلك الحال في المتجرات بالأعراض من النساء فإنهن يعمدن إلى الصحف فيجعلنها وسيطة بينهن وبين زبونهن مقترحة بأنهن يعطين دروساً في اللغة أو يعرضن تحفاً ونفائس. ولقد يجعل باعة الترياق والأدوية الشافية من الصحف واسطة لممارسة طبهم ولا ينالهم عقوبة فيوصون باستعمال العقاقير الضارة مثل خلاصة التيروييد والمسهلات السريعة وغيرها. وكذلك يفعل الماليون فيها للإعلان عن مسائل لهم تحوي في مطاويها الغش والخديعة وتخرب بيوت السذج من الناس. وكثيراً ما تبلغ الحال بتلك الجرائد أن تهدد بعض الناس أو يرضونها بما تريد وتنشر خبر فضيحة وقعت واعدة أن تأتي من الغد بشرح واف على ما جرى والله أعلم متى يجيء هذا الغد إذا خف إليهم المفضوح فرشاهم ليسكتوا. أيها القارئ أنك إذا ابتعت الجريدة الفلانية تعتقد بأنها لا تكلفك غير فلس واحد فانزع هذا الوهم من نفسك فكثيراً ما يكون منها أضرار بصحتك وثروتك وشرفك فما تدفعه من ثمنها يجعلك شريكاً في جرائمها. ولقد سرى فساد هذه الجرائد ولصوصيتها في الأخلاق حتى أن القوم لم يعودوا يفكرون في لومها. ولما اتهم في قضية برزخ باناما أناس من مشاهير كبار رجال السياسة طالب الصحافيون منهم بأجرة المقالات المنشورة كأنهم يطلبون بحق ولكن تلك المبالغ التي قبضوها تجاوزت الأجرة المعتادة بما لا يقال. هذا والحكومة تعين الجرائد على ما هي في سبيله فهي لا تكتفي بإعطائها مبالغ من المال سراّ بل توافقها على جميع مطالبها فتساعدها حين الحاجة بجندها لتستخدمها إعلاناً عن نفسها وتضع قسماً من أسطولها تحت أمر أرباب الجرائد ليجعلوا صفة رسمية لسباق القوارب الذي يقومون به وتسحب الحكومة يانصيب باسمها إكراماً للصحف. قال لي أحد مديري الجرائد ذات يوم: أنا لا أدعو إلى الفنون ولا إلى الآداب ولا إلى العلم إنني تاجر وأريد أن أنظر في مصلحتي وما جريدتي إلا حائط يعلق إعلانه عليه كل من يؤدي أجرته. قال هذا ولكن فإنه أن هذا الحائط متحرك يدخل في كل مكان ويزيد عدده إلى ما لا نهاية له يبيعه من القارئ. فأنت أيها الصحافي مسمم لعقول العامة لا تقل في ضررك عن ذاك (البدّال) الذي يغش المأكولات. سأل أحد كبار الأغنياء الأميركان ذات يوم عن أحسن الطرق التي يتيسر له أن يصرف فيها جزءاً من ثروته في عمل خيري ولو سمع مني لرأى حاجتنا الماسة كل المساس إلى تأسيس جريدة سياسية ذات وقار وحشمة وأعني بها جريدة تقول الحقيقة أبداً أو ما تعتقد أنه الحقيقة ولا تنشر إلا الإعلانات التي تعترف بصحة ما فيها. صدور المقتبس نحمد الله على ان وفقنا إلى الجري على سنة النمو الطبيعي في هذه المجلة وهدانا إلى سبيل التسهيل في اقتباس الفوائد وأقباسها جهد الطاقة على صورة مقبولة في الجملة ولم يزين لنا الخوض إلا فيما درسناه واعتقدنا فيه الغناء. ونشكر لمؤازرينا من أهل العلم وحملة الأقلام الذين جعلوا من المقتبس مباءة لبنات أفكارهم وخزانة لخلاصة أبحاثهم كما نثني على من نشطونا على أطراد الخطة التي سلكناها ونوهوا بها ولاسيما تلك الفئة الفاضلة العاقلة من علماء المشرقيات من الغربيين سواءٌ كان بما نشروه في مجلاتهم أو بتفضلهم بمكاتبنا بما يشف عن حسن ظن بضعفنا وفضل أدب فطرت عليه نفوسهم. ولقد لقينا في عامنا هذا من إقبال القراء في كل قطر تقام فيه للعربية سوق ما اغتبطنا به فزاد الطلب على السنتين السالمتين حتى اضطررنا إلى إعادة طبع عدة أجزاء كانت نفدت من عندنا فاستقام بذلك حسابنا ووازى الدخل الخرج في نفقات الطبع والنشر. ونرجو من المشتركين أن يعذرونا على إسراعنا في إصدار الأربعة الأجزاء الأخيرة من السنة الثالثة دفعة واحدة. . فقد اضطررنا بسبب ارتفاع الضغط عن العقول وانتشار حرية المطبوعات في البلاد العثمانية إلى مغادرة هذا القطر السعيد وسيصدر المقتبس إن شاء الله في غرة محرم القادم من مدينة دمشق قاعدة بلاد الشام بعد أن صدر في عاصمة القطر المصري ثلاث سنين آخذين على النفس أن لا نحيد قيد شبر عن الخطة المرسومة فنصرف العناية في تمحيص المسائل بقدر ما تسمح به الحال ونتخير الموضوعات التي تفيد وتلذ. وفي الختام نودع وادي النيل ونهدي سلامنا لأهل علمهم الله علماً يحفظون به كيانهم ويعلي بين المتحضرين شأنهم. ونستغفره عز سلطانه مما طغى به القلم وزلت به القدم أنه أكرم مسؤول.</passage>
<license>Distributed under a Creative Commons Attribution-ShareAlike 4.0 International (CC BY-SA 4.0) license</license>
<source>https://github.com/tillgrallert/digital-muqtabas/blob/master/xml/oclc_4770057679-i_36.TEIP5.xml retrieved via Canonical Text Service http://cts.informatik.uni-leipzig.de/muqtabas/cts/ with CTS URN urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.36.TEIP5:</source>
</reply>
</GetPassage>
