<?xml version="1.0" encoding="UTF-8"?><GetPassage xmlns="http://relaxng.org/ns/structure/1.0" xmlns:a="http://relaxng.org/ns/compatibility/annotations/1.0" xmlns:tei="http://www.tei-c.org/ns/1.0">
<request>
<requestName>GetPassage</requestName>
<requestUrn>urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.30.TEIP5:</requestUrn>
</request>
<reply>
<urn>urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.30.TEIP5:</urn>
<passage>العدد ٣٠ بتاريخ: ١ - ٧ - ١٩٠٨ صدور المشارقة والمغاربة عبد الله بن المقفع وعبد الحميد بن يحيى نشأ للعربية في أوائل القرن الثاني للهجرة كاتبان بليغان يصح أن يدعيا واضعي أساس الإنشاء العربي وناهجي طريقة الكتابة المرسلة فكانا مناراً يهتدى به إلى يوم الناي هذا ونعني بهما عبد الله بن المقفع وعبد الحميد بن يحيى الكاتب. ظهر هذان الإمامان واللغة في نضرتها الأولى فكان لهما من فطرتهما السليمة أعظم مساعد لهما على النبوغ وزادت شهرتهما مساعد لهما على النبوغ وزادت شهرتهما لاتصالهما بالخلفاء والأمراء ومرانهما على الكتابة في الأغراض الكثيرة التي كانت تطلب إليهما فيخوضان عبابها مجليين مبرزين. نشأ ابن المقفع في العراق على ما ينشأ عليه أبناء اليسار وكان والده ينتحل نحلة مجرس الفرس ولي خراج فارس للحجاج بن يوسف الثقفي في الدولة الأموية. ولقب المقفع لأن الحجاج ضربه فتقفعت يده أي تشخبت لمدها لأخذ الأموال على ما يقال. وربي ابنه عبد الله تربية إسلامية وأولع بالعلم وهو مكفي المؤونة فجاء منه في سن العشرين ما يندر أن يكون مثله لأبناء الأربعين والخمسين. واتصل بعيسى بن علي عم السفاح والمنصور الخليفتين الأولين من بني العباس وكاتب له واختص به وأراد أن يدين بالإسلام فجاء إلى عيسى ابن علي وقال له: قد دخل الإسلام في قلبي وأريد أن أسلم على يدك. فقال له عيسى: ليكن ذلك بمحضر من القواد ووجوه الناس فإذا كان الغد فاحضر. ثم حضر طعام عيسى عشية ذلك اليوم فجلس ابن المقفع يأكل ويزمزم على عادة المجس فقال له عيسى: أتزمزم وأنت على عزم الإسلام فقال: أكره أن أبيت على غير دين. فلما أصبح اسلم على يده فسمي بعبد الله وكني بأبي محمد. أهم كتب ابن المقفع التي طار ذكرها كتاب كليلة ودمنة الذي نقله عن الفارسية ورسالته المعروفة باليتيمة في طاعة السلطان. قال القفطي وهو أول من اعتنى في الملة الإسلامية بترجمة الكتب المنطقية لأبي جعفر المنصور وترجم كتب أرسطو طاليس المنطقية الثلاثة وهي كتاب قاطيغورياس وكتاب باري أرمينياس (أوبارميناس) وكتاب أنا لوطيقا وذكر أنه ترجم إيساغوجي تأليف فرفوريوس الصوري. والأرجح أنه نقل هذه الكتب عن الفارسية أو نقلها له ناقل عن اليونانية وصاغها هو في قالب عربي فنسبت له إذ لم يثبت أنه كان يعرف غير الفارسية من اللغات. وعبارة ابن أبي أصيبعة في تاريخ الأطباء تشبه قول القفطي في تراجم الحكماء والغالب أنهما نقلا عن مصدر واحد مع تغيير طفيف في عبارتيهما. قال ابن النديم واسمه بالفارسية روزبة وهو عبد الله بن المقفع ويكنى قبل إسلامه أبا عمرو فلما أسلما اكتنى بأبي محمد والمقفع بن المبارك إنما تقفع لأن الحجاج بن يوسف ضربه بالبصرة في مال احتجنه من مال السلطان ضرباً مبرحاً فتقفعت يده وأصله من خوز مدينة في كور فارس وكان يكتب أولاً لداود بن عمر بن هبيرة ثم كتب لعيسى بن علي على كرمان وكان في نهاية الفصاحة والبلاغة شاعراً فصيحاً وهو الذي عمل شرط عبد الله ابن علي على المنصور وتصعب في احتياطه فيه فاحفظ ذلك أبا جعفر فلما قتله سفيان بن معاوية حرقاً بالنار وقع ذلك من المنصور بالموقع الحسن فلم يطلب بثاره وطل دمه وكان أحد النقلة من اللسان الفارسي إلى العربي مضطلعاً باللغتين فصيحاً بهما وقد نقل عدة كتب من كتب الفرس منها كتاب خداينامة في السير كتاب آيين نامة في الإصر وكتاب كليلة ودمنة وكتاب مزدك كتاب التاج في سيرة أنوشروان كتاب الآداب الكبير ويعرف بماقراحسيس كتاب الأدب الصغير كتاب اليتيمة في الرسائل. وقال أن أبا الجاموس ثور بن يزيد أعرابي كان يفد البصرة على آل سليمان بن علي وعنه أخذ ابن المقفع الفصاحة ولا مصنف له وقال: بلغاء الناس عشرة ابن المقفع، عمارة بن حمزة، حجر بن محمد، محمد بن حجر، أنس بن أبي شيخ، وعليه اعتمد أحمد بن يوسف الكاتب، سالم بن مسعدة الهرير، عبد الجبار بن عدي، أحمد بن يوسف، وذكره في الشعراء الكتاب فقال أنه مقل وقال وقد كانت الفرس نقلت في القديم شيئاً من كتب المنطق والطب إلى اللغة الفارسية فنقل ذلك إلى العربي عبد الله بن المقفع وغيره وقال في الكتب المصنفة في السماء والخرافات أن عبد الله بن المقفع من جملة من كان يعمل الأسمار والخرافات على ألسنة الناس والطير والبهائم. والراجح أن الحسد غلت مراجله في صدور بعض معاصريه والمعاصرة كما قيل حرمان فنسبوا إليه ما نسبوا من الزندقة لقصورهم عن بلوغ شأوه أو لغرض في أنفسهم قال ابن خلكان نقلاً عن الجاحظ: أن ابن المقفع ومطيع بن إياس ويحيى بن زياد كانوا يتهمون في دينهم قال بعضهم: كيف نسي الجاحظ نفسه. قلنا وعبارة الجاحظ في بعض رسائله بشأن ابن المقفع تشير إلى قصوره في علم الكلام فقط فإنه قال: فصلٌ ومن المعلمين ثم من البلغاء المتأدبين عبد الله بن المقفع ويكنى أبا عمرو وكان يتولى لآل الأهتم وكان مقدماًُ في بلاغة اللسان والقلم والترجمة واختراع المعاني وابتداع السير وكان جواداً فارساً جميلاً وكان إذا شاء أن يقول الشعر قاله وكان يتعاطى الكلام ولا يحسن منه لا قليلاً ولا كثيراً وكان ضابطاً لحكايات المقالات ولا يعرف من أين غر المغتر ووثق الواثق وإذا أردت أن تعتبر ذلك إن كنت في خلص المتكلمين ومن النظارين فاعتبر ذلك بأن تنظر في آخر رسالته الهاشمية فإنك تجده جيد الحكاية لدعوى القوم رديء المدخل في مواضع الطعن عليهم. وقد يكون الرجل يحسن الصنف والصنفين من العلم فيظن نفسه عند ذلك أنه لا يحمل عقله على شيء غلا بعد به. أهـ. لا جرم أن إطلاق ابن المقفع لسانه في المعتزلة دعا أحد أئمتها إلى أن يصدر عليه هذا الحكم الغريب ولكن الجاحظ أيضاً على ثبوت تدينه لم يسلم من هذا الطعن كما رأيت. وأن مسألة التهمة في الدين من الأمور التي شاعت في كل عصر ومصر ويكون المتهمون بها في معظم الأحوال أبرياء وإلا فكيف تسجل الزندقة على ابن المقفع إذا جرينا مع الدليل. وليست الزندقة بحثاً عما يضمره الإنسان في نفسه لأن مثل هذا لا يطلع عليه إلا الله تعالى ويكفي أن يقال هلاّ شققت عن قلبه. بل الزندقة التي تذكر في الكتب وتترتب عليها الأحكام ويسوء أن يقال عن فلان أنه زنديق أمور تقوم عليها بينات ظاهرة من أقوال وأفعال وكلام ابن المقفع في الدين يدل على شدة تمسكه وفرط ميله على ما يتجلى لك من رسائله. ولو كان ثم سبيل لما ينسب إليه لاسيما مع غضب المنصور عليه لكان الأقرب أن يتقرب مثل المنصور بمثل ذلك وفيه ما فيه من إرضاء العامة وشفاء الغليل من العدو بحيث ينتقم منه مع إسقاطه ولا يعدم المنصور حينئذ حيلة في قتله جهاراً بهذه التهمة. أما اتهام ابن المقفع بمعارضة القرآن فتنصرف على القاعدة في اتهامه بالزندقة وما نظن القاضي عياض والباقلاني إلا ناقلين عن أناس من أهل السذاجة ومع ذلك فإنهما قالا أنه أناب. التهمة بالزندقة أمر نشأت منه مضار كثيرة حتى لم يخل منها مثل الإمام الغزالي الذي كان أعظم أنصار الدين فانظر إلى كتاب فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة الذي ألفه في الرد على أولئك الذين نسبوا إليه ما نسبوا فإن فيه الفناء وأغرب من ذلك القيام على أبي حاتم ابن حيان السبتي إمام المحدثين في عصره وصاحب الصحيح المشهور به والكتب الممتعة الكثيرة واستحصال الأمر بقتله لو لم ينج من ذلك بعوارض لا تخطر في البال. ومعارضة القرآن أكثر ما تنسب للزنادقة المشهورين بالأدب والفضل يشيع ذلك أناس يقصدون إهلاك عدوهم بأي وسيلة كانت أو ناس هم أقرب إلى الزندقة ممن ينسبونهم إليها حتى أن أبا العلاء المعري على اضطراب الأقوال في نهاية أمره مع ما علم به من أحواله قد عزي إليه كتاب كان معروفاً في بلاد المغرب يسمى بالفصول والغايات ولا يتوقف من كان قريب العهد من عصره في أنه عمله في معارضة السور والآيات وكان كثير ممن يميلون إلى أبي العلاء المعري من أهل المغرب يعجبون مما وقع فيه من سخافة القول الذي ينحط عن جميع كلامه المعروف مع أنه ليس له يد في الكتابة كما علم من كتاب سر الفصاحة وكلامه في رسالة الغفران ينادي بخلاف ذلك. وعلى الجملة فإن نسبة الزندقة إلى ابن المقفع لا تثبت بوجه من الوجوه التي تعقل في إثباتها وإذا نظرنا إلى ما يتعلق بالغيب فالحكم الشرعي أنه هو والناسبون إليه جميعاً في معرفة ما ينطوون عليه سواء لأنه لم يذهب أحد إلى أن الإيمان يتيسر إثباته بالبرهان إلا إذا ورد عن الشارع في شخص معين إثبات الإيمان أو لوازمه لرجل بعينه. وتهمة الزندقة الشنعاء كثيراً ما يتهم بها المشتغلون بالفلسفة أمثال ابن رشد والفارابي وابن الصائغ وابن سينا ونسب هذا أنه عارض القرآن وقد كتب رسالة في رد افتراء من افترى عليه ذلك. ومن هنا تظهر لك حسن سياسة المأمون لأن فتح باب البحث عن الزنادقة وقد أوجب من المضار ما لا يحصى كما يعلم من التواريخ وربما كان عصر المأمون أقرب إلى قلة الزندقة في الحقيقة من العصور التي كثر اتهام معظم المفكرين بها وغيرهم ممن يراد الانتقام منهم. عرفت بهذا أن كلام القائلين بزندقة ابن المقفع مع ما عرف من كلامه هو من ذاك الباب. قال المرتضى في أماليه روى ابن شبة قال: حدثني من سمع ابن المقفع وقد مر ببيت نار للمجوس بعد أن أسلم فلمحه وتمثل: يا بيت عاتكة الذي أتعزَّل حذَر العذى وبك الفؤاد موكل لإني لأمنحك الصدود وأنني قسماً إليك مع الصدود لأميل وقال صاحب الأغاني نقلاً عن الجاحظ: كان والبة بن الحباب ومطيع بن إياس ومنقذ ابن عبد الرحمن الهلالي وحفص بن أبي وردة وابن المقفع ويونس بن أبي فروة وحماد عجرد وعلي بن الخليل وحماد بن أبي ليلى الاوية وابن الزبرقان وعمارة بن حمزة ويزيد بن الفيض وجميل بن محفوظ وبشار المرعث وإبان اللاحقي ندماء يجتمعون على الشراب وقول الشعر ولا يكادون يفترقون ويهجو بعضهم بعضاً هزلاً وعمداً وكلهم متهم في دينه. قلنا واجتماع المتشاكلين قديم في الناس والغالب أنهم يتحرجون من إدخال من ليس على شاكلتهم في زمرتهم فيتهمون بما هم منه براء كما اتهم جماعة أبي حيان التوحيدي الذي نقل بعض مجالسهم الفلسفية في مقابساته وكانوا من أهل النحل المختلفة تجمع بينهم جامعة العلم والفلسفة كما جمعت بين ابن المقفع وأصحابه جامعة الأدب فقالوا أنهم كانوا يجتمعون على شراب واتهموهم بالمروق. وفي كتاب البيان والتبيين للجاحظ ذكر أناس كانوا شديد التصافي والالتحام مع شدة التباين في المذاهب. أما كيفية مقتل ابن المقفع فقد اجمع مترجموه أنه كان بسبب كتابته أماناً لعبد الله ابن علي قال فيه: ومتى غدر أمير المؤمنين بعمه عبد الله فنساؤه طواليق ودوابه حبس وعبيده أحرار والمسلمون في حل من بيعته. فاشتد ذلك على المنصور جداً وخاصة أمر البيعة وكتب إلى سفيان بن معاوية المهلبي وهو أمير البصرة من قبله فقتله وكان سفيان شديد الحنق عليه لأن ابن المقفع على ما يقال كان ينال منه ويستخف به حتى عزم على أن يغتاله فجاءه كتاب المنصور بقتله فقتله سراً في داره ويقال أنه عاش ستاً وثلاثين سنة وسأل سليمان وعيسى فقيل أنه دخل دار سفيان سليماً ولم يخرج منها فخاصماه إلى المنصور وأحضره إليه مقيداً وحضر الشهود الذين شاهدوه وقد دخل داره ولم يخرج فأقاموا الشهادة عند المنصور فقال لهم المنصور: أنا أنظر في الأمر. ثم قال لهم: أرأيتم إن قتلت سفيان به ثم خرج ابن المقفع من هذا البيت وأشار إلى باب خلفه وخاطبكم ما تروني صانعاً بكم أأقتلكم بسفيان. فرجعوا كلهم عن الشهادة واضرب عيسى وسليمان عن ذكره وعلموا أن قتله كان برضا المنصور. ولابن المقفع شعر قليل ولكنه جيد نقل له صاحب الحماسة ثلاثة أبيات يقال أنه رثى بها يحيى بن زياد وقال الأخفش والصحيح أنه رثى بها ابن أبي العوجا وهي: رزئنا أبا عمرو ولا حيّ مثله فلله ريب الحادثات بمن وقع فإن تك قد فارقتنا وتركتنا ذوي خلة ما في انسداد لها طمع لقد جر نفقاً ففقدنا لك أننا آمنا على كل الرزايا من الجزع قال ثعلب البيت الأخير يدل على أن مذهبهم في أن الخير ممزوج بالشر والشر ممزوج بالخير ـ فتأمل. ومما يذكر عن ابن المقفع ما رواه صاحب الأغاني وغيره قال حدثني اليزيدي قال حدثني عمي عبيد الله قال حدثني أحمد قال سمعت جدي أبا محمد يقول: كنت ألقى الخليل ابن أحمد فيقول لي أحب ن يجمع بيني وبين عبد الله بن المقفع فجمعت بينهما فمر لنا أحسن مجلس وأكثره علماً ثم افترقنا فلقيت الخليل فقلت له يا أبا عبد الرحمن كيف رأيت صاحبك قال: ما شئت من علم وأدب إلا أني رأيت علمه أكثر من عقله. ثم لفيت ابن المقفع فقلت له: كيف رايت صاحبك: قال ما شئت من علم وأدب إلا أن عقله أكثر من علمه. وقال المرتضى أن من جمعهما كان عباد بن عباد المهلبي فتحادثا ثلاثة أيام ولياليهن. قال الأصمعي: قيل لابن المقفع من أدبك قال: نفسي إذا رأيت من غيري حسناً أتيته وإن رأيت قبيحاً ابيته. ودعاه عيسى بن علي للغداء فقال: أعز الله الأمير لست يومي للكرام أكيلاً قال: ولم؟ قال: لأني مزكوم والزكمة قبيحة الجوار مانعة من عشرة الأحرار. ومن كلامه شربت من الخطب رياً ولم أضبط لها روياً ففاضت فلا هي نظاماً وليس غيرها كلاماً. ومما يؤثر عنه وهو ما يدل على رأيه في الإنشاء أنه قال لبعض الكتاب: إياك والتتبع لوحشي الكلام طمعاً في نيل البلاغة فإن ذلك هو العي الأكبر. وقال لآخر: عليك بما سهل من الألفاظ مع التجنب لألفاظ السفلة. وقيل له ما البلاغة فقال: التي إذا سمعها الجاهل ظن أنه يحسن مثلها. وفي البيان والتبيين عن إسحق بن حسان بن فوهة أنه قال: لم يفسر البلاغة تفسير ابن المقفع أحد قط. سئل ما البلاغة قال: البلاغة اسم جامع لمعان تجري في وجوه كثيرة. فمنها ما يكون في السكوت. ومنها ما يكون في الاستماع. ومنها ما يكون في الإشارة. ومنها ما يكون في الحديث. ومنها ما يكون في الاحتجاج. ومنها ما يكون جواباً ومنها ما يكون ابتداءً. ومنها ما يكون شعراً ومنها ما يكون سجعاً وخطباً ومنها ما يكون رسائل فعامة ما يكون في هذه الأبواب الوحي فيها والإشارة إلى المعنى والإيجاز هو البلاغة. فأما الخطب بين السماطين وفي إصلاح ذات البين فالإكثار من غير خطل والإطالة من غير إملال. قال: وليكن في صدر كلامك دليل على حاجتك كا أن خير أبيات الشعر البيت الذي إذا سمعت صدره عرفت قافيته. كأنه يقول فرق بين صدر خطبة النكاح وبين صدر خطبة العيد وخطبة الصلح وخطبة المواكب حتى يكون لكل فن من ذلك صدر يدل على عجزه فإنه لا خير في كلام لا يدل على معناك ولا يشير إلى مغزاك. وإلى العمود الذي غليه قصدت والغرض الذي إليه نزعت. قال فقيل له: فإن مل المستمع الإطالة التي ذكرت أنها حق ذلك الموقف قال: إذا أعطيت كل مقام حقه وقمت بالذي يجب من سياسة ذلك لامقام وأرضيت من يعرف حقوق الكلام فلا تهتم لما فاتك من رضا الحاسد والعدو فإنهما لا يرضيهما شيء وأما الجاهل فلست منه وليس منك ورضا جميع الناس شيء لا تناله وقد كان يقال رضاء الناس شيء لا ينال. وقال عبد العظيم بن أبي الإصبع في تحرير التحبير في البديع في باب التهذيب والتأديب: قد كان المتقدمون لا يحفلون بالسجع جملة ولا يقصدونه بتة إلا ما أتت به الفصاحة في أثناء الكلام واتفق من غير قصد ولا اكتساب وإن كانت كلماتهم متوازنة وألفاظهم متناسبة ومعانيهم ناصعة وعباراتهم واثقة وفصولهم متقابلة وتلك طريقة الإمام علي عليه السلام ومن اقتفى أثره من فرسان الكلام كابن المقفع وسهل بن هرون وأبي عثمان الجاحظ وغير هؤلاء من الفصحاء والبلغاء. وقال الأمين المحبي فيما يعول عليه في المضاف والمضاف إليه: يتيمة ابن المقفع ـ يضرب بها المثل لبلاغتها وبراعة منشئها وهي رسالة في نهاية الحسن تشتمل على محاسن من الأدب وقد ذكرها أبو تمام وأجراها مثلاً في قوله للحسن ابن وهب: ولقد شهدت والكلام لآلئٌ تؤم فبكر في الكلام وثيب فكأن قساً في عكاظ يخطب وكأن ليلى الأخيلية تندب وكثير عزّة يوم بين ينسب وابن المقفع في اليتيمة يسهب وقال جلال الدين في المزهر نقلاً عن أبي الطيب عبد الواحد اللغوي في مراتب النحويين قال محمد بن سلام: سمعت مشايخنا يقولون لم يكن للعرب بعد الصحابة أذكى من الخليل بن أحمد ولا أجمع ولا كان في العجم أذكى من ابن المقفع ولا أجمع. وقال المعري في عبث الوليد: كان المتقدمون من أهل العلم ينكرون إدخال الألف واللام على كل وبعض وروى الأصمعي أنه قال كلاماً معناه قرأت آداب ابن المقفع فلم أر فيها لحناً غلا في موضع واحد وهو قوله: العلم أكبر من أن يحاط بكله فخذوا البعض. وروي أن بعضهم ذكر ابن المقفع فقال: ألفاظه معان ومعانيه حكم فصل خطابه شفاء وخصل بيانه كفاء. وسمع أبو العيناء بعض كلام ابن المقفع فقال: كلامه صريح ولسانه فصيح وطبعه صحيح كأن بيانه لؤلؤ منثور وروض ممطور. وقال جعفر بن يحيى: عبد الحميد أصل وسهل بن هارون فرع وابن المقفع ثمر وأحمد بن يوسف زهر. وعبد الحميد هذا هو الذي يضرب به المثل في البلاغة حتى قيل فتحت الرسائل بعبد الحميد وختمت بابن العميد. وكان أحمد بن يوسف يقول في رسائل عبد الحميد الفاظ محككة وتجارب محنكة. قال صاحب الوفيات وكان في الكتابة وفي كل فن من العلم والأدب إماماً وهو من أهل الشام وكان أولاً معلم صبية ينتقل في البلدان وعنه أخذ المترسلون ولطريقته لزموا ولآثاره اقتفوا وهو الذي سهل البلاغة في الترسل ومجموع رسائله مقدار ألف ورقة. وقال ابن نباتة: أنه البالغ إلى أعلى المراتب في الكتابة البليغة يقال أنه كان في أول عمره معلم صبيان بالكوفة ثم اتصل بمروان الجعدي قبل أن يصل إلى الخلافة وصحبه وانقطع إليه فما جاء الأمر بالخلافة سجد مروان وسجد أصحابه غلا عبد الحميد فقال له مروان: لم لا سجدت فقال: ولمَ أسجد على إن كنت معنا فطرت عنا يعني بالخلافة فقال: إذاً تطير معي قال: الآن طاب السجود وسجد وكان كاتب مروان طول خلافته. وهو أول من أخذ التحميدات من فصول الكتب واستعمل في بعض كتبه الإيجاز البليغ وفي بعضها الإسهاب المفرط على اقتضاه الحال. فمن افيجاز أن بعض عمال مروان أهدى إليه عبداً اسود فأمره بالإجابة ذاماً مختصراً فكتب: لو وجدت لوناً شراً من السواد وعدداً أقل من الواحد لأهديته. وأما الإسهاب فإنه لما ظهر أبو مسلم الخراساني بدعوة بني العباس كتب إليه مروان كتاباً يستميله ويضمنه ما لو قرئ لأوقع الاختلاف بين أصحاب أبي مسلم وكان من كبر حجمه يحمل على جمل ثم قال لمروان: قد كتبت كتاباً متى قرأه بطل تدبيره فإن يك ذلك وإلا فالهلاك فلما ورد الكتاب على أبي مسلم لم يقرأه وأمر بنار فأحرقه وكتب على جزازة منه إلى مروان: محا السيف أسطار البلاغة وانتحى عليك ليوث الغاب من كل جانب ولما اشتد الطلب على مروان وتتابعت هزائمه المشهورة قال لعبد الحميد: القوم محتاجون إليك لأدبك وإن إعجابهم بك يدعوهم إلى حسن الظن بك فاستأمن إليهم وأظهر الغدر بي فلعلك تنفعني في حياتي أو بعد مماتي فقال عبد الحميد: أُسر وفاءً ثم أظهر غدرة فمن لي بعذر يوسع الناس ظاهره ثم قال يا أمير المؤمنين إن الذي أمرتني به أنفع الأمرين إليك وأقبحهما بي ولكني أصبر حتى يفتح الله عليك أو أقتل معك فلما قتل مروان استخفى عبد الحميد فغمز عليه بالجزيرة عند ابن المقفع وكان صديقه وفاجأهما الطلب وهما في بيت فقال الذين دخلوا: أيكما عبد الحميد فقال كل واحد منهما: أنا خوفاً على صاحبه إلى أن عُرف عبد الحميد فأخذ وسلمه السفاح إلى عبد الجبار صاحب شرطته فكان يحمي له طشتاً ويضعه على رأسه إلى أن مات سنة اثنتين وثلاثين ومائة وقيل أنه قتل مع مروان في مصر قال المسعودي أنه رأى عقباً بفسطاط مصر يعرفون ببني مهاجر وقد كان منهم عدة يكتبون لآل طولون. وكان أبو جعفر المنصور يقول: غلبنا بنو أمية بثلاثة أشياء: بالحجاج وعبد الحميد والمؤذن البعلبكي. وقيل لعبد الحميد: ما الذي مكنك من البلاغة قال: حفظ كلام الصلع يعني أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه. وقيل له أيما أحب إليك أخوك أم صديقك قال: إنما أحب أخي إذا كان صديقي. وقال أكرموا الكتاب فإن الله تعالى أجرى الرزاق على أيديهم. وقال: القلم شجرة ثمرتها الألفاظ والفكر بحر لؤلؤه الحكمة. ومن كلامه خير الكلام ما كان لفظه فحلاً ومعناه بكراً. قال صاحب وفيات الأعيان وكان كثيراً ما ينشد: إذا خرج الكتاب كانت دويهم قسياً وأقلام الدوي لها نبلا ومما نقله عنه أنه ساير يوماً مروان بن محمد على دابة قد طالت مدتها في ملكه فقال له مروان: قد طالت صحبة هذه الدابة لك فقال: يا أمير المؤمنين إن من بركة الدابة طول صحبتها وقلة علفها فقال له: فكيف سيرها: فقال: همها أمامها وسوطها عنانها وما ضربت قط إلا ظلماً. ولعبد الحميد كصديقه وضريعه عبد الله بن المقفع شعر نادر فمنه: كفى حزناً إني أرى من أحبه قريباً ولا غير العيون تترجم فأقسم لو أبصرتنا حين نلتقي ونحن سكوت خلتنا نتكلم هذا ما وصلنا من أخبار هذين الإمامين ونحن نعلم أن ترجمتهما على ما أثبتناها هنا ليست مستوفاة من عامة وجوهها ولكن تلاوة كلامهما أحسن مترجم عنهما إذ كلام المرء قطعة من عقله. رسالة عبد الحميد الكاتب أما بعد حفظكم الله يا أهل صناعة الكتابة وحاطكم ووفقكم وأرشدكم فإن الله عز وجل جعل الناس بعد الأنبياء والمرسلين صلوات اللع وسلامه عليهم أجمعين ومن بعد الملائكة المكرمين أصنافاً وإن كانوا في الحقيقة سواء وصرفهم في صنوف الصناعات وضروب المحاولات إلى أسباب معاشهم وأبواب رزقهم فجعلكم معشر الكتاب من أشرف الجهات أهل الأدب والمروءات والعلم والرزانة بكم تنتظم للخلافة محاسنها وتستقيم أمورها وبنصائحكم يصلح الله للخلق سلطانهم ويعمر بلدانهم لا يستغني الملك عنكم ولا يوجد كاف إلا منكم فموقعكم من الملوك موقع أسماعهم التي بها يسمعون وأبصارهم التي بها يبصرون ولسنتهم التي بها ينطقون وأيديهم التي بها يبطشون فأمتعكم الله بما خصكم من فضل صناعتكم ولا نزع عنكم ما أضفاه من النعمة عليكم وليس أحد من أهل الصناعات كلها أحوج إلى اجتماع خلال الخير المحمودة وخصال الفضل المذكورة المعدودة منكم أيها الكتاب إذا كنتم على ما يأتي في هذا الكتاب من صفتكم. فإن الكاتب يحتاج من نفسه ويحتاج منه صاحبه الذي يثق به في مهمات أموره أن يكون مليحاً موضع الحلم فهيماً في موضع الحكم مقداماً في موضع الإقدام محجاماًُ في موضع الإحجام مؤثراً للعفاف والعدل والإنصاف كتوماً للأسرار وفياً عند الشدائد عالماً بما يأتيمن النوازل يضع المور مواضعها والطوارق في أماكنها قد نظر في كل فن من فنون العلم فأحكمه وإن لم يحكمه أخذ منه بمقدار من الحسن واحتال على صرفه عما يهواه من القبح بألطف حيلة وأجمل وسيلة وقد علمتم أن سائس البهيمة إذا كان بصيراً بسياستها التمس معرفة أخلاقها فإن كانت جموحاً لم يهجها إذا ركبها وإن كانت شبوباً اتقاها من بين أيديها وإن خاف منها شروداً توقاها من ناحية رأسها وإن كانت حروناً قمع برفق هواها في طرقها فإن استمرت عطفها يسيراً فيسلس له قيادها. وفي هذا الوصف من السياسة دلائل لمن ساس الناس وعاملهم وجربهم وداخلهم والكاتب بفضل أدبه وشريف صنعته ولطيف حيلته ومعاملته لمن يحاوره من الناس ويناظره ويفهم عنه أو يخاف سطوته أولى بالرفق لصاحبه ومداراته وتقويم أوده من سائس البهيمة التي لا تحير جواباً ولا تعرف صواباً ولا تفهم خطاباً إلا بقدر ما يصيرها إليه صاحبها الراكب عليها. ألا فارفقوا رحمكم الله في النظر واعملوا فيه ما أمكنكم من الروية والفكر تأمنوا بإذن الله ممن صحبتموه النبوة والاستثقال والجفوة ويصير منكم إلى الموافقة وتصيرون منه إلى المؤاخاة والشفقة إن شاء الله تعالى. ولا يجازون الرجل منكم في هيئة مجلسه وملبسه ومركبه ومطعمه ومشربه وبنائه وخدمه وغير ذلك من فنون أمره قدر حقه فإنكم مع ما فضلكم الله به من شرف صنعكتم خدمة لا تُحملون في خدمتكم على التقصير وحفظة لا تحتمل منكم أفعال التضييع والتبذير واستعينوا على عفافكم بالقصد في كل ما ذكرته لكم وقصصنه عليكم واحذروا متالف السرف وسوء عاقبة الترف فإنهما يعقبان الفقر ويذلان الرقاب ويفضحان أهلهما ولاسيما الكتاب وأرباب الآداب. وللأمور أشباه بعضها دليل على بعض فاستدلوا على مؤتنف أعمالكم بما سبقت إليه تجربتكم ثم اسلكوا من مسالك التدبير أوضحها محجة وأصدقها حجة وأحمدها عاقبة. واعلموا أن للتدبير آفة متلفة وهو الوصف الشاغل لصاحبه عن إنفاذ علمه ورويته فليقصد الرجل منكم في مجلسه قصد الكافي من منطقة وليوجز في ابتدائه وجوابه وليأخذ بمجامع حججه فن ذلك مصلحة لفعله ومدفعة للشاغل عن إكثاره. وليضرع إلى الله في صلة توفيقه وإمداده بتسديده مخافة وقوعه في الغلط المضر ببدنه وعقله وأدبه فإنه إن ظن منكم ظان أو قال قائل أن الذي برز من جميل صنعته وقوة حركته إنما هو بفضل حيلته وحسن تدبيره فقد تعرض بظنه أو مقالته إلى أن يكله الله عز وجل إلى نفسه فيصير منها إلى غير كاف وذلك على من تأمله غير خاف. ولا يقول أحد منكم أنه أبصر بالأمور وأحمل لعبء ما يكتفي به يعرف بغريزة عقله وحسن أدبه وفضل تجربته ما يرد عليه قبل وروده وعاقبة ما يصدر عنه قبل صدوره فيعد لكل أمر عدته وعتاده ويهيء لكل وجه هيئته وعادته. فتنافسوا يا معشر الكتاب في صنوف الآداب وتفقهوا في الدين وابدؤوا بعلم كتاب الله عز وجل والفرائض ثم العربية فإنها ثقاف ألسنتكم ثم أجيدوا الخط فإنه حلية كتبكم وارووا الأشعار واعرفوا غريبها ومعانيها وأيام العرب والعجم وأحاديثها وسيرها فإن ذلك معين لكم على ما تسموا إليه هممكم ولا تضيعوا النظر في الحساب فإنه قوام كتاب الخراج وارغبوا بأنفسكم عن المطامع سنيها ودنيها وسفساف الأمور ومحاقرها فإنها مذلة للرقاب مفسدة للكتاب ونزهوا صناعتكم عن الدناءة واربأوا بأنفسكم عن السعاية والنميمة وما فيه أصل الجهالات وإياكم والكبر والسخف والعظمة فإنها عداوة مجتلبة من غير أحنة وتحابوا في الله عز وجل في صناعتكم وتواصوا عليها بالذي هو أليق لأهل الفضل والعدل والنبل من سلفكم وإن نبا الزمان برجل منكم فاعطفوا عليه وواسوه حتى يرجع إليه حاله ويثوب إليه أمره وإن أقعد أحداً منكم الكبر عن مكسبه ولقاء أخوانه فزوروه وعظموه وشاوروه واستظهروا بفضل تجربته وقديم معرفته وليكن الرجل منكم على من اصطنعه واستظهر به ليوم حاجته إليه أحوط منه على ولده وأخيه فإن عرضت في الشغل محمدة فلا يصرفها إلا إلى صاحبه وإن عرضت مذمة فليحملها هو من دونه وليحذر السقطة والزلة والملل عن تغير الحال فإن العيب إليكم معشر الكتاب أسرع منه إلى القراء وهو لكم أفسد منه لها. فقد علمتم أن الرجل منكم إذا صحبه من يبذل له من نفسه ما يجب له عليه من حقه فواجب عليه أن يعتقد له من وفائه وشكره واحتماله وخيره ونصيحته وكتمان سره وتدبير أمره ما هو جزاء لحقه ويصدق ذلك تبعاً له عند الحاجة إليه والاضطرار إلى ما لديه. فاستشعروا ذلك وفقكم الله من أنفسكم في حالة الرخاء والشدة والحرمان والمؤاساة والإحسان والسراء والضراء فنعمت التسمية هذه من وسم بها من أهل هذه الصناعة الشريفة. وغذا ولي الرجل منكم أو صير إليه أمر خلق الله وعياله أمر فليراقب الله عز وجل وليؤثر طاعته وليكن على الضعيف رفيقاً وللمظلوم منصفاً فإن الخلق عيال الله وأحبهم إليه أرفقه بعياله. ثم ليكن بالعدل حاكماً وللأشراف مكرماً وللفيءموفراً وللبلاد عامراً وللرعية متألفاً وعن أذاهم متخلفاً وليكن في مجلسه متواضعاً حليماً وفي سجلات خراجه واستقضاء حقوقه رفيقاً وإذا صحب أحدكم رجلاً فليختبر خلائقه فإذا عرف حسنها وقبيحها أعانه على ما يوافقه التدبير في مرافقه في صناعته ومصاحبه في خدمته. فإن أعقل الرجلين عند ذوي اللباب من رمى بالعجب وراء ظهره ورأى أن صاحبه أعقل منه وأجمل في طريقته وعلى كل واحد من الفريقين أن يعرف فضل نعم الله جل ثناؤه من غير اغترار برأيه ولا تزكية لنفسه ولا يكاثر على أخيه أو نظيره وصاحبه وعشيره. وحمد الله واجب على الجميع وذلك بالتواضع لعظمته والتذلل لعزته والتحدث بنعمته وأنا أقول في كتابي هذا ما سبق به المثل من تلزمه النصيحة يلزمه العمل. وهو جوهر هذا الكتاب وغرة كلامه بعد الذي فيه من ذكر الله عز وجل فلذلك جعلته آخره وتممته به تولانا الله وإياكم يا معشر الطلبة والكتبة بما يتولى به من سبق علمه بإسعاده وإرشاده فإن ذلك إليه وبيده والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. العامية في الفصحى كثر بحث الباحثين هذه الأيام في المقارنة بين اللغة الفصحى واللغة العامية وقد ظفرنا بكتاب اسمه القول المقتضب فيما وافق لغة أهل مصر من لغة العرب تأليف الشيخ محمد ابن أبي السرور الصديقي من أهل القرن الحادي عشر قال مؤلفه في مقدمته: وبعد فإني لما طالعت كتاب رفع الإصر عن كلام أهل مصر للعلامة الكامل شيخ أهل الأدب الراقي منه إلى أعلى الرتب الشيخ يوسف المغربي رأيته أتى فيه بالعجب العجاب غير أنه أسهب فيه غاية الإسهاب باستطراده (إلى) بعض الألفاظ اللغوية التي ليست من شرط الكتاب مع ذكره أشعاراً وحكايات من قسم الاستطراد لا معنى لها في هذا التصنيف ولا مدخل لذكرها في هذا التأليف فخطر لي أن ألخص من محاسنه وألتقط درة من مكامنه ولم أذكر فيه من اللغة إلا ما له أصل في اللغة العربية الناطق بها أهل الديار المصرية مرتباً ذلك على ترتيب القاموس كأصله وسميته القول المقتضب فيما وافق لغة أهل مصر من لغة العرب. والكتاب مرتب على حروف المعجم وهو في بضعة كراريس وهاك نموذجاً منه نقلناه وبعضه لا يخلو مما ينتقد. يقولون أومى قال في المجرد لا يقال أومى وإنما يقال أومأ أي أشار إليه (قلنا ويقول العامة في الشام فلان كلم فلاناً بالومى أي بالإشارة) ويقولون لقاصد القلعة باباً وفي اللغة العربية بابا الرجل إذا أسرع فيمكن أن يكون البابا منه لأنه يسرع لقضاء الحاجة. ويقولون للولد الصغير إذا أراد المشي تاتا قال في القاموس تاتا الطفل مشى والتبختر في الحرب. ويقولون عند سقي القهوة جبا وهي قرية باليمن يصير فيها البن الصبري وهو عجيب في الحسن فكأن الساقي إذا قال جبا أي هذه قهوة من جبا. ويقولون في سوق الحمار حاحا قال في القاموس حاحا إذا دعي الحمار للشرب وأهل مصر تقول ذلك له إذا أرادوا مشيه وتصحيفه جأجأ (؟) قال في القاموس معناه حمار وثاب، ويقولون لا تتكأ كاد أي لا تتأخر عن السير. ويقولون هاها بالإبل أي زجرها عند ورودها الماء وهأهأ رجل ضحاك، ويقولون يا ما عمل له أصل في اللغة وهو من باب التعجب. ويقولون الأب والأخ مثلاً فيشددون الباء وليس هو خطأ بل له أصل في لغات العرب. ويقولون بيه قال المجدي هو حكاية صوت الصبي والشاب الممتلئ لحماً وصفة الأحمق. ويقولون حوبة ثقال المجدي ومعناه الضعيف عن الشيء والحوبة البعنت والأخت ورقة فؤاد الأم والهم والحاجة والمرأة والسرية كل ذلك يقال له حوبة. ويقولون دُرّاربة وهو كناية عن أحد ألواح الدكان وله أصل في اللغة كذا نقله صاحب الكتاب المجرد في اللغة. ويقولون رجب الموجب أي المعظم وهو صحيح. ويقولو سبب قال بعض أئمة اللغة أي باع واشترى في الشيء. ويقولون شقلبه أي غيره من حال إلى آخر. ويقولون طاب وهو اسم لما يلعبون به واسم الكرة أيضاً ويقولون عرقب في حق الدابة إذا قطع عرقوبها وله أصل في اللغة. ويقولون عِلب قال في القاموس العلبة بالكسر آنية من الشجر غليظة يتخذ منها وعاء للشيء. فائدة: العلبة بالضم النخلة الطويلة وقدح ضخم من جلود الإبل أو من خشب يحلب بها. ويقولون قب جلدي منه إذا اقشعر وله أصل في كتب اللغة. ويقولون قطب له المزين وهو في صحيح كتب اللغة ويقال قطب الشيء قطعه ثم جمعه وقطب فلان أي غضب. ويقولون للمنعزل عن الناس قطرب وهو صحيح لأنه من جنس الأمراض السوداوية صاحبه يحب الانفراد من الناس وله معان كلها قبيحة وهو بالضم اللص والفأرة والذئب والأمعط والجاهل والجبان والسفيه والمصروع وصغار الكلاب ودويبة لا تستريح نهاراً سعياً. ويقولون فلان أكرب علينا قال في القاموس أي أمرنا بالسرعة. ويقولون كركبة قال المجدي معناه الحركة ويقولون تت قال المجدي معناه اقعد وهو صحيح ورد في بعض كتب اللغة. ويقولون ضربته حَته معناه حتى اكتفيت فله معنى في كتب اللغة والحت الجواد من الخيل والسريع من الإبل وما يلتزق من التمر والميت من الجراد كل ذلك معناه حته. ويقولون الشيت وهو من الأقمشة قال المجدي والشيت نوع من الأقمشة الهندية. ويقولون فلان يشخت مرادهم وينهر من شدة غيظه وهو صحيح. ويقولون غت عليّ بمعنى أدخل عليّ سوءاً وهو صحيح وارد في كتب اللغة. ويقولون للملاح النواتي قال في الزاهر النواتي الملاحون بالبحر الواحد نوتي. ويقولون هتّ علي وهو صحيح في كتب اللفة معناه أسرع في الكلام أو سرد كلامه. ويقولن فلان هفت من الجوع أي سقط ومنه تهافت الفراش على الفتيلة أي تساقط عليها فكأنه لكثرة جوعه يسقط كذا نقله بعض أئمة اللغة. ويقولون هيّت علينا أي خوفتنا وهو صحيح ورد في بعض كتب اللغة هيت به صاح به ودعاه وهيت قرية بالعراق تنسب إليها الخمرة الطيبة ومنه قول أبي نواس: هات اسقني قهوة صفراء صافية منسوبة لقرى هيت وعانات ويقولون على لون من الطعام عجة قال بعض أئمة اللغة العجة بالضم طعام من البيض. ويقولون لآلة الدراس نورج وهو صحيح لغوي ويقال ذلك أيضاً لآلة الحرث والنورجة والنيرجة الاختلاف إقبالاً وإدباراً والنيرج التمام. ويقولون إذا أُلقي إنسان على وجهه بطحه وهو صحيح لغوي ويردا منه أيضاً الضرب والغيبوبة عند ذلك. ويقولون طرحة قال في القاموس الطرحة الطيلسان وأما لفظ طراحة فليس له أصل في اللغة. ويقولون بربخ للشيء الذي توضع عليه الجرة وهو صحيح لغوي أيضاً هو اسم لمجرى الماء والبالوعة يقال لها بربخ قال ذلك في القاموس. ويقولون في المريض صار مثل الفخ والفخ المصيدة وهو مثل القوس وهو لين فشبه به المريض أي صار مثل القوس اللينة. ويقولون للأطفال بمنى الزجر كخ نقل حجة الإسلام الغزالي في كتاب الإحياء أن الإمام الحسين عليه السلام أخذ تمرة من تمر الصدقة فقال النبي صلى الله عليه وسلم: كخ فرمى بها من فيه. ويقول زرد عليه إذا خنقه وهو صحيح وارد في كتب اللغة. ويقولون زرد اللقمة إذا ابتلعها وزرد كنصر خنقه والزرد الدرع. ويقولون فلان سرد إذا حصل له النعاس قال في الزاهر السرد يطلق على النعاس في بعض الأحيان. ويقولون همر علينا إذا وثب وصاح وهو صحيح لغوي. ويقولون فلان واكر عند فلان إذا كان ملازماً له وهو صحيح لغوي مأخوذ من وكر الطائر اتخذ له وكراً وكذلك هذا الرجل اتخذ صاحبه مثل وكر الطائر في الملازمة. ويقولون راز الشيء ويروزه يعرف قدره وله أصل في اللغة راز الشيء روزاً جربه ليعرف قدره والراز رئيس البنائين. ويقولون أكلنا عند فلان بسيسة قال في القاموس البسيسة اتخاذ السويق أو الدقيق أو الأقط بالسمن والزيت ويقولون فلان دحس قال المجدي الدحس هو الذي يخفي الأشياء مكراً وقال في القاموس الدحس الدساس شيء في التراب. ويقولون فلان عنده عترسة أي شدة قال في القاموس العترسة الأخذ بالشدة والجفاء والعنف والغلظة. ويقولون ناموسية لشيء يعمل من القماش يدخلون فيه زمن الشتاء وهو صحيح لغوي والناموس عريسة الأسد والناموس جبريل عليه السلام ويقولون فلان هلس وهو صحيح لغوي ومعناه إذا تكلم كلاماً غير منتظم ويطلق على سلب العقل وعلى الهزال. ويقولون فلان خربشني بأظافره أي آذاني بها وهو صحيح قال في مختصر الصحاح الخربشة والخرفشة والخرمشة كلها بمعنى واحد. ويقولون طواشي على الخصي وهو صحيح لغوي وارد في بعض كتب اللغة والذي في القاموس الطوش خفة العقل. ويقولون عفش وهو صحيح لغوي يقال عفشه يعفشه جمعه ومن الناس من لا خير فيهم. ويقولون نتش وهو صحيح لغوي قال في الزاهر النتش كالصرب استخراج الشوكة ونحوها ونتشت اليوم كذا وكذا أي اكتسبت. ويقولون فلان بصبص لي أي نظر إليّ نظراً بعد نظر وهو صحيح لغوي قال في الزاهر البصاصة العين لأنها تبص وبصبص الكلب حرك ذنبه والجرو فتح عينيه. ويقولون فلان ممصوص قال في القاموس الممصوص الرجل المهزول والممصوصة المرأة المهزولة. ويقولون ساباط قال في مختصر الصحاحا الساباط سقيفة بين حائطين تحتها طريق والجمع سوابيط وساباط (في لغة أهل الشام الآن سيباط وبلغة مصر سباط). ويقولون فوط قال في القاموس الفوط الشيء يجلب من بلاد السند وهي مآزر مخططة فصار يطلق على غيرها مجازاً ويقولون فلان فطفاطي قال بعض أئمة اللغة هو الأعوج القليل الثبات أو الذي يتكلم بكلام لا يفهم. ويقولون فلان عنده دلاعة قال في القاموس الدلاعة الغاية في الحمق والغفلة والتصاغر وخروج اللسان. ويقولون أخضر مرعرع قال في الزاهر المرعرع الكامل الحسن في الاعتدال والرعرعة أي عنده عدم في قوته قال في القاموس النعنعة ضعف العزيمة بعد قوة والرتة في اللسان والنعناع نبت معروف. ويقولون وكثيراً ما يقع في الأروام غوغا قال بعض أئمة اللغة الغوغا الشر والحرب والغوغا الجراد وشيء يشبه البعوض لضعفه وبه سمي الغوغاء من الناس. ويقولون فلان مغمغ في كلامه إذا لم يبينه قال في القاموس مغمغ اللحم مضغه ولم يبالغ وكلامه لم يبينه. ويقولون فلان شلام قال المجدي الشلاف هو الذي يأخذ الشيء من غير حساب. ويقولون شاف الشيء أي نظره قال في القاموس شافي الشيء أي نظره وشفته شوفاً جلوته ودينار مشوف مجلو. ويقولون فلان نتيف وأعطاني نتفة وكلاهما صحيح لغوي إلا أنهم يحرفونها فيكسرون النون والصحيح الضم قال بعض أئمة اللغة نتف ما تنتفه بإصبعك من شعر أو نبت والنتفة الشيء اليسير. ويقولون شقة قماش قال في القاموس الشقة من الثياب المستطيلة. ويقولون عفقه قال في المجرد عفقه بمعنى أمسكه ويقولون عفلق قال في مختصر الصحاح العفلق الرجل الطويل المسترخي والعفلق الضخم المسترخي والمرأة الخرقاء السيئة العمل والمنطق والرجل الأحمق. ويقولون فلان ربى على قلي دبلة قال في مختصر الصحاح الدبل الطاعون ويطلق على الداهية وعلى الجمل الصغير. ويقولون فلان زال قال في المجرد الزول الهيبة العظيمة والزول العجب والجواد والكلأ والخفيف الطريف الفطن ويقولون حزام قال في المجرد الحزام ما يشد به الوسط. ويقولون طارمة قال في مختصر الصحاح الطارمة بيت من خشب والغالب أن يكون ذلك في المراكب وحارة بمصر يقال لها اصطبل الطارمة أي الإصطبل الذي فيه بيت من الخشب. هذا غيض من فيض أوردناه على سبيل المثال فعسى أن يبادر القائمون بخدمة اللغة العربية إلى نشر هذا الكتاب بالطبع. الكتاب إذا بلغت الحضارة أوجها في أمة يتفنن أهل العلم في التأليف المفيد فيضعون المصنفات في الموضوعات التي لا تخطر على بال أحد في مجتمع غير راق ومن كان يظن أن أبا عمرو بن عمر الجاحظ البصري يؤلف كتاباً في مدح الكتب والحث على جمعها عدا ما وقع له من ذكرها مرات في كتبه قبل زهاء ألف سنة ولكن ما كتبه الجاحظ في تلك الأزمان يكتبه مؤلف هذه الأيام ببيان أشفى ومادة أوسع لارتقاء هذه العصور باختراع الطباعة التي عمت بها المطبوعات وسهل بها التأليف والنشر ولاسيما على من كان مثل مؤلف الكتاب الذي صدر هذا الشهر في خمس مجلدات للمسيو البرسيم قيم مكتبة نظارة البريد والبرق في باريز. قسم كتابه إلى أقسام فتكلم على حب الكتب والمطالعة والكتب في الأزمان السالفة والقرون الوسطى منذ اختراع الطباعة إلى عصرنا هذا وتمييز بعض المؤلفين على بعض وما يجب أنيطالع من الكتب وكيف يجب أن يطالع أو يتصفح وتؤخذ مفكرات بالخط على بعض الكتب وهل ينبغي الاستكثار من الكتب أو افقلال منها وكيف نختار الكتب وهل يجب الإكثار من المطالعة أو الإكثار من إعادة المطالعة. وتكلم على الكتب المزينة والكتب البسيطة والقديمة والحديثة والاستشفاء بالكتب وتاريخ الكتب وذكر الروايات والصحف وتكلم على المجانين بالكتب والهائمين بالكتب وممزقي الكتب وأعداء الكتب وعدّ النساء من أعداء الكتب وأطال في إعارة الكتب وفي ورقها وقطعها وطبعها وتصويرها وتجليدها وابتياعها وترتيبها في قماطرها والعناية بفهرستها وتنسيقها وكيفية استعمالها وحفظها وطبعها واختصارها. هذه أهم ما تدور عليه أبحاث هذه المجلدات الخمسة الممتعة ويرى مؤلفها أن لا يقتصر في الكتاب على إلباسه لباس الظرف وحفظه في الزجاج والنظر إليه بإعجاب وانعطاف بل أنه خلق ليقرأ أو يتدبر ما فيه ويتلذ ١ به قال: فأنما أتخذه بمثابة أداة للدرس والتسلية والتعزية وقرة العين بل هو واسطة للكمال العقلي والأدبي فأنا من ثم لا أفصل بين محبة الكتب ومحبة الآداب بحال وإن شئت فقل بين محبة الجمال والخير والعدل والحق فبين هذه الأمور تشابه. وقد اعتذر المؤلف عن أن معظم كتابه ليس من قلمه بل هو عبارة عن استشهاد بأقوال أئمة العلم والأدب في كل عصر ومصر وذلك لأن الاستشهاد بكلام الرجل بعينه يصوره كما هو وله وقع في النفس أكثر من إحالة المطالع على الرجوع إلى ما كتبه المؤلف كما قال سانت بوف العالم. وقال شاتوبريان الفرنسوي الكاتب: لا يجب الاعتقاد بأن معرفة إيراد الشواهد هو مما يسع كل أحد من أرباب العقول الضعيفة أن يفعله ممن فرغ وطابهم من كل علم فيستقون من موارد غيرهم ما راقهم وما الاستشهاد حيث يجب غلا دليل العلم. فالذاكرة التي تدخر الشواهد لحين الحاجة هي في الحقيقة قرينة الذكاء بل هي أم الذكاء وجودة الذهن. وقد غذى كبار كتاب عصر لويس الرابع عشر عقولهم بالشواهد وكان شيشرون الخطيب الروماني الذي لم تكن له إلا لهجة واحدة يلهج بها ويتوفر عليها يكثر من الاستشهاد وأنا أيضاً (شاتوبريان) لا أقصر في هذا السبيل. ولذا سار مؤلفنا في مصنفه الاجليل على هذه الطريقة شأن معظم الكتاب الذين لا يكتبون إلا بتصحيح وإيراد الشواهد والشوارد فيقرأ القارئ فيه من أسماء الكتب المؤلفة بالإفرنجية في هذا المبحث ما يدل على أن الغربيين اليوم سابقون في كل محمدة ويسجل بما بذله بنفسه من الدرس والبحث حتى جاء كتابه آخذاً من كل شجرة ثمرة ومن كل حديقة زهرة. قال في تاريخ الكتب أنه لم يعرف في الحقيقة إلا منذ ثلاثة آلاف سنة وإن قال أحد علماء الألمان بوجود الكتب قبل الطوفان ووضع لذلك مصنفاً فتاريخ الكتب يرد إلى عهد ملك مصر أوسيماندياس الذي يرى علماء الآثار المصرية اليوم أنه هو رعمسيس الثاني أو سزسترويس وكان له خزانة كتب جعلها في قصره في ثيبة كما قال المؤرخ ديودور الصقلي وقد حكم هذا بوجودها من أثر كان مزبوراً على الحجر في أعلى باب هذه المكتبة وهو قوله: هنا أدوية النفس. فوصف بذلك الكتب أجمل وصف وأوجزه عرف ولا يتأتى أن يقال أحسن منه. ومضت على هذا الوصف الأزمان حتى جاء الفيلسوف مونتسكيو في القرن الثامن عشر فقال: ما قط حزنت إلا وتبدد حزني بساعة من المطالعة أروّح بها عن نفسي ثم جاء بعده القصصي الإنكليزي بولور ليتون في القرن التاسع عشر ووصف مطالعة بعض المصنفات لشفاء بعض الأمراض فرأى المداواة بالكتب كأنها بعض العقاقير والعناصر. وكل من قال كلمة في هذا الباب لم يخرج في وصفه للأسفار عن حد الحكمة التي علقها ملك مصر على مكتبته أو شرحها أو المبالغة فيها. وأسس الظالم بيزايسترات ( ٥٦١ ـ ٥٢٧ ق. م) مكتبة عامة في آثينة وهي أول مكتبة من نوعها جمع فيها أشعار هوميروس ولم تكن تعيها من قبل إلا ذاكرة القصاصين والمتشاعرين ويؤخذ من بيت للشاعر أريستوفان (قبل المسيح بخمسة قرون) أن الكتب كانت منتشرة جداً في زمنه بمدينة آثينة. وقال كسينوفون في تذكرة سقراط شيئاً عن الكتب والمجاميع وتجارتها. واستعمل السبيادس على نحو ذلك الزمن ( ٤٥٠ ـ ٤٠٤ ق. م) طريقة لا تخلو من قلة ذوق ليحبب أبناء وطنه في الكتب فدخل مدرسة خاصة بدراسة النحو وسأل المعلم أن يأتيه ببعض كتب لهوميروس فأجابه أن ليس عنده ولا واحد منها فصفعه وخرج. وكان الإسكندر الكبير ( ٣٥٦ ـ ٣٢٥ ق. م) مولعاً من وراء الغاية بدرس أشعار هوميروس وبعد أن هزم دار ملك الفرس وقع كان بين أسلاب المغلوبين فسأل خاصته ماذا ينبغي أن يجعل فيه من مال أو متاع فاختلفت آراؤهم أما هو فقال لهم: أنه يضع فيه إلياذة هوميروس لتحفظ فيه حفظاً جديراً بها. وكان الإسكندر أثنءا رحلته إلى آسيا أمر بأن تجلب له تواريخ فيليست وفاجعات أوربيدس وسوفقلس وأشيل وغيرهم ويحب ستاذه أرسطو كما يحب أباه لأن هذا سبب حياته وذاك سبب سعادته. وأنشأ بطليموس سوتر أحد خلفاء الإسكندر الذي استأثر بملك مصر عندما قسمت المملكة اليونانية مكتبة الإسكندرية وهي أشهر وأغنى مكتبة في الأزمان السالفة وكان ذلك بإشارة ديمتريوس دي فالير ( ٣٤٥ ـ ٢٨٣ ق. م) النحوي المؤرخ البياني حاكم آثينة الذي غدا أول قيم على هذه المكتبة وجرى خلفاؤه من البطالسة على العناية بهذه المكتبة ولاسيما بطليموس الثاني فيلادلفيس ( ٢٨٥ ـ ٢٤٧ ق. م) وبطليموس الثالث أفرجيتس. وكانوا ينشطون زراعة ورق البردي ليتوفر الورق لديهم ويستخدمون كثيراً من النساخ وربما لم يكونوا يستنكفون من السرقة لزيادة ما عندهم من الكتب كما فعل أحدهم فاستعار من مكتبة آثينة كتباً لشعرائهم وفلاسفتهم فاستنسخها ولم يرجع الأصل بل أرجع نسخاً ثانية منها وبطليموس الثاني فيلادلفس ـ لعله لقب بذلك استهزاء به لأنه قتل أخوته أو لأنه تزوج أخته ـ هو الذي أمر بترجمة كتب العبرانيين المقدسة إلى الرومية بمعرفة سبعين من علماء بني إسرائيل وكانت ترجمتهم السبعينية من أهم حوادث التاريخ لأنها سهلت السبيل إلى انتشار اليهودية ومعدت للنصرانية. ولم تحرق مكتبة الإسكندرية التي قال بعضهم أنه كان فيها نحو سبعمائة ألف مجلد على يد الإمام عمر ولا بأمره كما جاء في بعض التقاليد فإن هذه الدعوى من الأغلاط التاريخية العظيمة إذ لم يكن أثر لهذه المكتبة عندما فتحت العرب مدينة الإسكندرية سنة ٦٤٠ وعلى عهد البطالسة أصبح أمر المكتبة إلى ضعف فقسمت شطرين جعل كل منهما في مكان مستقل فحرق القسم الأول قضاءً وقدراً عندما استولى يوليوس قيصر على الإسكندرية سنة ٤٧ قبل المسيح وذهب القسم الثاني وكان جعل في معبد سيرابيس على يد الأسقف تيوفيل بعد ذاك التاريخ بأربعمائة سنة عقيب الأمر الصادر عن تيودوس بالقضاء على جميع المعابد الوثنية وجعل عاليها سافلها. ومن المكاتب الشهيرة في القديم مكتبة فرغامس برغامة في آسيا الصغرى أسسها أومينوس الثاني إبن آتال الأول قبل المسيح بمائتي سنة ويقول بلوتارك أنه كان فيها مائتا ألف مجلد بسيطة أهداها أنطونيوس أحد حكام اليونان إلى كلوبطرة ملكة مصر من نسل البطالسة. وقد نقل كثير من الكتب من مكاتب آثينة والشرق إلى إيطاليا وكانت المكاتب عند الرومان تبنى بالقرب من معابدهم وأول مكتبة أنشئت في رومية على يد أزينوس بولنيوس. ولطالما تنافس ملوكهم في الإكثار منها وفيهن من جعلوا خزائن الكتب العامة في قصورهم. تاسوى في الغلو بحب الكتب عالمهم وجاهلهم وعادلهم وظالمهم. وتكلم عن الكتب على عهد البرابرة والهونس والغوط والغوط الغربيين والفنداليين وعلى غلاتهم من الإفرنج في القرون المتأخرة وأجاد ما شاء وشاء بيانه في اختيار المصنفات وانتقاء الأجود منها فأتى على ذلك بشيء مما قاله أهل العلم والحكمة منذ الزمن القديم إلى عهدنا هذا فقال أن توسيديد حضر مجلساً لهيرودتس المؤرخ اليوناني يتلو فيه بعض أهل آثينة شيئاً من تاريخه فاهتز وطرب ولم يتمالك أن بكى وكان عمره خمس عشرة سنة وكان ديموستين يغالي في الولوغ بتاريخ توسيديد نسخه بخطه الجميل ثماني مرات ليرسخ إنشاؤه في ذهنه ويطبع عليه. وكان الإسكندر الكبير مهووساً بإلياذة هوميروس يصبحها معه حيث ذهب ويضعها تحت المخدة مع سلاحه عندما ينام وكان شيشرون يرى ديموستين أخطب خطيب في كل ضرب من ضروب الخطابة ويعنى بما كتبه أرسطو وأفلاطون وتيوفراست كل العناية. وكان شارلمان ( ٧٤٢ ـ ٨١٤ ) ملك فرنسا مولعاً بتلاوة كتاب مدينة الله للقديس أوغسطينس كما أن الفريد الكبير ملك إنكلترا ( ٨٤٩ ـ ٩٠٠ ) يؤثر مطالعة قصص أزوب وترجمتها شعراً إلى اللغة السكسونية وكان يرى تيودور كازا النحوي اليوناني المشهور ( ١٣٩٨ ـ ١٤٧٨ ) أن كتب القدماء لو ألقي كلها في النار لاختار أن يخلص منها كتب بلوتارك. وجعل شارلكان ( ١٥٠٠ ـ ١٥٥٨ ) كتب توسيديد رفيقته في أعماله وكان يقرأ تذكرات كومين المؤرخ بولع شديد. وكان كاتم السر فرنسيس باكون ( ١٥٦١ ـ ١٦٢٦ ) يقول ليست الكتب إلا تكراراً فابحث في كتب اليونان والرومان والعرب وجميع مؤلفي القرون الحديثة فلا ترى فيها كلها شيئاً يتعدى ما قاله الفلاسفة أرسطو وأفلاطون وإقليدس وبطليموس. وكان ملتون الشاعر الإنكليزي ( ١٦٠٨ ـ ١٦٧٤ ) الأعمى يقرأ في الصباح شيئاً من التوراة بالعبرية ثم يدرس شعر هوميروس ويقال أنه استظهره كله وعلم بناته الثلاث ثماني لغات يقرأن فيها عليه بدون أن يفهمنها وكان يقول أن البنت تكفيها لغة واحدة ولكنه لم ير بداً من تعليمهن ليقرأن له ما يحب. وكان كورنيل الشاعر الفرنسوي ( ١٦١٦ ـ ١٦٨٤ ) يؤثر مطالعة تاسيت وتيت ليف المؤرخين اللاتينيين ويعنى عناية خاصة بلوكين الشاعر اللاتيني وسينيك الفيلسوف وسمع لافونتين الشاعر الفرنسوي ( ١٦٢١ ـ ١٦٩٢ ) وهو في الثانية والعشرين نشيداً للشاعر مالريب فأخذ العجب بأقوال هذا الشاعر ثم انصرف إلى مطالعة هوراس وفرجيل وتيرانس وكنتيلين واختار من مؤلفي الفرنسيس رابلي ومارو ودورفي وفواتور وقرأ من الإيطاليين أريوست وبوكاس وماكيافيل وتاس. وشغفت العقيلة دي سيفنية الكاتبة الفرنسوية ( ١٦٢٦ ـ ١٦٩٦ ) بمطالعة أدب نيكول ثم كورنيل وبردالو. وكان الأخلاقي لابرويير ( ١٦٦٩ ـ ١٦٩٦ ) يرى أن موسى وهوميروس وأفلاطون وفرجيل وهوراس لا يفوقون غيرهم من الكتاب والشعراء إلا بجودة تعابيرهم وتصوراتهم. وكان الشاعر راسين ( ١٦٣٩ ـ ١٦٩٩ ) استظهر وهو في السادسة عشرة أو السابعة عشرة أشعار سفوقلس وأربيدس وقرأ أفلاطون وبلوتارك على الأصل اليوناني وكان وهو في المدرسة يقرأ رواية تيوجين وشاريكله لهيلودور اليوناني ففاجأه معلمه فتناول الكتاب من يده وألقاه في النار ثم اجتهد راسين أن يحصل على نسخة ثانية من هذه الرواية فعامله أستاذه بمثل ذلك ثم استحصل نسخة ثالثة وأخذ يحفظها سراً ولما أتى عليها حمل النسخة إلى معلمه وقال له: لك أن تحرق هذه كما حرقت أختيها لأني لا حاجة بي إليها. وقال الكاتب الفرنسوي سان أفرموند ( ١٦١٣ ـ ١٧٠٣ ) أن رواية دون كيشوت لسرفانتس هي من المصنفات التي أستطيع تلاوتها طول عمري دون أن أمل ساعة وكنت أود أن أكون مؤلف دون كيشوت من بين جميع الكتب التي طالعتها ومن رأيي أنه ليس من كتاب يساعد كثيراً على تحسين ذوقنا في كل الأمور مثله. ويظهر أنه كوفيدو من حذاق المؤلفين وأني لأعتبره زيادة لأنه أراد أن يحرق جميع كتبه عندما قرأ دون كيشوت وكان يؤثر لو لم يؤلفها قال ثم إني رأيت مما يلذني طول حياتي كتب مونتين وأشعار مالريب وفاجعات كورنيل ومصنفات فواتور. سئل الشاعر بوسويه ( ١٦٢٧ ـ ١٧٠٤ ) عن المصنفات التي يتمنة لو قدر له أن يؤلف مثلها فقال كتاب الرسائل الولايات لباسكال وكان يؤثر شعر هوراس وكان بوالو ( ١٦٣٦ ـ ١٧١١ ) يجعل لشعر هوراس المقام الأول ثم لتيرانس ويفضل مشاهير القدماء على مشاهير المحدثين ما خلا باسكال فإنه عده في مصاف العظماء وكانت مكتبة لايبنر الفيلسوف الألماني ( ١٦٤٦ ـ ١٧١٦ ) عبارة عن مصنفات أفلاطون وأرسطو وبلوتارك وسكتوس أمبيريكوس وإقليدس وأرخميدس وبلين وشيشرو وسنينك وقد درس منذ نعومة أظفاره اللغات القديمة وآثر التوفر على الأخذ من الشاعرين تيت ليف وفرجيل حتى أنه كان في شيخوخته يسمعك ما قاله فرجيل بالحرف الواحد. وكان مونتسكيو ( ١٦٨٩ ـ ١٧٥٥ ) جعل قراءة كتابات تاسيت هجيراه وقال من نفسه: إني لأعترف أن ذوقي أن ذوقي في القدماء وأن الزمن القديم يبهجني وأنا أقول أبداً ما قاله بلين أنكم يا هؤلاء تذهبون إلى آثينة فاحترموا الأرباب. وكان يحتفل من وراء الغاية بكتاب تليماك كما يأنس بكتب آسيل وأربيد وسوفقلس وبلوتارك وأرسطو وأفلاطون وشيشرون وسويتون وفرجيل ويختار من المحدثين كربيليون ومونتين ولاروشفوكولد ويعتقد أن أعظم الشعراء أفلاطون ومالبرنش وشافتز بوري ومونتين. وكنت ترى على منضدة فولتير ( ١٦٩٤ ـ ١٧٨ ) رواية أتالي لراسين وكتاب الصوم الصغير لماسيليون وقال الفيلسوف ديدرو الفرنسوي ( ١٧١٣ ـ ١٧٨٤ ) في كلامه على القصصي الإنكليزي ريشارسون أن مطالعة كتبك هي سلوتي في جميع أوقاتي فلو قضت علي الضرورة أن أبيع كتبي لأعلم بثمنها أولادي لاستثنيتك منها وأبقيتك لي أنت وأسفار موسى وهوميروس وأربيدس وسوفقلس وأتناوب قراءتك مرات. وكان العالم بوفون ( ١٧٠٧ ـ ١٧٨٨ ) يوصي بقراءة أعاظم أرباب القرائح والعقول وقد حصرهم في خمسة وهم نيوتن وباكون ولايبز ومونتسكيو وهو في جملتهم. وكان كانت الفيلسوف ( ١٧٢٤ ـ ١٨٠٤ ) يرى أن الأرق إذا استولى على امرئ فليس لصاحبه إلا أن يحصر فكره في موضوع واحد أما هو فكان يجلب النعاس إلى عينيه بأن يتصور شيشرون وحياته وكتاباته وكان كيتي ( ١٧٤٩ ـ ١٨٣٤ ) يرى أن هي ما يقرأ ما خطته أنامل مولير وفولتير وقال عن هذا أنه صفوة أمته كما أنه لويس الرابع عشر صفوتها في السياسة وذلك لأن الأسرة إذا طال عليها العهد يتسلسل منها فرد يجمع جميع صفات أجداده وكمالاتهم وهكذا كان فولتير أعظم كاتب كانت بينه وبين أمته مناسبة وهو أعظم أديب على اختلاف العصور وأعجب مؤلف في الطبيعة. وسنحث القراء بشيء من فوائد الكتاب بعد. مجامع الغرب اشتقت لفظة المجمع التي هي تعريب أكاديميا الإفرنجية من أكاديموس بطل آثينة فكانت الأكاديميا هناك عبارة عن بيت خاص أو ملعب محاط بالأشجار حوى عدة محال لتقديس الأرباب ومنها محراب لربة الشعر أنشأه الفيلسوف أفلاطون فكان يتنزه تحت ظلال أشجاره مع تلاميذه ويذاكرهم في المسائل العلمية ولما هلك دفن في حديقة مجاورة لذاك المكان فتولى سبوزيين بعده أمر المجمع ثم توسع في معنى الأكاديميا فصار يطلق على فريق رجال الأدب والعلم وأرباب الفنون يجتمعون للبحث في موضوعات عامة نافعة. هكذا كان شأن مجمع البطالسة في الإسكندرية ومجمع الإسرائيلين ومجمع الخلفاء العباسيين في بغداد والأمويين في الأندلس ومجمع شارلمان والفرد الكبير الفرنسويين. وكانت بعض هذه المجامع أشبه بمدارس منها بمجامع علمية كما ترى المجامع اليوم. نشأت في أوروبا خلال القرن الثالث عشر والرابع عشر مجامع علمية نظرية مثل مجمع فلورنسا إحدى مدن إيطاليا ( ١٢٧٠ ) ومجمع المناظرات البديعة في طولوز في فرنسا ( ١٣٢٣ ) ولم يعن في ذينك المجمعين بغير الشعر لما أن ألشعر والأدب هو أول ما تعانيه الأمة وتحرص عليه ليكون سلماً إلى سائر العلوم التي هي قوام المجتمعات البشرية. أما الحركة التي أدت إلى إحداث المجامع الحالية في الغرب فيجتمع إليها خاصة أهل كل بلد وتنظر في المكتشفات والمخترعات المهمة فتقر سليمها وتنبذ سقيمها فترجع إلى عهد النهضة التي نشأت من إيطاليا والنهضة إذا أطلقت في أوروبا يراد بها دخول الآداب في طورها الجديد والقيام على الصنائع والعلوم التي نشأت فيها في القرن الخامس عشر والقرن السادس عشر. ومما ساعد على إحيائها اكتشاف الطباعة واختراع النقش وهما الاختراعان اللذان عمما الآداب والصنائع. نشأت تلك الحركة من إيطاليا فكثرت فيها المجامع العلمية أي كثرة فلم تكن فيها مدينة غلا وفيها مجمعاً واحد على الأقل وربما كان في المدن الكبرى عشرون مجمعاً أو تزيد. ومن المجمعات الإيطالية التي أشبهت المجمع العلمي الفرنسوي الحالي مجمع كروسكا ولم يكتب البقاء لما عداه من المجامع العلمية الإيطالية التي نشأت في القرن السادس عشر والسابع عشر وقلما كانت تلك المجامع تدوم بعد مؤسسيها. وفي القرن السابع عشر حذت فرنسا حذو إيطاليا في مجامعها فكثرت فيها المجامع وحسنت حالها لأن الحكومة في فرنسا أخذت بيدها فكانت نشأتها في بلاد عني فيها بأمرها. فأنشأ ريشليو الوزير الفرنساوي المجمع العلمي وأنشأ لويز الرابع عشر مجمع العلوم والآثار وفروعه التي نشأ منها مجمع الفنون الجميلة. اختلف بعضهم في فوائد المجامع العلمية ومما قاله رينان الفيلسوف الفرنسوي كثيراً ما يضعف صوت العلم النافع ويتضاءل أمام هجمة المهاجمين وقحة الدجالين. وللعلم صوت متى سكن ضجيج تلك الظواهر يظل ذلك الصوت يسمع فلا يعود أحد يسمع غيره ومن أجل هذا ترى المجامع العلمية على كثرة شكوى أهل الأفكار المنحطة منها فائزة بفضل الغلبة لأأنها حارسة حسن الترتيب الحقيقي وهي قليلة ولكنها مفلحة وليس لغير العقل سلطة تبقى. أهـ. كانت المجامع العلمية الفرنسوية من أعظم المجامع التي نشأت في عواصم أوروبا وعليها نسج الناسجون وبمثالها اقتدى المقتدون. نشأ المجمع العلمي الباريزي الذي هو مفخر من مفاخر الفرنسيس سنة ١٦٢٩ على يد بضعة أشخاص من أهل الطبقة الوسطى كانوا يجتمعون مرة أو مرتين في الأسبوع في منزل لافانتين كونرار أمين سر الملك فيتباحثون كأنهم في زيارة عادية في الأخبار والآداب وإذا ألف أحدهم كتاباً يعرضه على غيره عن طيب خاطر فيقولون فيه رأيهم بحرية وكانوا ثمانية رجال ومعظمهم من أهل الأدب ومن أرباب الذوق وأهل الشعور كما تدل عليه مصنفاتهم فمضى عليهم نحو أربع أو خمس سنين وهم يوالون اجتماعاتهم على هذا النحو والسرور شامل لهم والفائدة يقتطفون من ثمراتها كل جني هني فاتصل خيرهم بريشليو وقد نم على جمعيتهم الصغيرة أحد أصحابه ولعل هذا الوزير أراد أن يكون مرجعاً في كل شيء شأن كبار المستبدين فعرض عليهم إذا كانوا يحبون أن يجتمعوا اجتماعاً عاماً ويتألفوا جماعة وكان ذلك في أوائل سنة ١٦٣٤ فتردد أولئك المجتمعون أولاً ثم أجابوا دعوة ريسليو فدعاهم أولاً على تكثير سوادهم فبعد أن كانوا من تسعة إلى اثني عشر رجلاً أصبحوا ثمانية وعشرين ثم تفاوضوا في الشكل الذي يجري عليه المجمع وفي مواده وعمله وهو عبارة عن تحسين اللغة الفرنسوية وتأليف معجم لها وكتاب نحو وشعر وبيان لتعم اللغة الإفرنسية ويكون لها من الشأن كما كان في القديم للغتين اللاتينية واليونانية. مات ريشيلو وخلفه في الرئاسة سيكيوه من أصحاب السلطان وأخذ المجمع العلمي صورة من صور ديوان رسمي ثم أخذوا بعد حين ينشرون محضر جلساته واصطلحوا على أن يلقي كل منتخب من زمرة أعضائه خطاباً. وفي سنة ١٧٠٢ قرر المجمع قبول النساء العالمات فيه. وفي رواية أن النساء كن يقبلن في مجمع التصوير والنقش الملوكي في باريز بصفتهن أعضاء منذ عهد بعيد ولكن لا يقبلن في المجمع العلمي الأدبي أكثر من غيره. ولطالما كافأ هذا المجمع النساء على ما جادت به قرائحهن من الكتب والرسائل ولم يفكر في إيجاد بعض كراسي لهن يجلسن عليها وكان النساء في مجمع التصوير والنقش وما زلن ممتعات بنفس الحقوق التي يتمتع بها الرجال. وكان العقلاء يشتكون في بعض الأحايين من دخول بعض الأعضاء في المجمع العلمي بالشفاعة والوساطة لعظم أقدارهم ولكن كانت الأكثرية في الغالب لأرباب العلم النافعين ممن امتازوا بشيء أو كتبوا آثار نافعة ولم يحرم من الدخول في هذا المجمع من رجال العلم إلا أفراد قلائل امتنعوا هم عن الدخول أو كان المانع من دخولهم سبباً ظاهراً. نفع المجمع العلمي اللغة الفرنسوية بقاموسه فكانت أقواله محترمة معمولاً بها من الأمة ولطالما أسف الإنكليز والألمان أنفسهم على عدم توفقهم لإيجاد مثل هذا المجمع فكانت لغتاهم لعدم المسيطرين عليهما مادة رخوة قابلة لكل تغير يتصرف فيها على ما يشاء. وعلى ما يشتغل به المجمع من تنقيح اللغة وتهذيبها ينظر في المصنفات التي تعرض عليه ويكافئ عليها المحسنين بالجوائز. وله الآن ثلاث وعشرون جائزة يعطيها كل سنة. منها سبع عشرة جائزة أدبية وما عداها جوائز سموها جوائز الفضيلة. أما مجمع الآثار الفرنسوي فقد أنشء سنة ١٦٦٣ من أربعة أعضاء من أهل المجمع العلمي السالف ذكره وجعل أعماله النظر في حل الآثار والشعار والأيقونات وأن تجعل للعاديات القديمة بساطة وذوق تعظيم بها قيمتها الحقيقية وفي سنة ١٧٠١ نظم قانون ذاك المجمع مؤلفاً من أربعين عضواً يقسمون إلى أربع طبقات. ويجتمع هذا المجمع مرتين في الأسبوع وأهم عمله البحث في الآثار الفرنسوية والتاريخ الفرنسوي كما يعنى بالآثار الشرقية والغربية كالأشورية والبابلية والسامية والمصرية وغيرها وفيه فحول من الأعضاء المخصين في كل علم من هذه العلوم وهو يعطي جوائز كسائر الأكاديميات الفرنسوية وينتخب رئيسه لسنة كما في سائر المجامع ما عدا العلمي الكبير ويعاونه كاتم أسرار دائم وهو محسوب من جملة الأعضاء الأربعين. أما مجمع العلوم في فرنسا فمنشؤه مجهول ولم يعرف له تاريخ في الحقيقة إلا سنة ١٦٦٦ أيام رخص له الوزير كولبر بأن يجتمع في خزانة كتب الملك لما رأى في أعماله من خدمة الأمة وفي هذا المجمع الفلكيون وعلماء التشريح والنبات والكيماويون والمهندسون والميكانيكيون والطبيعيون. زاره لويس الرابع عشر فوقعت زيارته له موقعاً حسناً. وقد خصصت له فرنسا منذ ألو نشأته اثني عشر ألف ليرة إفرنسية لابتياع الأدوات والآلات اللازمة للتجارب الكيماوية والطبيعية وغيرها وعدد أعضائه أربعون أيضاً كالمجمعين السالفين وهم يقسمون أقساماً. أما مجمع العلوم الأدبية والسياسية فلم يكن له كيان قبل الثورة الفرنسوية وغاية ما في الأمر أنه أسس نادي الأنترسول للبحث في هذه العلوم على يد الراهب دي لونكور في سنة ١٧٢٠ فكان يجتمع أعضاؤه وهم مائة من العلماء كل سبت ثلاث ساعات يقضون الساعة الأولى في تلاوة بعض أوراق مقتطعة من الجرائد ويتباحثون في الساعة الثانية في الشؤون السياسية ويصرفون الساعة الثالثة في قراءة مفكرات. فظنت الحكومة الفرنسوية فيه سوءاً فأمرت بإلغائه سنة ١٧٣١ حتى إذا كانت سنة ١٧٩٥ سن قانون لهذا المجمع ينقسم على أقسام قسم العلوم الطبيعية والرياضية وقسم العلوم الأدبية والسياسية وقسم الآداب والفنون الجميلة. وينقسم قسم العلوم الأدبية والسياسية إلى ستة أقسام لكل منها ستة أعضاء في باريس وستة مشتركين في الولايات يشتغلون في تحليل الأفكار والعواطف وهم قسم الفلسفة. والثاني قسم الأخلاق وقسم العلوم الاجتماعية والتشريعية كالتقنين والحقوق العامة والفقه. وقسم الاقتصاد السياسي كالمسائل المالية والإحصائية. وقسم للتاريخ العام والفلسفي وقسم للجغرافيا. ولما قبض نابليون بونابرت على قياد المملكة الفرنساوية أراد أن يلغي هذا المجمع مخافة أن يثير حركة في القلوب الجامدة إلا أنه عاد بعد فتجددت حياته ولما تغيرت أنواع الحكومات في فرنسا تغيرت الأحوال على جميع العلوم الأدبية والسياسية ثم انحصرت أعمال هذا المجمع بعد اللتيا والتي في الاشتغال بخمسة أقسام وهي الفلسفة والأخلاق والتشريع (الحقوق العامة والفقه) والاقتصاد السياسي والإحصائيات والتاريخ العام والتاريخ الفلسفي. وقد كثر ما جاد أهل الخير له بالأموال ومن رصدوا له الأوقاف فضلاً عما وضعته الحكومة الفرنساوية من الاعتمادات من أجله فصار يتأتى له بذلك أن يكافيء المحسنين من المؤلفين. أما مجمع الفنون الجميلة في فرنسا أيضاً فإنه قام مقام عدة مجامع قبله أنشئت منذ عهد لويز الرابع عشر فأضيف إلى مجمع التصوير والنقش مجمع للموسيقى ومجمع للرقص. ومن المجامع الفرنساوية مجمع التصوير والنقش الملوكي أنشء سنة ١٤٦٨ وألغي سنة ١٧٩٣ . وهناك الكثير من المجامع مثل أكاديمية سان دوك المؤسسة سنة ١٦٤٩ والملغاة سنة ١٧٧٧ ثم المجمع الملكي للرسم الذي أسس سنة ١٦٧١ في باريز وألغي سنة ١٧٩٢ ثم مجمع الفنون الجميلة وقد أسس سنة ١٧٩٥ ولا يزال حياً. وفي ولايات فرنسا كثير من المجامع العلمية للتصوير والنقش كما فيها مجمع علمي للموسيقى ومجمع للرقص وآخر للجراحة وغيره للطب وهناك جمعيات علمية أيضاً. قلنا أن إيطاليا كانت مبعث المجامع الأدبية والعلمية على الطراز الحديث وأنها كثرت كثرة عظيمة وكانت هذه المجامع لأول أمرها عبارة عن اجتماع أشخاص انصرفوا إلى العلوم والآداب والفنون وظهرت بأسماء غريبة دام بعضها وبعضها انفض أعضاؤه والزمن جامع ومفرق. وأهم مجمع قام في إيطاليا المجمع الإفلاطوني في مدينة فلورنسا بسعد كوسم دي ميديس كبير دوقات طوسكانيات في عصره وكان هم هذا المجمع درس فقوال أفلاطون ثم تفرق أعضاؤه أيدي سب عقب حوادث سنة ١٥٢١ ولم يعودوا يجتمعون ثم أسست مجامع في نابولي ورومية عنيت بالآداب والتمثيل والشعر وأول جمعية أسست في إيطاليا للبحث في العلوم الطبيعية نشأت في نابولي سنة ١٥٦٠ على يد باتيست بورتا وكانت داره أول مجمع لاجتماع المتحابين في العلم وهم كانوا سداه ولحمته وقد عنيت بالبحث في الطب والفلسفة الطبيعية. ثم اتهم هذا المجمع بالسحر فاضطر مؤسسه أن يذهب إلى حضرة البابا لويز الثالث ويبرئ نفسه مما عزي إليه وانحل المجمع وخلفه في رومية سنة ١٦٠٣ مجمع لنسي وكان من جملة أعضائه غاليله صاحب الرأي المشهور في دوران الأرض الذي أرداه الجهل في عصره. ثم أنشأ البابا بيوس التاسع سنة ١٨٤٧ مجمعاً علمياً في رومية سماه المجمع البابوي النيسي الجديد وبعد سنة ١٨٧٠ نظم هذا المجمع وأطلق عليه اسم القديم المجمع النيسي وهو الآن تحت حماية الحكومة الإيطالية ويتناول نحو عشرين ألف جنيه في السنة من الحكومة وهو قسمان قسم العلوم الأدبية والسياسية وفرع العلوم الطبيعية والظواهر الجوية. وفي سنة ١٦٥٧ أنشأ الأمير ليوبولد ميديسي في فلورنسا مجمع سيمنتو للبحث في العلوم الطبيعية ثم انحل وأنشئ في مدينة فلورنسا مجمع كروسكا سنة ١٥٨٢ وهو مجمع الأدبي أسسه أشهر شعرائها وعني بتصحيح قاموس اللغة الإيطالية وهذا المعجم هو حجة الطليان في لغتهم كمعجم المجمع العلمي الباريزي باللغة الإفرنسية. وقد ضعف هذا المجمع بعض الضعف ولكنه ما زال موجوداً وأعضاؤه على قلتهم نشروا الآن الطبعة الخامسة من معجمه وفي كل من بولونيا وتورين وميلان والبندقية مجامع علمية أدبية كما فيها مجامع خاصة من أمهات المدن الإيطالية ومنها ما يرد تاريخه إلى سنة ١٥٠٠ . أما مجامع الفنون الجميلة فهي بلا شك وافرة في بلدان إيطاليا وكيف وهي أم الصنائع النفيسة والتفنن والذوق وأهم المجامع من هذا النوع مجمع ميلان أسس سنة ١٤٨٣ ومجمع الفنون الجميلة في ميلان ومجمع بولونيا المعروف بالمجمع الكليمنتي نسبة للباب كليمان ومجمع جين اللغوي أسس سنة ١٧٥١ ومجمع تورين ومجمع البندقية ومجمع نابولي ومجمع بارم ومجمع مودين ومجمع لوك ومجمع سين وأهم المجامع المجمع الروماني لسان دوك أسس سنة ١٥٨٨ ومجمع الفنون والتصير أسس سنة ١٨٦٠ في فلورنسا وكان أسس على عهد كوسم الأول أمير ميديسي وغيرها من المجامع الصغيرة وفيه بعض أعضاء من الأجانب ولاسيما من الإسبانيين. أما مجامع إسبانيا فهي مهمة أيضاً. فقد أسس الدوق إسكالونا في مدريد سنة ١٧١٣ مجمعاً علمياً على نسق المجمع العلمي الفرنسوي والإيطالي وذلك لنشر اللغة الإسبانية وحفظها فكان أعضاؤه باديء بدء ثمانية ثم أصبحوا أربعة وعشرين وله رئيس ينتخب كل سنة وكاتم أسرار دائم وقد نشر معجماً. وهناك المجمع التاريخي أسس سنة ١٧٣٨ وكان لأول مرة جمعية خاصة جعلها الملك تحت حمايته وهو يعني بالمباحث التاريخية وعاديات البلاد الإسبانية وكان أسس في مدريد مجمع للطبيعيات وانفض بعد سنين فخلفه مجمع العلوم الذي أسس سنة ١٨٤٧ وقد جروا فيه على مثال مجمع العلوم في باريز وهو ينقسم على ثلاثة أقسام العلوم الرياضية والطبيعية والظواهر. وفي سنة ١٨٥٨ أنشئوا في مدريد مجمعاً على مثال المجمع العلمي الفرنسوي للعلوم الأدبية. وفيها مجمع للفنون الجميلة أيضاً. ولحكومة البرتقال في لشبونة عاصمتها مجمع للبحث في التاريخ البرتقالي أسس سنة ١٧٢٠ على يد الملك يوحنا الخامس وأضافت إليه الملكة ماري سنة ١٧٧٩ مجمعاً للعلوم الزراعية والفنون والتجارة والاقتصاد العام. وقد نظم المجمع العلمي سنة ١٨٥١ وهو قسمان أحدهما للعلوم الصرفة والثاني للأدب والتاريخ والحقوق والعلوم الأدبية والسياسية وأخذ منذ سنة ١٨٧٩ ينشر مذكرات أدبية برتقالية ومجاميع تاريخية مخطوطة ومفكرات اقتصادية. وتجد في أميركا الجنوبية مجامع علمية في كل عاصمة من عواصم جمهورياتها وأهمها مجمع الفنون الجميلة في ريو دي جانيرو وعاصمة البرازيل أسسها الملك يوحنا السادس البرتقالي وكان مديره وأساتذته من الفرنسيس أولاً. وأسست البلجيك سنة ١٧٧٢ المجمع الملكي البلجيكي في بروكسيل على يد الإمبراطورة ماري تريز ملكة بلاد القاع وهو يبحث في العلوم والأدب وما زال إلى اليوم سائراً على قدم النجاح وقد ضم إليه كل ما في بلاد البلجيك من أهل العلم وحملة لواء أدب وفي كل سنة يعين الملك رئيساً للمجمع من أحد أقسامه الثلاثة في الأدب والفنون الجميلة والعلوم. وبينا كانت أوروبا بأسرها تزهر بالعلوم والآداب على عهد النهضة والإصلاح كانت البلجيك وهي تدعى إذ ذاك بلاد القاع الإسبانية قد خربت ومني سكانها بالحروب الدينية ونزلت من أوج السعادة على حضيض الذلة المحزنة. دامت على ذلك طول القرن السابع عشر وفي تلك الحال التي كانت فيها بلاد البلجيك على جانب من ضعف القوى الطبيعية والعقلية سلمت ولاياتها للنمسا بموجب معاهدة أوترخت سنة ١٧١٣ وكانت الآداب والفنون قد اضمحلت فيها ولم يبق فيها أثر للعلم إلا في كلية لوفين والتعليم فيها على ضعف. فارق الغنى تلك الأمة وإن لم يفارقها نشاطها واحتفظت بتقاليدها وبفضل الملكة ماري تريز هبت البلاد من رقدتها وانعكس ذاك السبات الطويل إلى يقظة تامة وأعضاء ذاك المجمع ٤٨ . وفي البلجيك مجمع طبي أسس سنة ١٨٤١ أعضاؤه أربعون ويقبل أعضاء شرف بقدر ما يستنسبه وأعضاء مراسلين يبلغ معدلهم مائة رجل منهم ٤٠ بلجيكياً و ٦٠ أجنبياً. كما أن مجمعاً علمياً للفنون الجميلة من مدينة أنفرس وفيها مجامع للصنائع النفيسة في أمهات المدن البلجيكية. ولكن لمجمع أنفرس فضل التقدم على سائر المجامع التي من نوعه لأن تلك المدينة نفسها امتازت بالصنائع والتفنن فيها منذ خمسة قرون وقد اصبح هذا المجمع بفضل الدروس التي يلقيها في التصوير والنقش والحفر والهندسة كعبة القصاد من مئات من الطلاب في بلاد البلجيك وغيرها. وفي هولاندة مجمعان أحدهما يدعى مجمع بلاد القاع أسسه سنة ١٨٠٨ الملك لويز بونابرت واستحال سنة ١٨٥٢ إلى مجمع العلوم والثاني مجمع ليدن أنشئ سنة ١٧٦٦ . ومن أعظم المجامع العلمية في ألمانيا المجمع الذي أسس في فيينا سنة ١٦٥٢ على مثال المجامع الإيطالية وليس له مدينة معينة يجتمع فيها بل يغير مقره بحسب إرادة رئيسه ولكن خزانة كتبه لم تزل باقية في درسد عاصمة سكسونيا وقد نشر منذ سنة ١٨٩٥ سلسلة مفكرات تحت أسماء شتى كلها فيس العلم والطب. ومع انتشار العلم في بلاد الألمان وكثرة الكليات فيها لم يشعر فيها بالحاجة إلى المجامع العلمية لأول ارتقائها فلم تؤسس المجامع في قواعد بلادها إلا في القرن الثاني عشر على مثال المجامع الفرنساوية وذلك في مدن برلين وميونيخ وليبزيك وغوتنغن. أسس الفيلسوف الألماني لايبنز في برلين بمساعيه وفضل صوفيا شارلوت حامية الآداب والعلوم في عصرها مجمعاً للعلوم. فصد الأمر بإنشائه سنة ١٧٠٠ ولم يرض فريدريك الأول أن يعد هذا المجمع من جملة دواوين الحكومة إلا بعد اللتيا والتي وإجابة لرغائب زوجته حامية الآداب والعلم فجرى المجمع منذ ذاك العهد على مثال مجمعي لندن وباريز وذلك بجمع المعارف المتفرقة في العالم وتقريبها من الأذهان وتنظيمها وجعل مجموعة لها واضحة سديدة وأن تنمى ويزاد عليها وتوضع موضع الاستعمال ويعم أمرها وتتشربها النفوس على طريقة أمينة مشروعة. قال لايبنز الحكيم في قانون هذا المجمع وهو من إنشائه إن الأسباب التي تبلغ بنا هذا الغرض الذي نرمي إليه هي التأمل ومراقبة صنع الله وعجائبه في الكون ووصف الاكتشافات والاختراعات وما صاغته يد الإنسان من النفائس والعناية بما عني به الناس واعتقدوه من عقائدهم وعلى الجملة النظر في جميع هذه الدروس وتطبيقها على العمل فهي كنز العلم والعمران الاجتماعي وهي المادة التي تساعد على الخير العام والتوفر على الفضيلة وبث الحقيقة وتمجيد الخالق إلى أن قال: ألا وأنه يجب تطبيق العلم على العمل وتكميل الصنائع والعلوم بأساليبها والعناية بكل ما ينفع البلاد والشعب في الزراعة والصناعة والتجارة بل في الطعام والآدام ويعلي شأن ألمانيا. وما برحت حال هذا المجمع في ارتقاء وملوك ألمانيا يعضدونه مدفوعين إلى ذلك بدافع طبيعي من حبهم للعلم أو بدافع حب الظهور والتباهي في الكمالات حتى جاء زمن على المجمع في القرن الثامن عشر أبدل فيه اللغة اللاتينية التي كان يكتب بها أعماله باللغة الفرنسوي لأن هذه كانت لغة العلم إذ ذاك ولكن استعمال الفرنسية لم يدم غير عشر سنين ثم خلفتها الألمانية وكثرت واردات المجمع كثرة مهمة بما نفحته الحكومة إلا أن كلية برلين قد غطت على شهرته بما قامت به من الأعمال العلمية ومع هذا دام له شأن يذكر بين الخاصة ولا سيما عند علماء الأرض الذين يقدرون أعماله العلمية قدرها وهو اليوم أهم مجمع للمباحث اللغوية والتاريخية وله عناية خاصة بالعربية والسنسكريتية. وفي برلين مجمع للصنائع الجميلة أنشئ سنة ١٧٠٣ وكان مديروه فرنسويين باديء بدء. وفي بافيرا مجمع للعلوم اسمه المجمع الملكي وهو في الدرجة الثانية عن الأكاديميات إلا أنه ثقة محترم أسس في ميونيخ سنة ١٧٥٩ واشتغل لأول أمره بالمباحث التاريخية وفي سنة ١٨٠٩ نظم شؤونه تنظيماً حسناً وعهد برئاسته إلى الفيلسوف جاكوبي وقسم أعماله إلى ثلاثة أقسام وهي الفلسفة وأصل اللغات والعلوم الرياضية والطبيعية والتاريخية. وفي ميونيخ مجمع للفنون الجميلة. وفي إمارة ساكس مجمع للعلوم أنشيء في درسد عاصمتها إلا أن مدينة ليبزيك مركزه الحقيقي وقد أنشيء سنة ١٨٤٦ وعدد أعضائه سبعون عضواً ينقسمون على قسمين القسم الرياضي والطبيعي والقسم التاريخي واللغوي. وفي كل من ليبزيك ودرسد مجمع للفنون الجميلة. وأنشيء في غوتنغن مجمع للعلوم انتظم أمره سنة ١٧٧٠ وهو ذو ثلاث شعب: الرياضيات والطبيعيات والتاريخيات وللشعبة الطبيعية فيهم أثر مهم في الحركة العلمية الألمانية. ويمكن أن يلحق بمجامع ألمانيا مجمع فينا عاصمة النمسا اليوم ولغته الألمانية. وفي فينا ما عدا ذلك مجمع علمي إمبراطوري وضع مشروعه لايبنز الفيلسوف ولكنه لم يؤسس إلا سنة ١٨٤٦ على يد الإمبراطور فرديناند الأول وهو شعبتان شعبة الرياضيات والطبيعيات وشعبة التاريخ والله وله ٦٠ عضواً مواظبين و ٢٤ عضواً بالشرف و ١٢٠ عضواً مراسلين وكان أول رئيس له المستشرق الكبير هامر بورجستال. وأسس في فيينا سنة ١٧٠٤ مجمع للفنون الجميلة. وفي بريطانيا العظمى وإيرلندا تطلق لفظة مجمع على المحال التي تعنى بالفنون الجميلة وما عداها من الجمعيات التي يشترك فيها كثير من رجال العلم والأدب لمقصد يقصدونه وعلم ينمونه وأدب ينشدونه يدعى جمعيات فالجمعية الملكية في لندن لا تقل عن المجمع العلمي في باريز وبرلين ويرد عهد تأسيسها إلى سنة ١٦١٦ وقد كان شأن هذه الجمعية على عهد جان الأول وشارل الأول من الضعف على جانب. وكان باكون الفيلسوف اعتاد أن يجتمع هو وأصحابه من أهل العلم والحكمة في أكسفورد على الدوام للبحث في الموضوعات التي لها علاقة بالعلوم العلمية ولما ارتقى شارك الأول إلى عرش إنكلترا أصدر إليهم أمراً يعترف بجمعيتهم وعندها بدأ أمرها بالظهور وما زال شأن هذه الجمعية العلمية زاهراً طوال القرن الثامن عشر والتاسع عشر واشترك فيها كثير من نبلاء البلاد الإنكليزية وجميع علمائها ولكن بدون أن يعطى النبلاء لقباً علمياً. وما برحت منذ سنة ١٦٦٥ تنشر كتباً تحت عنوان القضايا الفلسفية وقد بلغت إلى الآن زهاء مائتي مجلد. وفي لندن مجمع للتصوير اسمه مجمع أدمبرغ وفي دوبلين عاصمة إيرلندا مجمع اسمه المجمع الملكي الإيرلندي أسس سنة ١٧٨٦ بجانب كليتها وفيها مجمع للفنون الجميلة. وفي بعض المستعمرات الإنكليزية مجامع علمية مثل المجمع العلمي في مدينة فكتوريا بأوستراليا. وفي بلاد السويد والنرويج مجامع علمية كثيرة جروا فيها على قدم المجامع الفرنسوية وهي ناجحة للغاية. وفي استوكهلم ثلاثة مجامع فيها ثلاث شعب كالمجمع العلمي الباريزي وفيها مجمع علمي للفنون الجميلة أسس سنة ١٧٣٣ وهو كمعظم المجامع التي من شكله عبارة عن مدرسة للفنون الجميلة مع متحف وأساتذة وتلاميذ معدل عددهم أربعمائة. وفي استوكلهم مجمع علمي على مثال مجمع العلوم في باريز وبرلين أسس سنة ١٧٣٥ على يد العالم تريوالد المشهور في عصره إجابة لدعوة أحد رجال تلك البلاد وعلى نفقاته وكان دعاه إلى إلقاء محاضرات عامة في الطبيعة العلمية فحذا حذو تريوالد كثير من أهل الأدب حتى إذا كانت سنة ١٧٣٩ أنشأ هؤلاء العلماء في استوكهلم جمعية صغرى غايتها البحث في المباحث العلمية وتعميمها ثم انتظموا في شكل مجمع علمي يجتمع في أوقات معلومة ولا يكتفي بالمحاضرات فنجح في شؤونه ونشر كما تنشر المجامع العلمية خلاصة بأعماله ونمي خبره إلى فريدريك الرابع ملك السويد فجعله تحت حمايته ودعاه مجلس العلوم الإمبراطوري في السويد وإذ لم يغدق الملك على هذا المجمع شيئاً من مال الحكومة بقي حراً في حكم نفسه بنفسه وإدارة شؤونه مستقلاً عن الحكومة وهو الآن يتناول وارداته من الوصايا وممن يحسنون عليه بالأموال ويمنحونه المنح من أهل الخير. ويتعاقب الأعضاء المقيمون في استوكهلم رئاسة المجمع كل ثلاثة أشهر وأعضاؤه من السويديين وغيرهم من الأجانب. وكان هذا المجمع ينقسم سنة ١٧٩٩ إلى سبعة أقسام وهي الاقتصاد السياسي والزراعي والتجارة والصنائع الميكانيكية والطبيعية والتاريخ الطبيعي والوطني والطبيعة والتاريخ الطبيعي الأجنبي والعلوم الرياضية والطب والأدب والتاريخ واللغات. وفي أوبسال أحد مدن السويد مجمع اسمع مجمع العلوم الإمبراطوري أسس سنة ١٧١٠ ولكنه لم يعترف به رسمياً إلا سنة ١٧٢٨ وكانت كيفية إنشائه غريبة وذلك أن طاعوناً جارفاً انتشر في أوبسال سنة ١٧١٠ فانفض طلاب مدرستها الجامعة وانقطعت ألسنالمدرسين عن التدريس وخلت المنابر من أصوات الخطباء وساد الهلع والقلق في أربجاء البلاد فرأى أحد علماءها المدعو أريك برزيلوس خازن كتب الكلية وهو مؤرخ وفقيه مشهور في قومه أن يجتمع أساتذة الكلية في المدرسة مرة في الأسبوع في قاعة المكتبة ليقضوا الوقت في المحاورات الودية ويخوضوا في الموضوعات الأدبية ويطردوا عنهم كما قالوا شيطان الهموم ويقضوا الوقت بلا ملل فاجتمعوا لأول مرة وسموا مجمعهم مجمع الفضوليين وكان هذا الاجتماع أساس المجمع العلمي الحالي. ثم غيروا اسمه وأخذ بفضل أعضائه ينشر كسائر المجامع مذكراته وأعماله ورسائله ولكن باللغة اللاتينية أولاً وما برحت تصدر مذكراتهم باللاتينية إلى اليوم وإن كان معظم الأعضاء يكتبون مقالاتهم بالألمانية أو بالإنكليزية أو بالإفرنسية. وفي بلاد النروج مجامع علمية وإن لم تكن في الغاية بموقعها فهي مفيدة وحرية بأن يشار إليها. ففي كرستيانيا مجمع أسس سنة ١٨٥٧ ومثله في دورنتيم أسس سنة ١٧٦٠ يعنى بالبحث في الصنائع والتجارة لا بالعلم المحض. وفي كوبنهاغ مجمع العلوم الإمبراطوري أيضاً أسس سنة ١٧٤٢ على عهد كرستيان السادسي. وهو شعبتان الفلسفة والتاريخ والعلوم الرياضية الطبيعية وينشر مذكرات من أمتع ما يؤلف وينشر. وفيها أيضاً مجمع للفنون الجميلة أسس سنة ١٧٣٨ . وفي بطرسبرج عاصمة روسيا مجمع للعلوم كان الباديء بإنشائه بطرس الأكبر تأسس سنة ١٧٢٤ من ثلاث شعب وهي الرياضيات والتاريخ الطبيعي والتاريخ والفقه ويقضي على أعضائه أن ينصرفوا للتعليم ويعنوا بتخريج تلاميذ يختارونهم من شبان الصقالبة السلافيين الأجانب. وكان جميع أعضائه من غير الروسيين لأول أمره أي من السويسريين والألمان. وقد خدم تاريخ روسيا وعلم آثارها أجلّ خدمة في منتصف القرن الثامن عشر وكان أول عضو روسي فيه الشاعر لومونوروف ورأسته الأميرة داشكوف من سنة ١٨٨٣ إلى ١٨٩٤ وهي التي نظمت جلساته وجعلتها باللغة الروسية وشرعت في نشر عدة مجلات بالروسية. وأنشئت فيه شعب للعلوم التاريخية والإحصائية والسياسية وقسم للغات الشرقية وقد خدم العلم أعظم خدمة ونشر عدة كتب ولاسيما قاموسه السلافي الروسي وقل بعد ذلك عدد الأعضاء الروسيين فيه وقام بعدة بعثات علمية مهمة. وفي بطرسبرج أيضاً مجمع للفنون الجميلة أسس على عهد الإمبراطورة إليزابيت سنة ١٧٥٧ وكان أساتذته من الأجانب لأول عهده. ولقد أنشأت الأمم النازلة في الجنوب الغربي من أوروبا في القرن التاسع عشر وهي الأمم التي أحرزت الاستقلال أو تحاول نيله مجامع علمية لتدل بها على وطنيتها وتجمع شمل العلماء الذين يخاطبون أوروبا في امرها ومن تلك المجامع المجمع المجري أسس سنة ١٨٣١ وعاقته حوادث سنة ١٨٤٨ فلم يصبح عاماً غلا في سنة ١٨٥٨ ثم قام دعاة الوطنية وأخذوا يستوكفون الأكف فاشترك في الجود له رجال تختلف طبقاتهم من البارون سينا الذي تبرع بثمانين ألف فلوريني إلى الخدام والخادمات الذين كانوا يجودون بالقروش الصغيرة فأنشيء المجمع من جديد وافتتح بناؤه سنة ١٨٦٥ في بقعة من أجمل بقاع الأرض على ضفاف الطونة بين مدينتي بود وبست. وهو خمسة أقسام قسم في أصل اللغات وآخر في التاريخ الأدبي وثالث في التاريخ والرابع في الاقتصاد السياسي وخامس في الرياضيات والتاريخ الطبيعي وعلم الآثار وله دخل وافر يمكنه من السخاء على العلم وهو يعين ثلاث مجلات مجرية بقدر من المال. منها مجلة بودابست وهي أشبه بالمجلات الإفرنسية تقوم على نشر العلم بين الطبقات المختلفة وتعطي جوائز كبعض المجامع العلمية لمن يبرز في الأدب والعلوم. وقد أسس سنة ١٧٦٧ في آغرام مجمع دعي المجمع الجنوبي السلافي في آغرام نشر كثيراً من لالكتب المهمة لقدماء كتاب الكرواسيين والصقلبيين. وفي بلغراد من بلاد الصرب مجمع أسس سنة ١٨٤٦ يعنى بالتاريخ والعلم واللغة ولاسيما تاريخ بلاد الصرلب وجيولوجيتها وفي كراكوفيا مجمع لهم أنشيء سنة ١٨١٦ وجعل سنة ١٨٧٢ مجمعاً على مثال المجامع العلمية. وأسست في بولونيا عدة مجامع في القرن الثامن عشر ولكنها لم تقم لها قائمة لأسباب سياسية وكانت تنحل بعد اجتماعها بقليل. وفي رومانيا مجمع علمي أنشأه الوطنيون من الرومانيين لبيان الآداب الرومانية ووضع حدود لهذه اللغة وقواعد ثابتة لها ولاسيما بعد أن انضمت إمارتا مودلافيا إلى الأفلاق واشتغل هذا المجمع زمناً بتحسين اللغة الرومانية وتصفيتها من الشوائب والبحث في اللغة القديمة واللغة الحديثة. وفي الولايات المتحدة عدة مجامع علمية مهمة منها مجمع نيويورك ومجمع الفنون الجميلة ومجمع الموسيقى.؟ وأول مجمع علمي أنشيء فيها كان على يد العالم فرنكلين سنة ١٧٤٣ ارتأى تعميم المعارف الزراعية فأسس المجمع الفلسفي الأميركي وقد انضط إليه مجمع آخر فتقوى به وما زال فرنكلين رئيسه يجدد انتخابه كل سنة حتى مات وللمجمع مكتبة فيها زهاء ثلاثين ألف مجلد وأسس سنة ١٨١٢ مجمع العلوم الطبيعية في فيلادلفيا. وهو من أهم المجامع الأميركية وقد جمع له متحف ومكتبة لا نظير لهما وفي خزانة كتبه زهاء ثلثمائة ألف مجلد وفيها كثير من الكتب في التاريخ الطبيعي للولايات المتحدةو ومتحفه مفرد في بابه. وأسس في بوستون مجمع للفنون والعلوم سنة ١٧٨٠ سموه المجمع الأميركي وغايته تنشيط الدروس الأثرية ودرس التاريخ الطبيعي وتطبيق المواد الطبيعية على صنائع البلاد وعلومها وله مكتبة فيها عشرون ألف مجلد وأقيم في بوستون أيضاً سنة ١٨٧٤ مجمع للتاريخ الطبيعي ثم خلفه مجمع آخر سنة ١٨٣٠ وله مكتبة مهمة ومتحف وينشر كتباً ومفكرات وفي نوهافن مجمع للعلوم والفنون وفي نيويورك مجمع للعلوم. وفي سالم من ولاية مساشوست مجمع للعلوم أنشأه الكريم بابودي فمنحه مائة وأربعين ألف دولار. وفي سان لوي مجمع للعلوم وفي شيكاغو كذلك كما في سنيناتي مجمع للتاريخ الطبيعي وفي كليفورنيا كذلك ومجمع هذه يكبر بكثرة ما يمنح من عطايا الأسخياء. وفي أيوفا مجمع للعلوم الطبيعية أسسته عقيلات دافانبور بمالهن. وفي فلادلفيا مجمع لترقية العلوم غرضه أن يطوف أعضاؤه في البلاد ويتباحثوا ويتبادلوا الأفكار. وفي أميركا أيضاً مجمع للعلوم اسمه مجمع العلوم الوطني أعضاؤه مائة يجتمع في واشنطون وفي هذه المدينة المجمع السميثوني أسس سنة ١٨٤٦ بما وقفه عليه جايمس سيمثون المتوفى سنة ١٨٢٩ وهو من أهم مجامع الولايات المتحدة وله متحف طبيعي من أعظم متاحف العالم قام بفضل سخاء الأسخياء عليه وهناك عشرات من الجمعيات والمجامع في أمهات المدن الأميركية سواء كان في الكليات أو غيرها تنشر الكتب وتعنى ببث العلم والإفراد يمنحونها المنائح السنية. هذه نبذة من المجامع على اختلاف مقاصدها في العالم المتمدن لخصناها عن دائرة المعارف الفرنسوية الكبرى وربما زاد عددها الآن أكثر من ذلك فعسى أن يكون فيها للشرق درس نافع. كلمة معتبر أقوى مصيق القوم والمربع فالدار قفر بعدهم بلقع سارت بنا الأرض إلى غاية لنا وللأرض هي المرجع ونحن كالماء جرى نابعاً لكن علينا خفي المنبع والعلم قد أنكر منها جنا ولم يبن أين هو المهيع خرقت يا علم رداء لنا كنا ارتديناه فهل ترقع فجعتنا يا علم في أمرنا أمعتب أنت إذا نجزع لقد طغت حيرة أهل النهى هل فيك يا علم لها مردع كم نشرب الظنّ فلا نرتوي ونأكل الحدس فلا نشبع والناس ويل الناس في غفلة ترتع والموت بهم يرتع والكون قد لاح بمرآته للعيش وجه شاحب أسفع وإن في البدر لخطباً به في البدر لاحت بقع أربع فالعين ما يورث حزناً ترى والأذن ما يزعجها تسمع والأرض في منقلب بالورى والشمس من مشرقها تطلع حتى إذا ما بلغت شوطها لاحت نجوم في الدجى تلمع وهكذا الظلمة تتلو الضيا والضوء للظلمة يستتبع ونحن في ذاك وفي هذه بالنوم واليقظة نستمتع ما بين مسعود يميت الدجى نوماً ومنكود فلا يهجع ومسرع يسبقه مبطيء ومبطيء يسبقه مسرع وشامت يضحك من حادث حلّ بباك قلبه موجع لو كان للقسوة عين وقد رأته كانت عينها تدمع والكل في شغب لهم دائم لم يقلعوا عنه ولن يقلعوا والماء يمسي وشلاً تارة وحوضه آونة مترع والريح تجري وهي ريدانة حيناً وحيناً عاصف زعزع وبعضهم تمرع وديانه وبعضهم واديه لا يمرع قد يحسب الإنسان آماله والموت مصغ نحوه يسمع حتى إذا أكمل حسبانها وافاه ما ليس له مدفع فخرّ للجنب صريعاً به وأي جنب ماله يصرع وظلَّ فوق الأرض في حالة يزوّر عنها الحسب الأرفع لا تعمل الأقلام في كفه وكان من قبل بها يصدع ولم تعد تقطع أسيافه من بعد ما كان بها يقطع فاستل مثل السيف من مطرف طرائق الوشي به تلمع ولف في ثوب له واحد ليس له رقم ولا ميدع واهاً له ثوب البلى إنه يبلى مع الجسم ولا ينزع ودس حيث الأرض أمست له ملحودة ضاق بها المضجع حيث البلى يرميه حتى إذا لم يبق في قوس البلى منزع خالط التراب جثمانه مطحونة منها بها الأضلع لله در الموت من خطة فيها استوى ذو العي والمصقع يخون فيها القول منطيقه كما تخون البطل الأدرع ما أقدر الموت فمن هوله لم ينج لا كسرى ولا تبع يا رافع البنيان كم للردى من سلم يدرك ما ترفع ويا طبيب القوم لا تؤذهم إن دواء الموت لا ينجع لا بد للمغرور من مندم بالعض تدمى عنده الإصبع وما عسى تغني وقد حشرجت ندامة ليست إذاً تنفع يا برقع الخلقة واهاً لما فيك واهاً منك يا برقع قد زاغت الأبصار فيما ترى إذ فات عنها سرك المودع وليس في الإمكان عند النهى أبدع مما خلق المبدع سير العلم والاجتماع مستقبل علم الاجتماع نشرت إحدى المجلات الاجتماعية آراء خمسة عشر عالماً من كبار علماء الاجتماع في أوروبا وأميركا سألتهم عن مستقبل هذا العلم الحديث الذي نشأ في الحقيقة منذ ثلاثة أرباع قرن عندما نشر أوغست كونت الفيلسوف الفرنسوي فلسفته الحسية وكان بها واضع أسس علم الاجتماع فكانت أجوبتهم على أن هذا العلم ما زال في حداثته الأولى ويرجى أن يكون له بعد أجيال أساس راسخ وأن القرن التاسع عشر أورث هذا القرن فيما أورث من تركته الضخمة مشكلة كبيرة فإن ترك له ما تم من الارتقاء في العلوم الطبيعية واكتشاف قوانين النشوء التي تشمل العالم فإن أهم مشكلة علمية ترك للقرن العشرين حلها هي تحديد الصلات بين الأسباب وقوانين النشوء السارية على الإنسانية وإن تقسيم العلوم التي يقوم عليها علم الاجتماع والتوفر على خدمتها سيجعل لهذا العلم شأناً غير شأنه الحاضر ويكون كفيلاً بأعظم النتائج وأخص هذه العلوم هي تاريخ الحقوق وعلم الاقتصاد السياسي وعلم الأديان والصنائع والفنون والتاريخ قال أحدهم أن الغاية من علم الاجتماع أن نفهم منه النظامات الاجتماعية الحاضرة بحيث يتجلى لنا ما يكون من أمرها بعد وما نريد أن نحولها إليه ولا بد أولاً لفهم قانون من القوانين من معرفة كيفية تركيبه فالنظام الاجتماعي مركب من أجزاء فيتحتم حل هذه الأجزاء بمفرداتها ليتأتى الحكم على كل منها على حدته ولا يكفي في إظهار ذلك أن ننظر إلى القانون من حيث انتهى غليه حاله فإنه بذلك لا تعرف العناصر المختلفة المؤلف منها كما أنا لا نرى بالعين المجردة الخلايا التي تتألف منها الأنسجة من الأحياء والذرات التي تتألف منها الأجسام فيقتضي أداة للبحث لإظهار ذلك ولا سبيل إليه إلا بالتاريخ فبه تعرف تلك القوانين التي تألفت قطعة قطعة وكيف جاء بعضها أثر بعض وللتاريخ مقام في نظام الحقائق الاجتماعية يشبه مقام الميكروسكوب في نظام الحقائق الطبيعية. سم الدخان أنشأ باعة الدخان في فرنسا يبيعون دخاناً خالياً من النيكوتين أي المادة السمية الموجودة فيه وقد جرب أحد علمائهم هذا الدخان في اللفافات والغلايين فتبين له أنه لا يضر أصلاً كالدخان الإنكليزي الذي حقن بمنقوعه بعض الحيوانات فأصيبت بعد ٣٨ إلى ٥٦ يوماً بالتهاب الشريان (الأبهر الشمالي) المزمن أما المحقونة بالدخان الفرنسوي الخالي من النيكوتين فحقنت ستين مرة فلم تزد به إلا سمناً ولم يظهر عليها عرض من أعراض الأمراض. لغة الاسبرانتو قبلت مدرسة فرنسا في باريز هذه اللغة التي اخترعها الدكتور زمنهوف الروسي منذ نحو عشرين سنة بصفتها لغة مساعدة عامة وقد أصبح الذين قبلوا هذه اللغة ٣٠٧ جمعيات علمية وغيرها كما تعلمها ١٠١١ عالماً من علماء الأرض على اختلاف جنسياتهم ولغاتهم. حدائق الأطفال أنشئت في منشستر حدائق من الرمل يلعب فيها صغار الأطفال الضعاف البنية فيحضرون إليها يحملون محافر وسطولاً (كرادل) يحفرون ويسقون وتلاحظهم إحدى النساء وفي الأيام الممطرة ينتقلون إلى مكان مسقوف وقد رأى الباحثون أن هذه الطريقة نافعة لتقوية أجسام الضعاف. التمثيل في آسيا قال أحد علماء الاجتماع أن الأمم الكبرى المتمدنة في آسيا ترتاح إلى التمثيل ارتياح الأمم الأوروبية إليه ومع هذا فإن رواياتها التمثيلية منحطة عن روايات الغرب اللهم إلا اليابان ففي الهند والصين لا ترى في الروايات التمثيلية أثراً من الآثار التي تشير إلى المطامع الكبيرة التي تسوق أصحابها إلى الفتن ولا أبطالاً يقدمون على المصاعب ويعاندون الأقدار في أحكامها بل أنهم يكتفون هناك بتمثيل فاجعات عامية تصور اضطرابات الحياة اليومية أو عيشة العملة إلا أن الروايات الأوروبية قد أثرت الآن في الهند وإن كان بعض أدبائها يريدون حباً بوطنيتهم أن يحيوا ما كاد يندثر من آدابهم القديمة مما يدعو إلى الأمل بأن التمثيل الهندي سيرجع عما قريب إلى صورته السالفة التي كان عليها أهل الصين فإن الذي يغلب عليها في التشخيص ذكر الحياة اليومية وأحوالها والفقر ومشاكله المؤثرة وتصوير الصدق والخديعة ويرجى للتمثيل في الصين ارتقاء لاسيما إذا دخلت البلاد بفضل الحركة الثورية التي تهز الآن عصابها في فتن وطنية كبرى. والتمثيل في سيام يجمع إلى تمثيل الحقائق كما تمثلها الصين والأفكار الدينية والفنية كما هي في الهند. وكوريا ممتازة بموسيقاها. أما يابان فإن التمثيل فيها صورة صحيحة من صور المطامع التي تجول في صدور اليابانيين والأعمال التي تدور فليها حياتهم فتجده مثالاً من تقاتل الأفكار وعراك الرجال وتأثيرات الجمال والشرف يظهر كل مرة بمظهر أمام المتفرجين. قال ومتى أكثر المترجمون في أوروبا من روايات يابان كثر مما ترجموا تتمثل للأنظار شعور ذاك العنصر وشعره وتمدنه فنرى ذاك العنصر الذي هو أعظم مثال في استقلاله كيف يقترب من تمدننا وشعرنا وشعورنا. مقاومة الكحول قدم أحد علماء الألمان إلى مؤتمر مقاومة المشروبات الروحية الأخير تقريراً قال فيه أن الناس كانوا على أن قليلاً من المسكرات لا يضر إن لم ينفع أما هو فقد بين أن تناولها حتى باعتدال مضر جداً بالنسل وذلك بتجارب كثيرة أجراها على الأرانب والكلاب وكان كل حيوان منمها يتعاوره بالاختبار ويحقنه بالكحول من مائتينيإلى ثلثمائة يوم فتبين أن نسلها يضعف عقيب ذلك ضعفاً محسوساً الجمال في الأمم كتب أحد الباحثين رسالة فيما يراه كل عنصر من عناصر الأرض من أسباب الجمال فقال أن الجمال يختلف الحكم عليه وإن مما أجمع الناس على استحسانه قوة الرجال ومرونتهم فقبائل الهوتنوت يرون أن من كانت وجناتها أكثر نتوءاً من غيرها تعد ربة الجمال عندهم وزنوج أفريقيا يعتبرون الأثداء المستطيلة الرخوة والزنجيات في شواطيء بحيرة تنغانيكا يحاولون نفخ صدروهن ليكن بذلك محل الإعجاب ومن العادة أن تكون شفاه السود مبرطمة ولكي تزيد قبائل الكاسونيكي والسيرير شفاهها برطمة يدخلن شوكاً فيحدث فيها التهاب يؤدي إلى انبساط القلب المقرط. والفكوم في قبائل الولف في السنغال ناتئة كثيراً ويزيدها نساؤهم نتوءاً بأن يكرهوا الثنايا عندما تطلع أن تكون بارزة للأمام وذلك بأن يضغطن عليها بألسنتهم. ومع أن أنوف قبائل المالايو والقرغيز والهوتنوت والبوسهمين مفلطحة يزيدها نساؤهم فلطحة وقبائل الآينوس في جزيرة يزو على كثرة شعورهم فإن نساؤهم يزدن إنماء شعور وجوههن بواسطة خضاب لتكون لهن شنبات غزيرة وهنود أميركا على أن معظمهم جرد قليلو الشعر يتوفرون على نتف شنباتهم وسبلانهم ولحاهم على ما تفعل الأمم المتمدنة من الإفرنج. وأنف الفارسي أقنى رقيق ومع هذا يزيده من ذلك بالضغط عليه كثيراً وللمصريين القدماء عيون نجل ومع هذا كانوا يزيدون شرطتها بطلاء مخصوص والسياميون أرباب أهداب مقوسة ولا تعد المرأة جميلة عندهم إلا إذا كانت أهدابها كهلال القمر. المعارف في روسيا عرفت روسيا منذ خمسين سنة أنها كلما فتحت مدرسة في بلادها أغلق سجن من سجونها لأن المعارف خير ذريعة إلى التقوى وإصلاح النفس ثم أدركت أن الغلب الحقيقي في معركة سادوفا بين الألمان والفرنسيس كان بفضل معلم المدرسة الجرماني فالمعلم يكوّن الأمة في سياستها واجتماعها ولذلك بدأت في الإنفاق على المعارف ولكن سكانها الآن ١٤٤ مليون وبلادها متنائية الأطراف واسعة المعالم والمجاهل يصعب إعداد معدات تعليمها في بضع سنين وعشرات ولا بد من أيام تمر وأجيال تنقرض حتى يأتي من جمهور الأمة بأناس منورون على النحو الذي تريده الحكومة. كانت روسيا لما بدأت في عدد أمييها دون إسبانيا وإيطاليا وعلى مستوى البلاد العثمانية فكانت مدارسها الابتدائية والثانوية قليلة جداً وإن تكن كلياتها ومدارسها العالية غاصة بطلابها. فكانت روسيا في تعليمها أشبه ببيت زينت ظاهره وبهرجت أدراجه وحوائطه وموهت سقوفه ولكنها لم تنظر إلى أساس الطبقة السفلى منه. بلغت المبالغ التي خصصتها روسيا للمدارس الابتدائية حتى سنة ١٨٩٧ مبلغ ١٤٨٤٦٧٣ روبلاً وهو مبلغ زهيد جداً بالنسبة لذاك الملك الضخم فأصبحت سنة ١٩٠٧ مبلغ ٨٢٨٥٠٠٠ روبل ما عدا الاعتمادات التي تفتحها في الأحايين لإقامة المدارس وصار عدد مدارسها الابتدائية سنة ١٩٠٤ تسعين ألف مدرسة فيها نحو مائتي ألف معلم ومعلمة بين كهنة وعامة (علمانيين أو عالميين) ومجموع ما فيها من التلاميذ خمسة ملايين وثلثمائة وتسعون ألفاً. ومع هذا فإذا حسب حساب المتعلمين بالنسبة للسكان كان الواجب أن يكون عددهم نحو ثلاثة عشر مليوناً. وقد طلب ناظر المعارف من مجلس الأمة الآن أن يقرر في الميزانية ستة ملايين وتسعمائة ألف روبل زيادة على ميزانية الكتاتيب لتكون أساسً في جعل التعليم إجبارياً في روسيا كما أن المجمع المقدس يصرف في السنة عشرة ملايين روبل على مدارسه الدينية ويقول الخبيرون أن روسيا إذا ارادت جعل التعليم إجبارياً في بلادها كألمانيا وفرنسا مثلاً كان عليها أن تصرف كل سنة ١٢٠ روبلاً وهو ما لا تقوى ميزانيتها على تحمله هذا عدا ما يلزم لها من الأراضي وإقامة تلك المعاهد اللازمة والألوف من المعلمين ممن يقلون في أبنائها. وكيفما دارت الحال فإن روسيا تلوب على طرق تجبر الأفراد فيها على التعلم قضهم وقضيضهم وذكورهم وإناثهم. حبوب العالم أصدرت الغرافة التجارية في لندرا إحصاءً ذكرت فيه ما يستخرج من الحبوب في العالم فقالت أن محصول الحنظة ٣١٦٠ مليون مكيال تعادل ٨٦٠٠٠٠٠٠ طن (والمكيال عبارة ٣٦ لتراً و ٣٥ ووزنه في الحنطة ٢٧ كيلوغراماًَ وكسر قليل) ونصف هذا القدر تخرجه ثلاث ممالك فتغل الولايات المتحدة ٦٦٠ مليون مكيال وتغل أملاك روسيا في أوروبا ٥٤١ مليوناً وتغل فرنسا ٣٢٨ مليوناً وأهم البلاد التي تغل النصف الآخر هي الهند تغلب ٢٨٦ مليوناً وإيطاليا تغل ١٥٩ مليوناً وألمانيا تغل ١٢٨ مليوناً والمجر تغل ١٢٠ مليوناً وإسبانيا ١١٥ مليوناً والجمهورية الفضية ١٠١ مليون والباقي تغله الممالك الأخرى. ويقدر محصول الذرة في العالم بـ ٢٨٩٦ مليون مكيال أو ٧٣٥٠٠٠٠٧ طنات تغل الولايات المتحدة ثلاثة أرباعها أي ٢٢٨٦ مليون مكيال ويغل الهرطمان ٣٣٧١ مليون مكيال أو ٤٩٠٠٠٠٠٠ طن تخرج الولايات المتحدة منها ٨٧١ مليوناً وروسيا ٨٢٥ مليوناً وألمانيا ٤٩٤ وفرنسا ٢٦٨ وكندا ٢٠٤ والنمسا والمجر ١٩٦ وتغل روسيا من الشعير ٢٩٧ مليون مكيال وألمانيا ١٤٥ والولايات المتحدة ١١٤ واليابان ٨٠ وتغل الصين من الأرز ٢٤٥٠٠٠٠٠ طن والهند ١٢٧٠٠٠٠٠ ومحصول الأرز في العالم قريب من محصول الحنطة ويخرج من الدخن من بلاد الهند ٥٤٢ مليون مكيال ومن الصين نحو ٥٠٠ مليون ومن بلاد روسيا في أوروبا ٧٨ ومن بلاد روسيا في آسيا ١٥ ومن اليابان ١٢ ومن الولايات المتحدة ٥ وفي هذا الإحصاء لم يذكر لمصر والشام والعراق وآسيا الصغرى ولا لتونس والجزائر لأن محصولاتها في بعض هذه الحبوب تعد حقيرة جداً بالنسبة لتلك المكاييل الضخمة في تلك الممالك الضخمة. ثلاثة علماء فقدت ألمانيا المستشرق إدوارغلازر المعروف بالآثار الكتابية التي استخرجها من جنوبي جزيرة العرب وفقدت فرنسا الأستاذين باربيه دي مينار وهرتويغ دارنبورغ من علماء المشرقيات المعروفين بخدمة اللغة العربية وآدابها. الموسيقى والحيوانات كان ميشله المؤرخ إذا أراد ذكر الحيوانات قال أخواننا المنحطون وقد كتب كاتب مقالة في تأثير الموسيقى في الحيوانات قال من توغل في البحث في التاريخ والسير يشهد بأن الموسيقى طالما كانت تؤثر آثارها في الحيوانات. ومن فتح سفر أيوب يجد أن جواد الحرب يحفر الأرض في حركته واضطرابه ولا يتمالك إذا ضرب البوق. كما يقرأ فيه أيضاً: متى ضرب البوق يصهل الجواد ويشعر بالحرب من بعيد وبقيادة الرؤساء وصوت الأدوات. ومن الأساطير اليوناينة أخبار عن الحيوانات وتأثراتها بالنغمات والألحان. وقد ثبت غير مرة أن العنكبوت تتأثر بالألحان ومن لا يذكر عنكبوتة بيليسون الأديب الفرنسوي الذي سجن في الباستيل فكان يتسلى بضرب الكمنجة فتقترب منه وتتعزى به حتى أنها لكثرة طربها ذات يوم أغمي عليها فجاء السجان وسحقها. ويظهر أن الحشرات وإن تكن قليلة التأثر بألحاننا البشرية إلا أن لها ألحاناً فللجنادب والصراصر والجراد ألحان خاصة بها لا يلذ سماعها لأنها متساوقة الألحان ولا نظام فيها ولكنها تستجيدها وتستلذ بها وكذلك تسمع للنحل في خلاياها دوياً لطيفاً متصلاً ذا نغمات يدعوه المتوفرون على تربيتها صوت الخلية. أما الأسماك فلم يتحقق أمرها فيما إذا كانت تطرب بالموسيقى وادعى أحد المؤلفين أن سمك الشبوط يطرب لسماع نغمات الرباب. وأثبت المؤلف شاتوبريان في قصة رواها أن الدبابات تطرب لنغمات الموسيقى وأن بعض الأمم المتوحشة تستخدم الأغاني لتجلب بها الحيات فتأكلها كما يفعل الهنود في صيد نوع من الزحافات يستطيبون لحمها. والضب يتلذذ كثيراً بصوت الموسيقى ولاسيما الغناء الصغير. وسلحفاة البحر تبتهج للصفير وبه يتأتى صديها. والطيور تطرب كثيراً للأنغام ولا نعني بالطيور تلك التي هي مغنية من طبعها كالشحرور والبلبل والعصفور المعدودة بهجة الغابات والحدائق بل هناك كثير من ضروبها تطرب إذا سمعت أنغامنا كالببغاء ومنها أجناس لا تستطيع محاكاة الأصوات البشرية ولكنها مع ذلك تقلد صوت الآلات التي تسمعها. والحباشة الذي يألف البيوت إذا سمع نغماتنا لا يلبث أن يهيج وينفخ صوته ويكرهه كأنه يريد أن يتمكن من الصوت الذي يسمعه وربما أمكن تعليمه بعض الألحان. والزرزور سماع للأنغام وقد علمه أحدهم نشيد المارسليز فلما نقل الزرزور إلى مكان آخر علمه لرفاقه الزرازير. وذوات الأربع من البهائم كالبقر مثلاً تطرب للنغمات. والثور يطرب لصوت الحراث عليه فيمشي على نغماته متلطفاً كما أن الجمل يطرب للحداء. ولا يقتصر الطرب فيها على تموجات صوت الإنسان بل إن أي نوع من الأصوات إذا ردد كثيراً يكون سبب السرور وكذلك الحال في الجواد والخيول فإنها تتقحم المهالك إذا سمعت الأصوات ثم أنها تميز بين أصوات أصحابها وغيرهم. والحصان يتألم من الأصوات الرديئة وهو سريع السمع جداً وإذا عود سماع الصوات الرديئة اعتادها وهو يؤثر نغمات الرباب على نغمات الكمنجة ويطرب جداً للبوق. فإن خيول الجند تظهر الفراهة والنشاط عندما ترى أبواق الأجواق الموسيقية والحمار يحسن السماع والاستماع حتى لقد روي أن حماراً سمع صوت امرأة أطربه فما زال يقترب منه حتى دخل الدار ليسمعها عن أمم. والفيل سماع للأنغام. وقال بعضهم أن الجرذان تستهويها الأنغام وأن الكلب البحري قد يصاد بسماع الموسيقى والذئب لا يطرب للصوت. وربما فزع ولعله يهرب إذا سمع نغم الكمنجة أو بوق مبوق صوتاً شديداً. ومن الدببة ما يرقص على نغمات الأوتار ولكن ليست هذه هي التي تطربها بل تخاف السياط التي تنهال عليها ممن يضربها فترفع قوائمها على ضخامتها وقلما تخربط إلا عن غير قصد. أما الأسود فيقال أنها تطرب للأنغام وفي إنكلترا أسد جال البلاد وكان من أكثر المخلوقات تأثراً بنغمات البيانو وكانت تظهر منه أعاجيب حين يشرع صاحبه في الضرب على هذه الآلة فيزمجر وتقذف عيونه شرراً حتى يخاف المتفرجون ويضطر صاحبه إلى الكف عن الضرب على آلته. والهر قليل التأثر بالموسيقى وقيل أن بعض الهررة تموء عندما تسمع الأنغام. والكلب كثير التأثر بالألحان الموسيقية. والقرد يطرب للأنغام بل هو يتعلم الضرب بالآلات فيطرب بها كالإنسان. وقد قال أحد من يكرهون الموسيقى أن الموسيقى هي الصناعة الوحيدة التي يتأثر بها الحيوانات والمجانين والبله. وبالجملة فإن تأثر الحيوانات بالأنغام دليل واضح على أن الموسيقى عامة لجميع من له سمع. مطبوعات ومخطوطات معجم الأدباء هو كتاب إرشاد الأريب إلى معرفة الأديب أو طبقات الأدباء تأليف ياقوت الرومي من أهل القرن السابع وهو صاحب الكتب الكثيرة في التاريخ والجغرافية وأهم كتبه معجم البلدان الذي نشره الأستاذ وستنفيلد الألماني لأول مرة في ألمانيا وهذا الكتاب معجم الأدباء نشره الأستاذ مرجليوث الإنكليزي. فبأي لسان نشكر علماء المشرقيات لخدمتهم لغات المشرق عامة واللغة العربية خاصة فإنهم بفضل بيض أياديهم على لغتنا نزعوا من أذهان الغربيين أن اللغة العربية قاصرة عن مجاراة غيرها من اللغات الحية وعرّفوهم بأنها لغة فنون وحكمة وتاريخ وأدب كما هي لغة دين وفقه وكلام. لا جرم أن نفوس أهل العلم اليوم تهتز سروراً لبشرى طبع الجزء الأول من معجم الأدباء لما يعلمون من إجادة ياقوت في تآليفه وذوقه الغريب في الحكم على بلاد الإسلام وسكانها وتواريخها والمادة الواسعة التي توفرت له في عصره فاغترف منها اغتراف حكيم لا يسقط إلا على الدر ويطرح الخرز والصدف جانباً. وهذا الجزء الأول هو من مخطوطات مكتبة بودلين في أكسفورد وأصله من كتب المطران بارتس في بومبي كتب بخط أعجمي لا يحسن العربية فجاء محرفاً تحريفاً كثيراً وصححه الأستاذ مرجليوث على قدر الإمكان على الأصول المعروفة من دواوين وكتب وأدب ومحاضرات وتاريخ وغيرها فجاء شاهداً بفضله وعلمه وما هي أول حسنة من حسناته في خدمة اللغة العربية ونشر ما نطوى من أقلام مؤلفيها الغابرين وشعرائها المجيدين. وما قولنا لمن يرون في مثل هذه المطبوعات التي ينشرها علماء المشرقيات بعض تحريف خفيف من نقط أو كلمات قد تدرك بالبداهة أنكم إذا توليتم من هذه الكتب ما يتولاه أولئك الأعاجم الغيورون منها لجاءت أكثر تحريفاً وتصحيفاً من مطبوعاتهم وأحرى بمن يبادرون إلى النقد أن ينشروا للناس ولو كتاباً واحداً يكون في صحته على الرسم الذي يرسمونه ليصدقهم أهل العلم. في هذا الجزء نحو ١٣٠ ترجمة لمن اسمهم إبراهيم أو أحمد منهم المشاهير الذين ترجموا في الكتب المطبوعة التي بين أيدينا ومنهم من لم نعثر على تراجم إلا فيه وقد صورهم المؤلف تصويراً بديعاً لا يقل عن تصوير ابن خلكان وابن أبي أصيبعة وابن بسام والقفطي والسخاوي لمترجميهم إن لم نقل أنه يمتاز على بعضهم. قال المؤلف: جمعت في هذا الكتاب ما وقع إليّ من أخبار النحويين واللغويين والنسابين والقراء المشهورين والإخباريين والمؤرخين والوراقين المعروفين والكتاب المشهورين وأصحاب الرسائل المدونة وأرباب الخطوط المنسوبة والمعينة وكل من صنف في الأدب تصنيفاً أو جمع في فنه تأليفاً مع إيثار الاختصار والإعجاز في نهاية الإيجاز ولم آل جهداً في إثبات الوفيات وتبيين المواليد والأوفات وذكر تصانيفهم ومستحسن أخبارهم والأخبار بأنسابهم وشيء من أشعارهم فأما من لقيته أو لقيت من لقيه فأورد لك أخباره وحقائق أموره ما لا ترى لك بعده تشوفاً إلى شيء من خبره وأما من تقدم زمانه وبعد أوانه فأورد من خبره ما أدت الاستطاعة إليه ووفقني النقل عليه في تردادي إلى البلاد ومخالطتي للعباد إلى أن قال: ولم أقصد أدباء قطر ولا علماء عصر ولا إقليم معين ولا بلد مبين بل جمعت للبصريين والكوفيين والبغداديين والخراسانيين والحجازيين واليمنيين والمصريين والشاميين والمغربيين وغيرهم على اختلاف البلدان وتفاوت الأزمان. وهذا الجزء في ٤٢٤ صفحة مطبوعة بمطبعة هندية بمصر طبعاً نفيساً وقد طبع باسم جيب المستشرق وقد كانت العقيلة جيب أم الياس جون ولكنسن جيب وقفت وقفاً بعد موت ابنها هذا وكان مغرماً بدرس علوم الشرق وفلسفته وتاريخه ليطبع بريعه ما يعلي شأن المباحث الفلسفية والتاريخية والأدبية سواء كانت تلك المصنفات للترك أو للفرس أو للعرب وقد طبعت منذ سنة ١٩٠١ ستة كتب ومنها معجم الأدباء وهي تعد سبعة عشر كتاباً آخراً للطبع. لا جرم أن إحياء معجم الأدباء مما يقفنا على أمور كثيرة كنا نجهلها من قبل وفيه من الشعر والنثر والمحاضرات والنكات ما هو مسرة للقلب وقرة للعين وإنك لترى ياقوتاً يأتيك بما قيل في المترجم ذماً ومدحاً ويترك للقارئ الحكم في ذلك. فمعجم الأدباء كوفيات الأعيان كلاهما متمم لصاحبه فنشر لأسرة جيب هذه المبرة الخالدة كما نشكر للأستاذ مرجليوت عنايته وغيرته. تقرير مصر والسودان صدر تقرير السير ألدون غورست معتمد إنكلترا في هذا القطر عن سنة ١٩٠٧ وهو في المالية والإدارة والحالة العامة في مصر وفي السودان وفيه فوائد كثيرة عن القطرين في السنة الماضية لا يظفر بها الإنسان إلا في المظان البعيدة المنال ويؤخذ منه أن إيرادات الحكومة المصرية زادت في مدة عشرين سنة نحو ستة ملايين جنيه ولكن ثلثي الزيادة حدث في السنوات الخمس الأخيرة والسبب الأكبر في هذا النمو الارتفاع المستمر في أسعار القطن التي تضاعفت في السنوات العشر الأخيرة وكان متوسط قيمة الصادرات ٣٠٩٢٠٠٠٠ ج م والواردات ٢٥٠٦٦٠٠٠ ج م ومتوسط زيادة الوارد على الصادر من النقود ٥٠٦١٠٠٠ ج م ودفع أربعة ملايين ونصف جنيه للأجانب من فوائد الدين المصري يدخل في خراج الدولة العلية ونفقات الخزان ونفقات جيش الاحتلال وكانت إيرادات الحكومة ١٦٣٦٨٠٠٠ ج م ومصروفاتها الاعتيادية ١٣٢٣١٠٠٠ والخصوصية ١٠٤٩٠٠٠ ومعظم الإيرادات في زيادة كما أن معظم النفقات كذلك. وبلغ مجموع الدين المصري ٩٦ . ١٨١٠٠٠ ج م في ٣١ ديسمبر سنة ١٩٠٦ ومال الفائدة والاستهلاك ٣٦٩٩٠٠٠ ج م وسدد من أصل الدين ٣٤٧٠٠٠ ج م فيكون الدين الباقي على مصر ٩٥٨٣٤٠٠٠ ج م ومال الفائدة والاستهلاك السنوي ٣٦٤١٠٠٠ ج م وعند الحكومة وصندوق الدين سندات من أصل هذا الدين بقيمة ٨٣٦٠٠٠ فائدتها ٣١٧٠٠٠ فمجموع الدين الذي كان الجمهور يتداول سنداته في آخر السنة بلغ ٨٧٤٤٨٠٠٠ ج م والفائدة التي يدفعها سكان القطر ٣٣٢٤٠٠٠ ج م. ومما يدل على ميل الناس إلى التعلم والاستنارة أن عدد من زاروا حديقة الحيوانات في القاهرة بلغوا إلى آخر نوفمبر سنة ١٩٠٧ ، ٢٢٨٩٢٤ أي بزيادة ٢٤٢٢٨ عن مثله في السنة التي قبلها ومعظم الزائرين مصريون وكثيرون منهم من أهل الأرياف وبلغ عدد الذين دخلوا غرف القراءة في دار الكتب المصرية ١٨٨٣٠ معظمهم مصريون. وبلغت جملة الواردات التجارية ٢٦١٢٠٧٧٧ ج م بعثت منها إنكلترا إلى مصر ٨٤٩٢٨٤٧ وجاء من أملاكها في البحر المتوسط ٢١٣٠٧٠ ومن أملاكها في الشرق الأقصى ١٠٨٦٨١٨ وجاء من فرنسا ٣١٦٦٨٩٠ ومن البلاد العثمانية ٢٩٧٣١٠٨ ومن النمسا والمجر ٢٠٥٩٤٢٣ ومن ألمانيا ١٣٩٢٣٨١ ومن إيطاليا ١٣٦١٤٥٧ ومن البلجيك ١٠٢٧٥٩٠ . وبلغت جملة الصادرات ٢٨٠١٣١٨٥ أصاب بريطانيا منها نحو ٥٤ . ٣ في المئة ويختلف نصيب كل من ألمانيا وأميركا والنمسا والمجر وفرنسا وروسيا من الصادرات بين مليون ومليونين وقد زادت جميعها إلا فرنسا فإنها نقصت قليلاً عن السنة التي قبلها. وفي التقرير فوائد لا يستغنى عنها ابن هذا القطر خصوصاً. وهو يطلب من إدارة المقطم بعشرة قروش.</passage>
<license>Distributed under a Creative Commons Attribution-ShareAlike 4.0 International (CC BY-SA 4.0) license</license>
<source>https://github.com/tillgrallert/digital-muqtabas/blob/master/xml/oclc_4770057679-i_30.TEIP5.xml retrieved via Canonical Text Service http://cts.informatik.uni-leipzig.de/muqtabas/cts/ with CTS URN urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.30.TEIP5:</source>
</reply>
</GetPassage>
