<?xml version="1.0" encoding="UTF-8"?><GetPassage xmlns="http://relaxng.org/ns/structure/1.0" xmlns:a="http://relaxng.org/ns/compatibility/annotations/1.0" xmlns:tei="http://www.tei-c.org/ns/1.0">
<request>
<requestName>GetPassage</requestName>
<requestUrn>urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.3.TEIP5:</requestUrn>
</request>
<reply>
<urn>urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.3.TEIP5:</urn>
<passage>صدور المشارقة والمغاربة ابن الرومية من جملة تلامذة ابن حزم الأندلسي أبو العباس أحمد بن محمد بن مفرج النباتي المعروف بابن الرومية الأموي الاشبيلي المتوفى سنة ٦٣٩ هـ وهو الذي رحل إلى الشرق لمعرفة نباتاته، وأخذ علم الحديث عن ثقاته، ونشر تآليف أستاذه ابن حزم ولولاه لتناولتها يد الضياع خصوصاً بعد أن أصابت الكتب في بلاد الأندلس ما أصابها من طوارق الحدثان. جاء في الإحاطة أنه كان غرة جنسه إماماً في الحديث حافظاً ناقداً، ذاكراً تواريخ المحدثين وأنسابهم وموالدهم ووفياتهم، وتعديلهم وتجريحهم، عجيبة نوع الإنسان في عصره وما قبله وما بعده في معرفة علم النبات، وتمييز العشب وتحليلها، وإثبات أعيانها، على اختلاف أطوار منابتها، بمشرق أو مغرب، حساً ومشاهدة وتحقيقاً، لا مدافع له في ذلك ولا منازع، حجة لا ترد ولا تدفع، إليه يسلم في ذلك ويرجع، قام على الصنعتين - الحديث والنبات - لوجود القدر المشترك بينهما وهما الحديث والنبات إذ موادهما الرحلة والتقييد، وتصحيح الأصول، وتحقيق المشكلات اللفظية، وحفظ الأديان والأبدان. ولما وصل على رواية ابن أبي أصيبعة سنة ثلاث عشرة وستمائة إلى ديار مصر وأقام بمصر والشام والعراق نحو سنتين وانتفع الناس به واسمع الحديث وعاين نباتاً كثيراً في هذه البلاد مما لم ينبت بالمغرب وشاهد أشخاصها في منابتها، ونظرها في مواضعها، حل في الإسكندرية فسمع به السلطان الملك العادل أبو بكر بن أيوب وبلغه فضله، وجودة معرفته بالنبات، وكان الملك العادل في ذلك الوقت بالقاهرة فاستدعاه من الإسكندرية وتلقاه وأكرمه ورسم بأن يقرر له جامكية وجراية ويكون مقيماً عنده فلم يفعل واعتذر بالحج. ولهذا النباتي تآليف حسنة في الطب وله معرفة بأشخاص الأدوية وقواها ومنافعها واختلاف أوصافها وتباين مواطنها وبالجملة فلم يكن يتحرج من الجمع بين علوم الدنيا والآخرة، واشتهر فضله حتى دعاه أبو بكر بن أيوب إلى المقام في بلاده ولا خير في أمة لا تفاخر برجالها ولا تحرص على تكثير سوادهم. مكتبة الإسكندرية زعم بعض متأخري المؤرخين أن عمر بن الخطاب (رض) أوعز إلى عمرو بن العاص لما فتح المسلمون مصر أن يحرق مكتبة الإسكندرية وكان فيها مؤلفات الحكماء الأقدمين فانقطع بذلك سند العلوم والصنائع والاختراعات التي عرفت وبعبارة ثانية محيت المدنية القديمة وعاد العالم في جهالة جهلاء. مسألة شغلت بال الباحثين والمفكرين. وقد ألف أحد أفاضل الأستانة محمد منصور كتاباً بالتركية سماه مكتبة الإسكندرية وذلك عقيب مناقشة دارت بينه وبين بعض كتاب تلك العاصمة في إحدى المجلات العلمية التركية منذ نحو أربعين سنة. فتصفحت الكتاب وعربت بعض صفحاته المتعلقة بحريق هذه المكتبة وهاك ما قاله ملخصاً: هلك اسكندر المكدوني فانقسمت مملكته بين قواده واستولى على مصر بطليموس سوتير وكان محباً للعلوم والمعارف وإذ رأى تفرق حكماء اليونان ايدي سبا بما دهم بلادهم من زوال العلم وعفاء المدنية دعاهم إلى حماه فأتوه ومعهم بقايا من الكتب المنوعة فأحسن وفادتهم ووفادتها وأقام لحفظ هذه المصنفات مكتبة بالقرب من معبد السرابيوم علوها مائة قدم وهي قائمة على جبل صناعي وسط مدينة الإسكندرية. وروى بعض المؤرخين أن هذا الملك أحدث في قصره مكتبة أخرى جعل في الأولى أربعمائة ألف مجلد وفي الثانية ثلاثمائة ألف. ولقد ظلت مكتبة الإسكندرية بعناية بطليموس وأخلافه مرجع أهل العلم وكهف حفدة المعارف إلى سنة سبع وأربعين ق. م وقد أبدى مالتابرون في جغرافيته والمجمع العلمي الذي ألف في فرنسا للبحث عن الأبنية القديمة الدائرة وجغالديغي في تاريخه العام وسائر كتب تواريخ رومية الأسف الكثير لحريق هذه المكتبة برمتها عقيب فتنة نشأت من افتتان أحد قياصرة رومية بملكية مصر كليوباترة المشهورة بجمالها وذلك لما استحال حكم رومية إلى الملوكية وأخذ القيصر يطارد عدوه بومبيس حتى بلغ الإسكندرية وهنا جرى بينه وبين كليوباترة أمور أدت إلى إحراق تلك الكتب المنوعة التي بذل النفس والنفيس في استجلابها منذ تأسيس المكتبة إلى أن نعق في أرجائها غراب الدمار. واختلفت روايات المؤرخين في عدد أسفار هذه المكتبة وأكد بعضهم أن الكتب التي أثرت عن حكماء اليونان وحدهم تبلغ سبعة آلاف مجلد وهو عدد فيه نظر إذا أحصينا ما تنتجه كل مملكة على حدتها في أوربا لهذا العهد من المصنفات على انتشار الطبع والورق وتوفر أسباب التأليف توفراً لم يسبق له نظير في تاريخ العالم. وأن معظم حكماء اليونان اشتهروا عند بعض المؤرخين على حين لم يؤثر عنهم كتاب ما. وعليه فبعيد عن التصديق ما يدعى بوجود مليون كتاب في مكتبة الإسكندرية. ولو كان الأمر على ما ذكروا لاقتضى لكل حكيم من حكمائهم أن يؤلف ثلاثين أو أربعين كتاباً وهو محال. عرفت كيلوباترة أن لها يداً في إحراق مكتبة الإسكندرية فأعادت بناء المكتبة تكفيراً عن سيئاتهم وجعلت في هذه الخزانة مكتبة برغمة التي أهديت إليها وكان فيها مائتا ألف مجلد في رواية. وبعد قليل استولى الرومان على مصر فاشتد ضغطهم على أهلها جرياً على عاداتهم القديمة فسقط عمران الإسكندرية في أوجز مدة ثم اشتغل أكثر الأهلين بحل المسائل الدقيقة من الدين المسيحي الذي كان ظهر في جوار تلك البلاد. واستحالت الحال فبطلت العلوم وانقطع تدريسها في الإسكندرية بالمرة. واحتفظت دولة الرومان بالعاديات والمصانع التي وجدت في البلاد المتغلبة عليها في أوربا وآسيا وإفريقية إلى سنة ٣٩٠ للميلاد أي قبل الهجرة بمائتي سنة تقريباً. بيد أن تيودوس أحد قياصرة الرومان ارتأى لجهله وتعصبه أن لا يبقى في المملكة الرومانية غير الدين المسيحي وأن تلغى سائر الأديان والمذاهب فاستولى على المعابد وضبط عقاراتها ونفائسها وقامت قيامة الرهبان وحملوا الحملات المنكرة على المعابد والمصانع وهدموها وعاثوا بما فيها جملة. وفي خلال تلك المدة قام تيوفيل رئيس أساقفة الإسكندرية في جملة من رهبان تلك الناحية وخرب المعبد البديع المعروف باسم بباكوس ثم هد معبد السرابيوم بعد مجادلات امتدت لألاؤها وفتن شعواء طالت برحاؤها. وهذا المعبد الذي يعد من بدائع الصنائع وله المقام الأول بين مصانع المملكة الرومانية يمائل بناية الكابتول في رومية. وهدم ما كان في جوار المعبد الآنف ذكره من المكتبة التي أنشئت للمرة الثانية على ما تقدم وقد تلفت هذه المرة جميع كتبها. نعم أنشئت بيعة في محل هذا المعبد ولكن لم تتجدد المكتبة قط ولم يبق لها اسم ولا رسم. واشتد ضغط الإمبراطور جوستنيانوس على عبدة الأوثان وعطل بيوت العلم وقضى بإقفال المدرسة التي كان يدرس فيها ديوجنس وهرمياس واتاليوس وبرسيان وداماسقوس وايسيدور وغيرهم من الفلاسفة لأنهم لم يرجعوا عن اعتقاد القدماء وينتحلوا النصرانية حتى اضطروا فراراً بأنفسهم عن مواطن الهلكة أن يرحلوا إلى فارس ولما أرادوا الرجوع إلى بلادهم توسط في أمرهم انوشروان ملك الفرس ومن الشروط التي عقدها مع قيصر اليونان أن لا يمس هؤلاء الفلاسفة بسوء وأن يكونوا أحراراً في اعتقادهم على أن مدرستهم عطلت وخربت مع غيرها من مدارس آثينة. علم بهذا أنه كان للإمبراطورين تيودوس وجوستنيانوس يد طولى في إتلاف آثار أهل العلم ومصانعهم قديمها وحديثها رجاء بث دعوة النصرانية فدثرت المدنية التي قامت بحسنات الأجيال السالفة والأمم الغابرة وذلك بأعمال هذين العاهلين وبما أبداه الرهبان والرومان من ضروب العدوان. ثم أفاض المؤلف في حملة أهل البندقية والفرنجة على القسطنطينية سنة ١٢٠٢ م وحرقهم لها ثلاث مرات بحيث دثر ثلثاها وأحرقت أعلاق الكتب التي جمعت فيها منذ نحو تسعمائة سنة ولما استولى هؤلاء الفاتحون على هذه العاصمة تفرقوا في أطرافها وأنشأوا يسلبون كل ما تطول إليه أيديهم من أموال الناس وعروضهم إلى آخر ما قاموا به من العيث في الكنائس والبيع التي أنقذت من لسان اللهيب وعبثوا بحليها وجواهرها وخصوصاً كنيسة أيا صوفية المشهورة فقد أخذوا كل ما أتحفها به الملوك والأغنياء من الجواهر والحلي والنفائس باعوا بعضه بيع السماح وأتلفوا الآخر كأنه لا قيمة له إلى نظائر ذلك مما قاموا به من الأعمال الوحشية التي فصلها حق التفصيل المؤرخ نيكيتاس أحد رجال دولة الروم. واستفاض المؤلف فيما آل إليه أمر مكتبة الإسكندرية من الحريق بقضاء الله وقدره سنة ٤٧ ق. م وخرابها للمرة الثانية بحملات رئيس الأساقفة الإسكندري وجماعته عمداً قبل الهجرة بمائتي سنة وإحراق ما جمع في زهاء تسعمائة سنة منذ جعلت القسطنطينية عاصمة لدولة الرومان إلى استيلاء اللاتين عليها بداعي ما حدث فيها من الفتن بين الروم واللاتين. وإن ما أنقذ من هذه الحرائق من الكتب أتى عليه اللاتين بجهلهم واستهزائهم بالمعارف وأهلها حتى أن مصر لما فتحها المسلمون لم يبق لمكتبة الإسكندرية فيها عين ولا أثر ولما فتحت الأستانة أيضاً لم يكن فيها عاديات ولا أعلاق بتاتاً. وقد صرح جيبون في تاريخه على سقوط دولة الرومان بأن نسبة الحريق لعمر أو لعمرو أكذوبة لفقها أبو الفرج رئيس أساقفة حلب على طائفة اليعاقبة إحدى الطوائف المسيحية بعد مضي نحو ستمائة سنة من الهجرة في تاريخ له ألفه بالعربية ولما نقل ما كتبه إلى اللاتينية انتشرت هذه الأغلوطة في أوربا. ومما قاله أبو الفرج أن عمر بن الخطاب أصدر أمره إلى عمرو بن العاص بإحراق هذه الكتب اكتفاء بما في القرآن من العلم وادعى أن هذه الكتب وزعت على أربعة آلاف حمام في الإسكندرية فظلت المواقد تحرقها حصباً ووقوداً ستة أشهر لا تحتاج إلى غير لهيب تلك الكتب لإحماء الماء. قال جيبون: لا يخفى على أهل البصر أن مكتبة الإسكندرية احترقت قبل الميلاد وما زعمه رئيس أساقفة حلب من أن المسلمين أحرقوها لم يتعرض له مؤرخ واحد ممن ظهروا قبل أبي الفرج حتى أن افتيكيوس بطريرك الإسكندرية عند توسعه في الكلام على استيلاء المسلمين على الإسكندرية لم يذكر كلمة عن حرق عمرو بن العاص لهذه المكتبة. وبهذا علم أن هذه أسطورة ملفقة بالكذب المحض. على أن الإسكندرية كانت من القديم مقر البطاركة ومنبعث المجادلات المعلومة التي حدثت في مسألة الألوهية. فلو صح أنه كان في هذه المدينة مكتبة كما زعم أبو الفرج حين فتحها واحترقت بأمر عمرو بن العاص لاستخدمت تلك المجلدات الضخمة التي ملئت بمباحث تلك المسألة المذكورة ومقالات المناقشين فيها في غير إحماء ماء الحمامات. وهب أن العرب أحرقوا تلك المجلدات فقد أزالوا كثيراً من الأفكار الباطلة التي ألف الناس الاشتغال بها عبثاً وخدموا عالم الإنسان خدمة عظيمة. قال المؤرخ التركي بعد أن أورد هذه الجملة عن المؤرخ جيبون: من البديهي أن ما افترض المؤرخ الموما إليه وقوعه وما زعمه رئيس الأساقفة المذكور من حريق عمرو بن العاص لمكتبة الإسكندرية التي ملئت بالمجلدات الضخمة في مباحث الألوهية أو مؤلفات الحكماء المتقدمين على فرض وقوعه فليس من العقل ولا من الحكمة ما روي في كيفية حريقها. وغير نكير أن هذه فقرة وضعت بعد لمآرب وغايات. ولو كانت عقدت النية على إحراق هذه الكتب كما ادعى رئيس الأساقفة لمطابقتها للقرآن العظيم أو لمباينتها له لاقتدر عمرو بن العاص أن يبيد هذه الكتب بحضرته جملة واحدة في يوم واحد وربما في ساعات معدودة وكان في غنى عن تسليمها لأصحاب الحمامات في الإسكندرية ولأهل هذا الثغر وكلهم من الروم يحرقونها كما يحب ويرضى بما تلهمهم إليه معرفتهم. نعم كان ابن العاص يحذو حذو مسيحيي إسبانيا لما استولوا على قرطبة وأحرقوا في يوم زهاء مليون مجلد من مصنفات علماء المسلمين وكانت في عدة مكاتب على ما روى المؤرخ دياردو. ومن البلاهة والحماقة أن يصدق أن عمر يختار هذه الطريقة في إبادة الكتب ويدفعها إلى أرباب الحمامات في الإسكندرية وينقطع عن وظيفة الجهاد المقدسة مع رجاله من المسلمين وعددهم لا يتجاوز أربعة آلاف رجل حين استيلائه على مصر لينقطعوا إلى إحراق كتب دونت بلغة أعجمية ويصرف في ذلك خمسة أشهر أو ستة في قمامين الحمامات مما لا يقبله العقل ولا يوافق الحكمة. وأنى لأرباب الحمامات في الإسكندرية وهم من بني الروم أن يحتفظوا بهذه الكتب ويحرقوها في غياب المسلمين حصباً لحماماتهم فاحر عند ذاك أن ينحي باللائمة على الروم لا على المسلمين باختلاق فئة من الجهال وخصوصاً بعض أصحاب الأغراض. نقض الكاتب التركي ما أتى به بعض أرباب الأهواء وزيفه بالبرهان السديد ثم نقل ما قاله رئيس مدرسة آثينة الكلية في تاريخه العام عند كلامه على الإسكندرية من أن هذه المكتبة حرقت لدن وصول قيصر إلى مصر وأن ما بقي من الكتب تلف قبل استيلاء المسلمين على الإسكندرية بزمن طويل وأن ما يحكى من أن عمرو بن العاص حرقها إن هي إلا فقرة مدخلة بعد هذا. وقد عرب ما تقدم حباً بإظهار حقيقة طال البحث فيها وتعارضت الآراء بأمرها والحقيقة ضالة كل باحث ومستفيد. مصر معربة عن الفرنسية بلادها - مصر عبارة عن وادي النيل وهي في مضطرب ضيق خصيب ممتد على ضفتي النهر بين سلسلتين من الصخور طولها ٢٤٠ فرسخاً ويكاد عرضها لا يتجاوز خمسة فراسخ وعند منقطع الصخور تبدأ الدلتا. وهناك سهل واسع تتخلله شعب النيل وترعه. فمصر كما قال هيرودتس أبو التاريخ هبة من النيل. النيل - يزخر النيل كل سنة في الانقلاب الصيفي بعصارات ثلوج بلاد الحبشة فيفيض على أراضي مصر العطشى يرتفع ثمانية أمتار وأحياناً عشرة فتصبح البلاد كالبحيرة وتبرز القرى المشيدة على الآكام كأنها جزيرات ثم تنخفض المياه في أيلول (سبتمبر) ويعود النهر في كانون الأول (ديسمبر) إلى مجراه الأصلي وقد ترك في كل مكان طبقة من الطين خصبة وهي الإبلز وتسمى الطمي. هذه الرواسب تقوم مقام السماد ويكاد يزرع في التربة الندية بدون حرث. فالنيل إذا يأتي مصر بالماء والتربة وإذا تحول عنها تعود مصر كالبلاد المحيطة بها قاعاً صفصفاً، ورمالاً مجدبة، ما أمطرتها السماء وابلاً ولا رذاذاً. ولم يجهل المصريون فيما مضى ما يجود به نيلهم من الخيرات الحسان وهاك نشيداً كانوا ينشدونه تعظيماً له: سلام عليك أيها النيل أنت الذي تتجلى على هذه الأرض وتأتي بسلام فتحيي موات مصر. أنت إذا انجليت تملأ الأرض طرباً، والقلوب بشراً، فينال كل مخلوق قوته، وكل سن ما تقضمه، رحماك إنك تأتي بالأرزق الطيبة وتنتج كل خير ومير وتنبت للبهائم مرعاها. غنى هذه البلاد - مصر على التحقيق واحة في قفر إفريقية تنبت تربتها البر والفول والعدس وأنواع البقل. والنخيل فيها غابات وآجام. وفي تلك المروج التي يرويها النيل بمائه ترعى قطعان الغنم والثيران والعنز والإوز وتكاد مساحتها تساوي بلاد البلجيك ( ٢٩٤٠٠ كيلومتر مربع) ومصر اليوم تقوم بأود ١١ مليوناً من السكان وهي نسبة لا تعهد في أوربا على أن مصر كانت آهلة بالسكان قديماً أكثر منها اليوم. روايات هيرودتس - عرف اليونان مصر أحسن من معرفتهم سائر الممالك الشرقية فزارها هيرودتس أبو التاريخ في القرن الخامس ق. م ووصف في تاريخه فيضان النيل وأخلاق السكان وأزياءهم ودينهم وذكر حوادث من تاريخهم وحكايات لقنها من أدلائه. وتكلم ديودور وسترابون على مصر أيضاً. بيد أن كل من ذكروها رأوها في انحطاط فلم يتيسر لهم أن يعرفوا شيئاً عن قدماء المصريين. شامبوليون - دعت حملة الفرنسيين على مصر ( ١٧٩٨ _ ١٨٠١ ) إلى فتح أبواب الديار المصرية للعلماء فهرعوا إليها يزورون الأهرام وخرائب ثيبة عن أمم ويعودون منها وقد حفل وطابهم بالصور والآثار. ولم يكن لأحد أن يحل الخط المصري المسمى بالهيروغليفي. وتوهم الناس أن كل خط من هذه الكتابة يقوم مقام كلمة حتى إذا كان عام ١٨٢١ خالفهم شامبوليون أحد علماء الفرنسيين وعمد إلى طريقة أخرى وجاء أحد الضباط من رشيد بأثر ذي خطوط ثلاثة كانت الخطوط الهيروغليفية المسطورة بها مترجمة إلى الرومية. وهذا الأثر يمثل الملك بطليموس محاطاً بدائرة. فتوصل شامبوليون بهذا الاسم إلى الاطلاع على حروف ولدى مقابلتها بأسماء ملوك أخر وكانت أيضاً محاطة بدائرة اكتشفت حروف الهجاء. ولما تيسرت له قراءة الخطوط الهيروغليفية ظهر له أنها كتبت بلغة تشبه القبطية وهي اللغة التي شاعت بمصر على عهد الرومان وعرفت حق معرفتها. علماء الآثار المصرية - جاء بعد شامبوليون زمرة من العلماء توفروا على دراسة أحوال مصر واكتشاف جليها وخفيها وتدعى هذه الفئة من العلماء اجبتولوك أي المشتغلون بالآثار المصرية ولهم رصفاء في ممالك أوربا كافة. وقد أجرى ماريت ( ١٨٢١ _ ١٨٨١ ) من المشتغلين بالآثار المصرية على نفقة خديوي مصر ما يقتضي من الحفريات وأحدث متحف بولاق. وأنشأت فرنسا في القاهرة مدرسة لتعليم الآثار المصرية ناطت إدارتها بالمسيو ماسبرو. الاكتشافات الحديثة - لا يعثر في بلد من بلدان الأرض على خبايا ثمينة كخبايا مصر ودفائنها لأن المصريين كانوا يبنون قبورهم أشبه بدور يضعون فيها ما يقتضي للميت من ضروب الأمتعة والأثاث والرياش والسلاح والطعام وقد غصت البلاد بالقبور الطافحة بهذه الذخائر والأعلاق. وساعد إقليم مصر الجاف الهواء على حفظ هذه الأمتعة سالمة بعد مضي أربعة أو خمسة آلاف سنة. فلم يترك شعب من الشعوب القديمة أثراً كآثار قدماء المصريين وما عرفنا شعباً معرفتنا له. المملكة المصرية قدم الشعب المصري - قال كاهن مصري لهيرودتس: أنتم معاشر اليونان أطفال. كلام يفهم منه أن المصريين كانوا يرون أنفسهم أقدم أمم العالم فقد قامت ست وعشرون سلالة ملكية إلى عهد الفاتح الفارسي سنة ٥٢٠ ق. م ترتقي أولاها إلى أربعة آلاف سنة. وكانت مصر دولة في خلال هذه الأربعين قرناً فجعلت منفيس في بلاد الصعيد عاصمتها أولاً إلى عهد السلالة العاشرة (وهو دور الدولة القديمة) ثم صارت مدينة ثيبة في مصر العليا (وهو دور الدولة الحديثة). منفيس والأهرام - بنى مدينة منفيس أول من ملك مصر وسورها بسور منيع فبقيت سالمة من بوائق الأيام زهاء خمسة آلاف سنة ثم أخذ السكان أحجار أنقاضها في القرن الثالث عشر وبنوا بها مساكن القاهرة وما تركوه منها أتى عليه النيل وسدل دونه حجاباً أما الأهرام فلا تبعد كثيراً عن منفيس ويرد عهدها أيضاً إلى الدور القديم وهي قبور ثلاثة ملوك من السلالة الرابعة وعلو أعظمها ١٤٧ متراً عمل في بنائه مائة ألف عامل مدة ثلاثين سنة. وقد أقيمت سدود منحدرة قليلاً لرفع الأحجار إلى شاهق ثم خربت. التمدن المصري - يدل ما يستخرج من قبور تلك الأعصر من هياكل وصور وأدوات على أن هناك شعباً متمدناً. فقد عرف المصريون قبل ثلاثة آلاف وخمسمائة سنة للميلاد حراثة الأرض ونسج الثياب وتطريق المعادن والنقش والرسم والخط وكانت لهم ديانة منظمة وملك وإدارة. على حين كانت الأمم النبيهة وهم الهنود والفرس واليهود واليونان والرومان في حالة الهمجية مأثورة مذكورة. ثيبة - خلفت ثيبة مدينة منفيس فصارت عاصمة البلاد على عهد السلالة الحادية عشرة ولم تزل خرائبها المدهشة في لوح الوجود وهي ممتدة على ضفتي النيل ومحيطها نحو اثني عشر كيلومتراً. وعلى الشاطئ الشمالي صف من القصور وهي لقصر والكرنك تبعد بعضها عن بعض نصف ساعة بنيت كلتاهما وسط الخرائب ويجمع بينهما شارع ذو صفين من تماثيل أبي الهول وكان هناك قديماً أكثر من ألف أبي الهول. وأعظم هذه المعابد الحربة معبد عمون في الكرنك أحيط به سور محيطه ٢٣٠٠ متر. وأن طول أشهر قصر (ايبوستيل) وأعظمه في العالم مائة ومتران وعمقه ٥٣ متراً وهو حجم عمود فاندوم. وكانت ثيبة عاصمة ومدينة مقدسة ومقر الملوك ومسكن الكهنة نحو ألف وخمسمائة سنة. فرعون - يعتبر ملك مصر المعروف بفرعون ابن رب الشمس ومثاله على الأرض ويزعمون أنه كان هورباً. وقد شوهدت صورة الملك رعمسيس الثاني جالساً بين ملكين. فالملك يتعبد إنساناً ويعبد ملكاً ولفرعون سلطة مطلقة على البشر لربوبيته فيحكم حكم المولى على كبار سادات قصره وعلى المقاتلة ورعاياه كافة والكهنة في عبادتهم إياه يلتفون من حوله ويحرسونه فيكون رئيسهم الكاهن الأعظم للرب عمون المستأثر بالحول والطول دونه وقد يحكم باسم الملك ويخلفه في الأحايين. الرعايا - يملك مصر من أعلاها إلى أسفلها الملك والكهنة والجند والموالي وما عداهم فوصفاء يستخدمونهم في حرث الأرض وعمال الملك يلاحظونهم ويقبضون ثمار عملهم بضرب العصي أحياناً وإليك ما كتبه أحد هؤلاء الموظفين إلى صديق له: ألا تذكر حالة الفلاح الذي يحرث الأرض فإن جابي الأموال يقف على الرصيف المعد لجباية عشر الغلات وثلة من العمال بعصيهم يتبعونه وزنوج ماسكون بأيديهم سعفات النخل يصرخون بصوت واحد: البدار البدار إلى تسليم الحبوب. وإذا لم يكن للفلاح ما يؤديه من الغلات يلقونه على الأرض ويشدون وثاقه ويجرونه في الترعة رأسه إلى تحت وقدماه إلى فوق. كيفية حكم مصر - كان الشعب المصري أبداً ولم يزل بعد فرحاً لا يهتم خاضعاً خانعاً أشبه بالطفل المستسلم إلى ظالمه. وكانت العصافي هذه البلاد أداة التربية والحكومة حتى كان أعوان الملك يقولون: (خلق ظهر الفتى ليضرب فهو لا يمتثل الأمر إلا إذا ضرب) ذكر أحد سياح الفرنسيين أنه كان واقفاً ذات يوم أمام خرائب ثيبة فهتف قائلاً: ليت شعري كيف بنوا كل هذا. فاستضحك دليله وقال ماسكاً بيده مشيراً إلى نخلة: بهذه بنوا هذا أجمع اعلم يا مولاي أنه إذا كسرت مائة ألف سعفة من سعف النخل على ظهر من أكتافهم عريانة أبداً تبنى قصور كثيرة ومعابد. اعتزال المصريين - قلما خرج المصريون من بلادهم لما أنهم حاذروا ركوب البحر ولذلك لم تكن لهم ملاحة وما اتجروا والشعوب الأخرى ولم تعرف لهم بحرية إلا على عهد الدولة السادسة والعشرين وما كانوا أمة حربية قط. ولقد قاد ملوكهم الجند في حروبهم واتخذوا القتال دينهم فبعثوا البعوث إلى زنوج الحبش تارة وإلى القبائل السورية أخرى فإذا غلبوا صوروا صورة النصر على جدران قصورهم ومتى قفلوا راجعين من غزاتهم يأتون بالأسارى فيستخدمونهم في بناء المعاهد على أنهم ما أحرزوا قط نصراً مؤزراً ولا فتحوا فتحاً مبيناً فدهم الأغيار مصر أكثر مما حمل المصريون على الأغيار. حسنات القرن الماضي عن الإفرنجية تقدم في البحث السالف ما أصاب المجتمع الغربي من السيئات والمضنيات والآن نلم بما أتاه القرن التاسع عشر من الحسنات والمقومات فنقول: إن الثورة السياسية الاجتماعية العظيمة التي حدثت في القرن الماضي في أوربا قد أثرت في تحسين القوى العقلية في الأجيال الحديثة كما أحدثت الاكتشافات العلمية وانتشار التعليم بين السواد الأعظم من الناس نشوءً وارتقاء في المجتمع الحديث وفي الأفكار التي يجري عليها فتحكم فيه حكمها وها نحن نعطي البيان حقه من شرح النتائج الظاهرة من التربية الحديثة طبيعية كانت أو عقلية أو أدبية ونذكر ما أثرت في الشبان من تغيير طرق معيشتهم وأعمالهم وأفكارهم حتى صار من هم بعضهم أن يسيروا بالإنسانية نحو الكمال وإن كان ذلك الآن من المحال. وأعظم هذه الحادثات وأولها هي الثورة الفرنسية إذ قوضت المبادئ التي كانت أساساً للحضارة الأوربية مدة قرون عديدة وبهذا كانت فرنسا مهد الإصلاح الاجتماعي العظيم والأرض التي نمت فيها وربت تلك الأفكار الأساسية التي استولت على المجتمع الحديث كمساواة الجميع أمام القانون واشتراكهم في الحقوق والواجبات المدنية والسياسية وحرية العمل والصناعة وحرية الدين والفكر. ولأمراء أن قد قل في العصور الغابرة عصر أثر في حياة الأمم الأوربية تأثيره في هذا القرن وما داناه قرن سابق ولا لاحق في أعماله. تلك الأعمال التي لم يقف نفعها عند حد الانقلابات السياسية بل تغيرت بها غايات الأعمال في المجتمع الإنساني وأماني الناس وأميالهم فدخلت الإنسانية كما قال بعضهم في طور جديد من الحياة مطالبة الإنسان بوضع أساس للحقوق كافة وللقوانين عامة على أن تكون روحاً لحق الحرية. نعم تغيرت المناحي والأفكار والعادات والنظامات الاجتماعية فتمثل للمرء ميدان الآمال الغريزية بعيد المضطرب ممتد الرواق وأيقن أن ساحة الجهاد شرع لكل العاملين فلم يفكر في غير تحسين حالته الاجتماعية بالعمل وتثقيف العقل. فانصرف بعضهم إلى العلوم والفنون وبعضهم إلى التجارة والصناعة وبعضهم إلى زراعة الأرض والاغتناء من غلاتها. وكل فرد من أعضاء هذا المجتمع يجتهد جهد طاقته في الأخذ بيد الترقي وإنعاشه من سقطته. ولم يقنع الإنسان بأن يكون أداة حيوانية في تعاطي الأعمال بل بحث على العكس في إيجاد أدوات وآلات تقوم مقام الأذرع التي لم تكف للقيام بما هدته إليه فكرته الباحثة. فانقسمت العناصر القائمة بالجهاد الإنساني وتنوعت بتعدد التنظيمات الطبيعية والعقلية المنبعثة كم كل امرئ على حدته جرياً على ناموس تقسيم الأعمال. وما فتئت أنواع المعارف الإنسانية المنوعة تكمل وتكبر والنجاح مؤاتيها إلى أن تبلغ مكانة سامية لم تعرف في القرون الماضية. فالعمل وحب العمل هما من العلامات التي ينعت بها عصرنا هذا ولا أعني بالعمل العمل البهيمي المعهود في الأزمان الماضية بل أريد العمل المنتج المتأتي عن ذكاء وفهم. ولقد كانت الحاجة ماسة قديماً للأذرع وقوة الحيوانات لطحن القمح وإدارة المطاحن أما اليوم فقد توصل الفكر البشري إلى استبدال البخار والكهربائية بتلك العوامل بمعنى الفكر في قرننا الذي يحق له أن يدعى قرن الماديات هو العمل والعمل هو الفكر. فماديات اليوم تختلف عن ماديات أمس من حيث أن هذه كانت تعد الفكر مادياً وتلك تحسن المادة بدرس خصائصها الطبيعية والكيماوية للانتفاع بها في الأرباح والمتاجرات الصناعية. وبفضل ارتقاء الأشغال العقلية رقَّ الشعور وسما الإحساس فصارت للمرء قيمة وللعالم مقام وانتهت الحال بتحرير الرقيق والإماء. وبارتقاء العلوم واستخدامها في الحرف والصناعات بلغ الإنسان بإيجاد موارد الإنبات وتوفيرها والاستكثار من الثروة العامة مبالغها. وراح العامل وعدته المعارف العلمية في صناعته يعنى بالتعلم والتفكر والبحث ويهتم بارتقاء الصناعات والعلوم على حين كانت أداة ساذجة تابعة للآلات الصماء. وليس كل ما تم في هذا القرن من صالح الأعمال إلا نتيجة من نتائج العلم العملي وأثر من آثاره. وحقاً أن ارتقاء العلوم الطبيعية والكيماوية في هذه الخمسين سنة الأخيرة قد أثرت تأثيراً بيناً في الصناعات وفي الطبقة العاملة من الناس بل في التجارة وعملائها بحيث امتنع على المرء أن يعيش عيشاً ساكناً خالياً من الهموم وإشغال الأفكار على نسبة نجاح مشروعاته وأعماله. وإذا كانت قيمة الغلات الأرضية والصناعية عرضة أبداً للتقلبات على اختلاف أنواعها لتقلب كيفيات الاستعمال وتبدله صار القائمون على الصناعات في قلق أبداً مضطرين إلى إيجاد طرق جديدة أخرى لنيل الأرباح التي تطمح إليها نفوسهم. إلا وأن اكتشاف البخار والكهربائية واستخدامها في التجارة والصناعة بتقريب الأبعاد والمسافات وقد دفع بظواهر الحركة الاجتماعية إلى الرُّقيّ فلم تتزايد طرق المواصلات فقط بل اختصرت بحيث استحالت الساعات دقائق والأيام ساعات والشهور أياماً والسنون شهوراً. فقوى الحركة الحية التي لا تنضب قد سهلت الصلات بقصر المسافات في لمحة بين أقطار المسكونة التي تتبادل للحال نتائج نجاحها وأفكارها وأعمالها. ثم رأى المرء نفسه في حاجة تضطره إلى أن يقوم على الصناعات والعلوم بدون وناء وأن يستخدم قواه العقلية بأسرها ويوجهها نحو خصومه في البلاد الأخرى إذ ليست المسابقة مقصورة على شعب واحد ولا على بلد واحد بل قد امتدت شرارتها في أطراف الأرض واتصلت بأمم الكرة الأرضية كلها وخصوصاً بين من توفرت فيهم شروط الإنتاج والعمل. ومع هذا فلم يقف عقل الإنسان عند حد اختراع السلك البرقي والآلات البخارية بل قد تعداهما إلى خرق الأنفاق في الجبال العظيمة وحفر الترع في القفار والأصقاع المستنقعة حبَّ تسهيل الصلات بين أنحاء الأرض المختلفة وتنشيطاً لمقايضة غلات الأرض وثمرات العمل والذكاء. ومن نتائج المواصلات السريعة العديدة بين الأرجاء الكثيرة والبلاد الشاسعة والأجناس المختلفة الطباع واللغات انتشار أفكار التمدن الحديث بين جمهور الناس والتسامح مع الآراء المتضادة. ثم أن الحاجة مست في تعليم الطبقة النازلة من الناس وتلقينهم احترام الإنسانية والبلوغ بهم إلى تكريم الوطني بتعليمهم حقوقهم وواجباتهم. ومما تم في هذا القرن الجليل إعطاء المرأة حقوقها وتحريرها من رق العبودية التي رسفت في قيودها من قبل قروناً متطاولة فقد أنالها حقوقاً ساوت بها حقوق الرجل فصارت بذلك جديرة أن تربي أولادها وتلقنهم حب العمل وتطبعهم على بغض الرذيلة لإصلاح ما اختل من أحوال المجتمع البشري. ولم تكن حال النسوة في عصر من الأعصار مشابهة لحالهن اليوم فقد نلن بفضل القوانين المسنونة حظاً من العلم والأدب تشتد به سواعدهن في التغلب على مشاق الحياة. وقد عنيت معظم حكومات أوربا بإنشاء مدارس عالية وابتدائية لتعليم الفتيات العلم وتلقينهن أساليب العمل وإذا صحت عزائم الأفراد على اتباع سيرة الحكومات ومضافرتها في هذا السبيل من إنشاء المدارس للبنات ترتقي آداب المجتمع الإنساني ويحيى نظام العالم حياة طيبة رغيدة. وقصارى القول فقد علمت مما مر بك بعض حسنات هذا القرن ولا يفوتك علم ما يناقضها. ومن نظر بعين البصيرة يتضح له كل الوضوح أن القرن التاسع عشر أفاد المجموع أكثر من الآحاد وإذا نظرت كل شيء في الوجود نظر المستبصر تراه ذا وجهين وجه النور ووجه الظل وأحدهما نتيجة لازمة للثاني. فإنك ترى الظافر في الحروب العظمى الوطنية يسكره النصر فيحتفل بما يؤيد تاريخه ويترنم بالأناشيد الوطنية ليخلد آثار سلاحه في رقاب الأعداء ويسجل عظمة أمته ناسياً ما أهرقه من الدماء وألوفاً من النفوس التي قضت نحبها في ساحة الوغى وألوفاً من العجزة من جراح أو أمراض أصابتهم في الحرب وكثرة الأيامى واليتامى ممن قضت عليهم أعمال القوة الوحشية أن يرفعوا باستلال أرواح ذويهم مجد أمته وعظمتها. وبعد فلا يخفى أن كثرة انتشار الذكاء الإنساني في القرن التاسع عشر وازدياد مواد الغلات زيادة لا تنقطع بما تهيأ لها من وسائط العمل الطبيعي والعقلي وجمع الثروات العظيمة وسمو منزلة الذكاء الأدبية قد ولدت كلها سلسلة من الأهواء كانت فيما مضى مقصورة على طبقة قليلة من الناس. ذلك أن الإفراط في حب السلطة والصيت والطمع في الغنى والشرف وشدة الظمأ إلى البذخ والشهوات كان في القديم من خصائص الطبقة العالية والطبقة الغنية في الأمم فتناول اليوم أهل الطبقة الوسطى حتى أرادت السير على مناحي الطبقة العليا حذو القذة بالقذة. إذا عرفت هذا فقد ثبت لك أن الطموح إلى المطالب العالية والذهاب بفضل الشهرة لم يعم قط كما عم في النصف الأخير من القرن التاسع عشر. وقد أهلك هذا المرض الوبيل عدداً من القتلى أكثر مما أهلك من طبقات المجتمع المختلفة في أيامنا. ولئن تولدت الرغبة في الشهرة أحياناً من شعور شريف كريم وحملت المرء أن يفادي بمصلحته بل بحياته الخاصة توقعاً للنجاح فهذا الهوى يتبعه العجب أحياناً فيسود صحيفة صاحبه بحيث يبعده عن غايته المقصودة فيحدث أحياناً هيجاناً عصبياً يستحيل إلى زيغان في العقل واختلال في المدارك. وهنا سؤال وهو لم كانت هذه الاضطرابات العقلية والأدبية؟ فالجواب عنها جواب لا يحتمل الريبة والمغالطة إن ذلك ينسب إلى ميل أبناء عصرنا فقد افتتن الشبان بأبهة الشهرة كأنها الغاية الأصلية في الجهاد الإنساني وكأنها غاية السعادة التي ينبغي الطموح إليها. حتى أن الحكومات لتساعد حباً بزيادة نوابغ أبنائها على تنمية العجب وحب الذات في النفوس وتأصلهما في تلك القلوب الفتية الراغبة في المراتب العالية بما ينهال عليها من المكافآت الغرارة والتشريفات الزائلة وبعد أن تلقي أذهانهم خيالات غايتها تحسين مستقبلهم تتركهم وشأنهم على حين يدخلون معترك الحياة الحقيقية للشروع في الجهاد. نعم تسلمهم لقوتهم الخاصة عوضاً عن أن تكفل لهم ما يستطيعون معه أن يقوموا بواجبات صناعة شريفة. ثم إن ارتقاء الأفكار الدستورية واشتراك الوطنيين كافة في الحقوق المدنية والسياسية والرغبة في الاشتهار بالمجادلات في دور الندوة قد كان من نتائجها الطبيعية الطمع في الزعامة وحب السلطة بحجة الرغبة في تحسين حال الأمة واتخاذ أسباب السعادة العامة. يشترك في الدعوة إلى هذا الأمر جميع طبقات الأمة. وكلما تأصلت الأفكار الجمهورية في العادات والقوانين زادت اللهجة بذلك وتوفر القوم عليه. وهناك شيء آخر وهو أن الرغبة في المناصب والمراتب زادت زيادة خرجت فيها عن طور التعقل وحدود الاعتدال حتى عند من لم تساعدهم ملكاتهم على تحقيق شيء مما ينالونه. وأن قلة تمييز الحكومات بين مختلف الكفاءات والملكات في رفع الناس بعضهم فوق بعض درجات قد دق عنق العدل وقتل روح المباراة وأطفأ نور القرائح قبل انبعاثه فصارت تعبث الشفاعة بالكفاءة الشخصية. فنتج من ذلك أن عدداً عظيماً من الفتيان رأوا بلوغ المراتب ومنازل التشريف غاية عملهم الوحيد فراح بعضهم يطمح فيها للوصول إلى الغنى وبعضهم يميل إلى الغنى للوصول إلى المراتب واتخاذ أسباب التصدر وكان عليهم أن يكون العمل سبب السعادة وغايته العالية. بيد أن العلم والصناعات كانت عند كثيرين القاعدة التي استندوا إليها لبلوغ المناصب الاجتماعية السامية وسهلت لهم أسباب الغنى. وقد تولد من الطمع في التمول حب الشهوات والبذخ التي ما برحت تزداد نمواً في الطبقات الاجتماعية عامة كل يوم. وليس معنى البذخ الذي هو مقياس الثروة والغنى أو مظهر من مظاهر الراحة القائم بإنفاق مبالغ طائلة لامتلاك مجاميع جميلة من الأعلاق والنفائس أو العاديات المجلوبة من أقطار عديدة بل إن معناه الإشارة إلى النجاح والذكاء في كل من يحبون أن يشتهروا بحسن الذوق أو حب الصناعات والفنون. وما أقبح بذخاً غايته أن يحدث ضرورة ويستر في مطاويه الشقاء تحت رداء جميل من التمويه أو أن تكون غاية من يجعله ديدنه إغواء الناس ليخرج من ضائقة ويستلفت الأنظار إلى غناه فيربح من ذلك ما يسد مخمصته وينيله بغيته. ومن أعظم الأعمال التي قامت في هذا القرن تأليف الشركات فإنها انتهت بتأسيس مشاريع عظيمة للانتفاع بموارد غلات الأرض وتنمية صناعتها. وهكذا كان من تأليف الشركات المالية وجمعيات الإحسان وأعمال وإن أسفرت عن معاضدة الثروة العامة فقد قطعت أيدي كثيرين عن العمل وأضعفت من همم الأفراد وخربت بيوتاً كانت من قبل عامرة. فإن ما يعمله الجماعة يستحيل على الفرد القيام به. وقد أكثرا اكتشاف ركاز كاليفورنيا وأوستراليا والترنسفال من الذهب في الأيدي وكانت التجارة في غنى عنه فنقص سعر الذهب وزادت قيمة المصنوعات والحاجبات مما جعل الإنسان في أحرج المواقف من جهاد الحياة. ونتج فقر وغنى من جمع رؤوس أموال عظيمة وتأليف جمعيات صناعية ومالية كبرى بل كان من وراء ذلك فراغ يتعذر إشغاله تعذر إملاء فنطيس (برميل) الدنائيد إذ بعدت غاية عملنا بقدر امتداد دائرتها وانفصمت عرى الموازنة بين رغائبنا وأسبابنا فبذلت القوى العصبية وأجهدت القرائح فوق طاقتها فكان من ذلك أمراض عصبية كثيرة. التصوير والرسم ما برح أهل الأخصاء في مدينة الإسلام يعجبون من كونها بلغت عند أهله شأوا بعيداً على حين لم يكن لهم هوى في التصوير والرسم كما لأهل المدنية من الأمم الغربية لهذا العهد مثلاً فيحكم أولئك الباحثون حكماً إجمالياً على مجموع ما قام من تلك المدنية بجزء طفيف اطلعوا عليه منها. نعم حظر الإسلام رسم الأشخاص مجسمة على حجر أو خشب أو نحوه تفادياً من أن يرجع العرب إلى عبادة الأصنام والوثنية التي جاء الإسلام للقضاء عليها. أما الرسم الذي يمثل الأجسام إلى حد ما فهو مباح لا حظر فيه ولا وزر على فاعله. والدليل على ذلك أنه كان يرد على الصحابة أقمشة من بلاد الروم وفارس رسمت عليها صور أشخاص وغيرهم فاستعملوها في ألبستهم وفرشهم وأثاثهم وتحاشوا من وضعها في مكان عال فلم يجعلوها ستائر للنوافذ ولم يعلقوها على الجدر مخافة أن يشعر ذلك بتعظيمها. أما رسم المسائل العلمية وتصويرها كالنبات والبيطرة والحيوان والهندسة فقد استعمله المسلمون بحسب الحاجة إليه. نرى مثلاً من إجادتهم في هذا الشأن من رسوم كتب أبقتها لنا الأيام ومنها كتاب كليلة ودمنة الذي عرب في القرون الأولى وشاع بين الطبقات كافة مزيناً بصور الأشخاص. وكذلك مقامات الحريري فقد نقل لي من زار مكتبة باريس أن فيها نسخة من المقامات مصورة بأبدع الصور كتبت في القرن السادس. ولابن عربشاه الدمشقي كتاب فارسي اسمه المرزبانامة مزين بالصور أيضاً. قال أحد العلماء الأعلام في أحوال الإسلام. أفرط الأوربيون في استخدام الصور والرسوم حتى صار مصوروهم يتخيلون من ضروب التصوير ما لا يتحقق في الحس وابتذل التصوير والرسم حتى صرت إذا قلت للغربي أنك زرت البلد الفلاني مثلاً ولم تأته بصور شمسية يكاد لا يفهم منك ولو كنت من الفصاحة بحيث يشترك في درك ما تقوله الكبير والصغير مما يكاد يدل على أن تلك الأمم لا تقبل أذهانها إلا المحسوسات وتدق عن تصور ما لا تراه في صورة مرسوماً رسماً مجسماً. قال وليس من العقل تصوير كل الكتب ولا جعلها خلواً من الرسوم بتة مع مسيس الحاجة إلى التصوير ولاسيما في المسائل العلمية والأدبية وأن الإكثار من الرسوم يضعف قوة التصوير. ومن العجيب أن المسلمين وأن حظر دينهم التجسيد والهياكل والتماثيل فقد أبقوا في مصر على ما وجدوه منها مثل تمثال أبي الهول فإنه بقي سالماً إلى قبيل القرن الخامس حتى إذا اشتد التعصب قام بعض الجهلة يتقربون إلى الله بالعبث بها وقد ذكر ذلك عبد اللطيف البغدادي الفيلسوف المشهور في رحلته ورد عليهم رداً تفهم منه أن المسلمين كانوا من التسامح بحيث لا يطيلون يد الأذى حتى لما حرمه شرعهم. نقل ابن أبي أصيبعة أن الملوك من اليونانية وغيرها كانت تعلم أولادها الحكمة والفلسفة وتؤدبهم بأصناف الآداب وتتخذ لهم بيوت الذهب المصورة بأصناف الصور قال وإنما جعلت الصور لارتياح القلوب إليها واشتياق النظر إلى رؤيتها فإن الصبيان يلازمون بيوت الصور للتأديب بسبب الصور التي فيها وكذلك نقشت اليهود هياكلها وصورت النصارى كنائسها وبيعها وزوق المسلمون مساجدهم. انحطاط الأخلاق من البديهي أن للخلق عملاً كبيراً في الحياة الإنسانية يظهر أثره على كل فرد من أفراد النوع والحكم في هذا ثابت بالاستقراء مؤيد بالبداهة لا حاجة بنا إلى الفلسفة فيه وإقامة الدليل عليه. وإنما نريد أن نذكر من أثره في مجموع الأمة ما أصيب به أهل المشرق من الانحطاط الناشئ عن ضعف الأخلاق وفساد ملكات العلم بوسائل الحياة الطيبة التي يتمتع بها أمم غيرهم. لا خلاف بين الباحثين في طبائع الأمم المشتغلين بتقصي أحوال الاجتماع في أن المدينة وإن كانت أثراً جميلاً من آثار ترقي الشعوب وتخلص العقل من قيود التقليد وتخلصه من أسر البداوة إلا أنها مرتع خصيب لجراثيم الأدواء المفضية إلى انحطاط الأمم التي تنو بنمو الحضارة وتتربى في أحضان المدنية. ومن ثم كانت المدنية أشبه بمرتفع ذي سلمين للصاعد والهابط لا ينتهي صاعده في الصعود حتى يبدأ بالنزول ذلك لأن الاستغراق في المدنية مدعاة للاستغراق في الملاذ بما يتوفر فيها من أسباب الراحة ودواعي الرفاهية وهما مجلبة الفساد الذي يتخلل أعضاء المجتمع فإما أن يتمكن منه فيرديه وإما أن يطاوله فيؤذيه. وأكثر ما يظهر ذلك الفساد في الأمم العريقة في الحضارة البعيدة العهد بسلامة الفطرة حيث يتناهى بها الضعف الناشئ عن طول عهدها بالملاذ ويتولاها العجز عن مقاومة الفساد المتمكن في النفوس والأخلاق فتصير إلى حالة من الانحطاط تشبه حالة المريض بمرض معد كل من خالطه سرت إليه عدواه. هذا شأن أمم الشرق التي توغلت في عصور المدنية منذ ابتدأ تاريخ الاجتماع البشري فكانت أقدم الشعوب عهداً بالتمدن لذا صارت إلى ما صارت إليه من الانحطاط وإهمال القيام على التربية الصحيحة التي تقاوم أعراض الضعف المتأتي عن الانغماس في المدنية والإمعان في سبيل الرفاهية وصار الغرب مع ما توفر فيه من أسباب الترف والحضارة أرسخ قدماً في المدنية وأبعد عن مكان الضعف لجدة مدنيته وقيامها على أصول التربية الصحيحة بما تسنى لأهلها من وجود بعض المخترعات النافعة كالمطابع التي أفادت الغربيين في تعميم العلم وتعليمه فوائد لا تحصى مع أن الطبع وجد قبل ذلك عند الصينيين من أهل المشرق ولم يستفيدوا منه ما استفاده الغربيون في رفع بنيان مدنيتهم على دعائم العلم الصحيح. ذلك لما قلناه من أن أمم المشرق الموغلة في الحضارة قد تولاها الضعف عن النهوض بما أفسد طول أيام حضارتها من أخلاقها منذ عصور بعيدة أو آلاف من السنين حتى صارت من ذلك إلى حال تشبه حال المريض الذي يعدي السليم. وليس فساد الأخلاق في المشرق بقريب عهد بل هو يغلغل فيه من عهد طويل بدليل ما نقل في التاريخ عن أحد قناصل رومية أنه قال إنا وإن غلبنا الشرقيين وهزمناهم ودوخنا ممالكهم إلا أنهم ثأروا منا بأن تركوا لنا مع هذه الممالك أخلاقهم المنحطة. وفي الحقيقة أن الرومانيين وإن بلغوا من عزة الملك والسلطان باستيلائهم على المشرق ما بلغوه إلا أنهم منذ وطئوا بأقدامهم أرض المشرق خطوا الخطوة الأولى إلى الانحطاط بما تسنى لهم فيه من وسائل الترف التي كانت متوفرة يومئذ عند الشرقيين فغلبت على نفوسهم الشهوات وحب الراحة والتنعم بنعيم أهل المشرق ففسدت فطرتهم البدوية التي مهدت لهم بسلامتها من شائبة الحضارة سبيل الغلبة على القرطاجيين والرفس وغيرهم والتسلط على الغرب والشرق حتى إذا خالطوا أمم المشرق التي كان لها حظ من الحضارة ولم يحتاطوا لأنفسهم من آفات المدنية الشرقية التي تسممت بفساد الأخلاق سقطوا من حالق مجدهم ذلك السقوط المريع وغشيهم بعد ذلك من الضعف والذل ما ذهب بدولتهم. ومحا من عالم الاجتماع اسمهم. وحسبك أن تعلم مبلغ انحطاط الأخلاق في دولة الرومانيين في المشرق من تعاليم عيسى عليه الصلاة والسلام التي ترمي إلى الزهادة في نعيم الدنيا لتقف بالقوم عن الإمعان في مذاهب الشهوات والاستسلام لمطالب النفوس الهائمة بحب الانطلاق عن كل قيد. وهذا شأن المشرق أيضاً مع من سبق من الرسل أصحاب الشرائع التي جاءت كلها لتقويم أود النفوس وإنما تنزل هذه الشرائع عند الحاجة كما هو معلوم بالضرورة فكان المشرق لاستحكام الحضارة في أهله وتأصل فساد الأخلاق فيه لم تنقطع حاجته إلى رسول أو شريعة تقوم منآد ساكنيه. وما أصاب الرومان من مخالطة الأمم المتحضرة من سكان المشرق أصاب العرب أيضاً فهم وإن كانوا من أهل المشرق غير أنهم من شعوبه البدوية التي تسيجت من تطرق الحضارة إليها بسياج واق من الصحاري الشاسعة التي تحيط بجزيرتهم حتى إذا بعث الله نبياً منهم بشريعة تدعو إلى الخير وترمي إلى تهذيب أخلاق الأمم ونهضوا لنشر هذه الدعوة وتقدموا للفتح كان لهم من سلامة الفطرة وطهارة الأخلاق ممهد عظيم لبسط جناح السلطة على الممالك القديمة وفي جملتها بقايا مملكة الرومان الشرقية. ولما تمكن لهم السلطان في الأرض واختلطوا بأهل الحضارة والترف من أمم المشرق غلبوا على أخلاقهم وأسرعت عدوى الفساد إليهم فلم يلبثوا إلا جيلاً أو بعض جيل حتى أخلدوا إلى الراحة ونسوا حظاً مما ذكروا به وحملوه من دعوة الخير والإرشاد إلى الأمم فانحطت أخلاقهم وزالت سطوتهم، وذهبت مع الذاهبين دولتهم. يظن بعضهم أن ما منيت به مدينة الغرب لهذا العهد من فشو الفاحشة والتهتك بين أهلها هو نتيجة الإيغال في الحضارة والنزوع إلى الشهوات وأن فساد الأخلاق المؤذن بتلاشي الأمم إنما هو محصور بمثل هذه الرذائل الفاضحة وليس الأمر كذلك إذ أن هذه الرذائل وإن كانت من نتائج الحضارة ولها أثر قبيح في المجتمعات المدنية فهي بعض من كل ما ندعوه فساد الأخلاق ونراه مظنة انحطاط المشرق وأهله. إذ من المعلوم أن الأخلاق الفاضلة وأضدادها كثيرة جداً كالكرم والبخل، والعفة والشره، والشجاعة والجبن، والصدق والكذب، والأمانة والخيانة إلى غير ذلك من الملكات التي منها ما يكون بالفطرة ومنها ما يكتسب بالتربية وتولده في النفوس البيئة أو الوسط الذي يعيش فيه الإنسان. وضرر الكذب مثلاً إذا تفشى بين قوم أشد خطراً على حياتهم الاجتماعية من التهتك. لأن الكذب آلة كبيرة من آلات الفساد تهدم ركناً عظيماً من أركان المدنية وهو الثقة التي هي روح التجارة والصناعة في كل عصر ومصر. وكذلك الجبن مثلاً فإنه إذا استحوذ على النفوس أضعفها وانتزع ملكة الإقدام على جلائل الأعمال وحرم أربابها ثمرة الاعتماد على النفس والمجاهدة في سبيل الحياة. وهكذا يقال في كل خلق من الأخلاق الفاسدة كمال يقال بالعكس في الأخلاق الفاضلة. ومن أطلق على الشر نظر المتأمل ورأى ما تفشى بين أقوامه من ضعف النفوس، ووهن العزائم، وفقد الثقة والأمانة، والنميمة، والرياء، والكبرياء الباطلة، والعيشة الخاملة، والرضا بالقديم، ومعاداة العلم وغير ذلك من الأخلاق السافلة التي قضت بالشقاء على المشرق وأهله علم أن ما أصاب مدنية المغرب من الاستهتار وشيوع الفاحشة ليس بشيء في جانب ما يرى ثمة من الثقة المتبادلة، والأمانة في المعاملة، والاعتماد على النفس في معترك الحياة، والنزوع إلى المزيد من القوة والعلم والثروة، وحب الحرية، والصدق في العمل والقول، والبعد عن المداهنة والرياء، خصوصاً للقادة والزعماء، وغير ذلك من الأخلاق العالية التي أصبحت سياجاً للمدنية الغربية يقيها سرعة السقوط فيما سقطت فيه المدنية الشرقية من الضعف والفساد. ورب قائل يقول إن من المحال إذن تخلص الشرقيين من حبائل الانحطاط في الأخلاق واستئصالهم لمرض الضعف الذي نما فيهم بمرور الأجيال، نمو المرض القتال. والجواب عن هذا أن المحال، في الممكنات محال. وإذا نهض أهل المشرق لملافاة ما فات، والنظر فيما هو آت، وانتهجوا سبيل الأناة والتعقل، وكان لهم من القادة ما كان لإخوانهم اليابانيين فليس من المحال حصولهم على مدنية فاضلة تضاهي مدنية المغرب لهذا العهد. ولنا بهذا الصدد كلام آخر نرجئه لفرصة أخرى إن شاء الله. القاهرة رفيق العظم الكتب والجراثيم العاقل يأخذ من كل كلامه أطيبه ومن كل نصيحة أنفعها فلو أراد مثلاً أن يعمل بجميع ما يشير به علماء البكتريولوجيا ويعتقد بفعل الجراثيم اعتقادهم بها لانقطعت يده عن العمل ولسانه عن الأكل وأنفه عن الشم وجسمه عن الحركة ولكن الحكيم يأخذ الكلام ويزنه بميزان الإنصاف ويقلبه على محك البصيرة فلا يقبله أو يقبل منه إلا بعد عرضه على فيصل العقل ومحكم التجارب. ارتأى أحد نطس أطباء الفرنسيين مؤخراً أن أحسن واقٍ للمرء من الجراثيم أن يطالع من الكتب ما صدر من المطابع حديثاً ويقطع أوراقها بمقطع من العاج إذ قد ثبت بالفحص البكتريولوجي أن في الكتاب الحديث قليلاً من الجراثيم التي لا تضر ولكن في دفات الكتب وتحت مغابن أوراقها التي تتداولها الأيدي كثيراً كأسفار المكاتب وغرف القراءة ألوفاً من الجراثيم القتالة يتجلى ذلك بالعين المجردة لمن يحدق فيها وفي كل سطح مربع من أمثال هذه الكتب ٤٣ جرثومة فيتكون من كتاب مؤلف من ثلاثمائة إلى أربعمائة صفحة عدد مدهش من الجراثيم. وليست كل هذه الجراثيم مما يضر ويؤذي على رأي علماء البكتريولوجيا بل أن معظمها من النوع الذي يكثر وجوده على سطح جلدنا ورأس أصابعنا وفي غبار الجو. ولكن الخطر كل الخطر آت من أولئك المسلولين أو الناقهين من الحمى الحصبية من ينظرون في تلك الكتب المعدة لقراءة الخاصة والعامة ويودعونها من سموم أمراضهم ما لا يشفى صاحبه. الخطر آت من أولئك المرضى الذين يسعلون ويعطسون ويمرون أصابعهم وهي مبتلة بلعابهم على صفحات تلك الكتب. فإن ما يتركه المسلول أثناء مرضه أو الناقه من الحمى في ثلاثين أو أربعين يوماً من نقاهته أو المصاب بالدفتيريا من الباشلس والجراثيم بين تضاعيف الأوراق لا يقدر مضرته إلا الباحث. وليست الحوادث التي تدل على انتقال الأمراض المعدية بواسطة الكتب والرسائل والأوراق العتيقة بنادرة فقد أورد بعضها الدكتور لوب الفرنسي في تقريره إلى المجمع الطبي الباريسي ومن أعظم ما قصه من هذا القبيل ما شهدته بلدية خاركوف من أعمال روسيا من فتك السل في مستخدميها فتكاً ذريعاً وبعد البحث ظهر لها أن هذا المرض كان يفتك فيمن كان عهد إليهم العمل في سجلات الإدارة خاصة فسلمت أوراق تلك السجلات للبحث البكتريولوجي فثبت بعد الاستقراء أن أحد موظفي تلك الإدارة وكانت مهمته الرجوع إلى تلك السجلات أصيب بالسل وكان من عادته أن يبل رأس إبهامه ليقلب أوراق دفاتره فأبقى بين أوراقها كمية وافرة من جراثيم مرضه نمت على الزمن حتى جاء من بعده وأخذت تسري إليهم. ومن الأمثلة أيضاً أن امرأة وضعت طفلاً فكان الطبيب يطبها ويطبه على أحدث الطرق في منع الفساد فمات الطفل في اليوم الثالث عشر من يوم ولادته بعد أن خرجت له بثور متعددة ثم تناولت هذه البثور والدته فماتت بعد مدة أيضاً وكان سبب ذلك كتاب عتيق استعارته الأم من إحدى غرف المطالعة كانت تقرؤه وهي ترضع طفلها فنزع الطبيب جلد الكتاب وبعض ورقات منه فشهد فيه جراثيم ذاك المرض الذي قضى على النفساء وابنها. وما برحت مسألة العدوى بالكتب شاغلة بال الباحثين من علماء الصحة. ويقولون أن الخطر في الكتب المدرسية عظيم جداً لأنها تنتقل من يد إلى أخرى حتى تتمزق وتسود ويحشر فيها من ضروب الجراثيم أشكال إلا أن بعضهم يقول إن الجراثيم لا يطول عمرها على صفحات الكتب كثيراً فباشلس السل يعيش مائة وثلاثة أيام وجرثومة الهواء الأصفر ٤٨ ساعة وجرثومة الخناق ٢٨ يوماً وباشلس الحمى التيفوئيدية يعيش من أربعين إلى خمسين يوماً. ويقول قوم أنه لا ينبغي أن يوثق بهذه الأرقام لأنه ثبت أن سم الخناق يعيش كثيراً في الثياب وأن أحسن الطرق أن تطهر الكتب وليس من طريقة لتطهيرها إلا بإمرارها على بخار فورمول إلا أنها إذا مرت عليه تهرأ الورق وتمزق بعد حين ولابد أن يمر الكتاب على هذا البخار صفحة صفحة. وحدث ما شئت أن تحدث عن العناء الذي يلقاه من يعهد إليه تطهير ألوف من الأسفار. وكيفما دارت الحال فإن النظافة مطلوبة شرعاً وعقلاً والوقاية لازمة واختيار الكتب النظيفة خير من القذرة. وعسى أن يكون فيما تقدم عظة لمن اعتادوا أن يعيروا الكتب والمجلات وينقلوها إلى أيدي كثيرين حتى ممن لا يعرفونهم فيقللون بذلك من عدد مبتاعيها ويجلبون بها جراثيم مضرة بهم. قوة الجنس اللطيف نظمتها للمقتبس وهي من باب النسائيات من الجزء الثالث من الديوان هي للنعيم وإن شقينا موعدُ في كل يوم مخلف ومجددُ لعب الزمان بنا على آمالها ما إن يحققها ولا هي تنفدُ وأشد ما لقي امرؤٌ من نفسه أملٌ إذا اقتربت إليه يبعدُ قالوا النسا خدُّ الزمان فهل ترى بسوي دماء العاشقين يوَرَّدُ قالوا بنات الشمس في الدنيا وقد صدقوا لأن لظى الهوى لا تخمدُ قالوا وأمثال النجوم لأنها ما حولها إلا ظلام أسودُ إن النساء هي الوجود أما يرى كل الرجال لأجلها ما يُوجَدُ هي في القلوب وكل شيء راجعٌ للقلب فهي لكل شيء موردُ والقلب في نسج الطبيعة عقدة بين الهوى والرأي لم تلها يدُ فإذا نظرت إلى العظائم لم تجد إلا إرادات النسا تتجسدُ وإذا بحثت وجدت كل عظيمة في طيها نظرات أنثى تشهدُ يدعونه الجنس اللطيف لضعفه فسل البخار بلطفه كم يجهدُ ما الشأن في صغر الأمور وضعفها أين الرصاص إذا دَوَى والجلمد السيف يقطع والردى ذو سطوة والنار تحرق والنسا تتودد وإذا تقلدت الحليَّ فإنما مفتاح باب القلب ما تتقلد ما البحر ملتطماً تضارب موجه كالغيظ في صدر امرئ يتردَّد متواثباً كالشيخ يحرج صدره فتقوم (هامته) لذاك وتقعد متنفساً نفس القتال إذا دَوَى وقع المهند يلتقيه مهند متغيظاً حرداً فلولا أنه ماءٌ لسال أشعةً تتوقد تثب العواصف فوقه وثب الجنو ن يظل يبرق إذ يهيج ويرعد بأشدَّ من أنثى تكلفت الهوى وأتت بحيلة ضعفها تتنهد طنطا مصطفى صادق الرافعي روح جديدة أخذت الأمة تنصبغ بصبغة الغربيين منذ أنشأت تأخذ العلوم عنهم وتختلط بالخاصة والعامة منهم. ومن ذلك إجلال رجال العلم والأدب أحياء كانوا أو أمواتاً. فقد بدأت في الشتاء الماضي بتأبين المرحوم فقيد الأدب محمود سامي البارودي وتلاوة القصائد والخطب على ضريحه يوم دفنه وأربعينه وثنت بتأبين حكيم الشرق الشيخ محمد عبده تأبيناً لم يسبق له نظير كما احتفلت في الصيف المنقضي بمترجم الإلياذة العالم سليمان أفندي البستاني. كل ذلك جرى في هذه العاصمة وهي مبعث العلم من بلاد الشرق العربي وثمال الأدباء وعصمة العلماء. ولقد شهدت في النصف الأخير من ذي القعدة حفلة ثانية من تكريم الأحياء للأحياء أقامها جماعة من السوريين في نزل كونتننتال احتفاء بشكري أفندي غانم ناقل رواية عنترة إلى الفرنسية والشاعر المجيد بلغة الفرنسيين. وهو من أهل سورية غادر بلاده منذ ٢٥ سنة وصرف معظمها في الديار الفرنسية. فحضر الاحتفال نحو ثلاثمائة رجل من علية المصريين والسوريين والفرنسيين وغيرهم وتليت خطب وقصائد بالعربية والفرنسية فاض منها معين بلاغة العرب والعجم فتكلم بالعربية سليمان أفندي البستاني ومصطفى باشا كامل وخليل أفندي مطران وعبد الفتاح أفندي بيهم وأسعد أفندي داغر وبالإفرنجية يوسف باشا شكور والمسيو البان ديروجا وأيوب أفندي كميد وداود بك عمون وصاحب الحفلة. احتفلوا بأديب خدم الأدب الإفرنجي. ولما كانت الأمة لم تبرح بعد في طفوليتها من حيث نهضتها العلمية فلا يزال احترامها مقصوراً على الأدباء في الغالب. وقد اذكرني هذا الاحتفال بما كان يجري من أمثاله في عصر الحضارة الإسلامية أيام كانت الأمة مدة العباسيين تكرم العلماء والأدباء كيف كانت نحلتهم ولغتهم. وكان هؤلاء يتحابون ويتآلفون كالأخوة من غير حرج ولا نكير. ومن قرأ كتاب المقابسات لأبي حيان التوحيدي يتجلى له أن العلم يجمع بين المتباعدين وإن كل من خمره العقل وعجنه التهذيب وخبزه العلم يتمسك بالجوهر ويطرح العرض وينظر من الأشياء إلى مقاصدها ومغازيها. التعليم والتربية السعي والعمل نشر هذه الأيام رئيس نظار فرنسا المسيو دومر كتاباً سماه كتاب لا بنائي فاقتبسنا منه الفصل الآتي وهاك تعريبه قال: إن في العمل حياة والفكر والإرادة لا يعدان شيئاً إذا لم يكونا سلماً للعمل. إلا وأن العمل والنشاط والسعي من لوازم التوازن الأدبي والطبيعي في الإنسان وهي من شروط كيانه وفيها بقاء المجتمعات البشرية. ولقد فضت الفطرة أن يكون العمل فرضاً مادياً وجعله قانون الأدب واجباً. رجل العمل هو الرجل النافع لنفسه ولغيره ولبلاده. وتحتاج فرنسا أكثر من قبل إلى رجال عمل من أبنائها فرجال القول فيها كثير. وقد مدح أجدادنا بفصاحتهم منذ عشرين قرناً وينهال عليهم هذا المديح المضحك أيام السقوط والانحطاط خاصة. ولقد كان قيصر يذبح خطباء الغلوا ويجرهم دامية أجسادهم إلى مركبة ظفره ولطالما خطبوا وأجادوا وظلت بلاد الغول مستعبدة. ومن السعادة أن نرى أهل جنسنا قد أظهروا في تاريخهم الطويل المجيد من القادرين على العمل أكثر من غيرهم تشهد بذلك ألفا سنة قضاها في العمل والحرب والمجد فمن الواجب أن نجد في أبنائنا اليوم ذاك الشعور بالعمل والإرادة فمستقبلنا وحياتنا مناطان بذلك. فبالعمل المتواصل الفعال يظفر المرء بالنجاح في جهاد الحياة وميدان العالم فالعمل لازم للدلالة على أننا مطبوعون عليه متطالون إليه وذلك بدون وناء دون أن نعرف العنت والتعب. فبالعمل تستحكم قوى جسدنا وعقلنا ونحفظ صحتنا الطبيعية والأدبية. فالعمل هو الحركة والنشاط وإن شئت فقل هو الحياة بعينها. والجمود والبلادة في قلة الحركة وفي قلة الحركة الموت. وإن في العمل على اختلاف أشكاله عقلياً كان أو أدبياً أو طبيعياً لإشارة على الحياة الشديدة. تلك الحياة التي هي أليق بأن تكون شعار النفوس الكبيرة والتي يجدر بالمرء أن يحيا بها. هب يا هذا للعمل أحسن ما في حياتك فليس كل عمل سعياً والسعي هو العمل المستمر القانوني والعمل يوجد ويغير وينتج. ولا يكفى الانصراف إلى العمل جملة واحدة بل لابد لنا من السعي في العمل المنتج للخيرات العقلية والطبيعية. فالسعي هو أول قانون إنساني أبدي يقضي على الجميع أن يتوفروا عليه فبه تكبر النفوس وتشرف الأرواح وهو ضروري للسواد الأعظم وفرض على الجميع. متع طرفك قليلاً في سير الإنسانية تجد أن السعي كان في كل دور من أدوارها شرطاً في حياتها وأداة في نجاحها فالبسعي والذكاء والنشاط تغلب الإنسان على الحيوان واستعبد قوى الطبيعة فالتمدن عامة وخصوصاً التمدن الأوربي العظيم هو ابن سعي الإنسان ففي السعي الحرية كما جاء في بعض الأناشيد. السعي يضمن لمن ينصرف إليه استقلالاً ووقاراً يتعذر نيلهما على العطل ولا يطمح إليهما. فهو للمعوز ضرورة مطلقة وفرض مادي مشروع كما هو فرض اجتماعي وللغني نافع له من حيث أنه ينتفع من مال حصل عليه غيره وأورثوه إياه والواجب عليه في هذا المعنى كالواجب على الفقير. وليس عندي من النعوت ما يوصف به من لا يعمل ولا يسعى. أي فضل في الحياة وإعجاب بها عند من لا يود أن يساعد المجتمع بعمله أقل مساعدة وأن يجاري في العمل الاجتماعي والوطني. والغني في سعة من أن يسعى ولا يجب عليه السعي أكثر من غيره لأن الأسباب لديه على العمل أعظم ولأنه غني عما يكتسب به ضرورياته فينصرف إلى المطالب العالية ويسهر على المصلحة العامة. إلا وأن السعي رب الفضيلة والبطالة أم كل الرذائل كما جاء في المثل. ومن ألف الفراغ يصبح وجوده عدماً ضاراً بالمجتمع وبنفسه ولا يمكن الامتناع عن كل عمل فمن لا يعمل الخير يعمل الشر لا محالة فبالسعي الحياة وبالبطالة تفلج الأعضاء وتموت. حديد لا يستعمل يصدأ ودماغ وأعضاء تعفى من العمل تضعف وتسقم. فمن يشغلهم السعي ويعيشون عيش العاملين يسعدون بحفظ قواهم وصحتهم ولا يتأثرون بالمظاهر الخارجية والمناظر التي تدهم الكسل العطل. لا يأتون كل صباح إلى ميزان الحرارة تفكهة ولا ينظرون أحوال الجو ولا يحدقون في المرآة إلى لون ألسنتهم بل يعيشون ويعملون ويبددون ويحرقون الجراثيم المضنية التي تسطو على أجسادهم وعقولهم فهم سالمون طبيعة وأدباً لأنهم عاملون. السعي يدعو إلى تحمل أعباء الحياة وشقائها القليل بنشاط ويمنح حسن الخلق والسرور وعلى العكس في البطالة فإنها تدعو إلى الافتكار في أقل ما يصادفه المرء من العوائق وتعظمها كما تعظم الآلام والأوجاع فتولد الحزن وسوء الخلق والسويداء وهذا المرض من أمراض النفس وهو مبعث أمراض الجسد. صحف منسية شعر فقيه الشائع على الألسن أن شعر الفقهاء منحط عن شعر الأدباء ولكن هذا الحكم لا يصح على إطلاقه إذ ما كل فقيه جامد القول تافه الأساليب، وليس كل الناس المهذب والأديب. نعم وليس كل الشعراء منحلة قيود تربيتهم، معتلة عهود حميتهم وحماستهم. ومن المذكورين بالرحمة القاضي علي بن عبد العزيز ( ٣٦٦ ) الذي وصفه صاحب اليتيمة بأنه: فرد الزمان، نادرة الفلك، وإنسان حدقة العلم، وقبة تاج الأدب، وفارس عسكر الشعر، ومجمع خط ابن مقلة، إلى نثر الجاحظ، ونظم البحتري، وقد كان في صباه خلف الخضر في قطع الأرض وتدويخ بلاد العراق والشام وغيرهما واقتبس من أنواع العلوم والآداب ما صار به في العلوم علماً وفي الكمال عالماً، وله من أبيات وقالوا توصل بالخضوع إلى الغنى وما علموا أن الخضوع هو الفقر وبيني وبين المال شيئان حرما عليَّ الغنى نفسي الأبية والدهر إذا قيل هذا اليسر أبصرت دونه مواقف خير من وقوفي بها العسر وله: وقالوا اضطرب في الأرض فالرزق واسع فقلت ولكن موضع الرزق ضيق إذا لم يكن في الأرض حر يعينني ولم يك لي كسب فمن أين أرزق وله: ما تطعمت لذة العيش حتى صرت للبيت والكتاب جليساً ليس شيء أعز عندي من العلم فما أبتغي سواه أنيساً إنما الذل في مخالطة النا س فدعهم وعش عزيزاً رئيساً وقال وهو مما هو يجدر بكل عالم أن يجعله نصب عينه ورهن أذهنه: يقولون لي فيك انقباض وإنما رأوا رجلاً عن موقف الذل أحجما أرى الناس من داناهم هان عندهم ومن أكرمته عزة النفس إكراما ولم أقض حق العلم إن كان كلما بدا طمع صيرته لي سلما وما كل برق لاح لي يستفزني ولا كل من لاقيت أرضاه منعما إذا قيل هذا منهل قلت قد أرى ولكن نفس الحر تحتمل الظما انهنهها عن بعض ما لا يشينها مخافة أقوال العدا فيمَ أولما ولم أبتذل في خدمة العلم مهجتي لا خدم من لاقيت لكن لا خدما أأشقى به غرساً واجنيه ذلة إذاً فاتباع الجهل قد كان احزما ولو أن أهل العلم صانوه صانهم ولو عظموه في النفوس لعظما ولكن أهانوه فهان ودنسوا محياه بالأطماع حتى تجهما مطبوعات ومخطوطات  كتاب الأم تنبه شعور رجال الأمة لهذا العهد بأن من أعظم أسباب النهوض الإهابة بالناس إلى العمل بما ألف من الكتب في القرون الأولى للإسلام لمحض خدمة المجتمع ونفعه الخالص بدون تقية ولا غرض. ولو رجع أهل كل مذهب من مذاهب أهل السنة إلى أصول مذاهبهم وطرحت كتب المتأخرين واختلافاتهم لضاق مجال الخلاف ولم يجد المماحكون سبيلاً لقول يقولونه. وقد عني حضرة العالم الأصولي ذي المعزة السيد أحمد بك الحسيني من أعاظم أهل العلم والعمل في مصر بأن طبع على نفقته كتاب الأم للإمام الشافعي رضي الله عنه. طبعه بالمطبعة الأميرية ببولاق بعد أن كادت تعبث به أيدي الضياع شأن كثير من كتبنا. فأتى من الشام ومصر والحجاز واليمن وألمانيا وغيرها بنسخ من أجزاء هذا الكتاب صار بها الطبع أصح ما ينبغي أن يكون بالطبع. وهو عمل عظيم لو حذا عشرة من رجالنا حذو السيد الحسيني لما بقي لأسلافنا بعد حين كتاب مهم تتوق إلى طلعته نفوس الخاصة والعامة فجزاه الله أحسن جزاء. ولعل نفوس بعض القراء راغبة في أن تعرف من هو الشافعي وما هو كتاب الأم. فالشافعي لا مجال لترجمته الآن بعد ألفت الكتب الضخمة في ترجمته وتعداد مناقبه ويكفي أن يقال في وصفه أنه كان إماماً قرأ عليه الأئمة في عصر قام فيه أعاظم رجال الإسلام وأنه ألف ما ألف من كتب الفقه والخلاف وغيرها قاصداً به وجه الله فكان أهل مذهبه اليوم ربع أهل الإسلام أو يزيدون. جاء في طبقات الشافعية الكبرى للسبكي ذكر من صنف في مناقب الإمام الشافعي: داود بن علي الأصفهاني الظاهري وزكريا بن يحيى الساجي وعبد الرحمن بن أبي حاتم وأبو الحسين الآبري والحاكم أبو عبد الله بن البيع وفي عصره أبو علي الحسن بن الحسين بن حكمان الأصبهاني وأبو عبد الله بن شاكر القطان والإمام إسماعيل السرخسي والأستاذ أبو مسعود عبد القاهر بن طاهر البغدادي كتابين والحافظ أبو بكر البيهقي والحافظ الخطيب والإمام فخر الدين الرازي والحافظ أبو عبد الله الأصبهاني المعروف بابن المقري والحافظ البيهقي وإمام الحرمين أبو المعاني الجويني. هؤلاء الأئمة صنفوا في مناقب الشافعي ولو شاء الباحث استقصاء من شهدوا له بالعلم والإخلاص في عصره ومن بعده لاستغرق ذلك أسفاراً برأسها. وقد اعتذر شيخ الإسلام ابن حجر العسقلاني في كتابه توالي التأسيس بمعالي ابن إدريس بأن من يتكلف التأليف في هذا يقع في تعب من غير أرب وكتاب الأم كما قال ابن حجر نقلاً عن البيهقي بنصه: أولها الطهارات، ثم الصلوات، وذكر فيها الجمعة، ثم الخوف، ثم العيد ثم الكسوف، ثم الاستقساء، ثم التطوع، ثم حكم تارك الصلاة، الجنائز، الزكاة، قسم الصدقات، الصيام، الاعتكاف، المناسك، البيوع، الصرف، السلم، الرهن الكبير، والرهن الصغير، والحجر والتفليس وسائر المعاملات ثم الوصايا، والفرائض، ثم إحياء الموات، والوديعة، واللقطة، واللقيط، ثم كتاب النكاح ومتعلقاته، ثم الجنايات ثم كتاب قتال أهل البغي، ثم الجهاد، وسير الأوزاعي، وسير الواقدي، وكتاب الطعام والشراب والضحايا والصيد والذبائح، والقضاء باليمين والشاهد والدعوى والبينات والأقضية، والإيمان والنذوز، والعتق بأنواعه وكتاب الشروط وعدة كتب الأم مائة ونيف وأربعون كتاباً. هذا هو كتاب الأم بل مجموع الشريعة الغراء في صفحات، وقد طبع منه الآن أربعة مجلدات وبقي ثلاثة وجعل الطابع في هامش ما طبع مختصر المزني للإمام الشافعي أيضاً وسيكون على هامش ما سيطبع من الأجزاء مسند هذا الإمام وكتاب اختلاف الحديث له أيضاً وبعد فإن الأمة تتشرف بصدور هذا الكتاب وتنشد ما قاله ابن دريد في مدح الشافعي رحمه الله ألم تر آثار ابن إدريس بعده دلائلها في المشكلات لوامع معالم يفنى الدهر وهي خوالد وتنخفض الأعلام وهي روافع مناهج فيها للهدى متصرف موارد فيها للرشاد شوارع ظواهرها حكم ومستنبطاتها لما حكم التفريق منه جوامع  جواهر البلاغة هو كتاب يدخل في ٣٢٦ صحيفة من قطع الوسط في علوم المعاني والبيان والبديع والعروض والقوافي وفنون الشعر والسرقات والمحاضرات الشعرية لمؤلفه الأستاذ الجهبذ الفاضل الشيخ أحمد الهاشمي أحد العاملين من المؤلفين في هذه العاصمة. سلك فيه مسلك الإيضاح والتقريب على طلاب الأدب ونحا فيه منحى التآليف العصرية في التنسيق ولطف الأداء. ولولا بعض اصطلاحات يتوقف فهمها على شرح معلم لا محالة لقلنا أن جواهر البلاغة مما يقرؤه المطالع لنفسه، ويفهم لباب هذه الفنون بدرسه، وقد كانت فيما مضى صعبة المتناول إلا على من صرفوا في تحصيلها أعمارهم، ووقفوا على تدبرها ليلهم ونهارهم.  المفرد العلم كتاب المفرد العلم في رسم القلم من تأليف الأستاذ الهاشمي المشار إليه أهداه إلينا فيما أهدى من تآليفه. سفر جليل لا يستغني عنه العامي فضلاً عن الخاصي لأن فيه بيان لكتابة الحروف العربية وقواعدها وضوابطها وقد عقب عليها بتمارين وأمالي وزاد عليها هذه المرة تمرينات وأمالي لم تكن في الطبعات الماضية وشرح الألفاظ الغريبة فصار الكتاب مفيداً للإملاء والمطالعة والإنشاء نافعاً في الدروس التي قررتها نظارة المعارف المصرية في مدارسها. ويكفي في بيان مزيته أنه طبع الآن للمرة الخامسة ولو لم يكن اقتناؤه من الضروريات لما وجد كتاب في التعاليم من يبتاع منه الطبعة الأولى. فنثني على اجتهاد المؤلف العامل أطيب الثناء لأنه يتوخى فيما يكتب سهولة التعبير، وجودة التصوير، أثابه الله.  الضياء وابن سراج كراسة نشرها سعادة العالم اللغوي الأمير شكيب أرسلان دفع فيها ما خطأه به حضرة العالم اللغوي الشيخ إبراهيم اليازجي صاحب مجلة الضياء الغراء من وقوع بعض ألفاظ في روايته آخر بني سراج كان انتقدها الشيخ في جملة ما انتقده على كتاب الجرائد من الألفاظ والتراكيب. ومن رأي الأمير أن اللغة العربية يقع فيها الثقل لأدنى ملابسة وقد أورد نصوصاً من اللغة على ذلك كقوله أن الناقوس والشباك والبيت والجريدة لم تطلق عند من دونوا المائة على تلك المسميات التي يعرفها أهل زماننا بل عرفت في كتب اللغة بأن الناقوس خشبة كبيرة تقرع بخشبة صغيرة ويقال لها الوبيل والشباك ما وضع من القصب ونحوه من صنعة الواري والبيت كان يقال لبيت الشعر والجريدة سعفة طويلة رطبة. وعلى الجملة فإنا نشكر للشيخ والأمير عنايتهما باللغة وغيرتهما عليها ونتقدم إليهما باسم العلم وهما من أعز أنصاره أن يقصرا من الجدال على النحو الذي جريا عليه فكلاهما فرد في شأنه أوحد في صحة بيانه والتهكم لا محل له في الأبحاث العلمية وتقرير الحقائق الأدبية واللغوية.  مجلة الشتاء اسم مجلة أصدرها بالقاهرة حضرة الشاعر الناثر ذي المعزة سليم بك عنجوري الدمشقي صاحب الدواوين الشعرية والروايات النثرية وهي أدبية علمية تاريخية فكاهية شعرية تظهر شتاء وتحتجب صيفاً وقيمة اشتراكها أربعون قرشاً أميرياً. وقد تصفحنا العدد الأول منها فرأيناه طافحاً بالمقالات والمقاطيع المنظومة والخطوات المنثورة من بنات أفكار صاحبها فنشكر له همته ونشاطه في خدمة الآداب ونسأل له حسن التوفيق كما يحب ويحب له كل مشتغل بالأدب غيور عليه.  كتاب الخير والشر انصرفت وجوه بعض المتعلمين والمستشيرين من العامة إلى قراءة الروايات على اختلاف مناحيها فانصرف إلى كتابة أمثال هذه القصص جماعة من الأدباء ومنهم الأديبان البارعان محمد أفندي وجيه وحسين أفندي الجمل ترجما في العهد الأخير رواية كاترينا بلوم لاسكندر دوماس القصصي الفرنسي المشهور فنثني على اجتهادهما أجمل ثناء ونتمنى أن يكثر أمثالهما من الكاتبين العارفين فجامعتنا تحتاج كل ضرب من ضروب البضائع العلمية. وثمن النسخة ستة قروش صحيحة. تدبير المنزل آفات الغبار من يدرس كتب الصحة لابد أن يعرف ما يحدث عن الغبار من الآفات والمضنيات. كتب أحدهم يقول أن ليس في السنتمتر المكعب من الهواء الخارجي غير مائة وثلاثين ألف ذرة من ذرات الغبار على حين أثبت الامتحان أن في السنتمتر مليوناً وثمانمائة ألف ذرة وإذا أحصي الغبار بعد الكنس فيكون في كل سنتمتر مكعب خمسة ملايين وأربعمائة وعشرون ألف ذرة. وفي هذه الذرات من أنواع المؤذيات ما لا يطلب غير مستو بل نديّ لتنمو فيه وتتكاثر ولو لم تخل منافذ مشامنا دون دخول هذا الغبار كله إلى الرئتين وتمنع في دخول الذرات الكبيرة لكان تأثيرها في أجسامنا ما كان. يتنفس الإنسان في الدقيقة من ١٢ إلى ١٥ مرة نحو نصف لتر من الهواء كل مرة أو أربعمائة لتر في الساعة أو من تسعة إلى عشرة آلاف لتر في الأربع وعشرين ساعة. ويعرف علماء التشريح إذا عرضت على أنظارهم رئة الحضري من رئة الريفي لما في الأولى من الجراثيم المختلفة المؤذية ولولا الغبار ما حملت الجراثيم إلى جسم الإنسان ولبقيت في الزوايا. فالغبار يحمل الحمى القرمزية والحميرة والسل والخناق وغيرها من الأمراض. واختلفت العلماء في كون هذه الجراثيم تدخل الجسم من طريق التنفس أم من طريق البلع ومهما يكن من اختلافهم فإن الغبار من أشد أعداء الأجسام وافتكها بها. فحبذا لو عنيت مجالس البلديات في البلاد التي تدعي أنها سائرة على مناهج المتحضرين في شؤونها البيتية والأهلية والمعاشية بأمر الكناسين أن لا يكنسوا الشوارع إلا في الليل بعد انصراف الناس إلى منازلهم ولا ينفض الخدم البسط والطنافس والأثاث والحصر والباري والكلل (ناموسيات) والدثارات من أعلى الشرفات والطنف فينزل الغبار على أبناء السبيل ويكون لهم أسوأ دليل والغبار من أعداء الإنسان إلا في مغزى المثل العربي القائل غبار العمل خير من زعفران العطلة. تدبير الصحة الحمامات الشمسية يوجد نقص تتمة الصفحة ١٥٨ والصفحة ١٥٩ والصفحة ١٦٠ حتى فقرة تغميز القلب. تغميز القلب للتغميز (التمسيد) فوائد جزيلة ظهر بعضها مؤخراً في إحدى مستشفيات إنكلترا ذلك أن شيخاً مريضاً تناول جرعة عظيمة من الكلوروفورم فأصيب بإغماء ووقف تنفسه ونبضه فعمد للحال طبيبان من أطباء المستشفى وشرط أثر المحل الذي يسهل أن يتأثر به القلب وشرعا يغمزانه فلم يمر ستون ثانية حتى أفاق المغمى عليه وأخذ القلب يضرب على عادته فعندها أوقفا التنفس الصناعي ولأما الجرح باحتياط عظيم فشفي المصاب تماماً. ويقول هذان النطاسيان أن التغميز ينفع في الإغماء لا محالة. وشي القنب تفنن اليابان في الصناعات حتى استبدلوا وشي القنب في العهد الأخير بوشي الحرير لأنه طبيعي أكثر من القنب وقد عرضوا منه في كيوتو صورة أسد ولبوة. اخترع هذا لوشي رجل اسمه سوكافارا معروف بتفنيه وأعماله الصناعية. ومتى انتقلت هذه الصناعية إلى الغرب وجد القنب الذي ينبت في غوطة دمشق مصرفاً عظيماً. هوام الغابات في الصحف العلمية أن هامة من الهوام المضرة أخذت تأتي على الغابات الغبياء في آكام داكوتا السوداء. ودا كاتوتا إحدى مقاطعات أميركا الشمالية. فهي تحمل على الأشجار بسرعة حتى أنه يخشى أن يتناول الخراب تلك البقعة برمتها. وقد بذل أصحاب الأملاك ملايين من الدولارات بدون فائدة وقد جعلت إحدى الأندية العلمية جائزة كبرى لمن يدلها على علاج شاف من حملات هذا العدو الهائل. خازنة الكهربائية اخترع أديسون خازنة للقوة الكهربائية أكومولاتور جديدة معمولة من صندوق حديد يحتوي صفائح تتبدل من معدن النيكل والحديد عوضاً عن الرصاص الذي كان يستعمل في الآلة السابقة. ويقدر أن هذه الآلة يقتصد بها ٥٨ في المائة عن الآلة القديمة ويمكن للاتوموبيل أن يسير بهذه الخزانة نحو سبع ساعات أي نحو مائتي كيلومتر دون أن يضطر إلى الإملاء وبقوة دائمة. مدارس الأزياء أنشأ الغربيون مدارس لكل ما يتصوره المرء من الأعمال والصناعات وقد قامت هذه الآونة آنسة من أوانس الأمريكان الشهيرات تهرأ بطريقة القصصين في وصفهم أزياء النساء في قصصهم. قالت أن المرأة لو كانت خارجة الآن من مستشفى المجاذيب أو المجذوبات لما لبست الثياب التي يصفها فيها هؤلاء الكتاب ولذلك ارتأت أن يضاف إلى الصفوف الكثيرة في كلية كولومبيا الخاصة بدارسة فن الصحافة صف يدرس فيه علم الأزياء. والولايات المتحدة تحب أن تفوق الأمم في كل حال وشأن. مثال المدارس كتب أحد أساتذة العلم في أميركا بحثاً في إحدى المجلات العلمية في نيويورك قال فيه أن من أدل الدلائل على ارتقاء التعليم العام في الولايات المتحدة ارتقاء حالة مدرسة تكساس الجامعة التي أسست سنة ١٨٥٨ ولم يكن فيها عشرين سنة إلا ١٩٩ طالباً وفيها الآن ألفا طالب ولها دخل يربو على ١ . ٧٥٠ . ٠٠٠ فرنك. حاضر اليهود كتب أحد كتاب الأمريكان بحثاً تحت هذا العنوان استند فيه إلى أحدث الإحصائيات فكان عدد بني إسرائيل في العالم ٢٢٤ ، ١١٨ ، ١١ نصفهم في روسيا والباقون موزعون بين النمسا وألمانيا ورومانيا وإنكلترا وهولندا وتركيا وفرنسا وإيطاليا وبلغاريا ورومللي الشرقية وسويسرا وبلجيكا واليونان والولايات المتحدة وكندا والأرجنتين وغيرها من جمهوريات أميركا الجنوبية وبعض ممالك آسيا وشمالي إفريقية مثل مراكش والجزائر ومصر وفي هذه منهم ١٠٠ ، ٢١ فقط ولم تعاملهم دولة معاملة رسمية كسائر رعاياها غير النمسا وألمانيا والبلجيك والدانمارك وفرنسا وبريطانيا العظمى ومستعمراتها وإيطاليا وسويسرا والولايات المتحدة أي ٤١ في المائة من مجموعهم. من هذا العدد عشرة في المائة أغنياء و ٣٠ في المائة فقراء وهؤلاء على فقرهم المدقع لا تراهم يسجلون أسماءهم في سائر محاويج الطوائف لأن أولئك الأغنياء يكفونهم مؤونة التكفف على غيرهم. المجلات الإفرنجية والعربية  الخط الياباني أنشأ بعض اليابانيين مجلة تعنى خاصة باستبدال الخط الروماني بالخط الياباني وبعبارة ثانية تدعو إلى طرح الحروف الشرقية القديمة والاستعاضة عنها بالحروف الغربية الحديثة. وفي هذا من الثورة العلمية ما قامت له الأندية العلمية في يابان وقعدت. وأصبح لهذا الفكر أشياع ولكنهم قلائل الآن. تقول المجلة أن استعمال صور الحروف الصينية لا يعتبر إلا بأنه من حب الاتصال مع الماضي كما هو الحال في امتيازات قديمة لم يتوصل بعد إلى نزعها والتخلص منها. وبهذا ترى اليابان أقسمت أو كادت تقسم أن لا تبقي أثراً للتقاليد القديمة التي تعوق سير حضارتها.  تبادل العلم ذكر أحدهم في مجلة المجلات الأميركية الصورة التي سيجري عليها في مبادلة العلم العالي بين كل من أميركا وألمانيا على الطريقة التي عزم على الاعتماد عليها الإمبراطور غليوم الثاني بالاتفاق مع مدرسة كولومبيا الجامعة. قالت أن أساتذة من هذه المدرسة يذهبون إلى كلية برلين ويشغلون منابر أنشئت لهم خاصة ويأتي أساتذة ألمان من كلية برلين يعهد إليهم بالتدريس في صفوف كثيرة من الكليات الأميركية. وغاية هذه الطريقة في مبادلة الأساتذة أن تتبادل ناشئة الأمة الأفكار والغايات ويتذاكروا في المبادئ والمقاصد. والمظنون أن كلاً من إنكلترا وفرنسا لا يلبثان أن ينحوا هذا النحو فتشترك كليات اكسفورد وكامبردج ولندن مع كلية باريس وهناك بشر العلم بالارتقاء الذي لم يسبق له مثيل في تاريخ البشر.  التكافل في الأمراض نشرت إحدى الصحف الباريسية مقالاً في فائدة التكافل الاجتماعي لإيقاف سير السل ومجاهدته قالت أن المسلول أحد منكوبي الوسط الاجتماعي وأن مرضه ينتشر باجتماع الجرثومة مع الأرض فالجرثومة تأتي من المحيط أو الوسط والأرض هي جسم الإنسان وصحته من أصل تركيبه أو أسباب ولادته وارثه وتربيته وسكنه. ولما هدمت في إنكلترا أحياء برمتها وكانت قذرة موبوءة انخفض عدد الوفيات بالسل إلى ٤٥ في المائة على حين يرتفع معدل الوفيات بهذا الداء في فرنسا.  الآلات المنغمة المشرق - عني حضرة الباحث العالم صاحب هذه المجلة بنشر ثلاث مقالات عربية في الآلات المنغمة انتقاها من مجموع عثر عليه في خزانة كتب مدرسة ثلاثة أقمار في بيروت وفيه رسائل في الهندسة والفلك وتحريك الأثقال والموسيقى وغير ذلك من الآثار العلمية من وضع علماء الإسلام أو من تعريبهم وتعريب طائفة المعربين في عهد الحضارة الإسلامية ويرتقي هذا المجموع بحسب رأي الباحث المشار إليه إلى القرن الثاني عشر للمسيح. وهذه الرسائل في معنى واحد لقدماء اليونان استحق كتبة العرب شكر العلماء إذ حفظوها لهم من أيدي الضياع بنقلها إلى لغتهم. أما الرسائل فإحداها عمل الآلة التي اتخذها مورسطس يذهب صوتها ستين ميلاً وكانت هذه الآلة تحمل معهم في الحروب لأن بلادهم كانت كثيرة الأعداء فكانوا إذا احتاجوا أن ينذروا أصحابهم أو يسألوا المدد في الحروب لتأتيهم الخيل والمدد أو ينذروا أهل مدينة الملك وأي النواحي أرادوا نفخوا في هذه الآلة وهي الأرغنن الكبير الملقب بالواسع الفم الجهير الصوت وذلك أن صوته يذهب ستين ميلاً. والثاني صنعة الأرغن الجامع لجميع الأصوات وهو أن يسمعك صوتاً عجيباً يبكي بكاء شديداً ويسمعك صوتاً مرقداً ينيم صاحبه على المكان ويسمعك صوتاً يشجي ويلهي ويسمعك صوتاً يطرب ويرقص ويسمعك صوتاً يسحر ويذهب بالعقل. والثالث صنعة الجلجل الذي إذا حرك خرجت منه أصوات مختلفة شجية غنجة وزعم الحكماء أن هذه الآلة عملها ساطس (كذا) القديم في بلاد مصر العتيقة فلما ضرب بها هرب من ذلك الموضع كل سبع وكل هوام وكل طير حتى هربت مواشيهم ودوابهم وكاد أكثرهم أن يجن فاستعفوا من ذلك. فنصبها على موضع مشرف بعيد من المدينة جداً. وبنى في ذلك الموضع هيكلاً وهو يسمى هيكل زواس أي (المشتري) ذي الحسن واتخذوا له عيداً فكانوا يحركون الجلجل في يوم عيدهم ثم يذبحون ويتقربون.  المجتمع وعلومه المنار - ذكر أن أكمل الجنسيات وأنفعها للبشر ما كانت أعم وأشمل للطوائف والجمعيات المختلفة في النسب والوطن واللغة والدين والحكومة وأن هذه الجنسية هي نهاية ما يمكن وضعه لسعادة البشر كلهم ولكن الناس لما يستعدوا لها تمام الاستعداد وقد وجدت في الجملة على عهد الخلفاء الراشدين وأن جنسية النسب مزقت الشمل ولولا جنسية اللغة والوطن ما ترفق المسلمون إلى ممالك وقد حاول الإسلام القضاء على عصبية الجنس واللغة والوطن فغيرت بعد. ومن رأيه أن يكون العمل الواجب دائراً على أقطاب هذه المسائل الكلية ( ١ ) كون تعليم الدين مؤيداً للعقائد دافعاً للشبهات الرائجة في هذا العصر ( ٢ ) كون تعليم التاريخ وعلم الاجتماع والأخلاق والآداب مؤلفاً للرابطة الملية بين شعوب المسلمين وعناصرهم المختلفة ( ٣ ) تعليم العبادات مع بيان حكمها وفوائدها في تزكية النفس وتعليم أحكام المعاملات مع بيان انطباقها على مصالح البشر ومنافعهم في هذا الزمان ( ٤ ) تعليم العلوم الرياضية والطبيعية بقصد ترقية النفوس ومجموع الأمة بالأعمال الصناعية ( ٥ ) إحياء اللغة العربية بإلزام المتعلمين التحاور بها استبدالها لها باللغة العامية وبتعليمهم البلاغة في القول والكتابة ليكونوا كتاباً بارعين وخطباء مؤثرين ( ٦ ) تعليم الصنائع التي يمكن العمل بها في البلاد وفنون التجارة ( ٧ ) الجمع بين التعليم وبين التربية العملية في المدارس ( ٨ ) جعل مدار التعليم والتربية على استقلال الفكر واستقلال الإرادة والاستقلال في العمل الذي يعبرون عنه بالاعتماد على النفس. طبيب وأديب فقدت مصر في العهد الأخير رجلين حري بتاريخ العلم والأدب أن يدون ترجمتيهما في صفحاته وأعني بهما الدكتور حسن باشا محمود وإبراهيم بك المويلحي. الأول عالم والثاني كاتب أو طبيب وأديب. ولد الأول في مصر سنة ١٨٤٧ م على ما نقل أحد أنجاله ووالده من العرب النازلين في جوار الأهرام ولما ترعرع ظهرت عليه آثار النجابة فدخل القصر العيني ونال شهادته الطبية ثم بعثت به الحكومة المصرية إلى ألمانيا فقضى فيها سنتين ثم انتقل إلى باريس وأحكم الطب علماً وعملاً حتى إذا عاد إلى القطر عين في وظائف مهمة مثل نظارة القصر العيني وطبيب الأمير طوسون باشا وطبيب الخديوي إسماعيل وابنه توفيق ومفتش الصحة العامة. وانتدبته الحكومة في عدة مهمات نائباً عنها في المؤتمرات الطبية الدولية ورأس الجمعيات الطبية في مصر مرات وكان عضواً في عدة جمعيات طبية وعضواً في المجمع العلمي بمصر. وكان على وفرة مشاغله كبير العناية بالتأليف والتعريب حريصاً على الاستفادة والإفادة أميل في أعماله إلى الجد على ما يظهر من تآليفه محبباً إلى الناس. كتب رسائل وكتباً طبية كثيرة نشر بعضها على حدة وبعضها في المجلات. وأهم كتبه الخلاصة الطبية في الأمراض الباطنية وهو كتاب لطيف الأسلوب والوضع سهل المأخذ ومنها رسالة في الهيضة وأخرى نبذة في مدرسة الطب المصرية ورسالة في خلع المعصم وكتاب في داء الفقاع وكتاب في الاستكشاف العصري في الرمد المصري وكتاب الفوائد الطبية في الأمراض الجلدية ورسالة في منافع مياه حلون ومختصر في البواسير ومعالجتها وطريقة التمدد ورسالة في حمى الدنج ورسالة في داء الطاعون البقري الساري ورسالة في وباء الهيضة وغير ذلك وظل يكتب إلى آخر أيامه ولا يستنكف من نشر ما يكتبه في المجلات تعميماً للفائدة. أما إبراهيم بك المويلحي فقد ولد في أوائل سنة ١٢٦٢ هـ وهو من بيت معروف بالغنى والوجاهة اضطرته الأحوال بعد أن خسر ماله في المضاربات أن يستخدم في الوظائف على عهد الخديوي إسماعيل وكان يحبه ويأتمنه ويحسن إليه وقد قضى معه عشر سنين في نابولي كاتماً لأسراره وقضى نحو هذا الزمن في الأستانة. والذي يهمنا من أمره أنه كان من أعظم النوابغ في الإنشاء. وقد أكد لنا من نثق بذوقه في البلاغة وعلو الكعب في الاطلاع على أسرار العربية وآدابها أن المويلحي في عصره كالجاحظ في عصره. ولا غرو فقد تأدب الفقيد بكتبه وكان يحرص على دراستها والاستئثار بدررها ليله ونهاره. كتب المترجم به عن الأمراء كتباً كثيرة ومقالات بحسب الحاجة والدواعي وتلون السياسة ومذاهبها كما كتب عدة جرائد منذ أول نشأته وآخرها مصباح الشرق ولو دام المصباح على لطافة أسلوبه وجودة ألفاظه وتراكيبه سنين كثيرة لكان من أهم البواعث على ارتقاء ملكة البيان العربي ولصار العامة ممن يتوفرون على مطالعته اليوم أرقى لهجات من الخاصة منذ قرون. وبهذا عرفت أن طريقة المويلحي في الإنشاء طريقة السهل الممتنع ساعده على الإجادة فيها أنه لم يكن يكتب إلا في المسائل التي له وقوف على أطرافها ليكون رأساً في معانيه كما هو رأس في مبانيه. وكان مطلعاً كل الاطلاع على أحوال مصر والأستانة رعافاً تاريخ رجالهما بحيث كانت هذه المواد له على خفة روحه ورشاقة قلمه مادة واسعة ليكتب على الطريقة الهزلية المعروفة عند الإفرنج بالاوميريستيك على أن معظم ما كان يكتبه يمتزج فيه الهزل بالجد. كان مجلسه عامراً بالفوائد الأدبية والتاريخية والاجتماعية نادرة النوادر في نكاته آية في الاطلاع على الدخائل. استفاد أشياعه من لسانه أكثر من استفادتهم من قلمه. ولو وجد مجالاً للعمل النافع وقدر أمراء هذه الديار وكبارها أن يحسنوا الانتفاع بمواهبه كما ينتفع الملوك والأمراء بنوابغ بلادهم في العادة لأشبه المويلحي بسمرك وكرسبي وغيرهما من رجال السياسة في هذا القرن ولما رغب في صرف الوقت في الجزيئات ولانصرف عنها إلى الكليات لا محالة. انتقاد المقتبس تتابعت كتب التقريظ والانتقاد علينا وها نحن نلخصها فيما يلي مكتفين بما ورد فيها من ضروب النقد. وفي مأمولنا أن نصلح ما يمكن إصلاحه من وضع هذه الصحيفة وموضوعاتها على الزمن حتى يجيء منها ما يفيد ويروق بعون الله وتسديده. ورجاؤنا إلى من يأتوا العلم الرجيح ورزقوا ملكة النقد الصحيح أن يقبسوا المقتبس من أنوارهم كلما عن لهم ذلك. ورحم الله من أهدى إلى عيوبي. ولقد اختلفت آراء المفكرين والعالمين فمن قائل باختصار مقالات المقتبس ومن قائل بإشباعها وتوفية كل مبحث حقه من الشرح. كما اختلفت المذاهب في أسلوب إنشائه فمن قائل أنه يصعب فهمه على غير المتعلمين أو دون الرجوع إلى المعاجم كما قال بعضهم ومن مصرح أن لغة المجلات ينبغي لها على كل حال أن تكون أرقى من لغة الجرائد لأن قراءها من الخاصة أو ممن يدانيهم ويرى الفريق الأول أنه لا بأس باستعمال ما استعمله العرب من التراكيب أيضاً ويرده بعضهم ويفنده. واعترض بعضهم على استعمال الإشارات الجديدة مثل،؟. وغيرها قائلين أن ذلك لا يجدر إلا بكتب الأطفال والنساء واستحسنها بعضهم وأراد الإكثار منها للإفهام. ورأى بعض العلماء ضبط الكلمات المبهمة. وآخذنا أحد العلماء على كوننا لم ننسب ارتقاء الصحافة العربية للشيخ محمد عبده أيام كان يحرر الوقائع المصرية ويدير المطبوعات ويحتم على الصحف أن تلتزم تصحيح عباراتها أو توقف. كما عاتبنا بعضهم على أننا لم نذكر المعلم بطرس البستاني في عداد من نهضوا بالصحافة. واستنسب بعضهم نشر رواية في كل جزء لأنه يتوقف عليها لفت أنظار أكثر القراء وصرح عالم بأن الروايات لا يليق نشرها في المجلات العلمية التي تتوخى الجد والفائدة. وانتقدت مجلة الشتاء الغراء اطراد المقتبس في أسلوبه الإنشائي الجد البحت وإرادته على استعمال الهزل الأدبي وقالت أن نكات الوهراني والتعاويذي لا تقوم مقام النكتة الخفيفة وآخذته على تجاوزه الحد في الإيجاز في تلخيص مقالات الجرائد العربية وعلى ما سرى إليه من الغلط من أن سليم النقاش عم مارون النقاش هو الذي أتى بالتمثيل إلى مصر. ولم تر مجلة الشتاء حكم ابن حزم جديرة بالإيثار قالت ولو كانت من مأثور الكلام لأبقاها ناموس بقاء الأنسب في ذاكرة أهل العلم. ونقدت على المقتبس إهماله ذكر العادات الذميمة ونقائص المجتمع صراحة أو تعريضاً وإطلاقه العنان لأمثال التناسل الغريب الخ. وكتب إلينا أحد علماء دمشق يقول: استغرب المحققون ذكرك قصة المتنبي في باب التناسل الغريب إذ لم يعلم أن للمتنبي أكثر من ولد أو ولدين على شهرة أحواله فإما بيان المأخذ وإما إصلاح الغلط. وإذا قرأت ترجمته إلى آخرها في ابن خلكان يتضح لك ذلك بأجلى برهان. ثم أن مجلتك لا يليق بها أن تعدل عن جادة الجد وخلو الغرض وقتاً من الأوقات فاستعمالك لألفاظ يستشم من خلالها ريح التعريض والاستهزاء غير جائز مثل الفقاقيع الفارغة وما ذكرته في وصف الشعراء المحدثين عند بحثك عن دواء الأرق. ويا حبذا لو ضربت صفحاً عن نفاضة الجراب وإن راقت الأكثرين لأن الغاية تعليم وتهذيب وترقية عقل. قيل للإمام علي كرم الله وجهه لو غيرت شيبك يا أمير المؤمنين فقال: الخضاب زينة ونحن قوم في مصيبة. وكذلك نحن الآن في دور جد وعمل لا دور هزل وفكاهة. . . وصحح لنا عالم اجتماعي ف بدمشق بعض أغلاط فقال: جاء في الصحيفة ٧٤ أمطرت رماداً فانكشفت للحال مدينتان رومانيتان كانت مدفونتين والصواب أن يقال فتغطت للحال مدينتان رومانيتان كانتا مكشوفتين لأن البركان غطى حينئذ المدينتين بالحمم والرماد ولم تكشفا إلا من عهد قريب. ومنها ما جاء في الصحيفة ٨٠ خلقوا أولادكم بغير أخلاقكم والصواب لا تكرهوا أولادكم على التخلق بأخلاقكم الخ. ومنها في صحيفة ٧٨ الإنجيل والمكاتبات والنصارى يقولون الإنجيل والرسائل. ومنها في صحيفة ١١٠ التحبيز والصواب التمييز. ونختم هذا الفصل بقطعة من رسالة لصديقنا الأمير شكيب أرسلان قصد فيها الدعابة الأدبية واعدين أن تلم في فرصة أخرى بما تجود به قرائح المفكرين من نقد هفواتنا قال الأمير سامحه الله: وآنست في نفسك انشراحاً ونشاطاً، وقلة في كمية السوداء وانحطاطاً، يدل على ذلك في مجلتك فكاهات رويتها، ومداعبات أثرتها، وأسجاع ملت إليها، متى كنت يا محمد مولعاً بالسجع عهدي بك لا تطيقه وإذا مررت بالجناس ولو تمثل لك واقفاً رفسته برجلك وأكببته لوجهه. وطالما نقمت علينا التسجيع، وأقمت علينا من النكير بعدد أنواع البديع، وعددت سجع الحمام، من قبل فجع الحمام، واعتبرت نفائس الجناس، من وساوس الخناس، فها أنا ذا أسجع الآن ولا حرج علي منك ولا تثريب، وأجنس وأنت ساكت ساكن وهذا أمر غريب، فهل هداك الله إلى الصواب الآن حتى صرت في مذاهب المذاهب وطرق الطرق أو هل نزغت بك نزغات جداد، وجدت بك أهواء لم تكن تعتاد، أو لعلك حصرت السجع والجناس في فاتحة المجلة لأنها من المجلة كقاعة الاستقبال من البيت فلا يد فيها من مراعاة الأمور الرسمية والسجع رسمي في المقدمات. . ولا عيب في هذه المقدمة إلا هذا السعدان الذي في آخرها. لا تؤاخذني بالله عليك لي عندك ثارات، وبصدري من حماطة الجلجلان حزازات، وأنت منصف فلا ينبغي أن يثقل عليك الحق كما يثقل على غيرك. . . أما ما استعظمت من روايات التناسل حتى تجاوزت الحد في الاحتراز في نقله فليس بتلك الدرجة فإن الأمثال كثيرة والمرحوم الحاج حسن عبد الله من خيام مرجعيون وعسى أن لا أكون شرقياً في كثرة الأرقام كان له من الولد وولد الولد ما يربو على التسعين وهو والد محمد أفندي الحاج حسن الشاعر الأديب. أما نصائح ابن حزم فقد ذكرتني بحكم ابن المقفع وإن كان لا ينكر أن هذا أعلى طبقة في الكتابة وأما نكات الوهراني فلا بأس بها لكن يا أخي سألت الله لمجلتك أن يدفع عنها آفات التطويل والتكرار، وأنت لم تقصر في تكرار ذكر الشعير مع الأشعار، ففي كتاب الوهراني الذي يخشى من وهر لسانه طلب للشعير مطول برسم البغلة وفي قصيدة التعاويذي أعاذنا الله من مثله كلام عن الشعير لأجل الفرس فهذا كثير على الشعير. . .</passage>
<license>Distributed under a Creative Commons Attribution-ShareAlike 4.0 International (CC BY-SA 4.0) license</license>
<source>https://github.com/tillgrallert/digital-muqtabas/blob/master/xml/oclc_4770057679-i_3.TEIP5.xml retrieved via Canonical Text Service http://cts.informatik.uni-leipzig.de/muqtabas/cts/ with CTS URN urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.3.TEIP5:</source>
</reply>
</GetPassage>
