<?xml version="1.0" encoding="UTF-8"?><GetPassage xmlns="http://relaxng.org/ns/structure/1.0" xmlns:a="http://relaxng.org/ns/compatibility/annotations/1.0" xmlns:tei="http://www.tei-c.org/ns/1.0">
<request>
<requestName>GetPassage</requestName>
<requestUrn>urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.31.TEIP5:</requestUrn>
</request>
<reply>
<urn>urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.31.TEIP5:</urn>
<passage>العدد ٣١ بتاريخ: ١ - ٨ - ١٩٠٨ غرائب القصاص لعل بعض النفوس تتأذى بقراءة هذا الموضوع لأنه يدور على التفنن في إزهاق الأرواح على أنه لا بأس بشيء من القسوة يقوون بها قلوبهم للنظر في موضوع علمي تاريخي كان الإفرنج بعد الحروب الصليبية يستعملون من أساليب القتل كل غريب عجيب وخصوصاً في عهد ديوان التفتيش الديني في البلاد اللاتينية التوتونية حتى إذا كانت سنة ١٧٩٢ أخذت بعض البلاد ولاسيما فرنسا عن إيطاليا استعمال آلة يسموها المقصلة تحز رأس المجرم في أقل من ثانية ثم أخذوا يبطلون هذه العادات ولما جاء دور الكهربائية أنشأت بعض بلاد الغرب ولاسيما الولايات المتحدة تعمد إلى إصعاق المجرمين بها ولكن تبين مؤخراً أن المصعوق بإجراء مجرى كهربائي عليه لا يقتل في الحال بل أنه يقاسي أشد العذاب عقيب إصعاقه ولا تزهق روحه حقيقة إلا بعد أن تشرح جثته. وقد قامت الدكتورة روبينوفيتش وحملت حملة منكرة على القتل بالكهرباء قالت: إن كان لا بد من استعمال هذه الطريقة الوحشية فلا أقل من أن يكون فيها شيء من روح الإنسانية بمضاعفة القوة الكهربائية خمسة أضعاف ما يجري الآن ليتم القتل في أقل من لحظة وقد جربت هذه الطريقة في الأرانب فوقع الاستحسان عليها وأخذوا يستعملونها ولكن في عقاب المجرمين والأعضاء المؤلفة من الناس لتسلم بلادهم من شرور الأشرار. وبعد فما برح البشر منذ عرف تاريخهم يقتل كبيرهم صغيرهم ويأكل قويهم ضعيفهم يعاقب في التنازع على المحمدة والمجد والمال والدين والعروض بعضهم بعضاً وآخر عقوباتهم ونتيجة إرهاقاتهم الموت اخترعوا إلى الوصول إليه طرقاً ترتعد لسماع أخبارها اليوم الأعصاب وتاريخ الشرقيين والغربيين على غرار واحد من هذا القبيل ترى كلما فتحت صفحاته دماء أبرياء تعج من جور الأقوياء على الضعفاء فتبلغ عنان السماء وتتمثل لعينيك الأمم في ذلك كأسنان المشط في الاستواء قلما يختلف شرق عن غرب أو أسود عن ابيض. فمن خنق إلى حرق إلى شنق إلى ضرب بالعصي والأكف ورمي بالنبال وهبر بالسيف ودسر بالرمح والحراب والقذائف والبارود والديناميت إلى سم وإجاعة وحز رؤوس وبقر بطون وسمل عيون واستلال لسان وصلم آذان وشتر شفاه وقضقضة أعضاء وجذم أكف وقطع أيد وأرجل وأكحل إلى غير ذلك مما يرجع إلى معنى واحد ألا وهو الإرهاق في العقوبة وبلوغ المرء بأخيه ما يقال له الموت. فكما أن للموات عشرات المترادفات في العربية كذلك تجد في كل لغة ألفاظاً تدل على تلك المسميات التي تهدم الهيكل الإنساني وتطفئ سراج الحياة. فقد نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن التعذيب والتمثيل ومشى بعض أصحابه على هديه زمناً ولكن كان بعض أهل الصدر الأول يرجعون إلى التوحش وإرضاء الشهوات الغضبية فلا يدخرون وسعاً إذا ظفروا بعداتهم في أن يصبوا عليه سوط العذاب فكان معاوية بن أبي سفيان أول من فتح هذا الطريق كما ابتدع بدعاً كثيرة أتى بها على غير مثال احتذاه ممن سلفه فقد ذكر الثقات أنه كان يقرب ابن أثال الطبيب منه ويفتقده كثيراً لأنه كان خبيراً بتركيب الأدوية ومنها سموم قواتل حتى مات في أيامه كثير من أكابر الناس والأمراء المسلمين بالسم وممن قتل في عهد أتباعه عبد الله بن عمر بعثوا إليه من رماه بسهم مسموم في عقبه. والتاريخ طافح بما قام به من ضروب التنكيل والتمثيل وكذلك فعل بعض ملوك دولته من بعده. ولقد قابل بنو العباس الأمويين ببعض ما عاملوا به غيرهم وعمل السفاح بقول سديف في وصف بعض بني أمية لما ذهب ملكهم. لا يغرََّنك ما ترى من رجال إن تحت الضلوع داءً دويا فضع السيف وارفع السوط حتى لا ترى فوق ظهرها أمويا قال ابن الأثير ودخل شبل بن عبد الله مولى بني هاشم على عبد الله بن علي وعنده من بني أمية تسعين رجلاً على الطعام فأقبل عليه شبل فقال: أصبح الملك ثابت الأساس بالبهاليل من بني العباس طلبوا وتر هاشم فشفوها بعد ميل من الزمان وياس لا تُقيلن عبد شمس عثاراً واقطعن كل رقلة وغراس ذلها أظهر التودد منها وبها منكم كحز المواسي ولقد غاظني وغاظ سوائي قربهم من نمارق وكراسي أنزلوها بحيث أنزلها الله بدار الهوان والإتعاس واذكروا مصرع الحسين وزيد وقتيلاً بجانب المهراس = والقتيل الذي بحران أضحى=ثاوياً بين غربة وتناسي فأمر بهم عبد الله فضربوا جميعاً بالعمد وبسط عليهم الإنطاع فأكل الطعام عليها وهو يسمع أنبن بعضهم حتى ماتوا جميعاً. وأمر عبد الله بن علي بنبش قبور بني أمية في الشام فنبش قبر معاوية بن أبي سفيان فلم يجدوا فيه إلا خيطاً مثل الهباء ونبش قبر يزيد بن معاوية بن أبي سفيان فوجدوا فيه حطاماً كأنه الرماد ونبش قبر عبد الملك بن مروان فوجدوا جمجمته وكان لا يوجد في القبر إلا العضو بعد العضو غير هشام بن عبد الملك فإنه وجد صحيحاً لم يبل منه إلا أرنبة أنفه فضربه بالسياط وصلبه وأحرقه وذراه مع الريح وتتبع بني أمية من أولاد الخلفاء وغيرهم فأخذهم ولم يفلت منهم إلا رضيع أو من هرب إلى الأندلس. وقتل سليمان بن علي بن عبد الله بن عباس بالبصرة جماعة من بني أمية عليهم الثياب الموشية وأمر بهم فجروا بأرجلهم والقوا على الطريق فأكلهم الكلاب. وفي مروج الذهب أن الهيثم بن عدي روى عن معمور بن هانئ الطائي قال: خرجت مع عبد الله بن علي وهو عم السفاح والمنصور فانتهينا إلى قبر هشام بن عبد الملك فاستخرجناه صحيحاً ما فقد منه إلا خرمة أنفه فضربه عبد الله ثمانين سوطاً ثم أحرقه فاستخرجنا سليمان ابن عبد الملك من أرض دابق فلم نجد منه شيئاً إلا صلبه وأضلاعه ورأسه فأحرقناه وفعلنا ذلك بغيرهما من بني أمية وكانت قبورهم بقنسرين ثم انتهينا إلى دمشق فأخرجنا الوليد بن عبد الملك فما وجدنا في قبره لا قليلاً ولا كثيراً واحتفرنا عن عبد الملك فما وجدنا إلا شؤون رأسه ثم احتفرنا عن يزيد بن معاوية فما وجدنا منه إلا عظماً واحداً ووجدنا خيطاً أسود كأنما خط بالرماد بالطول في لحده ثم تتبعنا قبورهم في جميع البلدان فأحرقنا ما وجدنا فيها منهم. وكان سبب فعل عبد الله ببني أمية هذا الفعل أن زيد بن زين العابدين علي ابن الحسين بن علي بن أبي طالب سمت نفسه إلى طلب الخلافة فحاربه يوسف بن عمر الثقفي فانهزم أصحاب زيد وانصرف هذا مثخناً بالجراح ولما مات دفنوه في ساقية ماء وجعلوا على قبره التراب والحشيش وأجروا الماء على ذلك فدل يوسف على موضع قبره فاستخرجه وبعث برأسه إلى هشام فكتب إليه هشام أن اصلبه عرياناً وبني تحت خشبته عمود ثم كتب هشام إلى يوسف يأمره بإحراقه وتذريته في الرياح وكان ذلك. وهكذا تجد ضروباً من المنية في تاريخ هذا القسم الصغير من الأرض فقد قتل أبو الجيش أحمد بن طولون أخاه المسمى بالأمين خنقاً بماء مغلي حتى مات. وقتل نصر بن أحمد صاحب خراسان أخاه زكريا بعصر خصاه. وقتلت أم خالد بن يزيد بن معاوية زوجها مروان بن الحكم أبو عبد الملك بأن أمرت خدمها أن يضعن المخاد على فمه حتى مات. وكم من رجل سم في كمثرى أو رمي الزئبق في أذنه أو فصد بمبضع مسموم قيل أن أحمد بن الموفق ابن أخي المعتمد بن المتوكل قتل عمه في حفرة ملأها من ريش ورماه فيها فمات بها. وقتل الشهاب السهروردي جوعاً. وألقي رفيع الدين الجبلي من أعلى مغارة في بعلبك فتعلق في بعض جوانبه فبقي المبصرون ذلك يسمعون أنينه نحو ثلاثة أيام وعذب أعوانه وكان قاضي قضاة دمشق. ولما غضب الراضي على الوزير أبي علي بن مقله سلمه إلى الوزير أبي علي عبد الرحمن بن عيسى فضربه بالمقارع وأخذ خطه بألف ألف دينار فجرت عليه منه من المكاره والتعليق والضرب والوهق أمر عظيم وقطعت يده اليمنى وكان يقول في سجنه يد خدمت بها الخلافة ثلاث دفعات لثلاثة خلفاء وكتبت بها القرآن دفعتين تقطع كما تقطع أيدي اللصوص ثم زيد في إخفائه وجعل في محبس وقطع لسانه. ولما خرج المصعب بن الزبير في عهد عبد الملك بن مروان في العراق سنة ٧١ ورأى تحيز الجفرية لعبد الملك أرسل إليهم فنسبهم وسبهم قال ابن جرير ثم ضربهم مائة مائة وحلق رؤوسهم ولحاهم وهدم دورهم وصهرهم في الشمس ثلاثاً وحملهم على طلاق نسائهم وجمر أولادهم في البعوث وطاف بهم في أقطار البصرة وأحلفهم أن لا ينكحوا الحرائر. ولما دخل مراكش مأمون الموحدين إدريس بن يعقوب أمر بتقليد شرفاتها بالرؤوس فمتها على اتساع الساحة. ولما استولى الغز على نيسابور أخذوا أبا سعد محي الدين النيسابوري ودسوا في فمه التراب حتى مات. وقبض عز الدولة بن بويه على وزيره ابن بقية وسمل عينيه ولما ملك عضد الدولة طلبه وألقاه تحت أرجل الفيلة فلما قتل صلبه. وكان الوزير ابن الزيات قد اتخذ تنوراً من حديد وأطراف مساميره المحدودة إلى داخل وهي قائمة مثل رؤوس المسال في أيام وزارته وكان يعذب فيه المصادرين وأرباب الدواوين والمطلوبين بالأموال فكيفما انقلب واحد منهم أو تحرك نمن حرارة العقوبة تدخل المسامير في جسمه فيجدون ذلك أشد الألم ولم يسبقه أحد إلى هذه المعاقبة وكان إذا قال له أحد منهم أيها الوزير ارحمني فيقول له: الرحمة خور في الطبيعة. فلما اعتقله المتوكل أمر بإدخاله في التنور وقيده بخمسة عشر رطلاً من الحديد فقال يا أمير المؤمنين: ارحمني فقال له: الرحمة خور في الطبيعة كما كان يقول للناس. قاله ابن خلكان. ولما استولى أبو عبد الله الشيخ على فاس سنة ٩٦١ قتل الفقيهين أبا محمد الزقاق وأبا علي حرزوز ويحكى أنه لما مثل أبو محمد بين يديه قال له: اختر بأي شيء تموت فقال له الفقيه: اختر أنت لنفسك فإن المرء مقتول بما قتل به فقال لهم السلطان: اقطعوا رأسه بشاقور فكان من حكمة الله وعدله في خلقه أن قتل هذا السلطان به أيضاً. قاله في الاستقصا. وقال فيه: لما كان من السلطان أبي عبد الله الشيخ ما كان من غزوة تلمسان مرتين وكان يحدث نفسه بمعاودة غزو تلك البلاد جرت المخابرة بينه وبين حكومة السلطان سليمان ولما لم يلتزم الأدب اتفق رأي الوزراء على أن عينوا اثني عشر رجلاً من فتاك الترك وبذلوا لهم اثني عشر ألف دينار لاغتيال الشيخ فما زالوا حتى وصلوا إليه وتعلقوا بخدمته ثم اغتالوه وضربوا رأسه بشاقور ووضعوه في مخلاة فأوصلوا الرأس إلى الصدر الأعظم وأدخله على السلطان فأمر به أن يجعل في شبكة من نحاس ويعلقه على باب القلعة فبقي هناك إلى أن شفع في إنزاله ودفنه ابنه عبد الملك المعتصم وأحمد المنصور. ومما روى لسان الدين بن الخطيب من فظاظة محمد بن محمد بن يوسف ثالث الملوك من بني نصر أنه هجم لأول أمره على طائفة من مماليك أبيه كان سيء الرأي فيهم فسجنهم في مطبق الري من حمرائه وأمسك مفاتيح قفله عنده وتوعد من يرمقهم بقوت بالقتل فمكثوا أياماً وصارت أصواتهم تعلو بشكوى الجوع حتى خفتت ضعفاً بعد أن اقتات آخرهم موتاً بلحم من سبقه وحملت الشفقة حارساً كان يرأس المطبق على أن طرح لهم خبزاً يسيراً تنقص أكله مع مباشرة بلواهم ونمي إليه ذلك فأمر بذبحه على حافة الجب فسال عليهم دمه. قال ابن الخطيب وقانا الله مصارع السوء وما زالت المقالة عنها شنيعة. والله أعلم بجريرتهم لديه. وقتل يوسف بن عمر الثقفي أمير العراقيين خالد بن عبد الله القسري على طريقة غريبة قيل أن وضع قدميه بين خشبتين وعصرهما حتى انقصفتا ثم رفع الخشبتين إلى ساقيه وعصرهما حتى انقصفتا ثم إلى وركيه ثم إلى صلبه فلما انقصف مات. وقال المقري دخل السلطان أبو الحسن سجلماسة عنوة على أخيه السلطان أبي علي عمر سنة ٧٣٤ وجاء به في الكبل لفاس ثم قتله بالفصد والخنق. ولقد كان رؤساء الناس وولاة الأمر منهم هم الذين لا يبالون بإرهاق النفوس وإزهاق الأرواح وكثيراً ما يكون ذلك لغير سبب سوى الطيش والجهالة وكان بعضهم يلتذ بإراقة الدماء مثل المعتضد بالله العبادي أحد ملوك الأندلس الذي دانت له الملوك من جميع أقطارها وكان قد اتخذ خشباً في ساحة قصره جللها برؤوس الملوك والرؤساء عوضاً عن الأشجار التي تكون في القصور وكان يقول: في مثل هذا البستان فليتنزه. وهو من الملوك الذين هابهم القريب والبعيد خصوصاً بعد أن قتل ابنه وأكبر ولده المرشح لولاية عهده صبراً لأن ابنه كان يريد الوقيعة به. قال لسان الدين وكان المعتضد بالله ابن عباد أبعد ثوار الأندلس صيتاً وأشدهم بأساً وأنجحهم أثراً جمع خزانة مملوءة برؤوس الملوك البائدين بسيفه وكانت وفاته سنة إحدى وستين وخمسمائة. وفي رواية المقري أن بني الأحمر لما ظفروا بأعدائهم من ملوك الإفرنج في الأندلس سلخوا دون بطرة وحشوا جلده قطناً وعلق على باب غرناطة وبقي معلقاً لسنوات. ذكر ابن سعيد أن التتار قتلوا المظفر قطز وخلعوا عظم كتفه وجعلوه في أحد الأعلام على عادتهم في أكتاف الملوك. ولما قتل مروان بن محمد الأموي استخفى عبد الحميد الكاتب بالجزيرة فغمز عليه فأخذ ودفعه أبو العباس السفاح إلى عبد الجبار بن عبد الرحمن صاحب شرطته فكان يحمي له طستاً بالنار ويضعه على رأسه حتى مات وقيل أن ابن المقفع قتله عامل البصرة للمنصور بأن جعله في تنور. ودخل أبو الحسن الملك العادل سيف الدين وزير الظافر العبيدي قبل وزارته بزمان على الموفق أبي الكرم بن معصوم التنيسي وكان مستوفى الديوان. فشكا إليه حاله من غرامة لزمته بسبب تفريطه في شيء من لوازم الولاية بالغربية بمصر فلما أطال عليه الكلام قال له أبو الكرم: والله أن كلامك ما يدخل في أذني فحقد عليه فلما ترقى إلى درجة الوزارة طلبه فخاف منه واستتر مرة فنادى عليه في البلد وهدر دم من يخفيه فأخرجه الذي خبأه عنده فخرج في زي امرأة بإزار وخف فعرف وأخذ وحمل إلى العادل فأمر بإحضار لوح من خشب ومسمار طويل فألقي على جنبه وطرح اللوح تحت أذنه ثم ضرب المسمار في الأذن الأخرى فصار كلما صرخ يقول له: دخل كلامي في أذنك بعد أم لا ولم يزل كذلك حتى نفذ المسمار من الأذن التي على اللوح ثم عطف المسمار على اللوح ويقال أنه شنقه بعد ذلك. وروى التاريخ ن أخبار من تلقوا نكباتهم بالصبر العجيب ومن أنباء شجعان الزمان ما لا يكاد يصدق إلا أن أهل الأباء منهم كانوا يؤثرون الموت في الزحف ويتفادون من الوقوع في أيدي عداتهم لئلا يمثلوا بهم فقد جاء عبد الله بن الزبير إلى أمه أسماء ذات النطاقين لما خذله أصحابه في مكة فقال: ما ترين يا أمة فقد خذلني الناس. فقالت: لا يلعب بك صبيان بني أمية عش كريماً أو مت كريماً. فقال: أخشى أن يمثل بي بعد الموت فقالت له: إن الشاه لا تألم بالسلخ بعد الذبح فقبل بين عينيها وودعها وخرج يقاتل إلى أن كان من أمره ما كان. وقلب باسيل الثاني الملقب بقاتل بلغاريا بعد حرب ٣٧ سنة مملكة بلغاريا ومقدونية سنة ١٠١٨ وأسر خمسة عشر ألف بلغاري وسمل عيونهم وكان أبو عبد الله أحمد بن إبراهيم النديم خصيصاً بالمتوكل ونديماً له غضب عليه المتوكل فأمر بقطع أذنه فقطعت من غضروفها من الخارج. واستعمل القتل بوضع من يراد قتله تحت أرجل الفيلة كما أمر أحد بني بويه بأبي إسحق الصابي لما غضب عليه أن يجعل تحت أرجل الفيلة ولكنهم شفعوا به لديه. وكانوا يعلقون من يريدون قتله أيضاً في ذنب الخيل ويجرونها كما فعل أزدشير بضيزن ابنة الساطرون إذ أمر بها فربطت قرون رأسها بذنب فرس ثم ركض الفرس حتى قتلها. ومما ذكر في قانون الصين من أنواع القتل المعروف بلغتهم بالباشب وهو تقطيع الأعضاء إرباً غرباً وصفته أن يشد الذي يراد به ذلك بين خشبتين قائمتين وتربط يداه ورجلاه ووسطه ربطاً محكماً ثم تجزأ أنامله وأصابعه أنملة أنملة وعقدة عقدة ثم تفصل يداه من الرسغين ثم من المرفقين ثم من الكتفين ويفعل برجليه مثل ذلك فإذا قطعت الأطراف جدع أنفه وصلمت أذناه وأخرجت عيناه ثم برش لحمه وجلده بأمشاط من الحديد حتى يفرق بين عظمه ولحمه ويصير كالشاة التي جرد القصاب لحمها ويفعل ذلك به حياً وقد أبطل الإمبراطور هذا العقاب مؤخراً. وبالجملة فإن أنواع القتل كثيرة وهذا أهمها فيما انتهى إلينا معرفته وذكر ياقوت في معجم الأدباء أن صولاً جد إبراهيم بن العباس الصولي شهد الحرب مع يزيد بن المهلب وأن يزيد وجد مقتولاً بلا طعنة ولا ضرب انسدت أذناه ومنخراه وامتلأ فمه بغبار العسكر فمات فلا يعرف مثله قتيل غبار. قلنا ومثله قتيل الدخان ونمن لم يمت بالسيف مات بغيره تنوعت الأسباب والموت واحد المسلمون والذميون والمعاهدون الإحساس دليل الحياة التضامن رائد العمران يا ابن أمي! ويا ابن عمي! نحن صنوان ضمنا عاطف القر بى جميعاً في مصر ضم النطاق فوق هام الأهرام منك ومني غرّة طكوكبية الإشراق فتقدم يا أخي وصافح أخاً ير جو صفاء العيش في رضا واتفاق إنما النجح في اتحاد قلوبٍ بولاءٍ ونبذ كل شقاق عرفكم الله حلاوة الانضمام بعد طول الانقسام وأنعم عليكم ببركة الائتلاف والوئام بقدر ما عرَّفتموني لذة الكلام في هذا المقام وبقدر ما أنعمتم عليّ بالتشجيع والاستحسان! فلقد رأيت من التفافكم حولي لاستماع قولي ورأيت من قومي حينما أبلغتكم الصحف كلمي أن نغمتي صادفت منك هوىً في الفؤاد وإن صداها قد تردد في جوانب هذه البلاد حينما جهرت بدعوة أهل الشرق على طريق الحق وناديت على رؤوس الأشهاد بتوثيق علائق الارتباط بين المسلمين والأقباط. نعم نعم! فلقد اهتزت الأمة دانيها وقاصيها وردّدت هذه الكلمة بملء فيها وأصبح شعار كل حي في كل حي: إننا مصريون قبل كل شيء. لم أكن وحقك! َ أنتظر هذا الإقبال من ابن أمي وهذا القبول من ابن عمي ولم يكن يحدثني به وهني حتى ولا في حلمي أثناء نومي. ولكن كان من حظي أن هذه الكلمة تجسدت وقد تنبهت الأمة بعد استسلمت للجمود وأخلدت للخلود في الخمود بحيث كان الناظر لأبنائها وهم في همود يحسبهم أيقاظاً وهم رقود فحيا الله هذا الشعور! الذي جاء آية على استئناف البعث والنشور. وحبذا هذا اليوم الذي سيبقى غرة في جبين الزمان! فلقد علمنا فيه أن الإحساس دليل الحياة وأن التضامن رائد العمران! يقول العرب في أشعارهم: إن المهم لمقدم ويقول الفرنساويون في أمثالهم: الأمير أولى بالتصدير. وأي شيء أولى بالتصدير والتقديم من كلام القديم والتقديم كمن كلام القدير القديم؟ قال تعالى في كتابه العزيز: {ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائماً} فجعل الوفاء بالقنطار والغدر بالدينار إشارة إلى أن الوفاء أمكثر شيوعاً في أخلاق أهل الكتاب. وحسبهم ذلك مدحاً وفخاراً. وليس لي أن أتوسع في التفسير وإنما أستشهد على صدق هذه الآية بحادثتين وقعتا في بغداد وفي مصر: فمصداق الشطر الأول: أن ابن الفرات وزير العباسيين المشهور كان يودع أمواله عند كثيرين من صنائعه المخلصين له استعداداً للطوارئ واستظهاراً من غدر الأيام. أخبر في إحدى نكباته بأن له عند يوسف بن فيجاس (أو بنجاس) وهرون بن عمران الجهبذين اليهوديين سبعمائة ألف دينار فأقرا في الحال بالمال ودفعاه وقدره ٤٢٠ ألف جنيه مصري. ومصداق الشطر الثاني: أن زوجة الأخشيد كانت قد أودعت عند رجل من اليهود جرة من النحاس وضعت فيها ثوباً منسوجاً بالذهب وبدائره من الجوهر شيء كثير. فلما زالت دولة الإخشيديين واستولى الفاطميون على مصر ذهبت المرأة بعد زوال عزها إلى ذلك الذي جعلته موضع ثقتها واستأمنته على ذخيرتها فأنكر. فقالت: خذ بعض الثوب فلم يفعل. فالتمست أن ينعم عليهم بكم واحد ويأخذ الباقي حلالاً فلم يقبل وكان في الثوب تسع وعشرون درة من الدرر الغوالي فأتت إلى قصر المعز تتعثر في أطمارها وهي أقرب إلى اليأس منها إلى الرجاء ولسان حالها ينشد بيت بنت ملك العرب التي أخنى عليها الدهر مثلها وهي حُرقة بنت النعمان بن المنذر: فبينا نسوس الناس والأمر مرنا إذا نحن فيهم سوقة نتنصف فأفٍ لدنيا لا يدوم نعيمها تقلب تارات بنا وتصرف حتى إذا أتت قصر المعز وهي ذليلة بعد ذلك العز. عرضت عليه قصتها. فأحضر الرجل فأنكر. فبعث إلى داره من خرَّب عض حيطانها. فظهرت الجرة في أحد الجدران ورأى المعز الثوب وتعجب من الجوهر واللؤلؤ الذي فيه. ووجدوا أن اليهودي أخذ من صدره درتين فاعترف أنه باعهما بألف وستمائة دينار فسلم الخليفة الثوب إلى صاحبته فحمدت الله الذي أظهر صدقها واجتهدت في أن يأخذه ويعطيها مهما أراد فلم يفعل. فقالت: يا سيدي هذا الثوب كان يصلح لي وأنا زوجة صاحب مصر فأما الآن فلا حاجة لي به وهو لا يليق بي فأبى أن يأخذه واستلمته صاحبته. وبهذا التقدير يكون ثمن ما فيه من اللؤلؤ فقط نحواً من ثلاثين ألف جنيه مصري. ومن المعلوم أن العلم من أجلّ الأمانات بين الناس وقد وقف بنا المقال في الجلسة الماضية عند نظرية جديرة بالاعتبار: وهي أن العلم مشاع وأنه ليس له وكن ولا دين بل هو مورد سائغ لكل الأفراد ولجميع الأمم. وقد أطرفتكم بشيء يسير مما وقع في تلك العصور وعصور الحكمة والنور إذ كان المسلمون يأخذون النصارى وغيرهم من أهل الديانات الأخرى وهؤلاء يأخذون عنهم ويتلقون عليهم ما يكسبون به أجراً وفخراً. رأينا علماء النصارى واليهود يأخذون شرائع دياناتهم عن رجلين من فقهاء المسلمين ورأينا أفاضل المسلمين يسعون في طلب الحكمة والفلسفة والطب من نوابغ الذميين. وننتقل الآن على الفقهاء من الطوائف الثلاث الذين استبدلوا علوم الأبدان بعلوم الأديان كما سبق أعشى همدان إلى استبدال الشعر بالفقه فمنهم الإمام العالم الشيخ موفق الدين عبد العزيز بن عبد الجبار بن أبي محمد السلمي المتوفى سنة ٦٠٤ فقد كان أول أمره فقيهاً في المدرسة الأمينية بدمشق عند الجامع الأموي ثم بدا له الاشتغال بالطب فأعاد نفسه دارساً بعد أن كان مدرساً ورجع تلميذاً بعد أن كان أستاذاً. واشتغل على الياس بن المطران بصناعة الطب حتى أتقن معرفتها وحصل علمها وعملها وصار من المتخرجين السابقين بين أربابها والمشايخ الذين يقتدى بهم فيها وأصبح هذا الفقيه سابقاً وله بعد تلك المجالس الفقهية مجلس عام للطب يحضره المشتغلون عليه بهذه الصناعة من المسلمين والنصارى واليهود. وقد اشتهر رجل من فقهاء صقلية (من أعمال إيطاليا اليوم) بالطب بقدر ما اشتهر بالفقه حتى كان الناس يفزعون إليه بالفتيا في الطب كما كانوا يفزعون إليه بالفتيا في الفقه. هذا هو الإمام أبو عبد الله محمد بن علي التميميم المازري نسبة إلى مدينة مازر (بفتح الزاي والراء) من مدن جزيرة صقلية وقد اشتهر باسم الإمام. لأنه كان متقناً للعلوم مقدماً في علم المنطوق والمفهوم. وكان آخر المشتغلين بإفريقية (تونس) بتحقيق العلم ورتبة الاجتهاد ودقة النظر. توفي سنة ٥٣٦ وقد نيف على الثمانين. يحكى أن سبب اشتغاله بالطب أنه مرض فكان يطبه يهودي فقال له: يا سيدي أمثلي يطب مثلك فاشتغل الشيخ حينئذ بالطب وبرع فيه براعة لا يدانيه فيها أحد. فأين الآن هذه الأيام؟ وهل لنا بمثل أولئك الرجال الذين يفتخر بهم الإسلام. ولما كان أنشئ بالشيء يذكر فلا أرى بأساً من أن أذكر لكم بمناسبة هذا المسلم المسمى بموفق الدين رجلين يسمى كلاهما بالشيخ موفق الدين أحدهما إسرائيلي والثاني نصراني. فأما الأول: فهو الشيخ الموفق شمس الرئاسة أبو العشائر هبة الله بن زين بن حسن ابن إفرائيم بن جميع الإسرائيلي المصري. نشأ بفسطاط مصر وانقطع لإتقان العلوم وتفرغ لصناعة الطب وألف فيها كتباً نفيسة مفيدة. كان جالساً يوماً في دكانه بالفسطاط وقد مرت عليه جنازة. فلما نظر إليها صاح بأهل الميت وذكر لهم أن صاحبهم لم يمت وأنهم إن دفنوه فإنما يدفنونه حياً. فبهت القوم من قوله وتعجبوا من أمره ولم يصدقوه في خبره ثم أن بعضهم قال لبعض: هذا الذي يقوله ما يضرنا أننا نمتحنه؟ فإن كان حقاً فهذا الذي نريده. وإن لم يكن حقاً فهو الذي يريده الورثة فأمرهم بالمسير إلى البيت وحمله إلى الحمام بعد نزع الأكفان ثم سكب عليه الماء الحار وأحمى بدنه ونطله بنطولات (أي رش عليه سوائل وكمده بالمكمدات) فعطس الميت فرأوا فيه أدنى حس وتحرك حركة خفيفة فقال ابن جميع: أبشروا بعافيته. ثم تمم علاجه إلى أن أفاق وصلح. ثم أنه سئل بعد ذلك عن هذه الكرامة: من أين علمت أن الروح لا تزال فيه وهو محمول وعليه الأكفان. فقال إني نظرت إلى قدميه فوجدتهما قائمتين وأقدام الموتى تكون منبسطة فحدست أنه حي وكان حدسي صائباً. ومن ذلك الوقت اشتهر بجودة الصناعة والعلم فأقبل عليه الناس للتحصيل فكان له مثل ذلك الموفق المسلم مجلس عام يحضره المشتغلون بهذه الصناعة من المسلمين والنصارى واليهود. وكان في مجلسه هذا لا يفارقه كتاب الصحاح فلا تمر كلمة لا يعرفها حق المعروفة إلا ويكشفها منه ويعتمد على ما أورده الجوهري. فبرع حتى صار من الأطباء المشهورين والعلماء المذكورين والأكابر الذين يشار إليهم بالبنان. وأقبلت عليه الدنيا بهذين السببين حتى تقدم في خدمة الملك الناصر صلاح الدين وحظي في أيامه وكان رفيع المنزلة عنده جليل القدر نافذ الأمر عالي الهمة. ولما كان الشعراء هم الغاوين قد دبت عقارب الحسد إلى شاعر اسمه ابن المنجم المصري. وكان مشهوراً خبيث اللسان فانبرى يهجوه بكل قبيح فمن ذلك قوله فيه: لابن جميع في طبه حمق يسب طب المسيح من سببه وليس يدري ما في الزجاجة من بول المريض ولو تمضمض به وأعجب الأمر أخذه ابداً أجرة قتل المريض من عصبه دعوا ابن جميع وبهتانه ودعواه في الطب والهندسه فما هو إلا رقيع أتى وإن حل في بلد أنحسه وقد جعل الشرب من شأنه ولكن كما تشرب النرجسه وقال: كذبت وصحفت فيما ادعيت وقلت أبوك جميع اليهودي وليس جميع اليهودي أباك ولكن أبوك جميع اليهود ولما كانت العدواة في الأهل وفي أرباب الحرفة الواحدة فقد هجاه يهودي تجمعه وابن جميع رابطة الفضل والعلم والدين وهو موفق الدين ابن سوعة الإسرائيلي المصري قال: يا أيها المدعي طباً وهندسة أوضحت يا ابن الجميع واضح الزور إن كنت بالطب ذا علم فلم عجزت قواك عن طب داءٍ فيك مستور وبقية الأبيات لا أستطيع إيرادها في هذا المقام ولا في غيره. ولكن هذه الخبائث الشعرية لم تمنع أفاضل المسلمين من مدح ابن جميع والاعتراف بحقه والتنويه بذكره حتى أنه لما مات رثاه الشيخ يوسف بن هبة الله بن مسلم بقصيدة غراء في ستة وثلاثين بيت أولها: أعيني بما تحوي من الدمع فاسجمي وإن نفدت منك الدموع فبالدم فحق بمن تذري على فقد سيد فقد نابه فضل العلا والتكرم ومنها: وأنجد من يممته لملمة وأنجد من أملته لتألم ولو كان يفدى من حمام فديته بنفسٍ متى تقدم على الموت تقرم ومنها: فقل معلناً الشامتين بموته ذروا الجهل إن الجهل منكم بمأتم ومنها أما عجب إذ غاله الحتف رامياً وقد كان أرمى الخطوب بأسهم فويح المنايا ما درت كنه حادث رمت سيداً يحيا به كل منعم أما الثاني: فهو الحكيم الإمام العلامة الفاضل الشيخ موفق الدين أبو بصر أسعد ابن أبي الفتح الياس بن جرجس المطران المتوفى سنة ٥٨٧ فقد كان سيد الحكماء وأوحد العلماء سافر إلى بلاد الروم لإتقان الأصول التي يعتمد عليها في علم النصارى ومذاهبهم. ثم ذهب إلى العراق متشبهاً بموفق الدين المسلم وترك علوم الدين المسيحي واشتغل بعلم الطب على أمين الدولة ابن التلميذ (الذي سنورد شيئاً من أخباره فيما بعد) ثم رجع إلى دمشق وخدم بصناعة الطب السلطان صلاح الدين يوسف الأيوبي فقربه وأدناه وكان عنده رفيع المنزلة عظيم الجاه بحيث كان يقضي حوائج الناس ولا يفارق السلطان في سفر ولا في حضر ولذلك كان الطبيب يدل بمكانته لديه ويتكبر حتى على ملوك المسلمين بل على نفس صلاح الدين وكان صلاح الدين قد عرفها عنه ورضيها منه. ومن أغرب ما تضمنته بطون الدفاتر في هذا الموضوع أن السلطان صلاح الدين بينا كان يحارب الإفرنج ويرد غوائلهم عن سواحل الإسلام كان يستعين بأهل الذمة في مدافعتهم ويستخدمهم في تطبيب جنوده وتقويتهم على رد أعدائه وأعدائهم. وقد فهم أهل الوطن الواحد في عصره المجيد أنهم لا بقاء لهم ولا جاه إلا بالتفاف حول راية واحدة هي راية الوطن. ومما يتعلق بعجب موفق الدين وإدلاله على صلاح الدين أنه كان معه في بعض غزواته وكانت عادة صلاح الدين في وقت حروبه أن ينصب له خيمة حمراء وكذلك دهليزها وشقتها ليتميز عن سائر العسكر وهذا من أبلغ ما يكون من الشهامة في الحروب فاتفق أنه ركب ذات يوم ليتفقد الجيش فإذا بخيمة تشابه خيمته كل الشبه فبقي متأملاً لها وسأل لمن هي؟ فأخبر أنها لابن المطران الطبيب فقال السلطان: والله لقد عرفت هذا من حماقة ابن المطران. وضحك. ثم قال: فلو جاء رسول من الإفرنج ومر بهذه الخيمة أفلا يخطئ ويظنها لي. بل لو جاء باطني للفتك بي أفلا يجوز أن يتخطاني إلى طبيبي. فإذا كان ولا بد فلا أقل من تغيير مستراحها. ثم أمر به فأزيل. فلما رأى موفق الذين صعب عليه الأمر وامتنع عن خدمة السلطان أياماً حتى استرضاه السلطان ووهب له مالاً. وكان في خدمة السلطان طبيب نصراني آخر يقال له أبو الفرج فاحتاج إلى تزويج بناته وتجهيزهن فطلب من صلاح الدين أن يطلق له ما يستعين به على ذلك، ولما كان السلطان فقيراً لا يملك شيئاً من حطام الدنيا حتى أنه عند موته لم يترك في خزانته (بشهادة المؤرخ أبي الفرج العبري النصراني) غير دينار واحد وأربعين درهماً. فلذلك أمر أبا الفرج أن يكتب كشفاً ببيان جميع ما يحتاج إليه في تجهيز بناته النصرانيات فكتب من الحلي والقماش والآلات وغير ذلك ما بلغت قيمته ثلاثين ألف درهم. فدفع السلطان هذا الكشف إلى الخزنة دار وأمره بأن يشتري من بيت مال المسلمين جميع ما طلبه أبو الفرج ولا يخل بشيء منه فما هو إلا أن بلغ صاحبنا موفق الدين حتى أخذته الغيرة من زميله فقصر في ملازمة الخدمة وهجر السلطان هجراً ثقيلاً فلم ير صلاح الدين حيلة لاستصلاح موفق الدين سوى إرضائه أيضاً. فأمر الخزنه دار بأن يصرف له من بيت مال المسلمين يوازي جميع النفقة التي صرفت في تجهيز بنات أبي الفرج مهما بلغت قيمتها. ففعل الخزنه دار ورضي صاحب ذلك الدلال. ومن عجيب أمر موفق الدين هذا أن العجب والتكبر الذي كان يغلب عليه كان يفارقه حينما يذهب لطلب العلم. فكان في هذه الحالة آية في التواضع والخشوع شأن ذوي العقول الصحيحة والأحلام الرجيحة. كان هذا المختل الفخور متى تفرغ من الخدمة في دار السلطان ركب في موكب حافل تحف به جماعة كثيرة من المماليك الترك وغيرهم وذهب بهذه الأبهة الفائقة وهذه العظمة الشائقة إلى جامع المسلمين. فإذا اقترب من الجامع ترجل وأخذ الكتاب الذي يشتغل به في يده أو تحت إبطه. ولم يترك أحداً من الغلمان يصبحه. لا يزال ماشياً والكتاب معه إلى حلقة الشيخ الذي يقرأ عليه النحو والأدب واللغة وهو الشيخ الإمام تاج الدين أبو اليمن زيد بن الحسن الكندي. فيقرؤه السلام ويقعد بين الجماعة بأدب واحتشام إلى أن يفرغ من الدرس والتحصيل فيعود إلى ما كان عليه الأبهة والعظمة والشموخ على الكبير قبل الصغير. وقد كان موفق الدين قدوة في هذا الأمر للملك الناصر داود ابن الملك المعظم ابن الملك العادل ابن أيوب صاحب الكرك. فقد حكى النجيب الراهب المصري الحاسب بدمشق أن هذا الملك كان يتردد إلى شمس الدين الخسروشاهي المتوفى سنة ٦٥٢ يقرأ عليه كتاب عيون الحكمة لابن سينا. وكان إذا وصل إلى رأس المحلة التي بها منزل الخسروشاهي أومأ إلى من معه من الحشم والمماليك ليقفوا مكانهم. ويترجل ويأخذ كتابه تحت إبطه ملتفاً بمنديل ويجيء إلى باب الحكيم ويقرعه فيفتح له ويدخل ويقرأ ويسأل عما خطر له ثم يقوم ولم يمكن الشيخ من القيام له. ولله در بني أيوب يرد الله مضاجعهم وطيب ثراهم. فإنهم في هذا الباب خير قدوة لملوك الزمان وخصوصاً ملوك الإسلام. فقد أخذ الحديث برقاب بعضه وجرنا إلى ذكر صاحب مصر وعم الملك المعظم المذكور وأعني به الملك الكامل بن الملك العادل ابن أيوب المتوفى سنة ٦٣٥ . وفد عليه أبو العباس ابن دحية من أكابر علماء المسلمين بالأندلس فاتخذه الملك أستاذاً له في العلم والأدب وجعل له من الإكرام والإجلال غاية ليس وراءها مطلب. وبالغ في تعظيمه وتبجيله حتى كان يسوي له بنفسه مداسه حين يقوم. وهو هو الذي خشي بأسه الصليبيون فتقربوا إليه وهادنوه وخطب وده الإمبراطور فريدريك بعد أن أسر القديس سان لوي وأعاده مكرماً معظماً. وكان هذا الملك يبيت عنده كل ليلة جمعة جماعة من فضلاء المسلمين والنصارى واليهود ويشاركهم في مباحثهم كأنه واحد منهم. ومما يؤثر عنه أنه لما تولى سلطنة مصر خفض من ضرائبها بما يقارب الثلث فأفاد بذلك رعيته المسلمين والأقباط على السواء. نرجع إلى صاحبنا موفق الدين ونقول أنه أسلم وحسن إسلامه وأن صلاح الدين زوجه إحدى حظايا داره المقربة لدى زوجته خوند خاتون فأعطتها الكثير من حليها وذخائرها ومولتها وخولتها. فرتبت أمور موفق الدين وهذبت أحواله وحسنت زيه وجملت ظاهره وباطنه. . وصار له ذكر سام في الدولة وتنافس الأمراء في الإنعام عليه وتوقت حاله حتى كاد يكون وزيراً ولكنه ما زال يتعهد زملاؤه فكان يقدمهم ويتوسط في إدرار الأرزاق عليهم. وكانت له دار بدمشق على غاية من الحسن في العمارة والتجميل وفيها بركة يبرز منها الماء من أنابيب ذهب على غاية ما يكون من حسن الصنعة وفيها مكتبة تحتوي على نحو عشرة آلاف مجلد عدا ما استنسخه. فقد كانت له عناية بالغة باستنساخ الكتب وتحريرها وكان في خدمته ثلاثة يكتبون له أبداً ولهم منه الجامكية والجراية المتصلة. وقد كتب بخطه كتباً كثيرة في نهاية حسن الخط والصحة والإعراب. وصحح بنفسه أكثر الكتب التي عنده وأتقن تحريرها. وذلك كله غير الكتب التي كان يهبها لتلاميذه فضلاً عن الإحسان إليهم والاعتناء بأمرهم. وكان أجل تلاميذه الشيخ مهذب الدين عبد الرحيم ابن علي المسلم ومن أخص أصدقائه الشيخ موفق الدين بن البوري الكاتب النصراني. قال الحكمي أوحد الدين عمران الإسرائيلي أنه حضر بيع كتب ابن المطران المذكور فوجدهم قد أخرجوا أجزاء صغيرة من الكتب الصغار أو المقالات المتفرقة في الطب مما استنتسخه أو نسخه ابن المطران بخطه وكان عددها كثيراً جداً بلغ الوفا كثيرة وأن القاضي الفاضل بعث يستعرضها فأرسلوا له بملء خزانة صغيرة منها فنظر فيها ثم ردها. فبلغت في المناداة ثلاثة آلاف درهم واشترى الحكيم عمران أكثرها. وقال أنه حصل الاتفاق مع الورثة أنهم أطلقوا بيعها كل جزء بدرهم. فاشترى الأطباء هذه الأجزاء الصغار على هذا الثمن بالعدد. وهذا الحكيم عمران الإسرائيلي توفي بعد المطران بسنتين وقد أخذ الطب عن الشيخ رضي الدين الرحبي أستاذ أو أستاذ أساتذة الأطباء جميعاً بالشام وتلميذ ابن جميع الإسرائيلي المصري. وقد جرى الحكيم عمران على مذهب شيخه في عدم خدمة الملوك والسفر معهم. ولكنهم (وخصوصاً بني أيوب) غمروه بالإحسان السني والعطايا الجزيلة. حتى حاز من الأموال الجسيمة والنعم ما يفوق الوصف. ولقد حرص الملك العادل أبو بكر بن أيوب أن يستخدمه في الصحبة فما فعل. واجتهد الملك الناصر داود الذي ذكرناه قبل هذا بأن يجعل له في كل شهر ألفاً وخمسمائة درهم وقدم له مرتب سنة ونصف مقدماً فلم يقبل فوهبه مالاً كثيراً وتركه على حريته. وكان السلطان الملك العادل لم يزل يصله بالأنعام الكثير وله منه الجامكية الوافرة والجراية وبقي مرتبه محفوظاً له بعد موت الملك العادل في سلطنة المعظم وليس عليه سوى أن يتردد على الدور السلطانية بالقلعة وإلى البيمارستان الكبير لمقابلة المرضى. وقد بلغ من إكرام اليوبيين لأهل الفضل أن الحكيم موفق الدين أبا شاكر النصراني حظي عند الملك العادل حظوة عظيمة وتمكن منه ومن دولته تمكناً كثيراً فأنعم عليه بضياع كثيرة وغيرها ولم يزل يفتقده بالهبات الوافرة والصلات المتواترة. وجرى الملك الكامل معه على سنة أبيه وزاد فإنه أباح له الدخول راكباً في جميع قلاعه مثل قلعة الكرك وجعبر والرها ودمشق والقاهرة وكان ذلك منتهى التشريف في تلك الأيام خصوصاً لمن كان متمتعاً بالصحة والعافية مثل ذلك الموفق. ولقد بلغ من أمره أن العادل حينما ترك دار الوزارة التي كانت مقراً لبني أيوب بعد ذهاب دولة الفاطميين واستقر بقصر القاهرة في القلعة أنه أسكن موفق الدين هذا معه في قصره. ركب السلطان مرة بغلة النوبة وخرج إلى بين القصرين (بالجهة التي بها المشهد الحسيني الآن) فركب فرساً آخر وأرسل البغلة التي كان راكباً عليها إلى دار الحكيم بالقصر وأمر بركوبه عليها وخروجه من القصر راكباً،. ولم يزل واقفاً بين القصرين إلى أن وصل إليه فأخذ بيده وسايره يتحدث معه وسائر الأمراء يمشون بين يدي الملك الكامل. والشيء من معدنه لا يستغرب. فقد كان الكامل كاملاً بأكمل معاني الكلمة لا يفرق بين مسلم وذمي ممن تحلى بالفضيلة والكمال. ذكرت لكم قصة اليهودي الذي أحيا الميت. وبما أنيي في معرض التوفيق بين العناصر المختلفة التي تجمعها راية واحدة هي راية الوطن فأخشى أن يكون المسلمون والنصارى قد نقموا على هذا العاجز أن لا يذكر منهم رجالاً أحيوا الموتى. فاسمحوا لي إذن بذكر حادثتين.؟ وأبدأ بالمسلم لتقدمه في الزمن ليس إلا وأثني بالمثلث وإن كان دينه جاء أولاً. جلس هارون الرشيد في بعض الأيام وقدمت بين يديه الموائد وجبرائيل بن يختيشوع غائب فامتنع أمير المؤمنين عن الأكل حتى يحضر جليسه وسميره. وأمر بطلبه ليحضر الأكل مع صحابته على عادته. فبحثوا عنه في جميع منازل الحرم والأمراء ولم يقع القوم له على أثر. فتكدر الرشيد وطفق يلعنه ويقذفه وإذا بجبرائيل داخل عليه وقد سمع سبه بأذنه فلم يهلع ولم يتروع بل قال: لو اشتغل أمير المؤمنين بالبكاء على ابن عمه إبراهيم بن صالح وترك ما هو فيه من تناولي بالسب كان أشبه فاستفهم الخليفة عن الواقع فأعلمه أنه خلفه وبه رمق ينقضي آخره وقت صلاة العتمة فاشتد جزع الرشيد وأمر برفع الموائد وأقبل على البكاء حتى رحمه جميع من حضر. فقال جعفر البرمكي: يا أمير المؤمنين إن طب جبرائيل رومي وعندنا صالح بن بهلة وهو في العلم بطريقة أهل الهند مثل جبرائيل في العلم بمقالات الروم. فإن رأى أمير المؤمنين أن يأمر بإحضاره وتوجهه إلى إبراهيم بن صالح لنفهم ما يقول مثل ما فهمنا عن جبرائيل. فأمر الرشيد ورجع صالح الهندي المسلم بعد هنيهة وسأله جعفر وشدد في معرفة الخبر فأبى صالح بن بهلة وأصر على القول بأنه لا يكاشف بما ره غير أمير المؤمنين فلما أدخل عليه قال: يا أمير المؤمنين أنت الإمام وعاقد ولاية القضاء للحكام ومهما حكمت به لم يجز لحاكم فسخه. وأنا أشهدك يا أمير المؤمنين وأشهد على نفسي من حضرك أن إبراهيم بن صالح إن توفي في هذه الليلة أو في هذه العلة إن كل مملوك لصالح بن بهلة حر لوجه الله وكل دابة له فحبس في سبيل الله. وكل مال له فصدقة على المساكين. وكل امرأة فطالق ثلاثاً بتاتاً فقال الرشيد: حلفت ويحك يا صالح على غيب والغيب لا يعلمه إلا الله. فقال صالح: كلا يا أمير المؤمنين. إنما الغيب ما لا علم لأحد به ولا عليه دليل له. ولم أقل ما قلت إلا بعلم واضح ودلائل بينة. فسري عن الرشيد ما يجحد وأكل وشرب وطرب. ولما كان وقت صلاة العتمة ورد كتاب صاحب البريد بمدينة السلام يخبر بوفاة إبراهيم بن صالح. فاسترجع الخليفة بالبكاء والعويل وأقبل على جعفر باللوم على إرشاده إلى صالح بن بهلة وأقبل يلعن الهند وطبهم ويقول: واسوأتاه من الله! أن يكون ابن عمي يتجرع غصص الموت وأنا أتحين فرص اللهو والقصف. ثم دعا بمقيءٍ فقذف به ما في جوفه من طعام وشراب وبكر إلى دار إبراهيم بكور الغراب ولم يرض الجلوس على النمارق والمساند بل وقف متكئاً على سيفه. وقال للفراشين: لا يحسن الجلوس في المصيبة بالأحبة على أكثر من البسط. وأمر برفع الفرش والنمارق وجلس بعد ذلك على البساط. فصارت سنة في المآتم لبني العباس ولا يزال أثرها باقياً على اليوم في مصر وغيرها من بلاد الشرق خصوصاً في دور الحريم. وبقي القوم في سكوت وسكون كأنما على رؤوسهم الطير حتى إذا سطعت روائح المجامر صاح صالح ورفع عقيرته وهو يقول كالمجنون: الله الله يا أمير المؤمنين أن تحكم بطلاق زوجتي وهي حلال لي وحرام على غيري. الله الله أن تخرجني من نعمتي ولم يلزمني حنث. الله الله أن تدفن ابن عمك حياً فوالله يا أمير المؤمنين ما مات. فأطلق لي الدخول عليه والنظر إليه. وهتف بهذا القول مرات أزعجت الخليفة والحاضرين. فأمر بالإنعام عليه بما يريد. فدخل وحده ولبث الحاضرون يسمعون ضرب بدن بكف ثم كف. وإذا بتكبيرة ارتجت لها جوانب الدار وخرج صالح يقول: الله أكبر الله أكبر الله أكبر ثم قال: قم يا أمير المؤمنين حتى أريك العجب الأكبر. فدخل الرشيد وخواصه فأخرج صالح إبرة كانت معه فأدخلها بين ظفر إبهام يد الميت ولحمه فجذب الميت يده وردها إلى بدنه. فقال صالح: يا أمير المؤمنين هل يحس الميت بالوجع؟ فقال الرشيد: لا. فقال له صالح: لو شئت أن يكلم أمير المؤمنين الساعة لكلمه. فقال له الرشيد: فأنا أسألك أن تفعل ذلك. فقال: يا أمير المؤمنين أخاف إن عالجته وأفاق وهو في كفن فيه رائحة الحنوط أن ينصدع قلبه فيموت. ويكون الموت حقيقياً ولا تكون لي حيلة في إحيائه. ولكن يا أمير المؤمنين تأمر بتجريده من الكفن ورده إلى المغسل وإعادة الغسل عليه حتى يزول رائحة الحنوط عنه ثم يلبس مثل ثيابه التي كان يلبسها في حال صحته ويطيب بمثل ذلك الطيب ويحول إلى فراش من فرشه كالتي كان يجلس وينام عليها حتى أعالجه بحضرة أمير المؤمنين فإنه يكلمه من ساعته فأمر الرشيد بامتثال أمر الطبيب ثم دخل على ابن عمه فدعا صالح بكندس (وهو جذر نبات يشبه الخرشوف) ومنفخة ونفخ في الكندس في أنفه فمكث الميت مقدار سدس ساعة ( ١٠ دقائق) ثم اضطرب بدنه وعطس وجس قدام الخليفة وقبل يده. فسأله الرشيد عن قصته فذكر أنه كان نائماً نوماً لا يذكر أنه نام مثله قط طيباً إلا أنه رأى في منامه كلباً قد أهوى إليه فتوقاه بيده فعض إبهام يده اليسرى عضة لا يزال يحس بوجعها. وأراه إبهامه التي كان صالح أدخل فيها الإبرة. وعاش إبراهيم بعد ذلك دهراً وتزوج العباسة بنت المهدي وولي مصر وفلسطين وتوفي بمصر وقبره بها لأنه لم يدفن ببغداد حياً. ومن كانت منيته بأرضٍ فليس يموت في أرض سواها أما الحكيم النصراني الذي أحيا الموتى فهو رشيد الدين أبو الوحش بن الفارس أبي الخبر ابن أبي سليمان داود بن أبي المنى بن أبي فإنه الذي اشتهر فيما بعد باسم أبي حليقة. كان أبوه الفارس أبو الخير من رؤساء الجيش العاملين فكان يلبس ولده لباس الجندية مثل لباسه ويرشحه للخدمة في العسكرية مع المسلمين في محاربة الصليبيين كما جرت عادة الآباء في الشرق من جعل أبنائهم على حرفتهم. وذلك مصداق لما قاله الإمام النووي في التحفة وللإمام أو نائبه الاستعانة بأهل الذمة والاستئمان على العدو بشرط أن تؤمن خيانتهم بأن يعرف حسن رأيهم فينا. ويشترط في جواز الاستعانة بهم الاحتياج إليهم ولو بنحو خدمة أو قتال لقلتنا. ونفعل بالمستعان بهم الأصلح في إفرادهم أو تفريقهم في الجيش وكانت دار الفارس أبي الخير ملاصقة لدار السلطان العادل بمدينة الرها فاتفق أن الملك الكامل الأيوبي وهو ولي العهد دخل فيها الحمام فأعطى الفارس لولده رشيد الدين فاكهة وماء ورد وأمره بحمله إلى الملك الكامل. فلما خرج من الحمام وقدم الغلام بين تلك الألطاف أخذه معه وفرغ الأطباق من الفاكهة وملأها شققاً سنية وسيرها لوالده. ثم أخذ الكامل بيد الغلام النصراني وعمره يومئذ ثماني سنين ودخل به على السلطان الملك العادل ولم يكن رآه من قبل فلما أبصره قال للملك الكامل: يا محمد هذا ابن الفارس لأنه أخذه بالشبه فقال: نعم. قال: هاته فحمله الملك الكامل ووضعه بين يدي السلطان فلاعبه ولاطفه وتحدث معه حديثاً طويلاً ثم التفت إلى والده وقد كان قائماً في خدمته مع جملة القيام وقال له: ولدك هذا ولد ذكي لا تعلمه الجندية فالأجناد عندنا كثير وأنتم بيت مبارك وقد استبركنا بطبكم أرسله إلى الحكيم أبي سعيد (أي عمه مهذب الدين الذي ذكرناه في غير هذا الموضع) ليقرأ عليه الطب بدمشق فامتثل والده فتخرج بها ثم جاء إلى القاهرة وكانت كعبة العلوم فأكمل دروسه بها وبرع حتى صار يشار إليه بالبنان هذا مع مواظبته على العبادة وتفقهه في دينه المسيحي وقرض المرقص المطرب من الشعر الرقيق المعجب ثم تولى السلطنة الملك الكامل واستقر بمصر فقرب رشيد الدين أبا الوحش وكان كثير الاحترام له فحظي عنده كثيراً حتى نال منه الإحسان الكثير والأنعام المتصل وأقطعه على سبيل الجراية نصف بلد عامرة بالشرقية تعرف بالعزيزية والخربة (وتعرف الآن بالعزيزية بمركز مينا القمح وهي منسوبة للعزيز الفاطمي) ولم يزل في خدمة الكامل حتى مات فخدم ولده الملك الصالح ثم ولده الملك المعظم تورانشاه حتى قتل وجاءت دولة المماليك واستولوا على البلاد واحتووا على الممالك الأيوبية فأجروه على ما كان باسمه ثم خدم الملك الظاهر ركن الدين بيبرس الصالحي وبقي في خدمته على عادته المستمرة وقاعدته المستقرة وله منه الاحترام التام وجزيل الأنعام والإكرام حتى وفاه الحمام. كانت له اليد الطولى في الطب فقد أمره الملك الكامل بعمل الترياق الفاروقي المشهور فسهر عليه الليالي حتى حتق مفرداته بشهادة أئمة الصناعة أبقراط وجالينوس ولما تعذر عليه حضور أدويته الصحيحة من الآفاق ركب مختصر ترياق توجد أدويته في كل مكان ونوى أن لا يقصد به قرباً من ملك ولا طلب مال ولا جاه في الدنيا ولا يقصد به سوى التقرب من الله بنفع خلقه أجمعين وبذله للمرضى مجاناً فكان يخلص به المفلوجين ويقوم به الأيدي المتقوسة ويسكن وجع القولنج ويفتت الحصى ويزيل ألم الأسنان لوقته وساعته فشاع أمره وتحدث به الخاص والعام حتى سأله السلطان وقال له: يا حكيم إيش هذا الترياق الذي عملته ولم تعلمني به فقال: يا مولانا المملوك لا يعمل شيئاً إلا لمولانا وما تأخرت عن العرض إلا لتجربته أما وقد أصبح هذا لمولانا فصار على ثقة منه فقد حصل المقصود فأمره بإحضاره فلم يكن عنده منه إلا شيء يسير لأن الخلائق كانت قد تهافتت عليه فمضى إلى أصدقائه الذين أهداهم منه حتى جمع من وهناك أحد عشر درهماً وجعله في برنية من الفضة فاحتفظ عليها السلطان وكان يشكو من نزلة في أسنانه فما هو إلا أن وضع جزءاً صغيراً منه حتى زايله الألم وكأنه لم يكن. أما إحياؤه الميت: فقد مرضت دار من بعض الآدر السلطانية (أعني إحدى حظايا السلطان فإن السر في السكان) وكانت مقيمة بناحية العباسية وكان الملك الكامل لا يشرك مع هذا الطبيب أحداً في مداواته وفي مداواة من يعز عليه من دوره وأولاده فانقطع للعناية بها أياماً. ثم عرض له ما أوجب عليه الرجوع إلى القاهرة لمدة ثمانية عشر يوماً ثم عاد لعيادة مريضته بالعباسية فوجدها قد تولى علاجها جماعة من الأطباء فاشترك معهم فحكموا بأنها تموت والمصلحة تقضي بإعلام السلطان قبل أن يفجأه أمرها بغتة فقال: إنها ليست عندي في مرض الموت فقال أكبرهم سناً (وكان رشيد الدين شاباً): إنني أكبر منك وقد باشرت من المرضى أكثر منك فتوافقني على كتابة هذه الرقعة. فأبى فقرَّ رأي الأطباء على كتابة الرقعة. فقال: لا أضع اسمي على هذه المطالعة. فلما وصل الخبر للسلطان بعث رسولاً ومعه بجار ليعمل لها تابوتاً تحمل فيه جثتها إلى القاهرة. فقال له الحكيم ما هذا النجار؟ قال لعمل التابوت. قال: تضعونها فيه وهي في الحياة؟ قال: بل بعد موته. قال: ارجع بهذا النجار وقل للسلطان عني خاصة أنها في هذه المرضة لا تموت. فلما كان الليل أرسل إليه السلطان بورقة بخطه يقول فيها: ابن الفارس يحضر إلينا (لأنه لم يكن بعد سمي بأبي حليقة) فلما وصل إليه قال له: أنت منعت من عمل التابوت؟ قال نعم. قال بأي دليل ظهر لك من دون الأطباء كلهم. قال: لمعرفتي بمزاجها وبأوقات مرضها على التحرير من دونهم وليس عليها بأس في هذه المرضة. فقال: امض وطبها واجعل بالك لها. فذهب وداواها حتى عوفيت ثم أخرجها للسلطان فزوجها وولدت من زوجها أولاداً كثيرين. هؤلاء هم الثلاثة الذين أحيوا الموتى على ما وصل إليه علمي. أحدهم مصري وهو يهودي وثانيهم هندي استوطن بغداد وهو مسلم وثالثهم شامي استوطن مصر وهو نصراني. ولعلكم يا بني أمي ويا بني عمي ترشدونني إلى مسلم وقبطي في مصر قاما بهذه الكرامة أو أن يقوم فيكم من يجدد لنا ذكرها والافتخار بها. لعل الشام ترضى؟ كأني بها تقول: مني خرج المسيح وهو الذي أحيا الموتى! أفلا تذكر لي طبيباً واحداً من هذا القبيل حتى لا أكون بين الفسطاط والزوراء لا في العير ولا في النفير. كان بها فلاح يرتزق وراء المحراث في قرية يبرود صار اسمه فيما بعد أبا الفرج جرجس اليبرودي. رأى فاصداً قد التوى عليه سد العرق فتوالى الرُّعاف على المفصود. فقال له: يا هذا إني أرى أبي في وقت سقي الكرم إذا نفتح شق في النهر لا يقدر على إمساكه دون أن يفتح فتحاً آخر ينقص به الماء الأول الواصل إلى ذلك الشق ثم يسده بعد ذلك. ففعل الجرائحي بهذه الإشارة وانقطع الرعاف. ثم قال للفلاح: لو أنك تشتغل بالطب لجاء منك طبيب حاذق. فوقرت هذه الكلمة في صدره واقبل على التعلم بدمشق وما كفاه ما حصل عليه حتى أخذ سواراً كان لأمه وذهب إلى بغداد فأنفق ثمنه على استكمال العلم وصار من أكبر النوابغ في هذا الفن. رأى يوماً في سوق جيرون بدمشق إنساناً راهن على أن يأكل أرطالا من لحم فرس مسلوق مما يباع في السوق فوقف ورآه قد أمعن في الأكل بأكثر مما تحتمله قواه ثم شرب بعده فقاعاً كثيراً وماءً بثلج فاضطربت أحواله وتفرس إنه لابد أن يغمى عليه فيصير إلى حالة يكون الموت أقرب إليه أن لم يتلاحق فتبعه إلى منزله واستشرف إلى ماذا يؤول أمره فلم يكن إلا أيسر وقت وأهله يصيحون ويضجون بالبكاء ويزعمون إنه قد مات. فأتى إليهم وقال: أنا أبرئه وما عليه من بأس. ثم أنه أخذه إلى حمام قريب من ذلك الموضع وفتح فكيه كرهاً ثم سكب في حلقه ماءً مغلياً وقد أضاف إليه أدوية مقيئة لطيفة وقيأه برفق ثم عالجه وتلطف في مداواته حتى أفاق وعاد إلى صحته. ولليبرودي هذا كرامة ثانية من هذا القبيل حكاها الطرطوشي في سراج الملوك: مر رجل يبيع المشمش على خباز في دمشق فاشترى منه وجعل يأكله بالخبز الحار فلما فرغ سقط مغشياً عليه فنظروا فإذا هو ميت وقضى الأطباء كلهم بموته فغسله أهله وكفنوه وصلوا عليه. ثم خرجوا به إلى الجبانة فاستقبلهم اليبرودي صدفة على باب البلد وسمع الناس يلهجون بقضيته فقال: حطوه ثم أخذ يقلبه وينظر في إمارات الحياة التي يعرفها. ثم فتح فمه وسقاه أو حقنه فاندفع ما هناك فإذا الرجل قد فتح عينيه وتكلم وعاد كما كان إلى حانوته وأظنه تاب عن أكل المشمش ولو في المشمش. ولا شك أنه يصح لنا أن نقول عن اليبرودي أنه فلاح وفلح. وبما أننا طرقنا باب الحياة بعد الموت فاسمحوا أن أنتقل بكم بطريق المجاز إلى عالم هو خير وأبقى. ثم نعود إلى هذه الدار بغاية التعجيل. فإنما كلامنا من باب المحاضرة والتمثيل ونحن اليوم في دار التمثيل. كثيراً ما يمتعض النصارى إذا قال جهال المسلمين عن أحدهم أنه هلك أو أنه هالك وكأني بهم أشبه الناس بعلي بك كشكش. إذ رأى صغار العامة أنه يحرن ويحرد إذا قالوا له: كشكش فصاروا كلما رأوه يقولون له: كشكش كشكش كشكش حتى ضرب أحدهم بحجر فأدماه فأخذه الثؤر والثآرير على رأي الأستاذ البرقوقي والجلواز والجلاوزة على رأيي والشرطة على رأيكم والبوليس على رأينا جميعاً وساقوه كلهم إلى الحاكم فأخذ في تقريعه فقال له: لست بملوم يا سعادة الباشا. فقال: كيف ذلك. قال: صلّ على النبي. قال المحافظ: اللهم صل عليه. قال: زد النبي صلاة. قال: عليه الصلاة والسلام. قال: ثم زده صلاة: قال: صلى الله عليه وسلم. قال: كرر الصلاة فهي عبادة. فانفعل المحافظ وانتهر علي بك. فقال له: ويحك يا مولاي أنت حزنت من الصلاة على النبي وهي خير ما يتقرب به العبد إلى الرب فكيف بي وكلما مشيت خطوة سمعت كشكش كشكش كشكش. تعلموا يا بني عمي أن كل حي إلى الممات يصير وأن هذا الانتقال إما أن يكون بفعل فاعل أو بحكم انتهاء الأجل. ففي الحالة الأولى يستعمل اللفظ الموافق لإزهاق الروح مثل قُتل، صلب، شُنق، خوزق، الخ. . أما في حالة الجهاد والاضطهاد عند المسلمين والنصارى فيقال: استشهد وتنيح. وفي الحالة الثانية يقالك مات وقبض وتوفي وهلك وحضرته الوفاة وغير ذلك من التعبيرات التي تتحلى بأنواع الكنايات. نقطة الخلاف في هلك. ولا أكتمكم أنني مع هذه النقطة مثل بعض علماء النحو مع حتى: أعني أنني أهلك وفي نفسي شيء من هلك بل اللهم شيئان أولهما فلسفي اجتماعي وهو الذي نحن بصدده الآن فإنه أوجب انفراج الخلف وسوء التفاهم بين أبناء الوطن الواحد وثانيهما لغوي إذا أزحنا الريب العالق بسببه تبدد الأول وزال. يقول أهل اللغة في هلك ويهلك (من باب منع وضرب) ثم تكرموا وسوغوا لنا أن نقول في الملك هلك بكسر اللام بشرط أن يكون المضارع مفتوحاً (يهلك) أي من باب علم. ثم أمرونا أن نقول في المصدر هلكاً (بضم الهاء) وهلاكاً (بفتحها) وتُهلوكاً وهُلوكاً (بضم أولهما) ومهلكة ومهلكاً وتهلكة (بتثليت اللام في الثلاثة) واللغة مثل العلم لا دين لها ولكنها قد تكون أيضاً وسيلة للتنطع والحذلقة والسفسطة. ما هو معنى هلك بهذه التقعرات المتراكمة؟ قال الفيروز أبادي في القاموس. مات. وقال السيد مرتضى في تاج العروس ما نصه: مات تفسير لقوله هلك ولم يقيده بشيء لأنه الأكثر في استعمالهم. واختصاصه بميتة السوء عرف طارئ لا يعتد به بدليل ما لا يحصى من الآي والحديث أهـ. هذا هو المقر في متون اللغة وبطونها ولا أنكر أن اللغة شيء والاستعمال شيء آخر. فلننظر فيه أيضاً. فهذا كتابنا يشهد علينا فقد جاء فيه: {كل شيء هالك إلا وجهه} {ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات فما زلتم في شك من بعده حتى إذا هلك قلتم لن يبعث الله رسولاً}. والأحاديث كثيرة وليس هذا محل إيرادها. أما استعمال العرب فأكثر من أن يحصر ولكنني أمكتفي بشاهدين فذين أُعززهما بثالث. قال النابغة الجعدي في ملك العرب المنذر بن النعمان المكنى بأبي قابوس (تعريباً للفظة كيكاوس الفارسية): فإن يهلك أبو قابوس يهلك جميع الناس والبلد الحرام وقال شاعر الإسلام في قيس بن عاصم وهو من أكابر الصحابة: فما كان قيس هُلكة هلك واحدٍ ولكنه بنيان قوم تهدما والوزن يساعد على قول موته موت واحد وهذا أحد المرشحين للخلافة من بني أمية يقول عن نفسه والأنانية طبيعة في الإنسان فإن أهلك أنا وولي عهدي فمروان أمير المؤمنينا وكان له مندوحة إذا قال: فإن أُقبض وهذا أبو نواس يقول عن سائر الناس: ألا كل حيّ هالك وابن هالك وذو نسب في الهالكين عريق إذا امتحن الدنيا لبيب تكشفت له عن عدو في ثياب صديق وكان له مندوحة واسعة أن يستعمل: ميت وميت ومائتيني وبعد فها هي كتب السلف الصالح بين أيدينا جميعاً. نرى المسعودي في مروج الذهب والتنبيه والإشراف يقول هلك (بالهاء واللام والكاف) عن خلفاء المسلمين فضلاً عن كثير من الصحابة والتابعين وأكابر الأمة الإسلامية ومثله ابن عبد ربه صاحب العقد الفريد. وها هو ابن قتيبة في كتاب المعارف يقول هلك (بالهاء واللام والكاف أيضاً) عن الحارث بن كلدة طبيب العرب وعن عبد الله بن أبي بكر الصديق وعن بلال مؤذن الرسول عن عبد الله وسالم وواقد وبلال أبناء عمر بن الخطاب وعن عمرو وعبد الله وعبد الملك أبناء عثمان بن عفان وعن محسن بن علي بن أبي طالب وعن طلحة بن الحسن بن علي بن أبي طالب وعن عروة ومصعب ابني الزبير بن العوام وعن معاذ بن جبل وابنيه وعن حذيفة بن اليمان وكلهم من جلة الصحابة وأكابرهم. وهذا مؤرخ المحدثين ومحدث المؤرخين ابن عساكر يروي في تاريخه عن عمر بن الخطاب (وحسبي ن أقول عمر بن الخطاب) ما قاله العباس أخو عمر بن الخطاب. قال سألت الله حولاً بعد ما هلك عمر أن يريني عمر بن الخطاب وقال ابن عساكر في موضعين آخرين: فلما كان اليوم الذي هلك فيه عمر بن الخطاب وهلك عمر بن الخطاب فهذا اللفظ شائع مستفيض ولكن اصطلاح المتنطعين هو الذي جعل في النفوس حزازات لا أصل لها. فإذا رجعنا إلى اللغة الصريحة والسنة الصحيحة زال ما في القلوب من غل فأصبحنا أخواناً على سرر متقابلين. فما أحرانا يا بني أمي ويا بني عمي بعد هذا البيان أن نقول لمن يؤذيه هذا اللفظ من الأقباط وسائر الذميين: كشكش! وأن نقول للمتنطع باستعماله من المسلمين. صل على النبي! ما يحلو الكلام إلا بالصلاة على النبي. فإن الشيخ المكين جرجس ابن عميد بن أبي المكارم بن أبي الطيب السرياني النصراني المصري كلما ذكر النبي أعقبه بقوله: صلى الله عليه وسلم وبقوله عليه الصلاة والسلام ولما ذكر وفاته قال: انتقل إلى رحمة الله ورضوانه وإذا جاء في سياق الحديث اسم واحد من الصحابة أو الأئمة أو الخلفاء أو شيوخ الإسلام دعا لهم بالرحمة والبركة والرضوان وذلك في كتابه المشهور عند غيرنا المجهول عندنا فقد طبعه أهل أوروبا باللغة العربية مع ترجمته باللاتينية بمدينة ليدن من أعمال هولاندة سنة ١٦٢٥ ثم نقلوا ترجمته اللاتينية إلى اللغة الفرنساوية في سنة ١٦٧٥ ولا يزال العرب والمصريون إلى الآن محرومين من ورود مورده الأصلي مع أنه مكتوب بلغتهم وقد جاراه في هذا السبيل ابن العبري في كتاب مختصر الدول الذي طبع مع ترجمته اللاتينية في أكسفورد بإنكلترا أولاً في سنة ١٦٦٣ ثم ترجموه إلى الألمانية في سنة ١٧٨٣ وبقي عزيزاً على العرب حتى تفضل بطبعه اليسوعيون في بيروت بالمطبعة الكاثوليكية سنة ١٨٩٠ . جرنا الكلام بمناسبة أو بغير مناسبة إلى ذكر الشيخ المكين والإشارة إلى تأليفه المفيد الذي سماه تاريخ المسلمين وهو من سوء الحظ عندنا في مصر من أندر النوادر. صدَّر هذا الفاضل كتابه بهذه الديباجة: بسم الله الرحمن الرحيم وبه توفيقي الحمد لله المقدس بجميع اللغات الممجد في سمو عرشه من سائر المخلوقات المتميز بوجوب الوجود عن جميع الكائنات المتفرد ببديع السماء وشريف الصفات المتعالي في عز عزه وجلال كبريائه عن الأشباه والنظراء بماله من الجبروت والعظمة والكبرياء أحمده حكم شاكر على ما أولى من النعماء وأجزل من العطاء. والمكين إنما جاء بكتابه متمماً ومكملاً ومصدقاً لكتاب نظم الجوهر الذي ألفه البطريرك القبطي ابن البطريق المتبحر في فنون الطب وفي مقالات النصارى والاختلافات الديانين الكائنة بين فرقهم المتشعبة. وقد رأيت كتابه في دير النطرون أثناء رحلتي إلى ذلك الوادي في سنة ١٨٩٤ وتركت عند بعضهم دراهم يسيرة لاستنساخه ثم تولاني وتولى صاحبي القبطي نسيان إلى الآن فلست أذكره ولا هو يذكرني ولن أذكره فإنه لم يذكرني. ولا بأس علينا في بقاء هذا الكتاب في تلك الجوالق والأعدال إذ قد سبقنا الإفرنج فطبعوه مع ترجمة اللاتينية بمدينة أكسفورد إحدى عاصمتي العلم بإنكلترا في سنة ١٦٥٩ وإن كانت مصر وأهلها لا تزال محرومة منه. ألف البطريرك هذا الكتاب لأخيه عيسى وصدَّره بمخاطبته فقال: بسم الواحد الأحد السرمدي وبه نستعين ألهمك الله يا أخي من الأمور البهية أحسنها وأوفقها وصرف عنك من المحزنات الردية أعظمها وأوبقها وجللك من الستر أعمه وأدام لك من العز أعظمه وافاء بالدارين سهمك وفي الحالين قسمك وفهمك جميع ما يرضيه ولا أفرزك من حوله بما يستقصيه فهمت ما أمرت برسمه لك أسعدك الله بلبوس الفضيلة وطهرك من التردي بأطمار الرزيلة. . إلى أن قال أول ما نبتدئ بحمد ربنا ويا ربنا وخالقنا ومحيينا جل ثناؤه إذ كان حمده تقدس اسمه مفتاحاً لجميع الكتب والرسائل نسأله عز وجل العون لنا على ذلك بجميل عاداته والمجد لله أهل المجد ووليه الراجي به شكراً من عباده مقدر الأشياء من قبل كونها ومدبرها من بعد حدوثها الذي جعل الرحمة والعدل من سنن الحق وأمر بهما وجعل الفسق والجور من سبيل الباطل ونهى عنهما. فالحمد لله المتفرد بالوحدانية فهو عز وجل بجوهره الأدبي وحكمته القديمة وحياته الأزلية مستحق الحمد والثناء ومستوجب المحبة والثنا الذي لم يجعل في ناموسه شبهة تقتضي شكاً ولا في شريعته ارتياباً يوجب اختلافاً بل جعله واضحاً بيناً للشعوب على اختلافهم بالأسباب والجهات وعلماً ظاهراً لسائر الأمم على تباينهم في الكلام واللغات بما أظهر على يدي أنبيائه ورسله وما بعثه إليهم من المعجزات ومهولات الآيات ودعا إلى دينه ووعد بجميل النظر لمن آمن به وأوعد بسوء المنقلب لمن انحرف عنه وجحده حمداً يمتري من المزيد لإحسانه ويقتضي الزلفى لديه وإياه أسال وإليه أرغب في خلوص نياتنا لقبول ما يرضيه وصرف طوياتنا إلى ما يعود إلى العمل بطاعته. أفرأيتم هذا الإنشاء البديع وهذا الدبيج الجميل الذي يرتضيه أكابر العلماء والأدباء من المسلمين؟ بل فما بال أخواننا الأقباط هجروا العناية باللغة وأنزلوها إلى ما هو متعارف في الدواوين وجرونا وراءهم في التدلي حتى إذا حاولنا إعادة بهجتها في الرسميات لم يتفاهموها ولم نتفاهمها؟ أفيظنون أنها من الدين؟ كلا وربكم وقد أتيتكم بشاهد مكين من ابن المكين وعززته بشاهد آخر عن طريق ابن البطريق. فهي الآن لغتهم شاؤوا أو لم يشاؤوا وليس لهم عنها من محيد بل شأنها في رقبتهم وفي لسانهم شأن ذلك الرجل القادم على القطار من الصعيد إذا قال لجماعة من الأقباط المتحذلقين: أسقف على قلبكم. وسأسرد لكم شيئاً عن المكين وابن البطريق فيما يتعلق بعلائق الارتباط بين المسلمين والأقباط لتعلموا أنهم كانوا سواء في الشدة والرخاء. وسأذكر لكم عنها أشياء كثيرة في عرض هذه الخطبة الطويلة أبدأ بالفتح الإسلامي فهو مفتاح كلامي ثم أشرق وأغرب وأصوب وأصعد وأنجد وأتهم وبعد ذلك أكر على مصر حتى أصل إلى هذا العصر. روى ابن البطريق أن أبا عبيدة بن الجراح خرج من القدس إلى حمص ومنها إلى قنسرين فكتب إليه بطريقها يطلب الموادعة على نفسه سنة حتى يلحق الناس بهرقل الملك ومن أقام فيها فهو ذمة وصلح. فأجابه أبو عبيدة إلى ذلك فسأله البطريق وضع عمود بين الروم والمسلمين بحيث لا يجوز لأحد من الفريقين أن يتعداه إلى الآخر. وقد صور الروم في ذلك العمود صورة هرقل جالساً في ملكه. فرضي أوب عبيدة، واتفق أن نفر من المسلمين كانوا يتمرنون على الفروسية إذ مر أحدهم وهو أبو جندل سهل بن عمر على العمود. فوضع زج رمحه في عين تلك الصورة غير متعمد لذلك ففقأ عين التمثال. فأقبل البطريق وقال لأبي عبيدة: غدرتمونا يا معشر المسلمين ونقضتم الصلح وقطعتم الهدنة التي كانت بيننا وبينكم. فقال أبو عبيدة: فمن نقضه؟ قال البطريق: الذي فقأ عين ملكنا. فقال أبو عبيدة: فما تريدون؟ فقال: لا نرضى حتى نفقأ عين ملككم. فقال أبو عبيدة: صوروا بدل صورتكم هذه صورتي ثم اصنعوا بي ما أحببتم وما بدا لكم. فقال لا نرضى إلا بصورة ملككم الأكبر. فأجابهم أبو عبيدة إلى ذلك. فصورة الروم تمثال عمر بن الخطاب في عمود. واقبل رجل ففقأ عين الصورة برمحه. فقال البطريق: قد أنصفتموه وبعد سنة أقاموا على الصلح والذمة وبهذه المثابة استبقى أبو عبيدة بسياسته أهل البلد فلم ينزحوا عنها. وقرأت في كتاب الدروس الجغرافية لتلامذة المدارس الابتدائية لسيدي وأخي رشاد بك المطبوع في سنة ١٨٨٩ أن مدينة بلبيس هي ثاني موضع قاتل فيه عمرو بن العاص بأرض مصر نحواً من الشهر ولما فتحها ورأى في جملة سباياها ابنة المقوقس ردها في جميع مالها مكرمة إلى أهلها. وروى المكين أنه حينما كان عمرو بن العاص محاصراً للإسكندرية اقتحم حصناً منها فجاشت الروم عليهم وأخرجوا العرب منه وفي أثناء ذلك أسروا عمر بن العاص ومسلمة ابن مخلد ووردان مولى عمرو ورجلاً آخر. ولم يعرف الروم من هم فقال لهم البطريق: إنكم قد صرتم أسارى فعرفونا ما الذي تريدون منا؟ فقال لهم عمرو: إما أن تدخلوا في ديننا وإما أن تعطوا الجزية وإما أن نقاتلكم إلى أن نفيء لأمر الله. فقال واحد من الروم للبطريق: أتوهم أن هذا الرجل أمير القوم فاضرب عنقه. ففطن وردان لكلامه وكان يحسن الرومية وعمرو بن العاص لا يعرف شيئاً منها. فجذب عمراً جذبة شديدة ولكمه. وقال له: ما لك ولهذا القول وأنت أدنى من الجماعة وأقل فاترك غيرك يتكلم فقال البطريق في نفسه. لو كان هذا أمير القوم ما كان يفعل به هكذا. وقال مسلمة أن أميرنا قد كان عزم على أن ينصرف عن قتالكم وبهذا كتب إليه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وأراد أن يوجه إليكم بعشرة قواد من أكابر القوم من يتفق معكم على شيء تتراضون عليه. فإن أحببتم ذلك فأطلقونا حتى نذهب إلى أميرنا ونعلمه بما صنعتم بنا من الجميل ويتفق الأمر بينكم على ما نحب وتحبون وننصرف عنكم. فتوهم البطريق أن هذا الكلام حق فأطلق سبيلهم رجاءً أن يأتي العشرة قواد فيقتلهم ويتمكن حينئذ من العرب. فلما خرجوا قال مسلمة لعمرو يا عمرو لقد خلصتك لكمة وردان. أقول وشبيه بذلك ما رواه ابن العبري من أن حاتماً ملك الأرمن خرج عن مدينة سيس قاصداً معسكر المغول ليؤدي الطاعة لملكهم. فخرج متنكراً مع رسوله له بزي بعض الغلمان وأخذ على يده جنيباً يجذبه خلف الرسول لأنه كان خائفاً من السلطان صاحب الروم. وكان الرسول كلما مر ببلد من بلاد الروم (آسيا الصغرى) يقول أن الملك حاتم أرسله على ملك التتار ليأخذ له الأمان فإذا أمنه توجه هو بنفسه إلى حضرته. قال ابن العبري: حدثني الملك حاتم عند اجتماعي به بمدينة طرسوس بعد سنين من عودته من خدمة مونككاقاآن. قال عبرت بقيسارية وسيواس مع الرسول ولم يعرفني أحد من أهلها قط غلا لما دخلنا مدينة أرزنكان عرفني رجل من السوقية كان قد سكن عندنا. فقال: إن كانتا هاتان عيني فهذا ملك سيس. فلما سمع الرسول كلامه التفت إلي ولطمني على خدي وقال: يا نذل صرت تتشبه بالملوك فاحتملت اللطمة لأزيل بها ظن من كان ظنه يقيناً. (للكلام صلة) تهذيب الكلام قال زكي الدين عبد العظيم بن عبد الواحد المشهور بابن أبي الإصبع المتوفى سنة ٦٥٤ في كتابه تحرير التحبير الذي فرغ من تعليقه بمصر في مستهل سنة أربعين وستمائة وهو من أجمل كتب البديع ومن أهم مخطوطات دار الكتب المصرية في باب التهذيب والتأديب: التهذيب عبارة عن ترداد النظر في الكلام بعد عمله لينقح ويتنبه منه لما مر على الناثر أو الشاعر حين يكون مستغرق الفكر في العمل فيغير منه ما يجب تغييره ويحذف ما ينبغيب حذفه ويصلح ما يتعين إصلاحه ويكشف عما يشكل عليه من غريبه وإعرابه ويحرر ما لم يتحرر من معانيه وألفاظه حتى تتكامل صحته وتروق بهجته. فإن رزق من ارباب البلاغة وأصحاب الفصاحة جودة ذهن وغوص فكر وكمال عقل واعتدل مزاج وحسن اختيار ووقف على أقوال النقاد في حقيقة لابلاغة وكنه الفصاحة وما عُدَّ من محاسن الكلام وعيوبه ووقي شح نفسه بحيث يطرح ما لا يقدر على تغييره من كلامه فإن كلامه موصوفاً بالمهذب منعوتاً بالمنقح وإن قلَّ ابتكاره للمعاني. وقد كان زهيراً معروف بالتنقيح فإنه يروى أنه كان يعمل الفصيدة في شهر وينقحها في أحد عشر شهراً حتى سمي شعره الحولي المحلى ولا جرم أنه قلما سقط منه شيء ولهذا أشار أبو تمام بقوله: خذها ابنه الفكر المهذًَّب في الدجى والليل أسود رقعة الجلباب فإنه إنما خص بتهذيب الفكر في الدجى لون الليل أنه تهدأ فيه الأصوات وتسكن الحركات فيكون الفكر فيه مجتمعاً والخاطر خالياً ولاسيما في وسط الليل عندما تأخذ النفس حظها من راحة وتنال قسطها من النوم ويخف عليها ثل الغذاء فحينئذ يكون الذهن صحيحاً والصدر منشرحاً والقلب منبسطاً. واختياره وسط الليل دون السحر مع ما فيه من رقة الهواء وخفة الغذاء وأخذ النفس سهماً من الراحة لما يكون في السحر من انتباه أكثر الحيوان الناطق والبهيم وارتفاع معظم الأصوات وجرس الحركات وتقشع الظلماء بطلائع الضوء وببعض ذلك يتقسم الفكر ويتذبذب الخاطر ويشتغل القلب ويتفرق مجتمع الهم ووسط الليل خال عما ذكرناه ولهذا خص أبو تمام تهذب الفكر بالدجى عادلاً عن الطرفين لما فيهما من الشواغل. قال وكنت قد اطلعت على وصية وصى بها أبو تمام أبا عبادة البحتري في عمل الشعر. كان أبو تمام ارتجلها فجاءت محتاجة إلى تحرير بعض معانيها وإيضاح ما أشكل منها وزيادات يفتقر إليها فحررت منها ما يجب تحريره وأضفت غليها ما يتعين إضافته وذكرتها في كتابي المنعوت بالميزان في الترجيح بين كلام قدامة وخصومه. وعلمت أن هذا الباب من هذا الكتاب أحوج غليها من ذلك فأثبتها ها هنا بعد أن رأيت تقديم مقدمة يحتاج إليها ويجب الاعتماد عليها وهي أن الذي يجب على كل من كان له ميل إلى عمل الشعر وإنشاء النثر أن يعتبر أولاً نفسه ويمتحنها بالنظر في المعاني وتدقيق الفكر في استنبطا المخترعات إذا وجد لها فطرة سليمة وجبلة موزونة وذكاءاً وقاداً سمحاً وفكراً ثاقباً وفهماً سريعاًً وبصيرة مبصرة وألمعية مهذبة وقوة حافظة وقدرة حاكية وهمة عالية ولهجة فصيحة وفطنة صحيحة. ولو كانت بعض هذه الأوصاف غير لازمة لرب الإنشاء ولا يضطر إليها أكثر الشعراء لكنها إذا أكملت الشاعر والكاتب كان موصوفاً في هذه الصناعة بكمال الأوصاف النفسية التي إذا أضيفت لها الصفات الدرسية تكمل وتجمل من حفظ اللغات العربية وتوابعها من العلوم الأدبية كالنحو والتصريف والعروض والقوافي وما سومح به الشعراء من الضرورات التي يلجيء إليها ضيق الوزن والتزام التقفية ليعلم بما يجوز له استعماله وما يجب عليه إهماله ولينعم النظر في كتب البلاغة ليعرف محاسن اللفظ مفرداً وتركيباً ومعانيه ويحيط بما يتفرع من أصول النقد في البديع الذي هو رقوم الكلام ونتائج مقدمات الإفهام. وليجعل عمدته على كتاب الله العزيز وليميز إعجازه وأدق تمييز فإنه البحر الذي لا تفنى عجائبه ولا يظمأ فيه راكبه. منها استخرجت درر المحاسن واستنبطت عيون المعاني وعرف كنه البلاغة وتحقق سر الفصاحة وكذلك سنة الرسول عليه السلام. . وليحفظ أشعار العرب وأمثالها وأنسابها وأيامها وسائر أخبارها ومحاسن آثارها ومقاتل فرسانها الأنجاد ونوادر سمحائها الأجواد ولا غنى به عن معرفة النجوم والأنواء وعلم هيئة السماء وتعقل الآثار العلوية والحوادث الرضية والمشاركة في الطب والطبائع والحساب وما يحتاج إليه الكتاب من الفقه والحديث ونقل التاريخ الصحيح. ويكون ذلك المكتسب من وراء أشياء لا تكتسب ولا تحصل بالطلب بل هي مما يجبل عليه الإنسان من مواهب الرحمن من عقل راجح وذهن صاف ورأي سديد ينتج ذلك مزاج معتدل فيحسن اختياره ويجود انتخابه فيتخير الألفاظ الرقيقة والمعاني الرشيقة ويتقن تأليف الكلام وتركيب الألفاظ وما بإيراد أبيات قلتهن في هذا المعنى من بأس وهي: انتخب للقريض لفظاً رقيقاً كنسيم الرياض في الأسحار فإذا اللفظ رق شفَّ عن ال معنى فأبداه مثل ضوء النهار مثل ما شفت الزجاجة جسيماً فاختفى لونها بلون العقار هذا إن أراد أن يُنعت فاضلاً أو يسمى أديباً كاملاً فتعلو بين العلماء درجته وتطير بين الفضلاء سمعته ويقل فتوره في لفظ الكلام ومعناه. وليحذر من أن يقف خاطره بسبب معاندة الزمان وتواتر ضروب الحدثان وتعذر المكسب وعز المطلب وتقدم الجهال واختصاص الأرزال بالأموال فيكون ذلك داعياً له إلى ترك الاشتغال وسبباً في فتور عزمه عن تحصيل العلوم وذريعة لقعوده عن رياضة نفسه واستعمال خاطره فيلحق بالأخسرين أعمالاً والمخطئين أفعالاً وأقوالاً. بل يكون اجتهاده في ذلك اجتهاد راغب في الأعمال شديد الأنفة من مساواة الجهال عاشق في تزكية نفسه مايل للتقدم بنفس العلم على أبناء جنسه وما أحسن قول القائل: تعلم فليس المرء يولد عالماً وليس علم كمن هو جاهل وإن كبير العلم لا علم عنده صغير إذا التفت عليه المحافل ولا بد للمجتهد من يوم يحمد فيه عاقبة اجتهاده ويحصل فيه على مراده وإن كان قصير الهمة مهين النفس قد أوتي طبعاً في العمل سليماً وذهناً مستقيماً فظن أنه يستغني بذلك عن الاشتغال ويبعد عن مماثلة الجهال إدلالاً بطبعه واتكالاً على حذقه واتكالاً على حذقه كأكثر شعراء زماننا وكتابه المنتظمين في سلك آدابه حاشا من احتفل بالأدب احتفالاً أوجب لذوي الآداب الانتفاع بهذا الكتاب فلا يأنف من عرض ما يسمح به خاطره على من يحسن الظن بمعرفته ويتحقق أن مرتبته في العلم فوق مرتبته ولا يهمل ذلك فإن خطره عظيم وفوق كل ذي علم عليم. وإن كنت في ذلك كمن يصف الدواء ولا يستعمله ويأمر بالمعروف ولا يمتثله غير أني أنهج الطريق وأحض على التوفيق لتحصل لي مثوبة الدلالة وأكسب أجر الهداية فإن الدال على الخير كفاعله والمحرض على العمل كعامله. ويعتمد الراغب في نظم الشعر وإنشاء النثر في وقت العمل على وصية الإمام أبي تمام الذي وعدت سلفاً بنشرها وهذا أوان ذكرها وهي ما أخبر به الثقة عن أبي عبادة البحتري الشاعر أنه قال: كنت في حداثتي أروم الشعر وكنت أرجع فيه على طبع سليم ولم أكن وقفت على تسهيل مأخذه ووجوه اقتضابه حتى قصدت أبا تمام وانقطعت إليه واتكلت على تعريفه عليه فكان أول ما قال لي يا أبا عبادة تخير الأوقات وأنت قليل الهموم صفر من الغموم واعلم أن العادة في الأوقات إذا قصد الإنسان تأليف شيء أو حفظه أن يختار وقت السحر وذلك أن النفس تكون قد أخذت حصتها من الراحة وقسطها من النوم وخف عنها ثقل الغذاء وصفا من أكثر الأبخرة والأدخنة جسم الهواء وسلبت الغماغم ورقت النسائم وتغنت الحمائم وتغن بالشعر فإن الغناء مضماره الذي يحسن فيه. اجتهد في الإيضاح فإن أردت النسيب فاجعل اللفظ رقيقاً والمعنى رشيقاً وأكثر فيه من بيان الصبابة وتوجع الكآبة وقلق الأشواق ولوعة الفراق والتعلل باستنشاق النسائم وغناء الحمائم والبروق اللامعة والنجوم الطالعة والتبرم بالعذال والعواذل والوقوف على الطلل الماحل. وإذا أخذت في مدح سي ذي أياد فأشهر مناقبه وأظهر مناسبه وأبن معالمه وشرف مقاومه وأرهف من عزائمه ورغب في مكارمه وتقاض المعاني واحذر المجهول منها. وإياك أن تشوب شعرك بالعبارة الزرية والألفاظ الوحشية وناسب بين الألفاظ والمعاني في تأليف الكلام وكن كأنك خياط تقدر الثياب على مقادير الأجسام. وإذا عارضك الضجر فأرح خاطرك ولا تعمل إلا وأنت فارغ القلب. واجعل شهوتك لقول الشعر الذريعة إلى حسن نظمه فإن الشهوة نعم المعين. وجملة الحال أن تعتبر لشعرك بما سلف من أشعار الماضين فما استحسنه العلماء فاقصده وما استقبحوه فاجتنبه ترشد إن شاء الله تعالى. وكنت قد جمعت فصولاً يحتاج إليها العاقل في البلاغتين والراضع في الصناعتين من عدة كتب من كتب البلاغة وصرفت منها ما لا يحتاج إليه ونقحتها وحررتها وها هي: ينبغي لك أيها الراغب في العمل السائر فيه من أوضح السبل بأن تحصل المعنى عند الشروع في تحبير الشعر وتحرير النثر قبل اللفظ والقوافي قبل الأبيات ولا تكره الخاطر على وزن مخصوص وروي مقصود وتوخ الكلام الجزل دون الرذل والسهل دون الصعب والعذب دون المستكره والمستحسن دون المستهجن. ولا تعمل نظماً ولا نثراً عند الملل ولا تؤلف كلاماً وقت الضجر فإن الكثير معه قليل والنفيس معه خسيس. والخواطر ينابيع إذا رفق بها جمت وإذا عُنف عليها نزحت. واكتب كل معنى يسنح وقيد كل فائدة تعرض فإن نتائج الأفكار تعرض كلمعة البرق ولمعة الطرف إن لم تقيد شردت وندّت وإن لم تستعطف بالتكرار عليها صدت والترنم بالشعر مما يعين عليه قال الشاعر: تغنَّ بالشعر أما كنت قائله إن الغناء لقول الشعر مضمار وقد يكلُّ الشاعر حيناً ويستعصي عليه الشعر زماناً كما روي عن الفرزدق أنه قال: لقد يمر عليَّ الزمن وإن قلع ضرس من أضراسي لأهون علي من أن أقول بيتاً واحداً فإن كان كذلك فأتركه حتى يجيئك عفواً وينقاد إليك طوعاً. وإياك وتعقيد المعاني وتقعير الألفاظ واعمل في أحب الأغراض إليك وفيما وافق طبعك والنفوس تعطي على الرغبة ما لا تعطي على الرهبة. واعمل الأبيات متفرقة بحسب ما يجود بها الخاطر ثم انظمها في الآخر واحترس عند جمعها من عدم الترتيب. وتوخ حسن النسق عند التهذيب ليكون كلامك آخذاً بعضه بأعناق بعض فهو أكمل لجنسه وأمتن لرصفه. واجعل المبدأ والمخلص والمقطع فإن ذلك أصعب ما في القصيد. واجتهد في تجويد هذه المواضع وتجنب معاريض أرباب الخواطر وتعاودهم عليها وميز في فكرك محط الرسالة ومصب القصيدة قبل العمل فإن ذلك سهل عليك واستعدها أولاً ونقحها ثانياً وكرر التنقيح وعاود التهذيب ولا تخرجها عنك إلا بعد تدقيق النقد وإنعام النظر. فقد كان الحطيئة يعمل القصيدة في شهرين وينقحها في شهرين اقتداء بزهير فإنه كان راويته. وقد كان زهير يعمل القصيدة في شهر واحد وينقحها في حول كامل حتى قيل لشعره المنقح الحولي أو الحولي المحلى. واحذر إذا كاتبت من الإسراف في الشكر فإنه إبرام يوجب للكلام ثقلاً ولا تطل الدعاء فإنه يورث مللاً. ولا تجعل كلامك مبنياً على السجع كله فتظهر عليه الكلفة ويبين فيه أثر المشقة وتكلف لأجل السجع ارتكاب المعنى الساقط واللفظ النازل بل اصرف كل النظر إلى تجويد الألفاظ وصحة المعاني واجتهد في تقويم المباني فإن جاء الكلام مسجوعاً عفواً من غير قصد وتشابهت مقاطعه من غير كسب كان وإن عسر ذلك فاتركه وإن اختلفت أسجاعه وتباينت في التقفية مقاطعه فقد كان المتقدمون لا يحفلون بالسجع جملة ولا يقصدونه بتة إلا ما أتت به الفصاحة في أثناء الكلام واتفق من غير قصد ولا اكتساب وإن كانت كلماتهم متوازنة وألفاظهم متناسبة ومعانيهم ناصعة وعباراتهم رائقة وفصولهم متقابلة وجمل كلامهم متماثلة. وتلك طريقة الإمام علي عليه السلام ومن اقتفى أثره من فرسان الكلام كابن المقفع وسهل بن هارون وأبي عثمان الجاحظ وغير هؤلاء من الفصحاء والبلغاء. ولا تجعل كل الكلام عالياً شريفاً ولا وضيعاً نازلاً بل فصله تفصيل العقود فإن العقد إذا كان كله نفيساً لا يظهر حسن فرائده ولا يبين كمال واسطته. وانظر إلى نظم القرآن العزيز كيف جمع صفات البلاغة الثلاث ليظهر فضل كل طبقة في بابها ويبين محكم أسبابها ويعلم أن أدناها بالنسبة إليها تعلو على أعلى الطبقات من كلام البلغاء ويربي عليها فإن الكلام إذا كان منوعاً افتتنا الأسماع فيه ولم يلحق النفوس ملل من ألفاظه ومعانيه. واعلم أن الألفاظ أجساد والمعاني أرواح. فإذا قويت الألفاظ فق المعاني وإذا أضعفتها فأضعفها لتتوازن قوى الكلام وتتناسب في الإفهام. واقصد القوافي السهلة المستحسنة دون المستصعبة المستهجنة والأوزان المستعملة الحلوة دون المهجورة الكزة فإن الشعر كالجواد والقوافي حوافره والألفاظ صورته والمعاني سرعته والأوزان جملته. واجعل كلامك كله كالتوقيعات وعليك بالمقطعات فإنها في القلوب أحلى وأكمل وفي المحاسن أرشق وأجول وبالأسماع أعلق وبالأفواه أعبق. وإذا نثرت منظوماً فغير قوافي شعره إلى قوافي سجعه وإذا أخذت معنى بيت من بيت فتجنب الألفاظ جملتها ما استطعت أو معظمها وغير القافية والوزن وزد في معناه وانقص من لفظه واحترس مما طعن عليه به لتكون أملك له من قائله وإذا تقربت الديار تقاربت الأفكار. ولهذا قيل الشعر محجة يقع فيها الخاطر على الخاطر. واعلم أن من الناس في شعره في البديهة أبدع منه في الروية ومن هو مجيد في رويته وليست له بديهة وقلما يتساويان. ومنهم من إذا خاطب أبدع وإذا كاتب قصر. ومنهم ن بضد ذلك. ومن قوي نظمه ضعف نثره ومن قوي نثره ضعف نظمه وقلما يتساويان. وقد يبرز الشاعر في معنى من معاني مقاصد الشعر دون غيره ولهذا قيل أشعر الناس امرؤ القيس إذا ركب وزهير إذا رغب والنابغة إذا رهب وعنترة إذا كلب والأعشى إذا طرب. وإياك وتعقيد المعاني بسوء التركيب واستعمال اللفظ الوحشي فإن خير الكلام ما سبق معناه القلب قبل وصول جلته إلى السمع. وليكن كلامك سليماً من التكلف بريئاً من التعسف. وليحظ لفظك بمعناك وتشتمل عبارتك على مغزاك. واحذر الإطالة إلا فيما تحمد فيه فإن البلاغة لمحة دالة. وقيل سرعة جواب في صواب. وقيل أن تقول فلا تبطئ وأن تصيب فلا تخطئ. والصحيح من حدها أنها إيضاح المعنى بأقرب الطرق وأسهلها. والعي إكثار من مهذار وأخطء بعد إبطاء كما جاء في في المثل سكت ألفاً ونطق خلفاً وقدر اللفظ على قدر المعنى لا زائداً عليه ولا ناقصاً عنه كما قيل في مدح بعض البلغاء: كانت ألفاظه قوالب لمعانية. وقيل في آخر: كان إن أخذ شبراً كفاه وإن أخذ طوماراً أملاه. واستعمل التطويل في مكانه والتقصير في مكانه فقد قيل: إذا كان الإيجاز كافياً كان التطويل عياً وإذا كان التطويل واجباً كان التقصير عجزاً. وإياك أن تفرط فإن فرطت قصرت أو تفرط فإن أفرطت كثرت وإلا فانظر إلى قصص الكتاب العزيز كيف أتت وجيزة ومرة بسيطة كما قلت في وصفه في القصيدة التي مدحت رسول الله صلى الله عليه وسلم: به قصص تأتيك طوراً بسيطة ليفهمها من بسطها المتبلد وطوراً بإيجاز تبث لذي حجى له زند فهم ثاقب ليس يصلد وفي الجملة مهما كان الإيجاز كافياً والمعنى به واضحاً فالإحاطة إن لم تكن عياً كانت عبأ ولم يزل إجلاء المتقدمين يحمدون ذلك ويذمون ما سواه ويدل على اختيار هذا المذهب ما يحكى عن أحمد بن يوسف الكاتب فإنه قال: دخلت يوماً على المأمون وفي يده كتاب وهو يعاود قراءته تارة بعد أخرى. ويصعد فيه نظره ويصوبه وقال: فلما مرت على ذلك مدة التفت إلي وقال: يا أحمد أراك مفكراً فيما تراه مني فقلت: نعم وقى الله أمير المؤمنين المكاره وأعاذه من المخاوف فقال: إنه لا مكروه في الكتاب ولكن قرأت فيه كلاماً وجدته نظير ما سمعت الرشيد رحمه الله بقوله في البلاغة فإني سمعته يقول: البلاغة التباعد من الإطالة والقرب من البغية والدلالة بالقليل من اللفظ على المعنى. وما كنت أتوهم أن أحداً يقدر على هذا المعنى حتى قرأت هذا الكتاب ورمى به إليّ وقال: هذا كتاب عمرو بن مسعدة إلينا قال: فقرأته فإذا فيه: كتابي إلى أمير المؤمنين ومن قبلي من قواده وسائر أجناده في الانقياد والطاعة على أحسن ما يكون عليه طاعة جند حُزنت أرزاقهم وانقياد كافة تراخت أعطياتهم فاختلت لذلك أحوالهم والتأثت معه أمورهم. قال: فلما قرأه قال لي: يا أحمد إن استحسان هذا الكلام بعثني على أن أمرت للجند قبله بعطياتهم لسبعة أشهر وأنا على مجازاة الكاتب بما يستحقه محله في صناعته. وروي أيضاً عن المأمون أنه أمر عمرو بن مسعدة الكاتب هذا أن يكتب لرجل يُعنى به إلى بعض العمال بالوصية عليه وأن يختصر كتابه ما أمكنه حتى يكون ما يكتب به في سطر واحد فكتب عمرو بن مسعدة: كتابي إليك كتاب واثق بمن كتب إليه معني بما كتب به ولن يضيع بين الثقة والعناية حامله إن شاء الله تعالى. وقد كان جعفر بن يحيى مع تقدمه في هذه الصناعة يقول لكتابه: إن استطعتم أن يكون كلامكم كله مثل التوقيعات فافعلوا. وأما قول قيس بن خارجة لما قيل له ما عندك من حمالات داحس فقال عندي قرى كل نازل ورضى كل ساخط وخطبة من له من طلوع الشمس إلى ا، تغرب آمر فيها بالتواصل وأنهى عن التقاطع فإن ذلك لم يخرجه مخرج المدح للإطالة المذمومة لأن الإطالة المذمومة هي إطالة العبارة عن المعنى الواحد بالألفاظ الكثيرة. وإنما أراد قيس الإكثار من المعاني فإذا كثرت المعاني احتاج المتكلم إلى كثرة الألفاظ للعبارة عنها ولإيضاحها وليوفي بمقصوده فيها. ومتى أطال الكلام لذلك كانت إطالته بلاغة لا عياً فإن حقيقة البلاغة إيجاز من غير إخلال وإطناب من غير إملال لاسيما خطب الإملاكات والسجلات التي تقرأ على رؤوس الجماعات. أهـ. أقسام التاريخ التاريخ فرع واسع من أهم فروع الأدبيات المنثورة ينتهي بوقائعه المتسلسلة إلى درجة المشاهدات من حيث التحقيق والبحث. وعليه فتكون كلمة استوريا التي يقصد بها الروم البحث عن الحقيقة ـ منطبقة كل الانطباق على هذا العلم وموافقة كل الموافقة لموضوعه. وبعد فإنا نرى أن التاريخ تلك الأقاصيص والنقول التي تأتي في عرض أناشيد الملاحم وعلى ألسن الفصحاء بل لا بد للحوادث التي يرويها التاريخ من الاستناد على أبحاث علمية معروفة وشهادات مزكاة وثيقة فله في البحث عن الوقائع وتثبيت الحادثات مقاصد كما أن لأصول ضبطه شرائط عامة كثيرة. ليس للتاريخ أن يوغل في زوايا هذه الطبيعة الغنية فيضبط من حوادثها ما يتجلى كل يوم في مئات من ألوانها وصورها والألوف من أشكالها وهيئاتها بل أن غايته الوحيدة تدوين حياة الأفراد المتميزين بقوة ذكائهم وقوة إرادتهم أولئك الذين تقدموا أشواطاً في سبيل النشوء ولو عادت ثانية مضت من الزمان لرأتهم أرقى مما كانت تعهدهم. أما الكائنات التي لم تمنحها العوامل والمؤثرات خاصة التدبير والذكاء فتسير وقائعها بسائق طبيعي متأثرة بمؤثر واحد سارية على مجرى واحد وماثلة في صورة واحدة. وإن البحث في ماضي هذه لا يجدي التاريخ نفعاً لأن هذا القسم من الخليقة متساوي النسق والأسلوب في كل زمان ومكان. فإن أفاد البحث فيها فالفائدة تعود على العلم وليس للتاريخ منها شيء ولعل بعضهم يسأل هنا قائلاً: إذا كان التاريخ لبا يبحث في حوادث الطبيعة المطردة فلماذا دعي القسم الكبير من علومها ـ الحيوان والنبات والجماد ـ بالتاريخ الطبيعي وأي علاقة للتاريخ بهذه الحوادث القانونية المطردة؟ والجواب عن ذلك أنه لا محل لهذه التسمية هنا وليس للتاريخ فيها دخل البتة وإنما هو اسم اصطلح عليه خطأ في هذا القسيم من العلم فحادثات تكون الكائنات ونشوؤها وتبدل المواسم وفصولها وكل قطعة محدودة من الأرض وكل ما عظم أو دق مقياسه ومقداره من سيارات السماء وثوابتها الزاهية وصفحات الفضاء ومناظرة البهجة كل هذه ليست من التاريخ في شيء ولئن دخل قليل منها في التاريخ فإنها تدخل بعض أحوالها المتعاقبة ومكتشفاتها المهمة التي لا تزال أدوارها مجهولة عندنا. وعلى هذا فالتاريخ يبدأ من حيث ينتهي العلم وليس في أقسام التاريخ (تاريخ إلهي) لأنه لا ماضي للألوهية فيسطر ولا حال لها فيحرر بل هي هي المتجلية في كل شيء وما أجمل قول لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل. وبذلك استبان أن مجال التاريخ هو (ساحة التبدل الاختياري) ليس إلا. وإن للنوع البشري قوة إرادة وإن اختلفت قوة وضعفاً لا تكون فيما هو عامل فيه من النواميس العامة بل في غير ذلك من حركاته وسكناته. من أجل ذلك ترى هذا النوع معرضاً للبحث التاريخي من حيث علم أجناس البشر والبحث العلمي من حيث علم النفس. هذا يبحث في الإنسان من حيث العوامل الناشئة عن القوانين العامة المنقاد لها وذاك يشتغل بفحص ما في حركاته الاختيارية من الأسباب المتحولة من السباب المتغيرة ونتائجها ويظهر لنا ما قرب إلى التوفيق من هذه الحركات وما لم يقرب وما كان مصيباً منها وما كان مخطئاً وهو يضبط الروابط الموجودة بين هذه الحركات كلها. كانت الأمم فيما مضى تجل التاريخ وتعظمه حتى فتحت لتقدمه السبل وأزالت من طريق رقيه الموانع قال شيشرون الخطيب الروماني الشهير التاريخ شاهد الأزمنة ونور الحقيقة وحياة الذكرى وحاكم العمر وبريد القرون وكان هذا الخطيب ينظر إلى التاريخ بأنه ظهير الفلسفة وأنه مدرسة الفضيلة. وكان يعد التاريخ منهجاً من مناهج البيان وقسماً من أقسام الفصاحة لعظمة الدروس التي ألقاها التاريخ وفخامة موقعها ولطالما قال: لا خطيب أكثر عظمة وأوفر احتشاماً من التاريخ. بمثل كلمات شيشرون هذه انتشر بين أهل العلم في العصور الموغلة في القدم أن التاريخ محل البلاغة وأدخله تلاميذ أيزوقراط في عداد العلوم التي يجب على الخطيب أن يعنى بها فكان بذلك ركناً للأدب. كان الأقدمون من المؤرخين يتعمدون في التاريخ إجادة البيان من جهة والمحافظة على الواجبات الوطنية والنتائج الأخلاقية من جهة أخرى. أما الحقائق الواقعة في نفس الأمر فقلما كان يبحث عنها فكانت مصنفاتهم إذن تزدان في نظرهم إذا خدمت الفلسفة أو ذبت عن شرف القومية والوطنية ليس إلا. هم يسلكون في التاريخ طريقاً توصلهم إلى الذروة القصوى من الفصاحة فيفرغون أضخم كلمات المجد وأكبر ألفاظ الفخفخة كما هو الحال في نقلهم حياة الرؤساء والأمراء وأنهم لينسبون إليهم جملاً وقطعاً ما قالوها ولن يقدروا على أن يأتوا بمثلها وأنك لترى المؤرخ منهم يفادي بالحقيقة التاريخية سعياً وراء كلمة جميلة يلذ له طنينها في أذنيه ناسياً أو متناسياً أن ما يسمى بالتاريخ هو علم الكوائن وتصوير الحقائق وأنه في حاجة قبل كل شيء على مظان صحيحة ومستندات موثوق بها وأسس راسخة فيجب من ثم على المؤرخ مهما كانت نحلته وشعوره ومقصده أن يبحث في مثل المظان من غير تطرف ولا تعصب. وذلك لأن التطرف والتعصب والذلاقة ليست من حاجيات المؤرخ ومذهبه في شيء وإنما البلاغة والتأنق في القول من صنعة الأدباء والشعراء والمطالبة بالفضيلة من وظائف الأخلاقيين والدفاع عن شرف الوطنية والمكانة القومية من واجبات رجال السياسة فيها وما المؤرخ إلا الذي يمحص الحقيقة ويتمحض لإثباتها. ولقد التزم فنيلون أحد فلاسفة لويس الرابع عشر أسلوب شيشرون الخطابي في كتابه مبحث الوجود الإلهي فاتخذ ذلك دليلاً على أن التاريخ كان على عهد فينلون في دور صباه ولا يكون المؤرخ مؤرخاً حتى يثبت الوقائع التي يناقش في صحتها مناقشة منطقية ويفحصها فحصاً علمياً مدققاً ببيان سلس ونثر مرسل وسليقة معتدلة. قال المسيو باتان المشهور بمباحثه في أصحاب الملاحم من الروم المتوفى سنة ١٨٧٦ : ليس التاريخ عبارة عن سرد بعض القصص وذكر الأيام المشهورة والحوادث المأثورة ولا تلفيق ما يسقط عليه الرجل عرضاً من الأقوال عن حياة المشاهير بل التاريخ هو ذلك الميدان الذي تظهر فيه الأمم بعاداتها وأخلاقها ومزاياها ومعايبها مشروحة تتجلى بكل وسائل العلم حتى كأن القارئ من أهل البلد الذي يكتب تاريخه أو من معاصري من يدون ماضي حياتهم وكذلك يجب التاريخ أن يكون. وإنك لتعلم أن مدون هذا التاريخ تعوزه المواهب النادرة والنظر البعيد وسبر غور الأمور. لا يبحث التاريخ اليوم عن طرز معيشة الأمم والبيوت فقط بل يتجاوز ذلك إلى تعريف درجة الرقي العام في الأشياء أيضاً فإذا بحث المؤرخ في ماضي شعب يجتهد في أن لا يجمد أمام وقائعه المهمة وحوادثه الكبيرة بل ينتقل من ذلك بغتة إلى وزن أخلاقه وعاداته ومشاربه وإلى ذكر روابطه مع سائر الأمم الأخرى. هذه المباحث هي ألياف النسيج الحيوي في الأمم المتحضرة وغير المتحضرة. ومن هنا يتجلى للقارئ أن هذه المواد المنوعة في حاجة إلى ترتيب حسن وفكرة نافذة دقيقة وحكم عقلي متينيقادر على البحث عن الأسباب المتضاربة ووضعها موضع النظر وإلى قلم بعيد عن الأغراض كأنه جلمود إذا كان سبيل لتغلب العواطف عليه ومثل هذه المزايا متوقفة على مقدار قابلية أولئك المؤرخين الذين جمعوها في نفوسهم فاستخرجوا من كتلة الحوادث المتسلسلة سديماً نقياً وأرسلوها نفثة البيان والوضوح النوراني على العالمين. وإن للتاريخ من حيث موضوعه وأصوله أقساماً عديدة أهمها انقسامه إلى عام وخاص يبحث الأول في أدوار البشر الثلاثة المعلومة ويشمل تاريخ عامة الشعوب والدول. أما الثاني فلا يعنى إلا بأمة واحدة أو بلدة معينة أو بأسرة معروفة ووقعة مشهورة. ويسمون التاريخ الذي يذكر الحوادث مرتبة حسب زمن حدوثها كرونولوجيا وإذا بحث في نشوء شعب واحد وانتشاره يقال له أيتنوكرافيا وإذا أفاض في كوائن الأمم كلها الحادثة في زمن معين يدعى سينكروفيا. وإذا قايس بين وقائع مختلفة ظهرت في أزمنة متباينة سمي التاريخ القياسي وإذا أظهر الأشياء في صورتها الأصلية فهو التاريخ المصور وإذا توحى إرجاع نتائج الوقائع إلى أسبابها يقال له براكماتيك وإذا ربط الأسباب بالنواميس العامة في البشر والطبيعة يسمى التاريخ الفلسفي وهكذا تختلف أسماء المصنفات التاريخية باختلاف موضوعها فتسمى تقويماً ومذكرة وترجمة حال وما أشبه. ولا نقصد هنا إلى أن نطيل القول فنكتب تاريخ التاريخ. على أننا لو بحثنا في مبدأ التاريخ لوجدناه ممزوجاً بالشعر كما هو الحال في جميع أنواع الأدبيات المنثورة فابتداء التاريخ إذن هو الملاحم التي هي من أنواع الشعر وذلك هو ابتداؤه في الأدوار القديمة عند الهنود واللاتين والفرس ولم يتجرد كثيراً عن هذه الكسوة القصصية عند بعض أمم المشرق إلى يوم الناس هذا لأن التاريخ لم ينسلخ عن منظومات الملاحم عندهم إلا قليلاً وأن ذبالة التاريخ الحقيقي لم تكد تضيء عندهم حتى أطفئت وكذلك هيرودتس وتوسيديدس وكسنوفون كلهم لم ينجوا من دس الأساطير بين طيات الحقائق التاريخية في كتبهم الثمينة وإن كانوا كلهم استحقوا لقب المؤرخ. الأول بذكائه النقاب والآخران بتجاربهما ومتانة بيانهما. أما دانيس داليكارناس فلا أثر للتحقيق في مصنفاته وإن كان قد تلافى هذا النقص بتتبع بعض الأخبار. وكذلك شأن تيودورس من وجه هذا النقص وما يسده وان دروس بلوتارك في الأخلاق لتستر أيضاً نقائض تاريخية أخرى وقع فيها. ثم جاء بعد هؤلاء أزمان ظهر فيها مؤرخون مدرسيون مثل كيشاردن وماكيافيل فإنهما كانا في زمانهما مقلدين خالص التقليد للأسلوب القديم. ٣ وعلى هذا بقيت المصنفات التاريخية كتب بلاغة ولكنها عارية عما يؤهلها للدخول في علم التاريخ إلى فجر القرن السابع عشر حتى أن المؤرخ المشهور بوسويه نفسه كان على مثل تلك الحال ولو تناولنا أحد مصنفاته كخطبته في التاريخ العام لوجدناها نموذجاً للآداب ولكنها بعيدة كل البعد عن التاريخ. ثم جاء فولتر ووضع كتابه كارلوس الثاني عشر وكتابة لويس الرابع عشر فأظهر نموذج التاريخ الصحيح. وعندما عرف حق المعرفة أن أكثر الذين كانوا يسمون في فرنسا مؤرخين إلى القرن الثامن عشر براءٌ من هذه النسبة. وعلى العكس ترى بعض رهبان ديكتن الذي لم يكن ذكر اسمهم بتلك الدبدبة والعظمة قد تحقق اليوم أنهم هم الشيوخ الذين طرحوا بين أيدينا أصول التاريخ صامتين ساكتين. ومن هؤلاء الرجال المؤرخ جيبون الإنكليزي مشيد القصر التاريخي على الأساس المتيني عصرنا الحاضر هو مؤسس التاريخ ومحييه فعلم الآثار وعلم الألسنة والجغرافيا، وكل هذه العلوم أخذت بيد التاريخ وصعدت به درجات عالية وإن التحقيقات الصحيحة التي وضعها حكماء هذا العصر وعلماؤه قد نفحت الوقائع الماضية روحاً حية وكستها حلة ثابتة حتى تمثلت الذراري القديمة بعاداتها وأخلاقها ومطامعها وأفكارها على أسلوب أقلام تيرس وتييري وميشله وكيزومينيه. فعصرنا هذا ولا مراء عصر التاريخ قبل كل شيء. الحديدة (جزيرة العرب) محب الدين الخطيب إصلاح التعليم في الصين كتب أحد الباحثين من الأوروبيين رسالة في معنى نهضة الصين إلى إصلاح التعليم القديم عندها فقال أن هذه المملكة كانت لها طريقة تامة في التعليم منذ القرن الرابع والعشرين قبل التاريخ المسيحي على عهد حكم ملوك هيا فكان لكل أسرة قاعة للدرس ولكل كورة كتاب ولكل مقاطعة مدرسة فيمتحن المتعلمون كل سنة ويرتقي الأكفاء إلى مناصب الحكومة وفي القرن الثمن قبل المسيح بطلت طريقة إعطاء الوظائف بالاستحقاق العلمي وأصبحت وراثية إلا أن كنفوشيوس حكيم تلك الأمة جاء في القرن التالي وأحيا معالم التعليم على الأصول القديمة ونظمها فأحسن تنظيمها حتى أصبحت بعده محترمة في أقطار المملكة وما زالت تعاليمه معمولاً بها وتختلف لضعف أنصارها وقوتهم في بعض القرون وبقوة البوذية والتاوستية حتى كانت سنة ١٩٠٤ فأصدر الإمبراطور أمره بإلغاء الأوامر القديمة الصادرة بشأن التعليم التقليدي وبذلك ألغى نظاماً اجتماعياً جرت عليه أمته منذ خمسة وأربعين قرناً. وقد شعرت الصين منذ حروبها الأولى مع أوروبا بقلة التعليم في موظفيها وتبين للبلاط الإمبراطوري أن ذلك كان السبب الرئيسي في ضعف المملكة ولذلك عزم الإمبراطور منذ سنة ١٨٩٨ أن لا يمنح الوظائف إلا لمن اطلعوا على العلوم الحديثة الأوروبية فأصدر أمره بإنشاء مدارس على الطراز الحديث وإقامة كلية في بكين على مثال كليات أوروبا وفي سنة ٩٠٦ ألف نظارة معارف عمومية وكان من أثر ذلك أن توفرت العناية بتعليم البنات وكانت النساء من قبل مقصورات في بيوتهن معتبرات في نظر الصينيين أحط من الرجال وأهم ما يعلمنه في المدارس الكثيرة التي أنشئت لتخريجهن الأخلاق والمالية وأعمال البيوت والرياضيات الجسدية ويمنعن من تضييق أرجلهن منعاً قطعياً. وكثر عدد المدارس الخاصة والعامة التي أنشئت مؤخراً لتعليم الفنون المختلفة كالفصاحة والملاحة وعمل الخطوط الحديدية والبحرية والشرطة وعلم التربية واللغات الأجنبية. وساعد الأدباء والعلماء والصحافيون على خدمة أفكار الحكومة في هذا الشأن وأخذوا يؤلفون الكتب والمعاجم ويترجمون من لغات أوروبا كل مفيد لكيانهم وأخذت الحكومة والأهالي يحاولون إيجاد الأموال لهذه المشاريع ومن جملة الذرائع التي عمدوا إليها ضربهم الضرائب على محال تناول الشاي لتصرف في سبيل تعليم الأمة. وقد خطر على الأساتذة أن يهينوا التعاليم القديمة فجاء في لوائح المدارس بهذا الصدد إن للنظام الاجتماعي والسياسي في ممالك أوروبا وأميركا واليابان صيغة خاصة به كما أ، إدارة الصين وأخلاقها لها صفة خاصة بنا فعلى كل أستاذ صيني أن لا يتفوه بكلام يعد مروقاً وكفراً ليدك بما يثبت من أفكاره بناء الصين الاجتماعي والسياسي فإذا انتقد الفضائل الأصلية والصلات العامة مع الفلسفة المشهورة (فلسفة علماء الأدب وكنفوشيوس) يحقق أمره فإذا ثبتت إدانته يحكم عليه بحسب ذنبه وحظر على التلاميذ أن يشتغلوا بالأمور السياسية ويعقدوا اجتماعات وينشروا جرائد. ولا يخطرن على بال أحد أن التعاليم القديمة سقطت في الصين بالمرة بل بالعكس زادت العناية بها على قدر العناية بالعلوم الغربية الجديدة ولا تأتي سنة ١٩٠٠ حتى ينتظم أساس الإصلاح الذي وضعته مملكة ابن السماء وهي تأخذ العلم الآن عن أربع دول اليابان والولايات المتحدة وإنكلترا وفرنسا ولكن اليابان أقدموا على تعليم الصينيين إقداماً غريباً وفتحوا لهم المدارس في عاصمتهم بكين بالذات وغيرها من الحواضر وكل يوم يزداد عدد الطالبين والطالبات من الصينيين الذين يأتون كليات اليابان ويدرسون فيها كما أن المعلمات اليابانيات والمعلمين اليابانيين يفدون بالعشرات على المملكة السماوية ولا سيما على جنوبها. الكتاب حدثنا القراء في النسخة الماضية بشيء مما عربناه من الكتاب الذي صدر حديثاً للمسيو البرسيم وها نحن ننقل لهم بعض فوائده جديرة بالنظر والاعتبار فقد قال في تأثيرات المطالعة في المرء ولاسيما ما يطالعه في صغره نقلاً عن كتاب عشاق الكتب لألفرد دي ماترون العارف بالتآليف والتصانيف: إن المرء في صباه لا يهتم بشكل الكتاب جميلاً كان أو بشعاً حسن التجليد أو سيئه بل يضحك ممن يقول له أن طبعة هذا الكتاب أصبحت نادرة وأن هذه الفقرة غريبة وأن هذه الأسفار نال مؤلفوها الجوائز عليها ولا يحتفل إلا بالفكر ولاسيما بما فيه شعور وعواطف ولا يعبأ إلا بما يرضي فؤاده ويثير عواطفه ويحركها. فأف من الفكر والجمال والتذهيب الجميل. ولذلك لا ترى مولعاً في الكتب وهو في سن العشرين لأن المرء في صباه لا يستطيع أن يعاود قراءة كتاب قرأه فلا يكاد يحسن القراءة حتى يأتي على آخر ما يقرأ ولا سبيل إلى الحكم جيداً على كتاب إلا بمطالعته ثانية وفي أدوار مختلفة من الحياة ومن ثم كان من الكتب ميزان حرارة للعقل أو للقلب. قال ألفرد دي ماترون: إن المرء في العشرين من عمره لا يكون من غلاة الكتب وأحبابها وما قاله يصح أن يكون قاعدة في هذا الباب لأن العواطف في سن العشرين تحكم على العقل بل تحكم على كل شيء فيسرع المرء في تلك السن إلى الوقوف على كل شيء ويعرف كل شيء ويقرأ كل شيء ون شئت فقل يقلب صفحات كل كتاب. ويندر في تلك السن السعيدة من يستطيعون أن يعادوا قراءة كتاب ثانية بدون أن يكرههم مكره فيأتون ذلك إما مدفوعين برغبة منهم أو لقلة ما لديهم من الكتب الجديدة أو كتب لم يقرأوها بعد ولم يتصفحوها. وقال آخر: لا يشرع المرء بمعرفة القراءة إلا بعد خروجه من المدرسة. وفتيان المطالعين لا يحبون من الكتب إلا ما حدث وضعه وقلما يرجعون إلى الكتب المؤلفة قديماً. وأورد المؤلف أسماء كثيرين أولعوا بالمطالعة منذ عرفوا القراءؤة بل منذ فطموا عن أثداء أمهاتهم مثل أسقف دافرانش هويه ( ١٦٣٠ ـ ١٧٢١ ) والفيلسوف جان جاك روسو ( ١٧١٢ ـ ١٧٧٨ ) والشاعر يوحنا أنطون بوشه ( ١٧٤٥ ـ ١٧٩٤ ) وبنيامين فرنكلين ( ١٧٠٦ ـ ١٧٩٠ ) وهنري بيل القصصي النقاد الفرنسوي ( ١٧٨٣ ـ ١٨٤٢ ) ولامارتين الكاتب الفرنسوي ( ١٧٩٠ ـ ١٨٦٩ ) وسيلفيو بلليكو الأديب الإيطالي ( ١٧٨٩ ـ ١٨٥٤ ) وجورج ساند قصصية الفرنسوية ( ١٨٠٤ ـ ١٨٧٦ ) وشارل ديلون وكلهم ما كادوا يفتحون عيونهم إلا والكتاب بأيديهم بفضل تربية آبائهم وأمهاتهم الذين كان بعضهم يقرأ لهم ليسمعهم سير العظماء وأقوال الحكماء فانغرست البذور الصالحة في عقول أبنائهم وجاء منهم فلاسفة وكتاب متفردون وتبين مما استشهد به لهم من تذكراتهم أن معظمهم كانوا يعيشون الخلاء بين الرياض والغياض يطربهم صوت العندليب ويؤرقهم صوت القمري ويستفزهم خرير الماء وعليل الهواء. وقال في فصل المطالعة والتصفح: جعل سلس الطبيب الروماني في القرن الأول قبل المسيح القراءى بصوت عال من جملة الرياضيات النافعة للصحة وأن المطالعة على هذه الصورة ضرورية للفهم والذوق وذلك لأن جرس الصوت يساعد كل المساعدة على تعليق الجمل في الذهن. وقد قال العالم أرنست لوكوفه أنه لا شيء ينير عقلنا مثل القراءة بصوت جهوري ويقفنا على ضعف الإنشاء إن كان ضعيفاً وقوته إن كان قوياً وفساد الشعور المصور فيه. ففي الكلام تنشيط وفيه للأفكار إيضاح بل تحقيق وكل من يتعاطون عملاً شاقاً كالحطابين والخبازين يتحمسون بما يلقيه بعضهم على بعض من الأصوات ولا يرى دودان أن يقرأ قارئ للإنسان بل أن يقرأ بنفسه ويرى أن الطريقة الأولى أجدر بالمرضى والعميان لأن لكل قارئ نغمة يكون بها التأثير في عقله وله طريقة في الفهم والتمعن لا يقوم بها سواه. ومن العادة في بعض المدارس والأديار أن يقرأ قارئ شيئاً من الأدب والقصص والتلاميذ جلوس على المائدة وكان ذلك شأن شارلمان يتلى على مسامعه وهو على الخوان كتاب القديس أوغسطينس وكان الفيلسوف فولتير يؤثر أن يقرأ له وقال: إنني أحب هذه الطريقة لأنها كانت مألوفة للقدماء وأنا منهم. وكان الكردينال موري ( ١٧٤٦ ـ ١٧١٨ ) يقول أن المرء إذا خلا بنفسه يجب أن يطالع كتباً تفيده حقيقة وإذا كان مع أخوانه فالأجدر أن يتلى عليه ما يحمسه ويهيجه لأن الناس في انفرادهم غيرهم في اجتماعهم. قال مؤلفنا: أما كتب الحكم والآراء فالأحرى بل الأفيد بأن تتلى قطعة قطعة لا دفعة واحدة وأن ترسخ بكميات قليلة فكما أن المرء لا يبلع أقراص المعاجين إلا واحداً واحداً هكذا يجب عليه أن يسير في الأخذ من كتب الحكماء. وقال الأميرلين ( ١٧٣٥ ـ ١٨١٤ ) أن الطريقة الوحيدة في مطالعة كتاب من الحكم بدون أن يمل هو أن يفتح كلما سنحت الفرصة وبعد أن يسقط فيه على ما يهمه منه يطبقه بعد تصفه صفحة أوص فحتين ويأخذ يفكر فإذا تصفحا كلها يكون أشبه بمن قلب مجموعة صور دفعة واحدة فلا يرتسم بمخيلته واحدة منها. وتختلف طريقة المطالعة بسرعة أو بتأن بلا فاصلة أو بفاصلة بقلة أو بكثرة وهذا تابع لحالة القارئ وما يقرأ وحالة بصره وقوة انتباهه وأوقاته وخطر ما يتلوه وتأثير الكتاب فيه. وإن كتاباً في الفلسفة لا يقرأ كما تقرأ قصة وخير في الكتب المملة أن تتصفح تصفحاً وكل من يعيشون بين الكتب والمطبوعات والمخطوطات ويبحثون كثيراً فيما بين أيديهم لا يسعهم إلا أن يتصفحوا تصفحاً. وكان لما كليابشي العالم الفلورنسي قيم الكتب ( ١٦٣٣ ـ ١٧١٤ ) طريقة خاصة في المطالعة فإذا وقع له تأليف جديد ينظر في عنوانه ثم يرجع إلى الصفحة الأخيرة منه ويتصفح المقدمات والفهارس والتقدمات. ويلقي نظرة على كل التفاصيل الرئيسية وكان له من الوقوف على التأليف ما يتمكن معه من معرفة حقيقة المصنف في لحظة بل أنه يعرف المصادر التي أخذ منها المؤلف. ومن أرباب الاختبار في معرفة القراءة من يعرفون ماهية الكتاب من تقليب أوراقه ويدركون ما في صفحة منه من الفوائد بمجرد إلقاء النظر عليها ومنهم من يعرفون كيف يتصفحون الجرائد فلا يقع نظرهم إلا على ما يهمهم منها ولا يضيعون ثانية من أوقاتهم في النظر بما لا يفيدهم. ورأى بعض أهل العلم أن الذهن مهما بلغ من حدته يخون صاحبه في تذكر الفوائد التي قرأها فالأولى له أن يقيدها ولذلك كانت الفهارس مما يعين كثيراً على الرجوع إلى مضامين الكتاب. ومن عشاق المطالعة من لا يكتفون بتقييد الفوائد في تذكراتهم بل هم يكتبون على كل صفحة تهمهم كتابة تعلمهم على الكتاب نفسه ولكن أكثر باعة الكتب يرون هذه الطريقة مما يعوق الكتب عن بيعها إلا أن المؤلف ومحبي الاستفادة لا يهمهم إلا أن ينتفعوا من كتبهم ولو بتمزيقها وتشويهها وما الكتاب إلا أداة للتعلم يجب استخدامها على النحو الذي ينتفع به نفعاً حقيقياً بل هو رفيق وصديق تحب معارضته ومناقشته أحياناً وأن لا يسلم له كل ما يورده. يقول الفيلسوف سينيك والأديب بلين لجون أن الإكثار من الكتب يشتت الفكر وأن عادة القراءة كثيراً تفضل قراءة أشياء كثيرة وقال لبعضهم: لا نهاية للاستكثار من الكتب ومعلوم أنه في هذا العصر الذي دعي بعصر الورق بل في هذا العصر الذي اشتدت فيه تباريح مرض جديد أي الجنون في الطبع والنشر أن الكتب تنمو وتتضاعف من يوم إلى يوم. وما أجمل ما قالت أريستيب الفيلسوف اليوناني ( ٣٩٠ ق. م) أحد تلاميذ سقراط وصاحب المذهب الأبيكوري المنسوب لمدينة سيرين: ليس من يأكلون كثيراً هم أسمن من غيرهم وأصح منهم أجساداً بل السمان هم أولئك الذين يهضمون. وهنا استشهد المؤلف بإحصاء غريب لبعض المشتغلين منذ اخترع الطباعة على القرن الماضي فقال أنه طبع في جميع أنحاء الأرض من سنة ١٤٣٦ إلى سنة ١٥٣٦ ، ٤٢ ألف مجلد وفي سنة ١٥٣٦ إلى سنة ١٦٣٦ ، ٥٧٥ ألفاً وفي سنة ١٦٣٦ إلى سنة ١٧٣٦ مليون و ٢٢٥ ألفاً وفي سنة ١٧٣٦ إلى سنة ١٨٢٢ مليون و ٨٣٩٩٦٠ فيكون مجموع ما طبع زهاء ثلاثة ملايين ونصف مليون مجلد وإذا قدر معدل هذه المصنفات بثلاثة مجلدات وإن أقل ما يطبع من كل كتاب ٣٠٠ نسخة فيكون قد خرج من المطابع كلها في نحو أربعة قرون ٣٣١٣٧٦٤٠٠٠ وقدر أن ثلثيها حرق أو استعمل صرراً عند البدالين والباعة فلم يبق منها إلا ثلثها. وزيف بعضهم قوله بأن التوراة وحدها طبع منها زهاء ٣٦ مليون نسخة وأن كتاب الاقتداء بالمسيح طبع منه وحده ستة ملايين وأنه إذا كان كتب على تاريخ فرنسا وحده ثمانون ألف مجلد فكم تكون كتب الأرض. وقدر أحد الأميركان عدد المجلدات في الولايات المتحدة كما يأتي ٤٢٠ مليوناً في البيوت و ١٥٠ مليوناً عند العلماء والكتاب والمخترعين و ٦٠ مليوناً عند الكتيبة والطابعين و ٥٠ مليوناً في خزائن الكتب العامة و ١٢ مليوناً في مكتب المدارس والجامعات و ٨ ملايين عند التلاميذ وأن في أوروبا الغربية ملياراً وثمانمائة مليون مجلد وفي أوروبا الشرقية أربعمائة وستين مليون مجلد و ٢٤٠ مليوناً في سائر أقطار العالم. قال المؤلف: وبينا أهل الإحصاء يحصون ترى المطابع تصدر الكتب بالألوف فيقدر الآن ما يصدر كل سنة من الكتب في الشرق والغرب بخمسة وسبعين ألف كتاب جديد منها ٢٥ ألفاً في ألمانيا و ١٣ ألفاً في فرنسا و ١٠ آلاف في الولايات المتحدة و ٧ آلاف في إنكلترا فلو فرضنا أن معدل ما يطبع منها ألف نسخة تكون كتب العالم قد زادت كل عام ٧٥ مليون مجلد. قال مؤلفنا في اخاتيار الكتب وهل تفضل القديمة أم الحديثة فرأى أن الشبان ومن قل علمهم وأدبهم يؤثرون الجديد على القديم وإن كان الجديد في الغالب غثاً بارداً والقديم سميناً مملوءؤاً بصحيح الفكار ومتينيالإنشاء. وفي كتب القدماء كنوز قديمة لا مثيل لها في آثار المحدثين. قال: وعندي أن يختار من الكتب العلمية أحدثها التي أخذت بأطراف ارتقاء العلم عامة وآخر ما وصل إليه كماله أما في الأدب فيختار أحسن كتابه مهما قدم عهدهم فالآداب القديمة كما قيل كلما قدمت تتجدد. ولا مراء في أن المطالعة تؤثر في عقولنا واضطراباتنا وتورثنا القلق والحزن فمن الفضول أن نزيد على ذلك ما تدخله علينا من السرور والنفع قال جول لبتي في كتابه علم خب الكتب ومعرفتها ما أكثر من يبرؤون أمراضهم بفضل الكتب التي يطالعونها ولو عرف الناي ذلك حق معرفته لزاد عدد المولعين بالكتب زيادة عظمى. وتكلم المؤلف على الروايات وقال أن بعضهم يراها سموم الهيئة الاجتماعية وذكر كيتي الفيلسوف النقاد الألماني أنه من العبث أن يقول القائلون أن من الكتب ما يؤثر في إفساد الأخلاق وما الفساد إلا متوفر كل يوم في هذا المحيط وعندي أنه لا يجب التحرس كثيراً من ذكر ما لا يجدر أمام الأولاد من الأحاديث فإن الأولاد كالكلاب لهم حاسة قوية في الشم ويكتشفون كل شيء ولاسيما ما كان من أمور الشر. وللعلماء أراء مختلفة في هذا الشأن والأكثر على أن الروايات خيرها أقل من شرها وقشرها أضعف من لبها أما مطالعة الجرائد فهي لا تعد في باب مطالعة الكتب لأنهها تكتب بسرعة دون أن ينظر فيها النظر البليغ وما الجريدة كما قال بايل إلا فاكهة الفكر. وقال سانت بوف: يجب بادئ بدء أن نتزود من الخبز واللحم الطيب قبل أن نضع الفاكهة والحلواء. كتب تيوفيل غوتيه الكاتب الصحافي الفرنسوي أن مطالعة الجرائد تحول دون نبوغ القرائح القوية الشكيمة التي لا تريد غلا عشاقاً اقوياء في جدة الشباب فالجريدة تقتل الكتاب كما أن الكتاب قتل الهندسة وكما قتلت المدفعية الشجاعة وقوة الأعصاب. وقال جبرائيل هانوتو العالم: إن الجريدة هي المنافس الحقيقي للكتاب وما النجاح الذي أحرزته الجريدة غلا لرخص أثمانها وعندي أن الديمقراطية يجب أن يرخص فيها كل شيء لمداواة أمراض النفوس وأن المستقبل لا يبقى إلا على نوعين من الكتب المزخرف والمبهرج الذي تطبع منه كميات قليلة ليقتنيها أرباب القصور والغنى والكتب البسيطة التي تباع بأرخص ما يمكن من قيمة ليسوغ للجمهور اقتناؤها من أيبسر سبيل وبهذا الضرب من الكتب يحفظ للعلم رونقه وتبقى له حياته فالفلاح والعامل يجب أن يقرأ شيئاً وأن يخرج لهما ما يقرأان وحاجتهما ماسة إلى غير كتب التقاويم وبهذا تبين أنه لا يخشى على الكتب من قلة عشاقها في المستقبل بل أن النفوس تظل عليها مقبلة ما بقي الدهر. وقال مؤلفنا في الفصل الذي عقده للكلام على ممزقي المكتب وأعدائها أن أعظم ما عرف من المصائب التي أصابت المكاتب على ما ذكر بيروز المؤرخ الكلداني من أهل القرن الثالث قبل المسيح (عليه السلام) واسكندر بوليستور الكاتب العالم اليوناني من أهل القرن الأول قبل الميلاد أن ملك بابل بختنصر الذي أرخ به منذ سنة ٧٤٧ ق. م قد أمر بإحراق جميع تواريخ أسلافه ليسدل بذلك حجاباً كثيفاً على الماضي ويكون عهده مبدأ يجرون على التاريخ به في جميع العالم. وأحرق الإمبراطور شي هونغ تي الصيني سنة ٢١٣ ق. م جميع الكتب التي في مملكته ولم يستثن منها إلا المصنفات التي فيها تاريخ أسرته وعلم النجوم والطب وذلك بغضاً منه للمتعلمين والمتأدبين. قال المؤلف: وأعظم ما أصاب الكتب نمن البلايا في التمزيق والتحريق الفتن الدينية وذلك لأن الكتاب خير ناطق عن الإنسان. له من الصفات ما يخوله المثول في كل مكان ومن القوة والجرأة ما لا نظير له فاقتضت الحال أن يبدأ بإسكاته قبل كل لسان أي أن يحرق لأنه الناطق الذي لا يسأم كما يسأم المخالفون والمناهضون. فقد أحرق الرومان كتب الإسرائيليين والمسيحيين والفلاسفة وأحرق الإسرائيليون كتب المسيحيين والوثنيين وأحرق المسيحيون كتب الوثنيين والإسرائيليين وأحرق المسيحييون معظم كتب أوريجين أحد زعماء الكنيسة في القرن الثلاث للمسيح وكتب قدماء الملاحدة وأحرق الاردينال كسيمنيس (وزير إسبانيا والمفتش الديني ١٤٣٦ ـ ١٥١٧ ) عندما استولى الإسبان على غرناطة خمسة آلاف مصحف وأحرق أهل المذهب البروتستانتي من البروتانيين في إنكلترا على أوائل عهد الإصلاح ما لا يحصى من الأديار والآثار القديمة وأحرق كرمفل مكتبة أوكسفورد وكانت من أعجب خزائن الكتب في أوروبا. ثم عاد المؤلف إلى الكلام على نمكتبة الإسكندرية ثانية وبرأ المسلمين من إحراقها فقال: تكلمنا على مكتبة الإسكندرية التي شاع بأنها أحرقت بأمر الخليفة عمر عند استيلائه على الإسكندرية سنة ٦٤٠ وقلنا أن هذه المكتبة لم يكن لها وجود في ذاك العهد البتة وأن أحد قسميها حرق قضاء وقدراً سنة ٤٧ قبل المسيح عند هجوم جند يوليوس قيصر وأن القسم الآخر حرق بعد هذا التاريخ بنحو أربعة قرون أي سنة ٣٦٠ على يد الأسقف أو البطريرك تيوفيل الذي كان يرمي إلى إبادة الوثنية في أبرشيته. ولم يعثر على كلمة واحدة قالها مؤرخوا ذاك الزمن من عهد حريقها إلى قدوم عمرو بن العاص عامل الإمام عمر ما يستدل منه ويحمل على الفرض بأنه أنشئت في الإسكندرية مكتبة ولا ينبغي أن يعجب من ذلك إذ من أسبابه أن الآداب والفلسفة الوثنية كانت في تلك الحقبة من الدهر قد حكم عليها بالتبديد في كل مكان حتى أن جوستيناينوس أمر بإغلاق مدارس آثينة. ومعلوم أن ما ينسبونه لعمر من الجواب الذي أجاب به عمرو بن العاص وقد سأل عما يعمل بمكتبة الإسكندرية فقال له: انظر فإذا مكان ما فيها من الكتب يوافق ما في كتاب الله فلا فائدة منها وإذا كانت مخالفة له فليس لنا بها حاجة فأحرقها. وعلى الجملة فقد قال من أورد هذه القصة أن عمرو بن العاص وزع هذه المكتبة على حمامات الإسكندرية فاستعانت بها على إحماء حماماتها ستة أشهر مع أن الورق دع عنك الرق إذا صلح لإشعال النار فلا يصلح لأن تدون به طويلاً. ثم استشهد بقول جان جاك روسو في خطابه في العلوم والفنون: ولو كان غريغوريوس الكبير مكان عمر والإنجيل محل القرآن لكانت مكتبة الإسكندرية بدأت أيضاً على أن البابا غريغوريوس المشار غليه ( ٥٤٠ ـ ٦٠٤ ) متهم بإحراق كتب القدماء ظلماً كما اتهم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وكلن التاريخ لا يظلم أحداً. وقال في كلامه على ما يكتب عليه الكتاب أن الرق هو من اختراع فرغامس (برغامة) في آسيا الصغرى والمطنون أنه عرف قبل خمسة عشر قرناً أما الورق فالأرجح أن الصينيين هم الذين اخترعوه وأن العرب نقلوه إلى أوروبا كما قال الدكتور غستاف لبون في كتابه حضارة العرب: إن الكتاب المخطوط العربي الذي عثر عليه القصيري (الطرابلسي) في مكتبة الإسكرويال مكتوب على ورق من القطن ويرد تاريخه إلى سنة ١٠٠٩ هو أقدم مما عرف من المخطوطات المحفوظة في مكاتب أوروبا تدل على أن العرب كانوا أول من استعاضوا عن الرق بالورق وذلك أن الصينيين كانوا يصنعون الورق من الحرير منذ أزمان بعيدة فدخلت صناعته إلى سمرقند منذ أوائل الصدر الأول للهجرة حتى إذا جاءت العرب تلك المدينة فاتحة رأت فيها معملاً للورق ولكن هذا الاختراع الثمين يصعب الانتفاع به في أوروبا لأن الحرير كان غير معروف فيها اللهم إلا إذا استعيض عن الحرير بمادة أخرى. وقد ظهر من البحث في مخطوطات العرب القديمة أنهم وصلوا في الحلال من صنع الورق إلى درجة من الكمال لم يتجاوزوها ويظهر أنه من الثابت أيضاُ أن صنع الورق من الخرق هو من اختراع العرب على ما في صنعه من التعب وما يحتاج إليه من المهارة وذلك لأن ورق الخرق عرف عند العرب قبل أن يعرفه المسيحيون بأزمان أهـ. وبعد فهذا ما ساعد المقام عليه من الاقتباس من فوائد الكتاب وكنا نود لو عربنا أكثر ما عربنا مما يفيدنا في اجتماعنا وتاريخنا ولكن ما لا يدرك كله لا يترك جله وهذا القدر الذي أوردناه كاف في الدلالة على فضل مؤلفه. والكتاب يطلب من مكتبة أرنست فلاماريون في باريز وثمنه كله اثنان وعشرون فرنكاً ونصف ملا عدا أجرة البريد فنحول أنظار من يعرفون الإفرنسية إلى اقتنائه. رسالة رشيد الدين الوطواط فيما جرى بينه وبين الإمام الزمخشري من المحاورات عني بنشرها أحمد بك تيمور بسم الله الرحمن الرحيم كتب العلامة رشيد الدين محمد بن محمد بن عبد الجليل العمري المشهور بالوطواط إلى الإمام سديد الدين بن نصر الحاتمي: طلبت مني زينك الله تعالى بأنوار المزايا وحماك من كل حادثة ملمة وكل طارقة مهمة ولا أخلاك من فخر تجتليه وجميل ذكر تكتسيه وجزيل أجر تحتسبه وأثر جهل تجتنبه أن أهدي إليك وأملي عليك ما قاله جار الله سقى الله ثراه في كتاب الكشاف في وجه انتصاب شهر رمضان وما قلته من الاعتراض على كلامه واستبعاد مدعاه عن مرامه مما جرى بيني وبين أعز أصحابه أفضل القضاة يعقوب الجندي من السؤال والجواب وها أنا مطبق فيما أقوله مفصل السداد والصواب وقد ذهب من عندي إلى جار الله وأخبره بما قلت فأنصف وأنصت وأبدى خضوعاً لاستماع الصدق وإتباع الحق وقال له: ذكرني هذا الأمر بعض أيام فراغي حتى أصلح من كتابي هذا الفصل وأغير هذا القول فإنه غلط شنيع وخطأ فظيع إلا أنه مرض في تلك المدة ونزلت به المنية وما حصلت تلك الأمنية وقد علم كل من شاهد أحوالي مع جار الله أني كنت عند معظم القدر مفخم الأمر مقبول الكلمات متبوع الإشارات لم يرمني كلمة في أي علم إلا قيدها ببنانه وضبطها في جنانه وأثبتها في دفاتره وأحكمها في خواطره وعدها غنيمة من غنائم عمره وتميمة من تمائم نحره وقد جرى بيني وبينه في حياته وأوقات راحاته مما يتعلق بفنون الأدب وأقسام علوم العرب مسائل أكثر من أن يحصى عددها أو يستقصى أمدها رجع فيها إلى كلامي ونزل على قضيتي وأحكامي فالسعيد من إذا سمع الحق سكتت شقاشق لجاجه وسكنت صواعق حجاجه فمنها مسألة الظبي التي هي جمع ظبة فإنه كتب بخطه أنها من ذوات الياء وأصلها ظبية فقلت أنا أنها من ذوات الواو وأصلها ظبوة فلما امتدت المناظرة واشتدت المذاكرة بعثت إليه كتاب الصحاح يصدق قولي فهجن الكتاب وقال أنه محشو بالتحريفات مشحون بالتصحيفات فبعثت إليه سر الصناعة لابن جني فقال هو رجل وأنا رجل فبعثت إليه كتاب العين فوضع للحق عنقه وسلك مناهج الإنصاف وطرقه واسترد خطه ومزقه تمزيقاً وخرقه تخريقاً بمرأى ومسمع من صدر الأئمة ضياء الدين أدام الله إجلاله وزاد إقباله. ومنها مسألة كلا الرجلين إذ كتب في حالة الجر والإضافة للمظهر بالألف فقلت الصواب أن يكتب بالياء وأيدت قولي بنص ابن دستورية في كتابه الموسوم بكتاب الكتاب وجرى هذا بحضرة الإمام الأجل زين المشايخ البقالي أدام الله سعادته وحرس سيادته ومنها مسألة نسر وفرقد في تثبيتهما بغير ألف ولام في شعري فأنكره وقال لا يجوز هذا في الشعر ولا في غيره فأريته ذلك في شعر المعري وأبي تمام فقال أخطآ حتى أراه سلمان بيته وصدى صوته الإمام فخر الإسلام المؤذني ذلك في شعر الأعشى فعند ذلك لانت خشونته وسهلت حزونته ومنها مسألة الضرب بين المحذوف والضرب الصحيح في شعر واحد من الطويل وقع له في ديوانه في قوله: جوار فريد العصر خير جوار ودار فريد الدهر أكرم دار ثم قال: فلله من جار حمدنا جواره ولله من فرد ولله من دار فضرب الأول محذوف وضرب الثاني صحيح ولا يجوز اجتماعهما في هذا البحر باتفاق العروضيين فلما نبهته على لسان تلميذه المحسن الطالقاني طلب ديوانه وغيره هكذا ولله من نار وموقد نار فاستقام وزنه ومنها مسألة الحادي عشرة والثانية عشرة ومنها مسألة التحية ومنها مسألة تجريد الإمالة ومنها مسألة إدخال الوليد بن الوليد في جملة الكفرة من أولاد الوليد ابن المغيرة وسيأتي ذكره في رسالته إلى الحاتمي. ولو نقلت ما في كنانتي من المكنونات ونثرت ما ادخرته في خزائن المخزونات طال الكلام وكلت الأقلام وإنما ذكرت هذا القدر اليسير ليعلم فتيان هذه الخطة أن هذا الإمام كان صبوراً على مرارة الحق وحرارة الصدق مع أن رب هذه البضائع وصاحب هذه الوقائع. فصل قوله قرأ أبي شهر رمضان بالنصب على تقدير صوموا أو على الإبدال من أياماً معدودات أو على انه مفعول أن تصوموا وأوله قولاه الأولان صحيحان ولا مطعن فيهما وأما الثالث فموضع بحث إذ لا يجوز مثله البتة لأنه لو كان كما زعم كان شهر رمضان تتمة لأن تصوموا ولكن مجموعها في حكم مبتدأ واحد وصار تقديره صوم رمضان خير لكم وليس بجائز أن تجعل المبتدأ نصفين وتفصل بينهما وتدخل الخبر في وسطهما أما يكون خبر المبتدأ متأخراً عن المبتدأ وهو الأصل أو مقدماً عليه بشرط التعريف وغيره من الشروط وهذا هو الفرع وأما أن يكون واقعاً بين شرط من المبتدأ فليس من كلام العرب كقول القائل لمن ينفعه اللحم أن تأكل اللحم خير لك صحيح وقوله خير لك أن تأكل اللحم صحيح فأما قوله أن تأكل خير لك اللحم فغير صحيح وهذا قولي استحسنه جار الله والله أعلم بكتابه وأعرف بأسرار خطابه. وقد كتبت هذه الرسالة فعليك بحفظها عن هؤلاء الذين لا يفهمون الدقائق ولا يعلمون الحقائق فإني حررتها لأمثالك من ذوي الفهم والهداية وأشكالك من أولي العلم والدراية لا لهؤلاء الذين عميت أبصارهم وبصائرهم وصدئت أفكارهم وخواطرهم فإن رياض العلم لا تفتق للمجانين وحياض الرحمة لا تدفق للشياطين والسلام. وقفة في الروض ناح الحمام وغرّد الشحرور هذا به شجن وذا مسرور في روضة يشجي المشوق ترقرق للماء في جنباتها وخرير ماء قد انعكس الضياء بوجهه وصفا فلاح كأنه بلور قد كاد يمكن عند ظني أنه بألماس يوشر منه لي موشور وتسلسلت في الروض منه جداول بين الزهور كأنهن سطور حيث الغصون مع النسم موائل فكأنهن معاطف وخصور ماذا أقول بروضة عن وصفها يعيا البيان ويعجز التعبير عني الربيع بوشيها فتنوعت للعين أنوار بها وزهور مثلت بها الأغصان وهي منابر وتلت بها الخطباء وهي طيور متعطر فيها النسيم كأنما جيب النسيم على الشذا مزرور للنرجس الملطلو ترنوا أعين فيها وتبسم للأقاح ثغور اتخذت خزاماها البنفسج خدنها وغدا يشير لوردها المنثور وكأن محمر الشقيق وحوله في الروض زهي الياسمين يمور شمع توقد في زجاج أحمر فغدا حواليه الفراش يدور وتروق من بعد بها فوارة في الجو يدفق ماؤها ويفور يحكي عمود الماء فيها آخذا صعداً عمود الصبح حين ينير ناديت لما أن رأيت صفاءه والنور فيه مغلغل مكسور هل ذاك ذوب الماس يجمد صاعداً أم قد تجسم في الهواء النور تتناثر القطرات في أطرافها فكأنما هي لؤلؤ منثور ينحل فيها النور حتى قد ترى قوس السحاب لها بها تصوير كم قد لبست بها الضحى من روضة فيها علتني نضرة وسرور فأجلت في الأزهار لحظ تعجبي ولفكرتي بصفاتهن مرور فنظرتهن تحيراً ونظرنني حتى كلانا ناظر منظور فكأن طرف الزهر ثمة ساحر لما رنا وكأنني مسحور إن الزهور تكنهن براعم مثل العلوم تجنهن صدور وتضوع النفحات منها مثله تبيينها للناس والتقرير وبتلك قلب الجهل مصدوع كما ثوب الهموم بهذه مطرور والزهر ينبته السحاب بمائه كالعلم ينبت غرسة التفكير إن كان هذا في الحدائق بهجة يزهو فذلك في النهى تنوير أو كان هذا لا يدوم فإن ذا ليدوم ما دامت تكر عصور مطبوعات ومخطوطات سياحة في تركستان أو بلاد كشغر نشر الأستاذ هارتمان من علماء المشرقيات الألمان سياحة له بالألمانية إلى بلاد كشغر أو تركستان وصف فيها جغرافية تلك البلاد وحكوماتها السالفة وطرقها وعلائقها مع الأمم وتاريخها القديم والحديث وإدارتها الصينية وما كان له من الصلات مع موظفيها وعلاقة الكشغربين بالأجانب ولغتهم وآدابهم ودينهم وتعليمهم ودروسهم وارتقاءهم العقلي. والسارتيين والمبشرين الأوروبيين من الإنكليز والسويديين والألمان وصادرات تلك البلاد ووارداتها وتجارتها وما يرجى لها من التقدم وقد جعل كتابه هذا لخدمة أمته في سياستها وتجارتها فوجه أنظار حكومته ومواطنيه لبلاد خاضعة بالاسم للصين ولكنها تخالفها من حيث أصول سكانها ولغتها ودينها. وبلاد تركستان الصينية أو كشغر أتى عليها زمن كانت مستقلة منذ بضعة قرون على عهد سلاطين ويغور أما اليوم فإن الإسلام قتل فيها على رأيه حالتها العقلية والصناعية فليس فيها ما تستطيع أن تنهض به وحدها وتستعيد سالف استقلالها. فأصبح من اللازم إنشاء مملكة حسنة الإدارة في تلك البلاد بين آسيا الشرقية وآسيا الغربية أي في طريق الحرير وما من دولة أوروبية تحدثها نفسها في الاستيلاء على تلك البلاد لأن روسيا ضعيفة وإنكلترا لها من المشاغل بغيرها ما يصدها عن اكتساحها والصين ليس في وسعها أن ترمي بقسم من شعبها ثمت وأن تجعل لها جيشاً ضخماً من أبنائها يكون على قدم الدفاع عنها وهي عارفة بأن مركزها مقلقل. ولذلك احتاجت بلاد كشغر إلى الغريب لينهضها من كبوتها. ولو كان فيها بعض الأهلين من المسيحيين لكان المرسلون المسيحيون ينفعون البلاد كما هو الحال في سورية ولكن الشعب هناك مسلم كله فليس في الإمكان أن يدعى إلى النصرانية لما أن ذلك يهيج تعصبه ولا يأتي بنتيجة. ومن خرج من الإسلام فجزاؤه القتل عند المسلمين. فليس إذاً غير المرسلين البروسيين يعرفون من أين تؤكل الكتف ويتخذون طريقة توصل إلى المقصود فلا يدعون إلى الدين بل يتوفرون فقط على تقوية التجارة والصناعات. وستجد ألمانيا في تلك البلاد مصارف مهمة لتجارتها تنتفع بها كل الانتفاع ولاسيما إذا كانت كل ذاهبة إليها على شرط أن تؤسس فيها مملكة مستقلة تحت حماية الصين ولا يكون الإسلام دين حكومتها الرسمي بل تكون على الحياد تجري فيها الحرية المطلقة على أصولها لجميع النحل والملل وتتعاهد الدول بينها على ضمانة ذلك كله. والترك والتاتار هناك قد أفسدهم الحشيش والقمار فلا يستطيعون إدارة البلاد بيد القرغيز هم أكثر عدداً وأكثر متانة وقوة وليس عندهم أثر للتعصب. أ. ج الترغيب والترهيب طبع هذا الكتاب الجيد التأليف في الهند وهو من تأليف الإمام الحافظ زكي الدين عبد العظيم بن عبد القوي المنذري المتوفى سنة ٦٥٦ وأعاد طبعه الآن أحمد ناجي أفندي الجمالي ومحمد أمين أفندي الخانجي الكتبي وأخوه فجاء في مجلدين من القطع الكبير تبلغ صفحاتهما معاً زهاء ٦٦٠ صفحة وقد قسمه مؤلفه إلى أبواب كثيرة تدور على ما ورد في الترغيب والترهيب صريحاً بدون ذكر الأسانيد المطولة وميز بين الأحاديث الصحيحة والحسنة أو ما قاربها وبين ما كان إسناده ضعيفاً وإن كان من تقدم من العلماء أساغوا التساهل في أنواع الترغيب والترهيب حتى أن كثيراً ذكروا الموضوع ولم يبينوا حاله وقد استوعب فيه جميع ما كان متداولاً في كتب الحديث لعهده. وهو يطلب من طابعيه بالحلوجي بمصر. لا مساسية الأستاذ أغناس غولدسهير المجري من أفراد علماء المشرقيات في أوروبا اليوم عرف بأبحاث كثيرة كتب بعضها بالألمانيبة وبعضها متلق بالملل والنحل وأمامنها الآن من أبحاثه الأخيرة رسالة في مسألة السامري وعجل الذهب وروايات الكتب السماوية والتاريخية فيها وقد نشرها في المجلة الإفريقية باللغة الإفرنسية أولاً ثم أفردها على حدة فجاءت شاهدة بسعة اطلاعه. دروس القراءة أهدينا القسم الأول والقسم الثاني من هذه الدروس للشيخ محي الدين الخياط محرر جريدتي بيروت والإقبال وفي القسم الأول خمسة فصول الفصل الهجائي والأخلاقي والفكاهي والحكمي والديني وفي القسم الثاني الفصل الأخلاقي والحيواني والفكاهي والحكمي والديني وكلها مشكولة بالشكل الكامل مطبوعة على نفقة محمد شاكر أفندي ياسين طبعاً متقناً تسهل على الصغار القراءة من أيسر السبل فعساها تلاقي في المدارس إقبالاً. كشف الستار صنف السيد أحمد بك الحسيني الفقيه الأصولي المشهور نبذة من حكم القابض على المستجمر بالأحجار وأنه لا تبطل صلاة حامل الصبي إلا إن تحقق نجاسة ثوبه وأتى على ذلك بنصوص المتقدمين والمتأخرين عراقيين وخراسانيين وما رجحه في هذا الباب فجاءت رسالة مستوفاة في بابها ترفع الحرج عن المصلين وتشهد لمؤلفها بالفضل المبين وهي في نحو ١٨٠ صفحة مطبوعة طبعاً متقناً بمطبعة كردستان العلمية بالقاهرة على ورق جيد. الإنشاء العصري طبع محمد عمر أفند نجا من أدباء بيروت كتابه الإنشاء العصري طبعة ثانية مضيفاً إليها زيادات لم تكن في الأصل فتوسع في القسم التجاري منه فمثل أكثر قواعد كتاب التجارة في معاملاتهم وأتى على جدول الأوزان والقياسات فكانت الزيادة في صفحات الكتاب ١٧١ فأصبح أربعمائة صفحة متوسطة الحجم مطبوعاً في المطبعة الأهلية طبعاً متقناً وفي الكتاب رسائل تجارية وأخوانية ورسمية وغيرها وأنموذجات من المعاملات وأكثرها في اصطلاح سورية بالطبع وهذا الكتاب في بابه مستوفى الشروط فنثني على همة مؤلفه وهو يطلب من المكاتب الشهيرة بمصر والشام وثمنه هنا سبعة قروش. المقصور والممدود هذا الكتاب تأليف أبي العباس أحمد بن محمد بن الوليد بن ولاد النحوي المتوفى سنة ٣٣٢ طبع للمرة الأولى في اوروبا وأعاد طبعه الآن محل محمد أمين أفندي الخانجي وشركائه. ذكر مؤلفه فيه من المقصور والممدود ما كان منه مقيساً وغير مقيس وألفه على حروف المعجم مثال ذلك الثر فإنها تكتب على وجهين فالثرى من الندى مقصور يكتب بالياء لأنهم يقولون في تثنيته ثريان ويقال كأنه مطر التقى منه الثريان يريدون الظاهر والثرى الباطن وثري الكثيب يثرى فهو ثريان والثرء في كثرة المال ممدود. والكتاب نافع للمشتغلين باللغة لأنه يوفر عليهم عناء الرجوع إلى المعاجم للتمييز بين المقصور والممدود من الأسماء إذا اشتبهت عليهم. فن الرسم نظم الشيخ حسين محمد الجمل أرجوزة من ١٦٠ بيتاً ضمنها قواعد فن الرسم والإملاء ليسهل حفظها على المبتدئين بالعربية قال إنه أقرأها التلاميذ حفظاً وفهماً فلم يقعوا بعد ذلك فيما كانوا يتخبطون فيه من الخطأ فنشكر له همته. سير العلم والاجتماع  الجمعية الخيرية الإسلامية أصدرت هذه الجمعية تقريرها عن سنه ١٩٠٨ جاء فيه أن أملاكها بلغت ٥١٨ فداناً و ١٨ قيراطاً و ٤ أسهم ودفعت كل ما كان باقياً عليها من ثمن أطيانها وبقي معها ٧٥٥٥ ج. م وبلغ ريع أطيانها ٣٥٣٩ ج. م وإيرادها من أوقافها ٥٠٩ ج، م وخصص لها في السنة ألف جنيه من الأوقاف الخيرية إعانة وعدد مدارسها في القطر المصري ثماتن فيها ١٣٣٨ تلميذاً منهم ٦٤٨ يتعلمون بالمجان وصرفت على مدارسها ٦٧٤٤ ج. م وستنشئ مدرسة لتعليم الفقيرات الخدمة المنزلية وتربيهن التربية الأدبية للخدمة في بيوت الأغنياء ووزعت في السنة الماضية ٩٤٥ ج. م إعانات وعدد أعضائها الآن ٥٤٦ عضواً والمساعدين ١٢٢ وبلغ إيرادها من احتفالها السنوي ٢٤٤٨ وما تبرع به المحسنون ٥٩٧٠ . وقف خيري وقف أحمد مظلوم باشا ناظر المالية المصرية وقرينته ١٧٥٠ فداناً من أجود أطيانهما وقصرهما برمل الإسكندرية على ذوي قرباهما ومن بعدهم إلى جمعية العروة الوثقى لتصرف ريعه في شؤون التربية وخصصا للجمعية حصة يقدر ريعها بألف جنيه سنوياً تتناولهما وبعدهما. مدرسة الفنونالجميلة فتحت مدرسة للفنون الجميلة التي أنشأها في القاهرة من ماله الأمير يوسف كمال لتعليم التصوير والنقش وهي تسع ثلثمائة طالب وطالبة وقد دخل هذا القدر منهم لتعلم هذهالفنون التي هي بنت الحضارة والارتقاء. ورق من تراب النفط يصنعون الآن في ضواحي كاباك من أعمال ولاية مشيغان في الولايات المتحدة نوعاً من الورق بحيث لا تمضي ساعتان على وضع المادة المؤلف من هذا الورق حتى يخرج ورقاً للصر أرقى من الورق المصنوع من الخشب وأل منه كلفة وهو لا ينفذ ولا يرشح ويصلح لوضع الفراء والأصواف فيقيها العث وغيره من الحشرات وقد أخذوا يصنعون منه علباً ومقويات يتطلبها باعة الفرو والثياب ولكن لونه أزرق وهم يحاولون أن يجعلوا منه نوعاً أبيض. معدن جديد اكتشف أحد الفرنسيس معدناً جديداً اسمه البلانشييت وهو مركب من حامض الصوان ومادة أخرى نحاسية أزرق اللون وهو موجود في بلاد الكونغو. اساقفة الكثلكة يبلغ عدد الكرادلة الكاثوليك الآن ٥٦١ كردينالاً منهم ٣٦ إيطالياً هذا مع أن إيطاليا ليس فيها سوى ٣٠ مليوناً ممن ينتحلون الكثلكة من مجموع ٢٣٠ مليوناً من الكاثوليك في العالم وللكثلكة ٦٠٥ أساقفة من الأوروبيين منهم ٢٥٨ إيطالياً على حين ليس من كاثوليك ألمانيا وفيها ٢٢ مليوناً منهم سوى ٢٥ أسقفاً. ثروة روسيا أحصى أحد المدققين ما دخل على روسيا من المال وما خرج منها في خلال السنة الماضية فكان مجموع ما دخل عليها من أموال القروض وغيرها من الواردات غير المقررة عشرة مليارات ومائتينيوأربعة ملايين روبل صرفت مشرة مليارات وأربعمائة وخمسة عشر مليوناً. وتبلغ ديونها تسعة مليارات وثمانمائة مليون روبل أي ٢٦ مليار فرنك أنفقتها في ثلاثة فروع منها أربعة مليارات وستمائة مليون في سبيل الحروب الخارجية وأصاب الحرب اليابانية منها مليارين ومنها ثلاثة مليارات على إنشاء الخطوط الحديدية وابتياع بعض ما في بلادها منها وأسلفت المصارف العقارية للأشراف والفلاحين ١٢٢٥ مليون روبل كما أعطت مليارين ثمن أراضي في سيبيريا إلى أصحابها المستعبدين وفي بلاد روسيا ٤٤ الف كيلومتر من السكك الحديدية ريعها السنوي ٦٥ مليون روبل وتعطي ٢ . ١٢ في المئة من أصل المبلغ المستقرض لإنشائها والباقي تدفعه الخزينة وتزيد واردات سككها حيناً عن آخر بزيادة سكانها وكثرة تنقلاتهم وجودة المستغلات. وتبلغ مساحة أراضيها الزراعية في أوروبا ٤٣٠ مليون هكتار منها ١٦٥ مليون للحكومة والمدن والإقطاعات وغيرها والأراضي في روسيا كثيرة والناس لا يشكون من قلتها بل من قلة توفر بعض الفلاحين على حسن الانتفاع بها. والفلاح الروسي أغنى فلاحي العالم بكثرة ما يملك من الأراضي وأقلهم ثروة. تربية الجنسين مضت الشهر الأخيرة والنزاع على أشده في الولايات المتحدة بين المعلمين والمعلمات للبحث عما إذا كان الإنصاف يقضي بأن ينال المعلمات من المشاهرات بقدر ما يقبض المعلمون. ومعلوم أن الولايات المتحدة تصرف القسم الأعظم من واردات بلدياتها على التعليم. فقد كان سكان مدينة نيويورك سنة ١٩٠٠ ، ٣٤٣٧٢٠٢ وميزانيتها ١١٨٧٤٠٥٩٦ ريالاً تنفق منها على المدارس ١٩٧٣١٦٢٩ والباقي على الدين العام والشرطة ورجال المطافئ والمستشفيات والملاجئ الخيرية وغيرها هذا ما عدا الخمسة ملايين ونصف ريال التي أنفقتها تلك السنة على إنشاء مدارس جديدة وكانت ميزانية فيلادلفيا في تلك السنة ٣٤٦٠٥٩٤٨ وعدد سكانها ١٢٩٣٦٩٧ أنفقت منها ٤١٨٦٠٠٠ على المدارس وكان سكان بوسطون في تلك السنة ٥٨٠٨٩٣ وميزانيتها عشرين مليون ريال خصصت منها ثلاثة ملايين للمدارس وعلى هذا فتنفق نيويورك التي ثار فيها النزاع بين المعلمين والمعلمات أكثر من جميع الولايات على المعارف فهي تصرف واحداً من ستة من وراداتها وبوسطون واحداً من سبعة وفيلالفيا واحداً من ثمانية. ثم أن عدد المعلمات في أميركا أكثر من عدد المعلمين وما زال عددهن آخذاً بالازدياد أكثر فقد كان عدد المعلمين في الولايات المتحدة سنة ١٨٧٠ ، ٧٧٥٢٩ معلماً وعدد المعلمات ١٢٢٩٨٦ فأصبح المعلمون في سنة ١٩٠٤ ، ١١٣٧٤٤ والمعلمات ٣٤١٤٩٨ وعدد المعلمين إن لم يكن في نقص فهو لا ينمو على العكس من عدد المعلمات فقد كان عددهن منذ ثلاث سنين يربي على عدد المعلمين ثلاثة أضعاف. قامت إنثا عشر ألف معلمة في نيويورك يطالبن بحقوقهن قائلات: إذا تساوى العمل وجب أن تتساوى أجرته فليس من العدل أن يعمل النساء في هذا المعنى كالرجال ولا ينلن من الأجور إلا ثلث ما ينال الرجل وإذا قدر لهن أن بلغن إحداهن الدرجة الأولى تقبض ٢٥٠٠ دولار على حين يقبض الرجل ٣٠٠٠ فاضطرت حكومة نيويورك إلى أن يجيبهن إلى مطالبهن وزادت ثلاثة ملايين دولار على ميزانية معارفها وكانت عشرين مليون دولار في نيويورك وحده كما تقدن وقد تلكأ مجلس الأمة أولاً على الموافقة على هذه الزيادة للمعلمات ورأى رفضه من الحكمة مخافة أن يتدرج ذلك إلى الأعمال الأخرى التي تشارك فيها المرأة الرجل في تلك الديار ويقوم النساء يطالبن بزيادة فيختل نظام البلاد الاقتصادي غلا أنه لم يسعه بعد الإقرار على زيادة ميزانية المعارف إلا أن يأخذ الرجال والنساء بحظ منها على السواء. كتب مفوض الولايات المتحدة في الإشراف على العمل والعمال سنة ١٨٩٦ تقريراً على ١٠٦٩ مركزاً في ثلاثين ولاية من ولايات أميركا جاء فيه أن النساء يربحن في المغاسل أقل من ٢٣ في المئة من الرجال مع أنهن يعملن عملاً واحداً وأن النساء يقبضن ٢٤ في المئة أقل من الرجال في المطاعم و ٢٨ في المئة في معامل الأحذية و ٤٦ في صنع العلب و ٦١ من صنع الفرش والأثاث وفي معامل السكاكين ١١٦ في المئة والورق ١١٧ ومثلها في المخازن والمكاتب وفي مكاتب الضمان ٢٩ في المئة وفي مكاتب الوكالات عن أدوات الخياطة ٦٦ في المئة. ولئن كانت الولايات المتحدة تزيد ميزانيتها في المعارف سنة عن سنة فإن هذه الزيادة تصرف في الغالب في بناء مدارس فخيمة وابتياع أدوات فاخرة فقد بلغ ما صرفته الحكومة هناك على المصارف سنة ١٨٩٠٣ ، ٧١٠٥٩٩٩١٩٠ ريالاً ولم يأخذ المدرسون والمدرسات سوى نحو ٣٦ مليون دولار. وتبين بالإحصاء أن إقبال الرجال على التعليم قل بعد حرب أميركا مع إسبانيا ولم يعد يتمحض للتعليم إلا من شغفوا به ورغبت النفوس عن اتخاذه حرفة للارتزاق بها وذلك لأن المتعلم من الطراز الأول كألئك الأساتذة قد يربح أضعاف ما يتناول من التدريس إذا انصرف للأعمال الحرة. وقلق رجال العلم في أميركا من دوام إقبال النساء على التعليم وانصراف وجوه الرجال عنه وقالوا بأنه سيجيء زمن ينحصر التعليم في أميركا بأيدي النساء وقال رؤساء الكليات ومديرو المدارس ونظارها أن تدريس الرجال أرقى من تعليم النساء. وأثبتوا أن من الضروريات في التعليم البيان والنظام وأن صبر المرأة ووجدانها وإدراكها ربما كانت أرقى من طبيعة الطفل المتعلم ولكن كل هذه الصفات لا تجبر النقص المحسوس في أسلوبها في التعليم وذلك لأن ضعفها المحسوس عن التفصيل يزيد هذا النقص استحكاماًُ ويجيء ضغثاً على إبالة فيما يتجلى في دروسها من الإبهام. تقوم المدرسات في المدارس الابتدائية بأعمالهن خير قيام لما أن الموضوع واضح في ذاته وما هو إلا حروف وأرقام ولكن إذا عهد إليهن تدريس النحو يوردن القاعدة وشواذها ويضعفن عن التبيان وتخونهن أساليب التفهيم وبيان الروابط بين الموضوعات وقد ظهر أن الفتيات يفضلن الأخذ عن المعلمين إذا أردن تعليماً سليماً بسيطاً والفتيان لا يؤثرون التخرج بالمعلمات وغذا كانت الكتب المدرسية واضحة الأسلوب لا يقتضي لها إلا تقرأها المعلمة فتقوم قراءتها مقام الشرح والعبارات المنطقية. ولكن كتب التدريس في أميركا إذا قوبل بينها وبين أمثالها في ألمانيا وفرنسا يتبين أنها أحط بكثير. ولا يجب أن يؤخذ من هذا بأن الواجب إيصاد أبواب التعليم في وجوه النساء فإن المرأة يحق لها أن تعيش كالرجل. ولكن ظهر أن النساء في البلاد الإنكليزية السكسونية حيث صحت عزائمهن على منافسة الرجل لا يصلن إلى المناصب السامية إلا نادراً وهذا مما يثبت ما هن عليه من الانحطاط العقلي. وإنا نرى المرأة تنجح أحياناً أكثر من الرجل في الأعمال التي يكون الدافع غليها الغرام والهوى أكثر من إعمال الفكر والقوى كأن يكون منهن ممثلات ومغنيات يفقن الممثلين والمغنين ومنذ استولين على هذين الفرعين في أميركا وإنكلترا أنزلن درجة فن الأدب فيهما وسبب نجاحهن بل تفردهن بهذين الفرعين ناشئ في الأغلب من درجة مالية وذلك لرضاهن بالقليل من المال على ما هو العكس في الرجال. ومستحق ألمانيا وإنكلترا وأميركا في هذا الشأن فيكون نساؤها قابضات على أزمة التمثيل والغناء فيها بعد قليل من الزمن. والعلوم التي تبرز فيها النساء حقيقة على صورة مدهشة هي الرياضيات لأن موضوعها يعصمهن من الغلط وتدقيقهن فيها ناشئ من نفس الموضوع لا من قوة عقل المرأة. وحري بالرجال في الشؤون العقلية على الأقل أن لا يحرموا من حقوقهن ولا دليل ينهض على هذه القضية أكثر من أن الأميركي فإنه لم يأت بشيء خارق للعادة حتى الآن في عالم العلم وذلك لأن المرأة تعده للسير في هذا السبيل قبل دخوله الكليات. وليس النساء مسئولات عن الميل في إهمال التهذيب المنظم للذاكرة ولكنهن لم يخلقن على ما نرى ليعلمن الولد طريقة صالحة في تصحيح الأفكار أما من حيث الأخلاق فإن تعليم النساء للرجل ليس طالع خير فمنذ سنين ذهب بضع مئات من الأساتذة والمعلمين الإنكليز إلى أميركا على نفقة المستر موسلي أحد أغنياء الإنكليز للبحث عن طريقة التربية في الولايات المتحدة ومما لاحظوه ملاحظة خاصة في تقريرهم تأثير التربية التي تربيها النساء الرجال وأثرها المدهش في المجتمع الأميركي ونعني بهذا التأثير قلة أخلاق الرجولية فيه وما كانت ملاحظة تلك اللجنة هي الأولى من نوعها بل أن غير الأميركيين كثيراً ما كانوا يدهشون مما يبدو لأنظارهم من هذا القبيل. رجال الأميركان يعنون من وراء الغاية في المحافظة على الست وثلاثين ألف قاعدة في مصطلحات المدنية الاجتماعية فيبالغون في التأنق بلباسهم مبالغة مفرطة ويدققون كل التدقيق في القيام بأقل ما تقتضيه سنة الأزياء ويرققون ألفاظهم ترقيقاً يقربها أبداً من التكلف ولا ينسب ذلك غلا لتسليم مقاليد التربية للمرأة. ولو استطاع المرء أن يكون تاماً في هذا المعنى لما كان ذلك بأس بل قد يحدث كثيراً أن المبالغة في التزيي والمنافسة في الحصول على صفات الظرف الذي لم تجعله الطبيعة من خصائص الرجل تعبث بمروءته ولكن إذا كانت أخلاقه من المتانة بحيث لا تفسد رجوليتها لا تلبث الرجولية أن تزيد فيه مستقلة عن كل تأثير من تأثيرات الحضارة ولا يكون تكلف الظرف واللطف إلا ظواهر خداعة ويبعد عن درك علاقة التمدن والتجمل في الحياة الاجتماعية بحياة الأعمال. وقد أدرك بعض الأميركان نتيجة هذه التربية النسائية وسجلوا شيئاً من سيئاتها متى جاوزت حد القراءة والكتابة والحساب. ومن سوء أثر هذه التربية في الأميركان أن الرجل يرى نفسه أحط من المرأة مهما تصنع لها ويرى من كرمها أن تعطف عليه وهكذا حتى أصبح المجتمع الأميركي أنثوياً فيه من ضروب التكلف والغرابة أشكال وألوان. انتهى ملخصاً من مقالة لأحد علماء فرنسا.</passage>
<license>Distributed under a Creative Commons Attribution-ShareAlike 4.0 International (CC BY-SA 4.0) license</license>
<source>https://github.com/tillgrallert/digital-muqtabas/blob/master/xml/oclc_4770057679-i_31.TEIP5.xml retrieved via Canonical Text Service http://cts.informatik.uni-leipzig.de/muqtabas/cts/ with CTS URN urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.31.TEIP5:</source>
</reply>
</GetPassage>
