<?xml version="1.0" encoding="UTF-8"?><GetPassage xmlns="http://relaxng.org/ns/structure/1.0" xmlns:a="http://relaxng.org/ns/compatibility/annotations/1.0" xmlns:tei="http://www.tei-c.org/ns/1.0">
<request>
<requestName>GetPassage</requestName>
<requestUrn>urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.33.TEIP5:</requestUrn>
</request>
<reply>
<urn>urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.33.TEIP5:</urn>
<passage>العدد ٣٣ بتاريخ: ١ - ١٠ - ١٩٠٨ الحسبة في الإسلام وأربعة مخطوطات فيها عني المسلمون في القرون الأربعة الأولى خاصة بإقامة شعائر الدين على أصوله لتكون مدنيتهم فاضلة كما عنوا بوضع القوانين المدنية استخرجوها من روح الكتاب والسنة ليعملوا بها في معاشهم ومدنيتهم واجتماعهم. وكان يتولى ذلك في الأكثر ولاة الأمر بمعونة العلماء العاملين فإذا ما ضعفوا في بلد أو ناحية يتولى علية القوم من عامتهم ما يصدهم عن خرق سياج الشريعة وإخلال قواعد المدنية الفاضلة حتى لا يجوز قويهم على ضعيفهم ولا يجاهر أحد بمنكر ولا يعتدي على حق ولا يعمل عملاً من شأنه أن يجعل المدينة فاسقة فاجرة لئلا تهلك كما هلك القوم الفاسقون. وقد سموا هذا العمل الحسبة بالكسر وهو الأجر وهو اسم من الاحتساب أي احتساب الأجر على الله تقول فعلته حسبة واحتسب فيه احتساباً والاحتساب طلب الأجر. وقد وردت في الكتاب العزيز عدة آيات صريحة في وجوب الحسبة وورد عن الشارع الأعظم آثار كثيرة وكذلك عن السلف الصالح والعلماء والعاملين من أهل الصدر الأول. والحسبة أو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أيضاً قسمت كما قسم الأمر بالمعروف إلى ثلاثة أقسام أحدها يتعلق بحقوق الله تعالى والثاني ما يتعلق بحقوق الآدميين والثالث ما يكون مشتركاً بينهما ويمكننا أن نقسمها إلى دينية ومدنية فالديني منها بطل من بلاد الإسلام منذ أصبحت حكوماتها لا تحافظ على جوهر الدين بالذات. والمدنية بقي أثر ضئيل منها في مصر خصوصاً إلى نحو أواسط القرن الثالث عشر للهجرة واستعيض عنها في بعض البلاد العثمانية بمجالس البلديات. قال شيخ الإسلام ابن تيمية أن أصل الحسبة أن يعلم أن جميع الولايات في الإسلام مقصودها أن يكون الدين كله لله وأن تكون كلمة الله هي العليا فإن الله سبحانه وتعالى إنما خلق الخلق لذلك وبه أنزل الكتب وبه أرسل الرسل وعليه جاهد الرسول والمؤمنون. وكل بني آدم لا تتم مصلحتهم لا في الدنيا ولا في الآخرة غلا بالاجتماع والتعاون والتناصر فالتعاون والتناصر على جلب منافعهم والتناصر لدفع مضارهم ولهذا يقال الإنسان مدني بالطبع فإذا جمعوا فلا بد لهم من أمور يفعلونها يجتلبون بها المصلحة وأمور يجتنبونها لما فيها من المفسدة ويكونون مطيعين للآمر بتلك المقاصد والناهي عن تلك المفاسد فجميع بني آدم لا بد لهم من إطاعة آمر وناهٍ فمن لم يكن من أهل الكتب الإلهية ولا من أهل دين فإنهم يطيعون ملوكهم فيما يرون أنه يعود عليهم بمصالح دينهم ودنياهم وغير أهل الكتاب منهم من يؤمن بالجزاء بعد الموت ومنهم من لا يؤمن وما أهل الكتاب فمتفقون على الجزاء بعد الموت ولكن الجوزاء في الدنيا متفق عليه من أهل الأرض فإن الناس لم يتنازعوا إن عاقبة الظلم وخيمة وعاقبة العدل كريمة ولهذا روي أن الله ينصر الدولة العادلة وإن كانت كافرة ولا ينصر الدولة الظالمة ولو كانت مؤمنة. قال والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب على كل مسلم قادر وهو فرض على الكفاية ويصير فرض عين على القادر الذي لم يقم به غيره والقدرة هو السلطان والولاية فذوو السلطان اقدر من غيرهم وعليهم من الوجوب ما ليس على غيرهم فإن مناط الوجوب هو القدرة فيجب على كل إنسان بحسب قدرته أن يقول وبنو آدم لا يعيشون إلا باجتماع بعضهم مع بعض وإذا اجتمع اثنان فصاعداً فلا بد أن يكون بينهما ائتمار بأمر وتناه عن أمر وأولو الأمر أصحاب الأمر وذوو القدرة وأهل العلم والكلام فلهذا كان أولوا الأمر صنفين العلماء والأمراء فإذا صلحوا صلح الناس وإذا فسدوا فسد الناس كما قال أبو بكر رضي الله عنه للأحمسية لما سألته ما بقاؤنا على هذا الأمر قال: ما استقامت لكم أئمتكم. ويدخل فيهم الملوك والمشايخ وأهل الديوان وكل من كان متبوعاً فإنه من أولي الأمر. أهـ. وقال ابن الأخوة: الحسبة من قواعد الأمور الدينية وقد كان أئمة الصدر الأول يباشرونها بأنفسهم لعموم صلاحها وجزيل ثوابها وهي أمر بالمعروف إذا ظهر تركه ونهي عن منكر إذا ظهر فعله وإصلاح بين الناس والمحتسب من نصبه الإمام أو نائبه للنظر في أحوال الرعية والكشف عن أمورهم ومصالحهم وبياعاتهم ومأكولهم ومشروبهم وملبوسهم ومساكنهم وطرقاتهم وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر. وقال الماوردي: الحسبة واسطة لين أحكام القضاء وأحكام المظالم فما ما بينها وبين القضاء فهي موافقة لأحكام القضاء من وجهين ومقصورة عنه من وجهين وزائدة عليه من وجهين فأما الوجهان في موافقتهما لأحكام القضاء فأحدهما جواز الاستعداء إليه وسماعه دعوى المستعدي علىالمستعدى عليه في حقوق الآدميين وليس هذا على عموم الدعاوي وإنما يختص بثلاثة أنواع من الدعوى أحدها أن يكون فيما يتعلق ببخس وتطفيف في كيل أو وزن والثاني ما يتعلق بغش أو تدليس في مبيع وثمن والثالث فيما يتعلق بمطل وتأخير لدين مستحق مع المكنة وللناظر في الحسبة من سلاطة السلطة واستطالة الحماة فيما يتعلق بالمنكرات ما ليس للقضاة لأن الحسبة موضوعة على الرهبة فلا يكون خروج المحتسب إليها بالسلاطة والغلظة تجوزاً فيها ولا خرقاً والقضاء موضوع للمناصفة فهو بالأناة والوقار أحق وخروجه عنهما إلى سلاطة الحسبة تجوز وخرق أن موضوع كل واحد من المنصبين يختلف فالتجاوز فيه خروج عن حده. وقال ابن خلدون أن الحسبة وظيفية دينية من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي هو فرض على القائم بأمور المسلمين يعين لذلك من يراه أهلاً له فيتعين فرضه عليه ويتخذ الأعوان على ذلك ويبحث عن المنكرات ويعزر ويؤدب على قدرها ويحمل الناس على المصالح العامة في المدينة مثل المنع من المضايقة في الطرقات ومنع الحمالين وأهل السفن من الإكثار في الحمل والحكم على أهل المباني المتداعية للسقوط بهدمها وإزالة ما يتوقع من ضررها على السابلة والضرب على أيدي المعلمين في المكاتب وغيرها من الإبلاغ في ضربهم للصبيان المتعلمين. ولا يتوقف حكمه على تنازع أو استعداء بل له النظر والحكم فيما يصل إلى علمه من ذلك ويرفع غليه. وليس له إمضاء الحكم فغي الدعاوي مطلقاً بل فيما يتعلق بالغش والتدليس في المعايش وغيرها وفي المكاييل والموازين وله أيضاً حمل المماطلين على الإنصاف وأمثال ذلك مما ليس فيه سماع بينة ولا إنفاذ حكم وكأنها أحكام ينزه القاضي عنها لعمومها وسهولة أغراضها فتدفع إلى صاحب هذه الوظيفة ليقوم بها فوضعها على ذلك أن تكون خادمة لمنصب القضاء وقد كانت في كثير من الدول الإسلامية مثل العبيديين بمصر والمغرب والأمويين بالأندلس داخلة في عموم ولاية القاضي يولي فيها باختياره ثم لما تفردت وظيفة السلطان عن الخلافة وصار نظره عاماً في أمور السياسة اندرجت في وظائف الملك وأفردت بالولاية. قلنا أن الناس كانوا يتولون الحسبة بأنفسهم عندما تضعف الحكومات لأن مصلحة أهل كل بلد لا تتم إلا بذب ذي بعضهم عن بعض والتواصي بالحق والجري من العدل على عرق. قال ابن الأثير في حوادث سنة إحدى وثمانين ومائتينيأن المتطوعة تجردت للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وكان سبب ذلك أن فساق بغداد والشطار آذوا الناس أذى شديد وأظهروا الفسق وقطعوا الطريق وأخذوا النساء والصبيان علانية وكانوا يأخذون ولد الرجل وأهله فلا يقدر أن يمتنع منهم وكانوا يطلبون من الرجل أن يقرضهم ويصلهم فلا يقدر على الامتناع وكانوا ينهبون القرى لا سلطان يمنعهم ولا يقدر عليهم لأنه كان يغريهم وهم بطانته وكانوا يمسكون المجتازين في الطريق ولا يعدي عليهم أحد وكان الناس معهم في بلاء عظيم وآخر أمرهم أنهم خرجوا إلى قطر بل وانتهبوها علانية وأخذوا العين والمتاع والدواب فباعوه ببغداد ظاهراً واستعدى أهله السلطان فلم يعدهم فلما رأى الناس ذلك قام صلحاء كل ربض ودرب ومشى بعضهم إلى بعض وقالوا إنما في الدروب الفاسق والفاسقان إلى العشرة وأنتم أكثر منهم فلو اجتمعتم لقمعتم هؤلاء الفساق ولعجزوا عن الذي يفعلونه فقال رجل فدعا جيرانه وأهل محلته على أن يعاونوه على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فأجابوه إلى ذلك فشد على من يليه من الفساق والشطار فمنعهم وامتنعوا عليه وأرادوا قتله فقاتلهم فهزمهم وضرب من أخذه من الفساق وحبسهم ورفعهم إلى السلطان إلا أنه كان لا يرى أن يغير على السلطان شيئاً ثم قام بعده رجل من الحريبة من أهل خراسان فدعا الناس إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والعمل بالكتاب والسنة وعلق مصحفاً في عنقه وأمر أهل محلته وهاهم فقبلوا منه ودعا الناس جميعاً الشريف والوضيع من بني هاشم وغيرهم فأتاه خلق عظيم فبايعوه على ذلك وعلى القتال معه لمن خالفه وطاف ببغداد وأسواقها. إليك مثالاً مما حدث في حكومة الشرق الإسلامية عندما ضعف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بعض الشيء ومثله جرى في الغرب في مثل هذه الحالة فقد قال ابن خلدون أنه كانت لعهده في القرن التاسع للهجرة بالمغرب نزعة من الدعاة إلى الحق والقيام بالسنة لا ينتحلون فيها دعوة فاطمي ولا غيره وإنما ينزع منهم في بعض الأحيان الواحد فالواحد إلى إقامة السنة وتغيير المنكر ويعتني بذلك ويكثر تابعه وأكثر ما يعنون بإصلاح السابلة لما أن أكثر فساد الأعراب فيها فيأخذون في تغيير المنكر بما استطاعةا إلا أن الصيغة الدينية فيهم لم تستحكم لما أن توبة العرب ورجوعهم إلى الدين إنما يقصدون بها الإقصار عن الغارة والنهب لا يعقلون في توبتهم وإقبالهم إلى مناحي الديانة غير ذلك لأنها المعصية التي كانوا عليها قبل المقربة ومنها توبتهم فتجد ذلك المنتحل للدعوة القائم بزعمه بالسنة غير متعمق في فروع الاقتداء والاتباع وإنما دينهم الإعراض عن النهب والبغي وإفساد السابلة ثم الإقبال على طلب الدنيا والمعاش بأقصى جهدهم. انتهى. هذا غاية ما يقال في تعريف الحسبة وشيء من تاريخها ولمعة من حالتها وقد ألف علماؤنا ما يربي على عشرين كتاباً في الحسبة المدنية خاصة أظفرنا البحث بأربعة منها حتى الآن وها نحن نتكلم على الكتاب الأول منها قال مؤلفه في مقدمته بعد البسملة والحمدلة والصلولة: أما بعد فقد رأيت أن أجمع في هذا الكتاب ما يستند من الأحكام إلى الأحاديث النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام مما ينتفع به هذا المنفذ لمنصب الحسبة والنظر في مصالح الرعية وكشف أحوال السوقة وغير ذلك على الوجه المشروع ليكون ذلك عماداً لسياسته وقواماً لرياسته فاستخرت الله تعالى في ذلك وضمنته طرفاً من الأخبار وطرزته بالحكايات والآثار ونبهت فيه على غش المبيعات وتدليس أرباب الصناعات مما يستحسنه من تصفحه من ذوي الألباب والمعلوم المشهور أن الكتاب عنوانه عقول الكتاب وجعلته سبعين باباً يشتمل كل منها على فصول شتى. الباب الأول: في شرائط الحسبة وصفة المحتسب الثاني: في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الثالث: في الخمر والآلة المحرمة الرابع: في الحسبة على أهل الذمة الخامس: في الحسبة على أهل الجنائز السادس: في المعاملات المنكرة السابع: فيما يحرم على الرجال استعماله وما لا يحرم الثامن: في الحسبة على منكرات السواق التاسع: في معرفة القناطير والأرطال والمثاقيل والدراهم العاشر: في معرفة الموازين والمكاييل والأذرع الحادي عشر: في الحسبة على الطحانين والعلافين الثاني عشر: في الحسبة على الفرانين والخبازين الثالث عشر: في الحسبة على الشوائين الرابع عشر: في الحسبة على النقانقيين الخامس عشر: في الحسبة على الكبوديين والبواريين السادس عشر: في الحسبة على الجزارين السابع عشر: في الحسبة على الرواسين الثامن عشر: في الحسبة على الطباخين التاسع عشر: في الحسبة على الشريجيين العشرون: في الحسبة على الهراسيين الحادي والعشرون: في الحسبة على قلائي السمك الثاني والعشرون: في الحسبة على قلائي الزلابية الثالث والعشرون: في الحسبة على الحلاويين الرابع والعشرون: في الحسبة على الشرابيين الخامس والعشرون: في الحسبة على العطارين والشماعين السادس والعشرون: في الحسبة على البياعين السابع والعشرون: في الحسبة على اللبانين الثامن والعشرون: في الحسبة على البزازين التاسع والعشرون: في الحسبة على الدلالين الثلاثون: في الحسبة على الحاكة الحادي والثلاثون: في الحسبة على الخياطين والرفائين والقصارين الثاني والثلاثون: في الحسبة على الحريريين الثالث والثلاثون: في الحسبة على الصباغين الرابع والثلاثون: في الحسبة على القطانين الخامس والثلاثون: في الحسبة على الكتانيين السادس والثلاثون: في الحسبة على الصيارف السابع والثلاثون: في الحسبة على الصاغة الثامن والثلاثون: في الحسبة على النحاسين والحدادين التاسع والثلاثون: في الحسبة على الأساكفة الأربعون: في الحسبة على البياطرة الحادي والأربعون: في الحسبة على سماسرة العبيد والجواري والدواب والدور الثاني والأربعون: في الحسبة على الحمامات الثالث والأربعون: في الحسبة على السدارين الرابع والأربعون: في الحسبة على الفصادين والحجامين الخامس والأربعون: في الحسبة على الأطباء والكحالين والمجبرين السادس والأربعون: في الحسبة على مؤدبي الصبيان السابع والأربعون: في الحسبة على القومة والمؤذنين الثامن والأربعون: في الحسبة على الوعاظ التاسع والأربعون: في الحسبة على المنجمين الخمسون: فصول تشتمل على معرفة الحدود والتعزيرات وغير ذلك الحادي والخمسون: في القضاة والشهود الثاني والخمسون: في الولايات والأمراء وما يقلدونه من حالهم وما يتعلق بهم من أمور العباد الثالث والخمسون: فيما يلزم المحتسب فعله الرابع والخمسون: في الحسبة على أصحاب السفن والمراكب الخامس والخمسون: في الحسبة على باعة قدور الخزف والكيزان السادس والخمسون: في الحسبة على الفاخرانيين والغضاريين السابع والخمسون: في الحسبة على الأبارين والمسلاتيين الثامن والخمسون: في الحسبة على المردانيين التاسع والخمسون: في الحسبة على الحناويين وغشهم الستون: في الحسبة على الإمشاطيين الحادي والستون: في الحسبة على معاصر السيرج واللزيت الحار الثاني والستون: في الحسبة على الغرابليين الثالث والستون: في الحسبة على الدباغين والبططيين الرابع والستون: في الحسبة على اللبوديينن الخامس والستون: في الحسبة على الفرانين السادس والستون: في الحسبة على الحصريين والعيداني والكركر السابع والستون: في الحسبة على التبانين الثامن والستون: في الحسبة على الحشاشين والقشاشين التاسع والستون: في الحسبة على النجارين والنشارين والبنائين السبعون: يشتمل على تفاصيل من أمور الحسبة لم تذكر في غيره هذه أبواب الكتاب ومنه يفهم ما بني عليه ولا بأس بإيراد فصول منه للدلالة على أسلوبه قال في الباب الأربعين في الحسبة على البياطرة: البيطرة علم جليل سطرته الفلاسفة في كتبهم ووضعوا فيها تصانيف وهي أصعب علاجاً من أمراض الآدميين لأن الدواب ليس لها نطق تعبر به عما تجد من المرض والألم وإنما يستدل على عللها بالجس والنظر فيحتاج البيطار لى حسن بصيرة بعلل الدواب وعلاجاتها فلا يتعاطى البيطرة إلا من له معرفة وخبرة فالتهجم على الدواب بفصد أو قطع أو كي أو ما أشبه ذلك بغير مخبرة يؤدي إلى هلاك الدابة أو عطبها فيلزمه أرش ما نقص من قيمتها من طريق الشرع ويعزره المحتسب من طريق السياسة. فصل وينبغي للبيطار أن يعتبر حافر الدابة قبل تعليمه فإن كان أحفاً أو بلا (كذا) نسف من الجنب الآخر قدراً يخ \ حصل به الاعتدال وإن كانت الدابة قائمة جعل المسامير المؤخرة صغاراً والمقدمة كباراً وإن كانت يدها بالضد من ذلك صغر المقدمة وكبر المؤخرة ولا يبالغ في نسف الحافر فتغمز الدابة ولا يرخي المسامير فيحرك النعل ويدخل تحته الحصا والرمل ولا يشد الحافر بقوة فتزمن الدابة واعلم أن النعال المطرقة ألزم للحافر واللينة أثبت للمسامير الصلبة والمسامير الرفيهة خير من الغليظة وإذا احتاجت الدابة إلى تسريع أو فتح عرق أخذ المبضع بين إصبعيه وجعل نصابه في راحته وأخرج من رأسه مقدار نصف ظفر ثم فتح العرق تعليقاً إلى فوق بخفة ورفق ولا يضرب العرق حتى يحبسه بإصبعه سيما عروق الأوداج فإنها خطرة لمجاورتها للمري فإن اراد فتح شيء من عروق الأوداج خنق الدابة خنقاً شديداً حتى تندر عروق الأوداج فيتمكن حينئذ مما أراد. فصل وينبغي للبيطار أن يكون خبيراً بعلل الدواب ومعرفة ما يحدث فيها من العيوب ويرجع الناس إليه إذا اختلفوا في الدابة وقد ذكر بعض الحكماء في كتاب البيطرة أن علل الدواب ثلثمائة وعشرون علة تذكر ما اشتهر منها فمنها الخناق الرطب والخناق اليابس والجنون وفساد الدماغ والصداع والحمر والنفخة والورم والمرة الهائجة والديبة والخشام ووجع الكبد ووجع القلب والدود في البطن والمغل والمغص وريح السوس والقطاع والصدام والسعال البارد والسعال الحار وانفجار الدم من الدبر والذكر والنحل والحلق وعصار البول ووجع المفاصل والرهصة والرحس والداحس والنملة والنكب والجلد واللقوة والماء الحار في العين والناحر ورخاوة الأدنين والضرس وغير ذلك مما يطول شرجه فيفتقر البيطار إلى تحصيل معرفة علاجه وسبب حدوث هذه العللل منها ما إذا حدث في الدابة صار عيباً دائماً ولولا التطويل لشرحت من ذلك جملاً كثيرة وتفاصيل فلا يهمل المحتسب امتحان البيطار بما ذكرناه ومراعاة فعله بدواب الناس والله أعلم. وقال في فصل في الحسبة على الحمامات وقوامها وذكر منافعها ومضارها: وقد ذكر عن بعض الحكماء أنه قال خير الحمامات ما قدم بناؤه واتسع هواؤه وعذب ماؤه وأعلم أن الفعل الطبيعي للحمام التسخين بهوائه والترطيب بمائه فالبيت الأول مبرد مردب والبيت الثاني مسخن مجفف والحمام يشتمل على منافع ومضار فأما منافعها فتوسع المسام واستفراغ الفضلات وتحلل الرياح وتحبس الطبع إذا كانت سهولته عن هيضة وتنظيف الوسخ والعرق وتذهب الحكة والجرب والإعياء وترطب البدن وتجود الهضم وتنظج النزلات والزكام وتنفع من حمى يوم ومن حمى الدق والربع بعد نضج خلطها عند طول المقام فيها وتسقط شهوة الطعام وتضعف الباه وأعظم مضارها صب الماء الحار على الأعضاء الضعيفة وقد تستعمل على الريق والخلاء فتجفف تجفيفاً شديداً أو تهزل وتضعف وقد يستعمل الحمام على قرب عهد بالشبع بعد الهضم الأول فإنه يرطب البدن ويسمنه ويحسن بشرته. فصل وينبغي أن يأمرهم المحتسب بغسل الحمام وكنسها وتنظيفها بالماء الطاهر غير ماء الغسالة ويفعلون ذلك مراراً في اليوم. ويدلكون البلاط بالأشياء الخشنة لئلا يتعلق ماء السدر أو الخطمى فينزلق الناس عليها ويغسلون كل يوم حوض النوبة من الأوساخ المجتمعة فيه وكذلك الفساقي والقدور من الأوساخ المجتمعة من المجاري والعكر الراكد في أسفلها في كل شهر مرة لأنها تركت أكثر من ذلك تغير الماء فيها في الطعم والرائحة ولا يسد الأنابيب بشعر المشاطة بل يشدها بالخرق الطاهرة أو الليف الطاهر ليخرج من الخلاف ويستعمل فيها البخور في اليوم مرتين بالحصالبان الذكر أو المصطكى أو اللادن ولا يدع الأساكفة وأصحاب اللبد يغسلون شيئاً من اللبد ولا من الأديم في الحمام فإن الناس يتضررون برائحته ولا ينبغي أن يدخل الحمام مجذوم أو أبرص وينبغي أن يكون للحمامي ميازر يؤجرها للناس وتكون عريضة حتى تستر ما بين السرة والركبة ويأمر بفتح الحمام في السحر لحاجة الناس إليه للتطهر قبل وقت الصلاة ويلزم الوقاف حفظ أقمشة الناس فإن ضاع منها شيء لزمه ضمانة على الصحيح. ويتخذ بالحمام زيراً كبيراً برسم الماء الحلو أو عذباً إن كان يشرب برسم شرب الناس لاسيما في زمن الحر فإن ذلك من المصالح وكذلك فليكن عنده السدر والادلوك فقد يحتاج الإنسان له ولا يمكنه الخروج مإلى ظاهر الحمام ولو رتب سداراً دائماً على الباب الحمام لبيع السدر وآلة الحمام كان ذلك حسناً. فصل ويلزم صاحب النوبة باستعمال الأمواس الجيدة الفولاذ حتى ينتفع الناس بها وينبغي أن يكو المزين خفيفاً رشيقاً بصيراً بالحلاقة ويكون حديده قاطعاً كما ذكرناه ولا يستقبل الرأس ومنابت الشعر استقبالاً ولا يأكل كل ما يغير نكهته كالبصل والثوم والكراث وغيره في يوم نوبته لئلا يتضرر الناس برائحة فيه عند الحلاقة ولا يحلق شعر صبي إلا بإذن وليه ولا عبداً غلا بإذن سيده ولا يحلق عذار أمرد ولا تحت مخنث. فصل ويلزم المحتسب أن يتفقد الحمام في كل وقت ويعتبر ما ذكرناه وإن رأى أحداً قد كشف عورته عزره على كشفها لأن كشف العورة حرام وقد لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الناظر والمنظور والنساء في هذا المقام أشد تهاتكاً من الرجال ولهن محدثات من المنكر أحدثها الآن من الملابس ما لم يخطر للشيطان في حساب وتلك لباس الشهرة التي لا يستتر منه أسبال مرط وأدنى جلباب ون جملتها أنهن يعتصبن عصائب كأمثال الأسنمة ويخرجن من جهارة أشكالها في الصورة المعلمة. وقال في الحسبة على الأطباء الطبائعية والكحالين والجرايحيين والمجبرين: الطب علم نظري وعلم أباحت الشريعة تعلمه لما فيه من حفظ الصحة ودفع العلل والأمراض عن هذه البنية الشريفة وقد ورد في ذلك أحاديث منها ما ورد عن عطاء بن السائب قال دخلت على أبي عبد الرحمن السلمي أعوده فأراد غلام له أن يداويه فنهيته فقال: دعه فإني سمعت عبد الله بن مسعود يخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال ما أنزل الله داء إلا وأنزل له دواء. وربما قال: سفيان شفاء علمه من علمه وجهله من جهله إلى أن يقول: والطبيب هو العارف بتركيب البدن ومزاج الأعضاء والأمراض الحادثة فيها وأسبابها وأعراضها وعلاماتها والأدوية النافعة فيها والاعتياض عما لم يوجد منها والوجه في استخراجها وطريق مداواتها ليساوي بين الأمراض والأدوية في كمياتها ويخالف بينها وبين كيفياتها فمن لم يكن كذلك فلا يحل له مداواة المرضى ولا يجوز له الإقدام على علاج يخاطر فيه ولا يتعرض لما لا علم له فيه وفي حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من تطبب ولم يعلم منه طب قبل ذلك فهو ضامن وينبغي أن يكون لهم مقدم من أهل صناعتهم. فقد حكي أن ملوك اليونان كانوا يجعلون في كل مدينة حكيماً مشهوراً بالحكمة ثم يعرضون عليه بقية أطباء البلد ليمتحنهم فمن وجده مقصراً في محله أمره بالاشتغال وقراءة العلم ونهاه عن المداواة. وينبغي إذا دخل الطبيب على المريض أن يسأله عن سب مرضه وعما يجد من الألم ثم يرتب له قانوناً من الشربة وغيرها من العقاقير ثم يكتب نسخة لأولياء المريض بشهادة من حضر معه عند المريض فإذا كان من الغد حضر ونظر إلى دائه ورفع قارورته وسأل المريض هل تناقص به المرض أم لا ورتب له ما ينبغي على حسب مقتضى الحال وكتب له نسخة وسلمها لأهله وفي الثالث كذلك وفي اليوم الرابع كذلك وهكذا إلى أن يبرأ المريض أو يموت فإن برئ من مرضه أخذ الطبيب أجرته وكرامته وإن مات حضر أوليائه عند الحكيم المشهور وعرضوا عليه النسخ التي كتبها الطبيب فإن رآها على مقتضى الحكمة وصناعة الطب من غير تفريط ولا تقصير من الطب قال: هذا قضى بفروغ أجله وإن رأى الأمر بخلاف ذلك قال لهم خذوا دية صاحبكم من الطبيب فإنه هو الذي قتله بسوء صناعته وتفريطه. فكانوا يحتاطون على هذه الصورة الشريفة إلى هذا الحد حتى لا يتعاطى الطب من ليس من أهله ولا يتهاون الطبيب في شيء منه. وينبغي للمحتسب أن يأخذ عليهم عهد أبقراط الذي أخذه على سائر الأطباء ويحلفهم أن لا يعطوا أحداً دواءاً مضراً ولا يركبوا له سماً ولا يصفوا السموم عند أحد من العامة ولا يذكروا للنساء الدواء الذي يسقط الأجنة ولا للرجال الذي يقطع النسل وليغضوا أبصارهم عن المحارم عند دخولهم على المرضى ولا يفشوا الأسرار ولا يهتكوا الأستار ولا يتعرضوا لما ينكر عليهم فيه. فصل وأما الكحالون فيمتحنهم المحتسب بكتاب حنين أعني العشر مقالات في العين فمن وجده قيماً فيما امتحنه به عارفاً بتشريح طبقات العين وعدد السبعة وعدد رطوباتها الثلاثة وما يتفرع من ذلك من الأمراض وكان خبيراً بتركيب الأكحال وأمزجة العقاقير أذن له المحتسب بالتصدي لمداواة أعين الناس ولا يفرط في شيء من لات صنعته مثل صنانير النشل والظفر ومباضع الفصد ودرج المكاحل وغير ذلك وأما كحالو الطرقات فلا يوثق بأكثرهم إذ لا دين لهم يصدهم عن التهجم على أعين الناس بالقطع والكحل بغير علم ومخبرة بالأمراض والعلل الحادثة ولا ينبغي لأحد أن يركن إليهم في معالجة عينه ولا يثق بأكحالهم وأشيافهم فإن منهم من يضع أشيافاً أصلها النشا والصمغ ويصبغها ألواناً مختلفة فيصبغ أحمر بالسيلقون والأخضر بالكركم والنيل والأسود بالقافيا والأصفر بالزعفران ومنهم من يجعل أشيافاً من مائها ويعجنه بالصمغ ومنهم من يعمل كحلاً من نوى الإهليلج المحرق والفلفل وجميع غشوش أكحالهم لا يمكن حصرها فيحلفهم المحتسب على ذلك إذ لا يمكنه منعهم من الجلوس. فصل وأما المجبرون فلا يحل لأحد أن يتصدى للجبر إلا بعد أن يعرف المقالة السادسة من كتاب قوانين الجبر وأن يعلم عدد عظام الآدمي وهي مائتا عظم وثمانية عظام وصورة كل عظم منها وشكله وقدره حتى إذا انكسر منها شيء أو انخلع رده إلى موضعه على الهيئة التي كان عليها فيمتحنهم المحتسب على ذلك. فصل وأما الجرايحيون فيجب عليهم معرفة كتاب جالينوس المعروف بفاطاجالس في الجراحات والمراهم وأن يعرفوا التشريح وأعضاء الإنسان وما فيه من العضل والعروق والشرايين والأعصاب ليتجنب بذلك في وقت فتح المواد وقطع البواسير ويكون معه دست المباضع فيه مباضع مدورات الرأس والموربات والحربات وفاس الجبهة ومنشار القطع ومخرقة الأذن ورد السلع ومرهمدان المراهم ودواء الكندر القاطع للدم ومنهم من يتهرجون على الناس بعظام تكون معهم فيدفنونها غي الجرح ثم يخرجونها منه بمحضر من الناس ويزعمون أن أدويتهم القاطعة أخرجتها. ومنهم من يضع مراهم الكلس المغسول بالزيت ثم يصبغ لونه أحمر بالمغرة وأخضر بالكركم والنيل والأسود بالفحم المسحوق فيعتبر عليهم ذلك. وقال في الحسبة على الزعاظ: يجب على المحتسب أن ينظر في أمر الوعاظ ولا يمكن أحداً ممن يتصدى لهذا الفن إلا من اشتهر بين الناس بالدين والخير والفضيلة عالماً بالعلوم الشرعية وعلم الأدب حافظاً للكتاب العزيز ولأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم وأخبار الصالحين وحكايات المتقدمين ويمتحن بمسائل يسأل عنها من هذه الفنون فإن أجاب وإلا منع كما اختبر الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه الحسن البصري وهو يتكلم على الناس فقال له: ما عماد الدين، قال: الورع. قال: فما آفته. قال: الطمع. قال: تكلم الآن إذا شئت. ومن كانت هذه الشرائط فيه مكن من الجلوس على المنبر في الجوامع والمساجد وفي أي بقعة أحب ومن لا يدري ذلك كان جاهلاً بذلك أمنع من الكلام فإن لم يمتنع ودام على كلامه عزر ومن عرف شيئاً يسيراً من كلام الوعاظ وحفظ من الأحاديث وأخبار الصالحين مثل ذلك وقصد الكلام يسترزق به ويستعين على وقته فسح له بشرط أن لا يصعد المنبر بل يقف على قدميه فإن رتبة صعود المنبر رتبة شريفة لا تليق أن يصعد عليه إلا من اشتهر بما وصفناه وكفى به علواً وسمواً أن النبي صلى الله عليه وسلم صعد عليه والخلفاء الراشدون من بعده والعلماء والأئمة وكان العصر الأول لبا يصعد فيهم المنبر إلا أحد رجلين خطيب في جامع يوم جمعة أو عيد أو رجل عظيم الشأن يصعد المنبر يعظ الناس ويذكرهم بالآخرة وينذرهم ويحذرهم ويخوفهم ويحثهم على العمل الصالح وكان للناس بذلك نفع عظيم. وفي زماننا هذا لا يطلب الواعظ إلا لتمام شهر ميت أو لعقد نكاح أو لاجتماع هذيان ولا يجتمع الناس عنده لسماع موعظة ولا لفائدة وإنما صار ذلك من نوع الفرح واللعب والاجتماع وتجري في المجلس أمور لا تليق من اجتماع الرجال والنساء ورؤية بعضهم لبعض وأشياء لا يليق ذكرها وهذا من البدع المضلة وكان الأولى حسم الباب في ذلك والمنع منه وإن تعذر فلا يمكن (المحتسب) من ذلك إلا رجلاً مشهوراً بالدين والخير والفيلة كما تقدم من شرطه ن يكون عاملاً لله مجتهداًُ قولاً فعالاً. قال الله تعالى: {وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين} وقال: {يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبداً} والفقهاء والمتكلمون والأدباء والنحاة يسمون أهل الذكر والوعاظ قصاصاً. قال بعض العلماء: مجالس الوعاظ خير المجالس وملابسها أفخر الملابس فيها ترق قسوة القلوب وفيها يتاب عن الذنوب ويعترف بالعيوب. وقال في معرفة القنطار والأرطال والمثاقيل والدراهم: لما كنت هذه المعاملات وزنها اعتباراً للمبيعات لزم المحتسب معرفتها وحقيقتها لتقع المعاملة بها على الوجه الشرعي وقد اصطلح أهل كل إقليم على أرطال تتفاضل في الزيادة والنقصان ونحن نذكر من ذلك ما لا يسع المحتسب جهله ليعلم تفاوت الأسعار أما القنطار الذي ذكره الله العظيم في كتابه الكريم فقد قال: معاذ بن جبل هو ألف ومائتا أوقية وهو قول ابن عمر ورواه أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن الضحاك ألف ومائتا مثقال ورواه الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم وقال أبو نصره هو ملء مسك ثور ذهباً أو فضة وعن أنس بن مالك قال النبي صلى الله عليه وسلم القنطار ألف دينار وعن ابن عباس والضحاك إثنا عشر ألف درهم أو ألف دينار دية الرجل المسلم وعن أبي صالح مائة رطل وهو المتعارف بين الناس. والرطل اثنتا عشر أوقية والأوقية اثنا عشر درهماً وهذا لا خلاف فيه لكن الرطل فيه اختلاف كثير في الأمصار والبلدان فالرطل الحجازي مائة وعشرون درهماً والرطل المصري مائة وأربعة وأربعون درهماً والرطل البغدادي مائة وثلاثون درهماً والرطل الدمشقي ستمائة درهم والرطل الحلبي سبعمائة وعشرون درهماً والرطل الحموي ستمائة وستون درهماً والرطل الحمصي سبعمائة وأربعة وتسعون درهماً والرطل الليتي مائتا درهم والجروي ثلاثمائة واثنا عشر درهماً والرطل الحراني سبعمائة وعشرون درهماً والعجلوني والرومي ألف ومائتا درهم والرطل الغزاوي سبعمائة وعشرون درهماً والرطل المقدسي والخليلي والنابلسي ثمانمائة درهم والرطل الكركي تسعمائة درهم. وفي المحلات أرطال مختلفة فالمتعامل بها في الأسواق ما يذكر: مدينة قوص ولها أحوال رطل اللحم والخبز والخضر ثلاثمائة وخمسة وعشرون درهماً وباقي الحوائج مائتا درهم. مدينة أسيوط بمختلف الأحوال فالخبز واللحم ألف درهم ويسمى مناً وباقي الحوائج ليتي مائتا درهم. ومنفلوط اللحم والخبز ليتي مائتا درهم وباقي الحوائج مصري مائة وأربعة وأربعون درهماً. أخميم مدينة مختلفة احوال: الخبز واللحم ألف درهم ويسمى منا والباقي ليتي مائتا درهم. منية بني خصيب على رطل مصر مائة وأربة وأربعون درهماً. ديروط الصربان على رطل مصر مائة وأربعة وأربعون درهماً. مدينة المحلة رطلان وثلثا رطل يكون أربعمائة درهم. ثغر الإسكندرية رطلان وأوقيتان ثلاثمائة واثنا عشر درهماً. ثغر دمياط رطلان وربع ونصف أوقية ثلاثمائة وثلاثون درهماً. البلبيسي رطل وربع مصري مائة وثمانون درهماً. منية سمنود رطلان وسدس ثلاثمائة درهم. مدينة الفيوم مائة وخمسون درهماً ولم أسمع أن بلدة وافق رطلها البلدة الأخرى إلا نادراً أو قرية لقرية لا يؤبه بهما والأوقية م نسبة رطلها جزء من اثني عشر جزءاً. وأما المثقال فاتفق على أنه درهم ودانقان ونصف وهو أربعة وعشرون قيراطاً والقيراط ثلاث حبات أو أربعة أسباع حبة وهو خمسة وثمانون حبة وخمسة أسباع حبة ووزن كل حبة منها مائة حبة من حبوب الخردل البري المعتدل قال بعض العلماء: الدرهم خمسون حبة وهمسا حبة من حب الشعير كما ذكرنا. ووزن كل حبة من الدرهم سبعون حبة من حب الخردل البري المعتدل والدينار مثل الدرهم وثلاثة أسباعة والدرهم ثم الدينار بنصفه وخمسه وهذا يفيد تقريباً على ما ضبطه الأئمة فإن عرف الدرهم الإسلامي بطريق غير هذه الطريق وتحقق قدره كان ذلك معتمداً في معرفة المثقال وإلا فلا ضابط إلا بما تقدم ذكره من حب الشعير. واختلفت في سبب استقراره على هذا الوزن فذكر أن عمر بن الخطاب رضي اللهعنه لما رأى اختلاف الدراهم وأن منها البغلي وهو ثمانية دوانيق ومنها الطبري وهو أربعة دوانيق ومنها ما هو ثلاثة دوانيق ومنها اليمني وهو دانق قال: انظروا الأغلب مما يتعامل فيه الناس من أعلاها وأدناها فكان الدرهم البغلي والطبري بينهما فكانا اثنى عشر دانقاً فأخذ نصفها فكان ستة داوانيق فجعل الدرهم الإسلامي ستة دوانيق ومتى زدت عليه ثلاثة أسباعه كان مثقالاً ومتى نقصت من المثقال ثلاثة أعشاره كان درهماً وكل عشرة دراهم سبعة مثاقيل وكل عشرة مثاقيل أربعة عشر درهماً وسبعان والله أعلم. وحكى سعيد بن المسيب أن أول من ضرب الدراهم المنقوشة عبد الملك بن مروان وكانت الدنانير ترد رومية وكانت الدراهم ترد كسروية وحميرية قليلة فأمر عبد الملك الحجاج بضرب الدراهم بالعراق فضرب بها سنة أربع وسبعين وقيل خمس وسبعين ثم أمر بضربها في النواحي سنة ست وسبعين وكتب عليها الله أحد الله الصمد. وحكة يحيى بن النعمان الغفاري أن أول من ضرب الدراهم مصعب بن الزبير عن أمر عبد الله بن الزبير سنة سبعين على ضرب الأكاسرة وعليها بركة من جاني والله من جانب ثم غيرها الحجاج بعد سنة وكتب بسم الله الحجاج وهذه فائدة ذكرت هاهنا لتعلقها بذكر الدراهم فيجب على المحتسب أن لا يهمل أمر هذا الباب وينظر فيه كل وقت والله أعلم. وقال في معرفة الموازين والمكاييل والأذرع: أصبح الموازين وما استوى جانباه واعتدلت كفتاه وكان ثقب علاقته في وسط العمود ويحدد الثقب ويجعل المسمار فولاذاً حتى تكون سريعة الجريان فمتى لم يفعل ذلك كانت تسكن فيضر بالمشتري. فصل ويأمر أصحاب الموازين بمسحها وتنظيفها من الأدهان والأوساخ في كل ساعة فإنه ربما يجمد شيء من جرمها فيضر كما ذكرنا وينبغي إذا شرع في الوزن أن يسكن الميزان ويضع فيها البضاعة من يده في الكفة قليلاً قليلاً ولا يهمز الكفة بإبهامه فإن ذلك كله بخس وتكون موازين الباعة معلقة ولا يمكن لأحد من الباعة أن يزن بميزان الأرطال في يده ومن البخس الخفي في ميزان الذهب أن يرفعه بيده تلقاء وجهه ثم ينفخ في الكفة التي فيها المتاع نفخاً خفيفاً فيرجح بما فيه وذلك أن المشتري يكون عينه على الميزان لا إلى فم صاحبه. ولهم في الميزان صناعة يحصل بها البخس مثل أن يلصق شمعة تحت أحد كفتي الميزان أو يشكل رزة الميزان العليا بخيط شعر رقيق لا ينظره المشتري فيحصل له في ذلك تفاوت. ولهم أيضاً العلاقة التي تسمى الموى وهو أن يكون عمود الميزان فولاذاً ويعمل لسانه أرمهان أو يعوج رأس اللسان إلى الجانب الذي يردي أن يأخذ به فيحصل له ذلك القدر الحرام فيلزم المحتسب مراعاة ذلك في كل وقت. واعلم أنك وليت من الكيل والميزان أمراً من أجله هلكت الأمم السالفة فباشرهما بيدك مباشرة الاختبار ولا تقل أهلها عثرة فإن الإقالة لا تنهى عن العثار وكل هؤلاء من سواد الناس فمن لم يفقه نفسه وليس همته إلا فرجه أو ضرسه فحدهم التعزير التي هي نزاعة للشوى تدعو من أدبر وتولى. فصل والقبان القبطي فينبغي للمحتسب أن يختبره بعد كل حين فإنه يفسد بكثرة استعماله في وزن الحطب والبضائع الثقيلة ويتخذ عنده عيارات من حصى في خرائط ليف هندي أو خيش ويضعها في موضع لا تصل إليها النداوة ولا الغبار ويعين لعيار القبانين رجل يوثق بدينه وأمانته ولا يشوبه في ذلك رياء ولا محاباة لأحد من أبناء جنسه ويلزم المحتسب أن لا يمكن أحداً من الوزن بالقبان إلا من ثبتت أمانته وعدالته ومعرفته بالعدول من أهل الخبرة في مجلسه فإنها صناعة عظيمة والبائع والمشتري واقفان لا يعلمان صحة ذلك من سقمه إلا من لفظه فيعتبر فيه ما ذكرناه. فصل وينبغي أن يتخذ الأرطال من حديد ويعتبر المحتسب ويختم عليها بختم من عنده ولا يتخذوها من الحجارة لأنها إذا قرع بعضها ببعض فتنقص فإذا دعت الحاجة إلى اتخاذها لقصور يده عن اتخاذ الحديد أمره المحتسب بتجليدها ثم يختمها بعد العيار ويجد النظر فيها بعد كل حين لئلا يتخذوا مثلها من الخشب ورؤوس اللفت ولا يكون في الحانون الواحد دستان من ارطال أو صنج من غير حاجة لأنها تهمة في حقه ولا يتخذ عنده إلا ما جرت العادة باتخاذه مثل ثلث الرطل وثلث أوقية وثلث درهم لمقاربة النصف وربما اشتبه ذلك عليه بالنصف في حال الوزن عند كثرة الزبون والله أعلم. فصل وينبغي للمحتسب أن يتفقد عيار المثاقيل والصنج والرطال والحبات على حين غفلة من أصحابها فإن في الصيارف من يأخذ حبات الحنطة فينقعها في الماء ثم يغرز فيها رؤوس الأبر الفولاذية ثم تجفف فتعود إلى سيرتها الأولى ولا يظهر فيها شيء ويأمرهم أن يجعلوا لون صنج الفضة مخالفاً للون صنج المثاقيل فربما وضعوا صنجة النصف درهم عوض الرباعي وبينهما تفاوت وكذلك صنجة الثمن عوض صنجة القيراطين والله اعلم. فصل في المكاييل قال الله تعالى: {ويل للمطففين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون * ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم يوم يقوم الناس لرب العالمين} وقال صلى الله عليه وسلم: المكيال على مكيال المدينة والوزن على وزن مكة. والمكيال الصحيح ما استوى أعلاه وأسفله في الفتح والسعة من غير أن يكون محصور الفم ولا يكون بعضه داخلاً وبعضه خارجاً وينبغي أن يشده بالمسامير لئلا يصعد فيزيد أو ينزل فينقص وأجود ما عيرت به المكاييل الحبوب الصغار التي لا تختلف في العادة مثل الخردل والبرسيم والبزرقطونا والكسفرة وما أشبه ذلك يكون في كل حانوت من المكاييل الصحيحة مكيال وربع مكيال وثمن مكيال مختوم عليها بختم الحسبة لأن الحاجة تدعو إلى اتخاذ ذلك. وينبغي للمحتسب أن يجدد النظر في المكاييل فإن من الحمصانيين والفوالين والعلافين من يأخذ قطعة خشب يحفرها مكيالاً فيكون طولها شبراً مثلاً والمحفور في داخلها أربع أصابع فيغتر الناس بسعتها وطولها ولا يعلمون المقدار المحفور وهذا تدليس لا يخفى ويراعى أيضاً ما يلصقونه في أسفل المكيال فإن منهم من يلصق في أسفله الجبر أو الجبس الأسود فيلصقونه لصقاً لا يكاد يعرف منهم من يلصق في جوانبه الكسب فلا يعرف لهم ولهم في مسك المكيال صناعة يحصل بها البخس فلا يدع الكشف عليهم في كل وقت وأما الكيالون فلا خير فيهم ولاسيما في هذا الزمان فإن أكثرهم يكتال ما يقبضه زائداً ويسمى عندهم الفرز والطرح وعند الصرف يجعله ناقصاً ويسمى عندهم المسفق وقد ذمهم الله تعالى بما ذكرنا في أول الفصل فينبغي للمحتسب أن يحذرهم ويخوفهم عقوبة الله تعالى وينهاهم عن البخس والتطفيف في ذلك كله ومتى ظهر له من أحدهم خيانة عزره على ذلك وينهره حتى يرتدع به غيره. وخرّج أبو داو عن أحمد بن حنبل قال صالح بن أبي ذئيب: خمسة أرطال وثلث واسند البخاري إلى عبد الله بن أحمد بن حنبل ذكر لي أبي أنه عير مد النبي صلى الله عليه وسلم فوجده رطلاً وثلثاًوفي كتاب عقد الجوهر أن أهل المدينة لا يختلف اثنان أن مد النبي صلى الله عليه وسلم الذي يؤدى به الصدقات ليس أكثر من رطل ونصف ولا أقل من رطل وربع وقال بعضهم: رطل وثلث وهو الذي عليه أكثر العلماء. والولبة ستة عشر قدحاً من نسبة كيل البلد. فصل الأذرع سبع أقصرها القاضية ثم اليوسفية ثم السوداء ثم الهاشمية الصغرى وهي الثلاثية ثم الهاشمية الكبرى وهي الزيادية ثم العمرية ثم الميزانية فأما القاضية وهي تسمى ذراع الدور وهي أقل من ذراع السوداء بإصبع وثلثي إصبع وأول من وضعها ابن أبي ليلى القاضي وبها يتعامل أهل كل وادي وأما اليوسفية إلي يذرع بها القضاة الدور بمدينة السلام وهي أقل من ذراع السوداء بثلثي إصبع وأول من وصفها القاضي أبو يوسف وأما الذراع السوداء فهي أطول من ذراع الدور بإصبع وثلثي إصبع وأول من وصفها الرشيد وقدرها بذراع خادم أسود على رأسه وهي التي يتعامل بها النسا في ذراع البز والتجارة والأبنية وقياس نيل مصر. وأما الذراع الهاشمية الصغرى وهي البلالية فهي أطول من الذراع السوداني بإصبعين وثلثي إصبع وأول من أحدثها بلال ابن أبي بردة وذكر أنها ذراع جده أبو موسى الأشعري وهي أنقص من الزيادية بثلاثة أرباع عشر وبها يتعامل الناس بالبصرة والكوفة وأما الهاشمية الكبرى فهي ذراع الملك وأول من نقلها إلى الهاشمية المنصور وهي أطول من الذراع السوداء بخمس أصابع وثلثي إصبع ويكون ذراعاً وثمناً وعشراً بالسوداء وينقص منها الهاشمية الصغري بثلاثة أرباع عشر وسميت زيادية أن زياداً مسح بها أرض السواد وهي التي تذرع بها أهل الأهواز أما الذراع العمرية وهو ذراع عمر بن الخطاب رضي الله عنه التي مسح بها السواد قال موسى بن طلحة: رأيت ذراع عمر بن الخطاب التي مسح بها أرض السواد وهو ذراع وقبضة وإبهام قائمة قال الحكم: إن عمر عمد إلى أطولها وأقصرها وأوسطها فجمع منها ثلاثة وأخذ الثلث منها وزاد عليها قبضة وإبهاماً قائماً ثم ختم طرفيه بالرصاص وبعث ذلك على حذيفة وعثمان بن حنيف حتى مسحا بها أرض السواد وكان أول من مسح به بعده عمر بن هبيرة وأما الذراع الميزانية فيكون بالذراع السوداء ذراعاً وثلثي ذراع وثلثي إصبع وأول من وضعها المأمون وهي التي يتعامل بها الناي في ذراع البريد والسكور والسوق وكري الأنهار والحفائر والذراع المقدر الشرعي الذي ذكره الإمام الغزالي وغيره فهو أربعة وعشرون إصبعاً والإصبع ست شعيرات بطن حبة لظهر أخرى والشعيرة ست شعرات بشعر البغل الناعم والله أعلم. وقد وردت أسماء في الأبواب المتقدمة في أول هذا المبحث نسيت لطول العهد بها وكثرة دخول الألفاظ الأعجمية بدلها مثل البوارديين الذين يطحنون السدر وهو من المطهرات كالصابون إذا غش يضر ولا ينفع والفاخرانيين والغضاريين وهم الذين يصنعون الزبادي السلطانيات من الحصا المطحون والغضارون باعة الكيزان والمسلاتيين صناع المسلات والمرادنيين الذين يعملون المرادن آلات الغزل القديمة تعمل من خشب السماسم أو من السنط الأحمر، وتمثيل المؤلف بالكيل المصري بدل غيره كما رأيت فيالحسبة على الموازين والمكاييل وكما جاء في الحسبة على الهراسين فيه دلالة على انه مصري من أهل القرن السابع ومما يستأنس به أن الكتاب ألف لمصر ما ورد أيضاً في الحسبة على الكتانيين فقال إن أجود الكتان المصري الجنوبي الغض وأجوده الناعم المؤرق وأردأ القصير الخشن الذي يتقصف ولا يخلطون جيده برديئه ولا الكتان البحري بالصعيدي ولا الصعيدي بالكوري وقال في الحسبة عل معاصر السيرج والزيت الحاروعيارة الجرة بالركل المصري ستة وعشرون رطلاً وربع الرطل وسكت وكذلك مثل بالرطل المصري في عصر الزيت وفي غيره. للبحث صلة الرومان معربة من كتاب تاريخ الحضارة لشارل سليوبوس رومية الأصلية رمية: على تخوم قطر اللاسيوم من ناحية بلا الإيتروسكيين يمتد سهل ذو بطائح تتخلله أكمات وتامات هناك على ضفة نهر التيبر أشئت مدينة رومية مقر الشعب الروماني المتفرق في الخلاء. ولقد كانت الحميات تنتاب تلك البلاد وحالتها من الكآبة والبؤس على جانب ولكن كان موقعها جميلاً ونهر التيبر بمثابة هوة قائمة في وجه الإيتروسكيين كما كانت تلك الآكام كالحصون وبين تلك المدينة والبحر ستة أميال وهو بعد لا يكاد ينجيها م سطوة قرصان البحر ويقربها قليلاً من تناول البضائع الواردة إليها. وكان مرفأ أوستي عند مصب نهر التيبر حياً من أحياء رومية كبير مثل بيرة مرفأ آثينة. فموقع رومية كان والحالة هذه مناسباً لحال أمة حربية تجارية. تأسيس رومية: لا نعرف من حال القرون الأولى لرومية غير أساطير. والرومانيون أنفسهم لا لم يعرفوا عنها شيئاً مثلنا. قد اعدوا أن رومية كانت لأول أمرها مدينة صغيرة مربعة المساحة قائمة كلها على رابية بالاتين ويدعى مؤسسها رومولوس وهو الذي اختط سورها بمحراث مراعياً تخطيطها الشعائر الإيتروسكية. وكان الرومانيون يحتفلون كل سنة يوم ٢١ ابريل (نيسان) بعيد هذه المدينة فيطوفون حول سورها الأصلي فيدق أحد الكهنة مسماراً في بعض المعابد تذكاراً للحفلة. وكان يقدر أن الاحتفال بتأسيس تلك المدينة قد وقع في سنة ٧٥٤ قبل المسيح. أنشئت على الروابي الأخرى قبالة جبل بالاتين عدة مدن صغرى ونزلت عصابة من سكان الجبال من السابنيين في معبد الكابيتول كما حلت عصابة أخرى من متشردي الأيتروسكيين في جبال سليوس وربما كان ثمة أيضاً شعوب أخرى. وانتهت الحال بجميع أولئك الجماعات الصغيرة أن يجتمعوا في مدينة رومية الواقعة على رابية بلاتين ثم أنشئ سور جديد أحاط بالسبع أكمات. أما ساحة المريخ حيث يقف الجيش فكانت ممتدة إلى نهر التيبر من الشاطئ الآخر من النهر خارج السور فكان الكابيتول في رومية مثل الأكروبول في آثينة. ولقد قامت على هذا الصخر معابد الأرباب الثلاثة حامية المدينة وهي المشتري وجونون ومنيرفا وهنالك القلعة التي حوت خزانة الحكومة وسجلات الأمة. وفي أساطيرهم أنهم عثروا عندما حفروا أسس المدينة على رأس رجل قطع حديثاً فكان هذا الرأس فألاً حسناً أولوه بأن رومية ستغدو رأس العالم. تقاليد بشأن الملوك وإنشاء الجمهورية: جاء في هذه التقاليد أنه حكم رومية ملوك مدة قرنين ونصف ولم تذكر فيها أسماؤهم وتاريخ وفياتهم بل ذكرت تراجمهم وقيل أنهم كانوا سبعة ملوك خرج الأول وهو رومولوس من مدينة آلب اللاتينية فأنشأ مدينة بالاتين وقتل أخاه الذي ارتكب محرماً بأن قفز من فوق خندق سور المدينة ثم حالف أحد ملوك السابنيين المدعو تاتيوس. وفي تقليد آخر أنه أنشأ في سفح المدينة حياً محاطاً بسياج حشر إليه جميع المتشردين الذين أحبو الانضمام إليه. أما الملك الثاني وهو نومابومبيليوس فقد كان سابنياً وهو الذي رتب الديانة الرومانية آخذاً برأي إحدى الربات إيجري التي كانت تسكن في غابة وكان الملك الثالث المدعو تولوس مارتيوس حفيد نوما الموما إليه بنى جسراً من خشب على نهر التيبر وأنشأ جسر أوستي وعليهما كانت تمر تجارة رومية منذ ذاك الحين. وكان الملوك الثلاثة الآخرون من الإيتروسكيين وحدث من أمر تاركين القديم أن توسع المملكة الرومانية وأدخل الاحتفالات الدينية الشائعة في بلاد إيتر وريالو الإيتروكسكيين ونظم سرفيوس توليوس الجيش الروماني بان أدخل فيه جميع أهل البلاد بدون تمييز في موالدهم وأعمارهم. ووزعهم مئات مئات بحسب ثروتهم أما الملك الأخير المدعو تاركين الباهر فقد ظلم الأسرات الكبرى في رومية فتآمر عليه بعض الأشراف ووفقوا على طرده. ومذ ذاك العهد ( ٥١ ) لم يملك الرومانيين ملك فكان البلاد الرومانية أو كما يقال الملك العام يحكم عليها حاكمان يختاران كل سنة ويسميان (القناصل). وليس من الممكن أن نعلم ما في هذا التقليد من الحقيقة لأنه نشأ قبل أن يبدأ الرومان في وصف تاريخهم بزمن طويل وفي هذا التقليد من الأساطير ما لا يسعنا قبوله برمته. وقد حاول بعضهم أن يفسر أسماء هؤلاء الملوك ويستدل منها بأنها رمز إلى جنس أو على طبقة خاصة كما حاول بعضهم أن ينشئ تاريخ رومية في عهده الأول على ضروب من الصور ولكن كلما بذلت العناية للنظر فيه صعب الاتفاق بين المشتغلين في ذلك على تقرير أمر وكثر الخلاف بينهم. وصف ترتيبات الرومانيين على سبيل الإيجاز: كان في رومية نحو القرن الخامس قبل المسيح طبقتان من الناسي وهما الباترسين والبلبين (أي الأشراف والعامة) فكان الباترسيون من نسل قدماء الأسرات المقيمة منذ القدم في البقعة الضيقة في ظاهر مدينة رومية وكان لهم وحدهم الحق أن يظهروا في مجمع الأمة وأن يحضروا الحفلات الدينية وأن توسد غليهم الوظائف. ويعتقدون أن أجدادهم أسسوا المملكة الرومانية أو كما يقال المدينة الرومانية وأوصوا بها لهم فكانوا هم من ثم الشعب الأصلي في رومية أما البلبين فهم من نسل الغرباء النازلين في المدينة ولاسيما من المغلوبين من سكان المدن المجاورة إذ أن رومية أخضعت بالتدريج جميع المدن اللاتينية وضمن سكانها إليها بالقوة فأصبحوا رعايا لرومية لكنهم ظلوا غرباء عنها يخضعون لحكومة رومية دون أن يشركوها في شيء من الأمر فلا يدينون بالدين الروماني ولا يسوغ لهم أن يحضروا الحفلات الدينية ولا أن يتزوجوا من الأسرات الشرئفة وكانوا يدعون بالبلب أي الجمهور ولا ينظر إليهم بأنهم جزء من الشعب الروماني. وقد وجدت في الصلوات القديمة هذه العبارة لخير الشعب وخير البلبين في رومية. وكان يجتمع أبناء البلاد وعليهم أسلحتهم كل سنة خارج المدينة في ساحة المناورات (ساحة المريخ) ينتخبون زعيمين يطلقون عليهم لقب القضاة أو القناصل. وكان هؤلاء القناصل في خلال السنة التي يتوظفون بها يحكمون رومية ويقودون جيشها وبيدهم حياة جميع أفراد الأمة وموتها. يرافقهم إثنا عشر رجلاً من حملة الفؤوس إشارة لما لهم من السلطة فيحمل كل منهم فأساً وحزمة قضبان لجلد المجرمين أو ضرب رقابهم. فيجلس القناصل على عادة قدماء الملوك على دكة تشبه العرش وهي كرسي عال من العاج. ويستعاض في أوقات الحروب الخطرة عن القنصلين بحاكم واحد يلقون إليه بزمام السلطة فيصبح الحاكم المتحكم والآمر الناهي وحده ويكون في قبضته الأربعة والعشرون جلاداً ولكن سلطته لا تدوم إلا ستة أشهر. فيجمع القناصل مجلس الشيوخ وهو مؤلف من رؤساء الأسرات وكبار أرباب الأملاك للمفاوضة في المسائل المهمة ويدعى هؤلاء بالآباء ويدعى نسلهم بالأشراف فكان مجلس الشيوخ يصدر رأيه ويطلقون عليه رأي الشيوخ ومن العادة أن يلتزم القناصل امتثاله فكانت من ثم رومية محكوماً عليها من القناصل ومجلس الشيوخ في آن معاً. النزاع بين طبقات الشعب: كان العامة وأهل الطبقة الوسطى عبارة عن شعبين متبايني سادة ورعية. ومع هذا كان حال أهل الطبقة الوسطى يشبه كثيراً حال الأشراف فهم يخدمون في الجندية مثلهم ويخدمون في الجيش على نفقتهم ويفادون بأرواحهم في خدمة الشعب الروماني وهم مثلهم من أهل الفلح والكرث يعيشون في قراهم وأماكنهم وكان كثير من أهل الطبقة المتوسطة أغنياء ومن أسرة قديمة والفرق بين الطبقة المتوسطة وبين الأشراف أن الأول كانوا من نسل أسرة عظيمة من بعض المدن اللاتينية المغلوبة على حين كان الأشراف من نسل أسرة قديمة من سكان المدينة الغالبة. ولم ترض نفوس أهل الطبقة الوسطى أن تظل ساكتة على ما قضي به عليها من المهانة بل ثار بينهم وبين الأشراف نزاع دام قرنين من نحو ٢٩٣ إلى سنة ٥٠٠ وإليك كيف بدأ ذلك على نحو ما ورد في أساطيرهم. رأى أهل الطبقة الوسطى ذات يوم أنفسهم مهانة فاعتصموا في جبل هناك وعليهم أسلحتهم وعزموا أن يناوئو الشعب الروماني فهال عزمهم جماعة الأشراف فبعثوا إليهم بالقائد منينوس أغريبا ليقص عليهم قصة الأعضاء والمعدة فرضيت الطبقة الوسطى بالدخول في الطاعة وعقدت محالفة مع الشعب فمنح رؤساء هذه الطبقة الحق في أن يمدوا يد المساعدة لأهل الطبقة الوسطى للأخذ بيدهم من حيف خحكام الأمة ولأجل أن يحولوا دون قيام أمر يخالف رغائبهم. وقد كان يكفي أن يلفظ أحدهم قوله فتو أي إني أعارض فيتوقف البت في الأمر. وقد كان الدين يحظر الانتقاض على المدافع عن حقوق الشعب ومن فعل ذلك استحق العقاب من أرباب الجحيم. فضل أرباب الطبقة الوسطى آخذين أنفسهم بمجاهدة خصومهم من أهل الطبقة العالية وإذ كانوا أعز منهم نفراً وأكثر غنى وأيداً انتهت بهم الحال أن ظفروا بهم فتوصلوا أولاً إلى وضع قوانين عامة للجميع وأن يسمح بالزواج بين أهل الطبقة العالية والطبقة والوسطى وكان أصعب ما في هذا التغيير نزع الاستئثار بسلطة الحكم أو الذهاب بفضل الشرف وقد كان الدين يأمر بأنه يجب قبل ن يعين رجل حاكماً أن يطلب من الأرباب فيما إذا كانت توافق على انتخابه أم لا. فيسألون الأرباب عن رأيها في ذلك بزجر الطيور ويسمونه أخذ الفأل. بيد أن الديانة الرومانية القديمة لم تكن تسمح بأخذ الفأل إلا على اسم رجل من أهل الطبقة العليا وما كان يخطر في بال القوم بأن الأرباب يقبلون بحاكم من أهل الطبقة الوسطى. وكان ثمت أسر كبرى من الطبقة الوسطى تحرص على أن تصبح مساوية لأسر الأشراف في تولي المناصب كما كانت تساويها في الغنى والمكانة فاضطر أهل الطبقة الأولى إلى أن تفتح لهم جميع المناصب شيئاً فشيئاً فبدأوا يدخلون في مجلس القناصل سنة ٣٦٦ وفي مجلس الحكم ٣٥٥ والقضاء سنة ٣٣٧ والمراقبة سنة ٣٣١ وزعامة الدين الكبري سنة ٣٠٢ ومن ذاك العهد امتزج الأشراف أهل الطبقة العليا بأهل الطبقة الوسطى وأصبحوا شعباً واحداً. الديانة أرباب الرومان: اعتقد الرومان كاعتقاد اليونان بأن كل ما يحدث في هذا العالم هو مما قضت به إرادة خالق ولكنهم لم يعتقدوا بإله واحد يدبر العالم بل قالوا بتعدد الرباب بتعدد المظاهر المختلفة التي تتجلى فيها أوامرهم ونواهيهم. فهناك رب ينبت البذر وآخر يحمي حدود الحقول وثالث يحرس الثمار. ولكل رب اسمه وجنسه وعمله. وأهم الأرباب المشتري رب السماء وجانوس ذو الرأسين والمريخ رب الحرب وعطار رب التجارة وفولكان رب النار ونبتون رب البحر وسريس ربة الحصاد والأرض والقمر وجونون وومنيرفا. ثم يجيء الأرباب من الدرجة الثانية فكانت تتجسد في بعض تلك الأرباب صفة من الصفات كالفتاء والاتحاد والراحة والسلام ويشرف بعضها على عمل من أعمال الحياة فعندما يولد المولود يأتيه رب يعلمه النطق وربة تعلمه الشرب وأخرى تقوي عظامه وربان يرافقانه إلى المدرسة وآخران يرجعان به وبالجملة فإنهم كانوا يعتقدون بوجود جيش من الأرباب من الدرجة الثانية. ويعتقدون بأن هناك أرباباً تجمي مدينة وحارة وجبلاً وغابة. ولكل نهر ولكل نبع ولكل شجرة رب خاص بها حتى لقد قالت امرأة صالحة في إحدى القصص من تأليف بترون الكاتب اللاتيني: إن بلادنا غاصة بالأرباب بحيث يسهل عليك أن تلقى فيها رباً من أن تصادف رجلاً. ولم يتمثل الرومانيون كاليونان أربابهم على صورة مخصوصة فقد مضى زمتن طويل ولم يكن في رومية صنم فكانوا يعبدون المشتري في صورة حجر ومارس على صورة سيف. ولم يقتدوا إلا مؤخراً باتخذا الأصنام من الخشب على مثال أصنام الإيتروسكيين وأصنام الرخام على مثال أصنام اليونان ولم يتصوروا على العكس في اليونان أن بين الأرباب صهراً ونسباً ولا عزواً إليهم قصصاً كما كان يفعل اليونان مع أربابهم ولا يعرفون لهم جنة يعقدون فيها مجالسهم. وكان في اللغة اللاتينية لفظة مشهورة للتعبير عن الأرباب وهي (التجليات) فكانوا يعتقدون أنها تجليات قوة إلهية مجهولة. ولذلك لم يصورهم الرومان في صورة من الصور ولا نسبوا إليهم رحماً ولا صهراً ولا تاريخاً وكل ما كان يعرف عن الأرباب الرومانيين هو أن كل واحد منهم يسيطر على قوة من قوى الطبيعة ويستطيع أن يعمل للناس الخير والشر على ما يحب ويهوى. العبادة: قلما يحب الروماني أولئك الأرباب المجهولين الصفر الباردين. والظاهر أنه كان يخاف منهم فيخبأ وجهه عندما يتوسل إليهم وربما أتى ذلك لئلا يقع بصره عليهم ولكنه يذهب إلى أن الأرباب قادرون وأن من يرضيهم يخدمونه. قال بلوت (الشاعر الهزلي اللاتيني) إن الرجل الذي يرضى عنه الأرباب يكسبونه مالاً. ويعتقد الروماني بأن الدين عبارة عن مقايضة المنافع فيقدم المرء للرب نذوره وقرابينه ويمنحه هذا بعض المنافع فإذا ثقدم المرء ما يجب تقديمه للرب ولم يظفر بمتمناه يعتبر نفسه قانطاً مخدوعاً. ولقد قدم الشعب للأرباب من خلال مرض القائد جرمانيكوس نذوراً لتمن عليه بالشفاء ولما ذاع خبر موته سخط العامة وقلت المذابح وألقت في الشوارع بتماثيل الأرباب لأن هذه لم تعمل ما كان يرجى منها أن تعمله وهكذا فإنا نرى الفلاح الإيطالي لعهدنا هذا يشتم القديس الذي لم يعطه ما طلبه منه. فالعبارة إذاً عبارة عن القيام بما يرضى عنه الأرباب من الأعمال والشعب يأتيهم بالثمار واللبن والخمر ويضحى لهم بالحيوانات. وفي بعض الأوقات يخرجون تماثيل الأرباب من معابدهم ويجعلونها على سرر ويولمون لها وليمة ويقومون بما يقوم به الشعب في بلاد اليونان فيبنون لهم دوراً جميلة وهي المعابد ويحتفلون بأربابهم. ولم يكن يكفي في تعظيم أرباب الرومانيين أن ينفق الناس مالاً في سبيل إكرامهم بل كانت تنظر إلى الصور التي يقوم بها ذلك الإكرام فتقضي إرادتها أن تجري جميع أعمال التعبد والنذور والألعاب بما رسمته القواعد القديمة (الطقوس) فمتى أريد تقديم ضحية للمشتري كان عليهم أن يختاروا حيواناً أبيض وأن يذروا على رأسه دقيقاً مملحاً وأن يضرب بفأس وأن يقف المقدم لهذه الضحية على قدميه ويداه مرفوعتان إلى السماء حيث يقيم المشتري وأن يلفظوا بجملة تقديساً لاسمه. فإذا غلط المقدم بما يقول فمعنى ذلك أن الضحية لا تساوي شيئاً ويذهب القوم إلى أن الرب لا يرضى عما يقدم له. ولقد قام أحد الحكام بألعاب إكراماً للأرباب الحامية لرومية فقال شيشرون: إذا غيرت عبارة وإذا وقف اللاعب بالشباب أو انقطع الممثل فتكون الألعاب غير موافقة للشعائر الدينية فيجب إذ ذاك إعادتها. ولذلك كان أهل الرأي من الناس يحضرون كاهنين أحدهما يتلو الصلاة والآخر يتابعه فيما يقول. يجتمع الكهنة وهم يدعون أخوة رافال كل سنة في معبد بجوار رومية فيرقصون رقصاً مقدساً ويتلون الصلوات وهي مكتوبة بلغة قديمة لا يفهم منها أحد شيئاً ويقتضي في أوائل الصلاة أن يدفع إلى كل كاهن مجموع قوانين مكتوبة في أول الجلسة. وظل الرمانيون بعد أن نسيت هذه اللغة بقرون يتلونها كل سنة دون أن يغيروا منها حرفاً. ومما يدل على أن الرومانيين كانوا يرمون إلى الوقوف عند حد ما رسمه أربابهم هو أنهم كانوا يقومون أحسن قيام بقواعد الدين. ولذلك يرى الرومانيون أنفسهم من أكثر البشر تديناً. قال شيشرون: إننا أحط من جميع الأمم أو مساوون لهم من كل وجه ولكننا نفوقهم من كل وجه في أمور الدين أي بعبادة الأرباب. الصلاة: إذا صلى الروماني فليست صلاته لتزكية نفسه ومناجاة ربه بل ليطلب منه معونة ويسأل حاجة له. فمن ثم تراه قبل كل شيء عن الرب الذي يستطيع أن ينيله رغبته. قال فارون (الشاعر اللاتيني): يلزمنا أن نعرف أي الأرباب يتيسر له أن يعيننا في أحوال مختلفة كما نعرف أين يقوم النجار والخباز وهكذا قضت الحال بأن يعمد إلى سيريس للحصول على زروع جيدة وإلى عطارد لاكتساب المال وإلى نبتون للمعونة على ركوب البحار. فيلبس المستغيث ألبسة نظيفة لما وقر في الأذهان من أن الأرباب يرغبون في النظافة. ويقدم بين يدي نجوه ضحية لأن الأرباب لا يحبون أن يجيء وأيديه فارغة ويقف المستغيث ويكشف رأسه فينادي الرب إلا أن لا يعرف اسم الرب الذي يناديه ويقول الرومانيون أنه ما من أحد يعرف أسماء الأرباب الحقيقية. بل يكتفى بأن يقول له مثلاً: أيها المشتري الأعظم الرحيم أو بأس الأسماء التي تحب أن تدعى بها ثم يعرض عليه ما يريد عرضه متوقياً استعمال جمل صريحة كل الصراحة حتى لا ينخدع الرب فإذا قدم له خمر يقال له: تقبل طاعة هذا الخمر الذي أهرقه لأنه يسهل على الرب الاعتقاد بأنه يقدم له خمر آخر غير الذي قدم له وأن يعاقب به. ولذلك كانت صلواتهم مطولة كثيرة الحشو مملوءة بالمترادفات. الفأل: يعتقد الرومان كاليونان بالفأل فيذهب إلى الأرباب يعرفون المستقبل ويرسلون للناس آيات يدركونها فيستنصح الروماني الأرباب قبل أن يشرع في عمل فإذا ما أزمع القائد فيهم أن يهجم على عدوه يبحث في أحشاء الموتى والحاكم قبل أن يجمع لديه مجلساً ينظر إلى الطيور السائرة (وهذا ما يدعونه أخذ الطالع والفأل) فإذا كان فيها إشارة موافقة يدركون بأن الأرباب استحسنت المشروع وإلا فمعناه أنهم غير راضين عنه. وكثيراً ما يرسل الأرباب آيات من قبلهم ومن دون أن يسألوا إرسالها. وكل ظاهرة لم تكن متوقعة تعد فألاً على حادث غير منتظر. فقد ظهرت نجمة مذنبة قبل موت قيصر فذهب القوم إلى أنها إشارة إلى نعيه وإذا أرعدت السماء عندما كانت الأمة تجتمع للمفاوضة في أمر فمعنى ذلك أن كوكب المشتري لا يحب أن يبتوا أمراً ذلك اليوم ولذلك يبغضونه كل حادث طفيف ويؤلونه بأنه رمز إلى أمر يقع. فإذا أبر البرق أو سمعت كلمة من متكلم أو وقف جرذ في الطريق أو شوهد عراف فكل ذلك يأخذون منه العبر حتى أن مارسلوس كان إذا عزم على البداءة بعمل أمر بأن يحمل في محفة مغلقة ليكون على ثقة من أنه لا يرى شيئاً يتفاءل به. وما كان ذلك مجرد خرافات للعامة بل كان للجمهورية الرومانية ستة طوالع تتنبأ لها بالمستقبل فكان لها كتاب للنبؤات تبالغ في العناية به دعته كتاب سيبيلين وكان لها فراخ مقدسة يقوم على تربيتها الكهنة وما كان يجري عمل عام ولا تلتئم جمعية ولا يشرع بانتخاب ومفاوضة بدون أن يعمدوا إلى أخذ الطالع أي أنهم ينظرون إلى السارح والبارح. وقد شاع سنة ١٩٥ أن الصاعقة انقضت على معبد للمشتري وأنه نبتت شعرة على رأس تمثال هركول فكتب أحد الولاة بأنه ولدت فرخة ذات ثلاث أرجل فاجتمع مجلس الأمة للمفاوضة في هذه الفؤل. الكهنة: لا يقوم الكاهن في رومية بما يقوم به في بلاد اليونان من الأعمال الروحية بل كان ينقطع فقط لخدمة الرب فيلاحظ معبده ويدير شؤون أملاكه ويقوم بالاحتفالات لإكرامه وهكذا كانت جمعية الساليبن (الرقاصين) تحتفظ بترس سقط عليها من السماء كما زعموا وكان يعبد كما يعبد الصنم وكانت تقيم تلك الجمعية كل سنة حفلة رقص بالسيوف وهذا ما كان يتوفر عليه أعضاء تلك الجمعية. والأحبار يراقبون الحفلات الدينية فيضعون تقويماً للسنين ويحددون أوقات الأعياد التي يجب الاحتفال بها في أيام مخصوصة من السنة ورئيسهم هو الحبر الأعظم. وما كان الكهنة ولا العرافون ولا الأحبار يؤلفون طبقة خاصة بهم بل كان يجري اختيارهم من كبار الرجال ويبقون على القيام بجميع وظائف الحكومة فمنهم من يتولى القضاء ومنهم رئاسة الجمعيات ومنهم قيادة الجيوش. ولذلك لم يتألف من الكهنة الرومانيين على قوتهم كما تألف من الكهنة المصريين طبقة كهنوتية فقد كان لحكومة رومية دين خاص بها ولم يكن للكهنة حق الحكم فيها. عبادة الموتى: اعتقد الرومانيون كما اعتقد الهنود واليونان بأن الروح تبقى بعد موت الجسد فإن عنوا بدفن الجثة بحسب العادات فقد اعتقدوا بأن الروح تذهب لتحيا تحت الأرض وتصبح ربة وإلا فالروح ليس في استطاعتها الدخول إلى عالم الأموات بل كانت تعود إلى الأرض تدخل الرعب في قلوب الأحياء وتعذبهم ليدفنوها. حكى بلين لجون قصة شبح كان يختلف إلى أحد البيوت ويهلك سكانه هلعاً فاكتشف أحد الفلاسفة ممن كان له قوة قلب تمكنه من اقتفاء أثره إلى المكان الذي وقف فيه ذاك الطيف ـ عظاماً لم تدفن بحسب العادات المتبعة. وهكذا كانت روح الإمبراطور كاليجولا تطوف في حدائق القصر فاقتضى إخراج جثته ودفنه ثانية على ما رسمته الشعائر الدينية. فمن ثم كان مما يهم الأحياء والأموات على السواء المحافظة على العادات الدينية فكانت أسرة الميت تنصب كومة من الحطب يحرقون فيها الجسد ويجعلون الرماد في صندوق يضعونه في القبر. وكان لهم معبد خاص بدفن الأرباب أي الأرواح التي أصبحت أرباباً فيأتي أهل الميت في أوقات معينة إلى زيارة القبر حاملين طعاماً. ولا جرم أنهم اعتقدوا قديماً أن الروح محتاجة إلى الغذاء لأن القوم كانوا يهرقون الخمر واللبن على الأرض ويحرقون لحم المنكوبين ويتركون في الأواني لبناً وحلويات. وكانت هذه الاحتفالات بالموتى تدوم ما شاء الله أن تدوم وما كان لأهل بيت أن يتخلوا عن أرواح أجدادهم بل يظلون على العناية بقبورهم ويأتونهم بالغذاء لإطعامهم. ثم أن تلك الأرواح التي تتأله أو تصبح في عداد الأرباب تحب ذريتها وتحمي أحفادها من البوائق وهكذا كان لكل أسرة أرباب يحمونها يدعونهم آلهة البيت. عبادة البيت: اعتقد الرومان كاعتقاد الهنود بأن اللهيب رب كما أن البيت مذبح فكان لكل أسرة بيت تعبده وتقوم على العناية به ليل نهار تحمل إليه الزيت والشحم والخمر والبخور فيتصاعد اللهب ويسطع كأنه منبعث من الضحية. فكان الروماني قبل أن يبدأ بتقديم الطعام للميت يشكر لرب البيت ويدفع له جزءاً من الأطعمة ويصب له قليلاً من الخمر وهذا ما يدعونه بالصب والإهراق حتى أن هوراس نفسه على قلة اعتقاده كان يتعشى أمام بيته مع خدمته ويصب الطعام ويصلي الصلاة المعتادة. وكان لكل أسرة رومانية في بيتها قبر يجعل فيه أرباب البيت وأرواح الأجداد ومذبح البيت. وكان لمدينة رومية بيت مقدس في قبر الآلهة فستا وهي عبارة عن أربع عذارى من أعظم الأسرات الرومانية عهد إليهن حراسته وذلك لأنهم يرون أن لا ينطفئ اللهيب المقدس مطلقاً ولا يعهد بالقيام عليه إلا الأناس من الأطهار فإذا أبت إحدى تلك العذارى أن تقوم بما فرض عليها التوفر عليه من هذه الخدمة يدفنونها حية في قبو لأنها ارتكبت عملاً طالحاً وأوقعت الشعب الروماني في خطر. الجيش الروماني الخدمة العسكرية: لم يكن يكفي لقبول الرجل في خدمة الجيش الروماني أن يكون وطنياً رومانياً بل يجب أن يكون له بعض الموارد ليجهز نفسه بالسلاح على نفقته لأن الحكومة لم تكن تعطي الجندي سلاحاً حتى أنها لم تكن تعطيه جراية يأكلها إلى سنة ٤٠٣ وعلى هذا فلم يكن يجند من الوطنيين إلا من كانوا يملكون بعض ثروة أما الفقراء فكانوا يعفون من الخدمة العسكرية وبعبارة ثانية ليس لهم الحق في خدمتها ويحق لكل وطني له بعض الغنى أن يقبل في الجيش بعد أن يكون أبلى بلاء حسناً في عشرين حملة وإذا لم يقم بذلك فهو تبع للقائد أي منذ سن السابعة عشرة إلى السادسة والربعين فكل فرد في رمية كما في المدن اليونانية وطني وجندي في آن واحد والرومان أمة مؤلفة من صغار أرباب الأملاك المدربين على القتال. التجنيد: متى احتاجت الحكومة إلى جند يصدر القنصل أمره إلى جميع الوطنيين اللائقين للخدمة بأن يجتمعوا في معبد الكابيتول وهناك يلتئم ضباط تختارهم الأمة وهم يختارون من ينبغي لهم من الجند لتأليف جيش وهذا هو التجنيد عند الرومانيين ويسمونه الاختيار. ثم يجري التحليف العسكري فيبدأ الضباط أولاً يقسمون اليمين المألوفة ثم الجند وكلهم يقسمون الطاعة للقائد وأن يقاتلوا دون أعلامهم حتى يكونوا في حل من إيمانهم في نضره. فيتلو رجل عبارة ويتقدم كل فرد في نوبته فيقول: وأنا أيضاً فيرتبط الجيش إذ ذاك بالقائد ارتباطاً دينياً. دعي الجيش الروماني أولاً الفرقة أو التجنيدة ولما نما الشعب أصبح يؤلف بدل الفرقة فرقاً والفرقة الرومانية عبارة عن ٤٢٠٠ أو ٥٠٠٠ رجل كلهم من أبناء البلاد. وكان أصغر جيش على الأقل عبارة عن فرقة وكان كل جيش بقيادة قنصل عبارة عن فرقتين على الأقل. ويتألف نحو نصف الجيش من هذه الفرق وكان على جميع شعوب إيطاليا الخاضعة لرومية أن تبعث إليها ببعوثها ويدعى هؤلاء الجنود المحالفون وهم تحت قيادة الضباط الرومانيين. وكنت ترى المحالفين في الجيش الروماني أكثر عدداً من كتائب الوطنيين. وجرت العادة أن يبعثوا مع كل أربع فرق ( ١٦٨٠٠ جندي) عشرين ألف راجل من المحالفين وهكذا كان الشعب الروماني في حروبه يستخدم رعاياه أكثر من مواطنيه. التسليح: اعتاد الرومان كاليونان أن يحاربوا مترجلين متدرعين بالدروع والخوذ والمسامي (الطماقات) قابضين بأيديهم اليسرى على ترسة ليدفعوا بها الضربات. مضى عليهم زنمن وهم يقاتلون بالرمح والسيف فكانوا إذا تلاقوا بالعدو يجتمعون كتيبة واحدة على نحو ما كانت تجتمع الكتائب الرومية ثم عمدوا إلى استعمال ضرب آخر من ضروب الكر والفر. وتقسم الفرقة على سرايا صغيرة كل سرية مؤلفة من ١٢٠ جندياً مانييول أي الفريقة لأن علمهم عبارة عن حزمة من الحشيش فتصطف كل فرقة منفصلة عن جارتها بحيث يكون المجال أمامها متسعاً للعمل على حدتها فيضرب جنود فرق الصفوف الأولى بحرابهم ويضعون سيوفهم في أيديهم ويبدؤون القتال. فإذا اندحروا يتراجعون إلى الفضاء الذي وراءهم فيزحف الصف الثاني من الفرق في نوبته إلى القتال فإذا ما دحر ينكفئ راجعاً نحو الخط الثالث وهذه الفرق هي خيرة رجال الجيش يحملون الرماح وهم واسطة لقيادة أخوانهم الآخرين لقتال الأعداء بهم. وبعد فإن الجيش الروماني لا يتألف جملة واحدة للقتال في آن واحد بل أن القائد يعبئ جنوده مراعياً حالة الأرض التي يتخذها ساحة لقراع الأعداء. ولما التقى كتائب جنود الرومانيين وفرق المكدونيين في جبال سينوسيفال في تساليا للمرة الأولى وهما أشهر ما عهد من الجيوش في العهد القديم كان ميدان القتال عبارة عن أكمات وتلعات فلم يكن في إمكان الستة عشر ألف محارب من المكدونيين أن يظلوا متماسكين متجمعين بل كان صفوفهم ذات فروج فزحفت الفرق الرومانية ودخلت الفضاء الذي كان يتخلل صفوفهم ومزقت شملهم كل ممزق. التمرينتا: لم يكن لرومية محال للألعاب الرياضية فكان الجنود يتمرنون في ساحة المناورات أي في ساحة المريخ في الضفة الثانية من نهر التيبر وهناك كان الشاب يسير ويعدو ويقفز وعليه العدة الكاملة من السلاح يلعب بسيفه ويضرب بحربته ويستعمل معوله فإذا ما علاه الغبار والعرق يجتاز نهرالتيبر عائماً. وكثيراً ما كان الرجال المدربون بل والقواد يشاركون فتيان الجند في تمريناتهم إذ كان من دأب الروماني أن لا ينقطع عن التمرين حتى كانت القاعدة المتبعة إذ ذاك أن لا يترك الجنود حتى في الحرب بلا عمل فيمرنون مرة في اليوم على الأقل فيشغلونهم بإنشاء الطرق والجسور والمجاري إذا لم يكن أمامهم عدو يقاتلونه ولا متاريش يقيمونها. المعسكر: يحمل الجندي الروماني حملاً ثقيلاً مؤلفاً من سلاح وأوان وأطعمة تكفيه أياماً ووتد يبلغ وزن مجموعها ستين رطلاً رومانياً وإذا تلاقى الجيش بجيش العدو يسهل عليه الحرب بسرعة إذ لا يكون له من الأثقال ما يشغله. وكل مرة كان يريد الجيش الروماني الوقوف ليعسكر يخط المساح نطاقاً مربعاً ويحفر الجند في محيط ذاك النطاق هوة عميقة ويبقون التراب في ناحيتهم في الداخل يكون منحدراً ويضربون فيه أوتاداً وهكذا يكون المعسكر محمياً بنطاق من أوتاد وأرض ذات وهاد وفي داخل هذه القلعة المؤقتة يضرب الجنود خيامهم ويجعلون سرادق القائد في الوسط ويبقى العيون والحراس طوال الليل يحرسون المعسكر وهكذا يكون الجيش في مأمن من كل عدو مفاجئ. تعليم الجند: يعلم الجيش الروماني تعليماً قاسياً فيحق للقائد أن يميت جنده أو يبقي عليهم والجندي الذي يترك محله أو يركن إلى الفرار في الزحف يحكم عليه بالموت فيربطه حملة الفؤوس بعمود ويضربونه بالعصي ويقطعون رأسه أو يقع عليه الجند فيضربونه بالعصي. وإذا تمردت كتيبة من الجيش يقسم القائد المجرمين إلى عصابات كل عصبة مؤلفة من عشرة أشخاص يقترعون في كل عصابة على واحد يكون نصيبه الإعدام ويسمون هذا التعشير أي أخذ واحد من عشرة أما الباقون فيقضى عليهم أن يعطوا خبز شعير ويزكوهم يعسكرون خارج المعسكر ليكونوا أبداًُ على خطر من مفاجأة العدو لهم. لا يقبل الرومانيون أن يغلب جندهم ولا أن يؤسروا فقد سلم من القتل ثلاثة آلاف جندي بعد وقعة كان وراحوا يهيمون على وجوههم إلا أن مجلس الشيوخ أرسلهم يخدمون في صقلية بدون جرايات ولا ألقاب شرف ريثما يخرج العدو من إيطاليا وبقي ثمانية آلاف جندي في المعسكر فقبض عليهم وقد عرض هانيبال أن يعيدهم إلى الحكومة لقاء فدية طفيفة تدفعها عنهم فأبى مجلس الشيوخ أن يفتديهم. الغلبة: متى كتب الظفر لأحد القواد يصدر مجلس الشيوخ أمره إليه بأن يحتفل بما تم له من الغلبة دليلاً على تشريفه فيحتفل بذلك احتفالاً دينياً في معبد المشتري فيسير في المقدمة الحكام والشيوخ ثم تأتي العجلات مملوءة بالغنائم والأسرى مقيدين من أرجلهم وفي المقدمة عربة مذهبة تجرها أربعة جياد يأتي القائد الغازي متوجاً بالغار وجنده يتبعونه مترنمين بأدوار دينية يرددون فيها اسم الظفر فيجتاز هذا الموكب المدينة بهذا الاحتفال ويطلع إلى معبد الكابتول وهناك يضع الغازي أغصان الغار على أرجل المشتري ويحمده على أنه كان سبباً في نصرته وعند انتهاء الحفلة تضرب أعناق الأسرى كما فعلوا مع الزعيم الغالي فرسختوركس أو أن يلقوا الأسير في مطبق (حبس مظلم) يموت جوعاً كما فعلوا مع جوكورتا ملك فوميديا أو أنهم يكتفون بأن يسجنوا الأسير. وقد دام ظفر بولس أميل الذي تغلب على ملك مكدونية ( ١٦٧ ) ثلاثة أيام مرت في اليوم الأول ٢٥٠ مركبة تحمل لوحات وتماثيل وفي الثاني ما غنمه من الأسلحة و ٧٥ برميلاً من المال وفي اليوم الثالث ١٢٠ ثوراً من ثيران الضحايا والملك البرسي في المؤخرة لابساً السواد يحف به خاصته مقيدين وثلاثة أولاد له مدوا أيديهم للأمة يضرعون إليها وأخذوا يحركون شفقتها. فتح إيطاليا: كان في رومية معبد خاص بالرب جانوس تبقى أبوابه مفتحة ما دام الشعب الروماني في الحرب. ولم يغلق هذا المعبد إلا مرة واحدة دامت بضع سنين في خلال خمسمائة سنة التي طال فيها عمر الجمهورية الرومانية وعليه فإن رومية عاشت في حرب دائمة وإذا كان جيشها أقوى جيش ي عصره انتهت بها الحال أن تتغلب على جميع الشعوب الأخرى وأن تفتح العالم القديم. فبدأت بإخضاع جيرانها أولاً فأخضعت اللاتينيين أولاً ثم الشعوب الأخرى النازلة في الجنوب مثل الفولسكيين والإيكيين والهريكيين ثم الإيتروسكيين والسامنتيين ثم المدن اليونانية. وكان هذا الفتح من أشق الفتوح وأبطئه. بدأ على عهد الملوك ولم ينتهي إلا في سنة ٢٦٦ أي بعد قرون ذلك لأنه كان على الرومانيين أن يقاتلوا شعوباً هم وإياهم من عنصر واحد على شاكلتهم في القوة والنجدة والشجاعة. ومن هذه الشعوب من أبى إباؤها أن تخضع للرومان فما كان من رومية إلا أن أبادتهم فأصبحت سهول فولسكا الغنية قفراً ذات بطائح ومستنقعات ولم تعد بطائح بونتين صالحة للسكنى حتى يوم الناس هذا وقد كانت بلاد السامنتيين تعرف بعد ثلاثمائة سنة من الحرب التي وقعت فيها بما بقي فيها من بقايا المتاريس أكثر مما تعرف بخلو جوارها من السكان وكان فيهخا ٤٥ معسكراً للإمبراطور دسيوس و ٨٦ للقائد فابيوس. الطرق العسكرية: أقام الرومانيون في جميع إيطاليا طرقاً عسكرية ليتسنى لهم أن يبعثوا بالبعوث القاصية وكان هذه الطرق عبارة عن طرق مستقيمة مرصوفة بالجير والحجر والرمل وبلغ من متانتها أنها صبرت على اليام خلال ذلك العهد برمته. وقد أكثر الرومان منها في عامة بلاد إيطاليا فليس فيها بقعة لا ترى فيها إلى اليوم أثراً من آثار تلك الطرق الحربية وكانوا يسمونها باسم الوالي الذي أمر ببنائها وأهم هذه الطرق طريق أبين الممتد إلى الجنوب إلى البطائح بوتين حتى ترانتا وبرندس ثم طريق فلامنين الذي يجتاز طريق أبنين ويصل إلى بحر الإدرياتيك وطريق أورلين الذي يقطع إقليم طوسكانيا آخذاً إلى الشمال على طول الشاطئ حتى بلاد الغول ثم طريق أملين الممتد من بحر الإدرياتيك مجتازاً جميع سهل بو. مثنيات شعرية أشر فعل البرايا فعل منتحر وافحش القول منها قول مفتخر إن التمدح من عجبومن أشرٍ والمرء في العجب ممقوت في الأشر يا راجي الأمر لم يطلب له سبباً كيف الرماية عن قوس بلا وتر ليس التسبب من عجز ولا خورٍ وإنما العجز تفويض إلى القدر دع الأناسي واسنبني لغيرهم إن شئت للشاء وإن شئت للبقر فإن في البشر الراقي بخلقته من قد أنفت به أني من البشر ألبس حياتك أحوال المحيط وكن كالماء يلبس ما للظرف من جُدر وإن أبيت فال تجزع وأنت بها عارٍ من الأنس أو كاسٍ من الضجر إن رمت عزّاً على فقر تكابده فاستغن عن مال أهل البذخ والبطر فإنما النفس ما لم تنأ عن طمع فريسةٌ بين ناب الذل والظفر إذا نظرت إلى الجزئي تصلحه فارقبه من مرقب الكلي في النظر فإن نفعك شخصاً واحداً ربما يكون منه عموم الناس في الضرر قد يقبح الشيء وضعاً وهو من حسن كالنعش يدهش مريء وهو من شجر فالقبح كالحسن في حكم النهى عرض وليس يثبت إلا عند معتبر لا تعجبن لذي عقل يروح به لينتج الشر خبراً غير منتظر فإنما لمعات الخير كامنة بين الشرور كمون النار في الحجر سبحان من أوجد الأشياء واحدة وإنما كثرة الأشياء بالصور هب منشأ الكون يبقى مبهماً أبداً فهل ترى فيه عقلاً غير منبهر الحب والبغض لا تأمن خداعهما فكم هما أخذا قوماً على غرر فالبغض يبدي كدوراً في الصفاء كما أن المحبة تبدي الصفو في الكدر وأشنع الكذب عندي ما يمازحه شيءٌٌ من الصدق تمويهاً على الفكر فإن إبطال هذا في النهى عسرٌ وليس إبطال محض الكذب بالعسر قالوا عشقت معيب الحسن قلت لهم كفوا الملام فما قلبي بمنزجر ما العشق إلا العمى عن عيب من عشقت هذي القلوب ولا أعني عمى البصر قالوا ابن من أنت يا هذا فقلت لهم أبي امرؤٌ جده الأعلى أبو البشر قالوا فهل نال مجداً قلت واعجبي أتسألوني بمجدٍ ليس من ثمري لا درَّ درّ قصيد راح ينظمه من ليس يعرف معنى الدرّ والدرر يبكي الشعور لشعر ظل ينقده من لا يفرق بين الشعر والشعر قالت نوار وقد أنشدتها سحراً ممن تعلمت نفث السحر في السحر فقلت من سحر عينيك الذي سحرت به المشاعر من سمع ومن بصر مآكل العرب الأطعمة في الأمم تابعة لحضارتها تكون بسيطة في الأمة البدوية ومركبة منوعة في الأمة الحضرية كما هي إلى السذاجة في الريف والتنوع في المدن. ولما كانت البداوة أصلاً والحضارة فرعاً وكانت القرى هي المعول عليها في حياة المدن كان الناس يطعمون في أيام خشونتهم ورفاهيتهم مما تنبت لهم الأرض من بقل وثمر وتنتج من مواشيهم من ألبان ولحوم وتقذف أجواؤهم وسهولهم وأجبلهم وبحيراتهم وأنهارهم وبحارهم من طيور وأسماك وصيود ولا يكادون يعدون ذلك بحال. فأطعمة العرب في جاهليتها على النزر القليل الذي انتهى إلينا من أخبارها قبل الإسلام كانت إلى السذاجة والفطرة خصوصاً في البلاد التي هي إلى الإجداب أقرب منها إلى الإخصاب لقلة أمطارها وعصيان تربتها على الاستنبات. ونعني بالعرب هنا سكان جزيرة العرب من تهامة والحجاز ونجد والعروض واليمن وكلها قاحلة إلا بعض بلاد اليمن التي سميت الخضراء لكثرة أشجارها وثمارها وزروعها وفي بعض كورها ما هو كبلاد الشام باعتدال أهويته وزكاء تربته. قال الصمعي جزيرة العرب أربعة أقسام اليمن ونجد والحجاز والغور وهي تهامة فمن جزيرة العرب الحجاز وما جمعه وتهامة واليمن وسبأ والأحقاف واليمامة والشجر وهجر وعمان والطائف ونجران والحجر وديار ثمود والبئر المعطلة والقصر المشيد وإرم ذات العماد وأصحاب الأخدود وديار كندة وجبال طيء وما بين ذلك. ومتى أطلقنا العرب هنا فإنا نريد بهم سكان الحجاز ونجد وتهامة وهم صميم العرب العاربة ومن بلادهم انبعثت النبوة وفي الحجاز قريش أشرف القبائل ومن قريش بني هاشم أكثر من كانوا يطعمون الطعام ويقرون الضعيف وكنا نود أن يتناول بحثنا أهل كل قبيلة وأهل كل كورة من كور العرب ولكن ليس في الكتب التي بين أيدينا ما يدعونا إلى التوسع في القول. وغاية ما اتصل بنا علمه أن الإسلام وإن أصلح من نفوس العرب فإن طبيعة بلادها لم تتغير منذ قرون ولذلك كان بعض العرب يأكل اليربوع والضب والجراد والرنب ويعدها نعمة وبسطة في العيش حتى قال مديني لأعرابي: أي شيء تدعون وأي شيء تأكلون. قال: نأكل ما دب ودرج إلا أم حبين فقال المديني: لتهن أم جبين العافية. ولذلك كنت ترى العرب ولا تزال تراهم إذا أصابتهم سنة مجاعة وعالة على جيرانهم من سكان الشام والحيرة واليمن وقد عيرهم بذلك ملك الفرس لما جاؤه فاتحين يوم القادسية وذكر لهم كيف كان يوسع عليهم عندما كانوا ينزلون بلاده منتجعين مستطعمين. وقول المديني أن العرب يأكلون ما دب ودرج لا يؤخذ منه أنهم كلهم لأن منهم من كانوا يتقززون من أكثر الدويبات والصيد قال الجاحظ: ومن الطعام المذموم الخزيرة التي تعاب بأكلها مجاشع بن دارم وكنحو السخينة التي تعاب قريش والسخينة كانت من طعام قريش وتهجى الأنصار وعبد القيس وعذرة وكل من كان يقرب النخل بأكل التمر وتهجى أسد بأكل الكلاب وبأكل لحوم الناس والعرب إذا وجدت رجلاً مت القبيلة قد أتى قبيحاً ألزمت ذلك القبيلة كلها كما تمدح القبيلة بفعل جميل وإن لم ذلك إلا بواحد منهم فتهجو قريشاً بالسخينة وعبد القيس بالتمر وذلك عام في الحيين جميعاً وهما من صالح الأغذية والأقوات كما تهجو بأكل الكلاب والناس وإن كان ذلك إنما كان رجلاً واحداً فلعلك إذا أردت التحصيل تجده معذوراً وتهجى أسد وهذيل والعنبر وباهلة بأكل لحوم الناس. وقال قد يصيب القوم في باديتهم ومواضعهم من الجهد ما لم يسمع به في أمة من الأمم ولا في ناحية من النواحي وإن أحدهم ليجوع حتى يشد على بطنه الحجارة وحتى يعتصم بشدة معاقد الإزار وينزع عمامته من رأسه فيشد بها بطنه وإنما عمامته تاجه والإعرابي يجد في رأسه من البرد إذا كان حاسراً ما لا يجده أحد لطول ملازمته العمامة ولكثرة طيها وتضاعف أثنائها ولربما اعتم بعمامتين ولربما كانت قلنسوة خدرية. ومهما يكن فإن العقل يحكم بأن عرب الشام كغسان كانوا لمجاورتهم للروم يأخذون عنهم كل شيء طريف ولقمة كريمة ومضغة شهية أكثر من عرب الحجاز وإنه كان لعرب الحيرة من المطاعم ما ليس لأهل نجد لقرب بلاد الأولى من بلاد الأكاسرة وأخذهم عنهم رفاغة العيش والناعم من الطعام ومطاعم العرب في جملتها لا تتعدى اللحوم والالبان والبر والتمر. والإبل عندهم أفضل من عامة الذبائح إذا ضاف أحداً رجلاً من أهل السعة ولم ينحر له عدَّ ذلك إهانة. نزل عمرو بن معدي كرب برجل من بني المغيرة وهم أكثر قريش طعاماً فأتاه بما حضر وقد كان فيما أتاه به فضل فقال لعمر بن الخطاب وهم أخواله: لئام بني المغيرة يا أمير المؤمنين قال: وكيف. قال نزلت بهم فما قروني غير قريين وكعب ثور قال عمر: إن ذلك لشعبة وكم قد رأينا من الأعراب نزل برب صارمة فأتاه بلبن وتمر وحيس وخبز وسمن سلاء فبات ليلته ثم أصبح يهجوه كيف لم ينحر له وهو لا يعرف بعيراً من ذوده أو من صرمته ولو نحر هذا البائس لكل كلب مر به بعيراً من مخافة لسانه لما دار الأسبوع إلا وهو يتعرض للسابلة يتكفف الناس ويسألهم العلق. وإذا اعتبرت أسماء الأطعمة عندهم تجدها دائرة على تلك المواد الأولية ومتى رأيت تكرر المعنى الواحد بألفاظ كثيرة فمنشأ ذلك والله أعلم تعدد لغات قبائل العرب لأن ما عرفته قبيلة باسم تعرفه أخرى بآخر. فمن أطعمتهم (الوشيقة) وهو لحم يغلى إغلاة ثم يرفع و (الصفيف) مثله ويقال هو القديد قال ابن السكيت: إذا شرح اللحم وقدد طوالاً فهو القديد فإذا شرح عراضاً فهو الصفيف والوشيق يجمعهما إذا جفا (والتثمير) أن يقطع صغاراً ثم يجفف و (الوزيم) المجفف و (العفير) لحم يجفف على الرمل في الشمس و_الجبجبة) كرش البعير يغسل بالماء والملح ثم يشرح أعلاه ثم ينفخونها ويحشونها بالشجير أو بعر افبل اليابس ثم تعلق حتى تضربها الريح وتجفف ثم يأخذون اللحم فيقددونه ويجعلونه على حبال حتى يذبل ذبله ويذهب ماؤه وكذلك يفعلون بالشحم ثم يطبخون لحمها بشحمها جميعاً ثم يفرغونه في القصاع حتى يبرد ويصفون الإهالة على حدة فإذا برد كثبوا اللحم والشحم في الجبجبة وصبوا عليه الودك ثم بردوه حتى يجمد ويصير كالحجر ثم يلقى في جوالق (أكياس) ويستر من الحر أن يفسد فيأكلون منه جامداً ومن شاء أذاب منه على القرص. و (الأرة) لحم يطبخ في كرش و (الهلام) طعام يتخذ من لحم عجلة بجلدها. والشبارق الألوان من اللحم المطبوخة فارسي معرب. والخضيعة طعام يتخذ بالشام والقلية مرقة تتخذ من أكباد الجزور ولحومها. والحنيذ الشواء الذي لم يبالغ في نضجه وقد حنذت أحنذ حنذاَ قال ابن السكيت: الحنيذ أن يؤخذ اللحم فيقطع أعضاء وينصب له صفيح الحجارة فيقابل يكون ارتفاعه ذراعاً وعرضه أكثر من ذراعين في مثلهما ويجعل له بابان ثم يوقد في الصفائح بالحطب فإذا حميت واشتد حرها وذهب كل دخان فيها ولهب أدخل فيه اللحم وأغلق البابان بصفيحتين قد كانت قدرتا للبابين ثم صربتا بالطين وفرث الشاة وأدفئت شديداً بالتراب فيترك في النار ساعة ثم يخرج كأن البسر قد تبرأ العظم من اللحم من شدة نضجه. والحند أيضاً أن يأخذ الرجل الشاة فيقطعها ثم يجعلها في كرشها ويلقي مع كل قطعة من الكرش رضفة وربما جعل في الكرش قدحاً من لبن حامض أو ماء ليكون أسلم للكرش من أن تنقد ثم يخلها بخلال وقد حفر لها بؤرة أحماها بها فيلقي الكرش في البؤرة ويغطيها ساعة ثم يخرجها وقد أخذت من النضج حاجتها. و (شواء ملعوس) إذا أكل بالسمن وهو العلس و (الصلائق) اللحم المشوي المنضج وقيل الرقاق الخبز وفي حديث عمر رضي الله عنه لو شئت أمرت بصلائق وصناب. قال ابن سيده في باب ما يعالج من الطعام ويخلط نقلاً عن أبي علي أن أكثر هذا الباب على فعيلة أما بناؤهم على هذا البناء فلأنه في معنى مفعول ألا ترى أن البسيسة في معنى مبسوسة وكلها مطبوخ ملتوت أو مليون أو متمور أو مسمون أو معسول والجنس الغالب العام له قولنا مخلوط ودخلت الهاء للمبالغة. وذلك مثل (الضبيبة) وهي سمن وربٌّ يجعل للصبي في العكة يطعمه يقال ضببوا لصبيكم. (والربيكة) شيء يطبخ من بر وتمر وقد ربكته أربكه ربكاً مثل غراثان فأربكوا له. قال ابن السكيت الربيكة تكر بعجن بسمن وأقط فيؤكل وربما صب عليه الماء فشرب شرباً. والبسيسة كل شيء خلطته بغيره مثل السويق يلت بالسمن أو الزبد ثم يؤكل ولا يطبخ وهو أشد من اللت بللاً والأقط يدق ويطحن ثم يلبك بالسمن المختلط بالرب و (البكيلة) السويق والتمر يؤكلان في إناء واحد وقد بلا بللبن وقد بكل الدقيق بالسويق خلطه. و (الغثيمة والغبيثة) طعام يطبخ ويجعل فيه جراد و (الفريقة) شيء يعمل من البر ويخلط فيه أشياء للنفساء و (الفئرة والفؤارة) حلبة وتمر يطبخ للمرض أو النفساء و (الرغيدة) اللبن الحليب يغلى ثم يذر عليه الدقيق حتى يختلط فيلعق لعقاً و (الحريرة) الحساء من الدسم الدقيق و (السريطاء) حساء شبيه بالحريرة أو نحوها و (الصية) طعام كالحساء يصنع بالتمر وقد يقال له الرغيغة و (العكيس) الدقيق يصب عليه الماء ثم يشرب و (الوجيئة) التمر يدق حتى يخرج نواه ثم يبل بلبن أو سمن حتى يتدن ويلزم بعضه بعضاً فيؤكل والوجيئة أيضاً جراد يدق ثم يلت بسمن أو بزيت فيؤكل و (الخزيرة أو الخزير) الحساء من الدسم أو الدقيق والخزيرة مرقة تصفى بلالة النخالة ثم تطبخ تسميه الفرس سيوساب والخزيرة أن تنصب القدر بلحم يقطع صغاراً على ماء كثير فإذا نضج ذر عليه الدقيق فإن لم يكن فيها لحم فهي عصيدة ولا تكون الخزيرة إلا وفيها لحم و (العصيدة) السمن يطبخ بالتمر و (الرهيدة) برٌ يدق ويصب عليه الماء و (الوديكة) دقيق يساط بشحم شبه الخزيرة و (اللهيدة) الرخوة من العصائد ليست بحساء يحسى ولا غليظة فتلقم و (الخطيفة) الدقيق يذر على اللبن ثم يطبخ فيلعقه الناس لعقاً و (اللفيتة) العصيدة المغلظة من لفت الشيء ألفته لفتاً إذا لويته و (النحيرة) ماء وطحين يطبخ وقيل هو لبن حليب يجعل عليه سمن و (الحسيلة) حشف النخل إذا لم حلا بسره فيبسونه فإذا ضرب أنفت عن نواه ويدفونه باللبن ويمردون له تمراً حتى يحليه فيأكلونه لقيماً وربما ودن بالماء و (النهيدة) أن يغلى لباب الهبيد وهو حب الحنظل فإذا بلغ أناه من النضج والكثافة ذرت عليه قميحة من دقيق ثم تحل و (الفهيرة) مخض يبقى فيه الرضف فإذا ذر عليه الدقيق وسيط به ثم أكل و (السخينة) التي ارتفعت عن الحساء وثقلت عن أن تحسى وهي دون العصيدة و (النفيتة والحريقة) أن يذر الدقيق على ماء أو لبن حليب حتى ينفت تتجبس من نفتها وهي أغلظ من السخينة يتوسع فيها صاحب العيال إذا علبه الدهر و (الخضيمة) حنظة تؤخذ فتنقى وتطيب ثم تجعل في القدر ويصب عليها الماء فتطبخ حتى تنضج و (الوهية) جراد يطبخ ثم يجفف ثم يدق فيقمح أو يبكل ويخلط بدسم و (الصحبرة) من المحض إذا أسخن يقال اصحروا لنا لبناً وربما جعل فيه دقيق وربما جعل فيه سمن إذا سخن فيه الحليب خاصة حتى يحترق فهو صحيرة وقد صحرته أصحره صحراً و (الغميم) اللبن يسخن حتى يغلظ و (القطيبة) لبن المعزى والضأن و (الأخينخة) دقيق يصب عليه ماء بر بزيت أو سمن ويشرب ولا يكون إلا رقيقاً و (الوظيئة) تمر يخرج نواه ويعجن بلبن و (العجة) دقيق يعجن بسمن ثم يشوى و (الوليفة) طعام يتخذ من دقيق وسمن ولبن و (اللوقة) زبد ورطب و (الألوقة) كل ما لين من الطعام وفي الحديث لا آكل إلا ما لوَّق لي. و (الرهية) بر يطحن بين حجرين ويصب عليه لبن و (الحيس) تمر وأقط وسمن و (الغذيرة) دقيق يحلب عليه لبن ويحمى بالرضف و (المجيع) التمر واللبن و (الصعقل) التمر ايابس ينقع في اللبن الحليب و (القشيمة والقميشة) هبيد يحلب عليه لبن و (الوضيعة) حنطة تدق ثم يصب عليها سمن فتؤكل و (القفيخة) طعام من تمر وإهالة و (البغيث) الطعام المخلوط بالشعير و (الشقدة والقشدة) حشيشة كثيرة الإهالة واللبن يصبخ مع دقيق وأشياء تؤكل و (الدليك) طعام يتخذ من الزبد واللبن شبه اللبن. إذا أخذ الحليب فأنقع فيه تمر برني فهو (طكديراء) و (الرض) التمر يدق فينقى عجمه ويلقى في المحض و (الوغيرة) اللبن محضاً يسخن حتى ينضج وربما جعل فيه السمن. وفي لغة الكلبيين الإيغار أن تسخن الحجارة ثم تلقى في الماء لتسخنه وفي اللبن أيضاً لينعقد ويطيب و (الحليجة) عصرة نحي أو لبين أنقع فيه تمر و (غنية) هي السمن على المحض و (الدبوس) خلاص التمر يلقى في مسلا السمن فيذوب فيه وهو مطيبة للسمن و (الرضيف) اللبن يصب على الرضف وهي حجارة تحمى فيوغر بها اللبن. و (الحميمة) المحض يسخن وقد حممته وأحممته. مش الشيء يمشه مشاً إذا دافه في ماء حتى يذوب. و (العجال والعجول) تمر يعجن بسويق و (العمص) ضرب من الطعام تقول عمصت العامص وأمصت الآمص وهي كلمة تجري على ألسنة العامة وليست فصيحة يعنون الخاميز وربما قالوا العاميص و (العويثة) قرص يعالج من البقلة الحمقاء بزيت و (العلهز) وبر مخلوط بدماء الحلم كان يؤكل في الجدب و (المجدوح) دم يخلط بغيره كان يؤكل في الجاهلية وأصله من الجدح والتجديح وهو الخوض بالمجدح وهي خشبة في رأسها خشبتان معترضتان و (الخردق) طعام يعمل شبيه الحساء والخزيرة و (الوزين) حب الحنظل المطحون يبل باللبن فيؤكل و (الفرني) واحدته فرنية وهي خبزة مسلكة مصغنة تسوى ثم تروى سمناً ولبناً وسكراً قال ابن سيده وأهل الشام يتخذون الخبزة الفرنية على صنعة كير الزجاجين يخبزون فيه الفرنية ويسمون ذلك المخبز فرناً و (الطعام مبروت) مصنوع بالمبرت وهو السكر الطبرزد و (البهط) فارسي وهو الأرز يطبخ باللبن والسمن خاصة واستعملته العرب تقول بهطة طيبة و (سويق مقنود ومقند) مخلوط بالقند والقنديد وهو عصير قصب السكر و (البريقة) وجمعها برائق وهي التباريق وهي شيء قليل من الدسم ولم يسفسفوه أي لم يوسعوه دسماً. و (المشنق) العجين الذي يقطع ويعمل بالزيت واسم كل قطعة منه فرزدقة وجمعه فرزدق (وعامة أهل الشام يقولون الآن جردقة وجرادق) و (الفرفور والفرافر والفرافل) سويق يتخذ من ثمر الينبوت و (الحلواء) من الطعام ما عولج بحلاوة يمد ويقصر ومنها الفولذ والفالوذق وهو فارسي معرب زعم الفارسي أن معناه حافظ للدماغ بالفارسية وهو الفالوذج والطائفة منه فالوذجة وهو الصفرق. و (القبيطي) الناطف و (اللمص) كالفوذ معرب ولا حلاوة له يأكله الصبيان بالبصرة بالدبس و (الكامخ) من الأدم منهم من خصصه بالمخللات التي تستعمل لتشهي الطعام و (الصير والصحناءة) ضربان من الكامخ وفي القاموس والصحناء والصحناة ويمدان ويكسران أدام يتخذ من السمك الصغار مشه مصلح للمعدة قال في التاج الصحناة فارسية تسميها العرب الصير وقال ابن الأثير الصير والصحناة فارسيتان و (الصير) السميكات المملوحة تعمل منها الصحناة ومن أطعمتهم (الدرامك) وهي الحواري أي الدقيق الخالص قال زياد بن فياض: فأطعمها شحماً ولحماً ودرمكاً ولم يثننا عنه النسيم الحنادس ومن مآكلهم (المضيرة) مريقة تطبخ باللبن المضير أي الحامض وهي مثل اللبنية المعروفة في بلاد الشام عقد لها البديع مقامة ولعنها أبو الفتح الإسكندري عندما دعاه وأصحابه بعض تجار البصرة فرفعوها عن الخوان مجارة له: فارتفعت لها الأفواه تلمظت لها الشفاه واتقدت لها الأكباد ومضى في أثرها الفؤاد و (السكباج) معربة كما في التاج عن سركة باجة وهو لحم يطبخ بخل مثل (السكرجات) وهي التوابل والسكرجة قصاع يؤكل فيها صغار وليست يعربية وهي كبرى وصغرى وفي حديث أنس لا آكل في سكرجة ومعناه أن العرب كان تستعملها في الكوامخ وأشباهها من الجوارش على الموائد حول الأطعمة للتشهي والهضم فأخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأكل على هذه الصفة. ومنها (الفانيد) قال في التاج ضرب من الحلواء معرب بانيد و (الهلياثا) وردت في كلام الجاحظ فقال: إذا أطعمتهم اليوم البرني أطعمتهم غداً السكر وبعد غد الهلياثا. والغالب أن الهلياثا طعام ثمين عندهم. و (الطفيشل) كسميدع نوع من المرق و (الهريسة والفجلية والكرنبية) أولان ولعل أسماء البقول المطبوخة تسمى بالاسم الذي صنعت منه مثل الباقلاء والقرع والفول والملفوف والسلق وغيرها مما كان معروفاً للعرب وينبت في بعض بلادهم. سئل بعضهم عن حظوظ البلدان في الطعام وما قسم لكل قوم منه فقال ذهبت الروم بالجشم والحشو وذهبت فارس بالبارد والحلو وقال عمر لفارس الشبارق والحموض فقال دوسر المديني: لها الهرائس والقلايا ولأهل البدو اللباء والسلاء والجراد والكمأة والخبزة في الرائب والتمر بالزبد وقال الشاعر: ألا لبت خبزاً قد تسربل رائباً وخيلاً من البرنيّ فرسانها الزبد ولهم البرمة والخلاصة والحيس والظطيئة. وقد علم بهذا أن الحلويات عند العرب ما يعملونه بالدقيق والتمر ويدخل أكثرها الدبس أو العسل أو السكر وهذا كان نادراً في الجملة عندهم لأنه يأتيهم من فارس كما دل عليه اسمه عندهم إذ أخذوا عن جيرانهم الاسم ونقلوا المسمى. ويحكى أن عبد الله بن جدعان أحد اشراف قريش ذهب مرة إلى كسرى فأطعمه الفالوذج فاستطابه وسأل كيف يصنع فقيل له أنه لباب البر يلبك بالعسل فابتاع غلاماً يصنعه له ورجع إلى مكة وصنع الفالوذج ودعا إليها أصحابه وممن أكلها أمية بن أبي الصلت فقال يمدحه: لكل قبيلة رأس وهادي وأنت الرأي تقدم كل هادي له داع بمكة مشمعل وآخر فوق دارته ينادي إلى ردح من الشيزى ملاءٍ لباب البر يلبك بالشهاد قال الجاحظ ومن اشرف ما عرفوه من الطعام ولم يطعم الناس أحد منهم ذلك الطعام إلا عبد الله بن جدعان وهو الفالوذق. هكذا كانت الأطعمة في الجاهلية وأما في الإسلام فكان فيها في أخبار أهل الصدر الأول وخصوصاً في أخبار أبي بكر وعمر وعلي وعمر بن عبد العزيز من الزهد والتقشف ما يعجب منه كل من عرف أنهم فتحت لهم كنوز الأرض فعفوا عنها. ولما اشتدت حاجة عمر بن الخطاب أراد بعض الصحابة ومنهم عثمان وعلي وطلحة والزبير أن يزيدوه في رزقه فعزموا أن يأتوا حفصة ويسألوها ويستكتموها فدخلوا عليها وأمروها أن تخبر بالخبر عن نفر ولا تسمي له أحداً إلا أن يقبل وخرجوا من عندها فلقيت عمر في ذلك فعرفت الغضب في وجهه وقال: من هؤلاء؟ قالت: لا سبيل إلى علمهم حتى أعلم رأيك. فقال: لو علمت من هم لسوءت وجوههم أنت بيني وبينهم. أنشدك الله ما أفضل ما اقتنى رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت ثوبين ممشقين كان يلبسهما للوفد ويخطب فيهما للجمع قال: فأي الطعام ناله عندك أرفع فقالت: خبزنا خبزة شعير نصيبنا عليها وهي حارة أسفل عكة لنا فجعلناها هشة دسمة فأكل كنها وتطعم منها استطابة لها قال: فأي مبسط كان يبسطه عندك كان أوطأ قالت كساء لنا ثخين كنا نربعه في الصيف فنجعله تحتنا فإذا كان الشتاء بسطنا نصفه وتدثرنا بنصفه قال: يا حفصة فأبلغيهم عني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدر فوضع الفضول مواضعها وتبلغ بالترجية وإني قدرت فوالله لأضعن الفضول مواضعها ولأتبلغن بالترجية وإنما مثلي ومثل صاحبي كثلاثة سلكوا طريقاً فمضى الأول وقد تزود زاداً فبلغ ثقم اتبعه الآخر فسلك طريقه فأفضى إليه ثم أتبعه الثالث فإن لزم طريقهما ورضي بزادهما لحق بهما وكان معهما وإن سلك غير طريقهما لم يجامعهما. ولقد كان عمر بن الخطاب يشدد على عماله حتى لا يسترسلوا في التنعم بالأطايب فتقسى قلوبهم ويكونوا قدوة في الترف للرعية قال الربيع بن زيادة الحارثي: كنت عاملاًً لأبي موسى ألشعري على البحرين فكتب إليه عمر بن الخطاب رضي الله عنه يأمره بالقدوم عليه هو وعماله وأن بيستخلفوا جميعاً قال: فلما قدمنا أتيت يرفأ فقلت يا يرفأ مسترشد وابن سبيل أي الهيئات أحب إلى أمير المؤمنين أن يرى فيها عماله: فأومأ إلي بالخشونة فاتخذت خفين مطارقين ولثت عمامتي على رأسي فدخلت على عمر فصففنا بين يديه فصعد فينا وصوب فلم تأخذ عينه أحداً غيري فدعاني فقالك من أنت. قلت: الربيع بن زياد الحارثي قال: ما تتولى من أعمالنا. قلت: البحرين. قال: كم ترزق قلت: ألفاً. قال كثير فما تصنع به قلت: أتقوت منه شيئاً وأعود على أقارب لي فما فضل عنهم فعلى فقرءا المسلمين قال: فلا بأس ارجع إلى موضعك. فرجعت إلى موضعي في الصف فصعد فينا وصوب فلم تقع عينه إلا علي فدعاني فقال: كم سنك قالت: خمس وأربعون سنة قال: الآن حين استحكمت ثم دعا بالطعام واصحابي حديث أمرهم بلين العيش وقد تجوعت له فأتى بخبز وأكسار بعير فجعل أصحابي يعافون ذلك وجعلت آكل فأجيد فجعلت أنظر إليه يلحظني من بينهم ثم سبقت مني كلمة تمنيت أني سخت في الأرض فقلت: يا أمير المؤمنين إن الناس يحتاجون إلى صلاحك فلو عمدت إلى طعام ألين من هذا فزجرني ثم قال: كيف قلت فقال: أقول يا أمير المؤمنين أن تنظر إلى قوتك من الطحين فيخبز لك قبل إرادتك إياه بيوم ويطبخ لك اللحم كذلك فتؤتى بالخبز ليناً واللحم غريضاً فسكن من غربه وقال: أههنا غرت قلت نعم: فقال ريا ربيع أنا لو نشاء ملأنا هذه الرحاب من صلائق وسبائك وصناب ولكني رأيت الله عز وجل نعى على قوم شهواتهم فقال: أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا، ثم أمر أبا موسى بإقراري وأن يستبدل بأصحابي. نعم لو أراد عمر أن يملأ داره من هذهالطيبات التي عدها وهي أتقن شيء في نظره وأغلاه لما تعذر عليه بعد أن فتح المسلمون فارس والشام في عهده ولكن نفسه العظيمة أبت إلاالتقشف ومثله بعض عماله حتى أن أبا عبيدة لما هزم الفرس في كسكر من أعمالهم جمع الغنائم فرأى من الأطعمة شيئاً عظيماً فبعث بمن يليه من العرب فاقتسموا خزائنها وجعلوا يطعمونه الفلاحين وبعثوا بخمسه لعمر وكتبوا أن الله أطعمنا مطاعم كانت الأكاسرة يحمونها وأحببنا أن تروها ولتذكروا إنعام الله وأفضاله. ثم أن بعض الفرس حملوا إلى أبي عبيد بآنية فيها أنواع أطعمة فارس والألوان والأخبصة وغيرها فقالوا هذه كرامة أكرمناك بها وقرى لك فقال: أأكرمتم الجند وقريتوهم مثله قالوا: لم يتيسر ونحن فاعلون قالوا فرده وقال: لا حاجة لنا فيه بئس المرء أبو عبيدة إن صحب قوماً من بلاده أهرقوا دماءهم دونه أو لم يهرقوه فاستأثر عليهم بشيء يصيبه لا والله لا يأكل مما أفاء الله عليهم غلا مثل ما يأكل أوساطهم. قال زياد بن حنظلة في فتح عمر بن الخطاب لإيلياء من أبيات: وألقت إليه الشام أفلاذ بطنها وعيشاً خصيباً ما تعد مآكله وبذلك عرفت أن معظم الأطعمة الشهية فارسية أو رومية استعملها العرب في البلاد التي نزلوها ومنها ما عربوه ومنها ما أبقوه على حاله ولكل بلد خصائصه في مآكله ومن تعمد استقصاءها يضطر بعد البحث الشديد إلى وضع مصنف فيها يكون من أنفع الدروس الصحية والاجتماعية لا محالة. ومن المجالس الغريبة المجلس الذي عقده المستكفي بالله ليتذاكر مع ندمائه أنواع الأطعمة وما قال الناس في ذلك منظوماً وقد أورد المسعودي في مروج الذهب هذه القصائد ومنها قصيدة لابن المعتز يصف سلة سكارج كوامخ وأخرى لكشاجم في صفة سلة نوادر وثالثة لابن الرومي في صفة وسط ورابع لإسحاق الموصلي في صفة سنبوسج وأخرى لكشاجم في وصف هليون وغيرها للحافظ الدمشقي في وصف إدريسة وغيرها في وصف المضيرة ولغيرة قصيدة في جوزابة. ومن القصائد التي ورد فيها ذكر بعض الأطعمة الدمشقية حوالي القرن الرابع للهجرة قصيدة أبي القاسم الحسين بن الحسين بن واسانه بن محمد المعروف بالواساني الذي كان في زمانه كما قال الثعالبي في اليتيمة كابن الرمي في أوانه وصف ما جرى عليه في الدعوة التي عملها في قرية جمرايا من أعمال دمشق وقد أخذها صاحب اليتيمة برمتها: فقال أنه أحسن فيها غاية الإحسان وأبان فيها عن مغزاه أحسن بيان وتصرف فيها وأطال وأمكنه القول فقال وإذا تخلص الشاعر عن الإطالة والوصف هذا التخلص وسلم مما يؤديه إلى التكلف والتلصص فهو الذي لا يدرك غوره ولا يخاض بحره. جيران الفراعنة نشر المسيو جبرائيل مدينا في المجلة التونسية فصلاً إضافياً في أصول شعوب الأرخبيل في البحر الرومي وأحلافهم الليبيين الأفريقيين مستنداً فيه إلى ما عرف من الآثار المصرية والمصانع المصورة في آسيا الصغرى قال فيه ما تعريبه: عرض المسيو إيفانس في مؤتمر الجمعيات العلمية الدولي الذي التأم في موناكو سنة ١٩٠٧ نتيجة أعمال الحفر التي قام بها في كنوس عاصمة جزيرة كريت القديمة وهي حفريات ظهر بها مواد كثيرة يرجع عهدها إلى قدم الأزمنة في تاريخ كريت ويستدل منها على أمور كانت غير معروفة عن حال مدينة قامت في تلك البقاع. وقد أطلق هذا المكتشف على ما عثر عليه من بقايا الآثار اسم المينوئية وإن دلت كلها في الجملة على أنها صنعت على مثال الآثار الليبية المصرية دلالة لا يتمارى فيها اثنان. وقد نشر الآن المسيو هوغو ونكلر أستاذ كلية برلين كراسة صغيرة ذكر فيها ما عثر عليه أثناء حفرياته في بوغاز كوي وهي مشهورة بنقوشها البارزة الهيتية وكان من حظ هذا العالم أن يضع يده على السجلات السياسية لملوك الهيتيين مما يرجع على الأقل إلى خمسمائة سنة قبل الميلاد. وبين الألواح التي ظفر بها الأستاذ ونكلر الصور الأصلية من الرسائل التي بعث بها ملك الهيتيين إلى الأمراء الخاضعين له ونسخة من المعاهدة التي عقدت بينه وبين رعمسيس الثاني بعد موقعة قادش وهي المعاهدة التي عرفناها من الترجمة البديعة التي ترجمها المسيو ماسبرو منقولة عن الأصل المصري الذي وجد في الكرنك. ولقد عثر المسيو ونكلر أيضاً على نحو مائة قطعة من القرميد محفورة من أطرافها فيها بضع مئات من السطور المكتوبة بحروف المسند ولكنها كتبت باللغة الآشورية والهيتية وهي اللغة التي لم تنحل حتى الآن. وقد ظهر من حال بعض الألواح الآشورية أن بليدة بوغاز كوري كانت عاصمة المملكة الهيتية على عهد عظمتها وارتقائها أي في القرن السادس عشر إلى القرن الثلاث عشر قبل المسيح لا مدينة كركميس كما كان يظن من قبل. وأن تلك العاصمة كانت تسمى خاتي وبهذا استبان مقر تلك الأمة وعليه فإنا نقول أنها كانت في إقليم كابودسيا لا في الوادي الغربي من الفرات الأوسط كما كانوا يزعمون حتى الآن. وإذا اغتبطنا بهذين الاكتشافين فذلك لأنهما يقفان بنا على حقيقة تاريخية في منشأ الليبيين وأصولهم كما عرف تاريخ مصر عندما انجلت الكتابة التي كانت كتبت بها مدارج البردي والكتابات المزبورة على مصانعها وعادياتها. ذكرنا في كتابنا مملكة البحار المصرية على عهد توتيمس الثالث كيف كانت حال مصر من حيث جنديتها على عهد الدولة الثامنة عشرة من الارتقاء والعظمة ولاسيما في زمن توتيمس هذا. أما في زمن الدولة التاسعة عشرة والدولة العشرين فقد انحطت جندية مصر. وتبعث الكتابات المصرية القديمة التي كتبت على ذاك العهد على التخمين بأنه لم يكن للفراعنة إذ ذاك أساطيل في استطاعتها أن تؤيد سلطان مصر على البحر المتوسط وتحاول أمم الأرخبيل (بحر ' يجي) في الشمال أن تهاجم مصر من طريق الدلتا. والهيتيون من الشرق والليبيون من الغرب والعنصر القوشي نسيب الليبيين من الجنوب وكلهم يحاولون الإغارة على وادي النيل. والظاهر أن هذه الأساطيل وهذه الجيوش وإن كانت تعمل كل منها منفصلة عن الأخرى لكنها كانت تعمل بإشارة خاتي عاصمة مملكة هيت وهي العدوة الزرقاء لملوك مصر منذ سقوط ملوك الرعاة. وقبل درس حال هؤلاء المتحالفين أو الأمراء التابعين لمملكة هيت جماعة جماعة يجب أن نبين عناصرهم وأصولهم أولاً. فإذا أخذنا شعوب الأرخبيل وهذا الجزء من قارة آسيا فإنك لا تراهم إلا مزيجاً من الشعوب البحارة الذين كان يطلق عليهم في القديم البلاسج فكان أصل بعضهم من كريت وبعضهم من الشوطئ الغربية في آسيا الصغرى فهذا الشعبان بحسب رأي الباحث أربوا دي جونيفيل من أصل واحد بيد أن التاريخ اليوناني إذا طبقناه على الاكتشافات الأثرية الحديثة يداخلنا الشك في صحته وكذلك المكتوبات المصرية المزبورة على المصانع والمعاهد فإنها تميز الشعب الأول باسم بلست والثاني باسم تورسها ويظهر أن الأول كان من الفيلستينيين الذين هم معدودون من سلسلة النسب بحسب رواية سفر التكوين من أخلاف مصرائيم ومن فرع كسلوحيم. ويظهر لنا أنهم ليسو سوى ليبيين مصريين الذين قال المؤرخ بلين والجغرافي بومبينوس ميلا أنهم نازلون على التخوم الغربية من مصر وسماهم المؤرخ هيرودوتس بالأدرماشيديين. وبهذا عرفت أن أصل الكريتيين والفيلستينيين ليبي مصري على ما ثبت من الحفريات الحديثة التي حفرها المسيو إيفانس في جزيرة كريت إثباتاً لا يحتمل الأخذ والرد. ولكن هل نشأن احتكاك ليبيا ببلستا في زمن سبق عهد أمم البيلاسج بما كان بين القطرين من لاصلات أو هو ناشئ من صلات تجارية ليس إلا؟ أما نحن فلا نسلم بهذا الفرض بل نقول فقط أنه ناشئ من وحدة أصولهما واتحادهما في المعتقدات وتذكرهما بأن لهما أصلاً واحداً بين السكان المتاخمين للآريين في الشاطئ الشمالي من آسيا الصغرى وكريت وليبيا. فالبيلاسج الكريتيون يمتازون عن البيلاسج التورسانيين بأخلاقهم النابية عن الآداب والحشمة مثل مخالفتهم الفطرة في الشهوات وتصويرهم أعضاء التناسل في كل مكان فترى في ليبيا وكريت وآسيا الصغرى أن هذه العادة شائعة في كل مكان وقد ذكر هيرودتس أن في كل مكان انتشرت فيه عبادة الكابيريين الكنعانية سواء كان في كريت وساموتراس ولمنوس كنت ترى أن رمز أعضاء التناسل معروضة على صورة تعبدية. ويقول المؤرخ سترابون أن مثل هذه الصور كانت تنقش على الحجر في أبواب مدينتي لامبساك بانوبوليس احتراماً لها وإكراماً. وقد ذكر المسيبو ستارك فيما جمعه من الساطير عن صقع جبل سيبيل أن الملك تانتال الذي كانت عاصمته على خمسة كيلومترات من أزمير تجاسر في خلال إحدى الحفلات أن ينازع الرب زيوس في النعم التي أسداها إلى الأميرة جانيد فأهلكه المشتري عقوبة له ولأمته. وقد زرت بلاد سيبيل منذ بضع سنين وتعهدت خرائب تانتاليس وقبر ملكها تانتال وكلها تدل على قدمها وتدل جميع القبور التي كشفت بالحفر على عبادة آلات التناسل كما أن أديم الأرض يدل على حقيقة لا جدال فيها وهي أن تلك البلاد كانت عرضة للحوادث الأرضية. وفي التقاليد اليونانية أن أصل تانتال هذا من جويرة كريت وهو مننسل الرب زيوس وأبوه زحل رب ليبيا وهذه القصة أشبه بما ورد في التوراة من قصة قوم لوط في سدوم الذين غضب الله عليهم فأهلكهم ولم نذكر قصة تانتال للدلالة على أن أقدم تقاليد مبونيا (وأليديا) تشعر بأن ما أتاه قوم لوط قد انتقل إلى سكان هذه البلاد وليس هو من اختراعهم. أما البلاسج التورسانيون الذين يمتازون كما قلنا عن البلاسج الكريتيين فالظاهر أن العبادة المألوفة عند الكريتيين كانت مألوفة أيضاً عند التورسانيين بدون أن يصوروا الرجال عراة وكانت الصور عندهم على جانب من الوقار والطهر وسلامة الأدب على أنهم لم يستنكفوا عن تعرية النساء وقد اكتشفت في جزائر الأرخبيل من مدينة تارس مئات من تماثيل النساء عاريات وقد جعلن أيديهن على صدورهن. وهذه التماثيل ليست من التماثيل الفينيقية فكان على ما يظهر من طبيعة هذا الشعب أن يعنى كثيراً بجنس النساء ولذلك وجد في بلادهم ويظهر أنها سيلسيا عدة بيوت خاصة بالنساء كما وجد في أقليم كابادوسيا مدن مثل زليا وكومونا وبسينونت سكانها كلهم من أهل الفاحشة من الجنسين وكهنتها خصيان والفجور فيها مقدس وشائع. وأكد الجغرافي سترابون الذي ولد في أمازا في وسط بلاد البحر السود أنه مكان في عصره في مدينة فنازا من أعمال موريمينيا معبد كان فيه ثلاثة آلاف فاحشة ومثل هذا القدر في مدينة بسينونت وفي مدينة كونا ستة آلاف. أما زيليا فإنها كانت مأهولة خاصة بالمقدسات من المومسات وهذه المدينة معتبرة بأنها مقر هذه العبادة حيث كان يقيم حبرها الأعظم تحيط به خدمة كثيرون ويحكم حكماً مطلقاً على اولئط الفاشقات المعروضات لكل قادم. وكانت هذه المعابد منتشرة فيالخمس ممالك الآسياوية يعني في جميع آسيا السالفة ومنها أودية ما وراء سلسلة جبال طوروس وطوروس أمازيوس ويظهر أن وجود هذه المعابد في جميع الطريق الآخذة من تارس إلى خليج فارس ومنها إلى البحر الأسود يدل على وجود هذه الأسواق الكبرى من النساء المستعبدات الفاسقات اللائي كن يقربن التجار من جميع الأمم الذين يأتون مع القوافل أو في البحار وربما نشأ من هنا ما نراه الآن من الأسواق العامة والخانات التي لم يزل لها أثر حتى اليوم في آسيا الصغرى. أما البيلاسج التورسانيون فقال هيرودتس في سبب أصلهم أنه حدثت مجاعة هائلة خربت إقليم ليديا على عهد الملك أتيس ابن مانيس فاستسلمت الأمة لها زمناً ولكنها ما فتئت تفتك بهم ولما لم يجدوا سبيلاً للخلاص منها أخذ كل واحد يفكر في طريق لنجاته وعلى ذلك العهد اخترعوا زهر النرد والكعاب والكرة وسائر اللعاب فكانوا يتراوحون كل يومين بين اللعب والأكل فيقضون اليوم الأول بطوله في اللعب لئلا يفكروا في الطعام وفي اليوم التالي يتوقفون عن اللعب ويأكلون. وبفضل هذه الواسطة دام القحط ثماني عشرة سنة وهي بحالها لا تزداد إلا شدة فعندها نادى الملك في قومه فقسمهم شطرين ثم اقترع بينهما فقسم وقعت عليه القرعة بالسفر وقسم بقي في البلاد. أما الملك فبقي مع المقيمين وأقام ابنه تورسينوس ملكاً على المهاجرين فذهب هؤلاء إلى أزمير وأنشئوا سفناً جعلوا فيها كل ما يحتاجون إليه من الزاد في رحلتهم الطويلة وأقلعت سفنهم تطلب أرضاً تطعمهم وشطأوا (حاذوا شواطئ) أمماً كثيرة حتى بلغت بهم خاتمة مطافهم إقليم أومبيريا (من إيطاليا وهي ولاية بروز اليوم) فأنشئوا فيها بيوتاً لم يزالوا ساكنين فيها حتى الآن وغيروا اسمهم وتسلموا باسم ملكهم فدعوا التورسانيين. هذه القصة التي أوردها هيرودتس على حقيقتها لا تقبل بجمالها وذلك لأن هذه المجاعة التي دامت ثماني عشرة سنة وهذه الحيلة الصبيانية من اختراع الألعاب ليدفعوا عنهم آلام الجوع قد ظهرت للعلماء من العبث وتجلى أصل الإيتروسكيين الليدي من أساطير الأقدمين للقدماء والمحدثين. وللوقوف على ذلك لا يرجع إلا التقاليد القديمة بل إلى ما ظهر من المكتوبات والآثار المحفورة في مصر وآسيا الصغرى وبالمقابلة بينها يستنتج بأن أتيس الذي ذكر خبره هيرودتس لم يكن ليدياً بل أن الآثاؤ التي وجدت في مدينة خاتي عاصمة الهيتيين ومدينة عبو والألواح التي اكتشفها ونكار في بوغاز كوي كلها تدل على أن أتيس لم يكن ملكاً لميوبيا فقط بل ملكاً على مملكة واسعة كانت ليديا بأجمعها من جملتها وتدجل الكتابات المصرية والرسوم البارزة في آسيا الصغرى على ذلك كل الدلالة. والمصانع المرسومة كتاب من التاريخ لا يكذب ولا تجد له مثيلاً في الأساطير القديمة والتقاليد المتعارفة عن الأمم البائدة بواسطة هذا الكتاب تضمحل النظريات والأفكار الواهية المبنية على تخمينات لا يمكن الجمع بينها وتنجلي الحقيقة كالشمس رأد الضحى. في الطريق الموصلة من ساردس إلى أزمير قرية معروفة عند الروم اليوم باسم نينفي ويسميها الأتراك قره بكلي وهناك ساعد من سواعد نهر الهرموز يخرج من صخرة ويشرف على مجرى طوله خمسون متراً وترى داخل تلك الصخرة كوة علوها متران ونصف وفيها صورة تمثل محارباً يلبس على رأسه تاجاً مقرناً على مثال قبعات ملوك الهيتيين وهو لابس قميص قصير على مثل ما نراه في المصانع المصورة في أيوك أو بوغاز كوي وهذا التمثال يحمل بيده قوساً وفي الأخرى رمحاً ويلبس في رجله حذاءً ذا رأس طويل منحن. وقد كتبت من جانب رسم الصورة ستة حروف باللغة الهيتية إلا أنها لا تقرأ ولم يستطع أحد أن يحلها. وقد قال هيرودتس نقلاً عما ذكره له كهنة المصريين من غزوات رعمسيس الثاني الموهومة في آسيا الصغرى أن هذه النقوش البارزو هي رسم سروستريس ملك مصر أما اليوم فلا يتردد أحد من الاعتراف بأن هذا الرسم هو رسم مجاهد هيتي وربما كان تي خاتي بالذات أو أتيس الذي ذكره هيروديتس وهما وليست هذهالصورة وحيدة في بابها بل أن المسيو هومان اكتشف واحدة مثلها في أفيس وهاتان الصورتان هما صورتان مزورتان لسروستريس خدع بهما هيرودتس وهما شاهدتان للأعقاب بامتداد سطوة الهيتيين العسكرية في آسيا الصغرى. ويستفاد من تطبيق تاريخيهما أن هذين النقشين البارزين يرد تاريخهما إلى القرن الخامس عشر قبل المسيح. وقد ذكر في الآثار المصرية التي وجدت في مدينةعبو في ذاك التاريخ نفسه خبر ثورة عظمى بين الشعوب في تلك البلاد من قارة آسيا واسم هذه الشعوب الثائرة المنيريون والميونيون والليسيون والموشيون والدرادانيون والكاريون الببدارزيون. وقد قيل أن جميع هذه الشعوب كانت من تراسيا أو فرغانة على أنه لميجر ذكر للبريج أو التراسيين بين تلك الأسماء ويحق ما لاحظه المسيو جورج برو بقوله: أليس من المحقق أن الفرغانيين لو سكنوا شبه الجزيرة الشرقية (بين الإدرياتيك والأرخبيل) لكانوا انجذبوا طوعاً أوكرهاً بالحركة العظمى بين تلك الأمم وأكرهوا أو أغووا على الانضمام إلى النزول إلى سورية على أنه ليس في قائمة الشعوب التي دعاها الهيتيون إلى مساعدتهم ولا في تسمية كهنة الهيتيين لهم فيما بعد بشعوب البحار ذكر لاسم الفرغانيين. وإذا لم نجد في كتابات تلك الأعصر إشارة للهيتيين ألا نستنتج من ذلك أن التراسيين لم يجتازوا بوغاز الدردنيل وأن أحلاف الخاتيين لم يكونوا أوروبيين ولا تراسيين؟ وغذا تركنا الكتابات المصرية جانباً ونظرنا في كتابات التوراة التي هي أحدث منها فإنا نبدأ بحسب الطريقة التي اختارها كاتب الإصحاح العاشر من سفر التكوين أي بأن نتتبع أجيال الناس من الغرب إلى الشرق فيتجلى لنا أنه جعل في مقدمة أولاد يافث الشعوب التي هي نمن بلاد الشمال وفي سكان الجنوب الجافانيين أو الروم وقد أتى بهم بجانب التيرانيين والموشيين الذين ذكرهم هيرودتس. ولم نر للفرغانيين أو الكومريين ذكراً لهم وهم شعوب وسط بين سكان الأرخبيل والآسياويين. ويرى أحبار اليهود أنالتراسيين هم الإسكينازيون إلا أن هذا مجرد فرض منهم لا يفهم من نصوص العهد القديم وإذا أطلق هنا على إقليم فرغانة اسم أفريقية فهذا أيضاً ري من الآراء لا حقيقة من الحقائق الثابتة. ثم أن بعض الشراح من الربانيين قالوا بأن الترشيشيين هم من التراسيين بدون أن يدركوا أن التوراة قد جعلت ترشيش بن جافانا واسكنار بن كومر على أن هذين الفرضين لا يمكن تطبيقهما من الوجهة الجغرافية والشعبية على نصوص شرح التوراة. وليس في الكتابات اآشورية شيء بشأن التراسيين أو البيرجيين سكان آسيا الصغرى. جاء في التواريخ الآشورية المحفورة على اسطوانات من الأجر (الطوب) المحفوظة في المتحف البريطاني ذكر ملك مداس أوميتا وورد على صورتين (ميتا) ملك الموسخو وميتا ملك الموسخاي أي ميداس ملك الموشيين أو ميداس الموشيني لا ميداس الفرغاني كما يزعم ذلك كتاب اليونان. وقد طاف المسيو بيرو إقليمي ليديا وكابادوسيا طواف عالم أثري وقابل بين مصانعها المختلفة فرأى أن هذه التناقضات لم تنشأ إلا من ضعف إرادة هوميرس في نسبة أصل أبناء وطنه إلى فرع أوروبي لا إلى فرع آسياوي. ومن تأمل فرأى أن ليس من أحد بين اليونان كان يود مناقضة هوميروس كما أن الباحثين في أوروبا قديماً عن أصول التاريخ كانوا يعنون قبل كل أمر بتوفيق أقوالهم على نصوص التوراة ـ يدرك في الحال السب الذي دعا إلى التفاسير القديمة والحديثة لم يتيسر لها أن تخلص من هذه الوجهة المهمة من سلطة التقليد. وكذلك الحال في البيتيتيين والتينييين والميزيين والذيم أرادوا أن يلصقونهم بالأصل التراسي. وإنما نكتفي هنا فقط بأن نقول أن في اللواح الآشورية ذكراً لبلاد في آسيا الصغرى اسمها بيت أني أو أنو وهي على التحقيق ليست من أصل تراسي وقد رسم أنو هذا في الأساطير الكلدانية على صورة رب سمكة أو رب السواحل البحرية. على أن الأثري شلمان اكتشف في اليسيرليك على بضعة كيلومترات من المكان الذي يزعمون أنه مقر الفرغانيين على عمق ستة عشر متراً في الأساس الذي دعاه قصر بريان على عدد كثير من الأواني والصحاف عليها صورة سواستيكا أوالصليب (المقلوب) الذي يرى بريخ مدير المتحف البريطاني أنه رمز أنو. وأنت ترى أن في مسائل أصول الشعوب صعوبات جمة واختلافات كثيرة في التأويل أما نحن فلا نجزم فيما نقول بل نقول بأنه من المحتمل كل الاحتمال أن الشعوب البائدة كان بينها قرابة ويجب التوفيق في ذلك بينها إلا فإذا خانتنا النصوص الموروثة عن عصورهم وظهورهم في التاريخ أو إذا رأيناها تسكت عنهم فإن الشك يسمح به والتأكيد المطلق غير مقبول. سير العلم والاجتماع تعليم الشعب كثرت مدارس الشعب في أوروبا كثرة زائدة بفضل المنورين من أهلها. ومدارس الشعب هي مدارس تعليم عامة الناس في المدن والأرياف ما فاتهم أن يتعلموه في المدارس في صباهم تنوع فيه التعليم على أساليب كثيرة وقد كانت انتشرت أول الدعوة إلى إنشاء مدارس العشب أو العامة في الممالك الصغرى سنة ١٨١٠ في الدانيمرك على يد رجل منها اسمه كرواندويك وما برحت المدارس فيها تكثر حتى أصبح فيها نحو تسعين مدرسة عالية لتعليم العامة يتخرج منها كل سنة نحو سبعة آلاف طالب وطالبة وكلهم لا تقل سنهم عن ١٨ ولا تزيد عن ٢٥ ولو لم يتعلم أبناء الفلاحين هذا التعليم العالي بعد فوات السن ما تيسر لهم تصدير حاصلات بلادهم ومصنوعاتها إلى الخارج والغاية الأولى التي يرمي غليها السائرون على خطة كرواندويك أن ينشروا المعارف بين جميع الطبقات وقد انتقلت طريقتهم هذه من الدانيمرك إلى نروج والسويد وإلى فنلندا وكل بلد من هذه البلاد تحاول صبغ مدارس الشعب بصبغة تلائمها وتلقى فيها من العلوم ما له مساس بقيام عمرانها واجتماعها كأن تعلم فنلندا مثلاً الموسيقى لأنها محبوبة من الأمة وفيها أربعمائة جمعية لتعليم العامة فن الموسيقى وفي فنلندا ونفوسها لا تتجاوز الثلاثة ملايين ٣٥ مدرسة عالية لتعليم الكبار من عامة الشعب ما يلزمهم من هذه الحياة مما لم يسعدهم الحظ بتعلمه صغاراً. الأولاد الفاسدون استعمل الدكتور بريللون طريقة جميلة في التربية لإصلاح نفوس الأولاد الفاسدين كالذين اعتادوا السرقة دون أن يستفيدوا مما يسرقون ويسمي الأطباء عملهم كبتوماني أو الذين يألفون بعض العادات الضارة كقضم الأظافر وغيرها فعمد إلى تنويم من أراد إصلاحه تنويماً مغناطيسياً وألقى إليه قطعة من النقود وأوعز إليه أن يتناولها فيسرقها ثم يقول له أن يرجعها فيرجعها ويوبخه على عمله ويقول له عليك أن لا تعود إلى مثل عملك هذا. . وهكذا يتعلم السارق بالاستهواء أن يكف عن عادته قال وهذه الطريقة أنجع من جميع الطرق الأدبية والطبيعية التي اتخذت في إصلاح مثل هذه النفوس حتى الآن. الزجاج في مصر كتب أحد علماء الآثار في المجلة الثرية الفرنسوية يقول أنه كان من التقاليد الشائعة أن الفينيقيين هم الذين اخترعوا الزجاج ومنذ حل الخط المصري القديم تبين أن كثيراً من الأواني الزجاجية الملونة التي اشتهرت بأنها فينيقية قد نقش عليها اسم فراعنة مصر وقد أبان أحدهم أنه وإن ثبت وجود أواني زجاجية مصرية أو يونانية صنعت قبل الإسكندر فلم يثبت وجود معمل فينيقي في فينيقية وبذلك تبين أنه لم تنتشر صناعة الزجاج في سورية إلا على عهد السلوقيين خلفاء الإسكندر ولاسيما على عهد الرومانيين وقد ثبت الآن أن سورية وبلاد دجلة والفرات لم تعرف الزجاج قبل العهد اليوناني وأن الآنية الآشورية الوحيدة التي نقش عليها تاريخ وحفظت في المتحف البريطاني وكتب عليها اسم سراغون الثاني هي بدون ريب من أصل مصري كما ثبت ذلك من شكلها ووضعها. وكما يؤخذ من علبة مرصعة بالزجاج الأسود والأخضر وجدت في حفريات أبيدوس. وقد اقتنى متحف برلين مؤخراً عصا قائمة الزوايا طولها بضعة سنتمترات نقش على وجهها بالأبيض اسم لامار أحد فراعنة الدولة الثانية عشرة ولامار لقب له واسمه الأصلي أمنيس الثالث وكان يعبد في الفيوم. وما وجد في هذه المدينة من الزجاج القديم يدعو إلى الجزم بأنها كانت في القديم مصنع الزجاج وإن صنع الزجاج بلغ درجة عالية في مصر على عهد الدولة الثامنة عشرة وأقدم ما وجد من الأواني الزجاجية ثلاث قطع حفظت فإحداها في القاهرة والأخرى في لندرا والثالثة في ميونيخ. وقد استدل الكاتب بأن ما لاحظه يتري من أنه كان في تل العمارنة هي عاصمة أمينوفيس الرابع معمل للزجاج على أن هذه الصناعة كانت فيها على أتم الرواج في الدولة الثامنة عشرة الفرعونية وأن المصريين كانوا يصنعون الأقداح والتعاويذ من الزجاج. ومعمل تل العمارنة دليل واضح على أنه كان في مصر معامل كثيرة للزجاج والعقل يقضي بأن ما عثر عليه من الزجاج أقدم من هذا التاريخ وهو من صنع مصر أيضاً كالزجاج الذي عثر عليه في قصر أمينوفيس الثالث في ثيبة. وقد بيعت مصنوعات مصر الزجاجية في شواطئ البحر الرومي فنسبت للفينيقيين لأنهم هم الذين كانوا يحملونها على سفنهم ثم أثبت أن صناعة الزجاج ازدهرت في زمن الدولة الساميتية وكانوا ذاك العهد يفضلون التعاويذ الصغيرة والتمويه والتزيين بأنواعه على الأواني الملونة يتخذون من ذلك ما يزينون به بيوتهم وفرشهم بل ويتزين به صاحب الدار نفسه. ومن الصعب التمييز بين عصر البطالسة وعصر الرومان. ومن رأيه أن نفخ الزجاج اخترع في معامل فينيقية بعد عهد الإسكندر وهذا السبب في أرجحية معامل فينيقة على غيرها. وتكلم عن الزجاج المعمول بالفسيفساء فقال أن ما وجد منه قد كتبت عليه كتابات مصرية ويونانية وكثير منها من صنع الإسكندرية والفيوم وواحة سيوة ومنها نقلت إلى بلاد اليونان وإيطاليا وغاليا ولا يبعد أن تكون أوروبا نسجت على منوال صناع الزجاج المصريين وهؤلاء علموا الأوروبين على عهد الإمبراطورية الرومانية صنع الزجاج وقد كانت مدينة أكيلة القديمة على شاطيء الإدرياتيك مركزاً في أوروبا لصناع الزجاج ومنها هاجر البنادقة الذين صنعوا الزجاج للشرق الإسلامي وأصبحت مصنوعاتهم نموذجاً تقلده جميع معامل أوروبا وكانت الصلات مستحكمة بين أكيلةومصر. وظل الزجاج يصنع في مصر حتى في عهد استيلاء الرومان وفتح العرب وهذهالثناعة رائجة فيها كما أن العرب عنوا بالكاشاني وتغيرت طرق صنعه وأشكاله،. واشتهرت في القرون الوسطى الأواني الزجاجية والمصابيح العربية الملونة التي انتقلت إلى معامل البندقية وأصبحت تطرس على آثارها ثم كتب التقدم لمعامل البنادقة وعرفت تقلد النموذجات الشرقية أحسن تقليد وما زالت معامل الشرق في انحطاط حتى زالت جملة واحدة واليوم بعد أن كان الشرق يصنع لأوروبا منذ عهد الرومان أوانيه الزجاجية أصبح يجلب من إيطاليا وألمانيا وفرنسا ما يلزمه من الأواني في حاجاته اليومية. التربية الحرة لكل أمة ضرب من التربية فالأمة الديمقراطية أو الجمهورية لا تشبه تربية الأمة الدستورية المقيدة أما تربية الأمة المطلقة فنمطها مختلف عن تينك التربيتين وقد كتب أحد علماء الفرنسيس مقالة في التربية الديمقراطية فقال أن الديمقراطية وهي كمال الحياة التي سعى إليها الكل لفائدة الكل يجب أن تعتبر التربية أس أساسها ولا تحصل الغاية من التربية في أمة ديمقراطية بكثرة المواد التي يتعلمها أبناؤها فقد اختلف مشاهير علماء الأخلاق في النوع اللازم للديمقراطية من التربية وإن كانت مبادئهم بحسب الظاهر تؤدي إلى غرض واحد. الناس يخلطون بني التربية والتعليم فيرونهما شيئاً واحداً على أن التربية غاية والتعليم واسطة فالغرض من التربية أن تربي في الطفل شعور مكارم الأخلاق فتكون سلماً يصعد به على ذرى التعلم فتصرف وكدها في إنارة عقله وحكمه عندما يتجليان وتكون أخلاقه رقيقة متينة فيصبح الطفل على ثقة من تنبه الشعور والعقل والعمل عندما يبلغ سن الرجولية ويتعلم عمل الخير والإدراك والتأمل كما يتعلم الإرادة وصحة العزيمة فتربية الوجدان تهم كما تهم تربية العقل وكثر المدارس لا تعنى بالتربية الأولى فتأتي أمراً أداً يجب أن يعلم الأطفال مكارم الأخلاق فإن صلاح المرء بأن يكون عادلاً وحكيماً ويجب أن يربى في المرء قوة التمييز وتنمى فيه قوة الانتباه وهي القوة التي تنفع أكثر من تحصيل المعارف الجديدة كما يجب تربية دائرة العقل وإمداده بالأدوات الأولى التي يهيء أمامه سبل العمل فالأرض الزراعية مهما بلغت من الخصب تحتاج أن تعد لها المعدات وإلا فلا تنبت فيها البذر الذي يبذر فيها. ثم أن حسن العشرة والسلوك في المجتمع مناطان بأخلاق الفرد وعلى قدر أخلاقه في الغالب تكون أعماله وجهاده. ومتى ظهرت في الطفل علائم إرادته الأولى كان منها توجه نفسه إلى العمل فإن لين أخلاقه ومضاءها تعلمانه أن يعنى بالضروريات الخارجية بدون أن تؤثر فيها كل التأثير. فحربتنا الأدبية هي عبارة عن اعتمادنا على أنفسنا. فإن قيل هل يجب أن تكون التربية عامة أم أهلية أي أن تربية الأطفال في المدارس العامة خير أم تربيتهم في بيوت أهليهم فقد ذكر الفيلسوف ديدرو كلمات في هذا الصدد هي جماع الحكمة في التربية وهي على اختصارها أجمل جواب على هذا السؤال قال: لقد قضيت السنين الأولى من حياتي في المدارس العامة ورأيت أربعة أو خمسة تلاميذ من الطبقة العالية يتناوبون في غضون السنة المكافآت ويتناولون الجوائز فيدخلون بتقدمهم اليأس على نفوس رفاقهم وتأخر هؤلاء عن اللحاق بهم، رأيت عناية الأستاذ مصروفة إلى تخريج هذا العدد المختار القليل من الطلبة ويهمل من عداهم ورأيت معظم هؤلاء الأولاد يخرجون من المدرسة بلهاً مغفلين وجاهلين فاسدين فقلت في نفسي: يا لشقاء أب يستطيع أن يربي ابنه في بيته فيرسله إلى مدرسة عامة. ليت شعري من أين أخذ البشر المعارف التي تميز بها في الآداب بعض الرجال الذين ربوا في المدارس ومن السبب في وصولها إليهم؟ لا جرم أنها ابنة دروسهم الخاصة. ولطالما أسفوا وهم في حجراتهم للوقت الذين قضوه على دكات المدرسة. فكيف السبيل إذاً؟ هل تصلح الحال بتغيير طريقة التعليم العام ومتى اغتنى المرء يربي ابنه في منزله. أنا لا أستحسن تربية الدير للبنات إلا إذا كانت أخلاق الأمهات فاسدة ولا أستحسن المدرسة للبنين إلا إذا كان الآباء مسرفين يعطون ألف ريال للحوذي الذي يسوق مركباتهم وألفي ريال للطاهي الذي يطبخ طعامهم. هذا ما قاله ديدرو وقال مونتين يجب أن تصرف خمس عشرة أو ست عشرة سنة للدرس والباقي للعمل. وما قطبا الحياة في الحقيقة إلا الفكر والعمل فالأول يولد الثاني والثاني متمم للأول. ويقول بعضهم أن التربية لا ينتهي دورها إلا بانقضاء أجل الحياة على أنه من اللازم أيضاً أن ينظر بأن التجربة التي يحرزها المرء كل يوم يكون لها عمل لتنوب مناب التربية كلما تفهمها ولا تربي إلا إنساناً ناقصاً. أما فيما يتعلق بالمواد التي يجب تعليمها فيجب أن يتوسع فيها ما أمكن فمن الميسور تلقين الطفل أموراً كثيرة إذ القوة الحافظة فيه على أتمها وقد أخطأ روسو في كتابة (أميل) في رأيه أن الاستظهار يضعف الذاكرة على أن الذاكرة ليست خزانة يحشر إليها الطفل صنوفاً من المبادئ يرجع إليها الطفل فيما بعد. فبعد أن يلقن الطفل واسطة للحصول على معارف حقيقية بتعليمه القراءة والكتابة يجب أن يعلم لغة بلاده ومبادئ العلوم الطبيعية والظواهر الجوية والرياضيات وذلك إما بدرسها في كتاب أو في نقشها ورسمها والعلم ينزع الخرافات ويودع في النفس فكر الارتقاء الثابت والنشوء البطيء المنظم بنواميس. يصدق هذا على الحالة الاجتماعية والسياسية كما يصدق على الحالة الطبيعية والجيولوجية. ويعلم الطفل الأعمال اليدوية والرياضية. ويعلم التاريخ لا التاريخ المملوء بالشوائب بل التاريخ الحقيقي. فبالتاريخ يتجلى له بأن الكمال ممكن وأن الناس آخذون في السير نحوه فيحب المتعلم طريقة الحكم الديمقراطي ويؤثرها على غيرها من أنواع الحكم كما يعلم أن يحب كل من قضوا نحبهم في سبيل ترقية البشر وكل من نقلوا إلينا حرية الوجدان. ويجب أن يعلم الطفل مع هذه المواد فن الآداب حتى لا يكون غريباً عن مظهر من مظاهر الجمال ويمتزج في روحه الفتية حب الكمال قال بول برت: من الواجب أن يتعلم الطفل اللغات الأجنبية بل اللغات الميتة حتى لا يفوته شيء مما أنتجته المدارك البشرية ولا يكون بعيداً عما مر على أسنة اقلام العظماء في تبيانهم وبيانهم وأرى أن هذه المعارف توسع ذهنه وتفتح أجنحة تصوره فبالآداب وحدها تهتز القلوب وتحيا الوجدانات ولقد كانت مصنفات اليونان واللاتين مؤثرة في أجيالنا معاشر الإفرنج وفي مصنفاتنا منها مسحة خاصة فنحن واللاتين واليونان من فصيلة عقلية واحدة. ويضاف إلى المعلومات التي يعلمها الطفل أمور يجب أن تنضجها الحياة والعمل وهناك تعليم وطني أدبي ينبغي أن يشرب الطفل حبه ألا وهو معرفة قوانين بلاده السياسية وحالة الطريقة التي تدار بها شؤونها وتراعى في كل تعليم أميال الطفل قابليته فقد قيل أن في الإنسان وفي أعماله المختلفة في الحياة ألف نوع من التفنن ولكل ذوقه. وأمانينا لا ينطبق بعضها على بعض. وتجب العناية بتقوية جسم الطفل ووقاية صحته وأن لا يكون حظ النبات في التربية كحظ البنين ويكون التعليم عامياً (علمانياً) لا دخل للدين فيه يكون كذلك في المدرسة كما يكون في البيت وأن يجد الطفل في بيت أبيه متمماً لدروسه في المدرسة. وخير ما ينفع الطفل أن لا تكون المدرسة والبيت وهما مبعث التربية متناقضتين غي المبادئ بل متحدتين فيها وأن تدرس الفنون بحيث يتمكن التلميذ من إظهار عواطفه بواسطتها فتقوى بها شخصيته وميزته ويعنى بتنمية ملكته في الشعر والتصوير والموسيقى فقد قالب شوبنهور الفيلسوف الألماني: إن استماع الأنغام الجميلة هو حمام يغسل أدران العقل. نعم إن الموسيقى تغسل كل وسخ وتنبذ ما يحط بالنفوس ويشقيها فالموسيقى ترفع مقام الإنسان وتجمع بينه وبين الأفكار النبيلة التي هو أهل لها فيشعر إذ ذاك كل الشعور بما يتأتى له أن يساويه في هذه الحياة. هذا ما قاله العالم الغربي وفيه درس لكل شرقي وجدير بنا أن نجعل قوام تربيتنا على تقوية الإرادة والاحتفاظ بالقديم والأخذ بحظ وافر من المعارف البشرية اللازمة وتربية روح الوطنية والعواطف السامية بالفنون الجميلة فهي وحب الجمال والكمال من العوامل القوية في أسباب الرقي المادي والمعنوي. حماه وحمص اكتشف المسيو بونيون من علماء الآثار أربعة أحجار كانت في عمود كتبت بلغة آرامية ممزوجة بالكنعانية والعبرية وذلك في خلال رحلته إلى سورية منذ خمس سنين وهذه الأحجار هي عبارة عن تقدمة قدمها زاكير الملقب بملك حماه ولانش أولاعوش وقالوا أنها مدينة حمص إلى الرب آلور يتضرع إليه فيها أن يكتب له النصر على الملوك الذين اتحدوا وحاصروه في مدينة خرزك وكان أكبر أعدائه ملك آرام (دمشق) المدعو بارحداد ابن خزائيل وقد تولى هذا الملك منذ سنة ٨٠٥ إلى نحو ٧٨٠ ق. م أي على عهد ملك إسرائيل جوهاشاز ابن جيهو وقد كتب المسيو دوسو من علماء الآثار في المجلة الأثرية بحثاً في مملكة حمض وحماه قبل المسيح بثمانية قرون فقال أن مملكة حماة لم تكن تتناول فقط السهول الغنية التي كانت تؤدي الجزية من بلاد نهر العاصي الوسطى بل كانت تمتد أحياناً في وادي هذا النهر إلى البقاع بحسب ما كانت دمشق وهي الخصيمة القوية تتركها تتنفس الصعداء. وفي القرن الثالث أضافت مملكة حماه إليها بلاد لاعوش أو أرض خزرك فأعادت بذلك مملكة أمورو (الأمهوريين) العظمى التي كان خربها الهيتيون في القرن الرابع عشر قبل المسيح وقد كتم المكتشف اسم المحل الذي اكتشف فيه تلك الحجارة واكتفى بأن قال في كتابه الذي نشره حديثاً في المزبورات السامية في سورية وبين النهرين وكور الموصل أنه عثر عليها في سورية على مائتي كيلومتر من البحر الرومي وأنه يأمل أن يذهب ذات يوم لإكمال الحفر فيكتشف ما ينقصه من هذه الآثار إلا أن كاتب المقالة أدرك من حل الكتابات المزبورة على الأحجار أنها آتية من مدينة خزرك فقال أن المكتشف وفق إلى كشف محل هذه المدينة القديمة وهذا الأثر التاريخي العظيم وخزرك مدينة شرقي العاصي بين حماه ودمشق وقد كانت مملكة حماه وهي عبارة عن بلاد لاعوش وأراضي خزرك وكانت في القرن الثامن قبل الميلاد أقوى مملكة في سورية وقد حاول الملك زاكير وأخلافه أن يحصنوا مملكة خزرك لتكون منيعة الحمى حتى أصبحت من بعد سنة ٧٧٢ مدة خمسين سنة والآشوريون لا يغيرون إلا عليها أثناء غاراتهم على سورية وقد عزم توغلات بالازار الثالث ملك آشور سنة ٧٣٠ أن يقسم مملكة حماه فجعلها مقاطعات كثيرة تابعة لمملكة آشور مباشرة ثم دثرت هذه المدينة (خزرك) وفقد اسمها من التاريخ ثم انتفضت مملكة حماه فأمر الملك سراغون الثاني أن ينزع جلد ملكها إيلوبيدي وهو حي وجعل في هذه المدينة حامية آشورية كبرى. سر الجنسين قضت مصاعب الحياة أن أصبحت كثير من الأسر في الغرب تتمنى لو ترزق بنين بدل البنات ولكن الخالق تعالى لم يمنح سر كثرة البنات وقلة البنين أحداً من المشتغلين بعقولهم من خلقه. وكانالرأي الشائع من قبل أن أقوى الأبوين هو الذي يولد الولد ذكراً كان أم أنثى. وقد كتب الدكتور روم أن من القضايا التي لا تكاد تختل في جميع العالم بأن في كل مئة طفل يولد ١٠٥ أو ١٠٦ بنات ولا يختل هذا التعديل غلا في الحرب فثبت بالإحصاء أن بعد الحروب يولد للمحاربين ذكوراً أكثر من الإناث فقد زاد عدد البنات في سنة ١٨٦٩ في بروسيا وبعد حرب سنة ١٨٧١ زاد عدد الذكور وفي ثناء حروب الإمبراطور نابليون الأول حدث نقص في البنات وزيادة في الأولاد في فرنسا حتى خيف على مستقبل البلاد من ذلك، وقد ثبت جميع أرباب الرحلات والباحثين بأن جميع القبائل التي لا تفتأ تحارب غيرها يزيد عدد مواليدها من أولادها أكثر من بناتها فمواليد القبائل الماوري في زيلاندا الجديدة هم في الأكثر ذكور ومعلوم أن قلة النساء هي من أعظم السباب في انتشاب الحروب بين القبائل ولذلك كان المحلفون الذين لا يذهبون إلى دار الحرب في الغالب أقل قوة وصحة ونشاطاً ممن حملوا السلاح وذهبوا لقتال العدو فيجيء الأولاد الذين يولدون لهم ذكوراً. وقد شوهد منذ زمن أن سكيراً طاعناً في السن إذا تزوج امرأة شابة يكون أولاده في الأكثر ذكوراً على العكس مما يحدث إذا كانت الزوجة أسن من زوجها. قال سادلير في إحصاء له أنه مقابل كل ألف بنت يوجد ٨٦٥ صبياً يكون أبوه أفتى من أمه و ٩٤٨ صبياً يكون أبواه في سن واحدة و ١٠٣٧ صبياً يكون أبوه أسن من أمه من سنة إلى ست سنين و ١٢٦٧ صبياً يكون أبوه أسن من أمه من ست عشرة فأكثر. وإذا أرضعت الأم ولدها الأول فتلد بعده بنات وكذلك الأمهات اللائي يحبلن في أوقات متقاربة فإنهن يلدن البنات لأن تكرار الرضاع والحمل هو من أسباب ضعف الأم ومتى حبلت تكون في حالتها الطبيعية أضعف من الزوج فتلد بنتاً وتكون شبيهة بصورتها. وقد لوحظ بأن المرأة إذا حملت عقيب العادة أو في خلالها فتلد إناثاً في الغالب وهذا الضعف المؤقت فيها لا يرزقها إلا بنات. وقد جرت عادة من يربون المواشي أن يفصدون في أوقات خاصة البقرة إذا أرادوا أن تلد لهم عجلة وأن يفصدوا الثور إذا أرادوا أن يلقح عجلاً. ولاحظ أحدهم بأن المولود الأول يكون طفلاً في الزواج غير الشرعي وعلل ذلك بأن الأم تكون في تلك الحالة أفتى من الأب وتكون منهوكة القوى مضطرة إلى إتيان ما أتت بإغواء الرجل. وقد ذكر الدكتور بيلون أن إحدى قبائل مصر القديمة سبت مئات النساء فحمل في الطريق معها ٤٨٢ ولما وضعن كان عدد الذكور ٧٩ وعدد الإناث ٤٠٣ وذلك لما كن عليه من الضعف والإعياء مدة الحمل. قال الكاتب رلوكان ثمت ميزان توزن فيه العناصر التي تتكون منها الصحة والنشاط في كل من الزوجين لتيسر أن يتنبأ المرء تنبؤاً صحيحاً فيما إذا كانت الأم تلد ذكراً أم أنثى ولكن القوة والصحة وشدة الحب لا توزن بميزان ولا تقاس بمقياس. ثم أن العناصر التي تتركب منها تختلط وتتداخل على شكل ملتبس حتى أن أدق بحث في صحة الزوجين وعمرهما ونوع معيشتهما ووراثتهما لا يأتي إلا بفرضيات وظنيات لا بحقائق ثابتة ولو عرف المرء حقيقة الأسباب التي بها يستطيع أن يعرف ما يولد له أما كان يخشى أن يقل البنات لأن أحدنا إذا بشر بها ظل وجهه مسوداً وهو كظيم.   مطبوعات ومخطوطات تاريخ الأمم والملوك اشتهر هذا التاريخ بأنه من أعظم الأمهات الصحيحة التي يرجع إليها في دراسة تاريخ الإسلام في القرون الثلاثة الأولى وهو من تأليف أبي جعفر محمد بن جرير الطبري وقد طبع للمرة الأولى في ليدن طبعه المستشرق كوي وأعاد طبعه ع \ هذه الآونة بالمطبعة الحسينية المصرية محمد أفندي عبد اللطيف الخطيب وشركاؤه فجاء متقن الطبع مشكولاً محال الإشكال منه وأحلق به كتاب صلة تاريخ الطبري لعريب بن سعد القرطبي المنتخب من كتاب ذيل المذيل من تاريخ الصحابة والتابعين تصنيف أبي جعفر محمد بن جرير بن يزيد الطبري فتم التاريخ الأصلي في ١١ جزءاً والذيل في جزئين وهو يطلب من طابعه بمئة وأربعين قرشاً صحيحاً فنحث أهل العلم والأدب على اقتنائه فإنه أصبح الآن قريب المنال على كل مطالع لرخص ثمنه بالنسبة لطبعة أوروبا. أما وصف الكتاب وفوائده والكلام على مؤلفه فسنعقد له هنا فصلاً إضافياً بحول الله. وهنا نثني الثناء الطيب على الطابع ونرجو له أن يوفق لطبع أمثاله من أمهات كتب العرب فينتفع وينفع. التصحيف والتحريف هو من الكتب المنسوبة لأبي أحمد الحسن بن عبد الله بن سعيد العسكري شرح فيه الألفاظ والأسماء المشكلة التي تتشابه في صورة الخط فيقع فيها التصحيف ويدخلها التحريف مما يعرض في ألفاظ اللغة والشعر وفي أسماء الشعراء وأيام العرب وأسماء فرسانها ووقائعها وأماكنها وما يعرض في علم الأنساب وغيرها من الأشكال فيصحفها عامة الناس ويغلط فيه بعض الخاصة وقد جعله أبواباً فمنها ما جاء في قبح التصحيف وبشاعته وذم المصحفين ونكد التصحيف ومن ابتلي به ونوادر من التصحيف وما وري من أوهام علماء البصرة ومن أوهام علماء الكوفة وما روي من تصحيفات شتى فجاء في أحد وأربعين باباً تجمع إلى الفائدة العلمية اللذة الفكاهية والأدبية طبعته مطبعة الظاهر طبعاً متقناً وجعلته في ثلاثة أجزاء نجز منها الجزءان الأولان إلى الآن. ونعماً تفعل إدارة مطبعة الظاهر في إحياء الكتب العربية النفيسة فمن أعظم الأيادي التي يسديها امرء لأمته إحياء ما كاد يندثر من آثارها ومفاخرها وقيمة اشتراك الكتاب قبل الطبع ١٥ قرشاً وبعد الطبع ٢٠ قرشاً فنتقدم إلى كل متأدب في اقتنائه. سر تقدم الإنكليز أعاد خليل بك صادق صاحب مجلة مسامرات الشعب طبع هذا الكتاب النفيس لمؤلفه أدمون ديمولان من علماء التربية في فرنسا ومترجمه أحمد فتحي باشا زغلول من علماء الحقوق بمصر فتأنق ما شاء وشاءت الإجادة في طبعه وتخير له الورق والحروف فجاء بديعاً شكلاً ووضعاً وتعريباً وأصلاً. وهذا الكتاب من أحسن ما أخرج للغة العربية من اللغات الأوروبية وما قرأه رجل بإمعان إلا وتغير فكره في الحياة وأصلح من أخلاقه وعاداته ما يقدر عليه وفيه من وصف الإنكليز والأميركان والألمان في أخلاقهم ومناحيهم ما هو حري بأن يدرسه كل شرقي المرة بعد المرة. وقد قدم له معربه مقدمة من أبدع ما كتب في حالتنا حاءت والكتاب في النفع سواء فنثني على المعرب والطابع بما هما أهله والكتاب يطلب من مكتبة مسامرات الشعب في باب الخلق بمصر بعشرين قرشاً صحيحاً. مبادئ الاقتصاد السياسي ألف محمد أفندي فهمي حسين هذا الكتاب المفيد ـ والذي نقل إلى العربية من كتب هذا الفن قليل لا يفي بالحاجة ـ فتوسع في أبوابه مستنداً إلى ما كتب باللغات الإفرنجية في هذا الفن وقد كتبه بعبارة سهلة وأسلوب قربه من الأذهان على من لم يسبق لهم أن قرؤا فيه كتاباً. ودرس كتب الاقتصاد لأهل هذه البلاد أنفع من إلقاء ألف خطبة سياسية خيالية وتلاوة ألف رواية غرامية وهو يطلب من مكاتب القاهرة الشهيرة ومن نادي المدارس العليا بعشرة قروش صحية فنحث الأدباء على اقتنائه والاستفادة منه ونثني على غيرة مؤلفه الأديب ونرجو له التوفيق إلى إتمامه. عقود الجوهر من ترجمة من لهم خمسون تصنيفاً فمائة فأكثر وضع هذا الكتاب جميل بك العظم من أفاضل أدباء دمشق وموضعه كما يدل عليه اسمه جليل نافع يبعث الهمة في صدور الناشئة ويطلعهم على ما قضاه أسلافنا من العناء في النفع وفي هذا الجزء أربعون ترجمة لأربعين عظيماً من عظماء الإسلام واليونان والقدماء والمحدثين فمن القدماء الغزالي وابن تيمية والرازي وابن الجوزي وحنين بن إسحق ويعقوب الكندي وثابت بن قرة والفارابي وابن سينا وابن رشد وابن الهيثم وابن الخطيب والزمخشري والمعري ومن المحدثين السيوطي وابن كمال باشا وابن طولون والمناوي ومنلا علي القاري ونوح أفندي وأحمد مدحت أفندي والعيدروس. فيترجم المؤلف ترجمة موجزة ثم يسوق كتبه على حروف المعجم ليسهل الاهتداء إليها في الحال. ويشتمل الجزء الثاني وهو الآن تحت الطبع على فهر س عام في الكتب والرسائل التي ذكرت أسماؤها في الكتاب وما يوجد منها في خزائن الكتب العمومية مما لم يطبع. وهمي همة للمؤلف تدل على فضله وغيرته. وقيمة الاشتراك بالجزئين معاً ريال وربع ريال مجيدي ويضاف إليها أجرة البريد وقد طبع في المطبعة الأهلية ببيروت طبعاً متقناً نظيفاً كسائر مطبوعاتها وهذا الجزء من ٣٤٠ صفحة صغيرة فنحث المتأدبين على اقتنائه. افسلام روح المدنية كتاب في ٢٨٨ صفحة صغيرة ألفه الشيخ مصطفى الغلاييني من أفاضل ادباء بيروت رداً على ما جاء في كتاب (مصر الحديثة) تأليف لورد كرومر معتمد إنكلترا في مصر سابقاً من الحمل على مدنية افسلام أورد فيه أقوال الغربيين أنفسهم وأتى من الشواهد والحجج الكثيرة ما يناقض ما ذهب إليه مؤلف (مصر الحديثة) ولو عرف لورد كرومر اللغة العربية ودرس تاريخ افسلام درس المجرد عن النزعات السياسية والأهواء الاستعمارية لما كتب ما كتب ولو أعطي وادياً من ذهب. قال الفاضل البيروتي: وإني أعتقد اعتقاداً جازماً أن جميع الأديان تأمر بالخير والسلام وهي وإن اختلفت في بعض اعراض فهي متفقة في الجواهر إذ الغاية منها تهذيب النفس ورفعها من وهاد الشرور والفساد فمن يسعى بهدم أركان الأديان هو كمن يسعى لتقويض العمران لأن في المدنية الحديثة من المفاسد ما لا يحصى ولولا سلطان الأديان القاهر لأبيحت الأعراض والدماء والأموال وفي ذلك من الخراب والدمار ما لا يصلحه الدرهم والدينار فبقاء الإنسان في جهل بعلوم الدنيا مع التمسك بأي دين خير من حياته عالماً طبيعياً مهندساً الخ وهو لا دين له. وقد غلبت الحدة على صاحب الرد فظهرت آثارها على أسلة قلمه أحياناً وكنا نود أن تحذف من كتابه بعض ألفاظ أدعى إلى القبول وإنا نثني على غيرته وفضله ويطلب كتابه من المكاتب الشهيرة بالقاهرة بخمسة قروش. أبو العلاء المعري كراسة في ٧٢ صفحة باللغة التركية التاتارية فيها ترجمة مستوفاة لأبي العلاء المعري من قلم رضاء الدين أفندي بن فخر الدين من علماء أورنبورغ في روسيا وقد تصفحناه فرأيناه قد نسق كلامه على هذا العظيم ورتبه ترتيباً مقبولاً صوَّره للقارئ أحسن تصوير وتطلب من طابعها صاحب مكتبة الشرق في أورنبورغ. اللزوميات اختار موسى أفندي بيكييف من أفاضل قازان أبياتاً كثيرة من لزوميات أبي العلاء المعري ونقلها إلى التركية كما فعل أمين أفندي الريحاني فاختار أبياتاً منه ونقلها شعراً إلى اللغة الإنكليزية. فجاءت في زهاء مائتي صفحة مطبوعة طبعاًُ متقناً على نفقة مكتبة الشرق في أورنبورغ وترجمة أمثال هذه الكتب يساعد أبناء تلك البلاد على تعلم العربية فعسى أن يكثر القائمون بنهضة أهلها من نقل بعض الكتب العربية المفيدة إلى لغتهم وينشروها مع أصلها كما فعل مترجم اللزوميات. ليالي سطيح نشر حافظ أفندي إبراهيم الشاعر الاجتماعي الكبير قصة نثرية رواها عن لسان سطيح الكاهن فجاء فيه كلام لطيف على العادات المصرية والأحوال الاجتماعية والسياسية في مصر والسودان صورها تصويراً بديعاً وأودعها من أفكاره ودرر نثاره ما رآه نافعاً وثميناً ومما ننتقده عليه اعتماده على التسجيع في بعض محال من كتابه بحيث كاد يخل بأسلوب البلاغة والفصاحة ولم يناسب العبارات المهذبة التي جاءت في عرضه. أما مرامي الكتاب فكانت أعم نفعاً لو خلت من الغلو في مدح أشخاص والإيغال في الحط من آخرين وكتاب بكتب لينفع الناس في اجتماعهم لا يصح أن يظهر فيه شيء من هذا القبيل. ومنتقدنا عليه من الألفاظ ما يقع مثله لأكثر كتابنا وشعرائنا مثل قوله التنكيت وهولم يرد في اللغة. وقوله كنتم منذ بضع سنين لا تجارون ستة آلاف عداً وعداً هذه ليست من التراكيب الفصيحة وقد وقعت في كلامه أربع مرات وهي من عبارات الجرائد واستعمل لفظة منتزه والضمائر والقواميس والتكتيك والظروف والنقط وحصل بها وجهاراً نهاراً وضحى مصلحة أمة وصوالح القوم وصوالحنا والصواب أن يقول متنزه والقلوب والمعاجم وعلم التعبية والمصافات والأحوال وكان يمكن الاستعاضة عن النقط في قوله نقط تنفيذ الحكم بتركيب آخر ومثلها حصل بها جهاراً نهاراً. وله أن يقول بدى ضحىة فادى بمصلحة أمة ومصالح القوم بدل صوالحهم. وهذه الخرزات لا تقدح في فضل هذا العقد النفيس. فالنقد لا يوجه إلا إلى الثمين والركاكة لا تعاب إلا في كلام أهل البيان والتبيين. النظرات أصدر مصطفى صادق أفندي الرافعي الشهير الجزء الأول من ديوان جديد له سماه النظرات أودعه مثالاً مما وعاه ديوانه المعروف بديوان الرافعي الذي كان أصدره في ثلاثة أجزاء ـ من ضروب الشعر في الاجتماع والرقائق والمديح والغزل والوصف وقدم له مقدمة في حقيقة الشعر لم يكرر فيها ما أودعه من معناها كل جزء من أجزاء ديوانه السابق. ومعظم قراء المقتبس يعرفون طبقة شعر الرافعي مما نشر له فيه. ومما انتقدناه عليه تسرعه في إخراج الشعر للناس حتى أن بعض أبياته يظهر فيها شيء من الغموض لا يكاد يهتدي إليه القارئ إلا بإعمال النظر كما أنا لا نستحسن إكثاره من الاستعارات والمجازات على طريقة أكثر الشعراء المحدثين وكتابهم على حين نراها قليلة في شعراء الصدر الأول وكتابه وإن جاءت فإنما تجيء عرضاًُ اعتبر ذلك بكلام ابن المقفع والجاحظ وأبي تمام والمتنبي وغيرهم. ومن الاستعارات البعيدة قوله أشبه شيء بالنور الذي يتألق فيه ماء الصورة وماء الصورة أشبه بماء الملام التي انتقدها البيانيون على أبي تمام ومثلها أجنحة الخواطر وقوله فما أحسن الوجه وهو روضة مصورة وزجاجة منورة وشهادة على الله مزورة وينتقد عليه من الألفاظ الوحشية لفظ مختشب أي غير منقح ومرسل. واختيار لفظ واحد لمعنى واحد لا يحرص عليه في كل اللغات لا في أسماء الفنون والصناعات ونحوها فلا يصح مثلاً أن نقول هات الأداة التي يكتب بها بل نقول هات القلم ومختشب مثل مخشلب التي وردت في شعر المتنبي وسواءٌ في الثقل والوحشية. ومثله قوله رجع بمقصر مما كان يحاول ولنا عن مقصر هذه مندوحة في الاستعمال وكذلك تأنيثه البلد وهو مذكر. وجمعه عادة على عوائد والصواب عادات وعاد وقوله ينطقونها والصواب ينطقون بها وتوريق الشجر والصوب غيراق الشجر والروضة الشجية بمعنى مطربة والشجي المحزن والجرائد تغلط في قولها وكانت الموسيقى تطرب الأسماع بألحانها الشجية والأولى أن يقال المطربة أو ما إليها. وفي الديوان من جيد المنظوم ما يجدر بالأدباء الأخذ منه والنظر فيه خصوصاً والرافعي من الشعراء الذين تفاخر بهم العربية. المسألة الاجتماعية في سورية كتب خير الله أفندي خير الله من أساتذة بيروت هذا الكتاب باللغة الإفرنسية وصف فيه الحالة الاجتماعية وطرق التدريس في سورية قال فيه وإذا كانت الضرورة تقضي بأن نخرج من مدارسنا سوريين لا إفرنسيين ولا إنكليز ولا أميركانيين قضي علينا أن نخرج من النساء كذلك وإلا كانت البيوت جحيماً لا نعيماً. والمدرسة الحسنة التنظيم هي المجتمع المنظم بعينه فإذا لم يكن للمدرسة نظام نافع يجب علينا أن نعمل يداً واحدة على تقويضها من أساسها فخير لنا أن نكون بلا مدارس جملة واحدة من أن تخرج مدارسنا من لا نريدهم من الرجال والنساء. سعت مدارسنا فقد فينا دائرة التعليم ولم تنفحنا مثل ذلك من التهذيب على أن ذاك التعليم نفسه سطحي غير موافق لحاجاتنا. وأجمل الكلام على المعلمين في المدارس والدروس وقال أن المجتمع غير عادل في معاملة المدرسين وكان عليه أن يعطيهم من الأجر أكثر مما يعطيهم ويرفع مقامهم أكثر مما رفعهم. كما تكلم على إدارة المدارس وترتيباتها وأصولها الصحية وقال أن الواجب أن لا نستسلم للأجانب ونأخذ عنهم قضية مسلمة كل ما يدعون أنه لازم لقوام حياتنا العملية. وأننا يجب أن نضع نظام دروسنا بأيدينا وإلا فإن الدروس التي نتلقاها في المدارس لا تخرج رجالاً تامة أدواتهم بل كثيراً ما تضطرهم إلى الهجرة ولا يكون منهم خير لبلادهم. ومن رأيه أن يعقد مؤتمر وطني أو عام للنظر في إصلاح التعليم حتى لا يسوغ لكل قادم علينا بحجة تعليمنا أن يعبث بعقول فتياتنا على هواه ليجعلهم على مثاله ويقتل في عقولهم الحمية والشجاعة والشعور بالوطنية وعزة النفس لتأتي منهم رؤوس فارغة من التعليم والإحساس مملوءة بالعجب والإعجاب ويجب أن يقرن تعلم اللغة العربية بلغة أجنبية على أن لا يعلم من لغة البلاد إلا ما يتمكن معه التلميذ من الكتابة فيها بسهولة على نحو ما يكتب بالإفرنجية وأن يعلم الأخلاق بأصولها على طريقة موجزة متينة تكون الوطنية شعارها حتى إذا خرج التلميذ من المدرسة يكون عارفاً بحقوقه وواجباته وتاريخ بلاده مجسماً وله فكر إجمالي في التاريخ العام متقناً جغرافية بلاده مع إجمال عن الجغرافية العمومية وبعض مبادئ العلوم لئلا تستولي عليه الخرافات. ورأى أن تعلم العربية بدراسة كتب المتأخرين لأن إنشاءهم وشعرهم أحسن مما كتبه المتقدمون من العرب. وهذا رأي لا يوافقه عليه أحد من أهل العلم لما عرف من أن المتأخرين هم سبب فساد اللغة والرجوع بالمتعلمين إلى كتبهم رجوع القهقرى وعنده أن يعتني باللغة العامية السورية ويقابل بينها وبين اللغة الفصحى لأن في العامية أشياء لا ينبغي الزهد فيها وأن الواجب تدريس العلوم العربية لتقوى ملكتها في المتعلمين. وتكلم على ما ينبغي للسوري أن يتعلمه من اللغات فجعل المقام الأول للإفرنسبة ثم للإنكليزية فالألمانية فالإيطالية. وأجاد الكلام على التربية وتلقين العادات النافعة وختم بقوله أن مجتمعنا متألم مما صارت إليه حاله وحاجته ماسه على الشفاء مما أصابه والدواء هو الإصلاح وأحسن أداة له إصلاح المدرسة. وقد تجلى لنا من تصفح الكتاب أن مؤلفه ذو خبرة بأمور المدارس ومواد التدريس وحالة المدرسين فنشكر له حسن أدبه في بيان أفكاره وكنا نود أن يكتبه باللغة العربية ليستفيد منه من كتب لهم أولاً بالذات وعساه أن يقله إليها قريباً ليعم نفعه لأن موضوعه جديد مفيد.</passage>
<license>Distributed under a Creative Commons Attribution-ShareAlike 4.0 International (CC BY-SA 4.0) license</license>
<source>https://github.com/tillgrallert/digital-muqtabas/blob/master/xml/oclc_4770057679-i_33.TEIP5.xml retrieved via Canonical Text Service http://cts.informatik.uni-leipzig.de/muqtabas/cts/ with CTS URN urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.33.TEIP5:</source>
</reply>
</GetPassage>
