<?xml version="1.0" encoding="UTF-8"?><GetPassage xmlns="http://relaxng.org/ns/structure/1.0" xmlns:a="http://relaxng.org/ns/compatibility/annotations/1.0" xmlns:tei="http://www.tei-c.org/ns/1.0">
<request>
<requestName>GetPassage</requestName>
<requestUrn>urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.32.TEIP5:</requestUrn>
</request>
<reply>
<urn>urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.32.TEIP5:</urn>
<passage>العدد ٣٢ بتاريخ: ١ - ٩ - ١٩٠٨ صدور المشارقةوالمغاربة مومسن حدث في أوروبا منذ عام ١٨٢٥ بما تجدد في الحياة الاقتصادية من النواميس انقلاب هائل بفضل تمديد الأسلاك البرقية وتمهيد الطرق الحديدية وتكاثر الآلات الميكانيكية واستخدامها في العمليات أكثر من النظريات فقامت الصناعة والتجارة والطرق البحرية والسكك الحديدية والبواخر والمرافئ والترع والمعامل والمصنوعات والمستودعات بل وكل ما يدعى بلسان الاقتصاد الصناعات الكبرى وأخذت كلها تظهر على الولاء بظهور الأفكار والآثار. حدث هذا الانقلاب في ألمانيا بعد أن تأخر قليلاً أي بعد عام ١٨٤٠ قال هنري تريشك: كانت الانتخابات في ذلك الزمن والمناقشات في الأمور الإدارية مطمح أنظار الرجال وموضوع تأملهم حتى جفت الحياة العائلية أو كادت. . أما النساء فإنهن أخذن بالإشرئباب إلى الدخول في الأعمال التي كان قبض عليها الرجال إلى ذاك الحين وتتطاللن للتنقيب عن السبيل المؤدية بهن إلى مضارعتهم ضاربات صفحاً عن دعوى ما يحدث مما تصفن به من صفات الأنوثة وحدها فقط من التأثير في حياة المجتمع الإنساني وقد كانت أيقظت المطبوعات العامة والآداب في الخلق لذة العمل والهمة والثبات حتى إن ميزات ذلك الزمن العظيمة قد تمثلت في الأثاث والرياش. وقع هذا الانقلاب في حياة الشعب العلمية والفكرية والصناعية أيضاً أيام كانت ألمانيا مدينة الفلسفة والأدبيات والعلوم التاريخية فقط ومكان لها بعض الصيت في فروع العلوم الطبيعية الأخرى. فلم يمض على الألمانيين بعد أن وجهوا نحو هذه العلوم وجهة السعي والتفكير حقبة من الزمن حتى أخذوا منها السهم الأوفر فبزوا بها وبرزوا وأتيح لفريق منهم بعض ما هو جدير بالدهشة من المخترعات والمكتشفات: فما ظهر من مستحضر وأعني بذلك المكتشف المهم في تحولات المادة العضوية بدل نواميس الحياة وما وجده دود من ناموس سير الرياح في الفلسفة الطبيعية كان أساً لعلم الظواهر الجوية الجديد. وتبدلت الفلسفة أيضاً تبدلاً كلبيراً فقد بدأت أولاً بتعديل نمظريات الفيلسوف هيكل بعض التعديل بإخراجها من دائرة الفلسفة المحضة على أيدي تلاميذه الأفاضل وتطبيقها على الحياة العامة. وعلى أثر هذا أخذ ملشوت ينظر في قوى الدماغ وحركاته حتى وفق إلى تحليله تحليلاً كيماوياً وقام العالم كارل فوغت وأسس قبل داروين مذهب التحول ترانسفورميزم في كتابه أوقيانوس والبحر بينا كان داو سارتاوس يحدث ثورة هائلة بمصنفه حياة عيسى وتناول نظريات ديدرو وهلوشيوس المادية وانفرد ناظراً في الجزء الفرد والهيولى وأثار العالم فورباخ في ذاك الزمن عالم البابوية بمؤلفه المسمى حقيقة النصرانية. هذه هي نسمات الأفكار التي كانت تهب في عامة أنحاء ألمانيا والآداب أول ما استهدفت لمؤثراتها فقد حل محل ذلك الجيل الخيالي جيل مفتتن بالحقائق غير المجردة مولع بالوقائع والحادثات الطبيعية وهو الجيل المادي الذي لا يعرف غير التحقيق مشرباً. وإنك لترى حينئذ الأدبيات الخيالية أشيه بأُلهية بسيطة يما هي بها الفتيات وقد نضبت مياه الشعر المترقرقة وجف نبعه السيال. أعظم أدباء هذا الدور غستاف فريتغ الذي كان نابغة في بث روح الحقيقة على ما هي عليه فيما كان يرويه عن سذاجة حياة الطبقة الوسطى من الناس في قصصه الهزلية ورواياته وكثيراً ما كان يكافح مذهب الخياليين. ولقد هم فريتغ بالقضاء على هذا المذهب فقام وأسس في ليبسيك بمعونة صديقه جوليان أشميد مجلة تدعى: كرازتدن وكان صبغة هذه المجلة سياسية ونزعتها بروسية علناً. دخل غستاف فريتغ عالم الكتابة عام ١٨٤٤ بمؤلفه القصصي المسمى العالم وهو عبارة عن سلسلة أبحاث في التربية العامة. وكان رجلاً من أقوياء الفكر وعباد الحقائق غيوراً ليس في نفسه أثر للرحمة في مقاومة ما بطل من الأفكار والخيالات وبه أصبحت بلدة ليبسيك مركزاً نارياً لإذاعة الدعوة البروسية ونشرها في الأنحاء فاجتمع حول مجلته عام ١٨٤٨ شرذمة من أولي الفضل الواسع ممن يحبون بروسيا وأوضاعها حباً جماً. ومنهم فؤدالب وكاتوليك اللذان شهرا على مذهب الخياليين حرباً عواناً أدارت رحاها الأقلام وأزمعا كما قال أشميد أن يبترا تلك القطع الفاسدة من آداب الألمان وينبذاها نبذ النواة فكان يجدان في أن يكتب القول الفصل للسياسة البروسية في كل صقع آتيين على كل ما فيه أثر التصنع ومسحة التكلف والتعمل وغير ذلك مما كانا يعدانه من الآفات المجتاحة لعواطف الجرمان وأخلاقهم ومبايناً لسعادة الأمة وحسن نظامها. وعندهما أن لبروسيا فكراً سيحمل إلى ماضيها تاريخ مجد مؤثل بالرغم من مقاطعاتها الناقصة وحدودها المتنائية. ولهذا فإن الألمانيين راغبون من أجل سعادتهم عامة وسلامتهم في إعلاء اسم الجرمان باتحادهم تحت لواء تقدم بروسيا نابذين امتيازاتهم وشعورهم الشخصي ظهرياً. ولما أثنى فريتغ لأول مرة في ليبسيك على مهمة بروسيا وموقعها من ألمانيا حول قسم كبير من منوري الأفكار في ألمانيا أنظارهم نحو بروسيا التي كانت جندية الحلية أريستوكراتية المنزع غير مفكرين فيما يتخلل نظرياتهم السياسية ومذاهبهم من التناقض على أن الفرق طفيف جداً بين عالم الألمان ـ ذلك الجيل الناشئ على أفكار داروين واستراوس الفلسفية وبين جنود بروسيا: فكلاهما مولع في التقاط الحقيقة ومن ذوي القوة والبطش والاقتدار. أما بروسيا فقد كانت هيئة مسيطرة على ضروب المذهب الحقيقي: على السياسات والإدارة والجندية والاقتصاد وبالجملة فقد كانت متشبعة الروح بجميع أنواع مذهب الحقيقيين. وامتازت بخصلة هي فوق ذلك كله وهي أنها كانت تحس بوجود ميل خارق لسحق الفرنسيس كلما اقتربت منهم. ذلك هو الفكر الذي جال في خاطر طلاب كلية ألمانيا الجديدة بروسيا منذ عام ١٨٥٠ وأول من كان موفقاً لإيفاء هذه الوظيفة على غاية ما يمكن أن يكون من الإتقان والكمال المؤرخ مومسن: تيودور مومسن من أغرب الألمانيين خُلقاً وخَلقاً اجتمعت في نفسه الأضداد بأجمعها فهو عالم كبير كما هو خيالي كبير ومع هذا فقد كان يوصي الناشئة الجديدة في أن يتلقوا ماله من الخيالات نموذجاً ليس من ورائها فائدة تذكر. وهو ديمقراطي على حين لم يوفق أحد إلى خدمة المذهب القيصري سراريزم تماثل ما عمله في مصنفه تاريخ رومية. ولد عام ١٨١٧ ومات سنة ١٩٠٣ في مقاطعة غاردينغ من أعمال شلزويق حيث كان أبوه راهباً. ونشأ على هذه القطعة الساحلية الغريبة التي كانت ترى بمراعيها الواسعة وحقولها الشاسعة ذات غضار ونضارة من الداخل أشبه بلون بحيرة تضطرب بأمواج كالجبال من الخارج وإذا عمنا بآراء أحد القائلين بمذهب تين من المؤرخين كان من تنفجر عنهم الحياة في محيط كهذا مكتئبين مكدرين في حين كان مومسن من أبدع أنموذجات الإبداع البشري حياة وابتهاجاً وابتساماً. والصحيح أن هذه النموذجات غير نادرة في ألمانيا. يظن الفرنسيس أن إقليم البلاد الشمالية البارد الذي يتخلل سكوته حزن مهيب يلد أناساً قد لعبت بهم الهموم وتقسمتهم الغموم على العكس في إقليم البلاد الجنوبية الزاهر المستنير بأشعة الشمس المشرقة فإنه يلد عنصراً خفيفاً أرعن. والحال أن عكس هذا في الغالب واقع في ألمانيا ولا سيما في الجنوب فإن في صحاري سواب الخصبة المعشبة وفي الكروم التي تروى بنهري الرين وموزل قد نشأت عقول واسعة رصينة وفي وسعها أن تحيط بالعالم بأسره. والشعراء الذين نبغوا ثمة قد تغنوا بماهية حياة الجرمان وحقيقتها بأناشيد لطيفة خفيفة غير أنها ثقيلة الأوزان. أما في الأنحاء الشمالية فإن صحاري بوميوراينا وبراندنبورغ المبتورة حدودها قد أنشأت قادة عاملين وساسة جسورين وكانت هنا حتى الأدبيات تلعب بها أميال الحرب والجدال وسرعان ما كانت تدخل في شكل المعارضة. مومسن هذا من نابته ذاك الجنس إذا رأيته رجلاً مقداماً إن تحرك فكأنما يتهيئ لعمل جديد. وإنه بسيمائه العصبي الذي ينم عن كل خير وعينيه اللتين تبرق منهما أشعة الحيلة والمكر وشفتيه اللتين ترتسم عليهما ابتسامة الاستخفاف والاستهزاء يذكر بفولتير العظيم وهو ببعض أطواره المنبعثة منها عوامل القسوة والغدر حتى في حالة السرور والنشاط وبوجهه الذي نال منه المقراض فلم يبق ولم يذر أشبه بمولتكه القائد حذو القذة بالقذة. أما سيماؤه الذي يتراءى من خلال مصنفاته فهو عبارة عن شخصية غريبة مؤلفة من طبيعة متسرعة منفعلة متوقدة أي من حدة المزاج ممزوجة بطبيعة أخرى حقيقية ماهرة في استخراج المغالطات المادية العملية ونفخ المناطيد التي وسع نطاقها حب التفاخر والغرور. في مومسن شخصان لا يجتمعان كل الاجتماع ولا يفترقان: عالم وصانع. ولا شبهة في أن العالم مومسن هو من خوارق القرن التاسع عشر ومن أعظم من هم جديرون بالتجلة والاحترام فإن معارفه وسعة اطلاعه منوعة تنوعاً غريباً وإنك لترى مجلته التي رأسها خمسين سنة وطاباً حفل بما لا يكاد يتناهى من الكتابات في تلك الموضوعات المختلفة كآثار رومية القديمة وعلم الألسنة وعلم المخطوطات وعلم المسكوكات والحقوق وعلم الأساطير هذا عدا () العظيم الذي جمع فأوعى من التدقيق والتحقيق العلمي الواسع وغزارة المادة وجودة المصادر مما أهله لبلوغ أقصى درجات الارتقاء. ولقد كانت للمترجم به ملكة كبيرة وقدرة باهرة في قراءة الألسنة القديمة الميتة ومؤلفاته برمتها شهادة ناطقة بالبرهان على أنه كان موسوعة من موسوعات العلوم. كان مومسن يرى مع من يرى أن العلم غير منحصر في دائرة محدودة وأنه علم مشاع لهذا كان لا يستحسن تهافت الألمانيين على تعميم فكر الإخصاء ولا يقيم لتهالكم على انتشاره وزناً. فقد فقد قال في خطاب أورده في مؤتمر برلين العلمي في اللغة اللاتينية: الإخصاء في فرع من العلوم فقط واجب ولكن ليس من الواجب الاقتصار على ذلك الفرع والضرب دون غيره بإسداد بل يجب على الطالب لسعي لأن تتوفر لديه المعارف في هذا الفرع وأن يصيب حظاً من كل شيء. . فما أصغر هذه الكرة الرضية وأحقرها في نظر من لا يرون غير كتاب اليونان واللاتين وطبقات الأرض والمسائل الرياضية في هذا العالم الفسيح. . . ومن غريب التضاد كون مومسن مفنناً خيالياً مع سعة اطلاعه العلمي المدهش. وإنك لتذهل عندما ترى هذا الرجل في نفس الأمر الذي يحمل تلك الجبهة ذات القوة والتؤدة والوقار من الشعراء المتأثرين غير أنه ليس نظير ميشله المؤرخ الفرنسوي الشهير تأخذه الهزة والانفعال لكل جميل فهو لا تأخذه رحمة ولا شفقة لآلام من يفترشون الأرض ويلتحفون السماء من بني آدم ولكنه صاحب عقل متأثر لا يتبين غلا بمتانته وقوة دهائه فقط في هذا العالم وهو من أجل الأشياء التي تنثر ضياءً وشرراً أشد ما يكون احتداماً هياماًَ. كان من المحتمل بقاء غرائز مومسن في العلم والصناعة طي الخفاء لولا أن قيض الله لها رجلاً في برلين عام ١٨٥٠ يعنى بنشر المؤلفات فرغب إليه كتابة تاريخ لرومية إذ كان يبحث عن كاتب يشغله في كتابه أمهات التاريخ. فأصاب ذلك الرجل المرمى في اختياره هذا لأن المترجم من المشاهير الباحثين المدققين أرباب الاطلاع على تاريخ رومية. ومن المعلوم أن أساطين العلم لا يقدمون في الغالب على تأليف كتب تتناولها الأيدي عامة وتتداولها الطبقات كافة. وقد حصلت له ملكة سامية جداً عندما كان يعاني من صناعة الصحافة ما يعاني ولهذا ظهر تاريخ رومية مؤلفاً ثميناً. وليس مومسن من تلك الطائفة الشائخة أساتذة الجرمان التي اتخذت العلوم المنتسبة إليها ديدنها وقضت حياتها وقفاً خالصاً عليها بل هو أشد ما يكون تأثراً وانفعالاً للمسائل العامة. ربى مومسن في كلية كيل فجهزته بجهاز حب بلاده حباً جماً ولطالما قرّع أولئك الذين يقولون أنه يجري في عروقه الدم الدانيماركي بقوله: إن من يدعون أن مدينتي شلزويق وهولستاين ليستا من تراب ألمانيا هم في الحقيقة معتوهون مفتونون. ولم يدخل مومسن في السياسة خلال سنة ١٨٤٨ وهو وإن لم يحضر بصفة عضو رسمي في مؤتمر فرانكفورت فقد كان من أدهش المحامين عن حقوق الأفراد في ذلك الحين. فقد دافع أشهراً عن قواعد السياسة الحرة وانقطع هو ورفيقان له في مدينة زوريخ من أعمال سويسرا عندما نحي عن منصب تدريس حقوق رومية وكان أستاذاً له في كلية ليبسيك عام ١٨٥١ ولم يعتم أن أعيد كرسي التعليم ثمة وأصبح يشتغل بتدريس ذلك الدرس نفسه زهاء سنتين. وفي عام ١٨٥٤ غادر سويسرا بدعوة من حزمة بروسيا إلى كلية برسلو. وكان يرجو دائماًُ تقدم شبان هذه المملكة ولطالما قال: إن حياة بروسيا تتوقف كل التوقف على سلوكها سبيل التقدم الذي مهده لها فريديك الكبير. هذا وإن بين مومسن وبين أبناء صناعته فرقاً بعيداً وذلك أنه ظل صادقاً مستقيماً حتى نهاية زهو شبابه ولم يكن ليحفل مثلهم بفخفخة ما أتاه من إمارات النصر ولا عظمة ما ناله من بوارق التوفيق. كان بدء احتفاظ مومسن بأفكاره على ما شوهد أشد الاحتفاظ بين سنة ١٨٦٦ و ١٨٧٠ الأمر الذي كان يتطلبه هو أن تكون ألمانيا عظيماً سلطانها منيعاً جانبها تضيء بأشعتها العلمية العالم المتمدن بأسره. ومما حكاه: إن تلك الشؤون السياسية قد شغلت حتى علماء المملكة سنين كثيرة. وهذا وإن كان يستند على أسباب معقولة مشروعة غير أنه حان زمن الإقدام والرجوع إلى الأعمال بعد ما تبينت نتيجة كل شيء. . . وكان يقول: من الواجب معالجة ينابيع قوى ألمانيا بالقوة وتوسيع نطاق علوم الألمان وكشف غطائها بالعمل. ولطالما حقر مومسن أولئك المتعصبين الذين كانوا يناهضون الموسويين بأبلغ ما يمكن تصوره من عبارات التحقير عاداً أنواع المبارزات الجنسية والدينية من رجوع القهقرى لأظلم أيام القرون الوسطى وأشدها أسى وبؤساً. فمن ثم ندد ببعض ضعاف الفكر من حسدة حزب الوطنيين مبيناً بطلان دعاوي تلك الفئة الواهية الواهنة ممن ادعوا بأن الموسويين عقبة كؤد في سبيل تكوين أمة قوية المنعة مصونة الحمى ويبين بمستندات تاريخية جمة أنهم مستعدون لكل ضروب التقدم والارتقاء وأنهم على العكس مما يظنون وانتقد سياسة بسمرك انتقاداً شديداً فحاكمه الوزير إلى المحاكم فحكمت ببراءة ساحته وكان عضواً في مجلس الأمة. ليس بين المؤرخين من يقاس بمومسن في تحبير الصفحات التاريخية العظيمة أو تحريرها غير أرنست رنان فقط. فتلك التصورات الواسعة واحدة والنسبة فيما بينهما واحدة كما أن قوتهما في البيان والأداء سواء. أما المهارة في إشراب روح الحياة للأشياء كما كانت بإظهار دقائق التفاصيل والفروع الواسعة التي من شأنها أن تبقى في الحافظة منقوشة فواحدة أيضاً في المؤرخين مومسن ورنان. ولما كان مومسن أيضاً كسائر مؤرخي الألمان المتفرغين عن نيبور يهتم كثيراً بحياة الأمم الشخصية وكيفية نشوئها وانتشارها فإنه وجد تاريخ رومية مساعداً كثيراً لإيفاء هذا المقصد الذي يتوخاه. ولما حل مسألة الوطنية ووضعها رغب في تعليمها معاصريه وكان مثل هيبولت تين يستمد من المخترعات العلمية والمكتشفات الفنية بأجمعها لأن تقدم العلوم ولا سيما ما يتعلق منها بعلم الحياة قد ساعد التاريخ كثيراً. فقد نقب مومسن أولاً عن بعض ما لخصت به ولم يقبل ما في مذهب تين من المادية البحتة بل ولا جميع أفكار المؤرخين في هذا الباب ومن جملتها إمكان استخراج خصوصيات أمة من أخلاقها الخاصة بها بل من الأمور التي هي من قبيل الأسباب المادية كالتراب والهواء ونمط الغذاء. وكان نظره متجهاً نحو الحجرة الابتدائية للأمة الرومانية لأن بها فقط أمكن لرومية أن تحكم إيطاليا فالعالم أجمع. فاجتهد في كشف أسرار الرومانيين وسبب تفوقهم على الأمم القديمة متخذاً ذلك له أساساً متيناً فإذا أراد تعليل فوز الرومانيين وغلبتهم يبدأ في إظهار ذكاء هذا الجنس البراق وما فطر عليه من حب الإقدام والعمل وما يشعر به من تقديس الواجبات والقيام بها حق القيام وهكذا بعد أن تتبع كما رأيت أحوال الأمة الروحية في سائر مظاهرها أيام كانت عروق الحياة تنبض في جسمها وهو راغب في أن يجلو تاريخه على هذه الأفكار كلها ثم يزفه للناظرين. على هذه الأصول نفسها جرى تين أيضاً في عامة مؤلفاته الانتقادية المهمة ولاسيما تاريخ أدبيات إنكلترا. وهذا الأسلوب من جياد الأساليب غير أنه له محذوراً واحداً وهو أن الحادثات تلد طبيعية والرابطة التي في خلالها تأخذ شكلاً منطقياً متسلسلاً بحيث يخيل أن هذه كلها قد أعدت من ذي قبل والنصر المتولي الذي بدأ من أبواب رومية ثم وقف في أقصى تخوم العالم المتمدن يشبه مصوراً خارطة قد رسمت بداءة بدء وعول فيها بعد على إدخالها إلى حيز العمل. فالمترجم نظر إلى تاريخ رومية من نقطة سياسية تماماً ويشاهد ما بذله من العناية في جماع مظاهر الحياة اليومية للنظرة الأولى. وفصول كتابه في الزراعة والتجارة والصناعة والآداب أجمع ما كتب في مصل هاته الموضوعات حتى الآن. ومما كان يرتئيه أن السياسة هي أهم واسطة لبيان أحوال حياة الأمم وهي التي تحدث تجديداً وانقلاباً في جميع الشؤون. لتتبع التاريخ السياسي وتدقيقه خطتان الأولى: خطة توكفيل الفلسفية وهي عبارة عن اتخاذ أوضاع الأمة وقوانينها المادية والفكرية أساساً والعمل على كشف أسرار تولدها ونتائجها أكثر من النظر في حوادثها وكائناتها ويصح أن يقال أن هذه الخطة علمية لأن الكاتب لا يظهر نفوره أو ارتياحه لحالة سياسية معينة. ومن ثم كان ذلك المؤلف غيرياً لا أنانياً. والثانية تعليل الحوادث التاريخية ببعض أفكار تنطبق على آراء سياسية واجتماعية أو دينية وبها يختلف التاريخ حسب المنظر ووجهته. ولقد وقى مؤرخو الألمان أنفسهم في الربع الأول من القرن التاسع عشر من هذا الأسلوب التاريخي الذي اتخذه كتاب الإنكليز والفرنسيس مثالاً يحتذونه. وهذا نيبور ورانك المؤرخان الألمانيان يصفان الوقائع التاريخية ويصورانها دون أن تشتم من تضاعيف سطورهما رائحة تحزب أو تعصب بتاتاً. وفي عام ١٨٥٠ نشأ صنف من المؤرخين على غير تلك الطريقة والسبب في ذلك اجتماع طائفة من الأساتذة الأفاضل في مؤتمر فرانكفورت واشتغالهم بالسياسة بعض الاشتغال حتى إذا ما نقلوا مشاغلهم الخارجية إلى أرائك تدريسهم أخذوا يضعون موضع المذاكرة والبحث هاته الأحوال السياسية الحاضرة التي أورثت المسائل السياسية الغابرة تلك أطماع وذلك هو نتيجة الثورة السياسية سنة ١٨٤٨ . هذا هو مومسن قد حاز الأولية بين فريق هؤلاء المؤرخين هذا الرجل الذي كان يتخيل حينما يكتب تاريخه أن تعليلاته تنطبق على التجارب الماضية على حين أن القسم الأعظم منها كان ناشئاً في الغالب من شعوره الذاتي وتابعاً لأحوال محيطه وقوته المخيلة. زبده فلسفة تاريخ مومسن براز في سبيل الحياة براز دائم من أجل تكوين جامعة سياسية وضمان عظمة قومية. وعنده أن تاريخ رومية يمكن تلخيصه بعدة فتن وحروب بدأت فيما فرط بإعداد الجيوش وسوقها كما بنيت على أساس تجاري ودولة رومية الزراعية التجارية التي تحيط بها قبائل الأعداء من كل ناحية وجهة تحارب أولاً صوناً لتجارتها من أن تبور حتى إذا انصبغت السياسة إذ ذاك بصبغة حكومة مطلقة تعمل على القيام على التهام ما حولها مما لا يزال فتياً. وكثيراً ما تجد مومسن يرجع إلى هذا ناموس حياة الأمم فيتعبره بمثابة ناموس الثقل في موقعه ومساس الحاجة إليه. وكان يقول: لما كان المقصود الأعظم من التاريخ المدنية والمدنية تعمل على تشذيب ما ليس فيه قابلية للنمو واستعداد للنشوء من الأغصان كما ينبغي كانت الحرب عبارة عن آلة جسيمة من الإصلاح لإنشاء الرقي العام وإن سعادة مملكة ليتوقف على تبدل مبارزاتها إلى حروب!. . . . إلا وأن فلسفة تاريخ كهذي تناسب جداً حال أمة بروسيا تحارب نفسيها بنفسها مرات ثلاثاً متتالية وتساعد كثيراً على تعميم الرقي والتقدم في ألمانيا أولاً ثم في أوروبا والعالم أجمع. ومع هذا فالمترجم لا يضم صوته إلى صوت الفيلسوف هيكل في قوله: إن وراء كل حرب فكراً أخلاقياً والقوة والفضيلة (لفظتان مترادفتان) ولا هو أيضاً من أرباب الاشتغال بالأخلاق. وكان يقول بهذا الناموس التاريخي: الحق مع القوة والتاريخ يكسر في مهب عواصفه العاتية الأمم التي لا صلابة فيها ولا مرونة كسر الفولاذ دون أن يشعر بأثر رحمة أو شفقة مطلقاً. هذه هي نظرياته التاريخية التي يظل الإنسان حائراً حينما يرى أنها وأمثالها يدافع عنها ويحامي في وطن رجل مثل ذلك الفيلسوف كانت. لكن مظهر ألمانيا عام ١٨٥٠ تغير عما كان عليه على عهد الفيلسوفين العظيمين فيختي وكانت. إذ أن فلاسفتها المحدثين أروها أن الأحوال والمواقع في تبدل دائم وأن قيمة الحقوق نسبية والقابض على أزمتها هي القوة فقط. ذلك هو ناموس العام الذي ليس في إمكاننا مهما أحسنا النقد نقضه أو تبديله. وناهيك بناموس كانت فلسفة بسمارك بأسرها عبارة عنه. أول درس رغب مومسن في إلقائه على مواطنيه وصيته العظيمة: لا تكونوا بلهاً أغراراً ولقد تحققت أمنيته تلك. فإن الجنس الذي أوجد بسمارك لا يمكن أن ينسب إليه بله أو غباوة في حال من الأحوال. وإن تقدم أمة الجرمان ليصادم النظر في أغلب فصول كتابه فبينا هو يبحث عن الغاليين مثلاً إذ يشرع في وصفهم بقوله: إنهم شعراء أذكياء ذوو قلوب صافية سرائرها وليس بهم قوة ولا طاقة غير أنهم طائشون يرتاعون من العمل في الحقول والمزارع ويرتاحون للحانات والعربدة ويعتبرون قسيسهم أباً ومنه يرجون النصح في كل شيء. وكان مومسن لا يحب الفرنسويين بتة ومن أجل هذا فإنه أحيا تلك المعركة التي نشبت سنة ١٨٧٠ على أنها للألمانيين مخلصاً لهم يحررهم من داء تقليد فرنسا. وقد بحث في كتاب كتبه لإرجاع الإيطاليين عن فكر اتفاقهم مع فرنسا في اضمحلال بابل الجديدة (باريز) وسقوط أدبيات فرنسا التي هي أشبه بنهر السين اتساخاً ودنساً. هذا الميل الذي كان يشعر به مومسن نحو بلاده كان يجول في خلال كل سطر من تاريخه وفوق ذلك فإنه كان يرى العناصر الأخرى بجاني العصر الجرماني منحطة جداً. ولم يكن يميل للأمة اللاتينية وإن كان يتظاهر بذلك أحياناً ولم يكن مصدر ذلك هو حب حقيقي وزد على ذلك فإنه كان لا يرتاح إلى أفكار هذه الأمة مع ما أوتيه من المواهب الطبيعية وما فيه من المبادئ السامية وما أتيح له من معرفة العظماء ومما قاله في ذلك إن الإيطاليين لا يمكن أن يدخلوا في مصاف الأمم التي تلعب في طبائعها الغرائز الشعرية لفقدان تأثر أفئدتهم إنما لا تقاس أمة الإيطاليين في البلاغة والفاجعات. . . . وأنت لتجد لسانه الجائل في تلك الأبحاث وهو يحكم حكماً باتاً قاطعاً مرتبطاً بفكره وشعوره تمام الارتباط. فهو مثل تين حذو القذة بالقذة لا ينحرف عن الأسلوب الذي تمسك به فيد شبر. وفيما هو يكتب في التاريخ يبين الآراء ويثبت ما أتى به من نظرياته الخاصة تراه يطرح من الوقائع كل ما يوشك أن يوقع في هذه الآراء والنظريات خللاً. فهو يريد أن تكون الأمة الرومانية سالكة السبيل الذي اختطه لها لا تحيد عنه ذات اليمين أو ذات الشمال. خذ إليك مثلاً ذهابه إلى أن الدهاء في غير السياسة لا أثر له في الرومانيين وجزمه بما ذهب إليه جزماً باتاً تجده يعزز هذا الحكم باستنتاجات قوية وبراهين جلية متينة. وأن الألمان ليتراؤن له من جهة الانتظام أتم من الرمانيين الذين هو وألئك في السياسات والمعارك سواء وكذلك يشعر المطالع من طرف خفي بمدحه الألمان من خلال حطه من العنصر اللاتيني وأنه ليفاخر قائلاً: إن القسم الذي وقف سداً منيعاً بكل ما فيه من قوة ورابطة جأش أمام هجمات المغول على رومية كان مؤلفاً من جماعة الوطنيين فقط الذين يجري في عروقهم دم الجرمان. وهكذا جاء الكتاب من أوله إلى آخره على هذا المنوال فهو أشبه بقصيدة نظمت للذب عن ألمانيا والألمانيين. وبعد فليس بالنزر التافه القليل الذين استفادوا من تلك الدروس التي ألقاها مومسن في تاريخه وأفادوا بما جمعوا من المؤلفات الجمة في أحوال عصر الجرمان الروحية التي دعت أساتذة التاريخ والجغرافيا وأهل الإخصاء في علم الحيوان إلى أن بينوا أفضل عنصر الجرمان على رؤوس الأشهاد فعلت الضوضاء حتى في الكتب الجغرافية المدرسية بأن ألمانيا قلب أوروبا حقيقة وأن ما في فرنسا من كل شيء جميل إنما هو مدين لعنصر الجرمان. معربة عن التركية دمشق ص المسلمون والذميون والمعاهدون الإحساس دليل الحياة التضامن رائد العمران (تابع لما قبله) جاء في عرض كلامي عن الأقباط في الجلسة الماضية أنهم يعاقبة واعتمدت على المقريزي وابن خلدون وسائر المؤرخين. فلم ترق هذه الكلمة في عين حضرة صاحب المجلة القبطية فاستدركها وقال أنهم أرثوذكس. ولكن رأي المقريزي في ذلك يؤيده العلامة القبطي ابن البطريق وقد اعترف حضرته بذلك. فليكن الأقباط أرثوذكساً أو ملكيين أو ملكانيين أو نساطرة أو كاثوليك أو بروتستانت أو يعاقبة أو موارنة أو مرقولية وليقولوا ما شاؤوا في اللاهوت والناسوت والحلول والاتحاد والمشيئة والأقنوم والطبيعة فإنما هم مصريون قبل كل شيء وتلك أمور داخلية وعقائد تعبدية ليس لها مساس بموضوعنا الذي نحن فيه اليوم. ولكنني لا أترك هذه الفرصة دون الوقوف معه ومناقشته في قوله كان عددهم عند الفتح الإسلامي ثلاثين مليوناً. وغاية ما أقول أن عبارته عليها مسحة من المبالغة الشرقية التي لا مصداق لها سوى الخيال. أنا لا أحب المناظرة لأنني أعتقد أن تولع الشرقيين بها قد أوجب ما نراهم عليه من التقهقر والانحطاط. ولكنني لا يسعني أن أمر على هذه الكلمة بدون احتجاج ولو كانت من غيره لكانت مما لا يؤبه له ولا يعتد به أما وقد صدرت من فاضل مشهور بالتدقيق والتحقيق ومعروف بسعة الاطلاع وكثرة التنقيب فليس له أن يرسل القول جزافاً دون أن يعززه بدليل أو بشبه دليل. وقال ابن البطريق القبطي أن المقوقس اجتمع مع عمرو بن العاص على عهد بينهم واصطلحوا على أن يفرض على جميع من بمصر من أعلاها إلى أسفلها من القبط دينارين على كل نفس شريفهم ووضيعهم ممن بلغ الحلم وليس على الشيخ الفاني ولا على الصبي الصغير الذي لم يبلغ الحلم ولا النهى شيء وأحصوا عدد القبط يومئذ خاصة ممن بلغ منهم فكان جميع من أحصي ستة آلاف ألف إنسان فكانت فريضتهم إثني عشر ألف ألف دينار وفرض عليهم هذين الدينارين ودفع ذلك عن رقابهم بالأيمان المؤكدة. وقد أجمع المؤرخون من المسلمين وغير المسلمين على أن رجال مصر البالغين لم يزيدوا في ذلك العهد عن ستة ملايين. وليس يصح في الأحلام أن يقال أن النساء والأطفال والشيوخ الفانين كان عددهم أربعة وعشرين مليوناً أي أربعة أضعاف هذا العدد. وأنا أقول أن الأقباط أهل ذمة ووفاء فلا يصخ أن يقال أن دلسوا في الحساب وخانوا في الإحصاء فضلاً عن قيام العرب عليهم لأن مصلحة الفاتحين كانت تقضي بزيادة عدد الرؤوس لتتضاعف لهم الأموال وتبلغ الجزية ستين مليوناً من الدنانير بدلاً من اثني عشر ألف ألف دينار. فنحن اليوم في عصر النور والتحقيق ويا حبذا لو أننا نربأ بأنفسنا عن تلك المبالغات الشرقية. وسعيد بن البطريق هذا هو قبطي مصري قال المكين أنه تولى بطريركية الأقباط فكان في أيامه شقاق كثير وشر متصل بينه وبين شعبه أدى بمحمد بن طغج صاحب مصر إلى إرسال قائد من قواده إلى تنيس فخيم على الكنائس وما بها وكان فيها شيء كثير من الذخائر حتى أن ذهبها وفضتها وزنت بالقبان لكثرتها وعبى القائد جميعها في الأقفاص وتوجه بها إلى مصر فمضى أسقف تنيس على جماعة الكتاب فتوسلوا لدى الأمير سنقر واستقر الرأي على إعادة كل هذه الذخائر في نظير خمسة آلاف دينار فباعوا من الأوقاف والعقارات التي للكنائس بقيمة المبلغ وحملوه إليه وبلغ الأخشيد أن الأسقف باع الأملاك بدون قيمتها فأرسل إلى تنيس وطالب المشترين بفرق الثمن. فلما علموا أن شقاقهم أوجب هذا اصطلحوا واجتمعوا في كنيسة واحدة. كان مولده في يوم الأحد لثلاث بقين من ذي الحجة سنة ٢٦٣ وفي أول سنة من خلافة القاهر العباسي صار بطريركاً على إسكندرية وسمي أتوشيوس وذلك في ٨ صفر سنة ٣٢١ وبقي في الكرسي والرئاسة سبع سنين ونصفاً ثم أصابه إسهال بمصر فحدث أنها على موته فصار إلى كرسيه بالإسكندرية وأقام به عدة أيام عليلاً وتنتح في آخر رجب سنة ٣٢٨ . والبطريرك تعريب للفظ رومي معناه أبو الأسرة أو رب البيت قال المسعودي في كتاب التنبيه والإشراف أنه بالرومية بطرياركس تفسيره رئيس الآباء ثم خفف وقد سماه المسعودي والإسلاميون بطريرخ ثم بطريرك ثم خفف في الاستعمال فصرنا نقول بطرك ونكتبها بطريرك كما نقول جنبية ونكتب جنباواي وكانوا يكتبون جنبويه وكما نقول أبشيه وأبشاي ونكتب أبشواي وكانوا قبلنا يكتبون أبشويه وكما نقول بيه ونكتب بك وهكذا. وأما البطريق فهو تعريف للفظة رومية هي كما جاء في دائرة المعارف البستانية فإن لفظة هي خاصة بفريق الأعيان عند الرومان أهل رومية وأما فهي عنوان على المتقلد بوظيفة كبرى في الإدارة أو في العسكرية عند الروم أهل القسطنطينية وهم الذين كان لهم بالعرب اشتباك واختلاط وعنهم عربوا هذه الكلمة بلفظة البطريق. وإن كانت اللفظتان مشتقتين من مادة واحدة لكن الاصطلاح لم يكن واحداً عند الأمتين. فإذا جمعوا اسم أصحاب الوظيفة الدينية فقالوا بطاركة وإذا جمعوا اسم أصحاب الوظيفة المدنية أو العسكرية قالوا البطارقة. وقد يخلطون بينهما في الجمع كما قال المستهترون بحقيقة الألفاظ المعربة اسم أعجمي إلعب به كيف شئت. وقد كان ابن البطريق صاحبنا معاصراً للإمام المسعودي وصديقاً له وقد اجتمعا معاً بالفسطاط. وقال في التنبيه والإشراف ما نصه: وأحسن كتاب رأيته للملكية في تاريخ الملوك والأنبياء والأمم والبلدان وغير ذلك كتاب محبوب بن قسطنيطين المنبجي وكتاب سعيد بن البطريق المعروف بابن الفراس المصري بطريرك كرسي مارقس بالإسكندرية وقد شاهدناه بفسطاط مصر انتهى تصنيفه إلى خلافة الراضي. وقد اشتهر بين المسلمين كثير من النصارى بهذا الاسم فأولهم ابن بطريق النصراني الذي كان أمين سر سليمان بن عبد المكل الخليفة الأموي بدمشق. كما كان سرجون بن منصور الرومي النصراني أمين سر من قبله للخلائف معاوية بن أبي سفيان، ويزيد بن معاوية ومروان بن الحكم. وكان في أيام أبي الدوانيق المنصور العباسي رجل اسمه البطريق أمره بنقل أشياء من الكتب القديمة. واشتهر في أيام المأمون رجل اسمه يحيى بن البطريق كان في جملة الحسن بن سهل وتحت رعايته وكان لا يعرف العربية حق معرفتها ولا اليونانية وإنما كان عليماً باللغة اللاتينية وهو من جملة الوفد الذي أرسله المأمون إلى ملك الروم عندما غلبه واستظهر عليه وتوالت بينهما المراسلات فكتب غليه المأمون يسأله الإذن في إنفاذ ما يختار من العلوم القديمة المخزونة ببلاد الروم فأجاب الملك إلى ذلك بعد امتناع فأخرج لذلك جماعة منهم الحجاج بن مطر ومسلمة (سلم صاحب بيت الحكمة) وغيرهم فأخذوا مما وجدوا ما اختاروا فلما حملوه إليه أمرهم بنقله فنقل وقيل أن صاحبنا يوحنا بن ماسويه الذي وصف أحسن دواء لأوجاع المعدة كان من جملة ذلك الوفد. وقد نقل ابن البطريق هذا واسمه يحيى من مؤلفات أرسطوطاليس إلى العربي كتاب السماء والعالم وهو في أربع مقالات وكتبا لحيوان وهو تسع عشرة مقالة ولخص جوامع كتابه في النفس وصله في ثلاث مقالات ثم نقل إلى العربي أيضاً كتاب البرسام للاسكندروس الطبيب الذي كان قبل جالينوس. وقد أرسله المأمون في مهمة أخرى للبحث عن كتاب لأرسطو. وعندي نسخة من كتاب بخط اليد عنوانه كتاب السياسة في تدبير الرياسة المعروف بسر الأسرار وهو من الكتب المنسوبة لأرسطو وقد ترجمه ابن البطريق هذا على اللغة العربية وإليكم ما قاله في مقدمته مخاطباً المأمون: بسم الله الرحمن الرحيم رب يسر أما بعد أصلح الله أمير المؤمنين وأيده على حماية الدين والرعاية لأحوال المسلمين فإن عبده امتثل أمره والتزم ما حده عن كتاب السياسة في تدبير الرياسة المعروف بسر الأسرار الذي ألفه الفيلسوف الحكيم الفاضل أرسطو طاليس لتلميذه الملك الأعظم الإسكندر المعروف بذي القرنين حتى كبر سنه وضعفت قوته عن الغزو معه. وكان الإسكندر استوزره واصطفاه لما كان عليه من صحة الرأي واتساع العلم وقوة الفهم وتفرده بالخلال السنية والسياسة المرضية والعلوم الإلهية مع التمسك بالورع والتقى والتواضع وحب العدل وإيثار الضمير. . . فلم يدع الترجمان يحيى بن البطريق هيكلاً من الهياكل التي أودعت الحكماء فيها أسرارها إلا وأتاه ولا عظيماً من عظماء الرهبان الذين لطفوا (انقطعوا) لمعرفتها إلا أتاه وقصده وانتحاه حتى وصل هيكل عبدة الشمس الذي كان بناه هرميس الأكبر لنفسه فظفر فيه بناسك مترهب ذي علم بارع وفهم ثاقب فتلطف به واستنزله وأعمل الحيلة حتى أباح له المصاحف المودعة فيه فوجد في جملتها الكتاب المطلوب الذي كان أمره أمير المؤمنين بطلبه مكتوباً في رق مصبوغ بالفرفير بالذهب المحلول منقوطاً بالفضة البيضاء المحلولة. فرجع إلى الحضرة المنصورة ظافراً بالمراد. فسعى بعون الله وبسعد أمير المؤمنين وجدّ في ترجمته ونقله من اللسان اليوناني إلى اللسان العربي. أفرأيتم كيف تطرق بنا الحديث والحديث ذو شجون من ابن البطريق المصري إلى سميه البغدادي إلى الخليفة المأمون. وهل علمتم أن هذا الخليفة ورد على وادي النيل وكان له في رحلته بها شؤون يا لها من شؤون. ففي سنة ٢١٧ هجرية وقع أمران عظيمان اضطرب لهما بال المأمون ولم ير في أحد من أهله ولا من ذوي عمله الكفاءة لهما فندب نفسه وعزم على الخروج من بغداد. وذلك أن ملك الروم كتب إليه يسأله الموادعة والمهادنة وبدأ في كتابه بنفسه وكانت قد حصلت بمصر فتنة عظيمة واضطرب أمرها. فعزم المأمون على الخروج لغزو ملك الروم ولإصلاح ذات البين بمصر. فأمر بعقد الألوية السود وهي شعار بني العباس كما تعلمون (ونقول بهذه أن بني العباس كان لهم لوآان فابيض يعقدونه لمن يولونه الأعمال والحكومات وأما الأسود فهو خاص يعقدونه لولاية العهد على الخلافة) ثم أمر بجمع المسودة وهم جيوش بني العباس وشعارهم السواد. وقبل أن أسوق إليكم الحديث عما جمعته من شوارد هذه الرحلة العجيبة أخركم يا بني أمي ويا بني عمي بأمر هو من باب تحصيل الحاصل فأنتم تعلمون جميعاً أن أهل مصر عموماً يهيمون بالبصل غراماً تستوي في ذلك الطائفتان الصغرى والكبرى، بل إن بني إسرائيل حينما هاموا في التيه ولم يجدوا عن البصل من بديل ولم يعثروا على شبيه حردوا على موسى الكليم. وبما أننا سنحضر ركاب المأمون فلا بأس من ذكر نادرة من نوادره الكثيرة في إكرامه للعلماء حتى ولو كانوا ممن يأكلون البصل والثوم ويشربون النبيذ ويقومون للحنزير الحنيذ. فقد كان بلغه قبل ذلك أن الشيخ كلثوم بن عمرو العتابي قد توفي ثم بلغه أنه لا يزال على قيد الحياة وهو من أكابر الشعراء المرسلين وأفاضل البلغاء المطبوعين فأرسل إليه لينادمه قبل سفره حتى لا تفوته مجالسته إذا مات الرجل وهو في الغزاة أو في مصر فلما دخل عليه أدناه وقربه حتى قرب فقبل العتابي يده ثم أمره بالجلوس فجلس وكان إسحاق بن إبراهيم الموصلي نديم الخلفاء ونادرة زمانه حاضراً فقال له المأمون: بلغتني وفاتك فساءتني ثم بلغتني وفادتك فسرتني. فقال العتابي: يا أمير المؤمنين لو قسمت هاتان الكلمتان على أهل الأرض لوسعتاها فضلاً وإنعاماً وقد خصصتني منهما بما لا يتسع له أمنية ولا يبسط لسواه أمل لأنه لا دين إلا بك ولا دنيا غلا معك. فقال له: سلني. فقال: يدك بالعطاء أطلق من لساني بالسؤال. فوصله صلات سنية وبلغ به التقديم والإكرام أعلى محل. ثم أقبل عليه يسائله عن حاله وهو يجيبه بلسان ذلق طلق فاستظرفه المأمون وأقبل عليه بالمداعبة والمزاح فظن العتابي وكان شيخاً جليلاً نبيلاً أنه استخف به. فقال: يا أمير المؤمنين الإيناس قبل الإبساس. وهذا مثل مشهور ولكن المأمون اشتبه عليه قول الرجل فنظر إلى نديمه إسحاق مستفهماً فأومأ إليه وغمزه على معناه حتى فهم. فقال: يا غلام ألف دينار. فأتى بالذهب وصبه بين يدي الأديب. ثم أخذوا في المفاوضة والحديث وغمز المأمون إسحاق بن إبراهيم الموصلي عليه فجعل العتابي لا يأخذ في شيء إلا عارضه إسحاق وزاد عليه. وبقي العتابي يزداد عجبه من إسحاق حتى لم يطق صبراً. فقال: يا أمير المؤمنين أتأذن لي في سؤال هذا الشيخ عن اسمه؟ فقال: نعم. فقال: يا شيخ من أنت وما اسمك؟ قال: أنا من الناس واسمي كل بصل فتبسم العتابي وقال: أما النسبة فمعروفة وأما الاسم فمنكر. وما كل بصل من الأسماء؟ فقال إسحاق: ما أقل إنصافك! أتنكر أن يكون اسمي كل بصل واسمك كل ثوم وكل ثوم من السماء؟ أو ليس البصل أطيب من الثوم. فقال كلثوم العتابي: لله درك فما أحجك! يا أمير المؤمنين ما رأيت كالشيخ قط. أتاذن لي في صلته بما وصلتني به فقد والله غلبني. فقال المأمون: بل ذلك موفر عليك فنأمر له بمثله. فقال إسحاق: أما إذا قررت بهذه فتوهمني تجدني. قال: ما أظنك إلا الشيخ الذي يتناهى إلينا خبره من العراق ويعرف بابن الموصلي. قال: أنا حيث ظننت فأقبل العتابي عليه بالتحية والسلام فقال المأمون وقد طال الحديث بينهما: أما إذا قد اتفقتما على المودة فانصرفا سالمين. وخرج المأمون من بغداد بجيوشه وجحافله حتى دخل بلاد الروم غازياً لينتقم من ملكها الذي قدم نفسه عليه في المخاطبة وهنالك تناهت إليه الأخبار باستفحال الثورة في مصر وتعاظم الخطب وتفاقم الأمر حتى خرج أهلها من مسلمين وأقباط عن طاعة الخليفة لما نابهم على السوء من ظلم عامله عليهم وهو عيس بن منصور الرافعي. فامتنع المصريون كافة عن وزن الخراج وطردوا العمال. فترك الجنود ببلاد الروم لمحاصرة القلاع وتتميم الغزوة وسأتبعه في طريقه خطوة خطوة وأذكر ما فعله ببلادنا لخير الأقباط والمسلمين وما أبقاه فيها من المآثر التي دوى ذكرها وطمس خبرها وتنوسي أمرها على أن يخرج من وادي النيل مرموقاً بالعيون مشيعاً بالقلوب محموداً من جميع الشعوب. ذهب المأمون إلى الشام فاشتاق للمنادمة فطلب رجلاً شامياً لمجانسته ومحادثته فأدخل له خواصه أديباً منهم وقالوا له: يا شامي أنت داخل على أمير المؤمنين فلا تسأله عن شيء حتى يبتدئك فإننا أعرق الناس بمسألتكم يا أهل الشام. فقال: لا أتجاوز أمركم. فلما استدناه المأمون وكان على شغله من الشراب قال له: إني أردتك لمجالستي ومحادثتي فقال الشامي: يا أمير المؤمنين إن الجليس إذا كانت ثيابه دون ثياب جليسه دخله لذلك غضاضة فأمر له بخلعة. فداخل الذي أدخله غضاضة ورعدة شديدة من هذا التهجم. فلما لبس الشامي الخلعة ورجع إلى مجلسه قال يا أمير المؤمنين: إن قلبي إذا كان متعلقاً بعيالي لم تنتفع بمحادثتي. قال الخليفة: احملوا إلى منزله خمسين ألفاً. فقال الشامي ولي عليك يا أمير المؤمنين خصلة ثالثة أرجو أن تنعم بها أيضاً. قال: وما هي؟ قال قد دعوت بشيء يجول بين المرء وعقله فإن كانت مني هنة فأغتفرها. قال: حباً وكرامة. فكانت الثالثة برداً وسلاماً على الذين أدخلوه وعجبوا من حلم المأمون وكرمه. وقد اغتنم الخليفة فرصة وجوده بالشام لتحقيق مقدار السنة الشمسية فرصد ذلك بدار الرصد بدمشق المعروف بالشماسة وكانت له دار رصد أخرى ببغداد. فلما كان في دمشق قل المال عنده حتى أضاق فشكا ذلك لأخيه المعتصم الذي تولى الخلافة بعده وكان المعتصم قد ورده خبر بأن ثلاثين أل ألف قد حملت إليه من خراج الأعمال التي يتولاها للمأمون فقال له: يا أمير المؤمنين كأنك بالمال قد وافاك بعد جمعة. فلما ورد خرج المأمون والقاضي يحيى ووجوه خاصته وسائر الناس لاستشرافه فوردت الصناديق محمولة على أباعر بأحلاس موشاة وجلال مزوقة وعليها شقق الحرير الصيني الأحمر والأخضر والأصفر فكان منظرها يروق العيون ويأخذ بمجامع القلوب فضلاً عن العجب بما عليها من الذهب. فقال المأمون ليحي: هل يصح أن ينصرف أصحابنا هؤلاء خائبين على منازلهم وننصرف نحن بهذه الأموال قد تمسكناها دونهم إنا إذا للئام. ثم دعا كاتبه فقال: وقع لآل فلان بألف ألف ولآلا فلان بمثلها ولآل فلان بخمسمائة ألف وما زال كذلك حتى فرق أربعة وعشرين ألفاً ورجله في الركاب ثم أمر بدفع الباقي للجند. وكان رجل من الكتاب حاضراً وهو العيشي صاحب إبي إصحاق النديم فأخذ ينظر للمأمون ولا يرد طرفه عنه بحيث كان الخليفة لا يحول نظره إلى جهة ولا يلتفت إلى شيء إلا وقعت عينه عليه فقال لكاتبه وقع لهذا بخمسين ألف من الستة آلاف الألف لا يختلس ناظري. ثم أتى مصر فكان كلما دخل قرية أو مدينة ينزل على دكة قد بنيت لأجله ليكون مقامة مرتفعاً عن رطوبة الأرض فتضرب له على الدكة قبة بسرادق عظيم وتقيم العساكر حوله وكان يقيم في القرية يوماً وليلة فجاء عن طريق الفرما وفيها حضره الشعر فقال: لليلك كان بالميدا ن أقصر منه بالفرما غريب في قرى مصر يقاسي الهم والسدما والسدم هو الهم مع الندم والحزن والغيظ والميدان موضع ببغداد اسم لبلد بكورة سابور من أعمال فارس ولا شك أنه تفكر أثناء وجوده بها في فتح قنال السويس الموجود فقد روى أبو عبد الله محمد بن علي بن محمد الشطيبي (كذا) الأندلسي وقيل شهاب الدين أحمد المقري الفاسي في كتاب الجمان في مختصر أخبار الزمان المحفوظ منه نسخ متعددة بمكتبة باريس الأهلية أنه سعى في توصيل البحر الأحمر (بحر القلزم) بالبحر البيض المتوسط (بحر الروم) ولكنهم صرفوه عن هذه العزيمة خوفاً من الروم على مكة والمدينة كما خوفوا عمر بن الخطاب من قبله وهو أول من فكر في ذلك في الإسلام. ومر على دمياط ونزل عند قرية صغيرة اسمها بوره (وهي التي تنسب إليها العمائم البورية والسمك البوري وقد انحلت هذه العمائم باندثار القرية ولا يزال السمك باقياً يستطيبه المصريون إلى اليوم) فدخل عليه بكام القبطي من أهلها وكان ذا ثروة واسعة فخطب من المأمون عمارة بورة فقال له أسلم فتكون مولاي وأوليك فقال بكام: لأمير المؤمنين عشرة آلاف مولى مسلم أفلا يكون له مولى نصراني. فضحك منه المأمون وولاه عمالة بورة وما حولها. فبنى الرجل بها كنائس كثيرة حساناً وكان على باب داره المسجد الجامع فقال لأهل بورة من المسلمين أنا أبني لكم مسجداً جامعاً غير هذا واهدموا هذا المسجد من على باب داري فقالوا له ابن المسجد ونحن نصلي في هذا حتى إذا فرغت من بنيان ذاك صلينا به وهدمنا هذا المسجد. فبنى مسجداً كبيراً حسناً فلما فرغ منه ثقال لهم: فوالي بما وعدتموني فقالوا لا يجوز لنا في ديننا أن نهدم مسجداً قد صلينا فيه وأذنا وجمعنا فبقي المسجد على حالة وصار في بورة مسجدان تقام فيهما الجمعة فكان المسلمون يصلون جمعة في هذا وجمعة في ذاك. وكان بكام في يوم الجمعة يلبس السواد شعار بني العباس ويتقلد السيف والمنطقة ويركب برذوناً وبين يديه أصحابه فإذا بلغ المسجد وقف ودخل خليفته وكان مسلماً فيصلي بالناس ويخطب باسم الخليفة. ثم استمر الخليفة في سيره حتى جاء إلى قرية حقيرة فلم ينزل بها وهي طا النمل من مديرية الدقهلية وقد حرفنا اسمها تبعاً لأهلها فصار المشهور الآن (طنامل) وهما قريتان إحداهما شرقية والأخرى غربية وكلتاهما تبعدان عن مدينة المنصورة نحو ثلاث ساعات ولم تكن المنصورة موجودة في عهد المأمون لأن بناءها كان بعد ذلك في أيام الملك الكامل الأيوبي أثناء هجمات الصليبيين على مصر. فلما مر على القرية لم يدخلها لحقارتها فلما تجاوزها خرجت إليه عجوز تعرف بمارية القبطية صاحبة القرية وهي تصيح. فظنها المأمون مستغيثة متظلمة فوقف لها وكان لا يمشي أبداً إلا والتراجمة بين يديه من كل جنس فذكر له ان القبطية قالت: يا أمير المؤمنين نزلت في كل ضيعة وتجاوزت ضيعتي والقبط تعيرني بذلك، وأنا أسأل أمير المؤمنين أن يشرفني بحلوله في ضيعتي ليكون لي الشرف ولعقبي ولا تشمت الأعداء بي. وبكت بكاءً كثيراً فرق لها المأمون وثنى عنان فرسه إليها ونزل فجاء ولدها إلى صاحب المطبخ وسأله: كم تحتاج منم الغنم والدجاج والسمك والتوابل والسكر والعسل والطيب والشمع والفاكهة والعلوفة وغير ذلك مما جرت به العادة. فأحضر جميع ذلك إليه بزيادة. وكان مع المأمون أخوه المعتصم وابنه العباس وأولاد أخيه الواثق والمتوكل ويحيى بن أكثم والقاضي أحمد بن أبي داؤد فأحضرت القبطية لكل واحد منهم ما يخصه على انفراده ولم تكل أحداً منهم ولا من القواد إلى غيره. ثم أحضرت للمأمون من فاخر الطعام ولذيذه شيئاً كثيراً حتى أنه استعظم ذلك. فلما أصبح وقد عزم على الرحيل حضرت إليه ومعها عشرة وصائف مع كل وصيفة طبق فلما عاينها المأمون من بعد قال لمن حضر: قد جاءتكم القبطية بهدية الريف: الكامخ والصحناه والصير فلما وضعت ذلك بين يديه إذا في كل طبق كيس من ذهب. فاستحسن ذلك ومرها بإعادته. فقالت لاوالله لا أفعل. فتأمل الذهب فإذا به ضرب عام واحد كله. فقال: هذه والله أعجب ربما يعجز بيت مالنا عن مثل ذلك فقالت يا أمير المؤمنين لا تكسر قلوبنا ولا تحتقر بنا فقال: إن في بعض ما صنعت كفاية ولا نحب التثقيل عليكي فردي مالك بارك الله فيك فأخذت قطعة من الأرض وقالت يا أمير المؤمنين هذا (واشارت للذهب) من هذا (واشارت للطين) ثم من عدلك يا أمير المؤمنين وعندي من هذا شيء كثير فأمر به فأخذ منها وقطعها ضياع وأعطاها من قريتها طا النمل مائتي فدان بغير خراج وانصرف متعجباً من كثرة مروءتها وسعة حالها. ثم سار حتى وصل الفسطاط عن طريق المطرية وعين شمس متبعاً في ذلك خط السير الذي اتبعه الجيش الإسلامي مع عمرو بن العاص في أيام الفتح في سنة ٢٠ هجرية فدخل الفسطاط يوم الجمعة ٩ المحرم سنة ٢١٧ وكانت قد بنيت له قبة على الجبل المقطم فنزل فيها وكانت تسمى قبة الهواء وكان مع المأمون فراشون من النصارى فبعدت عليهم الكنائس التي في القصر فاستأذنوا المأمون في بناء كنيسة يصلون بها تكون بالقرب من قبة الهواء فإذن لهم فبنوا من فضلات قبة الهواء كنيسة مرتمريم التي في القنطرة وهي التي عرفت في ما بعد بكنيسة الروم. وفي أثناء إقامته في الفسطاط أرسل ملك النوبة وفداً إلى المأمون ذكروا عنه أن ناساً من مملكته وعبيده باعوا ضياعاً من ضياعهم لمن جاورهم من أهل أسوان وأنها ضياعه والقوم عبيده ولا أملاك لهم وإنما تملكهم على هذه تملك العبيد العاملين فيها فحول المأمون على عامله بأسوان تحقيق هذه المسألة وأمره بالاستئناس بمعلومات من بها من الشيوخ وأهل العلم فوصل الخبر إلى أهل أسوان الذين اشتروا تلك الضياع وعلموا أن عدل المأمون سينزعها من ايديهم ويردها على صاحبها فأعملوا الحيلة حتى لا يضيع عليهم الثمن الذي دفعوه وتذهب عليهم الأعيان التي تملكوها فتقدموا إلى البائعين من أهل النوبة واتفقوا معهم على أنهم إذا أحضرهم الحاكم المولى من قبل المأمون يقولون بأنهم ليسوا عبيداً لملك النوبة وأن يقولوا بحضرته وبحضرة الشيوخ والشهود والعدول: سبيلنا معاشر المسلمين سبيلكم مع ملككم ويجب علينا طاعته وترك المخالفة له فإن كنتم أنتم عبيداً لملككم وأموالكم له فنحن كذلك. فلما جمع حاكم أسوان بين البائعين وبين رسول ملك النوبة والنائب عنه في هذه القضية المهمة اعتمدوا على هذه الحجج ونحوها مما لقنها لهم أصحاب الحظ والمصلحة في ثبوت البيع ونفاذه فصح البيع لعدم إقرارهم بالرق لملكهم. هذا وقد أنشأ المأمون أثناء مقامه بمصر جسراً (كوبرياً) يصل بين مصر القديمة وبين جزيرة الروضة وانتقل إلى المنيل فأعجبته هذه الجزيرة الجميلة فبنى بها جامعاً ومقياساً كما ذكره عبد الرشيد صالح بن نوري الباكوبي المولود في مدينة باكو من بلاد الروسيا وهو من أعيان القرن التاسع للهجرة في كتابه المسمى بتلخيص الآثار في عجائب الأقطار المحفوظ منه نسختان في مكتبة باريس الأهلية ولم يتم هذا المقياس في أيام المأمون فأتمه المتوكل العباسي وهو الباقي إلى اليوم. وقد كان القبط يتولون مقاييس النيل إلى أيام المتوكل في سنة ٢٤٧ فتولاه المسلمون بعد تمام مقياس الروضة وأولهم أبو الرداد المعلم الذي كان مؤذناً في جامع عمرو يعلم الصبيان القرآن واستمرت هذه الوظيفة في ذريته حتى سنة ٩٣٨ ويقول الموكلون به في أيامنا هذه أنهم من عقبة. ثم عدا المأمون إلى بر الجيزة وذهب إلى الأهرام. قال شيخ الربوة الصوفي الدمشقي في كتاب نخبة الدهر في عجائب البر والبحر المطبوع في بطرسبورغ ما نصه: ولم تزل همم الملوك قاصرة عن تعرف ما في هذين الهرمين إلى أن ولي المأمون الخلافة وورد مصر فأمر بفتح واحد ففتح بعد عناء طويل واتفقن له لسعده المعين على تحصيل عرضه أن فتح في مكان يسلك منه إلى الغرض المطلوب فانتهى بهم الطريق إلى موضع مربع في وسطه حوض من رخام مغطى بالكف عما سواه. ويا ليت لو كان أمر بفتح هرمين أو ثلاثة من الأهرام الصغار المبثوثة فيرهما لكي يبين الأمر جلياً له وللناس. وروى المقريزي عن صاحب تحفة الألباب أن المأمون أصعد بعضهم لتعرف ما بداخله وبعضهم لذرعه من الخارج. فأفضى الذين صعدوا إلى القبة التي في أعلى الهرم من الداخل إلى قبة صغيرة فيها صورة آدمي من حجر أخضر كالدهنج فأخرجت على المأمون فإذا هي منطبقة فلما فتحت وجد فيها جسد آدمي عليه درع من الذهب مزين بأنواع الجواهر وعليه حلة من ذهب قد بليت ولم يبق منها سوى سلوكها من الذهب وكان على هذه الموميا طلاء بمقدار شبر من المر والصبر وعلى صدره نصل سيف لا قيمة له وعند رأسه حجر ياقوت أحمر كبيضة الدجاجة يضيء كلهب النار فأخذه المأمون وقال هذا خير من خراج الذهب. وقال كثير من المؤرخين أن هذا التمثال الأخضر لم يزل معلقاً عند دار الملك بمدينة مصر إلى سنة ٦١١ هجرية. أما الذين صعدوا فوقه فقد انتهوا إلى قمته بعد ثلاث ساعات فوجدوا رأس الهرم قدر مبرك ثمانية جمال. وبناءً على أمر أمير المؤمنين أرسلوا إلى أسفله حبلاً فكان طوله ألف ذراع بالذراع الملكي وهو ذراع وخمسان. وقد قاس المأمون تربيع الهرم فكان أربعمائة ذراع في مثلها. ولقد أجمع مؤرخو العرب على أن المأمون توصل إلى فتح هذا النقب الموجود إلى يومنا هذا بعد جهد شديد وعناء طويل فكان بداخله مهاوي ومراقي يهول أمرها ويعسر السلوك فيها وأن النفقة على نقبه كانت عظيمة والمؤونة شديدة. هذه هي الحقيقة التاريخية مجردة من المبالغات الشرقية. ولما كان أمر الأهرام قد بقي مكتوماً على الخاص والعام حتى فتحه المأمون فلا غرابة إذا رأينا أهل الشرق وهم مغرمون بالأوهام شطحوا مع تيار الخيال فلفقوا على ذلك أقاصيص وأساطير ما أنزل الله بها من سلطان ولكنها لعمر الحق فيها عبرة وحكمة كبيرة لقوم يفقهون. ذلك أن كتاب العرب أرشدوا أرباب الألباب إلى أن السعيد بن السعيد هو الذي يتوصل للعثور على ما يوازي نفقته عند تطلبه الكنوز والدفائن ولذلك قالوا بأن المأمون وجد وراء الباب حوضاً من حجر مغطى بلوح من رخام وهو مملوء بالذهب وقالوا أن المأمون أمر بحسبان ما صرف على النقب فبلغ قدر ما وجد في الحوض من غير زيادة ولا نقص. ولعل هذا الرمز البديع يكون راجعاً لمن ينفق العمر والمال في تطلب الدفائن والكنوز والمطالب والخبايا فليس لكل الناس سعد كسعد المأمون وقد رأيناهم جميعاً يعودون بصفقة المغبون فلعلهم بعد هذا البيان يفكرون ويتدبرون ويسعون لاكتساب المال من طريقه المشروع وسبيله المأمون. ثم توجه المأمون إلى الصعيد فأحل ركابه بمنف حضره الشعر في الحال فقال على سبيل الارتجال: سألت أطلال مصر عن عين شمس ومنف فما أحارت جواباً ولا أجابت بحرف وفي السكوت جواب لذي الفطانة يكفي ثم استمر حتى وصل إلى مدينة فقط من أعمال الصعيد بمديرية قنا. ومن لفظة فقط اشتق اسم القبط. ومنه أخذ الروم لفظة إيجيبتوس للدلالة على مصر والمصريين. اتقاء الشقاء نشر المسيو نوفيكوف العالم الاجتماعي الروسي هذا الشهر كتاباً سماهالظواهر الاقتصادية والطبيعية ومسألة شقاء الناس قال في بعض فصوله أن أمر بؤس البائسين وغنى الموسرين قد شغل بال كثيرين وهي من المسائل المعقدة ذات الأطراف والتضاعيف. فيرى بعضهم أن الشقاء من الأمور الطبيعية كالفيضانات والزلازل وقلة الأمطار وأن من يحاول إبطاله من لاعالم كالذي يتخيل أن يجري أنهاراً من اللبن ويغرس أشجاراً تأتي بأرغفة من العجين مخبوزة. ومنهم من يقول أنه ليس ثمت شقاء على حين تثبت الإحصائيات أن تسعة أعشار الناس لا يأكلون عندما تطلب معدهم الأكل أو هم فقراء مقتر عليهم في أرزاقهم ويرى بعض أرباب الأديان أن الشقاء أمر تقضي به المشيئة الربانية ولكنهم لم يستطيعوا أن يدعوا أن الشقاء حسنة من الحسنات لئلا ينسبوا إلى المولى تعالى الظلم لعباده بل أنهم وقفوا عند حد الجنات التي وعد بها البائسون وأن العالم دار محن وأكدار وغربة لا دار قرار وراحة وأن الحياة الحقيقية السعيدة يتمتع بها المرء بعد وفاه. بيد أن كثيرين من رجال الدين وإن قالوا بأن الشقاء مما يثاب عليه صاحبه إلا أنهم ينعمون ويترفهون يأكلون الأطايب ويسكنون القصور ويلبسون الوشي والديباج ولذلك ما قط منع رجال الدين الناس من السعي في الخلاص من مخالب الشقاء وتحسين معاشهم وتكثير أرزاقهم. وأرى أن الأنفع أن يقضي المرء حياته في هذه الدنيا في رفاهة لأن ذلك لا يمنعه من ممارسة الفضائل ثم إذا كتبت له الجنة يذهب إليها ويتمتع بما وعد فيها من النعيم وهذا خير له من أن يعيش في دنياه شقياً لينعم باله في الآخرة. ولكن من لا يقولون بخلود النفس وعددهم آخذ بالنمو يرون هذه الفلسفة خيالية. ويرى بعضهم أن الشقاء آت من استئثار بعض أشخاص بأموال طائلة وحرمان الفقير منها وأنه لو كفت أيدي الأغنياء عن احتكار القسم الأعظم من الثروة ولم يحرم منها السواد الأعظم بل قسمت بينه قسمة عادلة لأصبح الناس كلهم في سعة وفارق الشقاء بين بني آدم أخر الدهر. وليس احتكار أولئك الأفراد لثروة المجموع هو الحل الوحيد لهذه المعضلة بل أن الفقر ناشئ على الأرض من قلة الأرزاق اللازمة للحياة وإذا كانت هذه القلة ناشئة من أسباب المحيط والبيئة يصح أن يقال أن البشر في شقاء لأنهم لم يحسنوا استخدام الأرض وتسخيرها لحاجياتهم. لا يبطل البؤس بتقسيم الأموال على السوية لأن تلك الأموال غير كافية لرفع الشقاء كما علم بالإحصاء فقد تبين بأنه إذا حجزت جميع الأرباح والمداخيل التي تزيد عن خمسة آلاف ليرة لتوزع على من تقل مداخيلهم عن هذه القيمة لا تزيد مداخيلهم أكثر من ١٢ بالمئة عما هي عليه الآن ولذلك اقتضى زيادة الثروة عشرة أضعاف ما هي عليه اليوم لإنقاذ البائسين من بؤسهم ونحسهم. ولعمري أي رفاهية ينالها العامل الذي يربح الآن ثمانية قروش في يومه إذا صار يربح تسعة وهل بهذا القرش يكون مرفهاً من أهل الطبقة الوسطى؟ وبعد فلا سبيل إلى حل المسألة الاجتماعية لا بزيادة الأرباح ألفاً في المئة والسبب الثاني في سقوط دعوى من يدعون بأن في تقسيم ثروة الأغنياء تفريجاً لكربة البائسين أن ثروة الأغنياء ليست بحراً لا ينضب وبراً لأحد له فلو فرضنا أن مورغان المثري الأمريكي له دخل سنوي قدره ٣٨ مليون فرنك ووزعه على أهل الولايات المتحدة لما أصاب الفرد سوى فرنك على أن هذا الغني لا يتأتى له أن يوزع على أهل بلده هذا القدر من الملايين إذا صودرت أمواله في السنة السابقة. وهكذا العمل بجميع الثروة فإنها إذا حجزت دفعة واحدة ووزعت دفعة واحدة لا يكون منها دواء مسكن لهذا الجرح المؤلم إلا مؤقتاً لما عرف من أن مطالب الحياة غير متناهية وغنى يوم لا يعد غنى لأيام. ويغلط الاشتراكيون في خلطهم بين الثروة والمال وما الثروة إلا نتيجة تغيير المحيط بأن يقوم عمل الإنسان على قاعدة معقولة. وجمهور الناس يخطئون في تصورهم الثروة أنها ليرات وجنيهات موضوعة في صناديق أرباب المال فكما أن هذه النقود لا تحتاج إلى التجديد كل سنة وكما أنها كمية معروفة لا يمكن زيادتها يتوهم الناس أن الثروة كذلك وأنها إذا حصلت في اليد تبقى أبد الدهر. الثروة مؤلفة من بعض الوجوه من مجموع الغلات التي جعلت في الأسواق وينبغي أن تستخرج على الدوام من المحيط الطبيعي. لنفرض أن محصول القطن في سنة بلغ ١٢ مليار كيلو وأن هذه الكمية تسد حاجة البسر فليس هذا بشيء بل يقتضي أن تغل السنة التالية مثل هذه الكمية لأن محصول السنة السابقة قد استهلك وفني ولنفرض بأن في الإمكان توزيع الغلات على مساواة غلات السنة السالفة فإن مسألة الثروة العامة لا تنحل أيضاً إذ يلزم إعداد كمية مثلها للسنة التالية ولكن إذا لم يجر تقسيم السنة الماضية بحسب أدق قواعد العدل ومن غير أقل شدة تقل غلة السنة التالية ويعدو الشقاء فيبدي نواجذه. وما المسألة في الحقيقة متوقفة على توزيع الأموال بين الناس بل أن المسألة آتية من عدم كفاية ما تنتج الأرض من الضرورات ولو غلت ما يسد عوز الناس لما عادت الغلات تساوي شيئاً بل تصبح إذ ذاك كالماء في الأنهار والحصا في شواطئ البحار. وعلى ذلك فالواجب أن نحسب ما ينبغي لنا من بر وأرز ولحم وقطن وغير ذلك لنضع ميزانية مدققة لموارد البشر وهذا لا يتيسر الآن في دور الفوضى والطفولة الذي نحن فيه. ويؤخذ من أحدث الإحصائيات أن على الحنطة سنة ١٩٠٧ بلغت ١٠٨٦ مليون هكتو لتر موزونها ٨٧ مليار كيلو وإذا فرضنا أن في كل هيكتو لتر ٨٠ غراماً فلو فرضنا كل إنسان يحتاج لغذائه إلى مائتي كيلو في السنة لاقتضى لنا ثلاثمائة مليار كيلو في السنة. وبهذا ترى أن على الحنطة أقل مما يلزم بثلاثة أضعاف. ولعلك تقول أن بعض الشعوب تتغذى بالجاودار والذرة والأرز والمانيوك (شجيرة في أميركا يستخرج من جذعها دقيق مغذ) والموز وغيره ولكن تلك الشعوب لو تيسرت لها الحنطة ما اتخذت عنها بديلاًُ ولو اعتبرنا شعوب أوروبا وأميركا وحدها وهم نحو ستمائة مليون نسمة لاقتضى لهم على هذا المعدل ١٢٠ مليار كيلو مع أن محصول الحنطة في العالم ٨٧ . وهكذا في سائر لوازم الحياة فالسكر مثلاًُ لا يحصل منه إلا على نحو ١٢ مليون كيلو في السنة ويقتضي ٥٠ كيلوغراماًَ في السنة لكل إنسان تمكنه حالته من استعماله أي أنه يقتضي للبشر ٧٥ مليار كيلو منها لأوروبا وحدها ٣٠ ملياراً. فما لدينا من السكر لا يكفي سدس البشر إذا حسبنا مجموعهم وإذا حسبنا أهل أوروبا فعندهم ثلث ما يلزمهم منه. ثم أن محصول القطن في العالم أربعة مليارات كيلو فتجد من مليار وخمسمائة مليون نسمة وهم سكان الأرض خمسمائة مليون مكتسون كسوة تامة و ٧٥ مليوناً نصف كسوة و ٢٥٠ مليوناً عراة بالمرة. ولكي نكسو البشر عامة يقتضي تسعة مليارات وخمسمائة مليون كيلو من القطن. ومتى تأملنا أن القطن لا يستعمل فقط في الثياب بل أنه يدخل في ألف صنف من الحاجيات المنزلية والصناعية يسوغ لنا أن نحكم بأن محصوله غير كاف وربما لا يبلغ ثلث ما ينبغي لنا منه. وهكذا لو نظرت في جميع المواد اللازمة لجاء الحساب بمثل هذه النتيجة. وتدل الإحصاآت أن ٤٠١ من كل ألف ألماني يربح الفرد منهم ٢٤٦ فرنكاً في السنة و ٥٣٨ يربحون ٣٤٥ و ٤٨ يربحون ١١٢٠ و ١٣ يربحون زهاء ٣٤٧٦ و ٩٣ في المئة من النمساويين يربحون أقل من ١٢٦٦ فرنكاً في السنة. ويبلغ معدل ميزانية الأسرة الموسع عليها في رزقها ١١٥٠ فرنكاً في السنة هذا ووربا بالنسبة لسائر الكرة تعد غنية فقد حسبوا دخل الهندي فكان سبعة سنتيمات في اليوم على حين يحتاج إلى مائتي فرنك لمعاشة في السنة على أقل تعديل وهو لا يربح فيها إلا ٢٣ والحال في الصين أتعس وأنحس فلو عدلنا بين ثروة الفرد في البلاد الغنية كالولايات المتحدة مثلاً والبلاد الفقيرة كالصين والهند لا يصيب الأسرة أكثر من ألف فرنك وهذا القدر على قلته في عصر مثل هذا العصر يصعب نيله ولو كان لكل أسرة ألف فرنك في السنة وهو بعيد الحصول لما ساغ لها أن تأكل ما يغذيها فقط دع عنك بقية لوازم الحياة. وقد انتهت بنا الحال أن صرنا نعد الهواء في هذا العصر إذا كان مباحاً من النعم وكذلك الماء بعد أن أصبح ١٢ مليون كيلومتر مربع من أصل ثلاثة وثمانين مليوناً محرومة في أوروبا من الهواء وأصبحت تباع زجاجة الماء القراح في كولكاردي في أستراليا الغربية في أول أيام تعدين مناجم الذهب بسبعين سنتيماً وأصبح الماء العذب في باكو على ضفاف بحر الخزر مما يفاخر به ويعد من دواعي الرفاهية. وليست الإنسانية سعيدة بمساكنها أيضاً فالروسي يسكن في كوخ مغطى بالقش أضيق من أفحوص القطا ولو اقتضى له أن يبدل هذا المسكن بمسكن مغطى بالقرميد مصنوعاً بالحديد لوجب على روسيا صرف ستة عشر ملياراً من الفرنكات وهذا لا يتيسر إلا بعد أن تمر الأجيال أثر الأجيال. وبعد فليس الشقاء حادثاً منن قلة موارد الأرض ولو كان كذلك لما تطالت نفوسنا إلى الخلاص منه وكان علينا كالموت قدراً مقدوراً ولكن الأرض إذا أحسن استخدامها تعطينا عشرة أضعاف ما تعطينا الآن ويعيش الناس في بلهنية وسعادة فإن موارد هذه الكرة لا حد لها إذا عملنا لها عملها كما قال لي اليزة ركلوس الجغرافي الفرنسوي الكبير. فلو أتقنت الطرق الزراعية باستعمال الأسمدة الكيماوية وتطبيق الزراعة على العلم أي بسقيا الأراضي الجافة المياه وتجفيف الأراضي المغمورة بها لأتت الأرض من الغلات والثمرات ما تعد معه غلات اليوم وثمراته مضحكة من حيث كمياتها. هذا وفي الأرض منابع للثروة غير ما ذكرنا ففيها معادن لم تمسسها يد البشر. وإنك لتجد في جبال الأورال بروسيا من المعادن كميات وافرة لم يقم في فكر أحد أن يستخرجها ومثل ذلك في أفريقية وأميركا بحيث يصح أن نقول أن ما استخرج من ركاز الأرض ومناجمها أقل بقليل مما لم يزل مدفوناً في صدرها وبطنها فنحن لسنا في شقاء إلا لسوء تصرفنا في استخراج خيرات الأرض والانتفاع بنعم السماء لأن طريقتنا في أعمالنا ليست موافقة لمصلحتنا ومتى تعلمنا معرفة تطبيق أعمالنا على المصلحة الحقيقية فالشقاء يرحل عن هذه الكرة. وإذا نظرنا إلى حقيقة الشقاء نراه يرجع إلى ثلاثة أصول رئيسة وهي المصائب الطبيعية والفساد والأحوال الاجتماعية فالأولى وهي من الغرق والشرق والحرق والزلزال وانفجار بركان والموت يمكن تلافي خطرها باقتصاد كل فرد عشرة أو عشرين في المئة من دخله يدخرها لحين الحاجة وبذلك إن لم يرفع عنه ثقل المصيبة فإنه يخففها على الأقل ويأمن تغييرات الفلك وسوء الطالع. والفساد يمكن تلافيه أيضاً كتلافي المصائب الطبيعية بأن يزيد الصالح من عمله قليلاً وينفق ما يفيض منه على أخيه. فرفع المصائب وتخفيف ويلات الفساد هو إذاً مناط بكثرة الإنتاج. وما الخطأ الذي يحول دون الانتفاع بثمرات الأرض وثروتها إلا ناشئ مما يذهب إليه أكثر الناس من أنه لا يغتني مغتن بسرعة إلا إذا طالت يده لسلب مال أخيه لا بأن هو بنفسه. وهذا الفكر هو الذي جعل السرقة والغش واللصوصية والتعدي والامتياز وبعبارة أوجز جعل الاختلاس نافعاً لمن يأتيه. فإذا قدر للإنسانية أن تنجو من هذا الخطأ الفادح فالرفاهية العامة مضمونة للكافة. وما دام البشر ينظرون إلى الاختلاس على ضروبه بأنه نافع فسوف يبقون في شقاء وعلى العكس يكونون أغنياء سعداء متى اعتبروا الاختلاس ضاراً ومتى زاد التناسب حدة أورث الحياة ضعفاً تاماً أي موتاً. والتناسب بين المخلوقات والمحيط من حيث علم النفس هو الحقيقة وعدم التناسب هو الخطأ. ومن هنا كانت الحقيقة مولدة للاستمتاع والخطأ آتياً بالتألم فالخطأ هو مثل مرض عقلي ونتيجته بالطبع ضعف التركيب النامي إفرادياً كان أو إجماعياً قال بوهن: أليس الذكاء الإنساني الذي يراه كثيرون حاسة من شأنها الإحاطة بالأمور هو الأحرى بأن يكون قلة الكفاءة في إدراك الحقائق وذلك لأن الحيوانات تعرف أموراً قليلة ولكنها تسقط في أمور أقل منا فهي تفوقنا على ما فينا من ذكاء لأنا معشر البشر نعرف أموراً كثيرة ولكننا نخترع نظريات كثيرة حشوها الخطأ والخطل. فحالة الإنسان من بعض الوجوه أتعس من حال الحيوان لأن المصائب الناتجة من سوء تأويل الحوادث أعظم ن المصائب التي يكون منشؤها الجهل مباشرة فكما أن الصحة والمرض أمران متوازيان متعاقبان في هذه الحياة يسيران كنهرين يمزجان مياههما بعضها ببعض هكذا الحياة الطبيعية تمشي مع الحقيقة والباطل كتفاً إلى كتف منذ قرون وسنين وسوف تسير كذلك إلى آخر الأزمان. والخطأ الأساسي في الاقتصاد أن فكر الاختلاس والنفع المرجو منه هو في الحقيقة روح الشر ويحول دون سعادة البشر فإذا تمكنا من شفاء نفوسنا من هذا المرض العقلي فالمسألة الاجتماعية تنحل لساعتها. ودواء الباطل بالدعوة إلى الحق. فالباطل يشفى لأنا نرى منه جزءاً يضمحل كل يوم بفضل انتشار العلم فلا ينبغي اليأس من القضاء عليه ولا بد من أن يأتي يوم تتغلب فيه الحقائق الاقتصادية على الناس ويرون الاختلاس ضاراً فيجندل الشقاء أبد الدهر. المنازل الرخيصة في الغرب قال اللورد روزبري: إن من يبعمل لما فيه إنهاض تلك الجماعات من الناس الذي قضي عليهم أن تصفر وجوههم وتذل نفوسهم وتنحط مداركهم في المساكن القذرة التي ينزلونها هو بلا شك عامل على ما فيه نفع الجنس البشري عامة. ولقد نشأت الفكرة الأولى لإنشاء بيوت العملة حوالي سنة ١٨١٠ وزادت حركتها سنة ١٨٣٥ على يد شركات المناجم بني الحدود الفرنسوية البلجيكية واحتذى أحد أرباب المعامل الألمانية سنة ١٨٣٥ حذو الشركات الفرنسوية فأنشأ في مولهوس إحدى مدن ألمانيا مسكناً كبيراً في حديقة تشمل على ٣٦ منزلاً فتم عمله على أحسن الأساليب واقتدى به كثير من أهل المقاطعات في الشرق والشمال في فرنسا. وفي سنة ١٨٥١ توسع أحد الفرنسيس في هذا الفكر وأنشأ شركة عمرت لألف ومائتي أسرة ألفاً ومائتي مسكن منفرد بعضها عن بعض ولكل منها حديقة يصبح ساكنها مالكاً لها وللمنزل بعد مدة يدفع ثمنها على نجوم مقررة. وبدأت إنكلترا في سنتي ١٨٤١ و ١٨٤٨ بالاقتداء بالفرنسيس والألمان في هذا السبيل وأنشأت إحدى شركات فرنسا مساكن طيبة للعملة كل منها مؤلف من حديقة وطبقة أرضية ومطبخ وغرفتين وفي الطبقة الثانية ثلاث غرف وبيت مؤونة وقبو ولم يكلف المسكن أكثر من ٢٩٣ جنيهاً يضاف إلى ذلك ثمن الأرض التي لم يكلف مترها أكثر من خمسة إلى ستة فرنكات وجعلت إيجارها الحقيقي كل سنة ٢٣٠ فرنكاً أي أقل من فرنك كل يوم عن مسكن يؤوي عائلة مؤلفة من خمسة إلى ستة أشخاص وإذا أراد الساكن أن يملك المسكن في خمس وعشرين سنة يجب عليه أن يؤدي زيادة عن الأجرة ١٦٩ فرنكاً فإذا كان الساكن من العملة الذين يربحون في الساعة ٦٠ إلى ٨٠ سنتيماً أي لا أقل من ستة فرنكات في اليوم يتأتى له أن يسكن في مثل هذه الدار ويملكها بعد ذلك إن أراد بتوفير شيء قليل من نفقاته. وكانت هذه البيوت في ضاحية باريز ولما ارتفعت أسعار الأراضي هناك أحبت الشركات أن تبتعد عن العاصمة أكثر فأصبحت تبني بيوتاً لا يكلف الواحد منها أكثر من خمسة آلاف فرنك. كما أنشأت أيضاً بيوتاً لم تكلفها أكثر من ٣٢٠٠ فرنك وبيوتاً لم تكلفها أكثر من ٢٨٠٠ جعلت إيجار الأخيرة منها ١٤٠ فرنكاً في السنة وفيها معظم ما يحتاج إليه من الغرف والمطبخ والأنبار وحديقة لطيفة. وأنشأ الإنكليز بيوتاً رخيصة في جنوبي لندن كما أنشئوا منذ سنة ١٨٦٧ في شمالي إنكلترا في بعض المدن الصناعية بيوتاً يقل ثمن الواحد منها عن ستة آلاف فرنك جعلوها درجات فالدرجة الأولى لا تتجاوز أجرتها في اليوم فرنكين وهكذا في الدرجة الخامسة. وسكان هذه البيوت أو مستأجروها لا يقبضون في يومهم أكثر من عشرة فرنكات ولا أقل من سبعة. وأقيم في وسط تلك الحدائق التي أنشئت البيوت عليها منتزه عام تكون فيه الاجتماعات وتقام فيه الشعائر الدينية وخصص محل منه للسماع والمراقص والمجامع وفي جانب ذلك خزانة كتب عامة وغرفة كبرى للمطالعة وغرف للعب البلياردو وحذا حذو هذه الشركات كثير غيرها في جميع الأقطار الإنكليزية وبعضها يدفع نحو خمسة في المائة فائدة الأموال التي يستخدمها في هذا السبيل. قال اللورد بيكنسفيلد سنة ١٨٧٤ عندما رأى حياً من تلك الأحياء التي أنشأتها إحدى الشركات ليقيم فيها العملة: إنني لم أشعر في حياتي بدهشة أشد من دهشة عرتني عندما زرت هذه المدينة الصغرى (شهافتسوبورغ بارك) وقد تجلى لناظري نجاح ساكنيها الذي هو ولا شك ضمان لارتقاء الأمة. ولطالما جال في خاطري أن لا شيء يحمي حمى المدينة مثل البيت فهو مدرسة جماع الفضائل الأهلية وبدون مسكن لطيف الباطن يتعذر عليها في الحقيقة الوصول إلى هذه الفضائل. وكان يقتصر في أمثال تلك المساكن سابقاً على الضروري من الحجرات ويعني بأسباب الراحة فقط أما الآن فقط ارتقت الحال في تلك الشركات شأن كل حي في الوجود فصارت لا تقتصر في بنائها على الضروري بعض الشيء بل رأت التأنق والزخرف لازم لحياة الساكنين أيضاً. جرت عادة بعض السكك الحديدية أو التراموايات في أوروبا أن تسقط كثيراً من أجورها لمن يشترك بها من العملة لأن الدور الرخيصة التي بنيت لهم تكون في الغالب بعيدة عن المدن الكبرى وحالتهم المالية لا تساعدهم على اداء أجورها كسائر الناس فكان من شركات تلك البيوت أن عقدت مع إدارات السكك الحديدية مقاولات لمراعاة الساكنين في بيوتها مراعاة لا تكاد تصدق. ومن لم تساعدهم حالهم من العملة والفقراء في الغرب للابتعاد عن المدن كثيراً فقد جعلوا لهم مساكن متلاصقة بعضها ببعض. وكل ساكن حر في منزله وفيه يجد ما يلزم للبيوت فيتيسر بذلك للساكن أن يجيء نصف النهار إلى بيته ليتناول الطعام مع أهله وفي ذلك من الاقتصاد ما فيه إذ يمتنع رب الأسرة عن الذهاب على المطاعم أو الحانات وكلها مما تضر بصحته وكيسه معاً وبذلك لا يصعب عليه أن يدفع أجرة أغلى من الأجرة التي يدفعها البعيد عن مسكنه. وقد أسست شركات عظمى غنية في لندن منذ سنة ١٨٤٥ وكثرت في المدن البريطانية ورأس مال كل شركة من هذه الشركات لا يقل عن مليوني جنيه وتدعى أمثال هذه الدور دور الثكن (القشلاقات) وهي أبنية عظمى ذات خمس طبقات كل طبقة منفردة عن بعض يفصل بينها فناء متسع يلعب فيه الأولاد وقد فتحت فرج في الأدراج وجعلت في بعضها ممرات ومنافذ يدخل إليها النور والهواء وليس فيها دهاليز مظلمة وهي على غاية النظافة على أنواعها مستوفاة شروط الصحة كل الاستيفاء. ومعدل أجرة مسكن ذي ثلاث غرف من مثل هذه المساكن هو ٤٠٠ فرنك وأجرة الغرفة الواحدة نحو ١٣٧ فرنكاً ومعدل أجحرة من يسكنون في أمثال هذه المنازل ستة فرنكات في النهار يدفعون أجورها صباح كل إثنين من كل أسبوع. وتسأل الشركة عن سلوك من يريد السكنى في بيوتها وعن مسكنه وذمته في أداء الحقوق وهي تؤثر الأسرة التي لها أولاد على غيرها على حين أن أكثر المؤجرين لا يرضون أن يكروا بيوتهم لمن كثر أولادهم فكان ذلك في فرنسا من جملة الأسباب في قلة النسل فيها. وقد أوصى المستر بابودي الأميركي سنة ١٨٦٢ باثني عشر مليون فرنك لإنشاء دور من هذا النوع في وسط مدينة لندن ينفق ريعها كل سنة لإنشاء بيوت جديدة وقال في وصيته أنه بعد انقضاء قرن يكون الريع السنوي الناتج من الإيجارات قد بلغ مبلغاً عظيماً فلا يكون في لندن عامل فقير واحد لا يحصل على مسكن صحي موافق له ولأسرته بأجرة تناسب ما يقبضه. ولو لم ينزل كما قال الخبيرون معدل الفائدة بعد مرور مائة سنة على موت هذا الكريم لجاوز ما جاد به مليارين وأسكن ٣٥٠ ألف أسرة. وقد ظهر بالإحصاء أن الوفيات ولاسيما وفيات الأطفال تقل في بيوت المحسن بابودي أكثر من غيرها وأن المواليد فيها أكثر وأن مساكنه كان لها تأثير حسن في الصحة. والغالب أن هذه المساكن ناجحة في إنكلترا أكثر من غيرها في البلاد الأخرى وفي مثل هذه البيوت بقليل من الذكاء والعمل يمكن للأمم التي تقول عن نفسها أنها متمدنة وأنها تتقي ذاك الجذام الخبيث من المساكن الضيقة التي تموت فيها الصحة وتفنى القوى بما ينبعث من روائحها الخبيثة وما يتزاحم فيها من الأقدام والأنفاس وما يتجلى عليها من الوحشة والبشاعة وما تكون سبباً له من الأمراض والاختلاط الضار والانحطاط الطبيعي والأدبي. ولم تكتف إحدى الشركات في لندن بإنشاء بيوت رخيصة بل أنشأت مطاعم رخيصة للعملة. وأنك لتدخل تلك البيوت والمطاعم فلا تشهد أثراً للفاقة والفقر. وقد نظرت بعض تلك الشركات إلى مصلحتها المادية وإلى مصلحة الساكنين ورأت أن أعمالها لا تدوم غلا إذا كان ربحها معتدلاً فكان معظمها يعطي أرباحاً ثلاثة ونصف في المائة وبعضها أكثر من ذلك أي بقدر ما يعطي القنصليد الإنكليزي أو غيره من أوراق بعض الحكومات وفي ذلك من الفائدة للعملة البائسين ما يخفف عنهم شقاء الحياة وفيه خدمة المجتمع بأسره وأي فائدة له أكثر من أن يرى الشقاء يقل فتقل معه الأحقاد والحسد والثورات ويكون أرباب الأموال آمنين على أموالهم من الضياع وهم يتجرون في غرض شريف. وقد أسفرت مشاريع إنشاء هذه الدور عن ربح معتدل لمن قاموا بها ولذلك أقبل عليها هناك من لا يحبون المخاطرة بأموالهم في المضاربات وغيرها. وما عدا هذه المنازل والدور الخاصة بالأسرات فإن القوم أقاموا غرفاً مفروشة للإيجار يسكنها رجل واحد أو امرأة واحدة أو فتاة أو فتى. فقد أنشأت جمعية الإحسان في باريز نزلاً أو حياً في مثل هذا وأخذت تؤجر الغرفى الكبرى بفرنك في اليوم والغرفة الصغرى بستين سنتيماً وهذا النزل عبارة عن خمس طبقات نظيفة يكثر فيها النور والظرف وغرفة المائدة متصلة بأحد المطاعم بشروط عقدتها معه وتقدم لها الأطعمة الجيدة بثمن بخس ومثل ذلك تجد في شيكاغو بأميركا وغلاسكو في إنكلترا وغيرها في غيرها. ومما تفننوا بإنشائه من المساكن منازل للعزاب أقامها في لندن اللورد روتون فبلغت اليوم نحو خمسمائة مسكن يسكنها نحو ثلاثة آلاف وخمسمائة مستأجر ينزلون فيها ما أحبوا ثم يغادرونها. وهذه المساكن أشبه بثكن جميلة آخذة من القوانين الصحية بنصيب وافر وكل مقصورة أو غرفة منها أشبه بمربط الحصان يسكنها الفرد وتكون مفتوحة من أعلاها. والمغاسل وغرف الاجتماع والطعام مشتركة بين الساكنين وهي معرضة للهواء النقي والنور الذي ينعكس عليها من القرميد الأبيض المعمول بالمينا على السطوح وغرف الاجتماعات فيها مزدانة بالصور ومزخرفة أي زخرف ويباع فيها الطعام والثياب بأثمان بخسة وأجرة الغرفة في اليوم ستون سنتيماً. ومع كل هذا الرخص لا تخلو الشركة القائمة بأمر هذه المساكت من ربح تجنيه. وبالسكنى في تلك البيوت يتخلص العامل أو المستخدم من قسوة المؤجرين وطمعهم الأشعبي وينزل غرفة لا أوساخ فيها ولا أقذار بعيدة عن منهكات الصحة. وأمثال هذهالشركات كثيرة في إنكلترا وتفوق ما هو من نوعها في فرنسا وقد أنشئ معظمها وأدير بيد مشاهير من النبلاء كان لهم البرنس ألبرت والبرنس دي غال أحسن قدوة يقتدون بها وقد حملتهم على الاستكثار منها أسباب كثيرة منها الخوف من ازدياد البؤس هناك وما أحدث في قلوب العقلاء من القلق ولا سيما كثرة السكان في لندن ونمو طبقات العملة. بلغ رأس المال الموضوع في إنكلترا لإنشاء بيوت رخيصة للعملة ملياري فرنك وفي فرنسا مائة مليون فرنك ومعظم تلك الأموال تدفعها الحكومة كما هو الحال في ألمانيا وتدفع أحياناً من دوائر البلديات كما يجري في ألمانيا وإنكلترا وروسيا. وتقوم بذلك في بعض الأحوال شركات مختلفة النوع والصفة. وما أحلى ما تقوم به ألمانيا وتسلفه لعملتها ومستخدميها المساكين من الأموال لتقيم لهم بيوتاً رخيصة ما أمكن. وما عملها هذا لو دققنا النظر إلا الاشتراكية العملية على ما تتجلى في العادة الاشتراكية في شمال أوروبا الاشتراكية ليس سداها ولحمتها كلاماً ولا خصاماً قلما ينتفع بها إلا نافخو ضرامها ثم خصومهم ثم العدو القريب. قال جان لاهور وإني وإن رأيت أن تسير الأمور أولاً بمعونة الحكومة وحمايتها ولكني أوثر أن تعمل عزائم الأفراد عملها مستقلة فإن العزائم إذا جمعت عظمت بالاشتراك وإنكلترا أعظم مثال في هذا الباب. نعم إن الإقدام الشخصي والشركات الخاصة أنفع للأمة في هذا الشأن. لأن إلقاء المسئولية على عاتق الحكومة لا يكون منه إلا سوء إدارة وقلة اقتصاد وعمل متوسط وأكلاف مفرطة فيما تتولاه. ثم أن الاعتماد أبداً على الحكومة يورث الأمة عادات ضارة تنزه منها الشعور بالاستقلال الذي هو أحرص ما تحرص عليه نفوس العقلاء ويعبث بالتربية الحرة ولا سيما في بلاد دستورية. إن معنى مطالبة الحكومة أن تعمل كل شيء أو مطالبتها بمعظم شؤون الأمة هو تعويد الأمة على أن لا تعلم لنفسها بنفسها شيئاً أو أنها تعمل التافه والحقير من الأعمال ولا يجب أن تدخل الحكومة إلا حيث يضعف عمل القوة الفردية ويخفق اتحاد الشركات. الحكومة إذا نافست الأفراد توشك أن تنزع منهم الهمة وتضعف فيهم الجهاد وإذا تولت إدارة مثل هذه الدور تنتهي بأن تعين لها عمالاً كثيرين من لدنها على أن كثرة الموظفين هي اليوم الضربة القاضية على الأمم كانتشار المشروبات الروحية وربما كانت من مفاسد عصرنا وأمراضه الوبيلة وفيها الخطر كل الخطر علينا. الكحول سم الإرادة والاحترام الشخصي والتوظيف كما هو الآن عندنا لا يقل عنها ضرراً. وما التوظيف في الحكومة لقاء رواتب تدفعها لموظفيها إلا صورة من صور الرق والعبودية القديمة في مظهر جديد يضطر فيه صاحبه أن يطلق حرية روحه وفكره على حين ترى الخدام ممتعين بها. ولقد نرى حكومات في الغرب كحكومة ألمانيا مثلاً فد انتبهت لهذا النقص فما أحبت أن تكثر من جيوش الموظفين كما هو الجاري في فرنسا وأن تنهك ميزانيتها بالملايين للإدرار عليهم بل خصصت ملايين في ميزانيتها لأعمال من مثل هذه مصبوغة بصبغة الديمقراطية والاشتراكية العملية. وأما إنكلترا فلحسن طالعها أن نفوذها في رعاياها قليل والقول الفصل فيها لهمة الأفراد. وقد قررت دار الندوة الإنكليزية سنة ١٨٩٠ أن تمنح المجالس البلدية حق نزع ملكية البيوت القذرة وأن تمديد معونتها للشركات وتسلفها أموالاً في مقابلة رهن لإعادة تلك البيوت إلى حالة حسنة تجمع إلى النظافة الرخص ويعود الفقراء فيسكنوها فكان في ذلك من المنافع الصحية العامة ما ظهر أثره في وجوه السكان وصحتهم. ولا معنى لتساهل الحكومة وقلة عنايتها وهي المسيطرة على القانون أن تترك الناس وشأنهم إذا بلغت بهم الحال إلى هذه الدرجة من البؤس على أن هذا البحث كان موضوع المناقشة في المؤتمر الدولي سنة ١٩٠٠ وانقسمت الآراء فيما إذا كان يجب صرف أموال الضرائب في إقامة بيوت رخيصة كما يجري في لندن وبرمنغهام من بلاد الإنكليز وفي فريبورغ وأولم في ألمانيا وفي غوتسبورغ في السويد على يد المجالس البلدية إلا أن الرأي العام كان مناقضاً لهذه الاشتراكية. وإنك لتجد الممالك الصغرى في أوروبا من العناية بأمثال هذه المشاريع ما للممالك الكبرى وزيادة. فإذا كنا نسمع بنور المدينة ينبعث من ألمانيا وانكلترا وفرنسا في أوروبا فإن سويسرا والدانيمرك والسويد والبلجيك وهولاندة لا تقل عنها في المشاريع العامة الخيرية إن لم نقل تفوقها في أكثر حسنات المدينة لأن اللقمة الصغيرة يسهل ازدرادها أكثر من الكبيرة كما يقولون ولأن الصغير المدبر يتيسر له ضم أطرافه أكثر من الكبير المتوسع في أملاكه. وخذ مثلاً لذلك البلجيك فإنها بفضل صندوق التوفير العام فيها قد أصبح خمسة عشر ألف عامل فيها يملكون بيوتاً يسكنونها وذلك في مدة عشر سنين أسلف هذا الصندوق في خلالها اثنين وثلاثين مليوناً من الفرنكات للعملة والشركات وبواسطتهم عمرت هذه البيوت الرخيصة على أن مثال فرنسا وألمانيا وغيرهما من الممالك الكبرى مهما عنين بإعانة البائسين وإيواء المساكين فلا يبقين إلا مقصرات فإن شركات ألمانيا وغيرها من الأفراد سلفت العملة ثمانمائة مليون مارك لمثل هذه الأعمال الاجتماعية وكذلك فعلت إنكلترا وأقرضت عملتها. فترى بعض شركات كشركة البناء فيها لا تبين بيوتاً بل تقرض مالاً للعملة يبنون لأنفسهم به فيؤذي العامل كل يوم اثنين عشرة فرنكات مثلاً أي ٥٢٠ فرنكاً في السنة بحيث يجتمع له بعد ثلاث سنين ١٦٠٠ فرنك وبذلك يبين بأنه يستطيع أن يقتصد وعند ذلك يعمد إلى شركة من شركات بناء الدور الرخيصة ويطلب إليها أن تقرضه مالاً لإنشاء مسكن فيؤدي إليها أولاً الـ ١٦٠٠ فرنك التي اقتصدها وثانياً مبلغ ٢٤٠٠ فرنك يدفعها بعد فتكون مكلها أربعة آلاف فرنك ويظل على تأدية عشرة فرنكات كل يوم اثنين من الاستهلاك وقد كثرت أنواع هذه الشركات وكان عددها في إنكلترا ٢٢٤٣ شركة لا يقل رأس مالها عن مليار فرنك حتى أن بعضهم رأى أن بعض تلك الشركات تقبض من العملة المشتركين معها كل يوم اثنين مليون فرنك. كل هذه الأعمال لا ترى فيها الحكومة إلا أثراً ضئيلاً ما عدا ذلك فالأفراد والشركات سيديرون ما يديرون وكذلك رؤساء المعامل فإن منهم من يهتمون هناك بمصالح من يعملون عندهم اهتمامهم بمصالح أولادهم ولاسيما في البلاد الجبلية التي لا ترى فيها إلا صخوراً أو مضايق وأودية. وقد استعمل بعضهم البيوت النقالة التي اخترعها الأميركان لتكون عوناً على استعمار بعض الأطراف البائرة والأصقاع المتنائية في الولايات المتحدة وهي مصنوعة من خشب الصنوبر وتختلف فيمتهات بحسب ما فيها من الغرف من ٢٥٠٠ فرنك إلى ٩٥٠٠ فرنك ينقله الإنسان حيث أراد وكذلك البيوت الخشبية التي اصطلح عليها في بلاد النرويج والسويد والروس وكلها من أحسن النموذجات في البيوت الرخيصة. رأى بعض الاجتماعيين أن تولي رؤساء المعامل من أمر عملتهم ما يتولون في بعض بلاد الغرب فيقتطعون جزءاً من أجورهم لسداد ما عليهم من أثمان مساكنهم التي يكون ملكاً لهم بعد قليل من السنين ـ أن هذا العمل يفقد العملة استقلالهم بعض الشيء فيضطرون أن يعملوا في معامل رؤسائهم ريثما يوفون ما عليهم أو يخرجون منها قبل وفاء ما عليهم فيلقون المشاكل وما عدا هذا المحذور فإن تولي الرئيس أو المعلم أمر عملته والنظر في مستقبلهم وإنشاء بيوت لهم أو حملهم على الاقتصاد هو السداد بعينه. وفي بعض البلاد لا يتأتى إلا أن يتداخل رؤساء المعامل في أحوال مستخدميهم كبلاد روسيا مثلاً. ولذلك كانت مساكن العملة في أكثر أرجائها بديعة مستوفاة شروط الصحة ولا سيما في الأماكن البعيدة عن السكان والعمران مثل معمل (داغوكردل) لصاحبه البارون إدنجرن ستمبرغ فإنه أنشأ لكل عامل داراً منفصلة عن دار جاره فبلغ عددها ٢٣٧ =داراً فيها عامة مرافق البيوت وحديثة للثمار وأخرى للبقول وغيرها يقتطع من أجرة العامل خمسة وعشرين في المائة فما هو إلا كلا ولا حتى يصبح العامل صاحب دار فسيحة وحديقة أنيقة ويشرب السكان من آبار ارتوازية طاهرة بحيث تكاد لا تجد للحمى التيفوئيدية بينهم أثراً مع أن هذه الحمى يكاد يكون انتشارها عاماً في البلاد الروسية وأعمار من يعيشون في هذه المساكن أطول من أعمار من يسكنون في غيرها. وكم للعملة من بيوت لا يفتحون عيونهم عليها بعد حين إلا وهي ملك لهم يخلفونها لذراريهم جيلاً بعد آخر. وأن أفاضل الروس وأجدادهم لم يفتهم أن يبسطوا أيديهم بالعطاء للمساكين ينشئون لهم به دوراً حسنة يؤويهم فقد أوصى سولودفنكيوف لمدينته باثني عشر مليون روبل لإنشاء بيوت يسكنها البائسون المحاويج. ومن المعامل التي وسعت على عملتها ونظرت في رفاهيتهم معمل كروب الألماني فإنه مثال المشاريع العظيمة ونموذج من حماية صاحب المعمل لعملته وعدم احتفاله ب المال في سبيل راحة من يقومون بأعمالهم لنفعه ونفعهم. فإن هذا المعمل وإن شئت فقل المعاملة المعروف بمدافعه وعدده الحربية صعب عليه أن يرهق العاملين فيه كما يرهق البشر بمصنوعاته فأنشأ لعملته في ميدنية أسبين الجميلة على نهر الروهن ثماني مدن وخمسة مستعمرات وبيوتاً منفردة يسكنها العاملون آمنين مطمئنين. فهناك زهاء خمسة آلاف مسكن يقطنها زهاء ستة وعشرين ألف نسمة وقد ازدانت بالنباتات المعرشة والزهور البديعة واستوفت من داخلها وخارجها أسباب الظرف والزينة وكل ما يملأ العين قرة والصدر مسرة وأقامت إدارة المعمل بالقرب من تلك البيوت بيوتاً أخرى جميلة فسيحة للعملة العاجزين والأيامى من نساء العملة. ويتصل بالمعمل شركة تبيع المأكولات كما تتصل به مستشفيات تامة العدة وبيوت للنقاهة وقاعات الاجتماع والمطالعة وقد صرفت إدارة المعمل على إنشاء هذه الدور نحو مليون جنيه. وتفوق دور معامل كروب دور معامل الصابون في بورت سونلخت وقد عرضت إدارة هذا المعمل أنموذجاً من الدور التي تؤجر في الأسبوع من أربعة إلى خمسة فرنكات في معرض باريز سنة ١٩٠٠ فكانت محل العجب وربما كانت هي المعول عليها في المستقبل لإيواء العملة وراحتهم ففيها جماع مرافق الحياة وفي كل منها حديقة للبقول تؤجر على حدة بأجرة طفيفة جداً. وهذه الحدائق يمكن زرعها على أيسر سبيل بما أنشأته عقيلة من عقيلات الكرم والعقل من شركة تؤدي للعملة ما يلزمهم من الأرض والبذور (التقاوي) والنباتات لغرسها في حدائقهم أو لتزيين بيوتهم بها. في إنكلترا قرية لا تقل في الغرابة عن معامل كروب ومعامل الصابون المذكورة آنفاً وهي القرية التي أنشئت في تورنفيل على يد طائفة الكواكز البروتستانتية أعني بها معامل الشوكولاتا فإن هذه الشركة رأت أن جمال مناظر المساكن مهما كان نازلوها فقراء مطلوب لذاته فبذل أفراد من هذه الطائفة مالهم لإنشاء هذه المدينة النادرة في شكلها وأقامت لها أندية وألعاباً وخزائن كتب ومحال للسباحة وبيوتاً تحف بها الخضرة والنضرة على طريقة جميلة ليس فيها مظهر من مظاهر الزخرف الكاذب بل فيها جميع ما يلزم الحياة وبعضها مزين مبهرج منقوش ولا يكلف السكنى فيها كل أسبوع أكثر من ٨ إلى ١١ فرنكاً. وقد قال مدير المعمل لأحدهم بمناسبة إنشاء هذه الدور أن المذاهب السياسية لا تأثير لها ولو كنا كلنا نقوم بالواجب علينا لبطلت الحروب بين طبقات الناس وليت شعري إذا لا تقوم المجالس البلدية بمثل ما جرأنا نحن على القيام به؟ وإن الشرح ليطول لو عددنا المدن التي أنشأها أرباب المعامل في الولايات المتحدة لعملتهم حتى أن حي العملة في شيكاغو يعد من أهم أحياء تلك المدينة الصناعية العظيمة وأجملها. ولا تنس البيوت التي أقامها بعض أرباب المعامل في فرنسا ولا سيما شركة معادن لانس فإنها أحدثت أربعة آلاف مسكن وأجرة الواحد منها ١٥٠ فرنكاً. وبعض المعامل تقرض عملتها الدراهم لابتياع أرض وبناء مسكن فيكونون في الحال مالكين لها ويختارون الهندسة التي يريدونها وبعضهم يؤجر كل بيت في الشهر من فرتك وربع إلى ثمانية فرنكات وربما أعطوه بالمجان في بعض الأحوال وقد استلف عملة منجم كرونري مليوناً وستمائة ألف فرنك لإنشاء بيوت لهم كما اقترض عملة مونسوليمين زهاء مليون. وفي مدينة سوشار من أعمال نوشاتل في سويسرا في معمل الشكولاتا حي عظيم لعملة المعمل ومستخدميه جاءت بيوته على صور مختلفة منها ما أجرته سبعة عشر فرنكاً ونصف ومنها ما أجرته ثمانية عشر فرنكاً ونصف تدفع الشركة نصف أجرتها من عندها. ومن بيوت العملة التي استحقت الثناء مدينة فيلبرون من أعمال البلجيك في معمل الزجاج وفي مدينة ولفت في هولاندة وغيرها. وكلها بيوت إن أمعنت النظر فيها تقضي بالثناء على الكثير للساعين بها على خدمتهم الحقيقية للإنسانية والوطن والاشتراكية العملية. وما عدا دور العملة والعناية بأمرهم تجد في أوروبا جمعيات إحسان أخذت على نفسها إنشاء بيوت رخيصة يسكنها كل فقير بدون استثناء. وقد بلغ عددها في فرنسا ٦٧ جمعية وأقدمها جمعية باريز التي أنشئت سنة ١٧٨٠ فأنشأت بيوتاً مشتركة لا يكلف السكنة فيها كل أسبوع أكثر من ثلاثة فرنكات وربع إلى سبعة وربع في مساكن فيها ثلاث غرف ومطبخ وقد استوفت شروط الراحة من هواء طلق ونور كثير ومحال يسرح فيها النظر وماء كثير طاهر يجري لمن يريد وكان للمنافسة القائمة بين تلك الجمعيات أثر مهم في نجاحها وسعيها كل حين لتحسين حالتها. والمنافسة أساس عظيم من أسس النجاح. وقد بلغ رأس مال بعضها زهاء مليون من الجنيهات ومائة ألف مشترك وبعضها يبيع طعاماً وثياباً بثمن بخس وما تربحه الشركة من ذلك تعود فتبني به بيوتاً. وقد ثبت بالإحصاء في بضع سنين أن عدد الوفيات في الألف من سكان هذه البيوت دون عدد الوفيات في غيرها من المساكن غير الصحية. ومثل هذه البيوت في نظامها وفائدتها كثير من الممالك الصغرى في أوروبا فتجد في كوبنهاغ شركة بيوت العملة وقد أقامت ألوفاً من المساكن للعملة والشركة مؤلفة من العملة أنفسهم وهي لهم بمثابة صندوق اقتصاد فيدفع كل عامل في الأسبوع قرشين أي نصف فرنك حتى يبلغ ما جمع من ذلك سنة ١٩٠٠ مقدار ٥٧٦٩٩٣٠ كورونا (الكورون فرنك وأربعون سنتيماً) فيشغلون هذه الدراهم ويعملون يانصيب فيجتمع من ذلك عشرون كوروناً في ستة أشهر لكل عامل وبعد عشر سنين يعطى إذا أراد ما دفعه مع أرباحه أو يأخذ داراً وإذا مات يأخذ ورثته هذا المبلغ ومما هو حري بالنظر في كوبنهاغ بيوت البحارة ومستخدمي البحرية التي أنشأها الملك كريستيان الرابع. وشركة تحسين المنازل في سويسرا وميلان ونابولي ونيويورك حرية بالذكر أيضاً وكلها تدور على تحسين مسكن الفقير وبعضها يعنى بالتدفئة أيام الشتاء وبإعطاء الماء الساخن لمن شاء من الساكنين بلا مقابل وإلقاء الحرارة المعتدلة في مساكنهم وقد قامت بعض تلك الشركات بيد النساء فنجحت كما تنجح شركات الرجال. مثل شركة الآنسة كولنس في نيويورك التي أنشأتها على مثال شركة الآنسة أوكتافيا في لندن لتطهير المساكن القذرة من قذارتها وتطهير نفوس ساكنيها من حمأة الرذيلة فنجحت كلتا الشركتين وأتتا بأرباح حسنة. وقد بدأت حكومة البرازيل منذ سنة ١٨٨٢ تساعد في إنشاء البيوت الرخيصة فأصبح عددها في ريودجانيرو وحدها سنة ١٨٩٧ ، ٥٠٠٠ مسكن. ومن تلك الشركات جمعيات أخذت على نفسها نشر الدروس الاجتماعية والدعوة إلى تعلمها فكانت من أنفع ما يكون من الإصلاحات العظيمة التي أدخلت على بيوت الفقراء وجعل بعضها غايته درس الأسباب التي تنشأ الأسرة على أساس طبيعي وهو تمليكها أرضاً تحرثها وداراً تسكنها. تتذرع للوصول إلى هذا الغرض بكل وسيلة ممكنة تمكنها من نشر المطبوعات ودعوة الحكومات أو البلديات أو أرباب الغنى إلى إنشاء صناديق لإيجار بيوت بثمن بخس وتطالب بسن قانون تعفي الحكومة فيه من الضرائب ما يملكه الفقراء من المساكن والأراضي وتتخذ كل سبب ليتيسر للناس اقتناء مثل هذه البيوت أو بقاؤها أو انتقالها ومنها ما يعطى للمحاويج بيوتاً يسكنونها وتحميهم بدون واسطة الحكومة مما يصيبهم من الفاقة أيام عطلتهم ومن الشقاء وموت رب البيت قبل الأوان وهكذا تجد الحركة قائمة في جميع البلاد الفرنجية لتعميم هذه المبادئ وتحسين حال البائس الفقير وهي كل يوم في انتشار وكثرة بحيث ينسلخ هذا القرن العشرون في أوروبا إلا وقد انحلت فيها المسألة المعروفة بالمسألة الاجتماعية وإن شئت فقل أهمها إذ يكون جميع العملة ممتعين ببيوت يسكنونها والشركات والجمعيات تحميهم من الفقر المدقع بعض الحماية وتقل بذلك الأمراض كما يرى الباحثين في أحوال تلك المجتمعات إذ استدلوا على ذلك بأن المساكن الطاهرة الصحية قد قلت فيها الوفيات عن المساكن القذرة والأكواخ الحقيرة التي هي في الحقيقة منبعث السل وغيره من الأدواء المنهكة لجسم المجتمع وقد قال الدكتور روم أن المسكن والطعام والمعمل هي السبب في كثرة الوفيات بين العملة فالواجب الإسراع في إصلاحها وبغيرها لا إصلاح ولا فلاح وكل ذلك متوقف على الإرادة إذا صحت والأفراد إذا أقدمت وتكاتفت. ولم تكتف الجمعيات في أوروبا وأميركا بإنشاء المساكن للفراء ونقشها والاستكثار لها من مرافق الراحة وأسباب الصحة بل أحبت تنجيدها وتزييبها والتأنق في داخلها وخارجها لأنهم رأوا السكنى في بيوت رخيصة لا تغني الغناء المطلوب وحده. أرادت من الدور أن تكون معرضة للهواء محببة إلى القلوب وأن لا يكون أثاثها وفرشها كئيباً قذراً بل أن تكون مائلة إلى البساطة تجمع إليها حسن الذوق والظرف لأن عصر البيوت القذرة الضارة قد انقضى كما ينبغي القضاء على المساكن البشعة من داخلها الكئيبة التي تهزل الساكنين فيها من البائسين وهم لا يشكون كالدود الذي يعيش في القاذورات. أرادت تلك الشركات أن تستعيض عن الأثاث البشع السيئ الصنع بأثاث يكون بسعره أو أقل ولكن على صورة حسنة وتزيين ضروري وأن لا يفرشوا بيوتهم فرشاً رديئاً كما هو الحال في بيوت الفقراء في أكثر بلاد الشرق. وذلك لأن النظر إلى هذه البشاعة مما تضيق به الصدور ويجرح القلوب كما تتأذى به العيون وتتقزز منه النفوس ولأن لتحسين الذوق دخلاً كبيراً في نهضة الأمة. ترى في البلاد الديمقراطية أن الفقراء من الرجال والنساء يحاولون أن يكونوا في ملابسهم كأهل الطبقة الوسطى على أن الألبسة التي كانوا يألفونها فيما مضى لها من الرونق ما ليس لما يلبسونه اليوم على تكلفهم التقليد. وقد رأت بعض الجمعيات إنشاء ألبسة لأهل الطبقة الدنيا خاصة يشاركها في لبسها أهل الطبقة الوسطى وتكون رخيصة الثمن نافعة في صحة الأجسام وصحة الأكياس وأن يكون لمنزل أهل الطبقات النازلة ما لأهل منازل الطبقات الوسطى حتى لا ينكسر خاطر الفقير ولا ينقصه شيء من راحة الأجسام ولذلك كان أول عمل يعملونه إيجاد طريقة لتنجيد البيوت الفقيرة وتزيينها كما تنجد بيوت الأغنياء وتزين. خذ مثلاً لذلك الجدران فإنهم رأوا أن تزين أو يوضع عليها ما يزينها من البسط. وقانون الصحة يقضي أن يتيسر غسل الجدران وقد رأوا أن الورق الذي يجعل على الحيطان ويغسل لا ينفع الفقراء لأنه غالي الثمن وأن الأحسن أن تنقش بالزيت وربما كان هذا النقش غالياً ولكنه أثبت وأفرح للنظر ولا يصعب تطهيره كل مدة ويجعل الساكن عليها صوراً ورسوماً ومصورات وأصونة للثياب وغيرها مما لا يتعذر في أوروبا اقتناؤه لرخصه وهو يزيد المكان رونقاً وبهجة. ورأوا أن النوافذ ينبغي أن تكون ستائرها من قماش يمكن أن ينفض أو يغسل بسهولة فيكون من البفتة لا من الحرير والأطلس أو الشاش المزين بأنواع النقش والزينة أما النوافذ التي في أعلى المنازل فتترك بلا ستائر والأولى أن تكون الستائر متناسبة مع نقش الغرفة وتعلق بسيخ وحلقة. أما سرر النوم فيجب أن تكون بحسب رأي بعض أهل الصحة مكشوفة بدون كلة (ناموسية) من أعلاها لأنه ثبت أن هذا القماش الموضوع يحبس نفس النائم ويحفظ الجراثيم الضارة بل يساعدها على النمو والتعشيش وينبغي أن تناط من عند رأس السرير قطعة من القماش تنزل وترفع بحيث تمنع مجرى الهواء عن رأس النائم فقط ولا تكون هذه القطعة طويلة وتكون من ناحيتين بحيث أن النائم حيثما انقلب لا تؤذيه أشعه النور إذا اتجهت نحوه. وينبغي التقليل من الفرش ما أمكن بحيث يسهل نفضه أو غسله. كل هذا ويراعي في الأثاث الاقتصاد والجودة فيكون متناسباً مع نقش المنزل. وتخبر الأشياء المنطبقة على الذوق لا يكلف إلا بعض عناية وبذلك تعود بعض العادات في بساطة البيوت التي كانت مألوفة. وليس الجمال في الأثاث والرياش المتكلف في صنعه والمزين من وراء الغاية بل الجمال في الفرش البسيط الاقتصادي النافع المناسب. وإنا لنرى أحسن زينة في البيوت بإنكلترا هي ما كان منها من أصل ريفي مألوفاً في القرى والدساكر إلا أنه يجمع إلى البساطة نظافة وحسن ذوق. وقد حسب ما ينبغي لفرش بيت الفقير على هذه الصورة وهو أن تفرش غرفة المائدة وغرفة الاستقبال صغيرة وثلاثة غرف للنوم فرشاً بسيطاً كما يكون البناء رخيصاً بألف وخمسمائة فرنك إما أن يدفعها الساكن دفعة واحدة وإما أن يستلفها من الجمعيات والشركات التي أخذت على نفسها في أوروبا تقديم أحسن الفرش للبيوت بأثمان متهاودة فيدفع عن هذا المبلغ فائدة طفيفة وهي خمسة بالمائة. وإذا استأجر العامل أو الفقير داراً من مثل هذه فلا تتجاوز أجرتها وهي مفروشة أحسن فرش صحي فرنكاً وثلاثين سنتيماً. وبهذا رأيت أن لفرش البيوت في أوروبا جمعيات كما أن فيها شركات وجمعيات لتقديم الطعام الرخيص والألبسة الرخيصة والمساكن الرخيصة بحيث آلى بعض أرباب العقول في أكثر الممالك الإفرنجية أن لا يتركوا بيتاً قذراً ولا بشعاً وأن تكون بيوت الفقراء كبيوت الأغنياء لطيفة الداخل والخارج فمتى يا ترى ينسج الشرق على مثال الغرب في مثل هذه الأعمال النافعة والحضارة الرافعة. مثال الأمة الراقية جرت العادة أن تقتدي الأمم بعضها ببعض ولا سيما فيما فيه إعلاء كلمتها وتمام سعادتها فتطرس الأمم النازلة على آثار الأمم الناهضة. قال هنري ليشتنبرجه أحد أساتذة كلية باريز في خاتمة كتابه ألمانيا الحديثة ونشوئها ما تعريبه: لم يكن لألمانيا في أوائل القرن التاسع عشر كيان يدل على أنها دولة عظمى بل كانت أشبه ببناء يتداعى والناس من حوله لا يعبؤن بما يجري له. فلم يكن هناك دولة يضخ أن تسمى ألمانيا بلا كان أمراء من الألمان منشقين على أنفسهم يتحاسدون وقلما يحرصون إلا على مطامعهم السافلة في الحكومة وهم أهل لكل تسفل لا يتحامون ارتكاب الخيانات على ضروبها للاحتفاظ بسلطتهم الثمينة وتقوية أمرهم وليس لهم من الكفاءة ما يستطيعون معه توجيه مطامعهم المنبعثة عن أناينتهم المجسمة نحو ما فيه نفع الأمة بل كانوا يؤهلون بالغريب ويحالفونه لقضاء مآربهم يعلنون الحرب على أبناء وطنهم إذا سما له أمل بحلب بعض النفع من غدرهم وخيانتهم. وبين ظهراني مثل هذه الأمة المنقسمة الضعيفة لا يرجى أن تقوم قائمة للحياة السياسية وأنى يكون لها ذلك ونظام الحكومة المطلقة فيها ضارب بجرانه وكثيراً ما يستحيل إلى استبداد يبيد الخضراء والغضراء والناس مع هذا خاضعون وخانعون حتى كادوا يقربون حد الرق والعبودية. ابتعد الفلاحون وسكان المدن وأرباب الصنائع وأهل الطبقة الوسطى عن الاشتراك في الشؤون العامة واستسلموا لظلم الحكومة وطبقة الأشراف على ما فيه من النكد وهم ضعاف الحول والقوة لا قبل لهم برد عاديتهم عنهم ولم يعودوا يبالون بتة بالحياة الوطنية بل تنحوا إلى دائرة أشغالهم الخصوصية. كل هذا الحياة الاقتصادية في الأمة ضيقة النطاق حقيرة الشأن والشعب مشتت مبعثر والبلاد فقيرة والمال قليل والصناعة تكاد تكون عدماً. فلم يبق للخروج من مأزق هذا الشقاء إلا مخرج واحد وهو تنمية العقل والصناعة فنزلت طبقة الخاصة المتعلمة إلى هذا الميدان وهبت هبة حماسية صالحة. وفي تلك البلاد الألمانية المشتتة المغلوبة على أمرها التي كاد بوم الخراب ينعق فيها بما تواتر عليها من الحروب والغارات أزهر التهذيب الأدبي والفلسفي الذي ربما كان أجم سطور بحد الذي تفاخر به هذه الأمة. ودخلت ألمانيا من ذاك العهد في ميدان العمل وتخلت عن عالم الخيال والأحلام. وإذ كانت إنكلترا استولت على البحر وفرنسا على البر لم يبق لألمانيا كما جاء في بعض أقوالهم المعروفة إلا أن تؤسس لها ملكاً في الهواء فأنشئت مملكة لا نظير لجلالها ولا قرين لعظمتها. ولم تلبث هذه الأمة المتقهقرة الساقطة من حيث إدراك الحقائق الأرضية المولعة على ما يظهر بالخيالات والترهات أن نشأت فيها فكرة الإقدام على الأعمال وظهر للحال بأن الشعب الألماني ربما كان الوحيد بين شعوب أوروبا في استعداده للتقدم في الجهاد الاقتصادي. فهو لم يقتصر في نهضته الغريبة على اللحاق بالأمم اللاتينية التي سبقته زمناً إلى طريق الارتقاء المادي بل تقدم عليها حتى جعلها وراءه. وكاد يهدد اليوم إنكلترا أيضاً فيما كانت لها المكانة المكينة فيه منذ القديم في الأمور الصناعية والتجارية. فبدا هذا الشعب البطيء الثقيل بعض الشيء القوي في ذاته السالم في نفسه أنه مستعد لترقية المدنية وأن بلاده صالحة لغرس بذورها. وهو لا يعشق مثلها البطالة والفراغ ولا يرغب في العيش في التغزل بالجمال وحسن العشرة بل أنه يميل من فطرته إلى الجد وهو قوي الشكيمة عامل لا يعرف الملل سليم الطوية. سار منذ القديم على نظام دقيق في الأخلاق. وخضع منذ أزمان لقانون قاس في التدريب على الجندية. وفي مثل من كانت هذه طيبته خالية من الزهو والظرف ولكن فيها المتانة وطول الأناة كبرت إرادة قوية صبورة منظمة لها من الكفاءة ما تستطيع معها أن تأخذ سبيلها الذي سلكته والغاية التي قصدت إليها من دون أن يلهيها الهوى والشهوة وبغير أن يثنيها ثان من صعوبة أو تحول دون أمانيها عقبة. تطمح ألمانيا إلى بسطة سلطانها مدفوعة إلى ذلك لا بعامل الرغبة في أن تكون في مقدمة الأمم وأن تظهر شأنها وأمرها ولا من أجل المنافع المادية التي تحاول نيلها بل أنها تريد رفعة الشأن لذاتها لأنه مقياس حقيقي لما يساويه رجل أو جماعة أو حزب أو أمة. ألمانيا مسوقة إلى المشاريع التجارية بنابل من ناموسها الاقتصادي تضطرها إليه ضرورة ملازمة لها ملازمة محتمة. الألماني كثير النسل للغاية. فقد ازداد سكان ألمانيا من نحو ٢٥ مليوناً سنة ١٨٤٦ إلى زهاء ٣٦ مليوناً سنة ١٨٥٥ إلى ٦٠ مليوناً سنة ١٩٠٥ وأنت أعلم بأن هذه الزيادة تزيد في عدد الأسر والبيوت. وهذا النمو من الأمور التي ساعدت على نماء الثروة بينهم لأن الزائد كل سنة من أبناء الأمة ينشأ منهم لألمانيا جيش من العاملين الذين تحتاج إليهم الصناعة في ترقية شؤونها وقد انتشر فكر الإقدام على الأعمال في الطبقة الغنية من الأمة انتشاراً كثيراً. وإنك لترى رب الأسرة منهم غير طامع أن يترك لأبنائه كما هو الحال عند الفرنسيس مقاماً كريماً يعده لهم ودخلاً مضموناً يتمتعون به بعده بل أنه يربيهم تربية متينة ويجهزهم لجهاد الحياة بأقوى جهاز ثم يتركهم وشأنهم يجدون في الأرض مرتزقاً. فيروح الشاب يتعب ويفرغ الجهد مخافة أن يسقط عن المكانة التي بلغها أهله. وهكذا كانت كثرة النسل في هذه الأمة مهمازاً قوياً يحث ألمانيا على النهوض إلى طلب الثروة والشوكة. وهذا الجهاد في سبيل العظمة يكبر ويضخم في عامة شؤون الحياة الألمانية وفي جميع فروع الجهاد البشري. فتراه متجلياً في الأفراد وفي الأحزاب السياسية وفي الطوائف الاجتماعية وفي الحكومات المتحدة وثابتاً بمجموع الأمة الألمانية بأسرها فيما تظهر فيه من مظاهر بسط السلطة وما حازته من الاشتراك في سياسة العالم. هذا الجهاد يرمي إلى رفعة شأن الجندية والبحرية والنفوذ السياسي والقوة الاقتصادية والصناعية والتجارية والتقدم العلمي. لأن العلم أيضاً صورة من صور السلطة البشرية ولا شك أن ألمانيا حازت قسطاً كبيراً من نجاحها بواسطة علمها. صحت العزائم على التدريج وقويت إرادة السيادة وأُشربتها روح الألماني فمال إلى التهذيب بكليته. ولم يكن ميل الألمانيين إلى الفنون ميلهم إلى القوة لأن الفنون كالدواء المتمم لدواء أفعل منه فهي لا تقصد من ثم لذاتها. على أنه مما يجب أن يعرف أن رغبتهم في القوة لم تكن رغبة في القوة الوحشية الظالمة ذات الأهواء والأحكام العرفية التي تظلم عن تغفل وهوى وهي منافية للحق والعدل بل أن رغبتهم كانت مصروفة إلى القوة الذكية المفكر فيها التي تقبل لأنها مشروعة بفضيلتها الذاتية لا لأنها نافعة عاقلة. ومن العادة أن تقوى القوة على الضعف وأن تخضع الطبقة النازلة للطبقة العالية. الألمان احترموا القوة التي هي حق أيضاً ولأنها تعبر عن تقدم حقيقي يقضي العدل بأن يعترف به ويحترم. جهاد الألمانيين لبسط سلطانهم يجري على ترتيب وتنسيق ما أمكن فإن نظام حرية المنافسة وهي عبارة عن محاربة الفرد للمجموع وتحريك الأنانية الشخصية يحتوي في مطاويه ولا شك مبدأً فوضوياً أقرب إلى الانحلال منه إلى التماسك. فيتأتى له أن يكون كما كان سابقاً في إيطاليا على عهد النهضة مثاراً للشخصيات الساخطة التي تنازع غيرها للتفوق عليه واليأس آخذ مأخذه ويهلك بعضها بعضاً بلا شفقة. بيد أنه من الثابت أن ارتقاء مبدأ حرية العمل في ألمانيا لم يؤدي إلى نتائج من هذا القبيل. فإن المنافسة بين الأفراد وبين المجموع على كثر ما تكون من الشدة ولكن لا يستحيل أبداً إلى فتن لا نظام فيها. طال جهاد ألمانيا في سبيل الوحدة السياسية واستعر النزاع بين حكوماتها في أمره فانتهت حالة بحرب. ولما أصدر المحكمون من النائبين عن الأهلين حكمهم في هذا الشأن سكنت الكراهية وزالت الأحقاد ورضيت الأمة في الحال بما وضع لها من نظام جديد وبدلاً من أن تضيع الوقت في شحناء لا فائدة منها وتنهك قوتها في الانتقاض العبث راحت تجمع قواها لدفع غارة الحروب السياسية التي يشتد بينها الخصام ويدوم ولكنه لا ينتهي في الغالب بفتن شعواء. وربما كان بين الطبقات المختلفة عندهم أشد مما هو عند غيرهم ولكنك لا تجد فيه ما يستشم منه ريح الثورة حتى أن الفكر الإصلاحي يقوى شيئاً فشيئاً بين الحكومات التي ترى التوسع في جمع رؤوس الأموال وبين الاشتراكيين الألمان ممن آلوا على أنفسهم ألا أن ينافروا الحكومات فتراهم يقضون بدون تقية على كل ما من شأنه أن يدعو إلى القسوة ويتحامون الوقوع فيما يؤدي إلى اتخاذ سلاح القوة ولو كان فيه تحقيق أمانيهم وإبلاغهم غاياتهم وهم يصرحون جهاراً بكرههم لمقاومة روح الجندية وللاعتصاب العام. ترى المنافسة الصناعية والتجارية مشتد \ ة كل الاشتداد وهمم الأفراد بالغة أقصى الشدة والجرأة ولكن ألمانيا وهي مهد الشركات العظمى المؤلفة من أرباب المعامل أو العملة هي على التحقيق من البلاد التي بذل فيها الجهد لتنظيم أسباب الإنتاج ووضع المراقبة على أسواق المقايضات ليكون من ثم للمنافسة حد محدود ويقلل من معاودة الأزمات وإضعاف شدتها إذا حدثت. وعلى الجملة الجهاد الشخصي على أشده في ألمانيا ولكن لا يؤدي فيها إلى فوضى الأفراد وربما كان ذلك من الصفات التي اختص بها هذا العنصر. اللماني يقلى شعوره بالنسبة لغيره من الأمم الأخرى في الحاجة إلى ترقية شخصيته ترقية تامة فيختار برضاه أن يحشر نفسه في بعض أعمال خاصة ينصرف إليها بجملته. ويؤثر عن طيب خاطر أن يفادي بجزء من شخصيته وذاتيته ويكتفي كما يقول التعبير الألماني بأن يكون منه جزء من إنسان بل أن يكون منه أخصائي يقوم أحسن قيام بعمل اختص به كل الاختصاص دون أن يعني بما يخرج عن الدائرة التي وضع نفسه فيها وآلى أن لا يتعداها. ومن أجل هذا السبب يختار أن يشرك غيره معه وأن يكون تبعاً له ولا يرى حرجاً في الانضمام إلى الجماعات التي تكثر في ألمانيا. يؤثر الألماني أن يجعل نفسه جزءاً متمماً لبناء متسع تتألف منه آلة تختلف الحاجة إليها والاستغناء عنها. وهو يسعد بأن يفادي بحظ نفسه من أجل منفعة تأتي ببعض الأعمال الكبرى ويخلص في سبيل نجاحها. وبالجملة إن في الألمان غريزة التهذيب بنظام واحد فيحسن الألماني الطاعة كما يحسن الأمر ويعرف كيف ينفذ الأوامر الصادرة إليه على غاية التدقيق كما يعرف بذل الهمة في الدائرة المختصة به. الشعب الألماني يخرج الأعضاء النافعة الرائعة من بنيه ممن هم عمد أبنية المجتمع الضخمة اللازمة للقيام بالأعمال المهمة من جيوش وطنية وإدارات كبرى ومشاريع متسعة من مالية وصناعية وتجارية ونقابات. الألماني لا ينفك عن الانضمام والتآلف حتى في الفنون التي من شأنها الانفراد وإنك لتراه حتى في الموسيقى يجري على نغمة واحدة. وهذا الذوق في الاشتراك والخضوع طبيعي فيه فهو لا يكره على الخشوع للنظام صاغراً بل يقوم به والسرور ملء جوانحه. هو أخصائي يلذه ما هو فيه ولا يأسف على ما يبقى خارج أفقه على الدوام. نعم هو يقتنع بالوقوف دون حدود كفاءته والسرور يبدو عليه ممزوجاً بالزهد وربما ظهر عليه شيء من الاحتقار والاستهزاء بالذي يعرف القشور ويحشر نفسه فيما لا يعلم ويدعي أنه يناقش بل يحل المسائل السياسية والدينية والفنون والأخلاق. صاحب الجد في الألمان يحتقر بفطرته المرتجلين والمقتنصين الذين يخبطون ويخلطون ومعلوماتهم ناقصة وسطحية ممن يعانون كل موضوع ويتسلقون عليه وليس لهم سلاح ماض من الكفاءة ومن خلق اللماني أن لا يلقي بنفسه خارج المحيط الذي يعرفه وإن شئت فقل أنه يقل فيه الفضول ويرى ن غاية العالم هو ما اختص به وتفرد بعلمه. كان من نتائج هذه الغريزة في الألمان من الخضوع للنظام وترتيب طبقات المجتمع عندهم أعظم حافظ للأمة. الفكر الشخصي في ألمانيا ثاقب للغاية ولا يتلكأ أمام مشكلة مهما كانت ويبحث فيها كلها مستقلاً كل الاستقلال. على أنه يكره التطرف في حلها. فليست ألمانيا من حيث الأمور الدينية مثلا جاحدة ولا كهنوتية ولا تنبذ اكتشافاً من مكتشفات من ينكرون الوحي من طريق العلم بل ترى أبداً إبداء شيء من الاحترام للحكمة الغريزية الظاهرة في الشعور الديني في الإنسانية وهي تحاول أن توفق ما أمكن بين العلم والإيمان والحقيقة العقلية الحقيقة التقليدية كما أنها في الشؤون السياسية تقصد إلى أن تمتع رعاياها بمبدأ السلطة ومبدأ الديمقراطية فلا تقبل أصلاً السلطة الاستبدادية المطلقة بل ترى احترام الحكومة المطلقة لما فيها من ترتيب الطبقات. فالديمقراطية الألمانية لا تطلب أن بيدها وحدها سعادة الأمة بل ترى عن رضا أن يشترك في السلطة معها زعيم عالي المقام لا توجده هي بل يكون مما أوجدته التقاليد. وبعد فنه يتجلة أن ألمانيا بفضل معنى النظام والترتيب المغروس في أبنائها آخذة في الترقي لإدراك معنى التكافل في الحياة الذي هو على التدريج مهذب بل متمم لمذهب حرية المنافسة ومن هذا على ما أرى كان ارتقاءها موضوع إعجابنا في الأكثر. فإن انتشار الأحزاب السياسية والعصابات الاجتماعية ونقابات أرباب الأعمال والمعامل والعملة واتساع دائرة أعمال الضمانات الاجتماعية كلها تدل على ما تم لفكر التكافل من النجاح النامي. فحل بالتدريج الشعور بضرورة الجهاد في التكافل لإحراز القوة محل هيجان المنافسة العامة والحرب التي يثيرها الفرد على المجموع. فألمانيا تتوقع وترجو أن يكون لها بعد دور الانقلابات العظيمة والتقلقل وقلة الأمن الناشئين من ارتقاء مذهب حرية العمل ما تدخل معه في دور النظام الاقتصادي والاجتماعي الذي يكون إلى السلامة مرتباً على قانون ثابت وإيمان وخلق أقل تردداً. فهي تطمح بذاك الجهاد العظيم في سبيل الوحدة السياسية والثروة المادية أن تنهض نهضة الشمير نحو الكمال في التهذيب والتكمل في التفنن. ولا شك ن هذا مما تقرأ في صفحته جمال المستقبل. ويكفي في هذه الآمال على ما يتسرب إليها من الريب أنها لا تبدو غير ممكنة التحقيق في عيون الألمان فينظرون الطريق التي قطعوها بما يحق لهم من الإعجاب ويرون المستقبل الذي إليه يسيرون بشيء من حسن الظن فيه. بقي علينا الآن أن نثبت أن الشعور التكافلي لم يبرح وطنياً صرفاً عند الألمان فالألماني يشعر بأن مسئوليته في التكافل مع ابن جنسه لا تزال في زيادة أما مع سائر الأمم فإنه لا يرى بأساً من الانطلاق في حريته ومنافستها. سير العلم والاجتماع خرائب منفيس قدم الأستاذ فليندرس بتري تقريره عن أعمال البعثة الإنكليزية الثرية في مصر وقد جاء فيه أن هذه السينة صرفت كلها في البحث في خرائب منفيس القديمة فعنيت البعثة أولاً أن تعين مواقع الأبنية المهمة المختلفة التي ذكرها كتاب الروم ولاسيما هيرودتيس فوجدت مذبح معبد باتا العظيم وبيت الحياة الذي كان سطحه عبارة عن ستمائة متر طولاً وأربعمائة وخمسة وستين متراً عرضاً. وعثروا على عدة شهادات تدل على ارتقاء التمدن ولا سيما على مصانع ترجع إلى الدولة الثامنة عشرة ( ١٨٠٠ سنة قبل الميلاد) ومن جملة هذه المصانع رفوف لتوضع عليها النذور يشاهد عليها آذان نقشت عليها هذه العبارة: يا بانا اسمع لدعوة من يدعونك ممن يعبدونك وأهم اكتشاف في هذه المصانع اكتشاف الحارة التي كان التجار الغرباء مقيمين فيها وموضع معبد الزهرة الآسياوية هاتور. وفي هذه الأماكن ظفروا بأوان خزفية والظاهر أنها مما صنع في غير مصر ومنها يستدل على ما كان بين سكان منفيس والأمم القاصية من الصلات كما عثروا هناك على تماثيل لملوك الفرس وعساكر الفرس وقبائل السيتيين وعلى تمثال لا شك في أنه هندي الصل وهو يمثل رجلاً بوذياً. وعثروا أيضاً على رؤوس يونانية مختلفة الأشكال. وكل هذه الآثاؤ وغيرها تثبت أن سكان منفيس كانوا أخلاطاً من النزلاء والدخلاء واكتشفوا ما لم يكونوا يتوقعونه وهو مصنع جميل أنشأه آخر ملك من السلالة التاسعة عشرة المصرية واكتشف بالحفر في ضواحي سوهاج في مكان مدينة أتيبري القديمة بقايا معبد للبطالسة الذي أنجزه بعد زمن كلود وهاردين ثم اكتشفوا بقايا كنيسة كاتدرائية أنشئت على عهد قسطنطين. العدوى من الحمى كان المقرر عند الأطباء أن ن يصاب الحمى التيفوئيدية ويبرأ منها لا يحمل جراثيمها إلى غيره ويبقى جسمه مطعماً بها ولكن ثبت في إنكلترا الآن أن من تصيبه هذه الحمى الخبيثة وينجو من أخطارها يبقى مدة ولو عوفي كل المعافاة والاقتراب منه ينقل العدوى إلى السليم المستعد لقبول جراثيمها فرأت إنكلترا أن تسن قانوناً يمنع الناقهين من الحمى التيفوئيدية من الاختلاط بغيرهم وقد كانت ألمانيا سبقت منذ بضع سنين وقضت على من يسلمون من فتكات هذه الحمى أن يخضعوا زمناً لنظام التطهير وتفحص أجسيامهم في محطات بكترولوجية تقام في جميع البلاد المصابة بالحمى. إصلاح الساعات أجرى الأستاذ بيكوردان الفرنسوي في فيينا تجارب بالتلغراف اللاسلكي لأجل إصلاح الساعات الدقاقة والكبيرة بحيث يتيسر بعد الآن حتى على من لم يسعدهم الحظ بمعاناة صناعة الساعات أن يصلحوا بأنفسهم ساعاتهم. جرذان الماء هذا الجرذ يسمونه يشبه جرذان الماء وهو في الأصل من جبال نروج وكثير التناسل جداً ولذلك يضطر إلى الهجرة فينزل من الأعالي أسراباً أسراباً يخرب ما في طريقه من الغلات حتى ينتهي إلى شاطيء البحر فيقذف نفسه فيه حتى يغرق أحياناً وكثير منه تسطو عليه أثناء مسيره العقبان والبواشق والنسور والبوم أو غيره من الكواسر ولكن منه ما يصل إلى السويد ويتناسل فيها أي تناسل على كثرة محاربة السكان له لإبادته ومن المحتمل أن هذا الجرذ ينقرض بعد بضع سنين من تلك البلاد إن لم يهرب على بلاد أخرى في أوروبا وينتشر بين أهلها على غرة منهم. غرفة ساكتة أنشؤوا في مدينة أوترخت غرفة مبنية على صورة تمنع وصول الأصوات من خارج مهما بلغت من الشدة وتؤلف جدرانها من حائطين جعل كل منهما من عدة طبقات من المواد المنفصلة بعضها عن بعض بفراغ والحائط الداخلي منها قد جعل ظاهره وباطنه من القش والطباشير والحائط الخارجي من الخشب والرمل وحجر الكذان والجبس فيكون مجموع الطبقات ستاً ما عدا طبقات الهواء وكذلك يصنعون سقف تلك الغرفة وأرضها وطولها متران وربع ويدخل إليها من بابين وهي لأجل التجارب الفسيولوجية. فسيفساء رومية وفق المسيو تورنو المهندس في سلانيك إلى تنظيف قطع من الفسيفساء البيزنطية في كنيسة سالت صوفي (ايا صوفيا) في سلانيك وكانت مغطاة بدهان من الزيت وأرجعها إلى حالتها الأولى وقد تبين له أن صورة العذراء الموضوعة في صدر الكنيسة قد صنعت في القرن الثامن للميلاد. وهذه القطعة ثمينة جداً لأنها من صنع ذاك العصر. رواتب الملوك يقبض قيصر روسيا أربعين مليون فرنك راتباً سنوياً ويقبض إمبراطور النمسا والمجر ثلاثة وعشرين مليوناً وإمبراطور ألمانيا عشرين مليوناً وملك إنكلترا اثني عشر مليوناً وملك إيطاليا عشرة ملايين أما رئيس جمهورية الولايات المتحدة فيأخذ ربع مليون ورئيس جمهورية فرنسا مليوناً ومائتي ألف فرنك. الخادمات الفرنسويات تشكو فرنسا من قلة خادماتها مع أن فيها سبعمائة ألف امرأة تخدم في البيوت إلا أن عدد الخادمات كان فيها منذ عشرين سنة ضعفي ما هو عليه الآن ولذلك كثر الخادمات الألمانيات والسويسريات في فرنسا حتى أصبحن عشر الخادمات من أبناء البلاد لأن أكثر بنات الفقراء في فرنسا أصبحن يؤثرن الخدمة في المعامل ليكون لهن أوقات يصرفنها في الراحة على النحو الذي يرون بدون تقيد في الخدمة. البرتستانت أحصى أحد علماء كوتنغن عدد من يدينون بالمذهب البرتستانتي فقال ان الولايات المتحدة ٦٥ مليون من أهلها الذين يبلغ مجموعهم ٧٩ مليوناً وفي إنكلترا ٣٧ نمليوناً من أصل ٤٢ مليوناً وفي ألمانيا ٣٥ مليوناً من أصل ٥٦ مليوناً وفي فرنسا سبعمائة ألف فقط وعددهم لم ينم منذ قرن فمجموع من ينتحلون البرتستانتية في العالم ١٨٠ مليوناً منهم ١١٤ مليوناً يتكلمون الإنكليزية. أرباح الأمم معدل ما يصيب الفرد في إنكلترا من الأرباح نحو ٢٨ غرشاً في اليوم وفي الولايات المتحدة ٢٤ وفي فرنسا والبلجيك نحو ٢٢ وقد قدر أحد علماء الاقتصاد من الألمان مجموع ثروة العالم بألف ومائتينيوخمسين ملياراً من الفرنكات أي بنحو ثلاثين ضعفاً مما يستخرج كل سنة من مناجم الذهب منذ عرف فن الإحصاء. والحبوب والمواشي من أعم عوامل الثروة. اتقاء الانتحار أنشأ جيش السلام في لندرا منذ سنة مكتباً للانتحار أتى بفوائد جليلة فجاءه ١١٢٥ رجلاً و ٩٠ امرأة شكوا غليه أمرهم وباحوا إليه بما انطوت أنفسهم عليه من اليأس فخفف عليهم ما نابهم. وهذا المكتب لا يوزع على من تحدثهم أنفسهم بالانتحار مالاً بل نصائح وحكماً فقد كان منه أن أعان كثيراً من السوداويين على الخلاص مما نالهم فهو يقوي الأمل في القلوب الميتة وأعضاؤه يدلون على شعور إنساني وفراسة في أحوال النفس ولذلك نبه أولئك الأعضاء راقد الشجاعة وتلافوا مصائب كثيرة. أكلة الأعشاب وأكلة اللحوم أظهرت أبحاث أحد علماء الصحة في الولايات المتحدة في التفضيل بين أكل الأعشاب وأكل اللحوم وأيهما أنفع للإنسان فتبين منها أنه ربى إوزاً باللحوم وإوزاً بالحبوب فأثبت الاختلاف الذي نتج عن تربيته في تراكيبها التشريحية وأن ما غذاه منها باللحوم أصبح أسفل معدها رقيقاً جداً وما غذي بالحبوب أضحت غليظتها وأن الأحشاء تطكول بحسب نوع الغذاء الذي يتناوله الحيوان فالإوز الذي غذي باللحم كانت أحشاؤه أطول من غيره وقد تناقل العلماء تجارب العالم الأميكي وقالوا أنها فتحت لهم باباً جديداً للنظر في أيهما أسلم التغذية بالأعشاب والبقول أم التغذية باللحوم والشحوم. التماسيح والنوام يهلك بالنوام أو مرض النوام كل سنة ألوف من البشر في أفريقية ولذلك تتحد الحكومات التي لها أملاك في هذه القارة جميع الذرائع لاستئصال هذا المرض وقد استبان من تجارب لافران أن هذا المرض ينشأ من دخول جرثومة في الدم يحملها البعوض المسمى تسي تسي وأن هذه الجراثيم تختار النزول في فك التمساح فتنمو فيه أولاً. الصينيون في يابان أصبحت بلاد اليابان في الشرق مثل برلين وباريز في الغرب مدرسة ترسل النور إلى الأقطار فلم يدن في مدارسها منذ ثماني سنين غير ثمانية تلاميذ من أبناء الصين وأصبح فيها الآن عشرة آلاف وزاد فيها تلاميذ الهنود ثلاثة أضعاف ما كانوا منذ حرب الروس الأخيرة. مركبة ضخمة أنشؤا في إنكلترا مركبة ضخمة تجرها الخيول فتطوف القرى والمدن وتبيع المشروبات والمأكولات وهي تنقسم إلى ثلاثة أقسم قاعة كبرى وغرفة للنوم وغرفة تعرض فيها النموذجات والأمثلة وهي مفروشة أحسن فرش فهناك يكرعون المشروبات ويدخنون ويقصفون على ما يشتهون. إبادة الجرذان لم تجد نظارة المالية في إنكلترا المال اللازم لإعانة الشيوخ المعدمين وقد اقترح عليها أن يجبي رسماً تستخدمه في هذا السبيل من إبادة الجرذان لأنها تخرب كل سنة ما يقدر بعشرة ملايين جنيه وقد ثبت أن ميكروب نومان يبيدها فلا يبقى منها ولا يذر فإذا خلصت إنكلترا من جرذها تستطيع حكومتها أن تضرب ضريبة تعادل ما كانت الجرذ تخضمه وتقضمه في العام فتستعمله في إعالة البائسين من الهرمين. فراش موسيقي اخترع أحد العملة في جنوة فراشاً لا يكاد يستلقي عليه الإنسان حتى يأخذ بضرب موسيقى متساوقة الألحان تطرب سامعها ولاسيما من كان مؤرقاً فيزور الكرى مقلتيه. وعلى العكس فيمن كان كسلاناً لا يريد فراق فراشه فإن ذاك العامل المخترع ابتكر فراشاً آخر ذا ساعة دقائقه توقظه من نومه في الساعة المعينة على نغمات منكرة فلا يسعه إلا أن يبادر بالنهوض. تعليم الفلاحين ارتقى التعليم كثيراً في شمالي أوروبا ولاسيما في الدانيمرك فإنك تجد فيها مدارس خاصة للمزارعين فيختلف الرجال والنساء منهم إليها يتعلمون فيها الكيمياء وفن الطبخ وكل ما له علاقة بالزراعة وتربية المواشي ويلقى كل شهر محاضرات عليهم جماعة من المحامين أو من الطلبة الدارسين وهكذا بلغ الفلاحون درجة من الارتقاء العقلي تفيدهم في أعمالهم. البيوت في أميركا تقول إحدى المجلات الأوروبية أن مساكن أهل الطبقة الوسطى في أميركا أحسن حالاً ونظاماً مما هي في أوروبا والسبب في ذلك أنها مبنية على شكل لا يحتاج معه إلى عمل زائد فلا ترى فيه أشياء تعلق على الجدران ولا غرفاً للتزين والتبرج وأن سر هذا الانتظام ناشئ عن أن كل فرد في البيت يعمل فغي ترتيبه بحسب حاله وشأنه حتى أن رب الأسرة نفسه يتعاطى في إصلاح فرش داره وأثاثه ما تتعاطاه زوجته. مدفع سريع صنع أحد مخترعي الإنكليز مدفعاً تقطع قذائفه ثلاثين ألف قدم في الثانية بحيث أنه يتأتى للإنكليز أن يحاصروا باريز من لندرا وهم في بلادهم فيرسلون على أعدائهم القذائف فتسير بقوة الكهرباء كالبرق الخاطف. السمك النافع قالوا أن جزائر بارباد هي السالمة وحدها من بين جور الأرخبيل من حمى الملاريا فليس فيها البعوض ذو الجناحين الذي ينقل عدوى هذهالحمى وقد بحث أحد ضباط الإنكليز في تلك الجزائر عن سر نجاة بارباد من هذه الحمى فتبين له أن في جميع بطائح تلك الجزائر أسماكاً كثيرة يسميها السكان لكثرتها الملايين وهذا السمك يأكل ديدان البعوض الناقل للحم، وقد نقلت كمية وافرة من هذه الأسماك إلى جزائر الجامايك وكولون وكوبان وغيرها من جزر أفريقية فعساها تأتي على تلك الديدان فلا تبقى للملاريا أثراً وتوفر الأنفس بحسناتها وقدومها الميمون. التنويم والجرائم أعلن الدكتور هبرت خلاصة أبحاثه في الاستهواء بالتنويم المغناطيسي فاستنتج بأنه في عدة أحوال في الجرائم يجب البحث عن التأثيرات التي تأثر بها القاتل بإرادة أقوى من إرادته والنظر فيما دعاه إلى ارتكاب ما ارتكب وفيما إذا كان المجرم في أول أمره حسن المنازع ففسد بالقدوة أو بقوة الاستهواء المغناطيسي الآتية عليه من غيره ودلت التجارب التي جرت مؤخراً في باريز على أناس متهمين بالاشتراك ببعض الحوادث الكبرى بواسطة تنويمهم لتعديل حالتهم النفسية كل التعديل على أن التأثيرات ممكنة كما دلت أيضاً بأنه كان كثيراً ما يصعب جداً إرجاع المنومين على هذه الصورة إلى حالتهم الطبيعية الاعتيادية. وقد ثبت من بحث الدكتور هبرت بأن عصابة من اللصوص أو القتلة مثلاً يؤثر فيها زعيمها تأثيراً يخضع إرادات أصحابه لسلطانه فيحركهم كما يحرك نوابض (زنبلكات) ساعة دقاقة فتطيعه وتجري طوع يديه. ثبت ذلك بعدة حوادث في تاريخ الجرائم. وأورد الباحث المشار إليه عدة أمثلة غريبة جداً في الاستهواء فقال أن فتاة كانت تطرب الناس بالضرب على الكمنجة مع جوق موسيقى ولكنها لم تكد تستطع أن تبرهن على اقتدارها وذكائها إلا إذا انفردت وحدها بدون أن يختلط ضربها بضرب رفيقاتها وعندما كان يخلو لها الجو ولا ينغص عليها عملها منغص ولا تخضع لإرادة إرادتها لأحد كانت آية في ضربها وكلما كانت تشعر بأن رفيقاتها مسلطات عليها كان يستحيل عليها أن تبدي مواهبها فكانت من ثم ضرباً من ضروب الاستهواء ومن أهم ما لاحظه الدكتور بأن بين الرجل والمرأة عداوة طبيعية في تنازع البقاء فإن أحدهما يحاول بدون شعور منه أن ينزع من صاحبه أو يقلل من اقتداره الشخصي والعقلي ومن رأيه أن هذا أحد نتائج قانون بقاء الأنسب واستدل من ذلك بأنه يجب على كل امرئ أن يحذر من الاستسلام لغيره في مقاصده وعمله على غير روية وسعة نظر. مخدر جديد جرب المستشفى الوطني في لندرا مخدر جديد اسمه نوفوكايين ويظهر أنه سينافس مادة الكوكايين المخدرة المعروفة وذلك لأن تأثيره مثلها ولكنه يدوم التخدير به أكثر والتسمم به أقل وثمنه ارخص وهو ينفع في تخدير الأسنان كما ينفع في غيرها. الذهب الأبيض اكتشف في كولومبيا منجم جديد من البلاتين أو الذهب الأبيض وكان لا يعدن في تلك الأقطار حتى الآن غير الذهب المعروف ومعلوم أن كولومبيا غنية بمناجمها المختلفة وأن كثيراً منها لم يجر تعدينه بهد وأن ندرة هذا النوع من الذهب وكثرة استعماله قد زادت في قيمة هذا الاكتشاف. الإلحاد في ألمانيا تنادي الصحف المعتدلة في ألمانيا الآن بالويل والثبور على تسرب الإلحاد إلى نفوس الطبقة المستنيرة من الأمة حتى كاد أهل هذه الطبقة في ألمانيا يشبهون بأمثالهم في فرنسا قائلة أن الإلحاد يودي بالأمم ويجعلها أسفل سافلين وقد نسب أحد علمائهم انهيال الزندقة على الألمانيين لمجلة شهرية اسمها طريقة العالم الجديدة جعلت ديدنها الاكتفاء بذكر النظريات الجديدة التي اكتسبتها العقول والشبان من ارتقاء العلم ولاسيما علم الباليانتولوجيا (علم المطمورات من نباتات وغيرها) والجيولوجيا (طبقات الأرض) ومذهب النشوء وهذه المجلة انتشرت في كليات الألمان ومدارسهم انتشاراً كان منه تأثيرها السيء في الأفكار. وشتان بين أمة تدخل إليها الزندقة فتسعى إلى مداواتها والنظر في أسبابها وبين أخرى تدخل إليها فتعدها من دواعي المدنية والارتقاء. مكتبة الجيب يتحدثون في أوروبا بطبع كتب على صور مصغرة جداً لا يتمكن من قراءتها إلا بالمجهر ولهذه الطريقة من تصغير حجم الكتب فوائد كثيرة أقلها أنك تستطيع معها أن تحمل في جيبك مكتبة برمتها. فلله در التفنن. الجمال عند المالايو يرى أهل شبه جزيرة مالايو في الهند الصينية أن الجمال بطول العنق على العكس مما يراه بعض أمم الشرق وأكثر أمم الغرب بقدود ممشوقة وعيون دعج وتناسب في الأعضاء ولذلك يضع أهل المالايو في أعناق بناتهم منذ ولادتهن أغلالاً من الحديد تضطرهن إلى أن يجعلن رؤوسهن مستقيمة. إطالة الشباب يرى الطبيب تراسي الأميركي أن الإنسان لا يعاجله الهرم إذا لم يعش هذه العيشة الحديثة التي تخل بتركيب جسمه وأن معظم الهرم العاجل يجيء من الإفراط في المأكل واستعمال الكحول فيمتزج الدن بمواد سامة لا تفرز منه وتتفقد الشرايين مرونتها وتتصلب بما يتوالى عليها من الضغط ولا يخفف هذا الضغط عن المجاري إلا بالتدقيق في الأكل والشرب واستعمال الكهربائية وبذلك يطول أمد الشباب لأن هذه المجاري تقلل من ضغط الدم وتقوي الإفرازات وتؤثر تأثيراً ميكانيكياً في الأنسجة. رعاية الأطفال اسفت مجلات إنكلترا لفقدها رجلاً كبيراً اسمه بنيامين وغ كان الحركة الدائمة في جمعية رعاية الأطفال في إنكلترا فبفضله قويت قوة عظيمة ولها الآن في إنكلترا ١١٣٧ مأوى للبنات وترعى مائة ألف طفل وتحميهم من بوائق الأيام وأنواع الفظائع والآثام. الخيول ظهر إحصاء بعدد الخيول في العالم المتمدن فتبين منه أن الجمهورية الفضية أكثرها خيولاً ففيها ٤٧٦٢٣٤٠ أي ١١٢ حصاناً لكل مئة ساكن ثم تجيء سيبريا وفيها يصيب كل مئة ساكن ٨٥ حصاناً ثم الولايات المتحدة وفيها ٦٢ في المئة ثم إنكلترا وفيها ١٣ في المئة ثم فرنسا ٧ وألمانيا ٥ . وادي موسى عني المسيو ألوا موزيل العالم النمساوي بالرحلة إلى وادي موسى في بلاد العرب المعروفة عند الإفرنج ببترا أي العربية الصخرية وقد أصدر الجزء الثالث من رحلته الآن فجاء فيه أن مجموع سكان تلك البلاد يبلغ سبعين ألف نسمة ينقسمون إلى ٤٨ بطناً يجمعها جد واحد يحترمون قبره. وكان من انقطاع هؤلاء السكان عن الاختلاط بغيرهم أن حفظت لهم أخلاقهم الأصلية حتى أن كثيراً من الأشياء التي لا تفهم من شعر الجاهلية إذا درس المرء ما كتبه هذا العالم عن أخلاق سكان وادي موسى وآثارهم وأصولهم ولغتهم وشعائرهم الدينية تتجلى له كل التجلي فقد بقي في أعمالهم الدينية وفي ذبائحهم وضحاياهم خاصة علامات جوهرية من الأديان السامية القديمة حتى أن تاريخ الخرافات عندهم يرد إلى عهد قديم جداً فمنها أنهم يعتقدون بأم المطر عندما يضر الجفاف بمزروعاتهم فيعمد النساء إلى اتخاذ عصاوين يجعلونهما على شكل صليب ينطن به قميصاً ويطفن الأرض التي تشكو قلة المطر منشدات أغاني أوردها المؤلف. ولم يقف تأثير عادات الجاهلية فقط عند هذا الحد في عادات سكان وادي موسى ومعتقداتهم بل أن النصرانية أثرت في مسلمي الكرك آثاراً لم تبرح بادية للأعين فمنها أنهم يعمدون أولادهم على يد قسيس مسيحي ليضمنوا لهم بذلك صحة جيدة وقد أثنت المجلات العلمية على مؤلف هذا الكتاب وقالت أنه منجم فوائد ولم تكن للغربيين معرفة بها من قبل. أندية العملة جعلت للعملة في بلاد الإنكليز منذ سنة ١٨٦٢ أندية خاصة يأوون إليها آونة فراغهم ولا يكونون فيها عرضة لتعاطي المشروبات الروحية وما برح المشتركون فيها ينمون حتى غدت وارداتها تكفيها. وفي إنكلترا ١١٠٠ ناد ينفق الفرد فيها كل أسبوع ثمن مشروبات ودخان ومياه معدنية شليناً واحداً ومنها مائتا ناد لها صفة سياسية وجميع هذه الأندية تمثل عامة الآراء والمذاهب وتنشئ محاضرات ومسامرات وسماعاً ومعارض زهور وأعياد إحسان ولكل ناد مال خاص ينفق منه على فقراء المقاطعة التي هو فيها. وأهم ما تمتاز به أندية العملة الامتناع عن المشروبات الروحية والإحسان لمن جار عليه الزمان من أبناء بلادهم ولبعضها خزائن كتب سيارة تطوف البلاد ليطالع فيها الناس مجاناً. أخلاق المالغاشيين المالغاشيون سكان جزيرة مدغسكر لهم أخلاق وعادات غريبة من حيث عفة لنساء وإليك ما وصفهم به أحد علماء الإفرنج قال: إن ما يطلب من المرأة المالغاشية هو أن تطبخ في أوقات معينة الأرز والمرق الذي يؤكل معه في العادة وعلى ما ينبغي وأن ترتب شؤون البيت وترتب الثياب وتدير بحكمة أملاك بيتها وهذا في الغالب من خصائصها وأن تلد لزوجها أولاداً كثيرين هذه وظيفة ربة المنزل الأساسية وما عدا ذلك فإنها إذا حافظت على عفتها فبها ونعمت ويعد كمالها نوراً على نور مع أنه قلما يلتفت إليه أو يقلق من أجل فقده. الفتاة المالغاشية حرة باستخدام جسمها على النحو الذي تريده. وليس في اللغة المالغاشية لفظ مرادف للعفة والبكارة حتى المرسلين في بعض أنحاء تلك البلاد التي دانت حديثاً بالنصرانية اضطروا إلى أخذ كلمة بكارة من اللغة الإفرنجية يستعملون جملة للدلالة على لفظها فيقولون طهارة السلوك وطهارة القلب للتعبير عن العفة. ولم يستطع أولئك المرسلون أن يعبروا عن تبتلهم إلا بأنهم قالوا أن الله بعث بهم ليكون آباء للمالغاشيين فلا يجدر بالأب أن يتزوج من بناته. يبلغ الولد سن الحلم هناك في الثامنة أو العاشرة من عمره والبنت قبل هذه السن أحياناً. ولا سبيل إلى تحديد وقت يرتكب فيه الأولاد ما يرتكبون من الخطيئة للمرة الأولى والأم تنظر إلى بنتها إذا أتت منكراً نظرة المسرورة المغتبطة كما أن الأب ينظر لابنة إذا فعل ذلك نظرة تفاخر إلا أن بعض الأمهات يدفعن عن بناتهن عشرة الصبيان الذين هم أكبر سناً منهن. وإنك لتجد هناك في مدارس القرى والمدن النبات والصبيان المتزوجين يتعلمن معاً والزوج في العاشرة والمرأة دون ذلك فإذا جاء المساء تهيء الزوجة لزوجها طعامه وهو يكدح لها بأن يجلب الرز واللحم ويحتطب أو يكتسب بعض دريهمات. وعبثاً حاول المرسلون والمعلمون ورجال الحكومة والإدارة هناك أن يعدلوا من هذه العادات في المالغاشيين ولكنها ما تزال راسخة. على أن هذا الاقتران قليل البقاء وكلا لازوجين متقلب وكل أمر سائغ بدون أن يمس شرف أحد الزوجين. وتحسن المرأة سلوكها بعض التحسين عندما تلد أولاً وليس من العار أن ترزق أولاداً من آباء مختلفين بل أن زوجها لا يرى من الشنار أن يقبل أولاد غيره مع إيقانه بذلك ويعاملهم كما يعامل من تلدهم زوجته منه من الأولاد. وهذه الحال في أخلاق المالغاشيين وإن كانت أقل مما هي عفي أوروبا ولكنها غير مموهة وليس فيها رياء كما في أوروبا حيث تحتقر الابنة التي تلد من السفاح ويحتقر ابنهم ويستنكف الناس من الاقتراب منه أما المالغاشي فيرى أن الوليد غير مسئول عما نقص من عدم مراعاة أبويه لشروط الزوجية وهي التي ينبغي أن تسبق ولادته في العالم المتمدن بيد أن كثيرين من الأوروبيين على ما فيهم من التقى جديرون بأن يأخذوا في هذا المعنى عن المالغاشيين المتوحشين. والداعي إلى هذه الحالة في المالغاشيين هواء بلادهم الذي يحرك النفوس منذ الصغر ثم أن الأزواج لا يرون بأساً في أن يناموا مع أولادهم ولو كبروا في محل واحد بل على حصير واحد. فيتعلم الطفل ما يتعلم منذ يأخذ في الإدراك. والجنود الأوروبيون المقيمون هناك لا يسعهم إلا أن يتزوجوا المالغاشيات ويلد لهم منهن. والبنت إذا حملت قبل أن يعرف لها زوج تفرح بما تلد هي وأهلها ن الناس في تلك الأصقاع يرون أن الغاية من الزواج تكثير النسل فلا بأس بالأطفال من أي الطرق جاؤوا. ثم أن المعيشة هناك سهلة للغاية، فطعام الجميع الأرز ملتوتاً بشيء من مرق اللحم أو اللحم أو السمك والبقول المعروفة عندهم والماء الصرف يتساوى في ذلك الفقير والغني ولماذا يهتم المالغاشيون إذا كثر أولادهم ما دامت غاباتهم مملوءة بالشمع والمطاط بحيث لا تنضب مهما نقلوا منها وباعوا وبيعها ميسور لهم ثم أن الأولاد لا يلبسون ثياباً غلا بعد السنة الثانية من أعمارهم ويظلون كما ولدتهم أمهاتهم عراة فإذا جاوز الولد هذه السن يعطى قطعة من الخيش أو الجنفيس يلبسها أوي فتقتطع له قطعة من ثياب أمه وأبيه. وإنشاء البيوت هناك سهل للغاية ففي الغابات متسع ليقطع منها خشب البناء وفي المروج من جذوع أشجارهم ما يجعلونه حواجز وحيطاناً ومن الخيزرو ما يفرشونه حصيراً. ثم أن القوم لا يهتمون بمسألة المواريث وقل أن يهتم الآباء أن يتركوا لأولادهم إرثاً قل أو كثر لأن هؤلاء لا يعرفون كيف يتصرفون به فالدراهم نادرة جداً عندهم والأرض لا قيمة لها وأراضيهم تكثير فيها البقاع التي تصلح لزراعة الأرز والمراعي. والماشية وحدها هي من العلائم الظاهرة على الثروة ولكنها شائعة بين أهل القرية لا يقسمونها ولا يدعى الأولاد لآبائهم بل على العكس يطلق على الأب والأم اسم والديهم وليس بينهم أثر للأسماء التي تنقل خلفاً عن سلف ويطلق على كل إنسان اسم خاص وله أن يغيره على ما يشاء متى شاء. وبالجملة فإن أخلاقهم وعاداتهم على غرابتها أقرب إلى الطبيعة. هكذا قال الكاتب مطبوعات ومخطوطات كتاب تأويل مختلف الحديث للإمام أبي محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة المتوفى سنة ٢٧٦ هـ مصنفات كثيرة قبل أنها تربى على ثلثمائة مصنف وهذا الكتاب من أجودها. الفه بعد أن رأى ثلب أهل الكلام لأهل الحديث وإسهابهم في ذمهم ورميهم برواية المتناقض حتى كثر الاختلاف بين الأمة وقد تعرض في مقدمته لجل ما قاله علماء الكلام في حق رواة الحديث من الجمهور ومراده بأهل الكلام علماء المعتزلة إذ لم يكن هذا اللقب يطلق قديماً على غيرهم وأجاب عن اعتراضاتهم فيها بجواب مجمل وجعل تتمة الكتاب لتأويل الأحاديث التي ادعوا عليها التناقض أو المخالفة للكتاب العزيز أو المخالفة لصريح العقل الذي دل على اعتباره صحيح النقل. وأكثر في ذلك وأظهر ما اشتهر عنه من البراعة والإجادة فيما ينحو إليه ولكلامه وقع في النفوس وناهيك بمن قيل فيه أنه لأهل السنة مثل الجاحظ للمعتزلة. وهذا الكتاب يجدر بكل من له ميل إلى علم الحديث أن يطلع عليه. وهنا نكتة مهمة وهو أن ابن قتيبة كغيره من العلماء قد كثر الناقدون عليه في أكثر كتبه شأن كل عالم أطلق لقلمه العنان فينبغي للمطالع في كتبه أن يكون ممن له قوة في النظر (نظار) والكتاب وقع في ٤٦٤ صفحة صغيرة مطبوع طبعاً في الغاية من الصحة والإتقان مقابلاً على ثلاث نسخ إحداها بغدادية والثانية دمشقية والثالثة مصرية وقد علق عليه مصححه الشيخ إسماعيل الخطيب السلفي الإسعر دي شرح بعض الألفاظ اللغوية وطبع علىنفقة محمود أفندي شابندر من تجار بغداد بمطبعة كردستان العلمية بمصر لصاحبها الشيخ فرج الله زكي الكردي فجاء من إنموذجات الكتب المعتنى بها فنشكر للقائمين بالإنفاق عليه وتصحيحه وطبعه كل الشكر. المنهج المسلوك في سياسة الملوك ألف علماء العرب عشرات من الكتب والرسائل أهدوها ملوكهم وبعضها لم يزل محفوظاً في خزائن الكتب ومن هذه الأسفار التي لم تمثل بعد بالطبع كتاب المنهج المسلوك لمؤلفه عبد الرحمن بن عبد الله من علماء القرن السادس ألفه برسم خزانة الملك الناصر صلاح الدين يوسف وقسمه على عشرين باباً منها بيان افتقار الرعية إلى ملك عادل وافتقار الملك إليه ومعرفة قواعد الأدب وأركان المملكة ومعرفة الأوصاف الكريمة والحث عليها ومعرفة الأوصاف الذميمة والنهي عنها وكيفية رتبة الملك مع أوليائه حال جلوسه وفضل المشورة وأوصاف أهلها وأصول السياسة والجلوس لكشف المظالم وسياسة الجيش ومصابرة المشركين واستماع المواعظ بعبارة سلسلة وأمثلة كثيرة. والكتاب في ١٤٠ صفحة متوسطة الحجم مطبوع بمطبعة الظاهر طبعاً نظيفاً متقناً على نفقة أحمد زكي أفندي أبو شادي ومحمد أفندي رشدي وثمنه خمسة قروش ويطلب من إدارة هذه المطبعة ومن المكاتب الشهيرة. رسائل البلغاء جردنا ما نشر في المقتبس من رسائل عبد الله بن المقفع وعبد الحميد بن يحيى الكاتب وحكمهما المثقفة ولكماتهما المأثورة حباً بأن تتناول جميع الأيدي من معين بلاغتهما وتنطبع الملكات بطابع الكتابة العربية البحتة فجاءت في مائة صفحة من مثل هذه الصفحات وبحرف كحرفها فعساها تنفع طلاب الآداب العربية والباحثين في الاجتماع والتاريخ والأخلاق وهي تطلب من إدارة المقتبس في القاهرة ومن وكلائه من الجهات ومن المكاتب الشهيرة في مصر والشام والعراق وثمنها فرنك واحد يضاف إليه ربع فرنك أجرة بريد.</passage>
<license>Distributed under a Creative Commons Attribution-ShareAlike 4.0 International (CC BY-SA 4.0) license</license>
<source>https://github.com/tillgrallert/digital-muqtabas/blob/master/xml/oclc_4770057679-i_32.TEIP5.xml retrieved via Canonical Text Service http://cts.informatik.uni-leipzig.de/muqtabas/cts/ with CTS URN urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.32.TEIP5:</source>
</reply>
</GetPassage>
