<?xml version="1.0" encoding="UTF-8"?><GetPassage xmlns="http://relaxng.org/ns/structure/1.0" xmlns:a="http://relaxng.org/ns/compatibility/annotations/1.0" xmlns:tei="http://www.tei-c.org/ns/1.0">
<request>
<requestName>GetPassage</requestName>
<requestUrn>urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.34.TEIP5:</requestUrn>
</request>
<reply>
<urn>urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.34.TEIP5:</urn>
<passage>العدد ٣٤ بتاريخ: ١ - ١١ - ١٩٠٨ الطالع السعيد من المخطوطات النفيسة التي كادت تعبس بها يد الضياع كتاب الطالع السعيد الجامع لأسماء الفضلاء والرواة بأعلى الصعيد لكمال الدين أبي الفضل جعفر بن تعلب الأدفوي المولود في نصف شهر شعبان سنة ٦٨٥ والمتوفى في سابع عشر شهر صفر سنة ٧٤٨ ألفه بإشارة من شيخه أثير الدين أبي حيان النحوي الأندلسي وقصره على تراجم النابغين من إقليم قوص وما يتبعه من البلدان والقرى وهو أول ما ألف من نوعه خاصاً بأهل الصعيد. ولم يكن بمصر من نسخ هذا الكتاب غير اثنتين بدار الكتب الخديوية كلتاهما ناقصة وما زلت في شوق إليه وبحث عنه حتى ظفرت بنسخة منه كاملة كتبت سنة ٨٨٠ برسم الفقيه مجد الدين أبي عبد الله بن شرف الدين حمزة الخطيب الواعظ وهي كغالب المخطوطات لا تخلو من التحريف والتصحيف خصوصاً في مواضع أهمل الناسخ إعجامها فلا تتيسر قراءتها إلا بضرب من العنت وتدقيق النظر. افتتح المصنف كتابه بمقدمة تشتمل على مسافة هذا الإقليم وتفصيل ما اختص به من المزايا فذكر أن مسافته تبلغ في الطول اثني عشر يوماً بسير الجمال السير المعتاد وتبلغ في العرض ثلاث ساعات وأكثر أو أقل تبعاً للأماكن العامرة وأنه ينقسم إلى كورتين يفصل بينهما النيل فالشرقية منهما تتصل شرقاً بالبحر الملح (هو بحر القلزم المسمى الآن بالبحر الأحمر) وأولها من الشمال أرض أفنو وآخرها من الجنوب أبهر الشرقية بضم الهمزة وسكون الباء الموحدة وضم الهاء ومن مدنها قنا وقفط وقوص وهي قاعدة الإقليم في عصره وكان بها أربعون مسبكاً للسكر وست معاصر للقصب وبها قباب بأعالي دورها قيل أن من ملك عشرة آلاف دينار يجعل له قبة في داره وإليها تكاتبه ستة ملوك. ومنها الأقصر وأسوان قال وأهلها يوصفون بالمحك في المعاملة وشدة المخاصمة وفيها يقول دعبل بن علي الخزاعي وكان أقام بها والياً كما نقل أهل التواريخ: وإن امرأ أمست مساقط رأيه بأسوان لم يترك له الحزم معلما حللت محلاً يقصر الطرف دونه ويعجز عنه الطيف أن يتجسما ولهم لغة يجعلون الطاء تاء فيقولون التريق في الطريق والتاق في الطاق ويبدلون الفاء بالباء والباء بالفاء فيقولون ضربته في هذا بعنوان بهذا أهـ. والكورة الغربية أولها شمالاً برديس وآخرها جنوباً أبهر الغربية ومن مدنها أدفو بلد المصنف وعشة الذي درج منه. ثم أفاض في محاسن هذا الإقليم من عذوبة ماءٍ وطيب هواءٍ ووفرة غلةٍ وكثرة فاكهة قال وأظن مساحة أرض بساتينه ونخله تقارب عشرين ألف فدان ونقل غرائب في حمل أشجاره قد يعد بعضها من المبالغة والغلو ولا غرو فكل فتاة بأبيها معجبة. وذكر في معادنه معدن البروم بالقرب من قنا ومعدن الزمرد وحجر البازهر والنفط والنطرون والرخام ومن معاهد العلم ست عشرة مدرسة بقوص وثلاثاً بأسوان واثنتين بأسنا وواحدة بالأقصر وأخرى بأرمنت واثنتين بقنا وواحدة بهو وأخرى بقمولا. أما ترتيب الكتاب فعلى حروف المعجم ابتدأه بإبراهيم وختمه بيونس وذيله بباب في الكنى ذكر به من كنيته اسمه وغالب تراجمه مختصرة يقتصر فيها على المولد والوفاة وشيء من أخبار المترجم وروايته إن كان من المحدثين. على أنه خالف ذلك في البعض فأطال فيهم كالنويري صاحب نهاية الإرب والرشيد بن الزبير وأخيه المهذب الشاعر والتاج بن المفضل وعبد الرحمن النخعي وذكر من سعة تبحره في الفقه أن الفتوى كانت ترفع إليه ورجله في الركاب فيكتب عليها بدون توقف وابن الحاجب مؤلف الكافية وقيصر المعروف بتعاسيف العالم الرياضي الذي عمل لسلطان حماه كرة عظيمة صور عليها الكواكب المرصودة وصنع له طاحوناً على العاصي وبنى له أبراجاً وتحيل فيها بحيل هندسية ومجد الدين بن دقيق العيد وابنه تقي الدين الإمام المشهور وترجمته أطول ترجمة في الكتاب والقفطي صاحب التاريخ وغيرهم ممن استحقت أعمالهم إطالة الكلام فيهم. ولم يهمل النساء فذكر منهم من اشتهرن بالعلم والفضل كتاج النساء ابنة عيسى القوصية وأختها مظفرية وخديجة بنت علي بن وهب ورقية بنت محمد بن علي بن وهب وكلهن من أسرة بني دقيق العيد. وأعجبني منه التزامه الصدق وميله مع الحق فيما كتب فترجم كل إنسان بما له وعليه حتى تقي الدين بن دقيق العيد لم يمنعه ذكره لمناقبه وحسناته وشهادته له ببلوغ رتبة الاجتهاد من أن يقول فيه: ولكنه تولى القضاء في آخر عمره وذاق من حلوه ومره وحط ذلك عند أهل المعارف والأقدر من قدره وحسن الظن ببعض الناس فدخل عليه إلباس وحصل له من الملامة نصيب والمجتهد يخطئ ويصيب ولو حيل بينه وبين القضاء لكان عند الناس أحمد عسره ومالك دهره الخ. . وترجم عبد القادر بن المهذب وهو ابن عمه فوصفه بالذكاء النادر وسعة الإطلاع إلا أنه أنحى عليه لسوء عقيدته وقال في آخر ترجمته ومرض فلم أصل إليه ومات فلم أصلِّ عليه. وفي الكتاب رسائل وخطب وقصائد ومقطعات لا تخرج عن الأسلوب المألوف لأهل ذلك العصر ومنها وصية لجلال الدين الدشنائي كتبها لابنه تاج الدين يقول فيها: ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشداً. يا بني أرشدك الله وأيدك أوصيك بوصايا إن أنت حفظتها وحافظت عليها رجوت لك السعادة في دينك ومعاشك بفضل الله ورحمته إن شاء الله تعالى ولا قوة إلا بالله. أولاها وأولاها مراعاة تقوى الله تعالى تحفظ جوارحك كلها من معاصي الله عز وجل حياء من الله والقيام بأوامر الله عبودية لله. ثانيتها لا تستقر على جهل ما تحتاج إلى علمه وثالثتها أن لا تعاشر إلا من تحتاج إليه في مصلحة دينك ومعاشك. وراعتها أن تنصف من نفسك ولا تنتصف لها إلا لضرورة وخامستها أن لا تعادي مسلماً ولا ذمياً وسادستها أن تقنع من الله بما رزقك من جاه ومال وسابعتها أن تحسن التدبير فيما في يديك استغناء به عن الخلق وثامنتها أن لا تستهين بمنن الرجال عليك وتاسعتها أن تقمع نفسك عن الخوض في الفضول بترك استعلام ما لم تعلم والإعراض عما قد علمت وعاشرتها أن تلقى الناس مبتدئاً بالسلام محسناً في الكلام منطلق الوجه متواضعاً باعتدال مساعداً بما تجد إليه السبيل متحبباً إلى أهل الخير مدارياً لأهل الشر متبعاً في ذلك السنة اللهم أهله لامتثالها. وغالب ما ورد فيه من المنظوم أشبه بشعر العلماء منه بشعر الشعراء على أنه لا يخلو مما يستجاد كقول الأمير مجير الدين بن تميم اللطمي: أعيذك أني بين أهلي وجبرتي وحيد لديهم عادم ودٍّ مشفق اقلب طرفي لا أرى لي مؤنساً لعمرك فيهم غير طرس منمق يحدثني عن حسن أحوال من مضى ويخبرني عن قبح أحوال من بقي وقول تفي الدين بن دقيق العيد: تمنيت أن الشيب عاجل لمتي وقرَّب مني في صباي مزاره لآخذ من عصر الشباب نشاطه وآخذ من عصر المشيب وقاره وقول فتح الدين القنائي: بعادم علم الطرف السهادا ونفر عنه في الليل الرقادا وبات بليل أرمد ليس يرجو لليل بات يشهره نفادا كأن الليل فارقه حبيب فلم ينزع لفرقته الحدادا فما للدهر لا ينفك يهوى مخالفة الذي أهوى عنادا يباعد من أريد له دنواً ويدني من أريد له بعادا كأن عليه ميثاقاً ووفى به أن لا يبلغني المرادا ومن طريف ما رواه أن ناظم هذه الأبيات ادعى أنه كان ينظم القصيدة ويجعلها في ديوان أبي تمام ثم يعرضه على الناس فلا يميزون بين الشعرين فقال له أحد الأدبلاء أنت لا تمدح شعرك وإنما تذم الناس. وقول أنجب الدين الإسنائي: ألحاظكم تجرحنا في الحشا ولحظنا يجرحكم في الخدود جرح بجرح فاجعلوا ذا بذا فما الذي أوجب جرح الصدود هكذا نسبهما لأنجب الدين نقلاً عن العماد في الخريدة. قلت وقد وهم الشيخان فالبيتان لولادة بنت المستكفي لا يكاد يختلف في ذلك اثنان وقد وقفت على أوهام من هذا القبيل فرطت من بعض الأئمة فنسبوا أشياء لغير قائليها أما لاشتباه في الأسماء أو لسهو عرض وحلّ من لا يسهو وربما أفردت نبذة لذكرها إن شاء الله. ومن غريب ما رأيته فيه من المنظوم نوع من الزجل تكرر ذكره سماه المصنف (بليقة) وجمعها على بلاليق مما يدل على أن اللام في المفرد مشددة ولا أدري أكانت البليقة تطلق عندهم على كل ما نسميه اليوم زجلاً أو هي خاصية بنوع منه فمنها قول هبة الله الأفودي وقد سئم من قراءة الفصول لابن معظ في النحو: يا قوم واش هذا الفضول نقرا الفصول الملحة نقرا يا فلا أو مختصر شيت والبيان=هذا يجنن بالضمان لسائر أرباب العقول من قوله معد يكرب القلب أضحى منكرب=وبيت عقلي قد خرب وشرح حالي فيه يطول من صحروات مع حبليات ومد وشد مع حات بات=من الذي عنده ثبات يفهم مفاعيل مع فعول ومنها مطلع بليقة لبعضهم في هجو قاض: قاضي القضاة أعزل نفسه لما ظهر للناس نحسه ولا يستقيم الوزن إلا بإسكان آخر الكلم كما تنطق العامة. ومما استفدته من هذا الكتاب عثوري فيه على كلمات عامية مستعملة إلى الآن بمصر أدمجها المصنف في عبارته مما يدل على أنها أقدم في الاستعمال من عصره حتى صارت من المألوف عندهم وإلا لما جرى بها قلم مثل هذا الإمام في مثل هذا التأليف. وبالجملة فمحاسن الكتاب كثيرة وفوائده غزيرة فلعل أحد المشتغلين بالطبع من الوراقين يتنبه له فيطبع ليعم نفعه. القاهرة أحمد تيمور جالينوس العرب أو أبو بكر الرازي ألا لفتة منا إلى الزمن الخالي فنغبط من أسلافنا كل مفضال تلونا أناساً في الزمان تقدموا وكم عبرة فيمن تقدم للتالي ألا فاذكروا يا قوم أربع مجدكم فقد درست ألا بقية أطلال تتطلبتمو صفو الحياة وأنتمو بجهل وهل تصفو الحياة لجهال وما أنتمو إلا كسكران طافح تحسى من الصهباء عشرة أرطال مشى بارتعاش في الطريق فتارة يقوم وأخرى ينهوي فوق أوحال يمد إلى الجدران كف استناده فتقذفه الجدران قذفة إذلال ويفتح للطراق مقلة حانق فيغمضها خزيان عن شتم عذال رمى الدهر قومي بالخمول فلمتهم وأوسعتهم عذلاً فلم يجد تعذالي فهاج البكا يأسي فلما بكيتهم بدمعي حتى بلَّ دمعي سربالي نظرت إلى الماضي وفي العين حمرةٍ كأن على آماقها نضج جريال فشمت بروق الأولين منيرةً على أفق من ذلك الزمن الخالي تنورتها في أذرعات وأهلها بيثرب أدنى دارها نظر عال وقلبت طرفي في سماء رجالها وهم فوق عرش للجلالة محلال فآنست آثاراً وهم سلك درها وأبصرت أعمالاً وهم جيدها الحالي ولما طويت الدهر بيني وبينهم على بعد أزمان هناك وأجيال قعدت بأوساط القرون فجاءني (أبو بكر الرازي) فقمت لإجلال فتى عاش أعمالاً جساماً وإنما تقدر أعمار الرجل بأعمال حكيمٌ رياضيٌ طبيبٌ منجمٌ أديب وفي الكمياء حلال إشكال أتى فيلسوفاً للنفوس مهذباً بأفضل أفعال وأحسن أقوال لقد طبب الأرواح من داء جهلها كما طبب الأجسام من كل إعلال مولده تولد عام الأربعين الذي انقضى لثالث قرن ذي مآثر أزوال إلى زكريا ينتمي أنه له أب تاجر في الريّ صاحب أموال على حين كانت بلدة الريّ غادةً إلى العلم يعطو جيدها غير معطال مدارس بالشبان تزهو ودونها كتاتيب للتعليم تزهو بأطفال بها جل درس القوم طب وحكمة وفلسفة فيها لهم أي إيغال وكانت نفيسات الصنائع عندهم يحاولها ذو الفقر منهم وذو المال وما كان هذا الحال في الريّ وحدها بل الحال في البلدان طر كذا الحال فإن هدى الإسلام أنهى فتوحه وأوصلها للحد أحسن إيصال وبدل أبطال الحرب من الورى بأبطال علم للجهالة قتال فدارت رحى تلك العلوم وقطبها ببغداد مركوز بربوة إجلال وكانت يد المأمون في ذاك أخجلت لسنا العلى في شكره أي إخجال منشؤه تدرج في تلك المدارس ناشئاً مترجمنا يسعى بجد وإقبال تعلم فن الصوت بديء بدئه ومارس تفضيلاً به بعد إجمال فكانت بموسيقى اللحون دروسه تغني بإهزاج وتشدو بإرمال وقد جاوز العشرين سناً ولم يكن لشيء سوى فن الغناء بميال فرام أبوه منه تحويل عزمه بجذب إلى شغل التجار وإدخال غفال له دعني مع العلم إنني إذا ما أمتُّ الجهل أحييت آمالي وهل يستطيع المرءُ شغلاً إذا غدا له شاغل بالعلم عن كل إشغال هناك استقى الرازي من العلم شربة فجاد بإعلال له بعد إنهال سعى سعيه نحو التعلم بادئاً بعلم لدى أهل التفلسف ذي بال وقد كان مفتاح العلوم تفلسف تفك به من جهلهم كل أغلال فزاول أنواع العلوم تنقلاً بابين أوضاح لها غير أقفال نضا همة في العلم مشحوذة الشبا جلت ما لحرب الجهل من ليل قسطال وقد أكمل الطب المفيد قراءة على الطبري الحبر أحسن إكمال سياحته ومذ جاوز الرازي الثلاثين واغتدى مدلاً على أقرانه أي إدلال رأى في تمام العلم للمرء أنه يسيح بضري في البلاد وتجوال ما العلم إلا بالسياحة إنها لمن علموا في علمهم درس أعمال فقام وشد الرحل والغرز وامتطى لقطع الفيافي متن هوجاء شملال فجاء بلاد الشام تواً وجازها إلى مصر في وخد حثيث وأرقال وخاض عباب البحر للغرب قاصداً مواطن للإسلام لم يسلها السالي ففيها اجتلاه العز مذ لاح طالعاً لها كهلال يجتلى عند إهلال وحل حلول البدر في السعد نائلاً بقرطبة آماله ناعم البال وهب هبوب الريح ثمة ذكره يطير على صيت من العلم جوال وودعها من بعد ذلك راجعاً إلى مصر لا توديع مستكره قال ومنها إلى بغداد سافر قاطعاً إليها الفلا ما بين حل وترحال فألقى عصا التسيار في عرصاتها بمغرس عرفان ومنبت أفضال وبغداد كانت وهي إذ ذاك جنة بها العلم أجرى منه أنهار سلسال كأن رجال العلم في غرفاتها بلابل تشدو غدوة بين أدغال فكم محفل للكتب فيه خزانة وكم مرصد دان وكم مرقب عال ولما غدا الرازي ببغداد باسطاً من العلم أبواعاً له ذات أطوال أقيم لمارستانها عن كفاءة رئيساً بتطبيبي وتدبير أحوال فرتب مرضاه وأصلح شأنه بما كان لم يخطر لسابق أجيال وظل به يسعى طبيباً ممرضاً ويبذل جهداً لم يكن فيه بالآل ويلقي السريريات وهي مسائل لدى سُرر المرضى تقرر في الحال قثد كان يلقيها على القوم ناطقاً بأوضح تبيان وأحسن إملال مآثره العلمية لقد أشغل الرازي ببغداد شغله عدا الطب فغي الكمياء أعظم أشغال فقضى بها أيامه في تجارب وواصل أبكاراً لهن بآصال فلقب فيها بالمجرَّب حرمةً تفرد مخصوصاً بها بين أمثال وأصبح مشهوراً بأسنى مآثرٍ من العلم لم يسبق إليها وأعمال فإن أبا بكر لأول مفصح إلى الناس بالدرس السريري مقوال وأول من أبدى لهم كيف يبتني ويفرش مارستانهم قصد إبلال وألف في المستشفيات مؤلفاً تقصى به وصفها دون إغفال ولا تنسى للرازي الكحول فإنه يجدد طول الدهر ذكراه في البال ومن عمل الرازي انعقادٌ لسكر وما كان في محصوله غير سيال أخلاقه أرى العلم كالمرآة يصدأ وجهه وليس سوى حسن الخلائق من جال أخو العلم لا يغلو على سوء خلقه وذو الجهل أن أخلاقه حسنت غال ولو وازن العلم الجبال ولم يكن له حسن خلق لم يزن وزن مثقال وإن المساوي وهي في خلق عالم لا قبح منها وهي في خلق جهال ولكنما الرازي قد ازدان علمه بأحسن أخلاق وأشرف أفعال خلائق غرّ إن أردت بيانها بدأت بحرف الحاء والميم والدال فتى كان مملوء الجوانح رحمة بكل هزيل الجسم من سقم إقلال يزور بيوت البائسين بنفسه ويفتقد المرضى بفحص وتسآل ويأتيهم بالمال والعلم مسعداً لتطبيب أوجاع وتأمين أوجال وما كان يقنو المال إلا لبذله لتعليم علم أو لإعطاء سؤال وكان حليف الجد لم يأل جهده بدحض خصوم العلم من كل هزال فكم راح مخذولاً به متطبب سعى كاذباً في طبه سعي إضلال وكان سليماً غي العقيدة ينسبونه لزيغ فقد أغناك عنهن إجمالي عوده إلى الري ولما قضى الرازي ببغداد برهة مضى قافلاً للريّ شوقاً إلى الآل فلما أتى تلك البلاد غدا بها طبيباً لدى المنصور صاحبها الوالي وألف للمنصور إذ ذاك باسمه كتاباً حوى في الطب أحسن أقوال ولم تصف للرازي أواخر عمره وعاد أخا همّ شديد وبلبال فقد عميت عيناه من بعد واغتدى يجول من الفقر بأسمال وإن عداء الدهر شنشنة له يصول بها قهراً على كل مفضال ولما انتهى نحو الثمانين عمره قضى نحبه من غير مال وأنسال ولكنه في الناس خلف بعده من العلم آثاراً قليلة أمثال فكم كتب أبقى بها الذكر في الورى وألفها نسجاً على خير منوال وما ضرّ من أحيا له العلم بعده على الدهر ذكراً أنه ميت بال وإني إن أطنبت في بحر علمه لمقتصرٌ منه على بعض أوشال وها أنا أنهي القول لا لتمامه ولكن لعجزي عن نهوض بأجبال وأجعل هذا الشعر مسكاً ختامه بما قال في بيتين معناهما حال لعمري وما أدري وقد آذن البلى بعاجل ترحال إلى أين ترحالي وأين محل الروح بعد خروجه من الهيكل المنحل والجسد البالي الحسبة في الإسلام وأربعة مخطوطات فيها وصفنا في الجزء السالف المخطوط الأول الذي عثرنا عليه في فن الحسبة وما نحن أولاء نصف المخطوط الثاني. قال في مقدمته: نحمد الله الحسيب الرقيب على نواله إيماناً واحتساباً والصلاة على رسوله محمد الحبيب النسيب وآله ما لا يحصى كتاباً ولا حساباً أما بعد فقد جمع عبده الغريق في بحر فضله الطامي عمر بن محمد بن عوض الشامي ألهمه الله تقواه فيما يكتسب ويجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب في تصنيف هذا الكتاب وهو نصاب الاحتساب مسائل اختصت بالنسبة إلى منصب الحسبة من كتب معتبرة بين الفقهاء معول عليها عند العلماء بعدما تحمل في جمعه نصباً وكمل في قيده نصباً وصرف إلى تنقيحه وتصحيحه مدة وتكلف في ترتيبه وتهذيبه شدة شديدة ليكون للمبتلى آية يعرف بها فيما يحتاج إليه غاية وهو مرتب على أبواب الأول في تفسير اللفظين المتداولين في هذا الكتاب أحدهما الاحتساب والثاني الحسبة فالاحتساب لغة يطلق على معنيين أحدهما من العد والحساب ذكر في المغرب احتسب بالشيء اعتد به وجعله في الحساب ومنه احتسب عند الله خيراً إذا قدمه ومعناه اعتده فيما يدخر عند الله وعليه حديث أبي بكر الصديق رضي اله تعالى عنه إني أحتسب خطاي هذه أي أعتدها في سبيل الله وقول النبي عليه السلام من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه أي صام وهو يؤمن بالله ورسوله ويعتقد صومه عند الله والثاني الإنكار على الشيء ذكر في الصحاح احتسبت عليه كذا إذا أنكرته عليه قاله ابن دريد والحسبة معنيين أيضاً أحدهما بمعنى الحساب مصدر كالعقدة والركعة والثاني التدبر يقال فلان حسن الحسبة في الأمر أي حسن التدبير له وفي الشرع هما الأمر بالمعروف إذا ظهر تركه والنهي عن المنكر إذا ظهر فعله في كتاب أحكام السلطان ووجه الاستعارة أما الاحتساب فلأنه إن كان من الاحتساب بالمعنى الأول وهو يتعدى بالباء فهو يحتسب بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عند الله أجراً فكان من قبيل تخصيص العام وإن كان من قبيل الإنكار فهو من قبيل تسمية المسبب بالسبب لأن الإنكار على الغير سبب للأمر بإزالته وهو الاحتساب لأن المعروف إذا ترك فالآمر بإزالة تركه آمر بالمعروف والمنكر إذا فعل فالأمر بإزالته هو النهي عن المنكر. أما الحسبة فلأنه إن كان بمعنى الاحتساب فهو نظير الأول من الاحتساب وإن كان بالمعنى الثاني فهو كذلك وإن كان التدبير عاماً ولكنه أريد به تدبير خاص وهو تدبير إقامة الشرع فيما بين المسلمين وإنما سمي به لأنه أحسن وجوه التدبير فصار كتسمية القود به ثم الحسبة في الشريعة عام يتناول كل مشروع يفعل الله تعالى كالآذان والإقامة وأداء الشهادة إلى كثرة تعدادها ولهذا قيل القضاء باب من أبواب الحسبة وقيل القضاء جزء من أجزاء الاحتساب وفي العرف اختص بأمور أحدها إراقة الخمور كلها والثاني كسر المعازف والثالث إصلاح الشوارع وذلك باب كبير فيه مسائل إحداها أمر الميزاب والثانية أمر الأوحال والأرداغ والثالثة أمر الدكانجة على الباب والرابع منع جلوس الباعة عليها والخامسة منع سوق الحمير والبقر للخشابين والآجريين ونحوهم والسادسة منع ربط الناس دوابهم فيها والسابعة منع عمارة الحيطان في شيء من الشوارع والثامنة منع شغل هواء الشارع بالجناح ويسمى بون داشت والتاسعة منع المبرز في الجدار بحيث يكون إزالة النجاسة منه بالوقوف في الشارع والعاشرة منع الظلة والرابع في التقسيم الأول النظر بين الجيران في التصرفات المضرة كالنظر وسد الضوء إلا فيما يرجع إلى الملك كغصب قطعة من الأرض والخامس تقويم الموازين والسادس تفحص الصنجات والسابع تنقية دكان الطباخين والخبازين ونحوهم والثامن تفحص نظافة الفقاع ودكانه والتاسع منع إسبال الإزار ونحوه على الكعبين والعاشر زجر الناس عن الغناء والنوحة والحادي عشر منه الرجال من التشبه بالنساء ومنع النساء عن التشبه بالرجال والثاني عشر أمر التنبوليين بطهارة مائهم وثيابهم وتنقية نورتهم عن الحصاة والثالث عشر إحراق المعازف وكسرها يوم الأضحى في المصلى وغيرها والرابع عشر منه الناي عن تطيير الحمامات والخامس عشر منع البغايا وتعزيرهن ومنع أوليائهن ومواليهن وأزواجهن والسادس عشر أمر أهل الذمة بتطهير الأواني التي يبيعون فيها المائعات من الدهن واللبن والسابع عشر أمر الغسالين بإقامة السنة واجتناب البدعة في غسل الموتى وحفر القبور والحمل وزجرهم عن الغلاء في أخذ الأجرة ونصب الصلحاء وذوي الخبرة بهذه الأمور في هذه المصلحة والثامن عشر تفحص الجامع يوم الجمعة والمصلى يوم العيدين وإخلاؤهما عن البيع والشراء ومنع الفقراء عن التخطي ومنع القصص المفتراة ومنه النساء السائلات عن الدخول ومنع الصبيان والمجانين فيه والتاسع عشر دفع الحيوانات المؤذية عن العمرانات كالكلاب العقور والعشرون النهي عن النجس (والأمر بالتنظيف) والحادي والعشرون منع الناس عن الوقوف في مواضع التهم كتحدث الرجال مع النساء في الشوارع والثاني والعشرون منع النقاشين والصباغين والصواغين عن اتخاذ تماثيل ذات الروح وكبر الصور. والثالث والعشرون منع المسلمين عن الاكتسابات الفاجرة كاتخاذ الأصنام والمعازف والصنج وبيع النبيذ والبختج والرابع والعشرون منع الطباخين والخبازين في أول نهار رمضان عن بيع الطعام على مثال غير رمضان والخامس والعشرون منع الناس عن اتخاذ القبور الكاذبة وخروج الناس إلى زيارة بعض المتبركين أو بعض المساجد على مشابهة الخروج إلى الحج والسادس والعشرون منع النساء عن التبرج والتفرج بالخروج إلى النظارات وزيارة القبور والسابع والعشرون منع الناس عن التصرفات في المقابر بلا ملك والثامن والعشرون منع المطلسمة والسحار والكهان عن منكراتهم والتاسع والعشرون نهي أصحاب الحمام عن منكراتهم وأمرهم بتطهير المياه وإخلاء الحمام عن المرد ودخول العراة فيه ونهي الحجام عن حلق العانة واللحية وأمرهم باتخاذ الحجاب بين الرجال والنسار الثلاثون منع أهل الذمة عن الركوب بهيئة المسلمين ولباس الصالحين واتخاذهم معابدهم في بلاد المسلمين الحادي والثلاثون منع المسلمين عن الدخول في معابدهم للتبرك والتماس الحوائج من نساكهم والثاني والثلاثون منه الناس عن الترسم برسوم الكفار في ولادتهم ومرضهم وصحتهم وصحة صبيانهم وعماراتهم وزراعاتهم وركوبهم في البحر والثالث والثلاثون منه الناس عن تعلم علم النجوم مما لا يحتاج إليه في الدين وتصديق الناس للكهنة والمنجمين والرابع والثلاثون منع الناس عن بدعة ليلة البراءة. والخامس والثلاثون منع أهل الذمة عن إظهار شعائرهم في مواسمهم في بلاد المسلمين والسادس والثلاثون منه الناس اللعابين بالنرد والشطرنج وتفريق جمعهم وأخذ بساطهم وتماثيلهم السابع والثلاثون منع القوابل عن إسقاط جنين الحوامل والثامن والثلاثون منع الجراحين عن الجب والخصاء في الناس والتاسع والثلاثون منع الحجامين عن مس الأجنبيات إلا لضرورة لا بد منها وعن حجامة الحبالى في أوان مضرتها بالحجامة والأربعون منع الناس من الإقامة في المساجد ووضع الأمتعة فيها والحادي والأربعون منع الذي مسه الشيطان باللمم عن التكلم بالغيب واجتماع الناس عنده زاعمين أنه صادق في أخباره بالغيب وهو كفر واستحل له والمصدق به مرتد والثاني والأربعون منع الخطاط ومعلم القرآن ومعلم النحو بأجر عن الجلوس في المساجد الثالث والأربعون منع المعلم ونحوه عن أخذ شيء باسم النيروز والمهرجان والرابع والأربعون تعزير الآبق وإن كان من باب الاحتساب لإجماع الصحابة رضي الله عنهم. هذه أبواب الكتاب الثاني وهي كما تراها مخالفة للأول من وجوه وموافقة له من أكثر الوجوه. أما الكتاب الثالث فهو: نهاية الرتبة في طلب الحسبة تأليف الشيخ عبد الرحمن ابن نصر بن عبد الله بن محمد الشيزري الشافعي قال في أوله بعد البسملة والحمد له والصلاة: وبعد فقد سألني من استند لمنصب الحسبة وقلد النظر في مصالح الرعية وكشف أحوال السوقة وأمور المتعيشين أن أجمع له مختصراً كافياً في سلوك نهج الحسبة على الوجه المشروع ليكون عماداً للسياسة وقواماً للرياسة فأجبته إلى ملتمسه ذاهباً إلى الوجازة لا إلى الإطالة وضمنته طرفاً من الأخبار وطرزته بحكايات وآثار راجياً بذلك ثواب المنعم يوم الحساب واقتصرت فيه على ذكر الحرف المشهورة دون غيرها لمسيس الحاجة إليها وجعلته أربعين باباً يجري المحتسب على مثالها وينسج على منوالها وهي نهاية الرتبة في طلب الحسبة. وقد جعل في الأول الكلام فيما يجب على المحتسب من شروط الحسبة ولزوم مستحباتها والثاني النظر في الأسواق والطرقات والثالث معرفة القناطير والأرطال والمثاقيل والدراهم قال فيه: لما كانت هذه أصول المعاملات وبها اعتبار المبايعات لزم المحتسب معرفتها وتحقيق كميتها لنفع المعاملة بها من غير غبن على الوجه الشرعي وقد اصطلح أهل كل إقليم وبلد في المعاملة على أرطال تتفاضل في الزيادة والنقصان سيما أهل الشام خاصة وسأذكر من ذلك ما لا يسع المحتسب جهله ليعلم تفاوت الأسعار أما القناطير القنطار الذي ذكر الله عز وجل في كتابه الكريم فقد قال معاذ بن جبل هو ألف ومائتا أوقية وقال أبو سعيد الخدري ذهباً وأما القنطار المتعارف عليه فهو مائة رطل والرطل ستمائة وأربعة وثلاثون درهماً وهو اثنا عشر أوقية والأوقية سبعة وخمسون درهماً هذا رطل شيراز (شيزر) الذي رسمه فيها بنو منقذ وأما رطل حلب فهو سبعمائة وأربعة وعشرون درهماً وأوقيتها ستون درهماً ورطل دمشق ستمائة درهم وأوقيتها خمسون درهماً ورطل حمص سبعمائة درهم وأربعة وتسعون درهماً وأوقيتها سبعة وستون درهماً وحبة وثلثا حبة ورطل حماه ستمائة وستون درهماً والرطل البغدادي نصف المن والله اعلم. فصل وأما المثقال فهو درهم ودانقان ونصف وهو أربعة وعشرون قيراطاً وهو خمسة وثمانون حبة والدرهم الشامي ستون حبة وقد اختلف صنج الشام أيضاً فالمثقال بمحروسة شيزر يزيد على مثقال حلب نصف قيراط ومثقال حماه مثل الشيرزي ومثقال دمشق يزيد على الشيزري ومثقال المعرة مثقال الدمشقي. فصل وقفران المكيلات ومكاكيكها مختلفة أيضاً فالقفيز بمحروسة شيزر ستة عشر كيلاً وهو مكيال متعارف فيها يسمع رطلاً ونصفاً بالشيزري والقفيز الحموي ينقص عن الشيزري شنبلان والقفيز الحمصي مثل الحموي والمكوك الحلبي يزيد عن القفيز الشيزري ثلاثة شنابل والمعري مثله وهو أربع مرازب من كل مرزبان أربعة أكيال بالحلبي والغرارة ثلاثة مكاكي بالحلبي وجميع ما ذكرته غير مستقر في جميع الأزمان وإنما اصطلح كل قوم على شيء في زمن كل سلطان ثم يغير ذلك بتغير السلطان. وتكلم في الباب الرابع على معرفة الموازين والمكاييل وعيار الأرطال والمثاقيل وفي الخامس على الحسبة على الحتويين والدقاقين والسادس في الحسبة على الخبازين ثم الفرانين فصناع الزلابية فالجزارين والقصابين فالشوايين فالرواسين فقلايي السمك وفالطباخين فالهرايسيين وفالنقانقيين فالحلوانيين فالصيادلة فالعطارين فالشرابيين فالسمانين فالرزازين فالدلالين والمنادي فالحاكة فالخياطين فالقطانين فالكتانيين فالحريريين فالصباغين فالأساكفة فالصيارف فالصاغة فالحدادين فالبياطرة فنخاسي العبيد والدواب فالحسبة على الحمامات وقوامها وذكر منافعها ومضارها ثم الحسبة علا الفصادين والحجامين والأطباء والكحالين والمجبرين والجرايحيين ومؤدبي الأطفال والحسبة على أهل الذمة. وفي الباب الأربعين جمل وتفاصيل من الحسبة ذكر فيها ميالزم المحتسب فعه من أمور الحسبة في مصالح الرعية غير ما ذكره فمن ذلك السوط والدرة والطرطور أما السوط فيتخذه سوطاً لا بالغليظ الشديد ولا بالرقيق اللين بل يكون سوطاً بين سوطين حتى لا يؤلم الجسم ولا يخشى منه غائلة وأما الدرة فتكون من جلد البقر والجمل محشوة بنوى التمر وأما الطرطور فيكون من اللبد منقوشاً بالخرق الملونة مكللاً بالخرز والودع والأجراس وأذناب الثعالب والسنانير وتكون هذه الآلة كلها معلقة على دلبة ليشاهدها الناس فترعد منها قلوب المفسدين وينزجر بها أهل التدليس. وعدد أوراق هذا الكتاب ٣٣ صفحة وهو بخط مقروء لم تكتب سنة كتابته ولا تاريخ تأليفه والصحة تغلب عليه بالجملة. أما الكتاب الرابع فهو المعروف باسم نهاية الرتبة في طلب الحسبة أيضاً تأليف محمد بن أحمد بن بسام المحتسب قال في مقدمته بعد البسلمة والحمد له والصلاة: قال الله تعالى الذين أن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهو عن المنكر ولله عاقبة الأمور فأمر بذلك مع القدرة عليه والتمكن منه ومن الأمر بالمعروف أيضاً نصفح أحوال السوقة في معاملاتهم واعتبار موازينهم وغشهم ومراعاة ما تجري عليه أمورهم وقال تبارك وتعالى ويل للمطففين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون وقال عز من قائل حكاية عن بيه شعيب عليه السلام ويا قوم أوفوا المكيال والميزان ولا تبخسوا الناس أشيائهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين وقد رأيت المؤلفين من المتقدمين سبقوا إلى ذكر كثير مما يحتاج إليه وينتفع به ولم أجد أحداً منهم ذكر ما ينبغي ذكره من الغبن والفحش والخيانة بين الناس في المعاملات والمبايعات. وقد قسم كتابه إلى مئة وأربعة عشر باباً: ( ١ ) فيما يجب على المحتسب من أمور الحسبة، ( ٢ ) في النظر في الأسواق والطرقات ( ٣ ) في الخبازين والخبز ( ٤ ) في السقايين والماء ( ٥ ) في الشسوقية وغشهم ( ٦ ) في جزاري الضأن والمعز وغيرهم ( ٧ ) في الشوائين وتدليسهم ( ٨ ) في الهرايسيين وغشهم ( ٩ ) في الزلبانيين وغشهم ( ١٠ ) الرواسين وغشهم ( ١١ ) الطباخين وغشهم ( ١٢ ) الحلوانيين وغشهم ( ١٣ ) هرايسي التمر وغشهم ( ١٤ ) الباقلانيين وغشهم ( ١٥ ) السماكين وحماليه ( ١٦ ) الملح والصبر والبوري ( ١٧ ) قلائي السمك ( ١٨ ) الطيور وصياديها ( ١٩ ) الطحانين وغشهم ( ٢٠ ) الفرانين ( ٢١ ) الحطابين ( ٢٢ ) القصابين ( ٢٣ ) الجبانين ( ٢٤ ) الجبارين ( ٢٥ ) الحمامات ( ٢٦ ) الغزالين ( ٢٧ ) الكتانيين ( ٢٨ ) الحريريين ( ٢٩ ) القطانين ( ٣٠ ) القلانسيين ( ٣١ ) الخياطين ( ٣٢ ) سماسرة البز ( ٣٣ ) البزازين ( ٣٤ ) الغسالين ( ٣٥ ) القصارين ( ٣٦ ) المرزين ( ٣٧ ) الرفائين ( ٣٨ ) الصيادلة والعقاقير ( ٣٩ ) الأشربة والمعاجين ( ٤٠ ) العطر والعطارين ( ٤١ ) الصيارف ( ٤٢ ) الصباغ والصباغين ( ٤٣ ) الأطباء والفصادين ( ٤٤ ) الكحالين والكحل ( ٤٥ ) المجبرين ( ٤٦ ) الجرايحيين ( ٤٧ ) البياطرة ( ٤٨ ) صباغي الحرير والغزل ( ٤٩ ) الخزازين وصناع الشراك ( ٥٠ ) الأساكفة وصناع الخفاف ( ٥١ ) عمل الإسقاط وغيره ( ٥٢ ) عمل البطط ( ٥٣ ) الحناطين والعلافين ( ٥٤ ) صنعة السرابات ( ٥٥ ) الزتهار وغشه ( ٥٦ ) الأبزار والإبزاريين ( ٥٧ ) السماسم وبايعيه ( ٥٨ ) الخشب وباعته ( ٥٩ ) الزفاتين ( ٦٠ ) الحدادين ( ٦١ ) السامريين وغيرهم ( ٦٢ ) النحاسين وسباكي النحاس ( ٦٣ ) النجارين والبنائين والفعلة والنشارين ( ٦٤ ) نجاري الضبب ( ٦٥ ) نجاري المراكب ( ٦٦ ) النخاسة باعة العبيد ( ٦٧ ) النخاسين باعة الدواب ( ٦٨ ) الطوابين وغشهم ( ٦٩ ) الدلالين ودلالي العقارات ( ٧٠ ) تقديرات المراكب ( ٧١ ) باعة الفخار ( ٧٢ ) سقائي البرام ( ٧٣ ) الزجاجين وغشهم ( ٧٤ ) معلمي الصبيان من الفقهاء ومعلمات البنات ( ٧٥ ) الدهانين وغشهم ( ٧٦ ) المكارية وغشهم ( ٧٧ ) النحاتين والمصولين في التراب ( ٧٨ ) كساحي السماد وحمالته ( ٧٩ ) الغرابيل ومناخل الشعر ( ٨٠ ) حافري القبور ( ٨١ ) الوراقين والمبهرجين ( ٨٢ ) فيمن يكتب الرسائل على الطرق والرقاع والدروج ( ٨٣ ) كتاب الشروط ( ٨٤ ) الوكلاء بأبواب القضاة وتدليسهم ( ٨٥ ) الميازين ومضرتها ( ٨٦ ) إصلاح الجوامع والمساجد ( ٨٧ ) قراءة القرآن قدام الموتى ( ٨٨ ) غسالي الموتى ( ٨٩ ) المراصد والمراقب ( ٩٠ ) طباخي الولائم ( ٩١ ) معرفة الموازين ( ٩٢ ) معرفة المكاييل ( ٩٣ ) معرفة مثاقيل الذهب ( ٩٤ ) معرفة الأرطال والقناطير ( ٩٥ ) معرفة الأقساط ( ٩٦ ) معاصر الزيت وغشها ( ٩٧ ) التبن والتبانين ( ٩٨ ) القرط والقراطين ( ٩٩ ) الأنماط ( ١٠٠ ) صناع الأخمرة ( ١٠١ ) الحصر العبداني ( ١٠٢ ) اللبود واللبادين ( ١٠٣ ) الأرجوان وصباغه ( ١٠٤ ) العصارة ( ١٠٥ ) الأبارين ( ١٠٦ ) الحلفاء ( ١٠٧ ) المحامل وصناعها ( ١٠٨ ) الروايا والقرب ( ١٠٩ ) الدباغين ( ١١٠ ) في أهل الذمة ( ١١١ ) التعزير ( ١١٢ ) مجالس الحكام ( ١١٣ مجالس الولاة والأمر لهم بالمعروف والنهي عنالمنكر. هذا فهرست كتاب الحسبة وأنت ترى فيه كما رأيت في الكتاب الأول بعض أسماء صناعات لا عهد لنا بها اليوم مثل عمل البطط ونجاري الضبب وغيرهما وهناك عشرات من الفصح والمفردات التي نكاد لا نجد له مرادفاً في العربية اليوم إذا عربنا أو كتبنا في مثل هذه الموضوعات كضروب الآنية والماعون. قال في الفصل الرابع من السقايين وغشهم: ينبغي أن يعرف عليهم عريفاً ويعرفه أنه لما كانت الأمواج تجيب الأوساخ والأقذار إلى الشطوط وجب أن تكون يدخل السقاؤن في الماء إلى أن يبعدوا عن الأوساخ وأن لا يستقوا من مكان يكون قريباً من سقاية ولا مستحم ولا مجراة حمام ومن اتخذ منهم راوية جديدة فلينقل بها الماء إلى الطين أياً فإن ماءها يكون متغير الطعم والرائحة من أثر الدباغ فإذا زال التغير أذن له المحتسب في بيع مائها وينبغي أن يكون في أوساطهم التبابين ليستروا عوراتهم وسقاة الماء بالكيزان أصحاب القرب يؤمرون بنظافة أزيارهم وصيانتها بالأغطية وتغطية قربهم التي يسقون منها في الأسواق بالميازر ويمنعهم أن يسقوا بكيزانهم المجذم والأبرص وأصحاب العاهات والأمراض الظاهرة وجلاء الكيزان النحاس كل ليلة وتطيب شبابيكها بشمع المسك واللادن الطيب العنبري وافتقاد الخوابي بالبخور والغسل كل ثلاثة أيام. وقال في جزاري الضأن والمعز والإبل والقصابين وغشهم: ينبغي أن يعرف عليهم عريفاً ثقة من أهل معيشتهم ثم بعد ذلك يستحب أن يكون الجزار مسلماً بالغاً عاقلاً يذكر اسم الله على كل ذبيحة وأن يستقبل القبلة وأن ينحر الإبل معقوله من قيام والبقر والغنم مضجعة على الجانب الأيسر لأن ذلك وردت به السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم ويأمرهم أيضاً أن لا يجر الشاة برجلها جراً عنيفاً وأن لا يذبحوا بسكين كالة فإن في ذلك تعذيباً للحيوان وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تعذيب الحيوان ويلزمه في الذبح أن يقطع الودجين والمري والحلقوم ولا يشرع في السلخ بعد الذبح حتى تبرأ الشاة وتخرج منها الروح لأن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أمر منادياً ينادي في المدينة أن لا تسلخ شاة مذبوحة حتى تبرد وتجوز الزكاة بكل شيء إلا الألسن والظفر فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الزكاة بهما ويمنعهم أيضاً أن لا يذبحوا جملاً يكون مقرح الجسم إلى أن يبرأ جميع ما فيه من القروح وقد كان أمير المؤمنين الحاكم بأمر الله في سجل مجلد في ديوان الإنشاء بأن لا يذبح من البقر إلا المخلوع الورك والأعور والأعمى والمقلوع السن والمريش العين والمجفون والجرب وكل مشقوق الحافر والمقطوع والمكوي كل شيء كانت عيونه ظاهرة والصحيح الرقاد والمعلوفة إذا كان بها شيء من هذه العيوب المذكورة فينهاهم المحتسب عن ذلك جميعه وينهاهم أن لا ينفخوا شاة بعد السلخ فإن نكهة ابن آدم تغير اللحم وتزفره ومنهم من يشق اللحم من السفاقين وينفخ فيه الماء ولهم أماكن يعرفونها في اللحم ينفخون فيها الماء فيجب مراعاتهم في ذلك ومنهم من يشهر في الأسواق البقر السمان ثم يذبح غيرها وهذا تدليس وأما القصابون فيمنعهم من إخراج توالي اللحم على حد مصاطبه والركبتين فلا يلاصقوا ثياب الناس فيضرون بها ويأمرهم أن يفردوا لحوم المعز من لحوم الضأن وأن لا يخلطوا بعضها ببعض وينقطوا لحوم المعز بالزعفران ليتميز عن غيره وتكون أذناب المعز معلقة على لحومها إلى آخر البيع ولحم المعز يعرف برقة لحمه وعظمه وبياض شحمه ويأمرهم أن لا يلصقوا على شيء من سائر اللحوم شيئاً من القزدير فإن الحكماء قد ذكروا بأنه يسمه ولا يخلطوا اللحم السمين بالهزيل بل يباع كل واحد منهما على حدته ويمنعهم أيضاً أن لا يخلطوا شحم المعز بشحم الضأن وعلامة شحم المعز صفو لونه وبياضه وشحم الضأن تعلوه الصفرة وكذلك بطون المعز لا تختلط ببطون الضأن وكذلك الأليات تباع مفردة لا يخالطها جلد ولا لحم وإذا فرغ من البيع وأراد الانصراف أخذ ملحاً مسحوقاً ونثره على القرمة لئلا تلحسها الطلاب أو يدب عليها شيء من الهوام فإذا لم يجد ملحاً وإلا الأشنان والمصلحة أن لا يشارك بعضهم بعضاً لئلا يتفقوا على واحد ويمنعهم أيضاً من بيع اللحم بالحيوان وهو أن يشتري الشاة بأرطال لحم معلومة ويدفع إليه كل يوم ما يتفقان عليه من اللحم فإن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك. وقال في عمل البطط: ينبغي أن يعرف عليهم عريفاً يمنعهم أن يعملوا من جلود الجمال الميتة ويحلفون بما لا كفارة لهم منه أنهم لا يعملونها من الميتة ويفتش دكاكينهم كل وقت وبيان ذلك عليهم أنهم إذا عملوها من الميتة كان لونها مائلاً إلى السواد ويعتبر عليهم بالرائحة وخشونة اللمس وأيضاً أنه لا بد أن يبقى عليه اليسير من الشعر لأن الصانع لا يقدر على إنقاء الشعر من الميتة وما عمل من جلود الميتة يمكن عند جفافه والصواب أن يمنعوا من عمل المصاصات لأن كل من يمص بها لا بد ينزل شيء من بصاقه في أطعمة الناس من الزيوت والعسل وغيرهما وذلك ضرر ووسخ ولاسيما إن كان الفاعل أبخر فالصواب أن يمنعوا من ذلك. وقال في الزتهار وغشه: ينبغي أن يعرف عليهم عريفاً عارفاً بغش صناعاتهم فقد يغش بالسبك بتربة تعرف بالشمعة تكون إلى الحمرة مائلة بدقيق الرمل حتى ينقل وقد يغش العصفر بالتراب الأحمر وهو يزيده المثل أو قريباً منه فينبغي أن يحلف من يبيعه بما لا لهم منه كفارة أنهم لا يخلطون فيه شيئاً مما ذكرنا ولا يخلطوا دقيق الفول وأيضاً قد ندق قشور الرمان ويغش به الكركم المطحون ويغش أيضاً بالتربة المصرية وقد يغش بالحناء وبالرمل. وقال في نجاري الضبب ينبغي أن يعرف عليهم عريفاً ثقة عارفاً بمعيشتهم بصيراً بهذه الصناعة وينشر جواسيسها وهو باب جليل يحتاج إلى ضبطه لأن فيه حفظ أموال الناس وصيانة حريمهم فينبغي أن يراعي حفظ أموال الناس ويحلفوا بحضرة عريفهم بما لا كفارة لهم منه أن لا يعملوا لرجل ولا امرأة مفتاحاً إلا أن يكونا شريكين مشهورين ويؤمرون أن لا يثقبوا رأس الأبيات لطرح الأسنان التي فيها سريعة الرؤوس مدورة الأسافل مبرودة مجلسة وكذلك أسنان المفتاح مبرودة مجلسة حتى لا يخرب ذكر الغلق لا من فوقه ولا من تحته ويؤمروا أن يغمسوا الأغلاق بالجواسيس المختلفة حتى لا يعمل مفتاح على مفتاح ومن خالف ذلك أدب. هذا ما ساعد عليه المقام من البحث في هذه المخطوطات النادرة وفيها فوائد كثيرة غير التي ذكرناها فعسى أن يتصدى بعض من يهمهم إحياء آثار السلف إلى تمثيلها كلها بالطبع لتستفيد بها اللغة والتاريخ والمدنية والاجتماع والغيض لا يغني عن الفيض والجملة لا تنفع مع التفصيل والله أعلم. الرومان فتح حوض البحر المتوسط صبغة السياسة الرومانية: لم يخطر للرومان أن يفتحوا العالم أولاً حتى أنهم تمهلوا بعد أن بسطوا حكمهم على إيطاليا وقرطاجنة مدة مئة سنة قبل أن يخضعوا الشرق إلى سلطانهم والظاهر أنهم فتحوا فتوحاتهم دون أن يختطوا لها خطة من قبل لأن مصلحتهم كلهم كانت بأن يفتحوا الفتوح ويدوخوا الممالك. فكان يرى الحكام وهم قواد الجيوش من الفتوحات فرصة لنيل علائم التشريف بالظفر الذي يكتب لهم ويكونون على ثقة من الاشتهار بين أمتهم والتأثير فيها. وكان أعظم رجال الحكومة في رومية مثل بابيرويوس وفابيوس وسيبيون الأول والثاني وكانوا من القواد الذين فتحوا الفتوح وكتب الظفر لأعلامهم ويربح الأشراف الذين يتألف منهم مجلس الشيوخ إذا كثر سواد رعايا رومية فيذهبون كما يذهب الحكام لقبول احتراماتهم وهداياهم. وأما الفرسان أي الصيارف والتجار وأرباب المشاريع فإن كل فتح حديث كان لهم بمثابة مشروع جديد يستثمرونه. والأمة نفسها تنتفع من الغنائم التي تؤخذ من العدو وقد رفعت الضرائب بصورة دائمية بعد أن دخلت خزانة الدولة الرومانية كنور ملك مكدونية. أما الجنود فكانوا يقبضون رواتب عالية من قوادهم وقد أخذوا يحاربون البلاد الغنية دع عنك ما كانوا يمدون إليه أيديهم من مال المغلوبين. وعلى هذا فقد فتح الرومان العالم للفوائد المادية أكثر من المجد. قرطاجنة: لما امتد سلطان روية إلى جزيرة صقلية حملت على قرطاجنة وعندئذ بدأت الحروب الفينيفية فحدثت ثلاثة حروب فكانت الحرب الأولى من سنة ٢٦٤ ـ ٢٤١ حرباً بحرية ولا نعرف عنها شيئاً إلا ما روته الأساطير بعد زمن من حدوثها. فذكروا أن الرومانيين لم يملكوا سفناً حربية قط وأنهم جعلوا سفنهم على مثال سفينة قرطاجنة وقامت بالعرض على الشاطئ فأخذوا يمرنون فجذفيهم على استعمال المجاذيف في اليابسة هذه القصة لا أساس لها لأن بحرية رومية قديمة أما الرومان فقد نقلوا أخبار هذه الحرب كما يلي: غلب القنصل دوبليوس الأسطول القرطاجني في ميلي ( ٢٦٠ ) وكان نزل إلى أفريقيا من البحر جيش روماني على عهد الحاكم رجولوس فغلب وتمزق شذر مذر ( ٢٥٥ ) وأشر رجولوس وأرسل إلى رومية ليعقد الصلح وقرر مجلس الشيوخ إباء الصلح فرجع هذا إلى قرطاجنة حيث قضى نحبه في العذاب ثم حمي وطيس الحرب في صقلية فكتبت الغلبة للأسطول القرطاجني أولاً ( ٢٤٩ ) ثم دمر بالقرب من جزائر إيغات ( ٢٤١ ) وبعد ذلك حوصر هامليكار في جبل أركيس فوقع على الصلح ودخلت صقلية في حوزة رومية. ونشبت الحرب الثانية من سنة ( ٢١٨ ـ ٢٠١ ) وكان قائدها هنيبال من نسل الأسرة القرطاجنية صاحبة الحول والسطوة في بادكاس وكان قاد أبوه هاميلكار إلى صقلية جيشاً قرطاجنياً في الحرب الفينيقية الأولى ثم عهد إليه أن يفتح أسبانيا وكان هانيبال إذ ذاك طفلاً فصحبه أبوه. وكانت العادة أن تقدم الضحايا للأرباب عندما يغادر الجيش البلاد ويقال أن هاكليكار بعد تقديم الضحايا حلف ابنه أن يكون أبداً عدواً أزرق للرومان. ربي هانيبال وسط الجند فأصبح أحسن قائد وأمهر راجل في حرب. ولم يكن يعرف من الحياة إلا أنه محارب وكانت عنايته منصرفة إلى تعهد حصانه وأسلحته واشتهر أمره كثيراً حتى إذا هلك القائد اسدروبال الذي كان يقود الجيش الإسباني انتخبوه قائداً عليهم دون أن ينتظروا أوامر مجلس الأعيان القرطاجني في ذلك، وهكذا أصبح هانيبال في الحادية والعشرين من عمره قائد جيش لا يطاع أحد سواه فدخل غمار الحروب على الرقم من مجلس الشيوخ في قرطاجنة وراح يحاصر ساغونت حليفة رومية فاستولى عليها وخربها. ومما كتب به المجد لهانيبال أنه عوضاً عن أن ينتظر الرومانيين جرأ على أن يقتحمهم في عقر دارهم في بلاد إيطاليا ولم يكن له أسطول يحمله وجيشه إليهم فعزم على اجتياز البلاد إليهم فقطع جبال البيرنيه ونهر الرون وجبال الألب وضمن لنفسه محالفة الشعوب الغالية وقطع جبال البيرنيه دون أن يلقى فيها مقاومة في جيش مؤلف من ستين ألف مقاتل من الجنود المستأجرة من الفريقيين والأسبانيين ومعه سبعة وثلاثون فيلاً مدربة على الحرب وقد طمع بع الشعب الغالي أن يحولوا بينه وبين المسير في نهر الرون فأرسل فرقة من جيشه تقطع النهر على مسافة بضعة أميال من أعلاه وتهاجم الغاليين من ورائهم على حين يجتاز معظم جيشه النهر على زوارق وتجر الفيلة على أرماث كبيرة. ثم صعد وادي أيزر وانتهى إلى جبال الألب في أواخر شهر تشرين الأول (أكتوبر) فقطعها على ما كانت مغشاة به من الثلوج وعلى الرغم من غارة السكان الجلبليين عليه فوقع الكثير من الرجال والخيول في الهاويات. وقضى تسعة أيام لبلوغ قمة جبل الألب وصعب عليه النزول لأن المضيق الذي كان يجب عليهم السير فيه غطته الثلوج فاقتضى لجيشه أن يتخذ له طريقاً يحفره في الصخر ولم يصل إلى السهل إلا وقد أصبح جيشه نصف ما كان. ثم لقي هانيبال ثلاثة جيوش رومانية في مسافة متدانية على شاطئ نهر تيسين وضفة نهر ترييا بالقرب من بحيرة ترازيمين في أوترويا فهزمها كلها وكان كلما تقدم إلى الأمام يزداد جيشه وينضم المحاربون من الغاليين (إيطاليا الشمالية) تحت لوائه ليخدموه وينصروه على الرومانيين. فاجتاز هانيبال إيطاليا واتخذ لنزوله إقليم أيوليا في الجهة الثانية لرومية فهاجمه فيها الجيش الروماني. وكان جيشه نصف جيش ولكن كان معه فرسانه الغريقيون يركبون خيولاً سريعة وقد رابط في سهل (كان) بحيث جعل الرومانيين يقابلون بوجوههم الشمس والتراب الذي تثيره الريح فأحاط الفرسان بالجيش الروماني إحاطة السوار بالمعصم وذبحوه عن آخره ( ٢١٦ ) وكان يظن أن هانيبال سيزحف على رومية إلا أنه لم يكن على تعبية تامة. وهكذا ظل هانيبال في إيطاليا الجنوبية تسع سنين يحاول أن يفصل عن رومية الشعوب المحالفة لها ولم ينجح إلا بالاستيلاء على بضع مدن حاصرها الرومان وخربوها. وبعد ذلك سافر أخور أسدروبال في جيش أسبانيا للالتحاق به فوصل إلى أوساط بلاد إيطاليا فسار الجيشان القرطاجنيان أحدهما على الآخر يقابل كلاً منهما جيش روماني بقيادة أحد حكام الرومان وكان نيرون محاذياً لهانيبال فجرأ على قطع إيطاليا الوسطى لينضم إلى رصيفه مقابل أسدروبال. ولقد سمع أسدروبال في صبيحة ذات يوم الأبواق تبوق مرتين في المعسكر الروماني وكان في ذلك إشارة إلى أنه كان في المعسكر قنصلان أو حاكمان فوقع في نفسه أن أخاه غلب وانهزم وأن الرومان يطاردونه وأنه قتل وذبح جيشه عن بكرة أبيه ثم رجع نيرون إلى الجيش الذي غادره أمام هانيبال وألقى في معسكر قرطاجنة رأس أسدروبال ( ٢٠٧ ) فلم يبق لهانيبال غير قوته يعتصم بها وأقام خمس سنين في إقليم كالابرا وما أكره على الخروج من إيطاليا إلا لما علم أن جيشاً رومانياً كان نزل إلى أفريقية وأخذ يهدد قرطاجنة فذبح هانيبال الجند الإيطالي الذي أبى الالتحاق به وركب البحر إلى أفريقية ( ٢٠٣ ) وانتهت الحرب بواقعة زاما ( ٢٠٣ ) وكان هانيبال اعتمد بحسب عادته أن يسوق الجيش الروماني إلى الدخول في صفوفه ولكن القائد الروماني سبيون ثبت مع جيشه وما طكانت إلا هجمة وأختها حتى ركب هذا أكتاف عدوه وهزم جيشه شر هزيمة. فاضطرت قرطاجنة إلى عقد الصلح وتنازلت عن كل ما تملكه خارج أفريقية وتركت أسبانيا للرومانيين. واضطرت زيادة على ذلك إلى تسليم سفنها وفيلتها وأن تدفع مبلغاً من المال يربو عن خمسين مليوناً من الفرنكات وتعهدت بأن لا تعلن حرباً قبل الاستئذان من رومية وكانت عاقبة الحرب الثالثة من سنة ١٤٩ إلى ١٤٦ القضاء على قرطاجنة فطال حصار الرومان كثيراً لها حتى أخذوها عنوة وجعلوا عاليها سافلها وفتحوا إقليمها وأعمالها وجعلوها ولاية أفريقية خاضعة لسلطانهم. مكدونية والشرق: كان ملوك اليونان أخلاف قواد الاسكندر اقتسموا الشرق وحارب أعظهم سطوة مملكة رومية وغلبوا مثل ملك مكدونية فيليب سنة ١٩٧ وابنه برسي سنة ١٦٨ وملك سورية أنطيوشوس سنة ١٩٠ وهكذا خلا الجو للرومانيين فأخذوا يفتحون البلاد التي يرونها تناسبهم واحدة بعد أخرى فافتتحوا مكدونية سنة ١٤٨ ومملكة فرغانة ١٢٩ وبقية آسيا من سنة ٧٤ إلى ٦٤ بعد هزيمة ميترايداتس ومصر ٣٠ وما عدا مكدونية لم يندب الشرق لقتالهم غير جنود مستأجرة أو برابرة غير منظمين يتفرقون أيدي سيا لأول صدمة يلقونها. ولم يقتل في الغلبة العظمى على أنطيوشوس في مانيزيا سوى ٣٥٠ جندياً رومانياً وافتخر سيللا بأنه لم يفقد من جيشه في شيرونيا سوى اثني عشر جندياً. ودخل الرعب قلوب سائر الملوك فخضعوا لسلطان مجلس الشيوخ من دون مقاومة فإن أنطيوشوس العظيم ملك سورية بعد أن فتح جزء من ديار مصر جاءه بوبيليوس مندوباً من قبل مجلس الشيوخ يأمره بالجلاء عما بسط يده عليه من البلاد فتردد أنطيوشوس وكان بيد بوبيليوس مجنة فاختط بها في الأرض خطوطاً حول ملك سوريا وقال له أجب مجلس الشيوخ قبل أن تخرج من هذه الدائرة التي رسمها لك. فلم يسمع أنطيوشوس إلا الخضوع وألقى حبل مصر على غاربها وجاء بروزياس ملك بيتنيا وقد حلق رأسه ولبس ثياب العبد المطلق وركع أمام مجلس الشيوخ الروماني. وحاول ميترايدتس ملك بون أن يقاوم وحده فطرد من بلاده بعد حرب خمس وعشرين سنة ( ٦٣ ـ ٨٩ ) واضطر إلى أن يتناول السم ويقول بيدي لا بيد عمرو. إسبانيا وغاليا الجنوبية: لم يستطع الرومان أن يتغلبوا على الشعوب البربرية والمحاربين في الغرب بأدني سبب كما تغلبوا على غيرهم فقضوا قرناً لإخضاع إسبانيا لسلطانهم. وقد ناوشهم الحرب في جبال البرتقال رجل من الرعاة اسمه فيرياث ( ١٤٩ ـ ١٣٩ ) وهزم خمسة جيوش وأكره أحد قناصل الرومان على عقد الصلح معه ولم يتخلص مجلس الشيوخ من شره إلا بقتله. وأهلك الأريفاكيون وهم شعب صغير في الشمال الشرقي عدة جيوش رومانية واقتضى لرومية أن ترسل أحد قوادها سبيون للاستيلاء على عاصمة تلك البلاد وهي المدينة الصغرى المسماة نومانس. وكانت الشعوب الصغيرة الخاملة في صيتها المعتصمة في جبال جين كثيراً ما تناوش الرومانيين القتال. وكان الغاليون أشد الأعداء على رومية وهم منتشرون في جميع سهل بو ويزحفون على إيطاليا الجنوبية وقد استولت إحدى عصاباتهم على رومية سنة ٣٩٠ فكان جندهم يدخل الذعر في قلوب الجند الروماني بأجسامهم الضخمة البيضاء وسبلاتهم الطويلة الشقراء وعيونهم الزرقاء وأصواتهم التي تعج فيبلغ صداها عنان السماء. والخوف يستولي على رومية عندما يبلغها مجيء العسكر الغالي فيصدر مجلس الشيوخ أمره بجمع عامة الجند. وكانت هذه الحروب شديدة جداً ولكنها تضع أوزارها في الحال ففي الحرب الأولى استولى الرومان على إقليم غاليا المعروف بسيزالبين أي إيطاليا الشمالية ونشبت الحرب الثانية ( ١٢٠ ) للدفاع عن مارسيليا حليفة رومية فدمر الجيش الغالي وأخضعت رومية بلاد الرون وشاطيء البحر الرومي (إقليم لانكدوك وبروفانس ودوفينه) عواقب الفتوح سريان الإصطلاحات اليونانية: إن الفتوح هي التي دعت الرومان إلى رؤية الروم والمشارقة عن أمم فاستوطن رومية ألوف من اليونان جاؤوها أسرى أو للإتجار وتعاطى بعضهم الطب وآخرون التعليم وغيرهم العرافة وغيرهم التمثيل. وكان القواد والضباط والجنود الرومانيون يعيشون في آسيا وسط الشعوب التي تتكلم اليونانية فتخلقوا بأخلاق اليونان وهكذا عرف الرومان عادات حديثة ومعتقدات جديدة لم يكن لهم عهد بها وأخذوا يعملون بها على التدريج وقد بدأ هذا التبدل بعد الحرب المكدونية الأولى ( ٢٠٠ ) ودام إلى أواخر المملكة الرومانية. القائدان كاتون وسيبون: بينا كانت الأخلاق تتغير اشتهر أحد رجالهم كاتون باحتفاظه بعادات أسلافه. ولد هذا الرجل سنة ٢٥٢ في بلدة توسكولوم وقضى شبيبته في الحرث والكرث وفي السابعة عشرة من سنه دخل في الجيش بحسب العادة المتبعة واشترك في عامة الحملات على هانيبال. ولم يكن من الأشراف ولكنه اشتهر بقوته واستقامته وزهده وقد انتخب مرات وزيراً للمالية وناظراً للأبنية والملاعب وقاضياً وقنصلاً ووكيلاً للإحساء وشغل مناصب الشرف عامة وكان في جميع حالاته على قدم قدماء الرومان قاسياً جافاً محتشماً وقد وبخ قنصله عندما كان وزيراً للمالية وكان القنصل سبيون غالب هانيبال فأجابه لست في حاجة إلى ناظر مدقق مثلك إلى هذا الحد. ولما عين ناظراً للأبنية والملاعب في ساردينيا أبى أن يمس المال الذي دفعته إليه تلك الولاية للنفقة. ولما صار قنصلاًَ تكلم بشدة عن قانون أوبيا القاضي بالحظر على النساء الرومانيات بأن لا يتزين بالحلي الثمينة فظفر النساء بمطلبهن وألغي ذلك القانون. ولما ذهب لقيلدة الجيش الروماني في إسبانيا أتى بأموال طائلة ودفعها إلى خزانة الإمبراطورية وباع حصانه عندما ركب البحر ليقتصد في نفقات نقله ولما عين وكيلاً للإحصاء أسقط من قائمة مجلس الشيوخ عهدة من الأعاظم لما عرفوا به من الترف والبذخ وأحال جباية الأموال الأميرية بثمن عال وقدر حلي النساء وزينتهن وعرباتهن بعشرة أضعاف ما تساوي وبعد أن خفقت له أعلام النصر لم يستنكف من الخدمة في الجيش الروماني ضابطاً بسيطاً. صرف كاتون حياته في مناهضة الأشراف والبغض من بذخهم وترفهم وتجملهم وحمل خاصة على أمثال القائد سبيون متهماً إياه بالاختلاس إلا أنه لم ينج هو أيضاً من إلصاق التهم به فاتهم أربعاً واربعين مرة ولكنه كان يبرأ كلما اتهم. وكان يحرث أرضه مع عبيده ويواكلهم ويضربهم بالعصي منى رآهم يحيدون عن جادة الصواب وقد ذكر في رسالته في الزراعة التي كتبها إلى ابنه جميع ما كان يأتي الفلاحين الرومانيين من الإيرادات ويرى أن من الواجب على المرء أن يغتني وكان يقول: للأرملة أن تصرف من مالها وعلى الرجل أن يزيد وكل من شهدت دفاتر حساباته بعد موته بأنه ربح أكثر مما ورث جدير بالشهرة وملهم من الأرباب ولما رأى أن الزراعة لا تأتيه بأرباح طائلة أخذ يقرض ماله ليجهز به سفناً تجارية واتخذ له خمسين شريكاً جهزوا كلهم معاً خمسين سفينة ليتقاسموا بينهم الأخطار التي تنال سفنهم والأرباح التي تأتيهم بها. وعلى هذا كان كاتون زارعاً ماهراً وجندياً عظيماً عدواً للبذخ حريصاً على الكسب فهو مثال الروماني الأصيل وأنموذج الفضيلة والثبات. وعلى العكس منه كان القائد سبيون مثالاً للاهتمام بالفنون والأفكار الفلسفية وهو صديق المؤرخ اليوناني بوليب الذي أمسك رهينة في رومية. ولم يكن يهتم بجمع المال وقد دفع إلى شقيقاته دفعة واحدة من المال كان عليه أن لا يدفعه إليهن إلا في أوقات مختلفة وتنازل لأخيه وكان أقل منه مالاً عن حصته في إرث أبيه ولم يخلف سوى كمية قليلة جداً من الأواني الذهبية والفضية. الأخلاق القديمة: مضى زمن طويل على قدماء الرومانيين وهم يتوفرون على زرع حقولهم وقتال عدوهم والقيام بفرائض دينهم حتى كانوا حقاً الريفيين العاملين والجفاة. فكانوا يزرعون جانباً صغيراً منن إقليم لاتيوم ولاسابين وهم من نسل اللاتين والإيطاليين الذين تغلبت عليهم رومية وقد صور لنا الشيخ كاتون في كتاب له في الزراعة شيئاً من أخلاقهم بقوله: كان أجدادنا إذا أرادوا الثناء على رجل يصفونه بأنه زارع ماهر وحراث مجيد وهذا غاية ما يمدح به الإنسان. فكان هؤلاء الزراع أشداء في أعمالهم وأهل طمع في مكاسبهم وتنظيم في شؤونهم واقتصاد في نفقاتهم وبذلك كانوا قوة الجيوش الرومانية. ولطالما تألف منهم مجلس الأمة أيضاً وكانت لهم القوة العظمى في الانتخابات. . فيجيء الأشراف الذين يطمعون في أن ينتخبوا حكاماً إلى ساحة السوق ليهزوا أيدي هؤلاء الفلاحين. رأى أحد المرشحين أنفسهم للانتخابات يد أحد الزراعين وهي شثنة غليظة فسأله: هل تمشي على يديك؟ وكان السائل من الأشراف ينتسب إلى أسرة كبيرو ولكنه لم ينتخب. سكن الرومان بيوتاً ضيقة ذات طبقة واحدة لا نظام في بنائها وكان الأتريوم أهم ناحية من الدار وفيه المكان المقدس وهو مكشوف من أعلاه ينزل منه ماء المطر. والأثاث عبارة عن بضعة صناديق ومقاعد من الخشب. طعامه بسيط مؤلف خاصة من حساء معمول بالبر ومن خبز وبعض بقول وما كانوا يتناولون اللحم إلا في الأعياد وما شرب النساء الخمر قط والرجال يتناولون منه على الندرة. ولباسهم عبارة عن قميص يلبسون فوقه رداء من صوف زمن البرد. ويلبس الوطنيون في أيام الأعياد حلة من الصوف مزينة من جهة العنق ويلبسون في أرجلهم نعالاً منوطة بسيور. ويقضون حياتهم في التوفر على أعمالهم فالرجال يصطادون دون أن يحرثوا أو النساء يغزلن الصوف وينسجن الأقمشة ويطحن الحبوب ليجعلنها براً. ولم يكن للرومانيين من ضروب التسلية إلا أن يذهبوا كل تسعة أيام إلى السوق أو يحضروا الأعياد التي تقام إكراماً للأرباب. كان يرى قدماء الرومان أن الرجل الشديد هو غاية ما تطمح إليه الآمال ويقال أن سينسيناتوس كان يسوق محراثه بنفسه عندما أتاه نواب الأمة من قبل مجلس الشيوخ يدفعون إليه الأمر بتنصيبه. ولم يكن عند فابريسيوس من الأواني غير كأس ومملحة من فضة. وكان كوريوس وأنتاتوس وهو غالب السامنتيين جالساً على مقعد يأكل بقولاً في قصعة من خشب عندما أتاه مندوبو السامنتيين ليقدموا له المال فقال لهم: اذهبوا وقولوا للسامنتيين أن كوريوس يؤثر أن يقود من عندهم ذهب أكثر مما يؤثر أن يكون هو مالكاً له. هذه هي بعض الأقاصيص التي يروونها عن قواد الأزمنة القديمة وسواء أكانت حقيقة أو ملفقة فإنها تدل على ما كان الرومانيون بعد يذهبون إليه بشأن قدماء أجدادهم. الأخلاق الجديدة: أخذ كثير من الرومانيين بعد القرن الثاني ولاسيما طبقة الأشراف يقلدون الأجانب. وكان زعماؤهم قواداً رأوا بلاد اليونان والشرق عن أمم فكتبت الغلبة لسبيون على ملك سورية ولفلامنيوس وبولس أميل على ملوك مكدونية ثم للوكلوس على ملك أرمينية. فعزفت نفوسهم عن الحياة القاسية الصعبة التي كان عليها أجدادهم وأخذوا يسيرون في حياتهم على البذخ والرفاهية وما زال الحال كذلك حتى نسج على منوالهم عامة النبلاء والأغنياء بحيث لم يطلع فجر القرن الأول حتى لم يعد في إيطاليا إلا سادة عظام يعيشون المعيشة الشرقية أو اليونانية. يرى الشرقيون من دواعي العجب أن يعرضوا للأنظار الأقمشة البديعة والأحجار الكريمة وأثاث الفضة وأواني الذهب وأن يستكثروا في بيوتهم من الخدم على غير طائل وأن ينشروا على الشعب المجتمع دراهم ليدهشوهم فكانوا يرغبون في الأعلاق النفيسة النادرة أكثر من رغبتهم في النفائس الجميلة المناسبة. وأصبح للرومان على شدة عجبهم وضعف استعدادهم في الصناعات ذوق في هذا الضرب من البذخ فكانوا قلما يحفلون بالجمال أو بالموافق ولم يعرفوا قط إلا الأبهة والفخفخة فأنشؤوا لهم بيوتاً ذات حدائق واسعة وحشروا إليها التماثيل وأقاموا فيها المصايف الزاهية التي تمتد إلى البحر وسط الحدائق المتسعة واستكثروا من الخدم والحشم وأخذوا هم ونساؤهم يعتاضون عن ألبستهم المعمولة من الصوف بالشفوف (بزنجك ـ أكريشة) وأكسية الحرير والقصب. ويفرشون في ولائمهم بسطاً مطرزة ودثارات من الأرجوان وأواني من ذهب وفضة (وكان عند الحاكم سيللا مئة وخمسون صحفة من الفضة ووزن ما عند ماركوس وروزوس من الأواني الفضية عشرة آلاف ليرة وإذا ظل العامة يأكلون قعوداً بحسب عادة الشعوب الإيطالية القديمة فالخاصة من الأغنياء اتبعوا العادة الشرقية في الأكل مضطجعين على سررهم ثم سرت عادة التأنق في المآكل على الأسلوب الشرقي والاستكثار من المطاعم من الأباريز والصباغ (سلسا) والصيد والسمك الغريب ومخاخ الطواويس وألسنة الطيور. واستحكم فيهم السرف حتى لقد مات أحد الحكام سنة ١٥٢ وقد ذكر في وصيته قوله لما لم يكن الإكرام الحقيقي عبارة عن أبهة باطلة بل هو لتذكر أقدار المتوفى وأجداده فأنا آمر أولادي أن لا ينفقوا على جنازتي أكثر من مليون آس (مئة ألف فرنك). العلوم الأدبية اليونانية: رأى الرومانيون في بلاد اليونان المصانع والتماثيل والألواح التي كانت منذ قرون تغص بها المدن وعرفوا الأدباء والفلاسفة فصار لبعضهم ذوق في الصنائع النفيسة وأولع آخرون بالحياة العقلية فجعل أمثال القائد سبيون حولهم أناساً من اليونان المنورين ولم تطمح نفس بولس أميل من جميع الغنائم التي غنمها جيشه من مكدونية إلا إلى الاستيلاء على مملكة الملك برسي وعهد بتربية أولاده إلى أساتذة يونان وبذلك صارت الكتابة والتكلم باللغة اليونانية من الأمور المستحسنة في رومية. وأراد الأشراف أن يظهروا في مظهر العارفين بالتصوير والنقش فجلبوا بالألوف التماثيل وقلز كورنت المشهور وملؤوا بها بيوتهم. ودخل في ملك الحاكم فريس شيء كثير من النفائس والأعلاق جعلها في رواق وكانت مما نهبه من صقلية وهكذا أخذ الرومان على التدريج من الفنون ظواهرها ومن الآداب اليونانية قشورها وسمي هذا التهذيب الجديد فن الأدب معارضة للخشونة التي كان عليها أهل الريف من الرومان ومع هذا لم تكن إلا قشوراً فقط فلم يعرف الرومان أن الجمال والحقيقة يرغب فيهما لذاتهما بل كانت الصناعات والعلوم عندهم أموراً يقصد بها الزينة والبذخ ليس إلا. ولم يكن الرومان على عهد شيشرون يعتبرون من أهل الأعمال غير الجندي والحراث والسياسي والناجر أو المحامي أما الكتابة والتأليف والاشتغال بالعلم والفلسفة والنقد فكل ذلك يسمى عندهم بطالة. وما قط أصاب أرباب الفنون والعلماء من الاعبار في رومية ما يسويهم بتاجر غني. قال لوسين أحد كتاب اليونان: متى صرت مثل فيدياس النقاش اليوناني تصنع ألف قطعة بديعة من النقوش لا يرغب أحد أن يتقبل مثالك لأنك مهما بلغت من الخدمة لا يطلق عليك إلا لقب صانع ولست إذ ذاك غير رجل يعيش بكد يمينه. لوكلوس: ولد لوكلوس وهو مثال الروماني الحديث سنة ١٤٥ من أسرة شريفة وغنية جداً ولذا سهل دخوله في سلك أرباب المناصب والشرف واشتهر في غزواته الأولى بأنه يعطف على المغلوبين ويعاملهم باللطف ثم عين قنصلاً وقاد الجيش الذي انتدب لقتال ميترايدانس. وقد رأى سكان آسيا ساخطين من كثرة السرقة وفظاعة العشارين فعني بجعل حد لتلك الأعمال وحظر على جنده أن ينهبوا المدن المغلوبة وبذلك جلب لنفسه حب الآسياويين الباطل وبغض العشارين والجنو الخطر. فدست الدسائس لتستدعيه حكومته وكان قد هزم ميترايدانس وأخذ يطارده وهو سائر إلى حليفه ملك أرمينية وقد هزم جيشاً من البرابرة بجيشه الصغير المؤلف من عشرين ألف مقاتل فسلبت منه القيادة وسلمت إلى نديم العشارين وحبيبهم بومبي. وإذ ذاك اعتزل لوكلوس الأعمال للاستمتاع بما جمعه في آسيا من الثروة وأصبح يملك في أحياء رومية حدائق غلبا وله في نابولي مصيف قام في البحر مبنياً بالحجر الصلد. وفي توسلكولوم قصر صيفي وفيه متحف للأعلاق والنفائس فكان يقضي الصيف في توسكولوم بين أصحابه وجماعة العلماء وأهل الأدب يطالع مصنفات اليونان ويبحث في الأدب والفلسفة. وتروى عن بذخه حكايات كثيرة منها أنه كان ذات يوم يتغدى وحده فرأى مائدته أكثر بساطة من العادة فوبخ الطاهي فاعتذر بقوله أن عدم وجود الضيوف هو الذي دعاه إلى تقليل المآكل فأجابه لوكلوس: أما علمت أن لوكلوس يتغذى اليوم عند لوكلوس؟ ودعا يوماً قيصر وشيشرون فقبلا دعوته على شرط أن لا يغير شيئاً من عادته فاكتفى لوكلوس بأن يقول لأحد الخجمة فقط اجعل الطعام في قاعة أبولون وكانت المأدبة على غاية من التأنق بحيث عجب منها المدعوان. ولما سئل عن إخلاله بشرط الضيافة قال أنه لم يأمر بشي وإن نفقات طعامه محددة بحسب القاعة التي تجعل فيها وإن بسط الموائد في قاعة أبولون لا يمكن أن يكلف أقل من خمسين ألف فرنك. وظل لوكلوس في رومية ممثل الأخلاق الجديدة كما كان كاتون يمثل الأخلاق القديمة. ويرى قدماء الرومان أن كاتون هو الروماني الصالح وأن لوكلوس هو الروماني الفاسد ومع هذا فقد كان لوكلوس يبتعد عن عادة الأجداد ولذلك كان واسع المدارك حسن التربية لطيف المأتى مفطوراً على العطف على الخدم والرعايا. الانقلاب الديني والعقلي العبادات الجديدة: لم يكن بين أرباب الرومان وأرباب اليونان من الشبه حتى في الأسماء ومع هذا اعتقد اليونان بأن معظم الأرباب المعبودة في رومية كانت أربابهم أحبوا أن يعترفوا بأنها كذلك. وإلى ذاك العهد لم يكن للأرباب الرومانية شكل خاص ولا تاريخ معين وهذا ما دعا إلى الارتباك في حالتها فجرى تمثيل كل رب روماني على صورة رب يوناني واخترعوا له تاريخاً وحكايات. فخلطوا بين المشتري اللاتيني وزيوس اليوناني وجونون مع هيرا ومنيرفا ربة الذاكرة مع بالاس ربة الحكمة وديان زوجة جانوس مع أرتيمس الصيادة البديعة وزجوا هركول رب السواد بهيراكليس الغالب على الغيلان. وهكذا دخلا المثولوجيا اليونانية تحت أسماء لاتينية واستحال أرباب رومية إلى أرباب اليونان. وامتزجت الأرباب بعضها ببعض حتى اعتدنا أن نطلق على الأرباب اليونانية أسماء لاتينية فلا نزال نقول أرتيمس ديان وبالاس منيرفا. وبالميثولوجيان اليونانية اعتاد الرومان أن يصوروا أربابهم في تماثيل كما اقتبسوا بعضاً من الاحتفالات اليونانية وكانت الحكومة الرومانية أدخلت إلى بلادها عبادة أبولون وبدأ بعض الأفراد يعبدون باخوس رب الكرمة. ويحتفل من يعبدون باخوس بعبادته في الليل سراً ولا يطلعون أحد على خفايا العبادة الباخوسية وأخذ المجلس يحقق فرأى المتعبدين بهذه العبادة سبعمائة شخص بين رجال ونساء اشتركوا معاً في هذه الأسرار فقضى عليهم بالموت. ثم أن الرومان أخذوا أيضاً يعبدون ما يعبد شعوب الشرق فقد كان سنة ٣٢٠ في رومية معبد للرب سبريبس المصري فأمر مجلس الشيوخ بهدمه فلم يجسر أحد الفعلة على ذلك وبقي المعبد لا يمس بسوء حتى جاء القنصل بنفسه فضرب أبوابه بالفأس. وبعد سنين أي في سنة ٢٠٤ خلال حرب هانيبال بعث مجلس الشيوخ إلى آسيا الصغرى بوفد للبحث عن المعبودة سيبيل وكانت هذه الأم الكبرى كما كانوا يدعونها مصورة على حجر أسود فأتى بها مندوبو مجلس الشيوخ باحتفال حافل وجعلوها في رومية وقد لحق بها كهنتها وأخذوا يطوفون الشوارع على أصوات المزامير والصنوج لابسين ألبسة شرقية يستوكفون الأكف على الأبواب. ثم غصت بلاد إيطاليا بالسحرة من الكلدان ولم يكن العامة يعتقدون وحدهم بهؤلاء العرافين. ولما هدد برابرة السمبر مدينة رومية سنة ١٠٤ تقدمت عرافة من سورية اسمها مارت فعرضت على مجلس الشيوخ الروماني بأن تتوسط في غلبة رومية على عدوتها فطردها مجلس الشيوخ ولكن النساء الرومانيات بعثن بها إلى المعسكر فأبقاها مازيوس القائد العام لديه وما فتئ يأخذ رأيها إلى أن وضعت الحرب أوزارها. ورأى سيللا في نومه ربة كابودسيا فعمل بنصيحتها وسار إلى إيطاليا. السفسطائيون: لم يكن يأتي إلى رومية كهنة وعرافون فقط بل كان ينزل فيها فلاسفة يحتقرون الدين القديم. ومن أشهرهم كارنياد سفير الآثينيين فإنه كان يصرح بأفكاره في رومية أمام الجمهور فيخف شبان الرومان إلى سماع أقواله حتى أراده مجلس الشيوخ على الخروج من المدينة إلا أن الفلاسفة ظلوا على بث مبادئهم في رودس وأثينة حتى أصبح من السنن المألوفة أن يبعث الرومان بفتيانهم إلى تينك المدينتين يتعلمون فيها الفلسفة. وفي القرن الثالث قبل المسيح ألف إيفهمير اليوناني كتاباً ينفي وجود الأرباب وأنها ليست إلا رجالاً ألههم الناس حتى أن المشتري نفسه كان ملكاً على كريت فانتشر كتابه أي انتشار ونقله الشاعر أنيوس باللاتينية. وعلى هذا النحو أخذ أشراف رومية يسخرون من أربابهم ولم يبقوا من الدين القديم إلا على مراسيمه وظواهره. وكان أهل الطبقة العالية في المجتمع الروماني مدة زهاء قرن يعتقدون بالخرافات اعتقاد سفسطائيين لا يؤمنون بشيء. الحياة العقلية: كان غاية ما يعلم اليونان الأقدمون أولادهم القراءة فقط في الزمن الذي كان فيه بوليب في رومية (قبل سنة ١٥٠ ) ويعهد المحدثون من الرومان بتعليم أبنائهم إلى مربين من اليونان ولذلك افتتح أناس من اليونان في رومية مدارس لتعليم الشعر والبلاغة والموسيقى. وكانت الأسرات الكبرى تنقسم إلى أنا س يتعلمون على الطريقة القديمة وآخرين على الحديثة. ولكن بقي في الأذهان شيء من الموسيقى والرقص فكانوا ينظرون إليهما بأنهما من الصناعات المهينة بمن يتعاطاها إذا كان كريم المحتد. قال سبيون أملين حامي اليونان في كلامه على مدرسة رقص كان يختلف إليها بنون وبنات من الخاصة: ما كنت أتوهم عندما ذكر لي ذلك أن أناساً من الأشراف يعلمون مثل هذه الأمور لأولادهم ولما أخذوا بيدي إلى مدرسة الرقص رأيت فيها زهاء خمسمائة صبي وبنت وفي جملتهم ولداً شريفاً في الثانية عشرة من عمره وهو أحد المرشحين للانتخابات يرقص على نغمات البوق كروتال وقال سالست في كلامه على عقيلة رومانية قليلة الاعتبار أنها كانت تضرب على الطنبور وترقص أحسن مما يليق بامرأة محتشمة. التربية: استهوى نساء الرومان حب الأديان الشرقية والبذخ الشرقي في أسرع ما يكون فكن يذهبن زرافات زرافات إلى معابد باخوس ومساجد إيزيس. وقد سنت لهن قوانين ليمنعهن من لبس الألبسة الثمينة وركوب العجلات واتخاذ الحلي والجواهر ولم تلبث أن ألغيت فصار النساء في حل من أن يلبسن كالرجال ما يشأن وانقطع النساء النبيلات عن العمل والجلوس في بيوتهن وأنشأن يخرجن في أبهة ويختلفن إلى دور التمثيل والملاعب والحمامات والمجتمعات وإذ كن بلا عمل ومن الجهل على جانب سرى الفساد إليهن في الحال حتى أصبح النساء الطاهرات في طبقة الأشراف ن النوادر. سقط النظام القديم في تربية الأسرات وجعل القانون الروماني الزوج سيد زوجته وابتدعوا ضرباً جديداً من الزواج يجعل المرأة تحت تصرف أبيها ولا يكون للزوج أدنى سلطة عليها وكان الآباء يجهزون بناتهم بجهاز وصداق ليجعلوهن أكثر استقلالاً. وكان من حق الزوج وحده أن يطلق امرأته ومن العادة أن لا يحاد عن هذا الحق إلا في أحوال استثنائية شديدة فصار للمرأة الحق أن تترك زوجها وأصبح مذ ذاك العهد من الهين اللين أن يفصم الزوجان عرى ارتباطهما ولم يعودا يحتاجان إلى حكم حاكم ولا إلى سبب مشروع ويكفي أحد الزوجين متى استاء من زوجه أن يقول له: احمل ما يخصك وأعد لي ما أملكه. وبعد الطلاق يتيسر لكل منهما بل للمرأة أيضاً أن يتزوجا في الحال. وبلغت الحال في الطبقة الرومانية العالية أن تعتبر الزواج عقداً مؤقتاً فقد تزوج سيللا بخمس نساء وقيصر بأربع وبومبي بخمس وأنطونيوس بأربع وتزوجت ابنة شيشرون من ثلاثة رجال وطلق هورتانسيون زوجته ليزوجها من أحد اصدقائه. بيد أن هذا الفساد لم يصب غير أشراف رومية ومن حذا حذوهم من أهل النعمة الحديثة أما في أسر رومية والولايات فقد حفظت قروناً آداب الدور القديم القاسية الشديدة وأخذت تربية الأسرة ترق شيئاً فشيئاً والمرأة تحرر من استبداد الرجل ببطء. التبدل الاجتماعي زوال الطبقة الوسطى: كان الشعب الروماني القديم مؤلفاً من صغار أرباب الأملاك وهم يتعاطون زراعة حقولهم بأنفسهم ومن هؤلاء الفلاحين الصالحين الأقوياء يتألف الجيش والمجلس. وكان عددهم كثيراً سنة ٢٢١ خلال الحرب الفينيقية الثانية. وفي سنة ١٣٣ لم يبق منهم أحد. لا جرم أنه هلك منهم كثيرون في الحروب التي أعلنتها رومية على البلاد القاصية ولكن هلاكهم يحمل في الأكثر على أنه كان من المتعذر عليهم البقاء. فقد كانوا يعيشون من زراعة القمح عندما أخذت ترد على رومية حبوب صقلية وأفريقية فسقطت أسعار الحنطة بحيث لم يتيسر للحراثين الإيطاليين أن يستخرجوا من غلاتهم ما يغذون به أسراتهم ويتحملوا أعباء الخدمة العسكرية فقضي عليهم من ثم أن يبيعوا حقولهم فيبتاع كل غني من جاره الفقير أرضه فغدت الحقول الصغيرة ملكاً عظيماً لواحد وصير أرباب الأملاك من تلك الأراضي مروجاً يقيمون فيها ماشيته وإذا عن لهم أن يزرعوها فيبعثون إليها برعاة وحراثين من العبيد بحيث لم يمض قليل حتى لم يبق على أرض إيطاليا إلا بعض كبار الأملاك وجماعات من العبيد وكان بلين القديم يقول أن الأملاك العظيمة قد أخطأت إيطاليا ومع هذا فالدوائر العظمى هي التي قضت في الأرياف على أحرار الفلاحين. فصاحب الأرض القديم الذي باع حقله لم يستطع أن يبقى أجيراً بل قضي عليه أن يتخلى عن مكانه ليحل محله العبيد وبذا أصبح هائماً على وجهه لا عمل له ولا شغل قال فارون في رسالته في الزراعة أن معظم زعماء الأسرات دخلوا بيوتنا تاركين المنجل والمحراث وآبوا يؤثرون التصفيق بأيديهم في الملاعب على العمل في حقولهم وكرومهم. الطبقات الاجتماعية: ليس الشعب في رومية كما هو في يونان عبارة عن مجموع السكان بل هو مجموع الوطنيين ولا يعد وطنياً كل رجل ينزل بأرض البلاد بل الوطني هو الذي له حق التمتع بحقوق الوطنية. وللوطني عدة امتيازات فله الحق وحده أن يكون عضواً في الهيئة السياسية وله الحق وحده أن يقترع في مجالس الشعب الروماني وأن يخدم في الجيوش الرومانية ويحضر احتفالات رومية المقدسة وينتخب حاكماً رومانياً وهذا ما يسمونه بالحقوق العامة وللوطني الحق وحده أن يحميه القانون الروماني ويحق له فقط أن يتزوج على طريقة مشروعة ويكون رب أسرة أي حاكماً مطلقاً على زوجته وأولاده وأن يوصي بما يشاء ويبيع ويبتاع ممن يشاؤ وهذا ما يسمونه بالحقوق الخاصة. ولا يحرم من لم ينالوا حق الوطنية الرومانية من الخدمة في الجيش والمجلس فقط بل لا يسوغ لهم أن يكونوا أزواجاً ولا آباء ولا أصحاب أملاك مشروعة ولا أن يتقاضوا إلى القانون الروماني ويحاكموا في المحاكم الرومانية ولذا تألفت من الوطنيي طبقة من الأشراف بين سواد الأمة من غير طبقتهم وهم لا يتساوون بينهم أيضاً. وبينهم فرق في الطبقات أو كما يقول الرومان في الصفوف. النبلاء: النبلاء هم في الصف الأول من الأمة فكل وطني يعد في النبلاء إذا سبق لأحد أجداده أن تولى شيئاً من أمر الأمة لأن الحكم في رومية من علائم الشرف ينبل به من تولاه كما يكون بضعة شرف لا خلافه من بعده. إذا أنصب أحد من الوطنيين ناظراً للملاعب والأبنية أو قاضياً أو قنصلاً تخلع عليه خلعة مطرزة بالأرجوان ويمنح كرسياً كالعرش ويحق له أن يرسم ويصور. وهذه الصور عبارة عن تماثيل صغيرة تعمل من الشمع أولاً ثم تطلى بالفضة وتجعل في مزار الدار (أتويوم) بالقرب من الكانون وأرباب البيت وتجعل في مخادع خاصة بها كما تجعل الأصنام ويعبدها الذرية من أهل البيت. ومتى مات أحد في الأسرة يخرجون الصور ويجرونها على مركبه في موكب ويأخذ أحد أنسباء المتوفى يعدد صفاته ويرثيه. وهذه الصور هي التي تشرف الأسرة كلما احتفظت بها وكلما كثرت الصور في أسرة تزداد شرفاً فيقولون فلان شريف بصورة أو شريف بعدة صور. والأسر الشريفة في رومية قليلة جداً (ولم يكن فيها أكثر من ثلثمائة أسرة لأن المناصب التي تولي صاحبها شرفاً توسد في الغالب إلى أناس حازوا الشرف من قبل. الفرسان: تجيء طبقة الفرسان بعد طبقة النبلاء وهم أغنياء الوطنيين الذين لم يعد لهم جدود من الحكام فتقيد ثرواتهم في سجلات الإحصاء وينبغي أن لا يقل ما يملكه أحدهم عن أربعمائة ألف سترس (أو مئة ألف فرنك) منهم التجار والصيارف والملتزمون وهم لا يحكمون بل يغتنون. ولهم في التمثيل أماكن خاصة بهم تقع إلى ما وراء مقاعد طبقة الأشراف. وربما ساغ للفارس منهم أن ينتخب حاكماً وعندها يدعونه الرجل الحديث النعمة ويصبح ابنه شريفاً. العامة: العامة هم غير طبقة الأشراف والفرسان فهم جمهور الأمة ويكونون من نسل أبناء البلاد في إيطاليا ويتنقلون من فلاحين أصحاب أملاك إلى وطنيين رومانيين ويعد في طبقتهم العبيد المعتوقون أو قدماء العبيد وأبناؤهم. ويحافظون على مميزات أصولهم ولا يقبلون في خدمة الجيش الروماني ولا ينتخبون إلا بعد غيرهم. ولقد مضت أزمان وصغار أرباب الأملاك يؤلفون السواد الأعظم من الأمة. وبينا كانت الأرياف تصفر من قلة الناس غصت رومية بالواردين عليها فانهال عليها اليونان والسوريون والمصريون والآسياويون والأفريقيون والإسبانيون والغاليون ممن أخذوا من بلادهم وبيعوا بيع العبيد ثم أعتقهم مواليهم وأصبحوا وطنيين ضاقت بهم المدينة فهم كانوا شعباً جديداً ليس له من الرومانية غير اسمها. خطب سيبون غازي قرطاجنة ولومانس جمهوراً من الناس في إحدى الساحات فقاطعه العامة بأصواتهم فقال لهم: صه أيها الأبناء الأدعياء المنتسبون لإيطاليا زوراً فمن العبث ما تفعلون لأن من جلبتهم إلى رومية مقيدين لا أهابهم ولو حلت قيودهم وهذه الطبقة الجديدة من السوقة تعيش بكدحها أو يقضي على الحكومة أن تطعمها وقد أخذت الحكومة سنة ١٢٥ تقدم لعامة الوطنيين حنطة بنصف ثمنها المعتاد تأتي بها من صقلية وأفريقية ومنذ سنة ٦٣ أخذت توزع الحنطة مجاناً وتشفعها بزيت. ورأى قيصر سنة ٤٦ أن من كانوا يتناولون هذه الجراية بلغوا ٣٢٠ ألفاً. العبيد: جميع الأسرى وسكان البلد المفتوح ملك الفاتح يتصرف فيهم فإذا أبقى عليهم ولم يقتلهم يستعبدهم له. هكذا كان الحق القديم. وقد ظل الرومان يعملون به بالحرف يعاملون الأسرى كأنهم بعض الغنيمة يبيعونهم من النخاسين الذين يتبعون الجيش وإذا حملوهم إلى رومية فإنهم يحملونهم ليبيعوهم في المزاد وهكذا كان يبيعون عقيب كل حرب ألوفاً من الأسرى رجالاً ونساءً والأولاد الذين يولدون من أسيرات يكونون أسرى كأمهاتهم فالأمم المغلوبة للرومانيين هي مادة لرقيق الروماني. العبد ملك صاحبه فهو لا يعتبر اعتبار شخص بل اعتبار متاع فمن ثم ليس له حق من الحقوق فلا يكون وطنياً ةلا ملكاً ولا زوجاً ولا أباً. قال أحد الأبطال في رواية هزلية رومانية: أي شيء هذا أعرس عبيد! ما أعجب عبد يتزوج! إن هذا مخالف لعادة جماع الأمم. وللمولى جميع الحقوق على عبده يرسله حيث يريد ويشغله على ما يرى بل شغله أكثر من طاقته ويطعمه أخشن طعام ويضربه ويعذبه ويقتله دون أن يسأله أحد عما جنى وعلى العبد أن يخضع لرغائب سيده كلها. ويقول الرومان أن العبد لا وجدان له وأن الواجب عليه أن يطيع مولاه طاعة عمياء فإذا قاوم أو أبق من بيته فالحكومة تعاون سيده على قمع جماحه والقبض عليه وكل من يؤوي عبداً آبقاً تجري علبه أحكام اللصوص كأنه سرق بقرة أو حصاناً لغيره. والعبيد في المملكة الرومانية أكثر من الأحرار ويملك أغنياء الوطنيين من عشرة إلى عشرين ألف عبد وعند بعضهم منهم ما يكفون لتجنيد جيش كامل. وكان لسليوس إيزدوروس أحد قدماء العبيد زهاء أربعة آلاف عبد وكان عند هوراس سبعة أعبد فكان يشكو من فقره. ومن علائم الفقر في رومية أن لا يملك المرء سوى ثلاثة أعبد. وإذا كان العبيد يعملون أشق الأعمال أو يسترسلون في البطالة مكرهين وهم ابداً عرضة للضرب بالسياط والتعذيب أصبحوا بحسب فطرهم إما متوحشين أغبياء أو أ، ذالاً مستعبدين ومن كان منهم على شيء من الشهامة ينتحرون وغيرهم يعيشون كالآلة الصماء. وكان الشيخ كانتون كثيراً ما يقول: على العبد دائماً أن يعمل أو ينام. ومعظم العبيد يفقدون الإحساس والشرف ولذلك كانوا يقولون هذا عمل عبيد يريدون به أنه دنيء ورذل. الحياة السياسية لحكام: ينتخب الشعب كل سنة رجالاً يتولون أمره ويفوض إليهم السلطة المطلقة ويطلق عليهم اسم الحكام أي ولاة الأمر فيسير أمامهم حملة الفؤوس يحملون حزمة من القضبان وفأساً ومعنى هذا الرمز لأأن للحاكم أن يضرب ويقتل على ما يراه مناسباً ومن حق الحاكم أيضاً أن يرأس مجلسي الأمة والشيوخ وأن يكون له محل في المحكمة ويقود الجيوش وهو السيد المسود في كل مكان فيجمع المجلس ويفضه بحسب ما يرى ويصدر الأحكام برأيه وحده. وفي زمن الحرب يفعل ما يشاء بالجند ويقتلهم دون الرجوع إلى رأي ضباطه. وقد كان مافيوس القائد الروماني في إحدى الحروب التي أعلنت على اللاتين حظر على الجنود الخروج من المعسكر فدعا أحد المقاتلين من جيش العدو ابنه إلى المبارزة فخرج لبرزه وقتله فلم يعتم مافيوس أن قبض على ابنه وأعدمه في الحال. وللحاكم بحسب التعبير الروماني سلطة ملك ولكن هذه السلطة قصيرة موزعة وذلك لأنه لا ينتخب إلا لسنة واحدة وله رصفاء لهم مثل سلطته ففي رومية قنصلان أو حاكمان يتوليان أمر الأمة وقيادة الجيش وفيها عدة قضاة يتولون الحكم أو القيادة بالنيابة ويصدرون الأحكام وهناك كثير من الحكام ومراقبان واربعة نظار للأبنية والملاعب للنظر في الطرق العامة والأسواق وعشرة محامين عن حقوق السوقة وصيارفة يتولون النظر في خزائن المملكة. الإحصاء: أرقى الحكام هما الوكيلان المسيطران وهما مكلفان كل خمس سنين بتنظيم إحصاء للشعب الروماني فيتمثل أمام المكلفين بإحصاء جميع أبناء البلاد ليذكروا لهما وهم يقسمون الإيمانات أسماءهم وعدد أولادهم وعبيدهم ومقدار ثرواتهم ويقيد كل ذلك في سجلات خاصة. والقائمان بإحصاء الأمة هما اللذان يكتبان قائمة بأسماء أعضاء مجلس الشيوخ والفرسان والوطنيين ويحددان لكل واحد مقامه في المدينة ثم هما مكلفان أيضاًَ بأن يحتفلا احتفال الثريا وهي حفلة عظمى تقام للتزكية كل خمس سنين فيجتمع ذاك اليوم عامة الوطنيين في ساحة المريخ اجتماعهم في حرب ويطوفون ثلاث مرات حول المجلس يحملون ثلاث ضحايا لتكفر عن السيئات وهي عبارة عن ثور ونعجة وخنزير يخنقونها ويرشون المجلس بدمها وبذلك تصبح المدينة مزكاة مطهرة وسلماً مع الأرباب. وللقائمين على الإحصاء الحق أن يقدان وأن يسجلا كل إنسان في المنزلة التي يريدانها ولهما أن يجردا أحد الشيوخ بإسقاطه من قائمة مجلس الشيوخ وأن لا يحسبا أحد الفرسان في جملة أهل طبقته أو يحرمان أحد الوطنيين بأن يحذفا اسمه من سجلات القبائل. ويسهل عليهما عقاب من يرونهم مجرمين ويتجاوزان عن السيئات التي لا تقدح بمنطوق القانون. ولطالما رأوهما يجردان الوطنيين لأنهم لم يحسنوا التوفر على مقولهم ولصرفهم كثيراً على خدمهم وسجنوا أحد الشيوخ لأنه كان يملك عشر ليبرات من الأواني الفضية وآخر لأنه أهمل تعهد قبور أجداده. وغيره لأنه طلق زوجته هذه السلطة المفرطة هي ما يطلق الرومان عليه حكومة الأخلاق فوكيلا الإحصاء عما سيدا المدينة على الجملة. جلسة مجلس الشيوخ: يتألف مجلس الشيوخ من نحو ثلثمائة رجل يعينهم وكيل الإحصاء إلا أن هذا لا ينصبهم كيفما اتفق فلا ينتخب من أبناء البلاد إلا الأغنياء أصحاب المكانة وسلالة الأسرات الكبيرة ومعظمهم من قدماء الحكام ويختار على الأغلب دائماً أناساً كانوا في المجلس من قبل بحيث أن عضو مجلس الشيوخ يبقى في هذا المنصب طوال حياته فمجلس الشيوخ هو محل اجتماع أهم رجال رومية ولذلك كانت لهم سلطة وسطوة. فإذا حدث أمر يجمع أحد الحكام أعضاء الشيوخ في أحد المعابد ويعرض عليهم المسألة ثم يسألهم رأيهم فيها فيجيبه كل واحد بمفرده مراعين في ذلك مراتبهم في الشرف وهذا ما يدعى أخذ رأي مجلس الشيوخ ويسطر الحاكم بعد ذلك رأي الأكثرية وهذا ما يسمونه مرسوم ديوان الأعيان أو الشيوخ ويكون قرارهم عبارة عن رأي لأن ليس من حق مجلس الشيوخ أن يقنن القوانين. بيد أن رومية تعمل بهذا الرأي عملها بأمر مفروض. وللشعب ثقة بشيوخه لعلمه أنهم أكثر خبرة منه ولا يجرأ الحكام على مقاومة مجلس مؤلف من أكفاء يساوونهم في الشرف. ولذلك كان المجلس يفض جميع المسائل فيقرر الحرب ويعين عدد الجيوش ويقبل السفراء ويعقد السلم ويفرض الدخل والخرج فيصدق الشعب على مقراراتهم والحكام ينفذونها. وفي سنة ٢٠٠ قرر مجلس الشيوخ إعلان الحرب على ملك مكدونية فأوجس الشعب خيفة ولم يوافق على ذلك فصدر أمر مجلس الشيوخ بجمع المجامع من جديد وأن يلقى عليهم خطاب يكون أبلغ في إقناعهم من الخطاب الأول وعندها لم يسع الشعب إلا الموافقة. وبذلك رأيت أن الشعب في رومية كان يحكم كما يحكم الملك في إنكلترا ولكن كان الحكم لمجلس الشيوخ. المجالس والانتخابات: تسمى حكومة رومية الجمهورية أي متاع الشعب وجماعة الوطنيين المدعوين شعباً كأنهم سادة مستقلون في المملكة فمنهم الذين ينتخبون الحكام ويوافقون على الحرب والسلام ويسنون الشرائع ويقول الفقهاء أن القانون هو ما أمر به الشعب والشعب في رومية كما في أثينة لا يعين نواباً عليه أن يوافق على كل شيء بنفسه حتى أن حكومة رومية بعد أن قبلت في المدينة زهاء خمسمائة ألغ رجل كانوا مشتتين في أطراف إيطاليا كلها اضطر الوطنيون للحصول على حقوقهم أن يحضروا بالذات إلى رومية. ويجتمع الشعب في الساحة ويسمى المجلس المجتمعات يدعوه الحاكم إلى الالتئام برئاسته وكثيراً ما يدعى الوطنيون للاجتماع بصوت البوق فيذهبون إلى ميدان العمل (ساحة المريخ) يصطفون فرقاً تظللهم أعلامهم وعندما يتألف منهم مجتمعات ذات فرق وكثيراً ما يجتمعون في ساحة السوق (الفوروم) منقسمين إلى ٣٥ جماعة يسمونهم القبائل فتدخل كل قبيلة في نوبتها إلى مكان مسور بسدود لتوافق على ما تقرر به وتسمى المجتمعات بحسب القبائل. والحاكم الذي جمع المجلس يبين له المسألة التي يجب عليه الموافقة عليها ومتى فعل ذلك ينفض. فمن ثم كان الشعب حاكماً ولكنه اعتاد الخضوع لزعمائه. والمجلس أيضاً هو الذي يختار كل سنة الحكام فينتخب بحسب الفرق جميع الحكام الذين كان انتخبهم الشعب قديماً مثل القناصل والقضاة ووكلاء الإحصاء ونظار الأبنية والملاعب ومجلس القبائل ينتخب حكام أهل الطبقة المتوسطة ومحامي الشعب ونظار أبنية الشعب. وقد ضاقت ساحة الفوروم منذ القرن الثاني فأخذت تجتمع جميع مجالس الانتخابات في ساحة المريخ تنقسم الرحبة بحواجز ذات مرابض صغيرة تلقب بحدائق الغنم فتنقطع كل قبيلة إلى إحدى تلك الرحاب وتلاحظ كل قبيلة أكثرية الوطنيين في التصويت إذ ليس لكل قبيلة غير صوت واحد. سلك المناصب: ليس تولي الحكم أو المشيخة عن الأمة في رومية صناعة من الصناعات فإن الحكام والشيوخ يصرفون وقتهم ومالهم دون أن ينالوا أجراً فمنصب الحكم في رومية يعد من دواعي الشرف فلا يتطال إليه غير الأشراف او الفرسان على الأقل على شرط أن يكونوا أغنياء ثم لا يطمع امرؤ أن يبلغ أرقى مناطب الحكم إلا بعد أن يتقلب في المناصب الأخرى. ومن أراد يوماً أن يحكم على رومية يجب عليه أولاً أن يكون له في الجيش عشر وقائع وحملات وبعدها يسوغ له أن ينتخب صرافاً فيعهد إليه النظر في إحدى خزائن المملكة. ثم يصير ناظراً للأبنية والملاعب فينظر في أمور الشرطة والبياعات وبعد ذلك ينتخب قاضياً فيجري أحكام العدل وعقيب ذلك يصبح قنصلاً فيقود جيشاً ويرأس المجالس وعندئذ تحدثه نفسه بأن يكون وكيل إحصاء وهذه هي الدرجة التي دونها في العلو كل درجة لا يبلغها المرء قبل أن يبلغ الخمسين من العمر فترى بهذا أن رجلاً واحداً يكون مالياً إدارياً وقاضياً وقائداً وحاكماً قبل أن يتولى وظيفة وكيل الإحصاء الغريبة وهي عباة عن تنظيم المجتمع وتسمى سلسلة هذه الوظائف سلك المناطب ولا تدوم كل وظيفة من هذه الوظائف إلا سنة واحدة للارتقاء للوظيفة التالية يقتضي انتخاب جديد. ويجب على الموظف في خلال السنة التي تتقدم انتخابه أن يظهر في الشوارع بلا انقطاع ويسير كما يقول الرومان أو يطمع في امتياز المنصب أن يلتمس أصوات الشعب والعادة في خلال هذه المدة أن يلبس حلة بيضاء وهذا معنى مرشح باللغات الإفرنجية أي المكتسي بالبياض. إدارة الولايات الشعوب الخاضعة: ما انقضى القرن الأول قبل المسيح إلا وقد أخضعت رومية عامة الأقطار الواقعة حول البحر الرومي من إسبانيا إلى آسيا الصغرى ولم تضف هذه البلاد إلى المملكة الرومانية ولم يصبح سكانها وطنيين رومانيين ولم تغد أرضهم أرضاً رومانية بل ظلوا غرباء وانضموا فقط إلى هذه المملكة أي أنهم أصبحوا تحت استيلاء الشعب الروماني كما أن الهنود اليوم ليسوا وطنيين إنكليز بل هم رعايا إنكلترا والهند جزء لا من إنكلترا بل من المملكة الإنكليزية فقط. فلا يصبح سكان البلاد المغلوبة وطنيين في رومية بل يبقون غرباء أجانب ولكنهم رعايا الشعب الروماني يؤدون إليهم الجزية وعشر غلاتهم وأتاوة من المال ورسماً على كل رأس وعليهم أن يخضعوا لجماع ما يأمرونهم به إذا ليس في استطاعة الشعب أن يحكم بالذلات ليبعث بحكام ينتدبهم لأن يحكموا عنه وكل بلد خاضع لوال كان يسمى ولاية ومعناها المهمة. كان في أواخر عهد الجمهورية (في سنة ٤٦ ) ١٧ ولاية منها عشر في أوربا وخمس في آسيا واثنتان في أفريقيا ومعظمها متنائية الأطراف جداً فلم تكن بلاد الغال كلها سوى أربع ولايات وإسبانيا ولايتين. قال شيشرون أن الولايات أملاك الشعب الروماني فإذاً أخضع هذه الشعوب بأسرها فذلك طمعاً في فائدتها لا لأجل منفعتهم ولذلك لا يتوخى أن يدير تلك الولايات بل يحرص على استثمارها. الولاة: يتخذ الشعب حاكماً لإدارة كل ولاية وهو إما أن يكون قنصلاً أو قاضياً خرج من الوظيفة فيطيل أمد سلطته وليس هذا الموظف الكبير قنصلاً بل هو وال ينوب عن القنصل. وللوالي كما للقنصل سلطة مطلقة يسير فيها على هواه لأنه وحيد في ولايته وليس لديه حكام آخرون ينازعونه السلطة ولا محامون عن الطبقة الوسطى ليصدوه عما يريد ولا مجلس شيوخ يسيطر على أعماله فهو وحده يقود الجيوش ويحملهم على القتال وينزل بهم حيثما يشاء فيتخذ له مقاماً في محكمته حاكماً بالغرامة والسجن والموت ويصدر أوامر تكون قانوناً متبعاً وله وحده السلطة العالية لأنه فيه يتجسد الشعب الروماني. وكان هذا الحاكم الذي لا يقاومه مقاوم مستبداً حقيقياً فيقبض على من يريد ويحبس ويضرب بالعصي ويعدم من لا تروقه حالتهم وإليك مثالاً من ألوف الأمثلة التي كان الحكام يجرون فيها مع الهوى كما رواه أحد الخطباء الرومان قال: جاء القنصل مؤخراً إلى تيانوم فخطر لامرأته أن تتلذذ بالاستحمام في حمامات الرجال فأخرج من الحمام الرجل الذين كانوا يستحمون فيه فشكت المرأة من إبطائهم وقلة استعداد الحمام فنصب القنصل عموداً في الساحة العامة وأحضر أشهر رجل في المدينة ليجعل عليه فجرد من ثيابه وضرب بالعصي. والوالي يأخذ من ولايته ما يستطيع من المال وينظر إليها كأنها ملك له ولا تعوزه الوسائط لاستثمارها بل يمد يديه إلى خزائن المدن وينزع التماثيل والحلي الموضوعة في المعابد ويجبي من السكان الأغنياء أتاوات من المال أو البر. وإذا كان له الحق أن ينزل جنوده حيث أراد فالمدن تقدم له المال لتعفى من قبول جنوده وإذا كان فغي حل من أن يعدم كل من يترآءى له فالأفراد يعطونه المال ليأمنوا غائلته. وإذا طلب شيئاً نفيساً أو مبلغاً من المال يجاب في الحال إىل ما طلب ولا يجرأ امرؤ أن يأبى عليه طلبه. وأتباعه يسيرون على مثاله وينهبون باسمه بل بحمايته ويسرع الوالي في جمع المالي إذ الواجب عليه أن يغتني في سنة وبعدها يعود إلى رومية ويخلفه آخر يعود بمثل ما بدأ فيه سلفه. على أن هناك قانوناً يحظر على كل وال أن يقبل هدية ومحكمة مخصوصة (منذ سنة ١٤٩ ) تنظر في دعاوي الاختلاس. بيد أن هذه المحكمة تؤلف من طبقة الأشراف والفرسان الرومانيين فلا يرون أن يحكموا على ابن بلدهم والعاقبة المهمة في هذه الطريقة كما قال شيشرون أن يضطر الوالي إلى بسط يده في السلب من ولايته ليتسنى له ان يرشي المحلفين في المحكمة ولا ينبغي العجب إذا رأينا اسم الوالي مرادفاً لاسم مستبد ومن أشهر هؤلاء اللصوص فيريس والي صقلية وقاضيها وقد خطب في بيان أعماله الخطيب شيشرون لأسباب سياسية فطباً اشتهر بها ومن المحتمل أن كثيرين مثله قد أتوا ما أتاه. العشارون: كان للشعب الروماني في كل ولاية مواد مهمة من الجمارك والمناجم والضرائب والحقول الصالحة لزرع الحنطة والمراعي يؤجرونها من شركات متعهدين يسمونهم العشارين فكان هؤلاء مثل المزارعين العموميين في فرنسا قديماً يبتاعون من الحكومة حق جباية الخراج ويجب على سكان الولايات أن يطيعوهم كأنهم وفود الشعب الروماني. وكان في كل ولاية عدة شركات من العشارين ولكل شركة مستخدمون من الكتاب والجباة يظهرون في مظهر السادة ويتناولون أكثر مما يأخذون في آسيا حتى السكان بدون سبب ولما طلب ماروس من ملك بيتينا أن يقدم له جنداً أجابه الملك أن العشارين لم يبقوا عنده م الرعايا غير النساء والأطفال والشيوخ وقد عرف الرومان هذه المظالم حق معرفتها وكتب الخطيب شيشرون إلى أخيه وكان هذا حاكماً إذ ذاك: إذا وفقت إلى طريقة ترضي بها العشارين بدون أن تهلك سكان الولايات فتكون قد رزقت مهارة رب بيد أن العشارين كانوا قضاة في محاكمهم حتى أن الولاة أنفسهم خاضعون لهم. وقد أراد سكاروس والي آسيا المشهور بالإفراط في العفة أن يمنع العشارين من إطالة يد الأذى في ولايته فلما عاد إلى رومية رفعوا عليه شكوى وحكموا عليه. ولطالما أثار العشارون سخط سكان الشرق الخاضعين الساكنين فقد ذبحوا بأمر ميتيريداتس في ليلة واحدة مئة ألف روماني وبعد قرن أي على عهد المسيح كان اسم عشار مرادفاً لاسم لص. الصيارف: جمع الرومان في بلادهم ثروة الأمم المغلوبة ولذلك كانت الدراهم كثيرة جداً في رومية ونادرة جداً في الولايات فكان في رومية يمكن الاقتراض بفائدة أربعة أو خمسة في المئة أما في الولايات فلا يجد المستدين مالاً يقترضه بأقل من اثني عشر في المئة. وكان الصيارف الرومان يقترضون مالاً من رومية ويقرضونه للولايات ولاسيما باسم الملوك او المدن. وإذا لم يستطع المستدين أن يوفي رأس المال ورباه يعمد الصيارف في تقاضي أموالهم إلى الطرق التي يستعملها العشارون فقد اقترضت مدن آسيا سنة ٨٤ على نية ان تدفع مبلغاً كبيراً لتستعين به على الحرب فبعد أربع عشرة سنة فقط أي في سنة ٧٠ صار المبلغ بفوائده ستة أضعاف ما كان فاضطر الصيارف مدن آسيا أن تبيع حتى التحف والطرف وقد شوهد أبوان يبيعان أبناءهما وبناتهما. وبعد بضع سنين أقرض برونوس من حكماء الرواقيين ومن أشهر رجال عصره من الرومان وأعلاهم كعباً ومكانة لمدينة سلامينة في قبرص مبلغاً من المال بفائدة ٤٨ في المئة (أي ٤ في المئة كل شهر) فلما طالب وكيله سكابتبوس بالمال مع فائضه تعذر على المدينة أن تؤدي إليه مطلوبه فقصد سكابتبوس الوالي أبيوس فأصبحه هذا بفرقة من الفرسان فجاء إلى سلامينة وحاصر مجلس شيوخها وكان أعضاؤه في قاعة الجلسات فمات خمسة منهم جوعاً. رعايا رومية: كان سكان الولايات لا حول لهم ولا طول مع هؤلاء الظالمين بأسرهم وذلك لأن الولاة كانوا يمالئون العشارين والصيارف على رغائبهم ويأخذون بأيديهم في كل ما يطلبونه ووراء الوالي الجيش والشعب الروماني يعضدانه فكان يسمح للوطني الروماني أن يشتكي السلابين في الولايات ولكن لا يمس الوالي بأذى ولا تتأتى شكايته إلا مرة واحدة عندما يخرج من الخدمة فيصبر عليه الرعايا يسلبهم ويعتدي كما يشاء ريثما تنقضي مدته وإذا اتهم عند عودته إلى رومية فتكون محاكمته أمام محكمة مؤلفة من الأشراف والعشارين ممن تكون مصلحتهم في معاضدته لا في إحقاق الحق ورفع ظلامة أهل الولاية التي كان فيها وإذا صادف أن حكمت عليه المحكمة يستعيض عن الحكم بالنفي فيذهب إلى إحدى مدن إيطاليا يتمتع بها بما نهبه أيام ولايته وهذا القصاص لا يوازي ما أتاه بتة ولا يعد انتقاماً ولذلك كنت ترى سكان الولايات يؤثرون أن يقمعوا ولاتهم بخضوعهم لهم فيعاملونهم كما يعاملون الملوك وينافقونهم ويهادونهم ويقيمون لهم التماثيل وربما نصبوا للوالي في آسيا هياكل وبنوا لهم المعابد وعبدوهم كما يعبد الرب. ولئن عامل الشعب الروماني رعاياه بقسوة فلم يكن يأبى عليهم الانضمام إليه كما كان شأن المدن اليونانية بل أن الغرب يصبح وطنياً رومانياً بإرادة الشعب الروماني والشعب يمنح هذه العاطفة أحياناً وكثيراً ما يمنحها إلى شعب برمته فمنح حق الوطنية الرومانية إلى اللاتين أولاً سنة ٨٩ ومنح هذا الحق للطليان في سنة ٤٦ ومنحه لأهل غاليا فأصبح سكان إيطاليا والرومانيين سواء حتى أن العبد الذي يعتقه سيده يسوغ له أن يكون وطنياً في الحال. وكلما عرضت للشعب الروماني عوارض الضعف ونقص في الأنفس يزيد عدده برعايا جدد وعبيد جدد فكان عدد الوطنيين يزيد في كل إحصاء ولا ينقص فبلغ عددهم في قرنين من ٢٥٠ ألفاً إلى ٧٠٠ ألف. وهكذا ظلت رومية غاصة بالسكان ولم تخل منهم كما خلت إسبارطة بل كانت تمتلئ بالقادمين إليها من المغلوبين على التدريج. قانون الأراضي الأملاك العامة: متى طلب شعب غلبته رومية على أمره أن يعقد معها الصلح يجب على نوابه أن يلفظوا الجملة التالية: نتخلى لكم عن الشع والمدين والحقول والمياه وتماثيل الأرباب الحامية للحدود والأثاث وجميع ما يملكه الأرباب والناس قد جعلناه بيد الشعب الروماني وبهذا التسجيل تصبح الأمة الرومانية مالكة لما يملكه المغلوبون لهم بأسره بل مالكة حتى لأشخاصهم. وكثيراً ما يبيعون السكان وقد باع بولس أميل مئة وخمسين ألفاً من أهل أبير على هذه الصورة كانوا استسلموا إليه. ومن العادة أن تمنح رومية لمن تتغلب عليهم حريتهم وأن تبقي أملاكهم ملكاً للشعب الروماني يجعلونها ثلاث حصص متساوية فيعطى للأهالي قسم من أراضيهم على أن يدفعوا شيئاً معلوماً من المال أو الحبوب عنها وتحفظ رومية لنفسها الحق أن تأخذ منها كما تشاء. وتؤجر الحقول والمراعي إلى أناس من الملتزمين وتترك الأراضي البائرة شاغرة يأخذها من يريد ويحق لكل وطني روماني أيقيم فيها ويزرعها. قوانين العقارات: شملت قوانين الأراضي التي اختل بها نظام رومية الأملاك العامة وما كان لأحد الرومان أن يخطر في باله نزع الأملاك من أربابها لأن حدود تلك الأملاك نفسها كانت أرباباً يدعونها آلهة التخوم والدين يمنع من نزعها. إلا أن الشعب كان يستولي بموجب قانون الأرضي على أرض من الأملاك العامة فقط ويوزعها بصفة ملك على مواطنيه وللشعب من حيث الشرع الحق في ذلك لأن الأراضي كلها ملكه إلا أن الرومانيين تسامحوا قروناً بأن تركوا أناساً من رعاياهم أو ابناء وظنهم يتمتعون بغلات تلك الأراضي وقد انتهت بهم الحال أن صاروا ينظرون إلى تلك الأراضي كأنها ملكهم يحبسونها ويبيعونها ويبتاعونها ولو أخذت منهم لقضي على جمهور عظيم من الأمة بالإفلاس في الحال. وقد حدث في إيطاليا خاصة أن ينزع من أهل المدينة بأسرها جميع ما يملكون. هكذا نزع أغسطس جميع أراضي مانتو من سكانها وكان الشاعر فرجيل من جملة المنكوبين فتوصل بفضل شعره إلى أن تعاد أملاكه ولكن سائر الشعب الذي لم يكن شاعراً كفرجيل بقي مسلوباً من أملاكه. وتوزع هذه الأراضي المأخوذة على تلك الصفة أحياناً على أناس من فقراء الوطنيين في رومية وفي الأغلب على جماعة من قدماء الجند وقد وزع سيللا أراضي أهل إيتروريا على ٢٠ ألفاً من قدماء الأجناد. الأخوان الاشتراكيان: كان الشقيقان تيبريوس وكايوس غراشوس من أشرف أسرات رومية ولكن حاول أحدهما بعد الآخر وقد تولى زعامة السوقة أن ينزع الحكومة من يد الأشراف الذين يتألف منهم مجلس الشيوخ. وكان في ذلك العهد في رومية بل في إيطاليا جمهور كبير من الوطنيين لا سيد لهم ولا لبد يطمحون إلى إحداث ثورة ومنهم الأغنياء ومعظمهم من طبقة الفرسان الذين يشكون من حرمانهم من الحكومة. فعرض تيبريوس غراشوس نفسه على أن يتولى الدفاع عن العامة وسعى إلى وطيد سلطته هذه وكان في قلق مما يراه في بلاد الأرياف في إيطاليا من إقامة الرعاة العبيد يخلفون قدماء أصحاب الأملاك الفلاحين ومن رؤية رومية غاصة بأناس من الوطنيين لا يملكون فتيلاً ولا نقيراً. قال مرة في خطاب له يخاطب به العامة: للوحوش البرية في إيطاليا مغاور تأوي إليها والرجال الذين يهرقون دماءهم في الدفاع عن بيضة إيطاليا ليس لهم إلا النور والهواء الذي يستنشقونه يهيمون على وجوههم مع أزواجهم وأبنائهم لا بيوت تؤويهم ولا منازل يسكنونها. إلا وأن القواد الذين يحرضونهم عل الدفاع عن مدافنهم ومعابدهم ليكذبون في أقوالهم. وليت شعري هل ملك واحد منهم حتى الآن مذبحاً مقدساً في بيته ومدفناً يضم رفات أجداده، يدعونهم سادة الأرض وهم لا يملكون مدرة منها. فاقترح على الشعب سن قانون للأراضي وذلك بأن تأخذ الحكومة من الأفراد جميع الأراضي التي هي من المنافع العامة فتضع يدها عليها ويترك لكل فرد منهم خمسمائة فدان ويوزع الباقي من الراضي حصصاً صغيرة على فقراء الوطنيين فوافق المجلس على هذا القانون فحدث بذلك اضطراب عام في نظام الثروات لأن معظم أراضي المملكة على التقريب كانت من الأملاك العامة ولكن وضع الواضعون أيديهم عليها واعتادوا أن يعتبروا أنفسهم مالكيها. على أنه كان كثيراً ما يصعب التمييز بين الملك الخاص والملك العام إذ لم يكن للرومانيين سجلات للأراضي. فأقام تيبريوس ثلاثة مفوضين عهد إليهم قسمة الأراضي كما أن الشعب أعطاهم سلطة مطلقة. وكان هؤلاء المفوضون هم تيبريوس نفسه وأخوه وعمه. فقام خصوم تيبريوس يتهمونه بأنه سن قانون الأراضي ليتخذ من ذلك حجة لتكون له بها السلطة. فمضت سنة وهو السيد المتحكم في رومية ولكنه لما أراد أن ينتخب محامياً من العامة عن السنة التالية أقام أعداؤه الحجة (وهذا كان منافياً للعادات المتبعة) فنشأت من ذلك فتنة انتهت باستيلاء تيبريوس وأصحابه على معبد الكابتول فنهض أنصار مجلس الشيوخ وعبيدهم مسلحين بالدبابيس وخشب المقاعد وطاردوا تيبريوس وأتباعه وضربوهم. وبعد عشر سنين انتخب كايوس أصغر الأخوين غراشوس محامياً عن الشعي وجدد التصديق على قانون الأراضي وقرر توزيع حنطة على فقراء الوطنيين وقرر أن يجري انتخاب القضاة ن طبقة الفرسان ليتوصل بذلك إلى هدم سلطة الأشراف فكانت كلمته هي العليا مدة حولين كاملين ولكنه لما قصد قرطاجنة ليسكن فيها جماعة من الطوارئ (المستعمرين) الوطنيين تخلى الشعب عنه مدة غيابه جتى إذا عاد لم يتيسر له أن يعاد انتخابه إذ كان أعداؤه اغتنموا تلك الفرصة للتخلص منه وعندها أمر الحاكم بتسليح أشساع مجلس الشيوخ وزحف على كايوس وأحبابه وكانوا اعتصموا في جبل أفنتين فقتل كايوس بيد أحد العبيد وذبح أشياه أو أعدموا في السجون ونقضوا بيوتهم من أسسها وصادروا أملاكهم. ماريوس وسيللا لم يكن النزاع بين الشقيقين غراشيوس ومجلس الشيوخ إلا عبارة عن هرج في شوارع رومية ينتهي بفتنة تنشأ بين العصابات المسلحة على عجل أما الفتن التي حدثت بعد فكانت حروباً حقيقية بين جيوش منظمة وكان رؤساء الأحزاب من القواد. الحروب المدنية: ليس الشعب الروماني سوى مجموعة فقراء لا عمل لهم وما الجيش إلا حفنة من المتشردين نزاع الآفاق فلا المجلس ولا الكتائب خاضعة لمجلس الشيوخ لأن الأشراف الفاسدين فقدوا كل سلطة أدبية فلم يبق ثمة سوى قوة حقيقية واحدة نعني بها الجيش ولم يبق سطوة إلا للقواد وقد أبى القواد أن يخضعوا فتعذر الحكم بواسطة مجلس الشيوخ حتى أصبح بيد القائد. وغدت الثورة لا مناص منها ولكنها لم تنشأ دفعة واحدة بل تخمرت زهاء مئة سنة وكان مجلس الشيوخ يقاوم وقد أمسى من الضعف بحيث لا يتيسر له أن يجري الأحكام بذاته على أنه ما زال على شيء من القوة تحول دون غيره من القبض على قياد الأمة والقواد يتنازعون بينهم فيمن يكون السيد المتحكم وهكذا قضى الرومانيون قرناً يتخبطون في الفتن والحروب المدنية. ماريوس: كان أصل ماريوس القائد الأول الذي جعل جيشه تحت أمرة في رومية من أربينوم وهي مدينة جبلية صغيرة ولم يكن من سلالة شريفة واشتهر بأنه ضابط وانتخب محامياً عن العامة ثم قاضياً بمساعدة الأشراف له. ثم انقلب عليهم وانتخب قنصلاً وعهد إليه محاربة جوكورتا ملك النوميديين الذي بدد شمل عدة جيوش رومانية. وعندها جند ماريوس جماعة من فقراء الوطنيين ممن أصبحت الخدمة العسكرية صناعتهم فتغلب ماريوس بجيشه على جوكورتا وأهلك الشعوب البربرية كالسمبريين والتوتون ممن أغاروا على غاليا وإيطاليا الشمالية. وإذا لم يكن للشعب ثقة من غيره لقيادة الجيش انتخبه قنصلاً ست مرات متولية خلافاً للقوانين المتبعة. عاد إلى رومية بعد هذه الانتصارات فأصبح مطلق اليد في الحكومة وعندئذ تألف في تلك العاصمة حزبان دعيا أنفسهما باسم حزب الشعب (وهو حزب ماريوس) وحزب الأشراف (وهو حزب مجلس الشيوخ). الحرب الاجتماعية: ارتكب أشياع ماريوس من الفظائع ما انتهى بتلويث شهرته بين الناس فاغتنم أحد الشراف من أسرة كورنيوليوس الكبيرة واسمه سيللا هذه الفرصة لينازعه السلطة وكان هو أيضاً من جملة القواد. وفي خلال ذلك استشاط الطليان غيظاً من قيامهم بمثل ما يقوم به الرومانيون من التكاليف دون أن يكون لهم مثل امتيازاتهم فنزعوا إلى مقاومته لينالوا حقوقهم المدنية وهذا ما دعوه بالحرب الاجتماعية أي حرب مقاومة المتحالفين فجيشوا جيوشاً كبيرة قدمت إحداها على مقربة من رومية وكان سيللا هو الي أنقذ رومية بقتاله الطليان أشد قتال. وبعد حرب دامت سنتين ( ٩١ ـ ٨٩ ) خضع الطليان بيد أنهم نالوا ما طلبوه وغدوا وطنيين رومانيين. سيللا: طارت شهرة سيللا في هذه الحرب فنصب قنصلاً وعهد إليه أن يزحف على ملك بحر الخزر ميتريدانس الذي أغار على آسيا الصغرى وذبح فيها الرومانيين عن بكرة أبيهم ( ٨٨ ) فحمل الحسد ماريوس على أن يثير فتنة في رومية فخرج سيللا للالتحاق بجيشه الذي كان ينتظره في إيطاليا الجنوبية وعاد معه وكان الدين الروماني يحظر على الجنود الدخول إلى المدينة وعليهم أسلحتهم وعلى الحاكم نفسه قبل أن يجتاز الباب أن يخلع عنه رداء الخرب ويلبس الحلة الرومانية فكان سيللا القائد الأول الذي جسر على خرق سياج هذا المنع ودخل إلى رومية فانهزم ماريوس أمامه. ولما وصل سيللا إلى آسيا عاد ماريوس في جيش له من المتشردين ودخل رومية بالقوة ( ٨٧ ) وعندئذ بدي بقتل المعتدين قبل محاكمتهم وجعل خاصة أشياع سيللا تحت الأحكام العرفية بل صدرت أوامر الحكومة أن يقتلوا حيثما وجدوا وصودرت أموالهم ومات ماريوس بعد بضعة أشهر وظل سين أهم أنصاره يجري أحكامه في رومية ويقتل كل من لا تروقه حالته وكان سيللا في خلال هذه المدة قد تغلب على ميترايداتس وضمن إخلاص جنده له بأن أباح لهم نهب آسيا على ما يشاءون. وقد عاد ( ٨٣ ) في جيشه إلى إيطاليا فبعث عليه خصومه بخمسة جيوش فانهزم بعضها وانحاز الآخر إليه ثم دخل سيللا إلى رومية وذبح الأسرى وخنق أنصار ماريوس. الأحكام العرفية: بعد أن مضت بضعة أيام في المذابح شرع سيللا ينفذ الأحكام العسكرية على الأصول وعلق ثلاث قوائم بأسماء من يريد إهلاكهم قال: أعلنت أسماء جميع من ذكرتهم وقد نسيت كثيراً منهم وسأعلن أسماءهم كلما خطروا في بالي. وكل من علق اسمه في قائمة المحكوم عليهم كان معداً للقتل ومن أتى برأسه ينال مكافأة وتصادر أموال القتيل وكان يقتل الواحد بدون محاكمة بل بمجرد هوى القائد وبدون أن ينذر بالقتل. وعلى هذا الوجه لم يكتف سيللا بذبح أعدائه فقط بل قتل الأغنياء الذين كان يطمع في ثروتهم ويرى أحد الوطنيين البعيدين عن السياسة نظر وهو مار إلى قائمة المحكوم عليهم بالقتل فرأى اسمه مسطوراً في أول القائمة فهتف قائلاً: ما أتعسني فقد قتلني بيتي في آلب ويقال أن سيللا قتل ألفاً وثمانمائة ألف فارس. قوانين سيللا: بعد أن تخلص سيللا من خصومه حاول أن ينظم حكومة تكون الكلمة فيها لمجلس الشيوخ، فعينوه حاكماً مطلقاً (ديكتاتور) ويطلق هذا اللقب قديماً على القواد في أيام الشدة والخطر ممن تكون لهم السلطة المطلقة فاستخدم سيللا هذه السلطة ليسن قوانين تغير النظام الدستور القديم وذلك بأن ينتخب القضاة بموجب هذا القانون من مجلس الشيوخ ولا تجري المناقشة في قانون قبل أن يوافق عليه مجلس الشيوخ ولا يحق لمحاميي الشعب بتة أن يقترحوا شيئاً وبعد هذه الإصلاحات التي خولت مجلس الشيوخ سلطة مطلقة استقال سيللا من منصبه وأخذ نفسه بالانقطاع إلى داره والعيش في العزلة ( ٧٩ ) وكان يعرف بأنه في مأمن إذ كان له مئة ألف من جنوده في إيطاليا. بومبي بومبي: عاد مجلس الشيوخ فقبض على السلطة لأنه حسن في رأي سيللا أن يعيدها إليه ولكنه لم يكن له من القوة ما يستطيع معه المحافظة على تلك السلطة متى قام أحد القواد ينازعه إياها. ودامت حكومة مجلس الشيوخ أيضاً في الظاهر أكثر من ثلاثين سنة وذلك لأنه كان ثمة عدة قواد وكل منهم يحول دون خصمه أن يستأثر بالحول والطول. ولما هلك سيللا كان في البلاد أربعة جيوش على قدم الاستعداد اثنان منها خاضعين لقائدين من أنصار مجلس الشيوخ وهما كراسوس وبومبي والآخران بقيادة قائدين خصمين لمجلس الشيوخ وهما لبيدوس في إيطاليا وسرتوريوس في إسبانيا. والمأثور أنه لم يكن أحد في تلك الجيوش على استعداد ونظام وإن ليس في أولئك القواد حاكم له الحق بقيادة الجند. وكان القواد إلى ذاك العهد أبداً من القناصل أما الآن فأصبحوا من الأفراد ينضم إليه الجند لا ليخدموا الجمهورية الرومانية بل ليغتنوا بسلب الأهلين. ولقد انهزمت جيوش خصوم مجلس الشيوخ وبقي القائدان كراسوس وبومبي وحدهما واتفقا بينهما على الزعامة وجرى انتخابهما قنصلان. سبارتاكوس: تكرر حدوث عصيان العبيد مرات (حروب العبيد) وكان ذلك في الأغلب في جزيرة صقلية وجنوبي إيطاليا حيث كان العبيد يحملون السلاح لحراسة القطعان. وبعد أن ولي الولاية القائدان كراسوس وبومبي بدأت أشهر تلك الحروب وذلك أن عصابة مؤلفة من ٧٠ مصارعاً هربت من كابو ونهبت عربة تحمل أسلحة وأنشأت تحمل على البلاد حملاتها فخف العبيد وانضموا إليها زرافات زرافات فلم تلبث تلك العصابة أن أصبحت جيشاً. وقد هزم هؤلاء العبيد على الولاء ثلاثة جيوش رومانية أرسلت لتأديبهم وكان سبارتكوس زعيمهم أسر في الحرب وهو من إقليم تراسيا جيء به إلى إيطاليا ليستخدم في الصراع فحدثته نفسه أن يجتاز بلاد إيطاليا كلها للعود إلى تراسيا بلده. بيد أن جيش كراسوس قاوم عصابات سابرتاكوس مؤخراً وكانت مختلة النظام فقتلها عن آخرها وبعدها حظرت رومية على العبيد أن يحملوا سلاحاً. ويحكى أنه أعدم راع من العبيد لأنه قتل خنزيراً برياً بحربة كانت معه. حروب في الشرق: عهد مجلس الأمة لبومبي أن يتولى قيادة الجيوش في حربين متعاقبتين في الشرق الأولى ( ٦٧ ) كانت مع قرصان البحر في شواطئ آسيا الصغرى وقد غزوا شواطئ إيطاليا ونهبوها والثانية ( ٦٦ ) كانت مع ميترايداتس الذي لم يبرح على ما أصابه من الفشل يدافع عن حوزته في أطراف آسيا الصغرى. ولقد عاد بومبي من آسيا في جيش يتفانى في الإخلاص له وكان في بضع سنين السائد المسود في رومية وإذ كان ينظر إلى الشرف أكثر منه إلى السلطة لم يدخل أدنى تعديل في الحكومة. وفي خلال ذلك نال الحظوة في الأمة شاب الأشراف اسمه قيصر فاتفق بومبي وكراسوس وقيصر بينهم على اقتسام السلطة ( ٦٠ ) فانتخب قيصر قنصلاً ثم والياً على غاليا وتولى كراسوس قيادة الجيش الذي أرسل إلى آسيا للحملة على البارثيين ولقي حتفه سنة ٥٣ وبقي بومبي في رومية. كاتالينا: بينما كان بومبي يحارب في الشرق حدثت في رومية أزمة كادت تؤدي إلى ثورة وذلك أن أحد الأشراف من قدماء أنصار سيللا واسمه كاتالينا كان فقد ثروته لاسترساله في الشهوات فحاول أن يسترجع ماله بالقبض على أزمة الأحكام وكان رجلاً قوي الشكيمة جريء النفس مقداماً لا يتطرق إلى قلبه وسواس وله أصدقاء كثيرون من أشراف الشبان المستهترين الفاسقين أخلصوا في حبه إذ كان يقضي معهم أوقات صفائه ويقرضهم مالاً ويهديهم خيولاً وكلباب صيد. وله من الأنصار قدماء أشياع سيللا وقدماء الجنود الذين أسكنهم سيللا في إيطاليا ممن باعوا أراضيهم وأخذوا يبحثون عن مورد يعيشون منه. فاتفق كاتالينا مع جمهور من هؤلاء الساخطين على أن يذبحوا في آن واحد القنصلين يوم يذهبان معاً على معبد الكابتول فلم يفلحوا فيما دبروه لأن الخبر ترامى إلى القنصلين غلا أن كاتالينا احتفظ بأنصاره وظل يدس الدسائس وكان أعداء مجلس الشيوخ وربما قيصر أيضاً يعضدونه سراً فقدم نفسه لينتخب قنصلاً فكان خصمه في هذا الانتخاب شيشرون أشهر محام وأعظم خطباء الرومان وكان هذا توصل إلى ينتخب حاكماً لأن الأسرات الشريفة غدت منذ عهد ماريوس لا تسمح إلا بانتخاب أناس من الأشراف. وساعد أشياع مجلس الشيوخ الخطيب شيشرون فجرى انتخابه وسقط كاتالينا إلا أن القنصل الآخر رصيف شيشرون وهو أنطونيوس كان ممالئاً سراً للحانقين، فدر كاتالينا مكيدة أخرى على أن يذبح أصحابه شيشرون وأعضاء مجلس الشيوخ في رومية ويحرقوها بينا يكون قدماء أجناد سيللا المقيمين في أتروريا زاحفين على رومية فبلغ الخبر شيشرون فلم يخرج إلا في كوكبة من الفرسان محدقة به إلا أنه لم يكن عنده جيش لقتال قدماء الأجناد الذين شرعوا يتجمعون ويتسلحون والعبيد الذين أخذوا يسلحونهم في كابو فقضى جزءاً من السنة التي تولى فيها القنصلية وهو في قلق مستمر. وأخيراً رجع واليان يقودان جنوداً فشعر شيشرون بقوة تمكنه من الدفاع فاستدعى مجلس الشيوخ ليوافق على قيام القناصل بما فيه سلامة الجمهورية الرومانية وأن يعطي القناصل سلطة ليتخذوا عامة الأسباب التي يرونها مناسبة وأدخل الجند إلى رومية يرابطون في الساحات ودعا مجلس الشيوخ إلى الاجتماع ثانية وفي هذه الجلسة ألقى خطبته الأولى في مقاومة كاتالينا وسأله مشعراً إياه بما دبره من المكيدة التي افتضح أمرها وأنذره بالانصراف. فغادر كاتالينا رومية وذهب للالتحاق بقدماء الأجناد المتمردين في أتروريا وظل أشياعه في المدينة فاتفقوا سراً مع وجود الألوبروج بأن يقدموا لهم فرساناً ثم غيروا آراءهم وأفشوا سر المتآمرين. فطلب شيشرون خمسة من رؤوس زعماء المؤامرة واضطرهم إلى الإقرار. ثم أخذ رأي مجلس الشيوخ فيما يجب أن يعاملوا به فأجاب بأنه يجب إعدامهم ولكن أحد المجرمين واسمه لاتنتولوس قاضياً، ولا يحق لأأحد أن يوقفه إلا حاكم له مقام أرقى من مقامه فذهب شيشرون بذاته لتوقيف المجرمين الخمسة وأخذهم إلى سجن الكابتول وخنقهم وعاد ليقول لمجلس الشيوخ: لقد عاشوا. فأعلن كاتالينا الحرب ولم يكن سوى جزء من رجاله يحملون سلاحاً ومعظمهم انفضوا من حوله وزحف عليه جيش بقيادة القنصل أنطونيوس آتياً من الجنوب وزحف آخر من الشمال ولم يبق لكاتالينا سوى ثلاثة آلاف رجل حاول بهم الفرار نحو الشمال فرأى جبال ابنين في وجهه مسدودجة فانفض على جيش أنطونيوس وهاجمه وقتل مع أصحابه جملة واحدة ( ٦٣ ) فنال إذ ذاك شيشرون من مجلس الشيوخ لقب أبو الوطن دلالة على أنه أنقذ رومية من مخالب العدو ولكن لما انتهت سنة حكمه لم يعهد له بسلطة. فتح بلاد الغال دخول قيصر إلى غاليا: اتفق قيصر مع بومبي وكراسوس أن يتولى كل منهم القيادة في إحدى الولايات العظمى على أن يكون له الحق في أن يجيش جيشاً فوضع كراسوس يده على سورية وبومبي على إسبانيا وقيصر على الثلاث ولايات المجاورة لغاليا وذلك لمدة خمس سنين. وقد ذهب قيصر لما انقضت سنة حكمه بصفته والياً إلى مقر ولايته لينشيء فيها جيشاً ويكون هو قائده ودخل في الحال في عدة حروب وظل عشر سنين بعيداً عن رومية (ولم يدم حكمه أكثر من خمس سنين إلى سنة ٥٣ ولكنه جدده دفعة ثانية إلى سنة ٤٨ ). وكانت رومية إلى ذلك العهد لم تخضع غير جزء من البلاد التي تنزلها الشعوب الغالية بل لم يكن لها سوى ولايتين غاليتين: غاليا سيزالبين وهي مؤلفة من البلاد الواقعة بين جبال البنين والألب (وهي اليوم إيطاليا الشمالة) والبروفانسيا وهي عباورة عن شواطئ البحر المتوسط وبلاد الرون من جبال الألب إلى جبال البيرنيه. وكانت هذه البلاد مع إقليم إيبيريا (الجبال الواقعة في شرقي الإدرياتيك) هي الثلاث ولايات التي تولاها قيصر. أما باقي بلاد فرنسا الحالية التي دعاها الرومانيون غاليا فكانت مستقلة بعد يسكنها ثلاث عناصر من الناس، أحدهم الغاليون وهم يشغلون القسم الأعظم من البلاد أي جميع فرنسا الواقعة بين نهر الغارون ونهر السين ويصفهم اليونان والرومان بأن هؤلاء السكان من الرجال العظام بيض البشرة شقر الشعور زرق العيون طوال السبلات يأكلون اللحوم ويسكرون بنبي السرفواز (ضرب من الجعة) أو بشراب الأيدرومل وهم أشد شبهاً بالجرمانيين منهم بالفرنسيس اليوم. وكان السواد الأعظم من هذه الأمة يعيش شقياً في الأكواخ لا شأن لهم في إدارة شؤون بلادهم يخضعون لكبار أرباب الأملاك الذين يقاتلون راكبين صهوات خيولهم ويدعوهم قيصر بلافرسان ويذكرهم كما يذكر محاربين شجعاناً للغاية ولا يبعد أن يكون هؤلاء الفرسان الغاليون شبيهين بالجرمانيين هم من الفاتحين نزلوا وسط شعب أصغر منهم أجساماً أشقر أصهب يشبه الشعب النازل اليوم في البلاد الغربية أي فرنسا وإيرلاندا وبلاد الغال. والقسم الثاني من تلك العناصر الثلاثة هم البلجيكيين نزلوا البلاد الواقعة في شمالي السين إلى نهر الرين وهم يشبهون كما كان يقول الرومان الجرمانيين النازلين في الشاطئ الآخر من نهر الرين والظاهر أنهم كانوا أقل اختلاطاً بالشعب القديم من الغاليين وأحسن الفرسان فيهم كانوا يقاتلون راكبين. والقسم الثالث من تلك العناصر هم الآكيتيون نزلوا في جنوبي نهر الغارون وهم ضئال الأجسام شجعان يشبهون الإيبريين في إسبانيا ويتكلمون بلغة إيبرية ويعتبرون سائر شعوب غاليا كأنهم غرباء وهؤلاء خضعوا لقيصر أول الأمر. وبعد فلم يكن الغاليون والبلجيكيون والآكتيون أمماً معدودة بل لم يكن ثمة غير شعوب صغيرة يسمو إلى قدرها على نحو ثلاث أو أربع من مقاطعاتنا اليوم وكل مقاطعة تؤلف حكومة مستقلة ودعاها قيصر سيفيتا أي التي يحكمها كما يشاء وتحارب غيرها. وكان لبعض تلك الحكومات ملك ويحكم معظمها مجلس من الأشراف (الفرسان) وكان للكهنة عند الغاليين سلطة كبرى. لم تبرح تلك الشعوب على حالة من التوحش بعد تعيش بما تنتجه لها ماشيتها وما مدنها إلا أسوار صغيرة محصنة يجعلون فيها مواشيهم وعيالهم إبان الحرب ولئن كان معظم البلاد غابات وحراجاً فقد بدؤا يزرعون حنطة ليتيسر أن تطعم جيشاً رومانياً بأسره. جاء قيصر ينوي فتح غاليا في جيش اختاره من سكان الولايتين الغاليتين والخاضعتين لرومية خاصة وكان مؤلفاً بحسب العادة الرومانية من مشاة منظمين كتائب وعليهم أسلحتهم وهم مدربون أكثر من جيوش الشعب الغالي ولقد عني قيصر بذكر خبر الفتح في مفكراته فأوهم القارئ بأن الغاليين ساقوا عليه جيوشاً أكثر عدداً من جيشه ومن المحتمل بأنه لم يقل الحقيقة إذ لم يكن في استطاعة غاليا أن تطعم غير عدد قليل من الناس ومعظم سكانها ليسوا محاربين. غارة الهيلفتيين والسويفيين: عندما وصل قيصر إلى بلاد الغال كان الإيدوانيون النازلون في جبال مورفان أشد شعوب أواسط غاليا بأساً وعاصمتهم بيبراكت بالقرب من أوتون وبلادهم واقعة بين نهر السون واللوار. ومن أشداء البأس الأرفرنيون النازلون في البلاد الجبلية التي أطلق عليها اسم (أوفرنيا) وكانوا حاكمين على الأمم النازلة في البلاد الصخرية الوسطى. فحارب الإيدوانيون السكانيين النازلين في جبال جورا لاختلاف طرأ بينهم على الملاحة في نهو سون فاستدعى السكيانيون من ألمانيا زعيماً سويفياً وهو الملك أريوفيست فأتى بعصابة من خيرة المحاربين مؤلفة من العامة خاصة وهم السويفيون. وبعد أن تغلب الأيدوانيين طلب الملك أيوفيست إلى السيكانيين جزءاً من أرضهم لينزل فيها جيشه. وكان السكيانيون صالحوا الإيدوانيين لقتال أريوفيست الذين نزلوا عليهم وعندما استنجد الإيدوانيون برومية ولما قاد قيصر جيشه إلى بلاد سون تقدم على أنه حليف شعب غالي لمقاومة غارة جرمانية وفي غضون ذلك أخذ الهيلفتيون وهم شعب غالي يسكن سويسرا بالهجرة من بلادهم فانقلبوا منها يحملون أسراتهم ومواشيهم وأمتعتهم محمولة على مركبات قائلين أنهم يريدون مهاجمة بلاد الغال ليستوطنوا شواطيء المحيط. وربما كان ذلك حيلة منهم ليذهبوا لنصرة الأيدوانيين على أريوفيست وتقدموا إلى قيصر أن يسمح لهم باجتياز تلك الولاية الرومانية فأبى عليهم ذلك فلم يبق أمام الهيلفتيين إلا أن يقطعوا وادي سون فداهمهم قيصر بالقرب من نهر سون وحمل أولاً على ساقة جيشهم ثم هاجم مجموعهم فذبح منهم جزءاً عظيماً واضطر من أفلتوا من القتل إلى الرجوع إلى بلادهم ثم ارتد على أعقابه لقتال أريوفيست وأسرع حتى بلغ في جيشه إلى فيرونوسيو (بزانسون) وحاذر جنده من هول هذه الحرب وهم في بلاد جبلية مغشاة بالغابات يهاجمون برابرة أشداء على أهبة تامة فجمع قيصر قواد المئة من جنده (يوزباشية) وقال لهم على ن يوجسون خيفة أن يسافروا مع الفرقة العاشرة فأجابه قواد المئة بأنهم يتبعونه حيثما ذهب. وقطع الجيش الروماني مجاز جبال الفوسج ونزل إلى سهل الإلزاس وجاء يعسكر أمام العدو. وألف أريوفيست معسكره من مركباته وتحصن وراءها وكان قيصر يمرن جيشه في السهل ويعبيه للقتال ثم صحت عزيمة أريوفيست على الخروج من المعسكر فداهم الجيش الروماني في فرسانه فجرح وفر جنده فطارده العدو حتى نهر الرين. وكان المهاجمون الجرمان يطردون إلى خارج غاليا ولكن قيصر لم يأت مع جيشه إلى ولايته بل رابط معه ي وادي سون حيث قضى الشتاء وقد أخذ يعامل بلاد غاليا كالبلاد المغلوبة فاضطرت الشعوب الغالية أن تحالف رومية. فتح شمال غاليا: أبى البلجيكيون النازلون بين نهري السين والرين وهم أشجع شعوب غاليا كافة أن يدخلوا في محالفة رومية فتعاهدوا بينهم وتحالفوا وجمعوا جميع المحاربين من أبنائهم في بلاد لاون. فجاء قيصر في الربيع في ثماني فرق من الجند وعقد محالفة مع أحد هذه الشعوب وهم الريمسيون ونزل في معسكر حصين على رابية يفصلها عن معسكر البلجيكيين واد ذو بطائح وظل الجيشان زمناً أحدهما قبالة الآخر وإذ كان الجيش الروماني منظماً كانت تأتيه النجدات من الطعام تباعاً أما البلجيكيون فشق عليهم أن يتغذوا في تلك الأدغال والحراج فأنفذ قيصر الإيدوانيين أحلافه يخربون بلاد الييلوفاكيين أهم تلك الشعوب المتحالفة ولما بلغ البلجيك ذلك انفضت جموعهم ليذهبوا للدفاع عن بلادهم فتخلص قيصر من جيش العدو بدون قتال وراح يطوف بلاد البلجيكيين ويهاجم مدنهم الواحدة بعد الأخرى مكرهاً كل أمة أن تكون حليفة لرومية وأن تعطيها على سبيل الرهن رجالاً من الأسر النبيلة في بلادها. وقد داهم النيرفيون (أهل بلاد السامبر) أحد هذه الشعوب الجيش الروماني في غابة على شاطيء نهر السامبربينا وكان يبني معسكره وهزم الفرسان الغاليين أحلاف الرومان وعساكر الرجالة الخفيفة إلا أن الكتائب حمت المؤخرة وحالت دون الهزيمة فأخذ قيصر يحارب النيرفيين حرباً يريد بها إبادتهم عن آخرهم. ولما أخضع الجيش الروماني الشعوب البلجيكية قضى الشتاء في وسط بلاد غاليا على شاطيء اللوار. فتح الغرب: قبلت الشعوب النازلة على ضفاف البحر المحيط أن تحالف رومية وتقدم لها رهائن وما جاء الشتاء حتى تحالفوا بينهم وأبوا أن يرسلوا حنطة لإطعام الجيش الروماني وأسروا عندهم مندوبي الرومان الذين جاؤوهم في طلب ذلك ليكرهوا قيصر على أن يعيد إليهم من استبقاهم عنده من رجالهم رهينة. وكان للفنتيين (سكان فان) وهم من الشعوب الخطير في ذاك الحلف سفن حربية صنعوها من شجر البلوط وجعلت بحيث تسير على إرادة ربانها ولها مقدم مرتفع يقاوم الأمواج وطبقات سفلى منبسطة تستطيع أن تبحر على قيعان الشاطيء وفي البحار الصغيرة فأنشأ قيصر سفناً ذات قلوع في مصب نهر اللوار هاجم بها أسطول الفنتيين. وصعب عليه أن يحطمه لأن سفنه لم يكن لها من العلو ما يكفي للوصول إلى ساماة تلك السفن الفنتيية وكانت مراكبه داخلة في الماء كثيراً بحيث لا يتسنى لها أن تطارد مراكب عدوه في وسط الصخور والقيعان وبعد اللتيا والتي صنع الرومان مناجل ذات مقابض وعصي طويلة قطعوا بها الحبال التي كانت تمسك قلوع سفن الفنتيين فلما سقطت القلوع من هذه السفن. ولم يكن عندها مجاديف تقذف بها وقفت لا تبدي حراكاً فداهمها الجيش الروماني وأخذها عنوة فطلب الفنتيون الصلح إلا أن قيصر أمر بأشرافهم فضربت أعناقهم وباع سائر الشعب بيع العبيد. وفي تلك السفن أيضاً كان اقتطع قيصر فرقة صغيرة من جيشه لتخضع لسلطان رومية جميع الشعوب النازلة في الإقليم المعروف اليوم بإقليم نورمانديا وهناك فرقة أخرى له تحارب شعوب الأكتيين في جنوب نهر الغارون وعلى هذا فقد أخضع قيصر في ثلاث حملات ( ٥٨ ـ ٥٦ ) عامة بلاد غاليا واغتنم فرصة الشتاء للعودة إلى ولايته في إيطاليا المعروفة بسيزالبين. وفي العام التالي ( ٥٦ ) ضرب موعداً للقائدين الآخرين اللذين كانا يقاسمانه الحكم وهما بومبي وكراسوس فاجتمع ثلاثتهم على تخوم ولايته في ولاية لوكس وقرروا تجديد حكومتهم لخمس سنين أخرى. حملات إلى خارج غاليا: حارب قيصر خارج ولاية غاليا دلالة على سطوته وإشغالاً لجيشه وكان شعبان جرمانيان اجتازا نهر الرين وهاجما بلاد البلجيك فسار قيصر في جيشه وفرسان شعوب غاليا على نهر الرين بالقرب من ملتقى نهر الموز وهاجم الجرمان وذبحهم مع نسائهم وأولادهم ثم بنى على الرين جسراً من جذوع الأشجار وذهب لتخريب الشاطيء الأيمن. ولما عاد إلى غاليا ركب البحر مع فرقتين ( ٥٥ ) واجتاز بحر المانش ونزل إلى بريطانيا (إنكلترا) ولما أنشأ في السنة التالية سفناً متسعة قليلاً لنقل الأثقال والخيول عاد إلى بريطانيا في جيش كبير واجتاز الغابات التي دافع عنها المحاربون البريطانيون حتى بلغ نهر التيمس ( ٥٤ ). قيام الغاليين: كان الأشراف في معظم الشعوب الغالية من أشياع رومية يقاتلون في الجيش الروماني على أنهم رديءٌ من الفرسان ويعاشرون الضباط الرومانيين وكان بعضهم من اصحاب قيصر إلا أن السواد الأعظم من تلك الأمم كانوا يتبرمون بأولئك الجنود الغرباء الذين يسيرون سير السادة فانشق بعض الزعماء من حزب الأشراف واتفقوا بينهم سراً على تهييج الشعب. وكان قيصر قد وزع جيشه على شعوب كثيرة لقضاء فصل الشتاء وذلك لأن القمح كان نادراً في تلك السنة فقرر زعماء الغاليين أن يغتنموا هذه الفرصة لمهاجمة الفرق المنعزلة وقطع مواصلاتهم فانتظروا ريثما يبتعد قيصر إلى ولاية سيزالبين حيث ذهب لقضاء الشتاء. إلا أن شعب الكارلوت (شارتر) أبدى نواجذ العصيان قبل أن يتم ما دبروه مستشيطاً غضباً من ملكه الذي نصبه قيصر وحاكمه فحكم عليه بالإعدام وقتل. فبلغ قيصر هذا النبأ فاستعد للحرب ولما أزمعت الفرقة الرابطة في بلاد السامبر الخروج من معسكرها داهمها الأيبورون وذبحوها. ورأت فرقة رومانية أخرى أن تبقى في معسكرها فأحاط بها الغاليون فأسرع قيصر وتمكن من إنقاذها وعند ذلك استراحت الجنود الرمانية إلى آخر الشتاء. ولما طلع الربيع أبى عدة شعوب غالية من الشمال أن يبعثوا وفودهم إلى قيصر فجمع جيشه برمته وسحقهم واحداً بعد واحد فانتقم من الأيبوريون بتخريب زروعهم وحرق قراهم وبح السكان وطارد المنهزمين إلى غابات آردن وما جاء الخريف إلا وقد خضعت غاليا الشمالية بأسرها. الفارس فرسنجتوريكس: أجمع شعوب أواسط البلاد في خلال الشتاء أمرهم بينهم على العصيان ثانية وبدأ الكارنتيون أولاً فداهموا مدينة سنابوم على نهر اللوار فقتلوا فيها تجار الطليان كافة. وفي هذه المرة تسلح عامة الشعوب النازلين بين نهر السين والغارون لقتال الرومان وبقي الأكتيون على الحياد. وبدأت الشعوب المحالفة لرومية تنزع السلطة من يد الأشراف أشياع قيصر وأقاموا زعماء جدداً ودخل هؤلاء في التحالف الغالي. وكان زعيم الثورة شاباً من أسراف أرفرنا اسمه فرسنجتوريكس وهو فارس يحسن الفروسية خدم في الجيش الروماني وكان صديق قيصر وأحدث ثورة في بلاده أولاً وما هاج سكان القرى حتى نزع السلطة من أيدي الأشراف وأصبح ملكاً على أرفرنا ثم بعث برسل إلى الشعوب الأخرى وجمع جيشاً وجعل من نظامه أن يحرق الخائنين ويصلم آذان الآبقين ويسمل عيونهم، فداهم الغاليون الرومانيين في آن واحد في الجنوب من ولاية بروفنسيا (من إقليم لانكدوك) وفي الشمال من البلاد الواقعة بين هري السين والسون حيث كانت ترابط الفرق الرومانية، واضطر قيصر أن يجتاز جبال سيفين وهي مكللة بالثلوج وأكره فرسنجتوريكس من رجاله أن يعود للدفاع عن بلاده فاتسع الوقت لقيصر أن يجمع جيشه بالقرب من سانس ويذهب فيه إلى إقليم اللوار فخرب فرسنجتوريكس جميع البلاد وجعل المدن قاعاً صفصفاً لتكون قفراً لا يجد فيها العدو سيئاً يطعمه بيد أن البيتوريجيين لم يقبلوا بتخريب مدينتهم أفاريكوم ودافعوا قيصر عنها زمناً. بعث قيصر في الربيع ( ٥٢ ) فيلقاً لمباغتة شعوب السين وذهب بنفسه في معظم جيشه للهجوم على جركوفيا قلعة الأرفرنيين فرد على أعقابه وحرج موقفه إذ لم يكن لديه طعام (لخراب مخازن ذخائره في نرفر) وهو محصور بين شعورب الأرفرنيين والأيدوانيين الذين ذبحوا التجار الطليان ومع ذلك أصر على عدم إخلاء غالياً وتمكن من الوصول إلى سانس. وفي خلال ذلك عين المجلس المؤلف من مندوبي جميع الشعوب الغالية الزعيم فرسنجتوريكس قائداً عاماً على الجيوش الغالية. فاستدعى قيصر من جرمانيا فرساناً أخذهم لحساب رومية وقاد جيشه من ناحية سون ولعله فعل ذلك ليتمكن من مراسلة بروفنسيا فتبعه فرسنجتوريكس في جيشه وحاول أن يقطع عنه مواد الطعام ورمى الجيش الروماني وهو في مسيره بفرسانه الغاليين فهزمهم فرسان الجيش الغالي ورجع فرسنجتوريكس على أعقابه إلى مدينة أليزيا الحصينة في بلاد الآكام بين نهر السون ومصب نهر السين فتبعه قيصر وحاصره فيها جاعلاً حول أليزيا سوراً تعلوه دائرة مجنحة ذات أبراج يحميها بخندق. وصل جيش من الغاليين لرفع الحصار عن جيش فرسنجتوريكس وداهم الرومانيين ولكن حال دون الوصول إليه ذاك السور الذي أقامه قيصر من ناحية الخلاء. وبعد اشتباك القتال بين الجيشين رد الجيش الغالي على أعقابه وتفرق شذر مذر فلم يبق عند الجيش المحاصر في أليزيا شيء من الزاد فسلم فرسنجتوريكس ( ٥٢ ) فبعث به قيصر إلى رومية حيث قضى ست سنين سجيناً ثم شهد حفلة انتصار قيصر وضرب عنقه. وهكذا انتهى العصيان العام. وقضى قيصر سنة أخرى في إخضاع الشعوب التي كانت تقاوم واحداً بعد الآخر فأبادها. وكان يفاخر بأنه ذبح في ثماني سنين مليوناً من السكان وأنه أسر منهم مليوناً آخر باعه بيع العبيد وقضى سنة أخرى لتنظيم شؤون حكومة غاليا وبعد ذلك صفا الجو لرومية بهلاك أعدائها. وقد وسد قيصر الحكم إلى الأشراف أشياع الرومان وألف فرقة من الغاليين لقبوها بالسنونو وكان جيشه المدرب يحبه فحدثته نفسه أن يستخدمه في الاستيلاء على المملكة الرومانية بأشرها فخضعت غاليا لرومية مباشرة وتقسمت ولايات ولكن تنظيمها لم يتم إلا على عهد أغسطس. جيران الفراعنة بقية ما في الجزء السالف تقدم أن اكتشافات المستر ونكلر في بوغاز كوي كانت ذات شأن سام لعلاقتها بالتاريخ القديم لشعوب البحر المتوسط وها نحن أولاء نشرح نظريتنا من هذه الوجهة المهمة ونبينها على قدر الطاقة. لما كان من المسلم أن عاصمة مملكة الهيتيين ليست كما ظن حتى الآن جرابيس في شمال الفرات الأوسط بل هي بوغاز كوي من أعمال كابادوسيا لم يبق صعوبة في أن نقول بأن ملك الهيتيين امتد سلطانه إلى ليديا. وهذا التغلب على الساحل الآسياوي من بحر إيجي ظاهر في نفسه لا يحتاج إلى شرح بعد أن عرف بأن كابادوسيا كانت متاخمة لإقليم ميونيا أو تكاد. وإذ ضاق ذرع الهيتيين من اتصال اعتداء الفراعنة على أملاكهم الجنوبية أجمعوا أمرهم بينهم على إشهار الحرب على مصر وطرد الفراعنة منها وإذ لم يتأت كتم استعدادهم للغارة في وسط بلادهم فقد أصبح هجومهم على الفراعنة بحراً ضربة لازب ليحولوا دون اعتداء الفينيقين وهم تابعون لمصر لئلا يكونوا السبب في إخفاقهم في غزوتهم. فبدلاً من أن يستخدموا ثغر تارس مرفأهم الحربي العظيم لإرسال أسطول ضخم اختاروا ثغر أزمير وهي تقع في وسط خليج مشيعين بأنهم رأوا من الضرورة أن يهاجروا لأن السكان نمو كثيراً فضاقت بهم البلاد. ولئن لم يكتب لثغر تارس أن يجتمع المحاربون فيه فإن بحارته وربابنته وفيهم وحدهم كالهيبينيين الثقة التامة تولوا أمرة الأساطيل وإبحارها. ومن هنا جاء اسم تورسها الذي أطلقوه على غارتهم على مصر. ولا شك أنهم بعد انكسارهم قصدوا إيطاليا لاستيطانها مع بقائهم مرتبطين ارتباطاً محكماً ببلادهم الأصلية وذلك لأن دخول السادرسيين والسيكوليين بعد قرن في اتحاد شعوب البحر يحمل على هذا الظن. وليس التناسب الظاهر بين رواية هيرودتس وآثار الكرنك المزبورة هو من فعل الاتفاق. فقد قال هيرودتس أن عهد أتيس أو الأتيين قد تقدم عهد أرغون مؤسسة الدولة الهيراكلية وفي ذلك مجال إلى القول بأن استيلاء الهيبتيين سبق استيلاء الآشوريين على آسيا الصغرة وأهم نقطة جوهرية في رواية هيرودتس المؤرخ اليوناني هي الصفات المميزة للعمل الذي قام به تورسنوس في توليه زعامة الأسطةل الذي أقلع من أزمير فقد ورد في نصوص الآثار المصرية أن التورسهانيين كانوا عقدوا العزم على أخذ أساطيل شعوب البحر المتجمعة تحت حمايتهم. وهنا ننتقل إلى الكلام على شعب آخر جعله بانتاور في شعره في مصاف الهيتيين على عهد رعمسيس الثاني. وهذا الشعب هو الدرداني الذي تنسب إليه كتابات الكرنك التقدم على جيرانه لأنه قبض على قياد الجيوش للالتحاق بملكهم الخاضعين له في سورية. والظاهر أن هؤلاء الدردانيين الذين ورد ذكرهم في شعر هوميروس وجاء في تقليد صحيح منذ القدم بأنهم سكنوا شاطيء الدردنيل وأنهم كانوا من أصل تراسي. ولا نكتم ما يخالج ضميرنا من التردد إذا أردنا أن نحيد عن هذه الوجهة عن تأثيرات التقاليد ولا سيما إذا جاءت متوافقة متناصرة. ومع ذلك فإن اعتقادنا بعدم قبول مثل هذا الأصل راسخ ولكن لا نستنكف من جعله قيد النظر والبحث على ضعف فيه. وبعد فيظهر لنا أن دخول التراسيين أو الفرغانيين في أصل جميع الشعوب الصغيرة التي كانت تسكن إذ ذاك الشاطيء الآسياوي من بروبوتيد ناشيء كما قلناه من رغبة الآسياويين بالاتصال باليونان عندما أتوا لاستعمار هذا الجزء من آسيا الصغرى بعد حرب تروادة بمئة وأربعين سنة ومن هنا دخل في علم أصول سكان هذه البلاد وامتزاجهم تقليد أصبح له مع الزمن صبغة تاريخية وإن تطرق الشك إليه كثيراً. نحن نرى أن الدردانيين ليسو تراسيين ولا كربتيين بيلاسجيين بل كانوا إيرانيين ودليلنا على ذلك ما رواه هيرودتس. وفي الحقيقة أن هذا المؤورخ لا يعرف إلا اسم مدينة واحدة باسم الدرداني كانت في عهده على الشاطيء الآسياوي من الدردنيل أما الدردانيون الصرف فقد ذكر أنهم في أودية جبال ماتينيالتي يجري فيها نهر جينديس الذي يصب في دجلة الوسطى وهو أهم مصب له. ويسوقنا هذا الموطن الأصلي للدردانيين إلى الجزم إلى الجزم بأنهم فرع من العنصر البروتو الأرمني. ويقول ماسبر أن الماتيين الذين ورد ذكرهم في الكتابات الأكادية أو الماتيين الذين ذكرهم هيرودوتس كانوا أنسباء الدردانيين سكنوا أولاً في جنوبي بحيرة أورومية بين أرمينية قديماً وميديا فحدا الميل إلى اقتحام المخاطر بالماتيين وجيرانهم إلى مغادرة جبالهم وأوديتهم منذ القدم وأن يضربوا في شواطئ قزل إيرمق حيث استوطنوا منذ ألفي سنة قبل المسيح. وإن ما يدعونا إلى أن نرتئي بأن تاريخ ذلك قديم هو أنه ورد في الكتابة التي ذكرت فيها نصرة توتيمس الثالث أحد الفراعنة فإنه بعد أن نكل بقبرص والآز أرعد أرض ماتانافي مرافئها وأنحائها كما ورد في تلك الآثار. إذاً فأي معنى للفظ ماتاناإن لم يكن الماتانيون من الذين ذكرهم هيرودتس. إذا صح هذا فيكون الماتيون منذ الزمن الأطول قد اجتازو نهر قزل إيرمق وضربوا إلى البحر المتوسط وذلك قبل أن ينشأ التراسيون حتى في أوروبا. وربما جاء من هناك خلط قدماء المؤلفين في دعواهم بوجود قرابة بين الفرغانيين والأرمن وهي قرابة ينفيها مؤرخ الأرمن موسى بن خورين لأنه يرى أن أصل الأرمن من تيراس لا من كومر. ومن المحتمل كثيراً أن تشابه النطق بتراس وتيراس قد أوقع في الخلط بهذا التفسير وبحسب العلم الحاضر تكون تيراس في إقليم طوروس لا في تراسيا. ولقد أقمنا زمناً في أزمير كانت لنا في خلالها خلاصات دائمة مع الآباء الميخيتاريستين ولذلك ألفنا اللغة الأرمنية فلم نتبين في هذه اللغة تناسباً لغوياً بين اللسان الفرغاني الذي كتبت به المكتوبات الآسياوية واللغة الأرمنية. وإذا كان ثمة بعض الألفاظ سرت فمنشأوه من وحدة البلاد التي سكنوها بعد عهد نزول التراسيين إلى آسيا الصغرى بزمن طويل بيد أن المصانع الأرمنية كثيرة في أيامنا هذه في هذا الجزء من قارة آسيا وقد قيل أيضاً أن اللغة الأرمنية المدرسية الحديثة قد نشأت في القرن الخامس للميلاد وبذلك كان من المتعذر معرفة أي لغة يتكلم بها البوروتو الأرمن. وهناك خطأ آخر وهو أن اللغة الأرمنية ليست وحدها معروفة في القرن الخامس ب. م بل أن حروف هجائها واللغة الأرمنية متشابهة الأصوات بحيث يعسر أن تكتب بحروف أوروبية ولذلك واقتضى لها إيجاد حروف خاصة للاستعمال. ومن المحقق أنه لا توجد كتابة صخرية يرد عهدها إلى العهد البورتو الأرمني وجميع الكتابات التي وجدت في مدينة وإن قد رسمت بالخط المسند ولما أراد مسروب في القرن الخامس أن يؤلف لأمته آداباً وطنية لم يجد المواد لتأليفها من أصولا حروف الهجاء الأوروبية كلغة الروم وآسيا الصغرى وإيطاليا بل وجد الأصول لتأليفها في فرع اللغة الآرامية مثل البهلوية والزندية والكرجية وإذ كانت هذه اللغات أيضاً غير كافية للتعبير عن الأصوات الأرمنية اضطر أن يزيد سبعة حروف صوتية وسبعة حروف ساكنة ليمثل بها الأصوات التي لا توجد في حروف الهجاء المعروفة من أصل آرامي وبذلك تبينت أن لا علاقة للغة الأرمنية مع اللغة الفرغانية لأن هذه لغة لم يكن لها غير تسعة عشر حرفاً وكانت غير كافية للإعراب عما فيها. بقي علينا الآن أن نشرح الداعي إلى الاستعمار الإيراني لتروادة وعلاقة هذه مع الدولة التي حكمت في أليون وهي علاقة كانت السبب في تقدم ذاك الاستعمار على غيره من المستعمرات الكريتية البيلاسجية في هذا الجزء من آسيا الصغرى. وليس غير الاستدلال نعمد إليه في بحثنا في هذا الماضي الذي لا تاريخ له ولا ندعي بأننا نضع نظرية لعرضها كأنها حقيقة أساسية لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها. ويتيسر لنا الحكم على ذاك الماضي بما تدل عليه بقايا ما عثر عليه من الكتابات التي ورد فيها خبر الانتصارات في الكرنك وفي النصوص اليونانية والظاهر أن أهل الطبقة الحاكمة من الهيتيين كانت لا تنظر إلى تطبيق المبادئ السياسية بالحرف بل تتوخى تطبيقها مع الأحوال والزمن ولذا كان يسكن جزءاً من بلادهم شعب ضعيف كان في إخلاصه له نظر فأدى ذلك إلى خلع ربقة دولتهم الحاكمة وتسليم مقاليد الحكومة إلى دولة أخرى يتيسر الاعتماد على إخلاصها أكثر. ومن صعب مراسهم من الشعوب يطردونهم من بلادهم وهذه السياسة تشرح كيف تنقل الشعوب في بلاد الهيتيين من ناحية إلى أخرى من أنحاء مملكتهم. وبهذه الحجة دخل اللوكوسيريون إلى كابادوسيا لمعاضدة الدولة الهيتية الحاكمة التي هي من جنسهم ودخل الميونيون الذين ردهم الهيتيون على أعقابهم واستعاضوا عنهم بالعنصر السامي اللودي ومثلهم التركريانيون الذين طردوهم للاستعاضة عنهم بادردانيين للمحافظة على ممر الدردانيل ومنع أساطيل الأعداء والمزاحمين من الدخول في البحر الأسود وهو مركز تجارة كبرى لمنافسة الفينيقفيين. كل ذلك يحمل على الظن بأن قبيلة أولية اجتازت خليج الدردنيل على عهد الملك توسر لأن المؤرخ هيرودتس يؤكد أنه رأى في كولشوس مستعمرة مصرية حبشية كانت هناك منذ الزمن الأطول. وإذا توسعنا في البحث في أصول الشعوب التي تبعث الجيش الهيتي إلى سورية مكن طريق البر نجد ثمة جماعات أخرى وإن كان قدومها آخر الآمر من كريت فليست على ما يظهر كالفيلستيين من أصل ليبي مصري. وهؤلاء الجماعات هم الكاريون والليسيون والكوكونيون الذين يظهر أن بينهم قرابة ونسباً. قال هيرودتس فيهم أن الكاريين والكوكونيين والليسيين غادروا الجزائر ليستوطنوا القارة الآسيوية وكانوا في القديم رعايا مينوس (ملك كريت) ولم يكونوا يدفعون خراجاً ولهم في ميلاسا معبد قديم للمشتري الكاري وهو بينهم مشترك لما بينهم من القرابة ولذلك كانوا مستأثرين بهذا المعبد وحدهم دون جيرانهم الذين ليسو وإياهم من أصل واحد. وكانت لهم عادة قلما توجد عند غيرهم من الناس وهو أنهم يدعون الأبناء إلى أمهاتهم لا إلى آبائهم وإذا سئل أحدهم عن نسبه ذكر والدته وسلسلة نسبها. وعندهم إذا تزوجت امرأة وطنية بعبد يجيء أولادها أحراراً أشرافاً وأما إذا تزوج وطني ولو كان سيد قومه من امرأة أجنبية أو من سبية فأولاده ساقطون لا شرف لهم وليسو أحراراً. وقد ألف البارون دي كستين كتاباً مستوفى في الكاريين قديماً فبحث في أصل حكم المرأة في الأسرة وفي تأثيرها في المجتمع المدني ونفوذها في المملكة وأثبت بأن هذه العادة كانت مستحكمة عند الأمم الليبية القديمة وعند قسم عظيم من شعوب آسيا الصغرى وقد جمع بين هاته الشعوب ليرجعها إلى أصل واحد هو في رأيه الجنس الأسمر النازل في أوساط آسيا المعرف باسم العنصر الطوشي. وقد كانت عبادة الكوشيين عبادة أرباب البحار كما كانت عبادة الفوتيين والإيبريين ونشأت هذه العبادة عغلى شواطئ المحيط الهندي وانتشرت في عامة أنحاء الخليج الفارسي وبلاد العرب الجنوبية ومن هناك انتقلت إلى بلاد الحبشة ومنها سرت إلى أطراف موريتانيا في المحيط الأطلانطيكي وانتقل مكار وهو معبود الليبيين والإيبريين إلى اليونان مع تعديل كثير فيه وكان حيثما انتشرت عبادته تؤوي المعابد المعمورة باسمه من يمر بها من البحارة. ومن الصعب أن نصور كيف عمت عبادة مكار في البلاد ذات الأنهار والجزائر الواقعة في البحر المتوسط حتى بلغت جزائر مكار في المحيط الإطلانطيقي. فقد ترك الكاريون والماريون حيثما نزلوا بنايات متسعة صبرت على الدهر بمتانتها. فإذا سرنا من ليبيا نجتاز أولاً واحة عمون الذي سمي أولاً باسم مكارونيسواو جزيرة مكار. وقد كان في برقة نهر اسمه نهر مكار وفي خليج قابس بحيرة مكار وفي زوجيتانيا نهر آخر اسمه نهر مكار. وعلى الشاطئ الإطلانطيقي في موريتانيا (شمالي مراكش وغربي الجزائر) نهر وبحيرة باسم مكار. وقد اكتشف هانون القرطاجني في تلك الأصقاع في القرن السابع قبل المسيح نهر لوكوس وخرائب مدينة أسوارها كارية ولا تزال هذه الأسوار موجودة إلى يومنا هذا وإذا تركنا وراء ليبيا ومررنا بأوروبا نجد في مدخل الأرخبيل اليوناني جزيرة لمكار. ونعني بها جزيرة كريت وربما جاء من هنا اسم كانتور أو جزيرة سيفين الكبرى على ما قال ذلك إيبرس الأثري الألماني وإذا تقد إلى الأمام نجد نهراً لمكار في إقليم تساليا وآخر في بيوسيا وثالثاً في بروبوتيدا. ويؤخذ من قول هوميروس أن لسبوس (جزيرة مدللي) كانت مقراً لمكار. ولا يقف إنشاء عبادجة مكار وراء تخوم بلاد اليونان بل كانت شائعة في إقليم أومبريا بإيطاليا وساردينيا وإبيريا (الأندلس) ولا شك أن أسواء جزيرة تارتاسوس لم يستطع أهل صيدا أن يدكوها إلا باختراع المنجنيق وما تعاصت عليهم إلا لأنها بنيت معبداً لمكار. وإذا سألت عن مكار هذا الذي يكاد يكون أثراً خالدجاً في كل مكان فهو بحسب الألواح الآشورية المحفوظة في المتحف البريطاني مكار أوانو ـ كما جاء في أحدها ـ سيد المياه ورب الأنهار وسلطان البحار وزعيم الأعماق وربها وحاكمها. وفي الأساطير البابلية أنه أحد الأرباب التي بدت في صورة أسماك يحرس منازله الرجال الذين خلقوا على هيئة أسماك ويتصل نسب مكار كما في الأساطير الهندية بفرع الكوشيين. وإذا عرفت هذا فلا يسوغ لك أن تخلط بين مكار بعد ما ذكرت لك من وصفه وبين بوسيدون وهو رب ليبي صرف رآه اليونان في جميع الحار واتخذوه وصبغوه بصبغتهم. وكان على الشاعر هوميروس أن يعرف تلك الأرباب القديمة التي كان تعبد في ليبيا لأنه كثيراً ما يذكر في الأوديسية اسم الحبشان الآسياويين والحبشان الأفريقيين. ولغة الكاريين هي لغة البربر وهي لغة أحد الفروع القديمة للجنس البشري كان يطلق عليهم جيرانهم في آسيا وإفريقية بارباروئي. وهذا الاسم القديم (البربري) لم يطلقه على عمومه إلا اليونان واللاتين أما هوميروس فإنه يعني ببربر ذاك الفرع الليبي من الناس المعروف باسم بربر حتى اليوم. وبين بارباروئي كما أطلقه هوميروس بعض ألفاظ تقرب كل القرب من اللغات السامية حتى لقد قال أحد العلماء أنه إذا كان النحو اليوناين يدل على تراكيب تشبه النحو السنسكريتي واللاتيني والسلافي فإن معجمه وإن حوى مفردات كثيرة جداً ولاسيما في المصادر الصوتية وهي آرية بالطبع قد أطلعنا على قليل من المعاني الغريبة عن جميع اللغات الهندية الأوروبية والألفاظ السامية. وليست هذه التعابير مقصورة على الألفاظ الدالة على حيوانات ومعادن ونباتات بل أن منها ما يدل على المبادئ الضرورية للحياة المدنية والسياسية وفيها خالف اليونان وحدهم إجماع الأمم الأوروبية. أهـ وقد تبين أن بين خط ميونيا وخط ليبيا القديم تناسباً وأن هذا الخط ليس له علاقة بالحروف الهيتية أو الحروف الفرغانية في آسيا الصغرى بل هو مشتق من الخط الهندي الحميري. والظاهر على ما قاله نورمان أن الخط الهندي الحميري جاء في الأصل من جنوبي بلاد العرب ومن هناك انتقل إلى أفريقية ـ حيث كان الخط الحبشي والليبي فرعاً خاصاً برأسه ـ مع الخط الحميري أو هجاء سكان اليمن القدماء. وهذا التعريف الذي عرفه لنورمان من تعيينه سير هذه الحروف الهجائية هو مثل تعريف البارون دي كوستين للخط الكوشي في تنقله إلى أن بلغ البحر المتوسط فساغ لنا من ثم أن نقول أن اللغة الحميرية اشتقت منها الغسانية والغزية والليبية والكريتية والإمحرية والتيفنغية. مطبوعات ومخطوطات العرب قبل الإسلام ألف جرجي أفندي زيدان منشيء الهلال هذا الكتاب وهو يبحث في أصل العرب وتاريخهم ودولهم وتمدنهم وآدابهم وعاداتهم من أقدم أزمانهم إلى ظهور الإسلام ويدخل هذا الجزء الأول تاريخ دول العمالقة في بابل ومصر وفي بطرا وتدمر وغيرهما وتاريخ العرب القحطانية في اليمن ودولها المعينية والسبأية والحميرية وتمدنهم في مآرب وظفار وحضرموت وفيه أخبار عرب الشمال وعدنان وما كان لهم من الدول في الحجاز ومشارف الشام والعراق وحروبهم وغير ذلك. وقد زينه ببعض الرسوم والخرائط وجعله هدية لمشتركيه عن السنة السادسة عشرة فجاء في زهاء ٢٥٠ صفحة يشهد بطول باع المؤلف وبحثه فنحث على اقتنائه. فلسفة العمر قل فينا المؤلفون الذين يؤلفون للذة والفائدة فقط وقل فينا من يحبون العلم للعلم ولا سيما من أهل السعة. وصالح بك حمدي حماد من أهل هذه العاصمة هو من الكتاب الذين وقفوا أيامهم ولياليهم على هذا الغرض الشريف نقل حتى الآن عدة كتب من اللغة الفرنسوية إلى اللغة العربية ولو كان يعمل عمله كل من تعلموا لغة أجنبية منا فينقلون لنا ما يلزمنا لغنيت لغتنا بآداب الأمم الغربية وتاريخها واجتماعها وآخر ما نشره رسالة في فلسفة العمر في أدوار الحياة الأربعة أي الطفولية والشبيبية والكهولة والشيخوخة وما في طيها بحسب الأحوال الاجتماعية الراقية من عبر وحكم أضاف إليها بعض تراجم المشاهير الوردة أسماؤهم في الكتاب وطبعه طبعاً جميلاً في ١٤١ صفحة ويطلب منه. نور اليقين في سيرة سيد المرسلين هو كتاب في السيرة النبوية لمؤلفه الشيخ محمد الخضري من أفاضل هذه العاصمة طبعه للمرة الثالثة أجمل طبع حسنين أفندي محمد صاحب مكتبة المؤيد في ٣٣٤ صفحة. وهذه السيرة على إيجازها من أنفع ما كتب في هذا الموضوع الشريف ولذلك راجت وطبعت ثالثة. عفة الأولاد عرب سليم أفندي خوري هذه الرسالة من الإنكليزية فيما يجب على الأولاد معرفته وعي في صورة مخاطبات ورسائل حوت نصائح كثيرة لطيفة وتطلب من معربها بمصر وهذا هو الجزء الأول ويليه ثلاثة أجزاء وفقه الله تعريبها ونشرها. رحلة ابن جبير من أجمل الرحلات وأنفعها رحلة ابن جبير الأندلسي من أهل القرن السابع طبعت في أوروبا مرتين وأعيد طبعها ثالثة الآن ونطلب من طابعها مصطفى أفندي فهمي الكتبي بالحلوجي بخمسة قروش أميرية وشهرة ابن جبير تغني عن التنويه بكتابه الذي طار صيته وحلت في الأسماع نغمته. الدرر السنية ألف حسين أفندي فتوح ومحمد علي أفندي عبد الرحمن هذه الرسالة باللغة العامية وما يقابلها من العربية وقد اعتمدا على لغة العامة في مصر وقابلاها بما استحسناه وعرفاه من الفصيح فجاءت في ٦٤ صفحة فنثني على همتهما ونرجو أن يتوسعا في هذا الموضوع الجليل هما وسائر المشتغلين به. الحمويات هو ديوان الشيخ محمد الحسن الحموي فيه ضروب من شعره وأكثره في المديح وقد صدره بترجمة نفسه وحلاه ببعض الرسوم وهو في زهاء مائتي صفحة صغيرة ويطلب من طابعه بمصر فله الشكر على هديته. سير العلم والاجتماع بنات أميركا أزهر تعليم البنات في الولايات المتحدة ففيها ١٧٩ مدرسة تضم وراء جدرانها ٣٠ ألف طالبة يعلمهن ٢٦٠٠ معلم ومعلمة وينسب الفضل في تأسيس معظم هذه المدارس لعقائل وأوانس من ربات الخير جدن في هذا السبيل بملايين الريالات دفع إلى ذلك بعضهن دافع علمي وبعضهن دافع إنساني أو ديني أو مدني. قال بعض الاجتماعيين ومن عيوب هذه المدارس كثرة البذخ والإنفاق فيها حتى أنك لا تجد في المتخرجات من مدرسة ولسلي منذ خمس وعشرين سنة وعددهن إثنا عشر ألفاً سوى سبعمائة تعاطين مهنة الصحافة والتدريس والباقيات عانسان ينتظرن أن يتزوجن من رجل غني. وفرة الأطباء تشكو ألمانيا الآن من كثرة أطبائها ففيها بحسب التقرير الطبي السنوي ٢١٤١٦ طبيباً وفي بروسيا وحدها ١٩ ألف وفي فرنسا ٢٠ ألفاً ومثلها في كل من إيطاليا وروسيا. وعدد الأطباء في أوروبا ١٦٢٣٣٤ طبيباً وعددهم في العالم كله ٢٣٠ ألفاً قالت المجلة التي ذوي عنها والظاهر أن هذه الصناعة في أكثر البلاد لا تقوم بنفقة صاحبها. أوقات الزواج بحسب إحصاء أخير يتزوج الشبان في ألمانيا وفرنسا نحو السنة التاسعة والعشرين وفي الدانيمرك والسويد نحو الثلاثين ويتزوج الصربيون في الرابعة والعشرين وهم أسرع أعل أوروبا للزواج الباكر. أما أهل المشرق فأسرع بكثير إلى الزواج. عناصر الولايات المتحدة في هذه الولايات ١٥ مليون غريب ومعظمهم بقيت بينهم وبين أهلهم في أوروبا صلات مستحكمة فيرسلون إليهم بما يقتصدونه من المال ليعيشوا به وقد قدروا على وجه التقريب ما يخرج من مال أمريكا إلى أوروبا كل سنة بخمسين مليون جنيه تأخذ إيطاليا القسم الأعظم من المال فيصيبها ٧٠ مليون دولار في السنة ويصيب النمسة ٦٥ ويصيب بريطانيا العظمى ٢٥ وروسيا ٢٥ وألمانيا ١٥ مع أن في أميركا مليونين من الطليان وأربعة ملايين من الألمان ولعل الطليان يطول عليهم الأمد حتى ينسوا أهلهم كما ينسى الغريب أهله وخلانه إذا طال عهده بهم في العادة أو ينسونه. المداواة بالجوع قال الأستاذ كارنجتون من علماء النفس أن عامة الأمراض يتيسر شفائها بالجوع ومن رأيه أن جميع الأسقام على اختلاف أشكالها ونشوئها متشاكلة من حيث أسبابها وعللها وما عدا بعض الأوجاع الناتجة عن جراحات فإن أسباب الأمراض هي انحباس مواد لم تفرغ في التركيب الإنساني لانسداد المصارف الطبيعية أمامها. وما المرض نفسه إلا عمل يجري في الجسم لعمل هذا الدفع وعلى هذا فإذا أزيل السبب زال المسبب. والشياء الضارة تدخل الجسم من طريق الرئة باستنشاق هواء فاسد أو من طريق المعدة بتناول أو شرب ما يضر وينتج من ذلك بأنه ليس ثمة سوى واسطة واحدة لإخراج المواد الضارة ألا وهي إسقاط الفضلات. فيقتضي ترك الرئتين والمعدة لتتخلص من تلقاء نفسها مما يعوقها أو يلقيها في خطر وليس ما نسميه مرضاً في الحقيقة سوى تنظيف طبيعي نقوم به ولا بد من فعله ومن الخطأ أن نعتقد أنه يجب مكافحة المرض بأدوية وعقاقير وغاية ما يجب علينا في تلك الحالة أن لا ندخل على الجسم مواد أخرى تزيد الكثافة فيه من حيث الهواء أو من حيث الغذاء. وليس من سبيل إلى ذلك إلا بأن يدفع المرض عن المريض بأن لا يستنشق هواءاً فاسداً وأن يمتنع عن الأكل البتة. ولم يصف الأستاذ المشار إليه طريقته للأصحاء بل وصفها للمرضى فلا يتناول المريض طعاماً أياً كان نوعه فيقل فيه ثقل الرأس الذي يصحبه ثقل المعدة ويصبح بصره حاداً وسماعه أحد وذاكرته أحد فيشعر المريض بالتدريج بأن صحته أحسن. أعمال الفلاسفة سئل بعض الفلاسفة كيف يكتبون فقال تيودور ريبو من فلاسفة فرنسا أن يجمع المواد اللازمة ثم يستخرج منها الموضوع الذي يريده ولكنه بطيء في الإنشاء فلا يكاد يكتب أكثر من ساعة في اليوم وعلى العكس لا يفتأ يعمل عقله في النزهة والسكة الحديدية. وقال الفرد فوليه الفيلسوف الفرنسوي أنه سريع الكتابة فإذا جمع معه الفكر يندفع يكتب ساعات طويلة ولكنه لا يحتمل حصر الذهن طويلاً فيسرع إلى مغادرة مقصورته ويسير في الخلاء ركضاً. ويكتب الفيلسوف هوفدنغ الألماني في أوقات متقطعة فيسهل عليه التأليف في الخريف والشتاء أكثر من الصيف والربيع وفي المدينة أكثر من الريف ولا يستطيع الفيلسوف كوميرز الألماني أن يكتب إلا إملاءً إذ يستطيل المسافة بين التفكر والكتابة. الهند الإنكليزية بلغت مساحة الهند مع عدن وجزائر أندمان ونيكوبار ٤٥٩٢٥٠٥ كيلومترات مربعة وكان عدد سكانها ١٩٠٦ ، ٢٩٤٣٦١٠٠٠ أي أن كل كيلومتر مربع ٦٤٠ ساكناً وقد كان فيها ١٨٨١ ، ١٢٩٩٤١٨٩٠ رجلاً و ١٢٣٩٥١٠١٠ امرأة فأصبح فيها سنة ١٩٠١ ، ١٤٩٩٠٢٥٩٩ رجلاً و ١٤٤٣٨٩٨٣٤ امرأة ولا يدخل في ذلك سكان عدن وجزائر أندمان ونيكو بار وهم ٦٨٦٨٣ بل تدخل فيها الممالك الوطنية وأكثر العناصر هناك العنصر الهندي وهو يبلغ ٢٠٧٣٥٠٣٧ ثم المسلمون وعددهم ٦٢٤٢٠٢٩١ والبوذويون والجنيون ١٠٨٠٨٦٥٢ والمسيحيون ٢٩١٨٧٨٦ ومن هذا العدد العظيم ١٩٥٦٦٦٨٤٥ نسمة يتعاطون الزراعة و ١٧٩٥٣٢٣٠ من طبقة العملة في الأعمال الزراعية و ٤٥٧١٩٦٤٥ يعيشون من الصناعة و ٧٧٢٥٧٣٧ من التجارة وفي الهند ٧٨ مدينة يتجاوز سكان كل منها خمسين ألفاً منها ٢٧ مدينة فيها زهاء مئة ألف وتسع مدن فيها مائتا ألف. تحسين الأذواق في أميركا مئات من أرباب النقد والأساتذة آلوا على أنفسهم أن يصرفوا أوقات فراغهم في تحسين أذواق الشعب وغرس الميل فيه إلى الفنون فيزورون خاصة المتاحف ويشرحون للزائرين من العامة ما يجهلونه ويتعرضون لحل سؤال كل من يسأل عن أمر غامض لم يفهمه فيذكرون للسائلين في بضع كلمات تاريخ الفن ويتوسعون في ذكر محاسن الأثر المعروض بحيث يفتح عيون الجاهلين. وفي المدارس ولاسيما الابتدائية منها يعرضون من المصورات وغيرها ما يربي في الأولاد ملكة الميل إلى الفنون والطرائف فيشركون غيرهم فيما تعلموه عند الحاجة. كل هذا يقوم به أهل أميركا لتكثير سواد النوابغ في الفنون الجميلة والصناعات النفيسة. تماثيل قرطاجنية ظفر الباحثون في عرض البحر على سبعة كيلومترات من قرطاجنة بعدد عظيم من التماثيل المصنوعة من القلز وهذا الاكتشاف مهم لأنه يكشف القناع عن أشياء مجهولة في الحضارة القرطاجينية. معدة غريبة قدم أحد الأطباء لمؤتمر الجراحة الألماني معدة من أعجب المعد. وهي معدة رجل مريض استخرج منها ١٦٧٠ قطعة من حديد مثل مسامير وكلابات وأسلاك وغيرها. درس السعادة قال أحد علماء الألمان في بحث له أن من أحب الاقتراب من معاهد السعادة يجب عليه أن يحسن كيف يستقي من مصادر الحياة الأربعة وهي السعادة الأخلاقية والسعادة العقلية مادة الشعور وسعادة الحواس وأن يكون حراً في باطنه أي يعرف كيف يتخلص من الأفكار والأوهام الموروثة. والتقوى والصلاح والإخلاص مصدر السعادة الحقيقية وعلى منن طالت بنفسه إلى بلوغها أن يهذب نفسه بنفسه.</passage>
<license>Distributed under a Creative Commons Attribution-ShareAlike 4.0 International (CC BY-SA 4.0) license</license>
<source>https://github.com/tillgrallert/digital-muqtabas/blob/master/xml/oclc_4770057679-i_34.TEIP5.xml retrieved via Canonical Text Service http://cts.informatik.uni-leipzig.de/muqtabas/cts/ with CTS URN urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.34.TEIP5:</source>
</reply>
</GetPassage>
