<?xml version="1.0" encoding="UTF-8"?><GetPassage xmlns="http://relaxng.org/ns/structure/1.0" xmlns:a="http://relaxng.org/ns/compatibility/annotations/1.0" xmlns:tei="http://www.tei-c.org/ns/1.0">
<request>
<requestName>GetPassage</requestName>
<requestUrn>urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.28.TEIP5:</requestUrn>
</request>
<reply>
<urn>urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.28.TEIP5:</urn>
<passage>رسالة ابن المقفع في الصحابة أما بعد أصلح الله أمير المؤمنين وأتم عليه النعمة وألبسه المعافاة والرحمة فإن أمير المؤمنين حفظه الله يجمع مع علمه المسألة والاستماع كما كان ولاة الشر يجمعون مع جهلهم العجب والاستغناء ويستوثق لنفسه بالحجة ويتخذها على رعيته فيما يلطف له في الفحص عن أمورهم كما كان أولئك يكتفون بالدعة ويرضون بدحوض الحجة وانقطاع العذر في الامتناع أن يجترئ عليهم أحد برأي أو خبر مع تسليط الديان. وقد عصم الله أمير المؤمنين حين أهلك عدوه وشفى غليله ومكن له في الأرض وآتاه ملكه وخزائنها من أن يشغل نفسه بالتمتع والتفتيش والتأثل والإخلاد وأن يرضا ممن آوى بالمتاع به وقضاء حاجة النفسي منه وأكرم الله أمير المؤمنين باستهانة ذلك واستصغاره إياه وذلك من أبين علامات السعادة وأنجح الأعوان على الخير وقد قص الله عز وجل علينا من نبأ يوسف بن يعقوب أنه لما تمت نعمة الله عليه وآتاه الملك وعلمه من تأويل الأحاديث وجمع له شمله وأقر عينه بأبويه وأخوته أثنى على الله عز وجل بنعمته ثم سلا عما كان فيه وعرف أن الموت وما بعده هو أولى فقال: توفني مسلماً وألحقني بالصالحين. وفي الذي قد عرفنا من طريقة أمير المؤمنين ما يشجع ذا الرأي على تناوله بالخبرة فيما ظن أنه لم يسبغه إياه غيره وبالتذكير بما قد انتهى إليه ولا يزيد صاحب الرأي على أن يكون مخبراً ومذكراً. وكلٌّ عند أمير المؤمنين مقبول إن شاء الله. مع أن مما يزيد ذوي الألباب نشاطاً إلى إعمال ذوي الرأي فيما يصلح الله به الأمة من يومها أو غابر دهرها الذي أصبحوا قد طمعوا فيه ولعل ذلك أن يكون على يدي أمير المؤمنين فإن مع الطمع الجد ومع اليأس القنوط وقلما ضعف الرجاء إلا ذهب الرخاء. وطلب المويس عجز وطلب الطامع حزم. ولم ندرك الناس نحن وآباؤنا إلا وهم يرون فيها خلاً لا يقطع الرأي ويمسك بالأفواه من حال والٍ لم يهمه الإصلاح أو أهمه ذلك ولم يثق فيه بفضل رأي أو كان ذا رأي ليس مع رأيه صون بصرامة أو حزم أو كان ذلك استئثاراً منه على الناس بنشب أو قلة تقدم لما يجمع أو يقسم لو حال أعوان ينيل بهم الولاة ليسوا على الخير بأعوان وليس له إلى اقتلاعهم سبيل لمكانهم من الأمر ومخافة الدول والفساد إن هو هاجهم أو انتقص ما في أيديهم أو حال رعية متزرة ليس لها من أمرها النصف في نفسها فإن أُخذت بالشدة حميت وإن أُخذت باللين طغت. وكل هذه الخلائق قد طهر الله منها أمير المؤمنين فآتاه الله ما آتاه في نيته ومقدرته وعزمه ثم لم يزل يرى ذلك من الناس حتى عرفه منه جهالهم فضلاً عن علمائهم. وصنع الله لأمير المؤمنين في رأيه وأتباعه مرضاته وأذل الله لأمير المؤمنين رعيته بما جمع له من اللين والعفو فإن لان لأحد منهم ففي الأثخان له شهيد على أن ذلك ليس بضعف ولا مصانعة وإن اشتد على أحد منهم ففي العفو شهيد على أن ذلك ليس بعنف ولا خرق مع أمور سوى ذلك يكفُّ عن ذكرها كراهة أن يكون كأنا نصبنا المدح. فما أخلق هذه الأشياء أن تكون عتاداً لكل جسيم من الخير في الدنيا والآخرة واليوم والغد والخاصة والعامة. وما أرجانا لأن يكون أمير المؤمنين بما أصلح الله الأمة من بعده أشد اهتماماً من بعض الولاة بما لا يصلح رعيته في سلطانه وما أشد ما قد استبان لنا أمير المؤمنين أطول بأمر الأمة عناية ولها نظراً وتقديراً من الرجل منا بخاصة أهله ففي دون هذا ما يثبت الأمل وينشط العمل ولا قوة إلا بالله ولله الحمد وعلى الله التمام. فمن الأمور التي يذكر بها أمير المؤمنين أمتع الله به أمر هذا الجند من أهل خراسان فإنهم جند لم يدرك مثلهم في الإسلام وفيهم منعة بما يتم فضلهم إن شاء الله. أما هم فأهل بصر بالطاعة وفضل عند الناس وعفاف نفوس وفروج وكف عن الفساد وذل للولاة فهذه حال لا نعلمها توجد عند أحد غيرهم. وأما ما يحتاجون فيه إلى المنعة من ذلك تقويم أيديهم ورأيهم وكلامهم فإن في ذلك اليوم اختلاطاً من رأسي مفرط غال وتابع متحير شالٍ. ومن كان إنما يصول على الناس بقوم لا يعرف منهم الموافقة في الرأي والقول والسيرة فهو كراكب الأسد الذي يوجل من رآه والراكب أشد وجلاً. فلو أن أمير المؤمنين كتب لهم أماناً معروفاً بليغاً وجيزاً محيطاً بكل شيء يجب أن يقول فيه ويكفوا عنه بالغاً في الحجة قاصراً عن الغلو يحفظه رؤساؤهم حتى يقود به دهماءهم ويتعهد به منهم من لا يؤبه له من عرض الناس لكان ذلك إن شاء الله لرأيهم صلاحاً وعلى من سواهم حجة وعند الله عذراً. فإن كثيراً من المتكلمين من قواد أمير المؤمنين اليوم إنما عامة كلامهم فيما يؤمر الأمر ويرغم الرغم أن أمير المؤمنين لو أمر الجبال أن تسير سارت ولو أمر أن تستدبر القبلة بالصلاة فعل ذلك وهذا كلام قلما (يرتضيه) من كان مخالفاً وقلما يرد في سمع السامع إلا أحدث في قلبه ريبة وشكاً. والذي يقول أهل القصد من المسلمين هو أقوى للأمر وأعز للسلطان وأقمع للمخالف وأرضا للموافق وأثبت للعذر عند الله عز وجل. فإنا قد سمعنا فريقاً من الناس يقولون لا طاعة للمخلوق في معصية الخالق. بنوا قولهم هذا بناءً معوجاً فقالوا إن أمرنا الإمام بمعصية الله فهو أهل أن يعصى وإن أمرنا الإمام بطاعة الله فهو أهل أن يطاع. فإذا كان الإمام يعصى في المعصية وكان غير الإمام يطاع في الطاعة فالإمام ومن سواه على حق الطاعة سواء. وهذا قول معلوم يجده السلطان ذريعة إلى الطاعة والذي فيه أمنيته لئلا يكون للناس نظائر ولا يقوم بأمرهم إمام ولا يكون على عدوهم منهم ثقل. سمعنا آخرين يقولون بل نطيع الأئمة في كل أمورنا ولا نفتش عن طاعة الله ولا معصيته ولا يكون أحد منا عليه حسيباً هم ولاة الأمر وأهل العلم ونحن الأتباع وعلينا الطاعة والتسليم. وليس هذا القول بأقل ضرراً من توهين السلطان وتهجين الطاعة من القول بالذي قبله لأنه ينتهي إلى الفظيع المتفاحش من الأمر في استحلال معصية الله جهاراً صراحاً. وقال أهل الفضل والصواب: قد أصاب الذين قالوا: لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ولم يصيبوا في تعطليهم طاعة الأئمة وتسخيفهم إياها وأصاب الذين أقروا بطاعة الأئمة لما حققوا منها ولم يصيبوا ما أبهموا من ذلك في الأمور كلها فأما إقرارنا فإنه لا يطاع الإمام في معصية الله فإنما ذلك في عزائم الفرائض والحدود التي لم يجعل الله لأحد عليها سلطاناً. ولو أن الإمام نهى عن الصلاة والصيام والحج أو منع الحدود وأباح ما حرم الله لم يكن له في ذلك أمراً. فأما إثباتنا للإمام الطاعة فيما لا يطاع فيه غيره فإن ذلك في الرأي والتدبير والأمر الذي جعل الله أزمته وعراه بأيدي الأئمة ليس لأحد فيه أمر ولا طاعة من الغزو والقفول والجمع والقسم والاستعمال والترك والحكم بالرأي فيما لم يكن فيه أثر وإمضاء الحدود والأحكام على الكتاب والسنة ومحاربة العدو ومخادعته والأخذ للمسلمين والإعطاء عليهم. وهذه الأمور وأشباهها من طاعة الله عز وجل الواجبة وليس لأحد من الناس فيها حق إلا الإمام ومن عصى الإمام أو خذله فقد أوتغ نفسه. وليس يفترق هذان الأمران إلا ببرهان من الله عز وجل عظيم. وذلك أن الله جعل قوام الناس وصلاح معاشهم ومعادهم في خلتين الدين والعقل. ولم تكن عقولهم وإن كانت نعمة الله عز وجل عظمت عليهم فيها بالغة معرفة الهدى ولا مبلغة أهلها رضوان الله إلا ما أكمل لهم من النعمة بالدين الذي شرع لهم وشرح به صدر من أراد هداه منهم ثم لو أن الدين جاء من الله لم يغادر حرفاً من الأحكام والرأي والأمر وجميع ما هو وارد على الناس وجار فيهم مذ بعث الله رسوله صلى الله عليه وسلم إلى يوم يلقونه إلا جاء فيه بعزيمة لكانوا قد كلفوا غير وسعهم فضيق عليهم في دينهم وآتاهم ما لم تسمع أسماعهم لاستماعه ولا قلوبهم لفهمه ولحارت عقولهم وألبابهم التي امتن الله بها عليهم ولكانت لغواً لا يحتاجون إليها في شيء ولا يعلمونها إلا في أمر قد أتاهم به تنزيل ولكن الله من عليهم بدينهم الذي لم يكن يسعه رأيهم كما قال عباد الله المتقون: ما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله. ثم جعل ما سوى ذلك من الأمر والتدبير إلى الرأي وجعل الرأي إلى ولاة الأمر ليس للناس في ذلك الأمر شيءٌ إلا الإشارة عند المشورة والإجابة عند الدعوة والنصيحة بظهر الغيب. ولا يستحق الوالي هذه الطاعة إلا بإقامة العزائم والسنن مما هو معني في معنى ذلك. ثم ليس من وجوه القول وحده يلتمس فيه ملتمس إثبات فضل أهل بيت أمير المؤمنين على أهل بين (من سواه) وغير ذلك مما يحتاج الناس إلى ذكره ألا وهو موجود فيه من الكلام الفاضل المعروف مما هو أبلغ مما يغلو به الغالون فإن الحجة ثابتة والأمر واضح بحمد الله ونعمته. ومما ينظر فيه لصلاح هذا الجند ألا يولي أحدا منهم شيئاً من الخراج فإن ولاية الخراج مفسدة للمقاتلة. ولم يزل الناس يتحامون ذلك منهم وينحونه عنهم لأنهم أهل ذاك ودعوى بلاء وإذا خلا بالدراهم والدنانير اجترأ عليهما وإذا وقع في الخيانة صار كل أمر مدخولاً بنصيحته وطاعته فإن حيل بينه وبين رفعته أمرضته الحمية مع أن ولاية الخراج داعية إلى ذلة وعقوبة وهوان. وإنما منزلة المقاتل منزلة الكرامة واللطف. ومما ينظر فيه من أمرهم أن منهم من المجهولين من هو أفضل من بعض قادتهم فلو التمسوا وصنعوا كانوا عدة وقوة وكان ذلك صلاحاً لمن فوقهم من القادة ومن دونهم من العامة. ومن ذلك تعهد أدبهم في تعليم الكتاب والتفقه في السنة والأمانة والعصمة والمباينة لأهل الهوى وأن يظهر فيهم من القصد والتواضع واجتناب زي المترفين وشكلهم مثل الذي يأخذ به أمير المؤمنين في أمر نفسه. ولا يزال يطلع من أمير المؤمنين ويخرج منه القول ما يعرف مقته للإتراف والإسراف وأهلهما ومحبته القصد والتواضع ومن أخذ بهما حتى يعلموا أن معروف أمير المؤمنين محظور عمن يكنزه بخلاً أن ينفقه سرفاً في العطر واللباس والمغالات بالنساء والمراتب فإن أمير المؤمنين يؤثر بالمعروف من وجهه المعروف والمؤاساة. ومن ذلك أمر أرزاقهم من يوقت لهم أمير المؤمنين فيها وقتاً يعرفونه في كل ثلاثة أشهر أو أربعة أو ما بدا له وأن يعلم عامتهم العذر الذي في ذلك من إقامة ديوانهم وتحمل أسمائهم ويعلموا الوقت الذي يأخذون فيه فينقطع الاستبطاء والشكوى. فإن الكلمة الواحدة تخرج من أحدهم في ذلك أهل أن تستعظم فإن باب ذلك جدير أن يحسم مع أن أمير المؤمنين قد علم كثرة أرزاقهم وكثرة المال الذي يخرج لهم وأن هذا الخراج إن يكن رائجاً لغلاء السعر فإنه لا بد من الكساد والكسروان وأن لكل شيء درة وغزارة وإنما درور خراج العراق بارتفاع الأسعار وإنما يحتاج الجند اليوم إلى ما يحتاجون إليه من كثرة الرزق لغلاء السعر فمن حسن التقدير إن شاء الله أن لا يدخل على الأرض ضرر ولا بيت المال نقصان من قبل الرحمن إلا دخل ذلك عليهم في أرزاقهم مع أنه ليس عليهم في ذلك نقصان لأنهم يشترون بالقليل مثل ما كانوا يشترون بالكثير. فأقول لو أن أمير المؤمنين ما خلا شيئاً من الرزق فيجعل بعضه طعاماً ويجعل بعضه علفاً فأعطوه بأعيانهم فإن قومت لهم قيمة فخرج ما خرج على حسابه قيمة الطعام والعلف لم يكن في أرزاقهم لذلك نقصان عاجل يستنكرونه وكان ذلك. . نزالهم لحمل العدو وإنصاف بيت المال من أنفسهم فيما يستبطئون مع أنه إن زاد السعر أخذوا بحصتهم من فضل ذلك. ومن جماع الأمر وقوامه بإذن الله أن لا يخفى على أمير المؤمنين شيء من أخبارهم وحالاتهم وباطن أمرهم بخراسان والعسكر والأطراف وأن يحتقر في ذلك النفقة ولا يستعين فيه إلا بالثقات النصاح فإن ترك ذلك وأشباهه أحزم بتاركه من الاستعانة فيه بغير الثقة فتصير جُنة للجهالة والكذب. ومما يذكر به أمير المؤمنين أمتع الله به أمر هذين المصرين فإنهم بعد أهل خراسان أقرب الناس إلى أن يكونوا شيعته ومعينيه مع اختلاطهم بأهل خراسان وأنهم منهم وهامتهم وإنما ينظر أمير المؤمنين منهم. . صدق ولرابطتهم أو ما أراد من أمورهم معرفته استثقال أهل خراسان ذلك لهم من أمر مع الذي في ذلك من جمال الأمر واختلاط الناس بالناس العرب بالعجم وأهل خراسان بالمصرين. إن في أهل العراق يا أمير المؤمنين من الفقه والعفاف والألباب والألسنة شيئاً لا يكاد يشك أنه ليس في جميع من سواهم من أهل القبلة مثله ولا مثل نصفه فلو أراد أمير المؤمنين أن يكتفي بهم في جميع ما يلتمس له أهل الطبقة من الناس رجونا أن يكون ذلك فيهم موجوداً. وقد أزرى بأهل العراق في تلك الطبقة أن ولاة العراق فيما مضى كانوا أشرا الولاة وأن أعوانهم من أهل أمصارهم (كذلك) فحمل جميع أهل العراق على ما ظهر من أولئك الفسول وتعلق بذلك أعداؤهم من أهل الشام فنعوه عليهم ثم كانت هذه الدولة فلم يتعلق من دونكم من الوزراء والعمال إلا بالأقرب فالأقرب مما دنا منهم أو وجدوه بسبيل شيء من الأمر فوقع رجال مواقع شائنة لجميع أهل العراق حيث ما وقعوا في صحابة خليفة أو ولاية عمل أو موضع أمانة أو موطن جهاد وكان من رأي أهل الفضل أن يقصدوا حتى يلتمسوا فأبطأ ذلك بهم أن يُعرفوا وينتفع بهم وإن كان صاحب السلطان لمن لم يعرف الناس قبل أن يليهم ثم لم يزل يسأل عنهم من يعرفهم ولم يستثبت في استقصائهم فزالت الأمور عن مراكزها ونزلت الرجال عن منازلها لأن الناس لا يلقونه إلا متصنعين بأحسن ما يقدرون عليه من الصمت والكلام غير أن أهل النقص هم أشد تصنعاً وأحلى السنة وأرفق تلطفاً للوزراء أو تمحلاً لأن يثني عليهم من وراء وراء. فإذا آثر الوالي أن يستخلص رجلاً واحداً ممن ليس لذلك أهلاً دعا إلى نفسه جميع ذلك الشرح وطمعوا فيه واجترأوا عليه وتوردوه وزحموا على ما عنده وإذا رأى ذلك أهل الفضل كفوا عنه وباعدوا منه وكرهوا أن يروا في غير موضعهم أو يزاحموا غير نظرائهم. ومما ينظر أمير المؤمنين فيه من أمر هذين المصرين وغيرهما من الأمصار والنواحي اختلاف هذه الأحكام المتناقضة التي قد بلغ حد اختلافها أمراً عظيماً في الدماء والفروج والأموال فيستحل الدم والفرج بالحيرة وهما يحرمان بالكون. ويكون مثل ذلك الاختلاف في جوف الكوفة فيستحل في ناحية منها ما يحرم في ناحية أخرى غير أنه على كثرة ألوانه نافذ على المسلمين في دمائهم وحرمهم يقضي به قضاة جائز أمرهم وحكمهم مع أنه ليس مما ينظر في ذلك من أهل العراق وأهل الحجاز فريق إلا قد لجّ بهم العجب بما في أيديهم والاستخفاف ممن سواهم فأقحمهم ذلك في الأمور التي يشفع بها من سمعها من ذوي الألباب. أما من يدعي لزوم السنة منهم فيجعل ما ليس له سنة سنة حتى يبلغ ذلك به إلى أن يسفك الدم بغير بينة ولا حجة الأمر الذي يزعم أنه سنة وإذا سئل عن ذلك لم يستطع أن يقول هُريق فيه دم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأئمة الهدى من بعده. وإذا قيل له أي دم سفك على هذه السنة التي تزعمون قالوا: فعل ذلك عبد الملك بن مروان أو أمير من بعض أولئك الأمراء وإنما من يأخذ بالرأي فيبلغ به الاعتزام عن رأيه أن يقول في الأمر الجسيم من أمر المسلمين قولاً لا يوافقه عليه أحد من المسلمين ثم لا يستوحش لانفراده بذلك وإمضائه الحكم عليه وهو مقر أنه رأي منه لا يحتج بكتاب ولا سنة. فلو رأى أمير المؤمنين أن يأمر بهذه القضية والسير المختلفة فترفع إليه كتاب ويرفع معها ما يحتج به كل قوم من سنة أو قياس ثم نظر أمير المؤمنين في ذلك وأمضى في كل قضية رأيه الذي يلهمه الله ويعزم له عليه وينهى عن القضاء بخلافه وكتب بذلك كتاباً جامعاً عزماً لرجونا أن يجعل الله هذه الأحكام المختلطة الصواب بالخطأ حكماً صواباً واحداً ورجونا أن يكون اجتماع السير قربة لإجماع الأمر برأي أمير المؤمنين وعلى لسانه ثم يكون ذلك من إمام آخر، آخر الدهر إن شاء الله. فأما اختلاف الأحكام إما شيءٌ مأثور عن السلف غير مجمع عليه يدبره قوم على وجه ويدبره آخرون على وجه آخر فينظر فيه إلى أحق الفريقين بالتصديق وأشبه الأمرين بالعدل. وأما رأي أجراه أهله على القياس فاختلف وانتشر ما يغلط في أصل المقايسة وابتدأ أمر على غير مثاله. وإما لطول ملازمته القياس فإن من أراد أن يلزم القياس ولا يفارقه أبداً في أمر الدين والحكم وقع في الورطات ومضى على الشبهات وغمض على القبيح الذي يعرفه ويبصره فأبى أن يتركه كراهة ترك القياس. وإنما القياس دليل يستدل به على المحاسن فإذا كان ما يقود إليه حسناً معروفاً أُخذ به وإذا قاد إلى القبيح المستنكر ترك لأن المبتغى ليس غير القياس يبغي ولكن محاسن الأمور ومعروفها وما ألحق ألحق بأهله. ولو أن شيئاً مستقيماً على الناس ومنقاداًَ حيث قيد لكان الصدق هو ذلك أولى أن يعتبر بالمقايس فإنه لو أرد أن يقوده الصدق لم ينقد إليه. وذلك أن رجلاً لو قال: أتأمرني أن أصدق فلا أكذب كذبة أبداً لكان جوابه أن يقول نعم ثم لو التمس منه قود ذلك فقال: أتصدق في كذا وكذاب حتى يبلغ به أن يقول الصدق في رجل هارب استدلني عليه طالب ليظلمه فيقتله لكسر عليه قياده وكان الرأي له أن يترك ذلك وينصرف إلى المجمع عليه المعروف المستحسن. ومما يذكر به أمير المؤمنين أهل الشام فإنهم أشد الناس مؤونة وأخوفهم عداوة وبائقة. وليس يؤاخذهم أمير المؤمنين بالعداوة ولا يطمع منهم في الاستجماع على المودة فمن الرأي في أمرهم أن يختص أمير المؤمنين منهم خاصة ممن يرجو عنده صلاحاً أو يعرف منه نصيحة أو وفاءً فإن أولئك لا يلبثون أن ينفصلوا عن أصحابهم في الرأي والهوى ويدخلوا فيما حملوا عليه من أمرهم فقد رأينا أشباه أولئك من أهل العراق الذين استدخلهم أهل الشام وليس أحد من أمر أهل السلم على القصاص حرموا كما كانوا يحرمون الناس وجعل فيئهم إلى غيرهم كما كان فيء غيرهم إليهم ونحوا عن المنابر والمجالس والأعمال كما كانوا ينحون عن ذلك من لا يجهلون فضله في السابقة والمواضع ومنعت منهم المرافق كما كانوا يمنعون الناس أن ينالوا معهم أكلة من الطعام الذي يصنعه أمراؤهم للعامة. فإن رغب أمير المؤمنين لنفسه عن هذه السيرة وما أشبهها فلم يعارض ما عاب ولم يمثل ما سخط كان العدل أن يقتصر بهم على فيئهم فيجعل ما خرج من كور الشام فضلاً عن النفقات وما خرج من مصر فضلاً عن حقوق أهل المدينة ومكة بأن يجعل أمير المؤمنين ديوان مقاتلتهم ديوانهم أو يزيد وينقص غير أنه يأخذ أهل القوة والغناء وخفة المؤونة والعفة في الطاعة ولا يفضل أحداً منهم على أحد إلا على خاصة معلومة ويكون الديوان كالغرض المستأنف ويأمر لكل جند من أجناد أهل الشام بعدة من العيال يقترعون عليها ويسوي بينهم فيما لم يكونوا أسوة فيه فيمن مات من عيالاتهم ولا يصنع بأحد من المسلمين. وأما ما يتخوف المتخوفون من نزواتهم فلعمري لئن أخذوا بالحق ولم يؤاخذوا به أنهم لخلقاء أن يكون لهم نزوات ونزقات ولكنا على مثل اليقين بحمد الله من أنهم لم يشركوا بذلك إلا أنفسهم وأن الدائرة لأمير المؤمنين عليهم آخر الدهر إن شاء الله. فإنه لم يخرج الملك من قوم إلا بقيت فيهم بقية يتوثبون بها ثم كان ذلك التوثب هو سبب استئصالهم وتدويخهم. ومما يذكر به أمير المؤمنين أمر أصحابه فإن من أولى أمر الوالي منه بالتثبيت والتحيز أمر أصحابه الذين هم بهاء فنائه وزينة مجلسه وألسنة رعيته والأعوان على رأيه ومواضع كرامته والخاصة من عامته فإن أمر هذه الصحابة قد عمل فيه من كان وليه من الوزارة والكتاب قبل خلافة أمير المؤمنين عملاً قبيحاً مفرط القبح مفسداً للحسب والأدب والسياسة داعياً للأشرار طارداً للأخيار فصارت صحبة الخليط أمراً سخيفاً فطمع فيه الأوغاد وتزهد فيه من كان يرغب فيما دونه حتى إذا التقينا أباب العباس رحمه الله وكنت في ناس من صلحاء أهل البصرة ووجوههم فكنت في عصابة منهم أبوا أن يأتوه فمنهم من تغيب فلم يقدم ومنهم من هرب بعد قدومه اختياراً للمعصية على سوء الموضع لا يعتذرون في ذلك إلا بضياع الكتب والدعوة والمدخل يقولون هذه منزلة كان من هو أشرف من أبنائنا يرغبون فيما هو دونها عند من هو أصفر أمراء ولاتنا اليوم وقد كانت مكرمة وحسباً إذ الناس ينظرون ويسأل عنهم فأما اليوم ونحن نرى فلاناً وفلاناً ينفر بأسمائهم على غير قديم سلف ولا بلاء حدث فمن يرغب فيما هاهنا يا أمير المؤمنين أكرمك الله أما يصير العدل كله إلى تقوى الله عز وجل وإنزال الأمور منازلها فإن الأول قال: لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم ولا سراة إذا جهالهم سادوا وقال: هم سودوا نصراً وكل قبيلة يُبين عن أحلامها من يسودها وإن أمر هذه الصحابة قد كان فيه أعاجيب دخلت فيه مظالم. أما العجب فقد سمعنا من الناس من يقول ما رأينا أعجوبة قط أعجب من هذه الصحابة ممن لا ينتهي إلى أدب ذي نباهة ولا حسب معروف ثم هو مسخوط الرأي مشهور بالفجور من أهل مصر قد غبر علامة دهره صانعاً يعمل بيده ولا يعتد مع ذلك ببلاء ولا غناء إلا أنه مكنه من الأمر صاغ فاحتوى حيث أحب فصار يؤذن له على الخليفة قبل كثير من أبناء المهاجرين والأنصار وقبل قرابة أمير المؤمنين وأهل بيوتات العرب ويجري عليهم من الرزق الضعف مما يجري على كثير من بني هاشم وغيره من سروات قريش ويخرج له من المعونة على نحو ذلك لم يضعه بهذا الموضع رعاية رحم ولا فقه في دين ولا بلاء في مجاهدة عدو معروفة ماضية متتابعة قديمة ولا غناء حديث ولا حاجة إليه في شيء من الأشياء ولا عدة يستعد بها وليس بفارس ولا خطيب ولا علامة إلا أنه خدم كاتباً أو حاجباً فأخبر أن الذين لا يقوم إلا به حتى كتب كيف شاء ودخل حيث شاء. وأما المظلمة التي دخلت في ذلك فعظيمة قد خصت قريشاً وعمت كثيراً من الناس وأدخلت على الأحساب والمروءات محنة شديدة وضياعاً كثيراً فإن في أذن الخليفة والمدخل عليه والمجلس عنده وما يجري على صحابته من الرزق والمعونة وتفضيل بعضهم على بعض في ذلك حكماً عظيماً على أن الناس في أنسابهم وأخطارهم وبلاء أهل البلاء منهم وليس ذلك كخواص المعروف ولطيف المنازل أو الأعمال التي يختص بها المولى من أحب ولكنه باب من القضاء جسيم عام يقضي فيه للماضين من أهل السوابق والمآثر من أهل الباقين وأهل البلاء والغناء بالعدل أو بما يجال فيه عليهم فإن أحق المظالم بتعجيل الرفع والتغيير ما كان ضره غائباً وكان السلطان شائناً ثم لم يكن في رفعة مؤونة ولا شغب ولا توغير بصدور عامة ولا للقوة ولا أضرار سبب. ولصحابة أمير المؤمنين أكرمه الله مزية وفضل وهي مكرمة سنية حرية أن تكون شرفاً لأهلها وحسباً لأعقابهم وحقيقة أن تصان وتخطر ولا يكون فيها إلا رجل بدر بخصلة من الخصال ومن رجل له عند أمير المؤمنين خاصة بقرابة أو بلاء أو رجل يكون شرفه ورأيه وعمله أهلاً لمجلس أمير المؤمنين وحديثه ومشورته أو صاحب نجدة يعرف بها ويستعد لها يجمع مع نجدته حسباً وعفافاً فيرفع من الجند إلى الصحابة ورجل فقيه مصلح يوضع بين أظهر الناس لينتفعوا بصلاحه وفقهه أو رجل شريف لا يفسد نفسه أو غيرها فإما من يتوسل بالشفاعات فإنه يكتفي أو يكتفى له بالمعروف والبر فيما لا يهجن رأياً ولا يزيل أمراً عن مرتبته ثم تكون تلك الصحابة المخلصة على منازلها ومداخلها ألا يكون للكاتب فيها أمر في رفع رزق ولا وضعه ولا للحاجب في تقديم إذن ولا تأخيره. ومما يذكر به أكير المؤمنين أمر فتيان أهل بيته وبني أبيه وبني علي وبني العباس فإن فيهم رجالاً لو متعوا بجسام الأمور والأعمال سدوا وجوهاً وكانوا عدة لأخرى. ومما يذكر به أمير المؤمنين أمر الأرض والخراج فإن أجسم ذلك وأعظمه خطراً وأشده مؤونة وأقربه من الضياع ما بين سهله وجبله ليس لها تفسير على الرساتيق والقرى فليس للعمال أمر ينتبهون إليه ولا يحاسبون عليه ويحول بينهم وبين الحكم على أهل الأرض بعدما يتأنقون لها في العمارة ويرجون لها فضل ما تعمل أيديهم. فسيرة العمال فيهم إحدى اثنتين إما رجل أخذ بالخرق والعنف من حيث وجد وتتبع الرجال والرساتيق بالمغالاة ممن وجد، وإما رجل صاحب مساحة يستخرج ممن زرع ويترك من لم يزرع فيعمر من عمر ويسلم من أخرب مع أن أصول الوظائف على الكور لم يكن لها ثبت ولا علم وليس من كورة إلا وقد غيرت وظيفتها مراراً فخفيت وظائف بعضها وبقيت وظائف بعض فلو أن أمير المؤمنين أعمل رأيه في التوظيف على الرساتيق والقرى والأرضين وظائف معلومة وتدوين الدواوين بذلك وإثبات الأصول حتى لا يؤخذ رجل إلا بوظيفة قد عرفها وضمنها ولا يجتهد في عمارة إلا كان له فضلها ونفعها لرجونا أن يكون في ذلك صلاح للرعية وعمارة للأرض وحسم لأبواب الخيانة وغشم العمال. وإذا رأي مؤونته شديدة ورجاله قليل ونفعه متأخر. وليس بعد هذا من أمر الخراج غلا رأي قد رأينا أمير المؤمنين أخذ به ولم نره من أحد قبله من تخير العمال وتفقدهم والاستعتاب لهم والاستبدال بهم. ومما نذكر به أمير المؤمنين جزيرة العرب من الحجاز واليمن واليمامة وما سوى ذلك أن يكون من رأي أمير المؤمنين إذا سنحت نفسه عن أموالها من الصدقات وغيرها أن يختار لولايتها الخيار من أهل بيته وغيرهم لأن ذلك من تمام السيرة العادلة والكلمة الحسنة التي قد رزق الله أمير المؤمنين وأكرمه بها من الرأي الذي هو بإذن الله حمى ونظام لهذه الأمور كلها في الأمصار والأجناد والثغور والكور. إن الناس من الاستخراج والفساد ما قد علم أمير المؤمنين وبهم حاجة إلى تقويم آدابهم وطرائقهم ما هو أشد من حاجتهم إلى أقواتهم التي يعيشون بها وأهل كل مصر وجند أو ثغر فقراء إلى أن يكون لهم من أهل الفقه والسنة والسير والنصيحة مؤدبون مقومون يذكرون ويبصرون الخطأ ويعظون عن الجهل ويمنعون عن البدع ويحذرون الفتن وينتقدون أمور عامة من هو بين أظهرهم حتى لا يخفى عليهم منها مهم ثم يستصلحون ذلك ويعالجون على ما استنكروا منه بالرأي والرفق والنصح ويرفعون ما أعياهم إلى ما يرجون قوته عليهم مأمونين على سير ذلك وتحصينه بصراء بالرأي حين يبدو أو أطباء باستئصاله قبل أن يتمكن. وفي كل قوم خواص رجال عندهم على هذا معونة إذا صُنعوا لذلك وتلطف لهم وأُعينوا على رأيهم وقووا على معاشهم ببعض ما يفرغهم لذلك ويبسطهم له. وخطر هذا جسيم في أمرين أحدهما برجوع أهل الفساد إلى الصلاح وأهل الفرقة إلى الألفة والأمر الآخر أن لا يتحرك متحرك في أمر من أمور العامة إلا وعين ناصحة ترمقه ولا يهمس هامس إلا وأذن شفيقة تصيخ نحوه. وإذا كان ذلك لم يقدر أهل الفساد على تربيص الأمور وتلقيحها وإذا لم تلقح كان نتائجها بإذن الله مأموناً. وقد علمنا علماً لا يخالطه شك أن عامة قط لم تصلح من قبل أنفسها ولم يأتها الصلاح إلا من قبل خاصتها. وأن خاصة قط لم تصلح من قبل أنفسها وأنها لم يأتيها الصلاح إلا من قبل إمامها. وذلك لأن عدد الناس في ضعفتهم وجهالهم الذين لا يستغنون برأي أنفسهم ولا يحملون العلم ولا يتقدمون في الأمور فإذا جعل الله فيهم خواص من أهل الدين والعقول ينظرون غليهم ويسمعون منهم اهتمت خواصهم بأمور عوامهم وأقبلوا عليه بجد ونصح ومثابرة وقوة جعل الله ذلك صلاحاً لجماعتهم وسبباً لأهل الصلاح من خواصهم وزيادة فيما أنعم الله به عليهم وبلاغاً إلى الخير كله. وحاجة الخواص إلى الإمام الذي يصلحهم الله به كحاجة العامة إلى خواصهم وأعظم من ذلك فبالإمام يجمع الله أمرهم ويكبت أهل الطعن عليهم ويجمع رأيهم وكلمتهم ويبين لهم عند العامة منزلتهم ويجعل لهم الحجة والأيد والمقال على من نكب عن سبيل حقهم. فلما رأينا هذه الأمور ينتظم بعضها ببعض وعرفنا من أمر أمير المؤمنين ما بمثله جمع الله خواص المسلمين على الرغبة في حسن المعاونة والمؤازرة والسعي في صلاح عامتهم طمعنا لهم في ذلك يا أمير المؤمنين وطمعنا فيه لعامتهم ورجونا أن لا يعمل بهذا الأمر أحد إلا رزقه الله المتابعة فيه والقوة عليه. فإن الأمر إذا أعان على نفسه جعل للقائل مقالاً وهيأ للساعي نجاحاً. ولا حول ولا قوة إلا بالله وهو رب الخلق وولي الأمر يقضي في أمورهم يدبر أمره بقدرة عزيزة وعلم سابق فنسأله أن يعزم لأمير المؤمنين على المراشد ويحصنه بالحفظ والثبات والسلام ولله الحمد والشكر. تحميد لابن المقفع الحمد لله ذي العظمة القاهرة والآلاء الظاهرة الذي لا يعجزه شيءٌ ولا يمتنع منه ولا يُدفع قضاؤه ولا أمره وإنما يقول إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون. والحمد لله الذي خلق الخلق بعلمه ودبر الأمور بحكمه وأنفذ فيما اختار واصطفى منها عزمه بقدرة منه عليها وملكة منه لها لا معقب لحكمه ولا شريك له في شيء من الأمور يخلق ما يشاء ويختار ما كان للناس الخيرة في شيء من أمورهم سبحان الله وتعالى عما يشركون. والحمد لله الذي جعل صفوا ما اختار من الأمور دينه الذي ارتضى لنفسه ولمن أراد كرامته من عباده فقام به ملائكته المقربون يعظمون جلاله ويقدسون أسماءه ويذكرون ويذكرون آلاءه لا يتحسرون عن عبادته ولا يستكبرون يسبحون الليل والنهار لا يفترون وقام به من اختار من أنبيائه وخلفائه وأوليائه في أرضه يطيعون أمره ويذبون عن محارمه ويصدقون بوعده ويوفون بعهده ويأخذون بحقه ويجاهدون عدوه وكان لهم عند ما وعدهم من تصديقه قولهم وإفلاحه حجتهم وإعزازه دينهم وإظهار حقهم وتمكينه لهم وكان لعدوه وعدوهم عندما أوعد هم من خزيه وإحلاله بأسهم وانتقامه منهم وغضبه عليهم مضى على ذلك ونفذ فيهم قضاؤه فيما مضى وهو ممضيه ومنفذه على ذلك فيما بقي ليتم نوره ولو كره الكافرون ليحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون. والحمد لله الذي لا يقضي في الأمور ولا يدبرها غيره ابتدأها بعلمه وأمضاها بقدرته وهو وليها ومنتهاها وولي الخبرة فيها والإمضاء لما أحب أن يمضي منها يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة سبحان الله وتعالى عما يشركون. والحمد لله الفتاح العليم العزيز الحكيم ذي المن والطول والقدرة والحول الذي لا ممسك لما فتح لأوليائه من رحمته ولا دافع لما أنزل بأعدائه من نقمته ولا ردّ لأمره في ذلك وقضائه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد. والحمد لله المثيب بحمده ومنه ابتداؤه والمنعم بشكره وعليه جزاؤه والمثني بالإيمان وهو عطاؤه. كتب ابن المقفع إلى صديق ولدت له جارية: بارك الله لكن في الابنة المستفادة وجعلها لكم زيناً وأجرى لكم بها خيراً فلا تكرهها فإنه الأمهات والأخوات والعمات والخالات ومنهن الباقيات الصالحات. وربَّ غلام ساء أهله بعد مسرتهم وربَّ جارية فرَّحت أهلها بعد مساءتهم. تعزية لابن المقفع عن ولد: أعظم الله على المصيبة أجرك وأحسن على جليل الرزء ثوابك وعجل لك الخلف فيه وذخر لك الثواب عليه. وله: وإنما يستوجب على الله وعده من صبر لله بحقه فلا تجمعن إلى ما فجعت به من ولدك الفجيعة بالأجر عليه والعوض منه. فإنما أعظم المصيبتين عليك وأنكى المرزيتين لك. أخلف الله عليك بخير وذخر لك جزيل الثواب. وتعزية له عن بنت: جدد الله لك من هبته ما يكون خلفاً لك بما رزئته وعوضاً من المصيبة به ورزقك من الثواب عليه أضعاف ما رزأك به منها فما أقل كثير الدنيا في قليل الآخرة مع فناء هذه ودوام تلك. وتعزية له أيضاً: أعظم الله أجرك في كل مصيبة وأوزعك الشكر على كل نعمة. اعرف لله حقه واعتصم بما أمر به من الصبر تظفر بما وعد من عظيم الأجر. وتعزية لابن المقفع: أما بعد فإن أمر الآخرة والدنيا بيد الله هو يدبرهما ويقضي فيهما ما يشاء ولا راد لقضائه ولا معقب لحكمه فإن الله خلق الخلق بقدرته ثم كتب عليهم الموت بعد الحياة لئلا يطمع أحد من خلقه في خلد الدنيا ووقت لكل شيء ميقات أجل لا يستأخرون عنه ساعة ولا يستقدمون فليس أحد من خلقه إلا وهو مستيقن بالموت لا يرجو بأن يخلصه من ذلك أحد. نسأل الله خير المنقلب. وبلغني وفاة فلان فكانت وفاته من المصائب العظام التي يحتسب ثوابها من ربنا الذي إليه منقلبنا ومعادنا وعليه ثوابنا فعليك بتقوى الله والصبر وحسن الظن بالله فإنه جعل لأهل الصبر صلوات منه ورحمة وجعلهم من المهتدين. ولابن المقفع في السلامة: أما بعد فقد أتاني كتابك فيما أخبرتنا عنه من صلاحك وصلاح ما قبلك وفي الذي ذكرت من ذلك نعمة مجللة عظيمة نحمد الله عليها وليها المنعم المفضل المحمود ونسأله أن يلهمنا وإياك من شكره وذكره ما به مزيدها وتأدية حقها. وسألت أن أكتب إليك بخبرنا ونحن على حال لو أطنبت في ذكرها لم يكن في ذلك إحصاءٌ للنعمة ولا اعتراف لكنه الحق فنرغب إلى الذي تزداد نعمه علينا في كل يوم وليلة تظاهراً ألا يجعل شكرنا منقوصاً ولا مدخولاً وأن يرزقنا مع كل نعمة كفاءها من المعرفة بفضله فيها والعمل في الأداء إليه حقها إنه ولي قدير. وله كتاب للثقفي في السلامة: أما بعد فإن مما نمق الله به مناقبك الكريمة المحمودة الغانية عن القول والوصف أنك موضع المؤونات عن أخوانك حمال عنهم أثقال الأمور مما وضعت عنه المؤونة ارتفاعك عن الأمور التي يطأطأ إليها الكلام على ألسنة الناس إذا أباحوه وبهرجوه وضيعوا القول ونسوا القصد فيه وأخذوا به في كل فن وأصفوا بصفوته غير أهلها فيما لا ينبغي لهم من التشبيه والتوفير والتفضيل. كان من خبري بعدك أني قدمت بلد كذا فتهيأ لي بعض ما شخصت له والمحمود على ذلك الله عز وجل وأنا على أن يأتيني خبرك محتاج فأما جملة خبري في فراقك فقلبي مكة كل ما سواك حرام فيها. وله جواب في السلامة: أما بعد فقد أتاني كتاب الأمير رجعة كتابي إليه فكان فيه تصديق الظن وتثبيت الرأي ودرك البغية والله محمود فأمتع الله بالأمير وأمتعه بصالح ما آتاه وزاهدة من الخيرات مستعمراً له فيه مستعملاً بطاعته التي بها يفوز الفائزون والذي رزق الله من الأمير فهو عندي عظيم نفيس وكل الذي قبلي عن مكافأته فمقصر إلا أنه ليس في النية تقصير ولا بلوغ لشيء من الأمور إلا بتوفيق الله عز وجل ومعونته والسلام. وله في السلامة جواب أيضاً: أما بعد فقد أتاني كتابك فيما أخبرتني عنه من صلاحك وصلاح ما قبلك وفي الذي ذكرت نعمة مجللة عظيمة نحمد عليها الله المنعم بها المحمود ونسأله أن يلهمنا وإياك من شكره وذكره ما به مزيدها وتأدية حقها نحن من عافية الله وكفايته ودفاعه على حال لو أطنبت في ذكرها لم يكن في ذلك إحصاء للنعمة ولا اعتراف لكنه الحق فنرغب إلى الذي يزيد في نعمه علينا تظاهراً ألا يجعل شكرنا منقوصاً ولا مدخولاً وأن يرزقنا مع كل نعمة كفاءً من المعرفة بفضله فيها والعمل في أدءا حقها. وفي السلامة أيضاً (ولم يقل أنها له): كتبت إليك وأمير المؤمنين وما يأتيه من لين الطاعة واتساق الكلمة عمت في الداني والقاصي من بلدانه وحواشي سلطانه على ما يحمد الله عليه فإن نعمة الله على أمير المؤمنين تجري على أذلالها وتنقاد في أسهل سبيلها. قال المؤلف: ومن مختار ما كتب به من باب الشكر ولم أعرف إن كانت له أو لغيره لأنه أورد كتب بضم أولها ومع هذا فهذه هي الرسالة: أما بعد فقد أعجز تعدادي عما أتعرف منك وأتعرف بك دانياً ونائياً وما أدري ما ابتدأني به من معروفك أرهن لشكري أم ما ثنيت به من برك لبدئك بعنايتك على نأيك أم ما ألبستني جماله على لسانك بإطرائك وثنائك أم ما عقدته لي عند غيرك بتلطيفك وتأتيك غير أني أعلم أنك لم تقصر في استحقاق شكر علي وأرجو ألا أكون مقصراً في معرفة ذلك منك ومن لم يقصر علمه ولم يؤت في شكره إلا من أعظم المعروف عنده مع جهده فقد دخل بالعلم والجهد في الشاكرين. غير أن الذي آنستني به من رفدك وتوطيدك قد زادني وحشة إليك وإن حفظ من حفظني فيك وإن لم يكن مقصراًُ وقد جدد لي المعرفة بوثارة مكاني عندك ولقد بلغت ن اصلحت لي الأمور والرجال وأصلحتني إلى صلاحي لنفسك فليس كتابي هذا باستبطائي لأحد حتى يستبطئه ولا شكري حتى يكون البدء منك ولكن روحت عن نفسي بذكرك وزينتها بشكرك وزكيتها بالإقرار بفضلك. ولابن المقفع: إن الناس لم يعدموا أن يطلبوا الحوائج إلى الخواص من الأخوان وأن يتواصلوا بالحقوق ويرغبوا إلى أهل المقامات ويتوسلوا لى الأكفاء وأنت بحمد الله ونعمته من أهل الخير وممن أعان عليه وبذلك لأهل ثقته المصافين وإن بذل النفوس فيه وإعطاء الرغيب ليس منك ببكر ولا طريف بل هو تليد أتلده أولكم لآخركم وأورثه أكابركم أصاغركم ومن حاجتي كذا وأنت أحق من طلبت إليه واستعنته على حوادث الدهر وأنزلت به أمري لقرب نسبك وكريم حسبك ونباهتك وعلو منزلتك وجسيم طبائعك وعوام أياديك على عشيرتك وغيرها فليكن من رأيك ما حملتك من حاجتي على قدر قسم الله لك من فصله وما عودك من مننه ووسع غيري من نعمائك وإحسانك. ولابن المقفع أيضاً: أما بعد فإن من قضى الحوائج لأخوانه واستوجب بذلك الشكر عليهم فلنفسه عمل لا لهم. والمعروف إذا وضع عند من لا يشكره فهو زرع لا بد لزارعه من حصاده أو لعقبة من بعده. وكتبت إلينا ولحالنا التي نحن بها نذكرك حاجة أول ما فيها معروف تستوجب بد الشكر علينا وتدخر به الأيادي قبلنا. ولعبد الله بن المقفع إلى يحيى بن زياد (الحارثي) ابتداءً في المؤاخاة: أما بعد فإن أهل الفضل في اللب والوفاء في الود والكرم في الخلق لهم من الثناء الحسن في الناس لسان صدق يشيد بفضلهم ويخبر عن صحة ودهم وثقة مؤاخاتهم فيتحير إليهم رغبة الأخوان ويصطفي لهم سلامة صدورهم ويجتبي لهم ثمرة قلوبهم فلا مثني أفضل تقريضاً ولا مخبر أصدق أحدوثة منه. وقد لزمت من الوفاء والكرم فيما بينك وبين الناس طريقة محمودة نسبت إلى مزيتها في الفضل وجمل بها ثناؤك في الذكر وشهد لك بها لسان الصدق فعرفت بمناقبها ووسمت بمحاسنها فأسرع إليك الأخوان برغبتهم مستبقين يبتدرون ودك ويصلون حبلك ابتدار أهل التنافس في حظ رغيب نصبت لهم غاية يجري إليها الطالبون ويفوز بها السابقون. فمن أثبت الله عندك بموضع الحرز والثقة وملأ بك يده من أخي وفاء وصلة واستنام منك إلى شعب مأمون وعهد محفوظ وصار مغموراً بفضلك عليه في الود يتعاطى من مكافأتك ما لا يستطيع ويطلب من أثرك في ذلك غاية بلوغها شديد. فلو كنت لا تؤاخي من الأخوان إلا من كافأ بودك وبلغ من الغايات حدك ما آخيت أحداً ولصرت من الأخوان صفراً ولكن أخوانك يقرون لك بالفضل وتقبل أنت ميسورهم من الود ولا يجشمهم كلف مكافأتك ولا بلوغ فضلك فيما بينك وبينهم فإنما مثلك في ذلك ومثلهم كما قال الأول: ومن ينازع سعيد الخير في حسب ينزع طليحاً ويقصر قيده الصعد ولم أرد بهذا الثناء عليك تزكيتك ليكون ذلك قربة عندك وآخية لي لديك ولكن تحريت فيما وصفت من ذلك الحق والصدق وتنكبت الإثم والباطل فإن القليل من الصدق البريء من الكذب أفضل من كثير الصدق المشوب بالباطل. ولقد وصفت من مناقبك ومحاسن أمورك وإني لأخاف الفتنة عليك حين تسمع بتزكية نفسك وذكري ما ذكرت من فضلك لأن المدح مفسدة للقلب مبعثة للعُجب. ثم رجوت لك المنعة والعصمة لأني لم أذكر إلا حقاً والحق ينفي من اللبيب العُجب وخيلاء الكبر ويجمله على الاقتصاد والتواضع. وقد رأيت إذ كنت في الفضل والوفاء على ما وصفت منك أن آخذ نصيبي من ودك وأصل وثيقة حبلي بحبلك فيجري بيننا من الإخاء أواصر الأسباب التي بها يستحكم الود ويدوم العهد وعلمت أن تزكي ذلك غبن وإضاعتي إياه جهل لأن التارك للحظ داخل في الغبن والعائد عن الرشد موجف إلى الغي فارغب من ودي فيما رغبت فيه من دوك فإني لم أدع شيئاً أستتلي به منك الرغبة وأجتر به منك المودة إلا وقد اقتدت إليك ذريعته وأعملت نحوك مطيته لترى حرصي على مودتك ورغبتي في مؤاخاتك والسلام. جواب من يحيى بن زياد في صفة الإخاء: أما بعد فإنا لما رأينا موضع الإخاء ممن يحتمله في تأنيسه من الوحشة وتقريبه لذي البعدة ومشاركته بين ذوي الأرحام في القربة لم نرض بمعرفة عينه دون معرفة نسبته فنسبنا الإخاء فوجدناه في نسبته لا يستحق اسم الإخاء إلا بالوفاء فلما انتقلنا عنه إلى الوفاء فنسبناه انتسب لنا إلى الصبر فوجدناه محتوياً على الكرم والنجدة والصدق والحياء والنجابة والزكانة وسائر ما لا يأتي عليه العدد من المحامد ثم انحدرنا فيما أصعدنا فيه من هذا النسب فعدنا إلى الإخاء فوجدناه لا يقوم به إلا من هذه الخصال كلها أخلاقه. ولما استوجب الإخاء مسالك المحمدة كلها رأينا أن نتخير له المواضع في صواب التوزير وأحكام التقدير وعلمنا أن الاحتباس به أحسن من الندم بعد بذله واستوجب إذا كان جماع المحامد أن نتخير له محامله التي كان يحمل عليها فكان الناس فيما احتسبنا به عنهم من الإخاء على صنفين فصنف عذرونا بالتحبس للتخير إذ كان التخير من شأنهم وصنف هم ذوو سرعة إلى الإخاء وسرعة في الانتهاء فقدموا اللائمة واستعجلوا بالمودة وتركوا باب التروية واستحلوا عاجل المحبة ولهوا عن آجل الثقة فكانوا بذلك أهل لائمة ولم يجد المعذورون إلا الصبر على تلك والاستعمال الرأي والاستعداد بالعذر عند المحاجة. وقد فهمت كتابك إليّ بالمودة واسحثاثك إياي في الأخوة وما دنوت به من حرمة المحبة فنازعت إليك نفسي بمثل الذي نازعت به إليَّ نفسك فواثبتني عادة الاستعمال للتروية في الخبرة والتخير للمغبة فجلت عن كتابك جولة غير نافرة ثم راجعت مقاربتك فقلت ألقى إليَّ أسباب المودة قبل كشف الغطاء بالخبرة فخشيت أن تعذر نفسك بالتقدم وتحدث الزهادة للتعسف بالجهالة عند الخبرة فجلت عن هذا جولة كالجولة الأولى ثم عاودت إسعافك وطاعة التشوق ومعصية التحيز ثم قلت ما حال من جعل الظن دون اليقين والتقدم قبل الوثيقة فلما كان الرأي لي خصماً تنكبت الوقوع في خلافه فلم أجد إلا الإدبار عن إقبالك سبيلاً ولا مع ذلك في طاعة الشوق حجة فتغيبت السبيل بين ذلك إلى إعطائك طرف حبل الإخاء في غير الخروج من سبيل التخير وكرهت أن تستعبدني بالإخاء قبل أن أعرفك بحسن الملكة وأن تستظهرني على الأعداء قبل أن أعرفك بعدل السيرة وأن تستضيء بي في ظلم الجهل قبل أن أعرفك بعقد اللب وأن تستمكن بي في المطالب قبل أن أعرفك بقصد الهمة فقدمت إليك الترحيب والعدة وأحسنت عنك المفاوضة والثقة وتنظرت أن تثمر لي فأذوق جناك فأعرفك بالمذاقة في الطعم إما لافظاً وإما مستبلغاً فإن كان اللفظ لم أكن من الرأي في قلبه وإن كان الاستبلاغ ذوقتك ما تشوقت إليه مما ادعيت مني به الخبرة وأول ما أنا معتبر به منك المواظبة على استنجاح ما سألت أو السآمة له فإن كانت المواظبة فأحد الشهود المعدلين وإن كانت السآمة فأنت عن حمل ما تعطي أضعف منك عن جميل ما تطلب. طالعني بكتبك فإنك قد حللت قبلي عقداً من التحفظ وعقدت عقداً من التقرب والسلام. الصنائع الإسلامية إذا أطلق لفظ النقش عند المسلمين فلا ينبغي أن يفهم منه أنه يراد به تمثيل صورة ذات روح بل قد تكون تلك الصور نقوشاً يراد بها أمر آخر. ومما يعجب له أنه يوجد في هذا الكتاب الوجيز إشارة ضعيفة لصورة فارس يمسك رمحه بيده نُقش على القبة في مسجد ببغداد. ولم يزد المسيو ميجون بأن هذا الفارس يشير إلى الناحية التي يجيء منها الهواء. فكان هذا التمثال ضرباً من دوارة على الهواء صنعت من الحديد المصفح وجعلت في الهواء تمثل فارساً والرمح بيده وقد ذكروا أسطورة بشأنها. فكان العامة يعتقدون أن هذا الفارس يدل بقوة تعويذة معه على الناحية التي تنشأ فيها ثورة من مملكة الخلفاء العباسيين. وليس النقش عند المسلمين إلا خادماً خاضعاً للهندسة على نحو ما كانت الفلسفة من علم الكلام في القرون الوسطى. والأسود التي رآها ابن بطوطة قد صنعت من الرخام المستخرج في أفروجيافرجيا في آسيا الوسطى حيث يكثر فيها. وبلغ من احترام السلاجقة للنقش أن كانوا ينزلونه في الحوائط. وليس للتمثال من الخشب التي صنعها صناع من المسلمين بأمور الطولونيين علاقة بالصنائع الإسلامية بل هي فرع متأخر من فروع الصناعة الوطنية. وقد بدأت في مصر صناعة النقش للزينة باستعمال الكلس والرخام غير المسحوق بالآلة بل بيد صنع الأيدي وأقدم ما وجد من ضروبها شكل مهندس ممزوج بعروق خيالية ظريفة. أما الحجر للزينة فقلما يوجد إلا في المساجد التي يرد عهدها إلى القرن الرابع عشر وعلى العكس في إسبانيا فإنا نرى هذه الصناعة مزهرة فيها منذ أوائل الخلافة الأموية. وقد بقي لنا شاهد واحد منها وهو مغسل الوضوء المصنوع من الرخام ولا يزال محفوظاً إلى الآن في متحف الآثار في مدريد وجرن الرخام وحوض الأسود في قصر الحمراء معروفان موصوفان. إلا أن تزيين المصانع ما كان إلا من الجبس موضوعاً في القوالب وضعاً محكماً مما يبدو في هيئة بديعة تفوق أجمل نموذجات الهندسة. وإن قصر الحمراء على جماله لم يعمل إلا من معجون الجبس. لا يأخذنا العجب إذا رأينا السلجوقيين في آسيا الوسطى قد أبقوا لنا صوراً تمثل الصورة الإنسانية. ولئن كان المهندسون في زمنهم سوريين أو روميين فإن الأفكار السائدة في بلاط قونية أن منشأها إيراني زادت انتشاراً بما كان لشمس الدين التبريزي وجلال الدين الرومي الصوفيين العظيمين من النفوذ وكان الأول صاحب السر والثاني مؤسس طريقة الدراويش المولوية. وكان سلاطين السلجوقيين مهوسين أشد التهوس بكل ما هو من أصل فارسي حتى أنهم كانوا يدعون أبناءهم بأسماء استخرجوها من قصص البطال في الملاحم. وظلت الصناعة التي انتشرت بهذا التأثير محصورة في آسيا الصغرى ولم تنتشر في سائر البلاد الإسلامية. أخذت العرب صناعة الفسيفساء عن البيزنطيين فاستجلب من الأستانة الخليفة عبد الرحمن إلى قرطبة صناعاًُ من الروم ليزين مسجدها. وخابر الوليد ملك القسطنيطينية ليبعث له بالعملة والمواد اللازمة لتزويق المسجد الأموي في دمشق وهي كنيسة القديس يوحنا الدمشقي القديمة. تغير هذا المسجد ولم يبق منه حريق ١٨٩٣ ما كان سلم من آثاره. وفي سنة ٤١٨ هـ ( ١٠٢٧ م) جرى إصلاح فسيفساء قبة الصخرة كما قرأت ذلك في الصورة الشمسية من الصفحة الثالثة والثمانين من الجزء الثاني الرسم ٧٣ وقد كسي داخل المصانع الإسلامية في القاهرة بأنواع من الزينة صنعت من الرخام على أبهج صورة وأزهاها. إن ما يرى في مصر من الخشب المنفقوش لا يتأتى إلا أن يكون مجلوباً من سوريا أو من آسيا الصغرى. ومعلوم أن في مصر صناعة خاصة بها لا يرى لها أثر في غيرها من الأقطار ألا وهي صناعة المشربيات وهي أقفاص نوافذ على طنف بارزة بحيث تكون للنوافذ التي تطل على الشوارع أقفاص لئلا يتطلع إلى ما وراءها متطلع ولو بدون قصد. من أجل هذا يستعمل القوم (شعريات) من أقفاص خشب رقيق. وفي مصر يستعمل خشب غليظ خرط بالمخرطة وجعل على صورة يتفنن فيها كل التفنن. وفي المتحف العربي في القاهرة حشوات منقوشة غاية في الجمال ومن جملتها ثلاثة محاريب توفر المسيو رافيس على البحث فيها وهي من عهد الفاطميين وقد كانت الحشواتفي القرن الثالث عشر أصغر مما هي الآن وخطوطها أدق وأشكالها أكثر تنويعاً وصورها التزويقية مطلقة. وصورت على أبواب البيمارستان القلاووني صور ذات أرواح. والفرق ظاهر بين طريقة هذه المصانع في الصنع والحشوات التي جعلت على القبور الفارغة في ذاك العهد والصورة العامة مربعة في هذه وذات خطوط مستدير في أبواب البيمارستان. ويتجلى الفرق للأنظار بالمقابلة بين النقوش الصغيرة التي وردت في صفحة ١٠٠ و ١٠١ الموضوعة إحداها بجانب الأخرى فإن الحشوات صنعة عربية مصرية أما الأبواب فصنعة فارسية. ومن هنا أتت الصور ذات الأرواح. وظاهر أنه كان في ذاك العهد في القاهرة طريقة فارسية في النقوش جاءت زيادة على ما كان فيها من الصناعة الوطنية وليس ذلك من ارتقاء الصناعة المحلية كما لاحظ ذلك المسيو ميجون. وارى أنه لم يبن رأيه على صورة باتة كافية وإن شئت فقل على صورة ظاهرة. المنبر في المسجد من المواد التي لا يستغنى عنها فمنه ما يبنى بالحجر مثل منبر مسجد يرقوق في الصحراء بالقرب من القاهرة ومن العادة أن يعمل المنبر من الخشب. وقد عرفت من المنابر نموذجات بديعة كمنبر مسجد ابن طولون الذي أمر ببنائه أحد سلاطين المماليك السلطان لاجين ولا تزال حشواته العمودية محفوظة في لندرا ومثل منبر قاتيباي ومسجد علاء الدين الأول قاي قوباد في قونية وجامع الزيتونة في تونس وغيرها. وهناك شيء آخر خاص بمساجد مصر وأعني به الكرسي أو الخزانة المسدسة الزوايا والأضلاع كانوا يضعون عليها المصاحف للتلاوة فإذا فرغوا خبؤوها في داخلها وكانت حشواتها مزينة بتطعيم (تنزيل) من العاج ومن خشب ملون. ويوضع المصحف في المساجد العثمانية مفتوحاً أو مطبوقاً على دعامة تطبق على شكل تسمى رحلاية. وقد فات المسيو ميجون أن يذكر هذا المتاع الذي يعمل من خشب الجوز المتينيويطعم بأشكال من عرق اللؤلؤ والعاج (صنع الأستانة) على نمط الأخونة الواطئة التي يقال لها اسكملة. وفي إسبانيا أجمل إنموذجات من النقش على العاج أخذها المسلمون عن الغوط الغربيين ولم يستطع أحد أن يوفق بين معامل هذه الصناعة ومراكز إخراجها بل ثبت من فحص هذه المصنوعات التي لا تزال محفوظة بكمية وافرة أنها صناعة محكمة تدل على فرط مهارة فنية تقلبت عليها الأحوال بأهوالها ومنها الشرقي ومنا البيزنطي. واللوحان البديعان من العاج اللذان لم يبرحا محفوظين في مجموعة كاران في متحف بارجللو في فلورنسة هما من أصل يختلف أحدهما عن الآخر ولا نعلم من أمرهما شيئاً يذكر. بيد أن النسور والأسود المرسومة على اللوحين هي من أصل آشوري وقد رسمت عليها رسماً دل على مهارة تحملنا على المقارنة بينها وبين نحاس الموصل وشواطئ دجلة حيث بقية التقاليد الصناعية القديمة محفوظة بحالها خلال القرون الوسطى. أما الصياغة فقديمة العهد رأى الشاعر الرحالة الفارسي ناصر خسرو في مدينة صور ثريات من الذهب والفضة وفي القدس أبواباً مغطاة بألواح من النحاس بديعة الصنع وفي القاهرة عرش المستنصر الفاطمي معمولاً من الذهب والفضة الخالصة وقد نقشت عليه كتابات وصورت صور صيد وقنص. وإن سفط العاج في كنيسة بايو (فرنسا) الملبسة بالفضة المنقورة (المخرمة) وأسفاط كنيسة كوار (سويسرا) وسان سيرفي (فرنسا) ومايسترخت (هولاندة) وسان مارك في البندقية لتمثل لأنظارنا ما كانت عليه صناعة الصياغة من البهاء في القرن الثاني عشر. وإلى ذلك العهد يرتقي صنع النحاس الجميل الملبس الذي حفظ على اليوم ولكن مما لا شك فيه أن ازدهار هذه الصناعة أقدم من ذلك وأن ما نعثر عليه من ذاك التاريخ من الأعلاق النفيسة ليس إلا زبدة قرون طويلة وأبحاث متصلة. ولقد تساءل بعضهم عن السبب الرئيسي في انتشار صناعة النحاس المحفور ببلاد ما بين النهرين ولاسيما الموصل. ويوشك أن يكون ذلك من ومجاورة معادن أرغني والخابور بالقرب من مناجم الخابور جبل مغارات الذي يستخرج منه النحاس الخام ويذوب ثم ينقل إلى جميع بلاد آسيا قديماًَ. وتبين من عرض هذه المصانع بعضها في جانب الآخر أن التزويق المحفور في صور بارزة هو أقدم طرق النقش على المصنوعات النحاسية. أما تنزيل الذهب والفضة فلم يحدث إلا مؤخراً. وقد تغلبت صور البشر والحيوانات في الموصل مما يدل على أن الصناعة فارسية الأصل حفظ فيها الساسانيون تقاليدهم الصناعية التي يرد عهدها كما قال لونكبريه إلى عهد الصور البارزة الآشورية. وقد ساق البحث المسيو ماكس فان برشم فحلّ الكتابات التي كتبت على أجمل هذه المصنوعات وقسمها قسمين رئيسيين أو مجموعتين أساسيتين إحداهما شرقية انتشرت في خراسان كما انتشرت في الموصل والثانية غربية أي سورية مصرية وهي عبارة عن نحاس صنع في زمن اليوبيين في أوائل القرن الثالث عشر. وكان من غارات المغول أن قطعت زمناً قصيراً سلسلة هذه الأعمال وجاء المماليك في القرنين التاليين فوقوا هذه الصناعة بأعمال اتصل بنا علمها وهي كثيرة. وما صناع الشام ومصر إلا تلاميذ صناع الموصل وبهم تخرجوا. وإذا بحثنا في القلز (النحاس الأحمر) نذهل من رؤية المصانع المنحطة بجمالها مثل صورة العنقاء في بيز التي جلبت من مصر على عهد الصليبيين وصورة الأيل من صنع الفاطميين الموجود في متحف امة في ميونيخ والجواد المحفوظ في متحف قرطبة والطسوت المعمولة على شكل الأوز والمباخر على شكل الببغاء المحفوظة في متحف اللوفر. وما أعجب مصابيح المساجد المصنوعة من القلز والحديد كالتي لا تزال محفوظة في المتحف الأثري في مدريد وقد جيء بها من غرناطة ومثل الموجودة في دارة الآثار العربية بالقاهرة المأخوذة من جامع السلطان حسن وكثير أمثالها. أما الأسلحة فلم يجر حتى الآن تنظيم تاريخها ولم يذكر هذا المختصر الذي نحن بصدده سوى إشارات موجزة بشأنها. ويرجى أن يطلعنا المسيو موزر ذات يوم على ما وقف عليه وجمعه من الإيضاحات بشأن صنع الفولاذ فتكون أعماله مساعدة لنا على تنظيم المعلومات المبهمة التي حصلنا عليها حتى الآن. ولطالما تكلم الناس عن فولاذ دمشق لغرابة سقايته. ولما أرسل السلطان بيبرس من سلاطين المماليك هدايا سياسية على باراق سلطان المغول في تركستان لبعث إليه بأسلحة دمشقية. ولما استولى تيمورلنك على دمشق أخذ معه إلى سمرقند صناع الفولاذ الدمشقي. وقد كان في القاهرة في شارع النحاسين الحالي بين القصرين سوق للسلاح رائجة كثيراً إلا أننا لا نعلم شيئاً عن أصل الأسلحة التي كانت تباع فيها. وليس ثمة ما يدل على أنه كان في مصر معامل لصنع نصال الفولاذ وربما كانت تصنع فيها مقابض السيوف وأغمادها ويصلحونها على النحو الذي اختاروه وهذا عمل غير عمل نصال الفولاذ ويجب أن يميز عند تنسيق هذه الآثار في المستقبل بين معالم صنع النصال ومعامل تركيبها. ولم يتعرض لذلك كتاب الوجيز ولا يستطيع أن يتكلم الآن إلا على المعامل المتأخرة. ومع هذا فقد توصل المسيو بوتين بعد البحث في المقابلة بين الصنال إلى أن المعمول منها في دمشق هو مزيج من الحديد والفولاذ وأنه في الأغلب من سكب بلاد الفرس وإذا كانت النصال في الهند ذات لمعة بذوبانها فهي منقوشة بالطرق. وقبل الفتح العربي كانت طليطلة في إسبانيا مشهورة بسقي نصالها. وفتح عبد الرحمن الثاني معملاً لها ( ٨٢٢ ـ ٨٥٢ ) ولم يبق ولا حسام إسباني مغربي من قبل القرن الخامس عشر وما بقي منها مما يرد صنعه إلى ذاك العهد جيء به من غرناطة وتاريخ الأسلحة في بلاد فارس والمملكة العثمانية غريب والمعلومات عنه أغرب. وكنا نود أن تكون أغزر مما وصلنا ولكن تاريخ الأسلحة كما قلت سابقاً لم يوضع بعد. يعرف من يسيحون في الشرق اسم الخنجر والقامة ومع هذا لا تجد لها ذكراً بين الأسلحة العثمانية والفارسية. ولم يقولوا كلمة عن الزمان والمكان الذي استعيض فيه عن السيف القديم المستقيم بنصل معوج. وإن أسنة لارماح والبنادق والطبنجات وقطع الخيل (كوباناتها) على خطارتها عند الساسانيين والمصورين بالخطوط اللطيفة من الفرس مما بقي كثير من أمثالها في طي الخفاء قد كان يرجى أن نعرف عنها شيئاً يركن إليه لخطارتها وفائدتها للتاريخ على أنه قد أطيل البحث في صنع الأواني الخزفية وهي صناعة جديرة بأن يفاخر بها. أصلها من فارس وإن لم يذكر المسيو ميجون ذكراً تاماً. وتدل مصانع الأخمانيين في سوس على ذلك دلالة صريحة وربما كانت هذه المصانع موروثة لهم عن الصنائع الآشورية. وتمتاز مساجد وارمين وأصفهان بما جعل على جدرانها من الطلاء الذي يعكس أشعة ذهبية ولكنها عبارة عن قشرة رقيقة من النحاس. ولقد جلبت المربعات الموضوعة للزينة من مساجد سيدي عقبة في القيروان من مدينة بغداد (وهي المدينة التي أنشأهنا العباسيون بتأثيرات فارسية وكان الفرس الذين أتى بهم أبو مسلم هم سبب رفعتها) جلبها إلى أفريقيا مؤسسة دولة الأغالبة سنة ٨٩٤ وصنعت معامل مدينة الرقة على الفرات بضع قطع سلمت إلى هذا العهد وكثيراً من بقايا الخزف. وقد الف المسيو فاليس عدة كتب للتوسع في البحث عن الأواني المجلوة في فارس واصلها من الري التي كانت تعرف قديماً باسم راجيس. وإذ كثر البحث في هذا الموضوع ساغ لنا أن نبين تاريخ حدوث هذه الصناعة فقد ذكر أحد الباحثين في هذا الشأن واسمه المسيو أوتوفون فالك في كتابه صناعة الكاشاني القديم أن ألواح الزجاج الملونة البراقة التي بقيت من القرن الثلاث عشر في إيران هي دهان على سطح مستو وإن المصفحات التي كتبت عليها كتابات بارزة لم تظهر إلا في القرن الرابع عشر. ودامت صناعة التلميع خلال القرون الثلاثة التالية وبلغت درجة من التفنن غريبة. وإن طبخ بعض القطع برفع الحرارة فيها إلى درجة عالية قد جعلها كالصيني على ما يتجلى ذلك فيها. وقد بدت على عهد المغول تأثيرات الصناعة الصينية فانتشرت صور التنين وأبي الهول وغصن الخوخ وهو مزهر وكل ذلك من أصل صيني. دلنا ما عثر عليه في مصر في سهل الفسطاط أو مصر العتيقة على ما كانت عليه صناعة الخزف على عهد الفاطميين. وأصل نقوشها على الأقل فارسية وإن كان صنعها يختلف على أن المواد الأولية هي من مصر نفسها. وقد أثبت الرحالة ناصر خسرو أمراً غريباً من الأواني الخزفية ذات الألوان المتغيرة التي شاهدها في القاهرة وهذه الألوان هي من صفات الكاشاني الذي يلمع كحد النصال وعليه فيفهم من ذلك أن نظر هذا السائح الفارسي لم يقع في بلاده على ما يماثلها ون ما وجد منها في الري لا يرتقي عهده في الحقيقة إلا إلى أواخر القرن الثاني عشر. على أن ناصر خسرو رحل في الحادي عشر. وتوجد في هذا النوع صناعة شامية مصرية. وفي داخل مساجد السلجوقيين في قونية وكلها من القرن الثلاث عشر صور متأنق في صنعها من المربعات على الكاشاني. وكان محمد بن عثمان المعلم الذي كسا الحوائط بهذا النوع من الفسيفساء (أي الخزف المطلي والكاشاني المقطع) في مدرسة صرت شالو Syrtchalu من في مدينة طوس في خراسان وهي المدينة التي أصبحت مدينة المشهد وبقي من ذاك العهد هذا الضرب من الزينة في بورصة والأستانة من البلاد العثمانية. بدء بالبحث في الكاشاني الإسباني المغربي منذ عهد طويل وفي سنة ١٨٤٤ أظهره ريو كرو أمين متحف السيفر للمرة الأولى. أما اليوم فقد أثبت تاريخه أحسن ثبوت. والظاهر أن هذه الصناعة جاءت من بغداد. وربما كان ذلك عن طريق القيروان لا تواً وتعد أواني قصر الحمراء من بدائع صناعة مالقة. ويظهر أنها نشأت في القرن الرابع عشر وهو العهد الذي زار ابن بطوطة في هذه المدينة المعامل التي كانت تصنع فيها الأواني الخزفية الجميلة أو الصيني المذهب. والزينة بتصوير الوعول تدل على بقاء شكل قديم لا يتأتى صدوره إلا من الشرق. أما صناعة الأقداح المزينة بالمينا فلا يليق إغفال الكلام عليها لخطرها. وقد كانت هذه النموذجات من الأقداح في أوائل الفتوحات العربية تستعمل للعيار على صورة أقراص المعجون الكبير كتبت عليها التواريخ ودرسها المسيو كازانوفا للوقوف على حقيقتها. ثم أنك تجد أكواباً ملونة بضروب الألوان كقوس قزح لطول بقائها في الأرض. وربما اختلطت أحياناً بالأكواب القديمة والأكواب التي نقشت عليها صور مطبوعة يرغب فيها أرباب الفن رغبة خاصة مثل الكأس الصغيرة المرسوم عليها أسود ووعول وقد اقتناها مؤخراً متحف اللوفر. وتشير الأقداح المزينة بالمينا ولاسيما مصابيح المساجد المصنوعة من الزجاج التي ربما كانت مأخوذة عن مملة الروم البيزنطية إلى مهارة صناعها الغريبة على حين تدل مادة الزجاج المملوءة بالفقاقيع والعيوب على أنها ما كانت بجودتها ابداً من الطراز الأول. ومن هذه المصابيح مجموعة فيها ستون قطعة في متحف الآثار العربية في القاهرة وهي أتم مجموعة وجدت. ومن المحتمل أن هذا الزجاج لم يصنع في مصر حيث اخترع الزجاج على قول سياح الروم. وتكلم مؤلفو العرب على زجاج صور وذكر الرحالة بنيامين دي توديل أيضاً شيئاً عنها وقال أنه صادف أيضاً عشرة معامل للزجاج في إنطاكية كما قال يعقوب دي فيتري أنه رأى منها في عكا. وقد نقلت هذه الصناعة من صور إلى دمشق وفيها رأى الرحالة بوجيبومي سنة ١٣٤٦ معامل الزجاج تشغل على طول المسجد الأموي وقد أخذ تيمورلنك صناع الزجاج إلى سمرقند كما فعل بصناع الفولاذ. وأثبت كتاب العرب والفرس أنه كان في حلب والعراق معامل للزجاج أيضاً. يتبين من الأقمشة العربية أنها كنت بديء بدء مصنوعة على طراز ساساني أو قبطي أو رومي ويستفاد من حفريات الصنا أن الأقمشة الرومية والقبطية طارت كلها شيئاً واحداً بعد وكان التأثير الساساني فيها مستحكماً فإن صور الحروب والصيود وصور الفرسان الذين يعدون مسرعين ويرمون الأيائل والظباء بالنشاب هي من الكتابات الفارسية. وقد امتلأت ذخائر كنائسنا بقطع من الأقمشة بقيت زماناً لم تعرف البلد التي صنعت فيه وما هي في الحقيقة إلا من صنع الشرق في القرون الوسطى. ثم اشتهرت فارس بعد حين بالأطلس والمخمل (القطيفة) المقطع وقد رسمت عليه صور أشخاص وسط الأزاهير المتكاثفة واشتهرت مدينة كاشان بصنع الاستبرق والحبر. ولما فتح السلطان سليمان طوريس أخذ نساج الحرير إلىالبلاد العثمانية وأنشؤا فيها معامل صنعت هذه الأقمشة الحريرية والمخمل الكتب واشتهرت باسم حرير بورصة. وانتقلت هذه المصنوعات من آسيا الصغرى إلى البندقي وفلورنسة وجين وفرنسا ولم يعودوا يرسمون عليها صور أشخاص واقتصر في تزيين الأقمشة على الأزهار جعلوها بلا معنى وضعي كما في قطع الأواني الخزفية ويستفيد مما قاله عماري (العالم الإيطالي) أنه كان في صقلية قبل الفتح النورماندي فندق فرش بالوشي وكان ملاصقاً لقصر الأمراء الذين كانوا يحكمون على الجزيرة باسم الفاطميين. ودعت حملات روجر الثاني على بلاد اليونان إلى أن يجلب معه إلى بلومة صناع الحرير واسم مانيانري الذي يطلق بالإفرنسية على معامل الحرير جاءنا في الأصل من مدينة مان إحدى مدن جنوبي بلاد المورة اليونانية. ولما غلب هرقل خسرو الثاني عثر الجيش الروماني في قصر يزدجرد (داسكارات الملك) على طنافس مطرزة بالإبرة ووقع في أيدي العرب عندما فتحوا المدائن بسط منسوجة بالذهب والفضة ومرصعة بالأحجار الكريمة. ويعتقدون أن البسط ذات الوبر الكبير من أصل فارسي ومن فارس يجب أن تطلب إلا أنه لم يبق شيء من تلك العصور المتوغلة في القدم. ولأجل تنسيق تاريخ البسط رأوا أن يرتبوها بحسب أشكالها والتواريخ التي اهتدي إليها من صور أساليب التصوير الفلامندي والهولاندي والإيطالي. واخترع هذه الطريقة البديعة المسيو لسينج سنة ١٨٧٧ وكانت أوروبا إذ ذاك غاصة بالبسط التي تجلبها البندقية وبروج فافتتن المصورون بلطافة ألوانها وجودة نقشها وبادروا إلى إدخالها في نقوشهم ورسومهم. ويظهر أن البساط القديم المزين بالصور على أسلوب بديع الذي دخل مؤخراً في ملك متحف الإمبراطور فريدريك في برلين واهتم به كل من المسيو كاراباسيك والمسيو ريجل كان أصله من قونية من مخلفات سلاطين السلجوقيين الذي حكموا فيها فهو مما صنع في القرن الثالث عشر. أما البسط العجمية المرسوم عليها صور الطيور فإنها من بدائع ما حاكه كبار صُنع الأيدي. وكذلك الحال في البسط المنقوشة بالأزهار الكبيرة ومصابيح المساجد والأواني فإنها تؤلف طبقة بديعة أيضاً وعلى العكس في البسط المزينة بصورة مهندسة فإنها من مصنوعات آسيا الصغرى وما زالت إلى اليوم كل من مدينتي جورودس Guerudès وعشاق من مراكزها العظيمة. وبعد فهل من الممكن أن نشير إلى ما أثرته الصناعة الإسلامية في صنائع الغرب. نعم إذا أريد بذلك جمع الصنائع الماضية صبرة واحدة وتوحيدها كلها معاً على محو ما كانت على عهد الفتح العربي وكما يحدث أبداً عندما تنشأ ممالك كبيرة متسعة. وإذ بدل هذا الفتح وجه الشرق كان الداعي إلى اختلاط آسيا العليا بالغرب في عدة أماكن. وإنك لتجد النقوش المسماة (هوم) بلا داع وقد رسمت عليها الشجرة المقدسة أو حياة الآشوريين على نحو ما اقتبسها الساسانيون سواء كانت وحدها أو جعل على جانبيها حيوانات قائمة أو رابضة وكذلك الطريقة القديمة في صراع الحيوانات. ولقد كانت سفن العرب تتقدم إلى البحر الأتلانتكيكي منذ عهد الأسرة الكاروتنجية فحملت نقود الأمويين بواسطة الصلات التجاري إلى روسيا وبولونيا والدانيمرك والسويد ووجدت أنسجة مكتوب عليها كتابات كوفية محرفة في أطر أبواب الكنائس في نوتردام في بوي نفالي وفي كنيسة فوت شيهان الفرنسويتين وعلى كثير من المصانع وفي بعض المحال كما عثر على مثل ذلك في أبراج كاتدرائية شارتر وتقل المصورون بعض الصور الشرقية بالحرف. يرى المسيو ميجون أن يدرس صناعنا تلك الصنائع لأنها بقوة جمال أشكالها ودقة وضعها وصنعها المعقول ولمعان ألوانها ليس لها ما يشبهها بكثرة الصور واللطف السامي. وقد جرب بعضهم تقييد تلك الصنائع فأفلحوا في اقتباسها على نحو ما فعلوا في قباب زاوية قصر المعرض العام سنة ١٨٨٩ فوضعوا فوق الحديد الذي يحول بين الأقسام واتخذوه حيطاناً مصفحات من الكاشاني ذي النقوش الفارسية فكانت بذلك أو تجربة نجحت في هذا السبيل. كان بذخ ملوك المسلمين من الدواعي للصناع أن يرقوا الأساليب التي كانوا يأخذونها تقليداً عن أجدادهم شفاهاً فجددوها وتفننوا فيها فارتقت مع عدة أشكال قديمة بعضها من أصل بيزنطي وهي وارثة اليونان ورومية والآخر ساساني من أخلاف الدولة الأخمانية ولا سيما (في الأمور الصناعية) أو آشوري أو بابلي. ارتقت عدة فروع من الصنائع الإسلامية المنوعة الأساليب وهي ليست من أصل بيزنطي ولا فارسي فيفضل بعضهم التزيين المهندس أو النقوش التي تجعل على هيئة النباتات والأوراق وهو النمط الوحيد الذي بقي في الحقيقة حيث تأصل مذهب أهل السنة. ويمزج بعضهم فيه صور حيوانات ذات روح وهذه ينبغي نسبتها في أكثر الأحوال إلى تأثير فارس. ومن درس الصنائع القابلة للتشكل والتحول كالهندسة والصنائع اليدوية تتمثل لعينيه القرون الوسطى في الشرق بما أتى به من تمدنه الخاص وما هو إلا مثال المجتمع الذي أوجده القرآن في صورة ظاهرة مؤثرة. فإذا أضيفت إلى ذلك أقوال المؤرخين والجغرافيين لا تلبث أن تطلع على هذا النظام الاجتماعي الذي يختلف من عدة وجوه عن نظامنا وكان ثقلاً على أوروبا كما كان صلة بين العصور القديمة والعصور الحالية. المسلمون والذميون والمعاهدونهي خطبة القاعا في دار التمثيل العربي أحمد بك زكي من كبار علماء القاهرة يوم ٢٤ صفر سنة١٣٢٦ هجرية موافق ٢٧ مارس سنة ١٩٠٨ ميلادية و١٧ برمات سنة ١٦٢٤ قبطية الإحساس دليل الحياة! التضامن رائد العمران! تدبروا رعاكم الله فيما ترونه عن أيمانكم. وتبصروا فيما تبصرونه عن شمائلكم وتفكروا فيما بين أيديكم ثم خبروني ماذا تجدون؟ تجدون الشعور القومي قد تجسم معناه حتى كادت اليد تتقراه والعين تراه والإحساس لعمري دليل على الحياة. ثم ثوبوا إلى أنفسكم وانظروا كيف كنا إلى عهد قريب متنافرين متفككين لا نستمسك بحبل متينيمن جهة الدنيا أو من جهة الدين حتى قال فينا فيلسوف المشرق: أننا اتفقنا على أن لا نتفق. فاليوم أحمد الله إليكم يا بني مصر فقد أراد بكم الخير إذ وفقكم إلى سبيل الاتفاق. اليوم بدأنا نطرح تلك الأهواء التي جعلتنا شيعاً متفرقة. أستغفر الله! بل جعلت كل فرد منا مستقلاً بنفسه منفصلاً عن سائر بني جنسه. اليوم بدأنا نخالف ما ألفناه من تلك الاختلافات التي علمتنا أفانين العداوات وعبثت بكيان الأمة. اليوم بدأ الأفراد يتضامنون بعضهم إلى بعض فتألفت منهم أفواج وجماعات بحسب المشار والأميال والغايات. اليوم بدأت هذه الجماعات تتجاذب وترتبط بما فيه توثيق عرى الجامعة القومية وإظهار الأمة في مظهرها الصحيح. اليوم أخذت تلك الجماعات في وضع الحجر الأول من هذا البنيان. بلي. فلأن اجتماعنا الآن دليل على أننا قد أدركنا: أن التضامن رائد العمران. أيما أمة تولد فيها الإحساس وسعى أفرادها إلى التضامن فبشرها بخير قريب وفلاح عاجل. ولكن هنالك شرطاً لا مندوحة عنه: وهو أن يتعهد أهل الرأي فيها وأولو العزم منها هذا المظهر الجديد حتى لا يتغلب الشوك فيقتل النبت الصالح الذي يأتي بالثمر الشهي النافع. ذلك واجب مقدس يتحتم علينا جميعاُ أن نقوم به لخيرنا جميعاً: فكل فرد منا هو في الحقيقة خادم للمجموع كما أن المجموع يتكفل بخدمة كل فرد على السواء. دعاني ولو الفضل الدين تتألف منهم هذه الجمعية جمعية الرابطة المسيحية لأقف خطيباً بينكم وتركوا لي اختيار الموضوع كما أشتهي وأريد. فلم أر أفضل من المثول بين قومي وهم بنو أمي وبنو عمي داعياً إلى انضمام العنصرين اللذين يتألف منهما كيان الأمة المصرية راجياً أن يقوم غيري من الخطباء المفوهين فينسجون على هذا المنوال حتى نتوصل لتقويض دعائم التفريق التي جعلتنا مضغة في الأفواه وصيرتنا عبرة للناظرين. لا ينبغي لي أن أقول أن المقام ضيق وأن المركز حرج لأني وجدت مجال القول ذا سعة ولكن هذه السعة كانت سبباً في حيرتي فصرت أتردد وأردد المثل السيار الذي ضربه الفرنساويون وهو: إنما الحيرة في الاختيار. بيد أني بعد إنعام النظر رأيت أن أجعل خطابي على شكل محاضرة في صور مفاكهة أجاذبكم بها الحديث بذكر نوادر وأخبار حفظها التاريخ. وليس لي من أمل سوى أن نتوصل لجعل الأخلاف يرددون عنا شيئاً شبيهاً بما سأذكره من مآثر الأسلاف فيكون لنا لسان صدق في الآخرين: إذ يشتركون مع أرواحنا بسلام واغتباط في تحية هذا اليوم الذي هو باكورة الارتباط بين المسلمين والأقباط. المسلم والقبطي: وإذا شئتم قلت لكم القبطي والمسلم. فالأولون الآخرون والآخرون الأولون. ليس لهما إلا أم واحدة: هي مصر. وليس لهما إلا أب واحد: هو النيل. فهما صنوان بل شقيقان قد فرق بينهما الزمان حينما فسدت الأخلاق وتنكرت المعارف في هذه البلاد فتحكم فيهما الأجنبي والطاريء والدخيل سواء كانوا من هذا الدين أو من ذلك الدين. بل تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم: أن لا نقول بغير الوطن وأن لا نفزع لغير الجامعة القومية. هذا تاريخنا وتاريخكم يشهد لأجدادنا وأجدادكم ويشهد علينا وعليكم. فما بالنا لا نرجع لسنة الأسلاف وقد كان فيها مجدنا ومجدكم؟. سيقولون أن المسلمين اضطهدوا الأقباط. كبرت كلمة تخرج من أفواههم فكلها أغلاط في أغلاط. هلموا يا بني أمي ويا بني عمي إلى قاضي التحقيق أو على قاضي الإحالة ليأمر بحفظ هذه القضية لأنها لم تتوفر فيها أقل دلالة بل لأنها مبنية على الضلالة لا محالة. من هم المضطهدون ومن هم المضطهدون؟ أولئك نفر قليل من الحكام الغرباء الذين لم يرعوا إلاًّ ولا ذمة لا في المسلمين ولا في أهل الذمة. والمضطهدون (بفتح الهاء) هم المسلمون والأقباط على السواء: اللهم إلا أن يقال على سبيل البسط أن الاضطهاد والضغط كانا أشد وقعاً على رهط الأقباط: لأن اسمهم جاء على حرف الطاء. كان الحاكم الظالم إذا تولى مصر (والظالم لا دين له) يستنزف الأموال ويستعبد الرجال لا يفرق بين فريق وفريق ولكن أثره لا يظهر ظهوراً واضحاً في المسلمين لأنهم أكثر مالاً وأعز نفراً بخلاف الأقباط فإن أقل حيف يقع عليهم يكون أثره أشنع وأفظع لقلة عديدهم. فلو كان لي تسعون نعجة وكان لأخي عشرة ثم وقع وباء أهلك ثلثي ما أملك وخمس ما لأخي لكانت مصيبتي أجل وأكبر وإن كانت لا تذكر ولا تظهر في جنب ما حاق بأخي الأصغر إذ يبقى لي ثلاثون ويبقى له ثمان. ولو كان لي ثوب ذرعه عشرة أشبار في عشرة أشبار وله ثوب قدره شبر في شبر ثم وقعت نقطة زيت على كل من الثوبين لكان وقعها على ثوبه أعظم أثراً وإن كنا قد تساوينا ضرراً. تلك هي حقيقة الحال وإن كان هنالك بعض شذوذ نادرة فالنادر لا حكم له. فما بالنا لا نتناسى الأضغان إن كان هنالك أضغان؟ بل ينبغي لنا أن لا نكون أقل في العقل وأحط في الإدراك من ذلك الشرطي وذلك الحوذي: إذ أخذ الأول نمرة الثاني ليحرر فيه محضر مخالفة فأخذ الثاني نمرة الأول ليشكوه إلى العظيم الذي استوقفه. فقال له: إمسح وأنا أمسح إليكم الآن أحاديث الرسول وما ورد في شريعة المسلمين مشفوعة بنتفٍ من أخبار الماضين علها تكون عبرة وتذكرة وعسى أن يكون من ورائها ما نرجوه من الرجوع إلى توثيق علائق الارتباط بين المسلمين والأقباط. ورد في الآثار الثابتة الصحيحة أنه قال: وأَبلغ من ذلك: وابلغ من ذلك: وابلغ من ذلك: تلك هي أحاديث الرسول. وهل بعد هذه الوصايا المتكررة من حفاوة ظاهرة. اللهم إنها آية تجعل المسلمين أنفسهم يغبطون عليها أخوانهم الأقباط ولننظر الآن على ما جاء في الشرع وقرره الفقهاء: وجه أهل المصيطة سؤالاً إلى الإمام مالك فقالوا إنا نخرج في بلاد الروم (آسيا الصغرى) فنلقى العلج منهم مقبلاً إلينا فإذا أخذناه قال: إنما جئت أطلب الأمان فهل نصدقه؟ فقال مالك: هذه أمور مشكلة أرى أن يرد إلى مأمنه. وبناءً على ذلك أفتى علماء الإسلام بأن الرومي إذا حلَّ يساحل المسلمين تاجراً ونزل قبل أن يعطى الأمان وقال: ظننت أنكم لا تعرضون لمن جاءكم بتجارة حتى يبيع تجارته وينصرف عنكم: فقالوا بأن يقبل منه قوله أو يرد إلى مأمنه. (مدونة جزء ٣ صفحة ١٠ ). فهل بعد هذا بيان في مبالغة المسلمين بالحرص على التجارة وحماية أصحابها ولو اتخذوها حيلة بل أفلا يقال بأنهم السابقون إلى فتح سياسة الباب المفتوح قبل أن يفتحه أهل أوروبا في هذه الأيام. إنهم توسعوا في سياسة هذا الباب المفتوح فقد ورد عن الإمام مالك أيضاً (في الجزء المذكور صفحة ١١ ) في حق الروم ينزلون بساحل المسلمين بأمان معهم التجارات فيبيعون ويشترون ثم يركبون البحر راجعين إلى بلادهم فإذا أمعنوا في البحر رمتهم الريح إلى بعض بلدان المسلمين غير البلاد التي كانوا أخذوا فيها الأمان. قال مالك: أرى لهم الأمان أبداً ما داموا في تجرهم حتى يرجعوا إلى بلادهم ولا أرى أن يهاجموا. وأفتى بأن الذمي إذا أسره المحاربون المسلمين ثم غنمه المسلمون فلا يكون فيئاً بل ترجع له حريته كما كانت ويردّ إلى ذمته وأهله وماله. وقد قرر أيضاً بأن أموال أهل الذمة وأموال المسلمين سواء غنم المحاربون شيئاً من أموال الفريقين ثم تغلب المسلمون وغنموا هذه أموال في جملة مغانمهم وأدركها صاحبها قبل القسمة سواء كان مسلماً أو ذمياً كان هذا أولى بها بغير شيء وإذا أدركها بعد القسمة أخذها بالثمن وإن عرف أهل الإسلام أنها أموال أهل الذمة لم يقسموها في الغنيمة ويردونها إليهم إذا عرفوها فمثلهم في ذلك مثل المسلمين سواءٌ بسواء. (راجع المدونة في الجزء المذكور صفحة ١٣ و ١٤ ). ورأيت في كتاب الذخائر الشرقية في ألغاز الحنفية المطبوع على هامش كنز البيان صفة ١٢٦ : إذا ماتت أم الولد وهو رضيع فأعطاه أبوه ليهودية ترضعه مع ابن لها وغاب أبوه وماتت اليهودية واشتبه الحال أيهما ولد المسلم ولم يحصل التمييز بوجه وبلغا على اليهودية فابن المسلم مسلم تبعاً وقد ارتد ولا يلزم أحدهما بالإسلام للاشتباه فأحدهما مرتد ولا يلزم بالإسلام لعدم تعيينه. وفيه أيضاً أنه إذا كان للعدو حصن وفيه واحد من أهل الذمة لا يعرف وقد افتتحه المسلمون عنوة ولم يؤمنوا من فيه لا يحل لهم قتلهم بسبب هذا الذمي الواحد الذي لا يمكن تعيينه وذلك لقيام المانع بطريقة يقينية وهو وجود رجل غير معين له ما للمسلمين وعليه ما عليهم وله في عنقهم عهد وذمة. ولا يلزم اليهودي بالحضور إلى مجلس القضاء في يوم السبت إلا اضطراراً بحيث لا يكون المقصود إيقاع الضرر به تعمداً بهذه الوسيلة ومن المقرر أيضاً أنه إذا دعت الحال لتغليظ اليمين فيكون ذلك في المحل المعظم وهو المسجد الجامع للمسلم ولا يقوم مقامه مطلق مسجد ويحلف اليهودي في بيعته والنصراني في كنيسته والمجوسي في بيت النار وقال الشيخ سراج الدين عمر الحنفي قارئ الهداية إذا بنى الذمي داراً عالية بين دور المسلمين وجعل لها طاقات وشبابيك تشرف على جيرانه هل يمكن من ذلك. فأجاب بقوله: أهل الذمة في المعاملات كالمسلمين وما جاز للمسلمين جاز لهم وإنما يمنع الذمي من تعلية داره إذا حصل لجاره ضرر من منع ضوء أو هواء هذا هو ظاهر المذهب. انتهى. وحكم المسلم كذلك أيضاً في حكم الضرر بالجيران. وحسبي هذه الشواهد الآن لأنني لست بمتفقه ولا متشرع كما أنني لا أبغي اغتنام هذه الفرصة لإلقاء درس في الشريعة الإسلامية الصريحة السمحاء فاسمحوا لي إذن بأن أطرق باب التاريخ وفيه غناء وكفاء بل هو الموعظة البالغة والحجة الدامغة. لا حاجة للإشارة إلى العهود الكريمة والمنح الجليلة التي أتحف بها نبي الإسلام كثيراً من النصارى. فأمرها مقرر معلوم وهي أشسهر من أن تذكر. قال المؤرخ القبطي الشهير بالمكين ما نصه: ورد في تواريخ النصارى أنه كان مؤثراً لهم رؤوفاً بهم. . وقال لعمر أن نفوسهم كنفوسنا وموالهم كأموالنا وأعراضهم كأعراضنا. ذكر هذا الحديث صاحب كتاب المهذب وأسلمه (اسنده) إلى مسلم وهو حجة الإمام أبي حنيفة في قتل المسلم بالذمي. وفد عليه بعض أكابر النصارى فقام له وأكرمه. فقالوا له في ذلك فقال: إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه وهذا كبير قومه. . . وقال من ظلم ذمياً كنت خصمه يوم القيامة. وقال من آذى ذمياً فقد آذاني. ولكني لا أرى أبداً من التلميح إلى العهد العمري الذي حعله عمر بن الخطاب في رفقبة المسلمين والكتابيين ما داموا مرتبطين بعروة الوطن التي لا نفصام لها. فإن ثاني الخلفاء الراشدين هو أول من اشتبكت في أيامه مصالح المسلمين وغير المسلمين. فقد روى المقريزي عن علماء الأخبار من النصارى أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما فتح مدينة القدس كتب للنصارى أماناً على أنفسهم وأولادهم ونسائهم وأمالهم وجميع كنائسهم لا تهدم ولا تسكن. وأنه جلس وسط صحن كنيسة القيامة ولما حان وقت الصلاة خرج وصلى خارج الكنيسة على الدرجة التي على بابها بمفرده ثم جلس وقال للبطرك. لو صليت داخل الكنيسة لأخذها المسلمون من بعدي من النصارى وقالوا هنا صلى عمر. وكتب كتاباً يتضمن أنه لا يصلي أحد من المسلمين على الدرجة إلا واحداً واحداً. ولا يتجمع المسلمون للصلاة فيهلا ولا يؤذنوا عليها. وانه أشار عليه البطرك باتخاذ موضع الصخرة مسجداً وكان فوقها تراب كثير فتناول عمر رضي الله عنه من التراب في ثوبه فتبادر المسلمون لرفعه حتى لم يبق منه شيء وعمر المسجد الأقصى أمام الصخرةثم أن عمر رضي الله عنه أتى بيت لحم وصلى في كنيسته عند الحنية التي ولد فيها المسيح. وكتب سجلاً بأيدي النصارى: أن لا يصلي في هذا الموضع أحد من المسلمين إلا رجل بعد رجل ولا يجتمعوا فيه للصلاة ولا يؤذنوا عليه. وكثيراً ما يشير المؤرخون إلى العهود العمرية وقد ألف أبو العباس أحمد بن محمد بن العطار الدنيسري المتوفى سنة ٧١٥ كتاباً سماه العهود العمرية في اليهود والنصارى ولم أظفر بشيء سوى اسمه في كشف الظنون الذي أفادنا صاحبه أيضاً هو والسخاوي في التبر المسبوك أن المقريزي له كتاب اسمه شذور العقود وأكمل صاحب الكشف اسمه في موضع آخر بأنه عقود في تاريخ اليهود وجلها لم تصلنا لسوء الحظ. فلما ظهر الإسلام وارتفعت كلمته كانت مصر في يد الروم روم الدولة الشرقية وكان عددهم فيها ثلثمائة ألف نفس توزعوا وظائف الدولة فيما بينهم وكانت الأمة كلها مهضومة الحقوق ليس لها سوى الاحتراف بالكتابة في الدواوين والتجارة والبيع والشراء والزراعة والفلاحة والخدمة والمهنة هذا فضلاً عن خدمة الدين فكان الأساقفة والقساوسة وغيرهم من الأقباط فلما قدم عمرو بجيوش المسلمين قاتلهم الروم حماية لملكهم ودفعاً لهم عن بلادهم حتى غلبهم عمرو على أمرهم فطلب القبط من عمرو المصالحة على الجزية فصالحهم عليها وأقرهم على ما بأيديهم من الأراضي وغيرها وصاروا معه عوناً للمسلمين على الروم وكتب عمرو لبنيامين بطرك اليعاقبة أماناً في سنة عشرين من الهجرة فسره ذلك وقدم على عمرو وجلس على كرسي بطركيته. ولما توجه عمرو لفتح الاسكندرية خرج معه جماعة من رؤساء القبط وقد أصلحوا للمسلمين الطرق وأقاموا لهم الجسور (القناطر) والأسواق وصارت لهم القبط أعواناً على ما أرادوا من قتال الروم حتى تم فتح الاسكندرية ورجع عمرو قاصداً الفسطاط فجاز بناحية الطرانة فاستقبله بها سبعون ألف راهب خرجوا من وادي النطرون وبيد كل واحد عكاز وطلبوا منه الأمان على أنفسهم وأديارهم فكتب لهم بذلك أماناً بقي عندهم وكتب أيضاً بجراية الوجه البحري فاستمرت بأيديهم وقد بلغت في إحدى السنين على خمسة آلاف أردب. قال علي باشا مبارك أنها لا تزيد الآن عن مائة أردب. . وقال المقريزي أن دير أبي قمار الموجود بوادي النطرون فيه الكتاب الذي كتبه عمرو بن العاص لأولئك الرهبان بجراية نواحي الوجه البحري على ما أخبره من أهبر برؤيته فيه. وقد توجهات إلى تلك الجهة في شهر يوليو سنة ١٨٩٤ بعناية الأب الجليل المثلث الغبطة كيرلس الخامس بابا الكنيسة المرقسية وبمساعدة المطران النبيل يوأنس مطران البحيرة والإسكندرية وزرت هذه الديارات كلها ونقبت فيما بها من الغرائر والزكائب والجوالق الموضوعة فيها الأوراق والكتب والمصاحف أملاً في العثور على ذلك الكتاب فلم أظفر به مطلقاً والغالب على الظن أنه ضاع أو تلقطه أحد سياح الإفرنج. فكان مثل الأقباط مثل المسلمين في التفريط بذخائر الأجداد. فأهل مصر كلهم سواء في ذلك. وإلا فأين المعاهدات والمكاتبات الدولية التي تبادلها ملوك مصر مع أمثالهم في أوروبا وغيرها؟ إننا إذا أردنا لعثور على شيء من هذا القبيل كنا عالة في أخص خصائصنا عن الإفرنج الذين حافظوا على ما وصلهم منا وقد نشره بعض علمائهم في القرن الماضي. فالتفريط والإفراط يستوي فيهما المسلمون والأقباط. فما بالهم لا يتساوون في أحكام علائق الارتباط؟. اتسع بعد ذلك ملك الإسلام وانتشرت أعلامه في سائر الآفاق. فمان الخلفاء والسلاطين حماة المسيحيين يدفعون عنهم الأذى ويحوطونهم بأصناف الرعاية والإكرام ويعاملونهم مثل المسلمون بتمام المساواة بل ربما زادوا في تعظيمهم وتقريبهم بما لا يكاد يصل إليه سراه المسلمين. هل أتاكم حديث عمرو بن العاص داهية العرب مع يحيى المعروف عند النصارى بغراماطيقوس أي النحوي؟ دخل هذا الفيلسوف على الأمير وقد عرف موضعه من العلوم فأكرمه وسمع من ألفاظه الفلسفية التي لم يكن للعرب بها أنسة ما هاله ففتن به. قال المؤرخ النصراني الفاضل غريغوريوس أبو الفرج المعروف بابن العبري في كتاب مختصر الدول: كان عمرو عاقلاً حسن الاستماع صحيح الفكر فلازمه وكان لا يفارقه. وعندي أن يحيى كان يحسن التكلم بالعربية دون عمرو فقد أثبت لنا التاريخ جهله باللغة الرومية وذلك في حادثة الأرطبون التي وقعت له بالشام وفي حديث أسره بالإسكندرية وسنذكره فيما بعد فإنه لم يفطن للمكيدة التي دبرها الروم لاغتياله لولا معرفة صاحبه في الأول ومولاه في الثاني بتلك اللغة وحسن تلطفهما في إنقاذه من التهلكة. هل أتاكم حديث الحجاج بن يوسف ذلك الداهية الثاني فقد كان ملازماً لتيادوق وثيادون النصرانيين ولهما مكرماً. دخل الثاني عليه يوماً فقال له الحجاج: أي شيء دواء أكل الطين. فقال: عزيمة مثلك أيها الأمير. فرمي الحجاج بالطين ولم يعد إلى أكله بعدها. وهل أتاكم حديث الدواوين في صدر الإسلام؟ فقد كان القيمون عليها كتاباً من النصارى وكانوا يكتبون الدفاتر باللغة الرومية حتى جاء عبد الملك بن مروان فألزمهم باستخدام اللغة العربية. وهل سمعتم في دولة من الدول أو هل جاءكم نبأ عز ملة من الملل بمثل ما حصل للأخطل؟ فإن هذا الشاعر النصراني كان في خصام مستديم مع شعراء المسلمين بل خاض في حق الهاشميين وتهجم عليهم بالمثالب والمطاعهن وهو على نفسه وماله آمن. هذا بعض ما أمكنني استحضاره الآن فيما يتعلق بالدولة الأموية. أما الدولة العباسية فحدث عن البحر ولا حرج فقد كان لها في هذا الباب ما هو أعجب وأغرب. انظروا ماذا جرى للخليفة المنصور وبخله مشهور حتى سماه التاريخ بأبي الدوانيق وبالدوينيقي أكرم طبيبه جيورجيس بن جبريل بن يختيشوع وأمر له بخلعة جليلة وأنزله في أجمل موضع من دوره وأكرمه كما يكرم أخص أهله. فلما مرض الرجل خرج الخليفة بنفسه ماشياً إليه وتعرف خبره. ولشدة شغفه به وتفانيه في حبه قال له: يا حكيم اتق الله وأسلم وأنا أضمن لك الجنة. فقال: قد رضيت حيث آبائي في الجنة أو في النار. فضحك المنصور وأمر له بعشرة آلاف دينار. والمنصور كان حازم الرأي قد عركته الدهور وخافت الأيام سطوته وروى العلم وعرف الحلال والحرام لا يدخله فتور عند حادثة ولا تعرض له ونية عند مخوفة يجود بالأموال حتى يقال هو أسمح الناس ويمنع في الأوقات حتى يقال هو أبخل الناس ويسوس سياسة الملوك ويثب وثوب الأسد العادي لا يبالي أن يحرس ملكه بهلاك وخلف من الأموال ما لم يجتمع مثله لخليفة قبله ولا بعده وهو تسعمائة ألف ألف وستون ألف ألف ففرق المهدي جميع ذلك حين أفضى الأمر إليه. وشبيه ذلك ما حدث بمصر في القاهرة سنة ٣٨٥ فإن الطبيب أبا الفتح منصور بن مقشر القبطي كان له منزلة سامية من أصحاب القصر واتفق أنه اعتل وتأخر عن الركوب فلما تماثل كتب إليه العزيز بخطه: بسم الله الرحمن الرحيم. طبيبنا سلمه الله سلام الله الطيب وأتم النعمة عليه. وصلت إلينا البشارة بما وهبه الله من عافية الطبيب وبرئه. والله العظيم لقد عدل عندنا ما رزقناه نحن من الصحة في جسمنا. أقالك الله العثرة وأعادك إلى أفضل ما عودك من صحة الجسم وطيبة النفس وخفض العيش بحوله وقوته. وقد دخل ابن مقشر في خدمة الحاكم بأمر الله وكان مكيناً في دولته وبلغ معه أعلى المنازل وأسناها وكان له من الصلات الكثيرة والعطايا العظيمة فلما مرض عاده الحاكم بنفسه ولما مات لم يقبض على تركته كما جرت العادة على كبار المسلمين والنصارى بل أبقاها كلها لورثته وأطلق لهم مالاً وافراً من خزينته. وشبيه ذلك بل أبلغ منه ما وقع للمعتصم العباسي مع طبيبه سلمويه فإنه مرض فعاده الخليفة وبكى هذا الهمام الجبار عنده وهو الرجل الذي لا يقاس به الرجال قوة بدن وشدة بأس وشجاعة قلب وكرم أخلاق وقال له: أشر عليَّ بعدك بمن يصلحني فقال عليك بهذا الفضولي يوحنا بن ماسويه وإذا وصف لك شيئاً فخذ أقله أخلاطاً. فلما مات سلمويه قال المعتصم: سألحق به لأنه كان يمسك حياتي ويدبر جسمي. وامتنع عن الأكل في ذلك اليوم وأمر بإحضار جنازته إلى الدار وأن يصلى عليها بالشمع والبخور على رأي النصارى ففعل ذلك وهوي راه وهو خليفة لامسلمين. فهل سمعتم بمثل ذلك عند غير أهل الإسلام. نعم سمعنا في هذه الأيام بأن ملك الإنكليز وهو مسيحي بروتستانتي قد انتقل إلى الكنيسة الكاثوليكية في لوندره لحضور الصلاة عن نفس ملك البرتغال فقامت عليه القيامة من جمهور الإنكليز وسوادهم الأعظم وكادوا يجاهرون بخلع طاعته لأنه خالف الدستور. نرجع بالحديث إلى المنصور العباسي فقد كان في خدمته نوبخت المنجم الفارسي النصراني فطلب ما نسميه الآن الإحالة على المعاش فسأله الخليفة عمن يخلفه فأشار بولده فاستقدمه فاستسماه فقال اسمي خرشاذماه طيماذاه مابازار خسروانشاه فقال المنصور كل ما ذكرت فهو اسمك؟ قال: نعم. فتبسم الخليفة وقال: اختر مني إحدى خلتين إما أن أقتصر بك من كل ما ذكرت على طيماذ وإما أن تجعل لك كنية تقوم مقام الاسم وهي أبو سهل. فقال رضيت بالكنية. فبقيت كنيته وبطل اسمه. ومن ذلك العهد إلى قرب دخول الدولة العثمانية في مصر كان النصارى واليهود والصابئة يكنون بأبي علي وأبي الحسن وأبي الفضل وأبي النجم وأبي الخير وأبي الفرج وأبي الكرم وأبي البقا وأبي بشر وأبي الحسين وأبي الفضل وأبي العلاء وأبي المكارم وأبي النصر وأبي الفتح وأبي المنا وأبي الحجاج وأبي العشائر وأبي المجد وأبي المعالي وأبي البركات وأبي الفخر وأبي الرجاء ويتلقبون بموفق الدين وجمال الكفاة وصنيعة الخلافة وعماد الرؤساء وأمين الملك وصنيعة الملك وسيف الدولة وشمسي الرياسة وركن الدين وكريم الدين وفخر الدين وشرف الدين وأوحد الدين وأمين الدولة وفخر الدولة وغرس النعمة ويتسمون بالحسن والحسين والعباس والفضل وعلي. ونحو ذلك من عنوانات الشرف التي نظن نحن وأنتم أنها وقف على المسلمين على أنها أسماء لرجال ورد تاريخهم في عيون الأنباء وفي طبقات الحكماء وفي مختصر الدول وفي الكامل والمقريزي وغيرها من المؤلفات المعتبرة. ومن ألطف ما يدل على دلال أهل الفضل في تلك الدولة ولو كانوا من غير الملة أن المهدي العباسي هم بالخروج إلى ماسبذان (من إقليم الجبل بفارس) فتقدم إلى حسنة حظيته أن تخرج معه. فأرسلت إلى رئيس المنجمين وهو توفيل بن توما النصراني الماروني قائلة له: أنك أشرت على أمير المؤمنين بهذا السفر فجشمتنا سفراً لم يكن في الحساب فعجل الله موتك وأراحنا منك. فقال للجارية التي أتته بالرسالة: ارجعي إليها وقولي لها أن هذه الإشارة ليست مني. وأما دعاؤك عليَّ بتعجيل الموت فهذا شيء قد قضى الله به وموتي سريع فلا تتوهمي أن دعوتك استجيبت. ولكن أعدي لنفسك تراباً كثيراً فإذا أنا مت فاجعليه على رأسك. فما زالت متوقعة تأويل قوله منذ توفي حتى توفي المهدي بعده بعشرين يوماً. وتوفيل الرهاوي هذا هو الذي نقل كتابي أوميروس الشاعر على فتح مدينة أيليون (تروادة) في قديم الدهر من اليونانية إلى السريانية بغاية ما يكون من الفصاحة وقد نقل العلامة سليمان البستاني أحدهما في أيامنا هذه إلى اللغة العربية فجاء آية في بابه. ولما جاء زمن الرشيد كان من أطبائه يوحنا بن ماسويه السرياني وخدم ابنه المأمون إلى أيام المتوكل وكان معظماً ببغداد جليل القدر وكان يعقد مجلساً للنظر ويجري فيه من كل نوع من العلوم القديمة بأحسن عبارة وكان يدرس ويجتمع إليه تلاميذ كثيرون. وكان فيه دعابة شديدة يحضره من يحضره لأجلها في الأكثر. وكان من ضيق الصدر وشدة الحدة بحيث تصدر عنه ألفاظ مضحكة شكا إليه رجل علة فأشار عليه بالفصد فقال لم أعتده فقال يوحنا: ولا أحسبك اعتدت العلة في بطن أمك. وصار إليه قسيسه وقال: قد فسدت معدتي عليّ فقال له استعمل جوارش الخوزي فقال له: قد فعلت، فقال: فاستعمل الكموني قال: استعملت منه أرطالاً. فأمره باستعمال البنداذسقون فقال: قد شربت منه جرة. قال: استعمل المروسيا فقال: قد فعلت وأكثرت فغضب يوحنا وقال له: يا أبانا يا قسيس إن أردت أن تبرأ فادخل في دين الإسلام فإنه يصلح المعدة. وفي أيام المأمون وهي الأيام البيض التي يفتخر بها الإسلام كان الحكماء والعلماء وكلهم مقربون لديه ولا يفرق بين أحد وآخر بسبب دين أو مذهب. والإفاضة في هذا الموضوع تطول ولكنني أقتصر على أمر واحد يدل على عداوة أهل الفن. فقد كان في زمنه من الأطباء سهل بن سابور فارسي نصراني في لسانه لكنة خوزية وكان إذا اجتمع مع يوحنا بن ماسوية وجيورجيوس بن يختيشوع وعيسى بن الحكم وزكريا الطيفوري قصر عنهم في العبارة ولم يقصر في العلاج. ولكنه كان يأخذ بثاره بطريق الدعابات فمن ذلك أنه تمارض وأحضر شهوداً يشهدهم على وصيته وكتب كتاباً أثبت فيه أولاده وجعل أولهم جيورجيس بن يختيشوع والثاني يوحنا بن ماسوية. وأرجو إعفائي من السبب الذي انتحله لذلك فعرض لجيورجيس زمع من الغيظ وكان كثير الالتفات فقال سهل: صري وهك المسيه أخرؤا قي أذنه آيه خرسي أراد ابالعجمة التي فيه: صرع وحق المسيح اقرؤا في أذنه آية الكرسي. ومن دعاباته أنه خرج يوم الشعانين يريد المواضع التي تخرج إليها النصارى فرأى يوحنا بن ماسويه في هيئة أحسن من هيئته فحسده على ذلك فصار إلى صاحب مسلحة الناحية أي القره قول وقال له إن ابني يعقني وإن أنت ضربته عشرين درة موجعة أعطيتك عشرين ديناراً ثم أخرجها فدفعها إلى من وثق به صاحب المسلحة. ثم اعتزل ناحية إلى أن بلغ يوحنا الموضع الذي هو فيه فقدمه إلى صاحب المسلحة وقال: هذا ابني يعقني ويستخف بي فجحد أن يكون ابنه وقال يهذي هذا. قال سهل انظر يا سيدي فغضب صاحب المسلحة ورمى يوحنا من دابته وضربه عشرين مقرعة ضرباً موجعاً مبرحاً. تلك أمور مما يتعلق بالأفراد وسنعود إلى شيء منها فيما بعد ولكن لا بأس من توجيه النظر إلى المجموع ففي أيام الرشيد خطب وزيره الفضل بن يحيى البرمكي بنت خاقان الخزر فأرسلها في تجمل عظيم ولكن منيتها وافتها في مدينة برذعة فأهم أعداء الخلافة أباها أن ذلك كان بدسيسة عليه للتنكيل به فخرج في سنة ١٨٣ من مدينة باب الأبواب في جيوش كثيفة من قومه فأوقعوا بالمسلمين وأهل الذمة وسبوا أكثر من مائة ألف نفسي وانتهكوا أمراً عظيماً لم يسمع بمثله في الخافقين. والتاريخ يحدثنا أن بابكاً الخرميّ خرج على خلفاء الإسلام وأبلى في المسلمين ومثل بهم وكاد يهدم خلافتهم ويمحي أثرهم من الوجود. وكان أصحابه لا يدعون رجلاًُ ولا امرأة ولا صبياً ولا طفلاً مسلماً أو ذمياً غلا قطعوه وقتلوه وأحصي عدد القتلى بأيديهم فكان ٢٥٠٥٠٠ إنسان. فوجه المعتصم بالله عنايته لاستئصال شأفته وقطع جرثومته حتى ضيق في وجهه المخانق وأخذ عليه المنافذ وسد دونه المسالك. فخرج الخارجي إلى بلاد الروم هارباً في زي التجار ومعه أهله فعرفه سهل بن سنباط الأرمني البطريق فأسره فافتدى نفسه منه بمال عظيم فلم يقبل وبعثه إلى قائد جيوش المسلمين بعدما ما ركب الأرمن من أمه وأخته وامرأته الفاحشة بين يديه وكذا كان يفعل الملعون بالناس إذا أسرهم مع حرمهم فكان أهل الذمة يجدون منه بقدر وجد أهل الإسلام. إذ كانوا سواسية عنده يرتكب فيهم المحارم والآثام. ولولا إخلاص الذمي ما تخلص من هذا الفاسق الكافر لأهل الإسلام. وكان المسلمون إذا حاربوا أعداءهم في الملك والسياسة وهم الروم لا يستهينون بمعاونة أهل الذمة فكان هؤلاء يصيبهم ما يحل بالمسلمين من ظفر أو نكاية. ولطالما أخذ الروم من أهل الذمة أسارى وعاملوهم بنفس القسوة التي يعامل بها أسارى المسلمين ولكن إذا وقع الفداء بين المتحاربين كان أول ما يشترطه المسلمين استخلاص النصارى الذميين أيضاً. فقد روى التاريخ أنه في سنة ٢٣١ هجرية في أيام الواثق ابن المعتصم كان الفداء بين المسلمين والروم على يد خاقان خادم الرشيد. فاجتمع المسلمون على نهر اللامس على مسيرة يبوم من طرسوس وأمر الواثق بأن يكون فداء أهل الذمة مطلقاً وبلا قيد ولا شرط وأما فداء المسلمين فقد أمر خليفتهم بامتحانهم قبل فكهم من الأسر فمن قال بخلق القرآن وأن الله لا يرى في الآخرة فودي به بأسير رومي وأعطي ديناراً. ومن لم يقل ذلك ترك في أيدي الروم. فاسمعوا واعجبوا. فلما كان يوم عاشوراء أتت الروم ومن معهم من الأسارى فكان المسلمون هم البادئون بهذا الخير فيطلقون الأسير فيطلق الروم أسيراً فيلتقيان في وسط الجسر فإذا وصل الأسير إلى المسلمين صاحوا: الله أكبر وإذا وصل الرومي إلى قومه صاحوا كيرياليسون حتى فرغوا فكان عدة أسارى المسلمين أربعة آلاف وأربعمائة وستين نفساً والصبيان ثمانمائة وأهل ذمة المسلمين مائة نفس. وفي سنة ٢٣٨ هجرية هجم الروم على دمياط في ثلثمائة مركب فنهبوها وأحرقوا دورها وجامعها وسبوا من النساء المسلمات والذميات نحو ستمائة امرأة فلم تشف للذميات مقولتهن بالأقانيم الثلاثة عند أولئك الذين قالوا أنا نصارى. بل كن والمسلمات سواء في البؤس والشقاء. وفي سنة ٢٨٣ سارت الصقالبة إلى الروم فحاصروا القسطنيطينية وقتلوا من أهلها خلقاً كثيراً وخربوا البلاد. فلما لم يجد ملك الروم منهم خلاصاً جمع من عنده من أسارى المسلمين وأعطاهم السلاح وسألهم معونته على الصقالبة ففعلوا وكشفوهم وأزاحوهم عن القسطنطينية وانظروا مكافأته لهم على هذه النجدة العربية والشهامة الإسلامية. لما رأى ملك الروم ذلك خاف المسلمين على نفسه فأخذ سلاحهم وفرقهم في البلدان حذراً من جنايتهم عليه فدعا ذلك الخليفة العباسي وهو المعتضد بن الموفق إلى السعي في الفداء فتم الأمر وبلغ جملة من فودي به من المسلمين منن الرجال والنساء والصبيان ألفينيوخمسمائة وأربعة أنفس. وهل يصح لنا أن نقابل تلك النخوة الشرقية لما فعله الإفرنج المقيمون (لا الأسارى) بالقسطنطينية؟ ففي سنة ٦٠٠ هجرية حاضرها ملك الإفرنج فروى ابن العبري أن الإفرنج المقيمون بها وكان عددهم ثلاثين ألفاً فتواضعوا مع الإفرنج المحاصرين لها ووثبوا في البلد وألقوا فيه النار فاحترق نحو ربع البلد فاشتغل الروم بذلك ففتح الإفرنح الأبواب ودخلوها ووضعوا السيف ثلاثة أيام وقتلوا حتى الأساقفة والرهبان والقسيسين الذين خرجوا إليهم من كنيسة أيا صوفيا العظمى وبأيديهم الأناجيل والصلبان يتوسلون بها ليبقوا عليهم فلم يلتفتوا إليهم وقتلوهم أجمعين ونهبوا الكنيسة. فأين فعلهم من فعل عمرو بن العاص مع رهبان النطرون. هذا وقد كانت الفتن توالت ببغداد فخربتها فشرع عضد الدولة سنة ٣٦٩ في عمارتها فعمر المساجد والأسواق وأدر الأموال على الأئمة والعلماء والقراء والغرباء والضعفاء الذين يأوون إلى المساجد وجدد ما دثر من الأنهار وأعاد حفرها وتسويتها. ولكن هل وقف ذلك الأمير المسلم عند هذا الحد في عاصمة عواصم الإسلام؟ كلا فقد ذكر ابن الأثير في الكامل أنه أذن لوزيره نصر بن هاردن (وكان نصرانياً) في عمارة البيع والأديرة وإطلاق الأموال لفقرائهم. فكان المسلمون والنصارى في هذا الرخاء سواء. بل أن المجوس أنفسهم وهم لا ذمة لهم ولا كتاب نالوا من عدل الرجل وإنصافه ما خلدته الدفاتر مع الثناء الوافر. فقد وقعت في تلك السنة فتنة في شيراز بين عامة المسلمين وعامة المجوس فنهب الأولون دور مواطنيهم وضربوا وقتلوا جماعة منهم. فسير عضد الدولة من جمع له كل من له أثر في ذلك وضربهم وبالغ في تأديبهم وزجرهم لأنهم لم يراعوا حرمة الوطن والجوار. ومما يدل على ارتباط المسلمين بأهل الذمة عند حلول الشدائد بهم جميعاً ما وقع سنة ٦٤٠ في ملطية بآسيا الصغرى عند هجوم التتار وتوالي نكباتهم بالأرض وبأهل الأرض. فإن المسلمين والنصارى اجتمعوا في البيعة الكبرى وتحالفوا أن لا يخون بعضهم بعضاً ولا يخالفوا المطران في جميع ملا يتقدم إليهم من مداراة التتار والقيام بحفظ المدينة والبيتونة على أسوارها وكف أهل الشر عن الفساد. وفي حدود سنة ٦٥٦ هجرية أزاح التتار أميراً مسلماً عن ملطية فلما رحلوا عنها رجع هذا الأمير إليها واسمه علي بهادر. فأغلق أهلها الأبواب في وجهه ولم يمكنوه من الدخول خوفاً من التتار. فشدد عليها الحصار حتى ضجر الناس وضاقت بهم الحيلة. ففتح له العوام أحد البواب فدخل المدينة عنوة. وكان أول همه أنه لم يتربص حتى يجيء الصباح فأصعد بالليل على المنابر جماعة ينادون ويقولون: إن الأمير قد أمن الرعية النصارى منهم والمسلمين فليخرج كل واحد إلى عمله ودكانه وليشتغل ببيعه وشرائه فإنما كلامه مع الحكام. ولنرجع إلى ذكر الأفراد لنشير إلى مقدار عناية ملوك الإسلام بفضلاء النصارى واحتمالهم منهم ما لا يمكن أن يتصوره عقلنا في هذه الأيام. فقد روى التاريخ أن يوحنا بن ماسويه الذي أشرنا إليه فيما سبق كان مع الخليفة العباسي الواثق في دكان (أي دكة مبنية للجلوس عليها) وكان مع الواثق قضبة فيها شص وقد ألقاها في دجلة ليصيد بها السمك فحرم الصيد. فالتفت إلى يوحنا وكان على يمينه وقال: قم يا مشؤوم عن يميني. فقال يوحنا: يا أمير المؤمنين لا تتكلم بمحال. يوحنا أبوه ماسويه الخوزي. وأمه رسالة الصقلبية المبتاعة بثمانمائة درهم وأقبلت به السعادة إلى أن صار نديم الخلفاء وسميرهم وعشيرهم حتى غمرته الدنيا فنال منها ما لم يبلغه أمله. فمن أعظم المحال أن يكون هذا مشؤوماً. ولكن إن أحب الأمير أن أخبره بالمشؤوم من هو أخبرته فقال من هو؟ فقال: من ولده أربعة خلفاء ثم ساق الله إليه الخلافة، فترك الخلافة وقصورها وقعد في دكان مقدار عشرين ذراعاً في مثلها في وسط دجلة لا يأمن عصف الريح عليه فيغرقه. ثم تشبه بأفقر قوم في الدنيا وشرهم وهم صيادو السمك فماذا فعل الخليفة؟ نجع فيه الكلام ولكن تشاغل مدة ثم قال ليوحنا وهو على ذلك الدكان: يا يوحنا ألا أعجبك من خلة؟ قال: وما هي؟ قال: إن الصياد ليطلب الصيد مقدار ساعة فيصيد من السمك ما يساوي ديناراً وما أشبه ذلك وأنا أقعد منذ غدوة إلى الليل فلا أصيد ما يساوي درهماً فقال يوحنا: يا أمير المؤمنين وضع التعجب في غير موضعه. إن الله جعل رزق الصياد من صيد السمك. فرزقه يأتيه لأنه قوته وقوت عياله. ورزق أمين المؤمنين بالخلافة فهو غنيٌ عن أن يرزق بشيء من السمك. فلو كان رزقه من الصيد لوافاه مثل ما يوفي الصياد. ومثل ذلك ما حدث للمتوكل الذي تولى الخلافة بعد الواثق هذا. فقد جرى على سنة أسلافه في تعظيم أهل الفضل مهما كانت عقيدتهم. كان الطبيب يختيشوع إذا دخل عليه في داره الخاصة جلس بجانبه على السدة: وهي منزلة لم يصل إليها وزير من المسلمين. فاتفق يوماً أن الخليفة رأى فتقاً في ذيل دراعة الطبيب وكانت من ديباج رومي. فأخذ يحادثه ويعبث بذلك الفتق حتى بلغ حد النيفق (وهو الموضع المتسع في السراويل والقميص) ودار بينهما كلام اقتضى أن سأل المتوكل يختيشوع: بماذا تعملون إن الموسوس يحتاج إلى السد. فقال يختيشوع: إذا بلغ في فتق دراعة طبيبه إلى حد النيفق شددناه. فضحك المتوكل حتى استلقى على ظهره وأمر له بخلعة حسة ومال جزيل. وكان يختيشوع هذا قد بلغ في أيام المتوكل العباسي من الجلالة والرفعة وعظم المنزلة وحسن الحال وكثرة المال مبلغاً يفوق الوصف مع كمال المروءة حتى أنه كان يباري الخليفة في اللباس والزي والطيب والفرش والضيافات والتفسح في النفقات. وهل سمعتم بمرتبة لمسلم في مسلم أو لنصراني في مسلم مثل المرثية البارعة التي نظمها الشريف الرضي في أبي إسحاق إبراهيم الصابيء المتوفى في شوال سنة ٣٨٤ ومطلعها: عطفاً أمير المؤمنين فإننا في دوحة العلياءِ لا نتفرق ما بيننا يوم العلاء تفوت أبداً كلانا في العلاء معرق إلا الخلافة ميزتك فإنني أنا عاطل منها وأنت مطوق وكان للنصارى واليهود في بغداد كلمة نافذة وقول مسموع في شؤون الدولة والعامة والسياسة ويشهد بذلك ما حدثنا به صاحب تاريخ الزوراء عن يوسف بن فيجاس أوبنخاس اليهودي وزكريا بن يوحنا وأبي عمرو سعيد بن الفرُّخان النصراني وهرون بن عمران اليهودي وبشر بن علي النصراني وأبي سهل نصر بن علي النصراني وأبي نصر بن بشر بن عبد الأنباري النصراني وابي الفضل بنان بن بنان النصراني وعلي بن عيسى الزنداني النصراني بل النساء النصرانيات كان لهن يد في سياسة الملك مثقل فرج النصرانية فقد مكان الخليفة المقتدر العباسي ينفذها في أمور الدولة ويعمل برأيها ويرسل خاتمه معها إلى من يريد تقليده الوزارة. وأمثال ذلك كثيرة حتى أن الناصر لدين الله قلد الجيش إسرائيل النصراني كاتبه والمعتضد بالله ملك ابن الوليد النصراني كاتب بدر الولاية العامة على الجيش. وكذلك فعل الوزير الكبير ابن الفرات فإنه قلد الولاية العامة على جيش المسلمين لرجل نصراني وجعل أنصار الدين وحماة البيضة يقبلون يده ويمتثلون أمره بسبب هذه الوظيفة. وكان بيت مال المسلمين تخرج منه الإنعامات السنية لأكابر الكتاب من النصارى وتقديرها بالمائة ألف دينار كما وقع لأصطفن بن يعقوب كاتب بيت مال الخاصة في أيام ابن الفرات وليعقوب ابنه حتى بلغت ثروتهما ألف ألف دينار. وكان ابن الفرات قد رسم بأن يدعى في كل يوم إلى طعامه خمسة من أصحابه المسلمين وهم: أبو الحسن موسى بن خلب وأبو علي محمد بن علي بن مقلة وبو الطيب محمد بن أحمد الكلوذاني وأبو عبد الله محمد بن صالح وأبو عبد الله الذي روى ولده هذه القصة وهو أبو القاسم ابن زنجي. وأربعة من أخصائه النصارى وهم: أبو بشر عبد الله الفرُّوخان النصراني وأبو الحسين سعيد بن إبراهيم التستري النصراني وابو منصور عبد الله بن جبير النصراني وأبو عمر سعيد بن الفرخان النصراني. وفكانوا يحضرون مجلسه في وقته من جانبيه وبين يديه ويقدم إلى كل واحد منهم طبق فيه أصناف الفاكهة الموجودة في كل وقت من خير كل شي ثم يجعل في الوسط طبق كبير يشتمل على جميع الأصناف وكل طبق فيه سكين يقطع به صاحبه ما يحتاج إلى قطعة من سفرجل وخوج وكمثرى ومعه طست زجاج يرمي فيه الثفل فإذا بلغوا من ذلك حاجتهم واستوفوا كفايتهم شيلت لأطباق وقدمت الطسوت والأباريق فغسلوا أيديهم واحضرت المائدة مغشاة بدبيقي فوق مكبة خيازر ومن تحتها سفرة أدم فاضلة عليها وحواليها مناديل الغمر من الثياب المعصور. فإذا وضعت رفعت المكبة والأغشية وأخذ القوم في الأكل وأبو الحسن ابن الفرات يحدثهم ويباسطهم ويؤانسهم. فلا يزال على ذلك والألوان توضع وترفع أكثر من ساعتين. ثم ينهضون إلى مجلس في جانب المجلس الذي كانوا فيه ويغسلون أيديهم والفراشون قيام يصبون الماء عليهم والخدم وقوف على أيديهم المناديل الدبيقية ورطليات ماء الورد لمسح أيديهم وصبه على وجوههم. وقد ذكرت هذه العبارة لأظهر ما كان للقوم من رفاهة وتأنق في داخليتهم كما كان لهم من عظمة وجلال في خارجيتهم فمصل هذا النظام لو حدثنا به أحد لاتهمناه بأنه يصور لنا شيئاً مما يجري في منازل عظماء أوروبا وأميركا ولولا أنه منقول بالحرف الواحد من كتاب تحفة الأمراء في تاريخ الزوراء للصابيء. ومن المقرر في الشريعة الإسلامية بناءً على ما جاء في القرآن وسنة الرسول وعمل عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن العباس وعبد الله بن مسعود ومن ابتعهم من أئمة الهدى أن ذوي الأرحام ترد عليهم مواريثهم. وقد كان العمل في ذلك جارياً على هذه القاعدة بصرف النظر عن ملة الورث سواء أكان مسلماً أو ذمياً. ولكن السنة قد تختفي في بعض الدول فيبطلها الحكام وظلماً وعدواناً. فقد وقع أن بيت المال اغتصب حقوق هؤلاء الوارثين من مسلمين وذميين فأمر المعتضد بالله ثم المستكفي بالله بالرجوع إليها في حق كل منهما ثم تنكرت هذه السنة الشريفة فأعادها المقتدر بالله وأصدر منشوراً جليلاً أمر بإظهاره وقراءته على الناس في المسجدين الجامعين بمدينة السلام وأرسله إلى جميع أصحاب الأعمال في الآفاق ومما ورد فيه بنوع التخصيص قوله: وإن يرد تركة من مات من أهل الذمة ولم يخلف وارثاً على أهل ملته. وكان النصارى وأئمتهم يعرفون حق المسلمين عليهم ويؤازرونهم في الشدة كما يستفيدون منهم في الرخاء فقد اتفق في أيام المقتدر بالله في أوائل القرن الرابع للهجرة أن القسطنطينية تولى على ملكها حدثان فعسفا أسارى المسلمين وشددا في التنكيل بهم وأجاعهم وأعرياهم وطالباهم بالتنصر ولم ير الوزير علي بن عيسى مساعدة من جانب الخليفة على إنفاق الأموال وتجهيز الجيوش. فأشار عليه بعض جلسائه لتصريف الهم عنه بأن يوسط عظيم النصارى بإنطاكية وهو البطرك وعظيمهم بالقدس وهو الجاثليق أو القاثليق لأن أمرهما ينفذ على ملوك الروم ولا يتم لهم أمر إلا بهما والطاعة لا تلزم جمهور رعيتهم إلا بقولهما وربما حرم الواحد منهم فيحرم عندهم فما هو إلا أن أرسل إليهما الوزير على يدي عامليه في إنطاكية والقدس حتى بادر عظيما النصرانية إلى إنفاذ رسول عنهما مع رسول من العامل إلى ملكي الروم وكتبا لهما ما نصه: إنكما قد فعلتما بأسارى المسلمين عندكما ما هو محرم عليكما ومخالف لوصية المسيح عليه السلام في أمثالهم وأمره فيمن جرى مجراهم. فإما زلتما عن هذه الطريقة وعدلتما عنها إلى ما تقتضيه السنة المأثورة وأحسنتما إلى من في أيديكما وتركتماهم على أديانهم ولم تكرهاهم على خلاف آرائهم وإلا لعناكما وتبرأنا منكما وحرمنا كما فلما وصل الرسولان إلى القسطنطينية أوصل رسول البطرك والقاثليق إلى الملكين وحجب صاحبه. وبعد أيام أذن له الملكان في المثول بين يديهما وقالا له: الذي أدى إلى ملك العرب من فعلنا بأسارى المسلمين كذب وشناعة وقد أذنا في دخولك دار البلاط لتشاهدهم وتسمع شكرهم وتعلم استحالة ما ذكر لكم في أمرهم. فذهب فرآهم كأنما هم خارجون من القبور وقائمون إلى النشور ووجوههم دالة على ما كانوا فيه من الضر والعذاب إلا أنهم في حالة صيانة مستأنفة ورفاهة مستجدة. قال الرسول: فتأملت ثيابهم فكانت جدداً كلها فتبينت أنني أخرت ذلك التأخير حتى غُير أمرهم وجدد زيهم. وقالوا لي: نحن شاكرون للملكين. فعل الله بهما وصنع مع إيمانهم إلي بأن حالهم على ما تأدى إلينا وإنما خفف عنهم وأحسن إليهم بعد حصولي هناك. وقالوا لي في عرض قولهم: كيف عرفت صورتنا ومن تنبه على مراعاتنا حتى أنفذك من أجلنا. فقلك: ولي الوزارة والوزير أبو الحسن علي بن عيسى. فبلغه خبركم فأنفذ وفعل كذا وكذا فضجوا بالدعاء له. وسمعت امرأة منهم تقول: مر يا علي بن عيسى لا نسي الله لك ذلك الفعل. فعند ذلك بكى الوزسير بكاءً شديداً ثم سجد لله تعالى شاكراً حامداً. والبلاط المذكور هنا هو دار كانت بالقسطنطينية مخصوصة لأسارى المسلمين ذكره المتنبي وأبو فراس في أشعارهم وقد ذكره أبو العباس الصفوي شاعر سيف الدولة وكان محبوساً وضربه مثلاً: أراني في حبسي مقيماً كأنني ولم أغزُ في دار البلاط مقيم ومجمل القول أن أفاضل الروم والسريان والكلدان واليعاقبة والفرس وسائر النصارى على اختلاف مللهم واليهود والمجوس والصابئة كانوا في أيام خلفاء بني العباس موضع التجلة والإعزاز والاحترام ووصلوا بعناية الخلفاء وأكابر الدولة من المسلمين إلى مقام محمود ودرجة لم يكن لها نظير في دولة أخرى شرقية أو غربية ولا حتى في هذه الأيام التي انتشرت فيها أعلام الحرية وانطلقت الأفكار من قيودها القديمة التقليدية. فكان الخلفاء وملوك المسلمين وأمراؤهم يجعلون ثقتهم فيهم ويسلمون إليهم طبهم وطب نسائهم ويأتمنونهم على حريمهم وأموالهم ويفضون غليهم بأسرار الدولة الإسلامية ويودعون عندهم أموالهم وذخائرهم ولا يجعلون بينهم وبينهم حجاباً بل يستقبلونهم في كل وقت وبغير إذن مثل المسيحي نزيل بغداد وإسحق بن حنين بن إسحق ويختيشوع بن جورجيس وأبي الكرم صاعد بن توما المعروف بأمين الدولة وأشباههم ممن لا نرى حاجة لسرد أسمائهم. وكان أكابر علماء المسلمين يتلقون العلم عن أفاضل النصارى وغيرهم عملاً بالحديث الشريف كما كان النصارى واليهود وغيرهم يتلقون العلوم الفلسفية وغيرها من علماء الإسلام فإن محمد بن موسى بن شاكر الذي كان أوفر الناس حظاً في الهندسة والنجوم في أيام المأمون كانت له دار في بغداد ككعبة لطلاب الفضل وعشاق العلم وقد تعلم فيها كثيرون ممن جعلوا لتلك الدولة بهاءً ورواءً وعطروا اسم الشرفق والإسلام. نكتفي الآن بذكر ثابت بن قرة بن مروان الصابئ الحراني نزيل بغداد فإن ابن شاكر المسلم لم يكتف بتخريجه في العلم بنفسه والإنفاق عليه من ماله حتى أكمل دروسه في داره عن الأساتذة الذين كان يدر عليهم الأرزاق لتنوير الأذهان بل رأى أن لهذا الصابئ حقاً عليه بهذا الجوار فوصله بالخليفة المعتضد وأدخله في جملة المنجمين فظهر فضله حتى بلغ عنده أجلَّ المراتب وأعلى المنازل وكان يجلس بحضرته في كل وقت ويحادثه طويلاً ويضاحكه والخليفة يقبل عليه دون وزرائه وخاصته. وقريب من ذلك ما وقع في مصر إذ التجأ إليه موسى بن ميمون اليهودي المشهور بعد ما أكره في الأندلس على الإسلام فأظهره وحفظ القرآن واشتغل بالفقه وأسرًّ اليهودية حتى إذا ما تحين الفرصة خرج إلى مصر في أواخر أيام الفاطميين فلما استقر الأمر فيها لصلاح الدين الأيوبي أخذه القاضي الفاضل (عبد الرحيم بن علي البيساني) تحت حمايته واشتمل عليه وقدر له رزقاً من خزينة الدولة لما رآه فيه من العلم الواسع والفضل الكامل. فإنه كان أوحد زمانه في صناعة الطب علماً وعملاً وكان متفنناً في العلوم وله معرفة جيدة بالفلسفة وكان الناصر صلاح الدين وولده الملك الأفضل يجلان قدره كثيراً ويعتمدان على رأيه في الطب وقد تولى الرياسة العامة على جميع اليهود بديار مصر. ولقد ابتلي موسى هذا في آخر زمانه برجل من الأندلس فقيه يعرف بأبي العرب وصل إلى مصر وحاققه على إسلامه وإلزام أذاه فمنعه عنه القاضي الفاضل وقال له: رجل يُكره على الإسلام لا يصح إسلامه شرعاً. وقد مدحه القاضي السعيد بن سناء الملك فقال: أرى طب جالينوس للجسم وحده وطب أبي عمران للعقل والجسم فلو أنه طبَّ الزمان بعلمه لا يراه من داء الجهالة بالعلم ولو كان بدر التم من يستطبه لتم له ما يدعيه من التم وداواه يوم التم من كلف به وأبرأه يوم السرار من السقم وأفادنا التاريخ أن الفارابي وهو المعلم الثاني (لأن المعلم الأول هو أرسطو طاليس) دخل العراق واستوطن بغداد وقرأ بها العلم الحكمي على يوحنا بن حيلان النصراني وأنه هو أقرأ يحيى بن عدي النصراني اليعقوبي الذي انتهت إليه رياسة أهل المنطق في زمانه. وقيل أن ابا سهل عيسى بن يحيى المسيحي الجرجاني وهو معلم الشيخ الرئيس ابن سينا صناعة الطب وإن كان الشيخ الرئيس بعد ذلك تميز ومهر فيها وفي العلوم الحكمية حتى صنف كتباً للمسيحي وجعلها باسمه. هذا وأنتم تعلمون أن يحيى بن عيسى بن جزالة النصراني قرأ الطب على النصارى وأراد قراءة المنطق فلم يكن فيهم من يقوم بهذا الشأن وذكر له أبو علي بن الوليد شيخ المعتزلة بأنه عالم بعلم الكلام ومعرفة للألفاظ المنطقية فلازمه لقراءة المنطق ثم حسن الشيخ له الإسلام حتى استجاب وكان يطب أهل محلته وسائر معارفه بغير أجرة ولا جعالة بل احتساباً ومروءة ويحمل إليهم الأدوية بغير عوض. وممن درس على شيوخ الأدب المسلمين يحيى بن سعيد ابن مالك النصراني فقد برز في هذا الفن حتى صنف ستين مقامة على مثال البديع والحريري فأحسن فيها وكان فاضلاً في علوم الأوائل وعلم العربية والشعر يرتزق بالطب. وهذا باب كبير جداً يتسع فيه المجال لعشرة أمثال هذا المقال غير أنني ألتمس الإذن من حضرات السامعين لأقص نبأ عليهم من أغرب الأنباء: أعرف في باريس رجلاً يهودياً من الذين توفروا على درس المشرق وآدابه وتواريخه وعنوا بالتنقيب عن كل شؤونه ونشروا كثيراً من مآثره الخالدة وأسفاره الممتعة وترجموا بعضها إلى اللغات الأجنبية. ذلك الرجل هو زميلي وصديقي العلامة الفاضل هرتويغ درنبوغ ولست الآن في مكان تقريظه وتعديد حسناته وإنما أقول لكن أنني رأيته في باريس قائماً بتفسير القرآن الكريم على جماعة من الطلبة الفرنساويين في مدرسة اللغات الشرقية فعجبت في نفسي من أمر هذا اليهودي الذي يشرح للنصارى في باريس وبلسان الفرنسيس كتاب المسلمين. ولكنني تذكرت تاريخ أجدادي وبه سيبطل عجبكم كما بطل عجبي. فقد كان الشيخ المؤرخ تقي الدين أبو العباس المقريزي المشهور صاحب كتاب الخطط المتوفى سنة ٨٤٥ من الهجرة له إلمام تام بمذاهب أهل الكتاب حتى كان أفاضلهم يترددون إليه للاستفادة منه فيما يتعلق بأمور دينهم وشرح مذاهبهم ومعرفة أسرار ملتهم وقد ألف كتاباً سماه شارع النجاة يشتمل على جميع ما اختلف فيه البشر من اصول ديانتهم وفروعها مع بيان أدلتها وتوجيه الحق منها وهذا بخلاف ما نراه في البيانات المفيدة الكثيرة في كتابه المشهور بالخطط الذي طبعه الخواجة روفائيل عبيد القبطي وقد أخذ الفرنساويون يترجمونه في هذه الأيام إلى لغتهم بمعرفة العلامة أوريان بوريان وبمعرفة العلامة كازانوفا المقيم بين ظهرانينا الآن لإكمال هذا العمل الجليل الذي برز في عالم المطبوعات قسم كبير منه. ولكن أين المقريزي وأين علمه من الفقيه الشافعي كمال الدين ابن يونس الذي ثقفه في الموصل ثم توجه إلى بغداد ثم رجع إلى الموصل ومات بها رابع عشر شعبان سنة ٦٣٩ فقد كان آية ولا كالآيات وأعجوبة ولا كالأعاجيب وموسوعة ولا كالموسوعات تبحر في جميع الفنون وجمع من العلوم ما لم يجمعه أحد وتفرد بعلم الرياضة واتفق الفقهاء على القول بأنه يدري أربعة وعشرين فناً دراية متقنة فمن ذلك مذهب الشافعي فكان فيه أوحد الزمان وكان جماعة من الطائفة الحنفية يشتغلون عليه بمذهبهم ويحل لهم مسائل الجامع الكبير أحسن حل مع ما هي عليه من الإشكال المشهور وكان يتفنن فن الخلاف العراقي (أي على مذهب الشافعي) والبخاري (أي على مذهب الحنفي) وأصول الفقه وأصول الدين ولما وصلت كتب فخر الدين الرازي إلى الموصل وكان بها إذ ذاك جماعة من الفضلاء لم يفهم أحد منهم اصطلاحه فيها سواه وكذلك كتاب الإرشاد للإمام ركن الدين العميدي لما وقف عليه حل اصطلاحاته في ليلة واحدة وأقرأها على ما قالوه وكان يدري فن الحكمة والمنطق (أي كتب أرسطو طاليس المنطقية الثمانية) والطبيعي والإلهي وكذلك فنون الرياضة من إقليدس (أي كتبه الرياضية) والهيئة والمخروطات والمتوسطات والمجسطي (أي الفلك) وأنواع الحساب: الحساب منه (أي علم العدد) والجبر والمقابلة والأرتماطيقي وطريقة الخطأين والموسيقى والمساحة معرفة لا يشاركه فيها غيره إلا في طواهر هذه العلوم دون دقائقها والوقوف على حقائقها واستخرج في علم الأوفاق طرقاً لم يهتد إليها أحد وكان يبحث في العربية والتصريف بحثاً تاماً وكان له في التفسير والحديث وما يتعلق به وأسماء الرجال يد جيدة وكان يحفظ من التاريخ وأيام العرب ووقائعهم والأشعار والمحاضرات شيئاً كثيراً وكان في كل فن من هذه الفنون كأنه لا يعرف سواه لقوته فيه وبالجملة فإن مجموع ما يعلمه من الفنون لم يسمع عن أحد ممن تقدمه أنه جمعه ولقد كان كبار المشايخ الذين لهم القدم الراسخة في العلوم يأخذون الكتاب ويجلسون بين يديه ويقرؤون عليه مع أنه لهم من الكتب الفائقة ما يشتغل به الناس والطلاب بل كانوا يتركون بلادهم وتدريسهم ويحضرون إليه للتلقي عليه ولقد تخرج عليه خلق كثير في كل فن. وليس كل ذلك شيئاً يذكر بجانب أمر صغير كبير اشتهر عنه وهو الذي أردت أن أتخلص إليه بهذه المناسبة. وذلك أن علماء النصارى واليهود كانوا يقرؤون عليه الطب والفلسفة وغيرها من العلوم التي اعتاد أهل ذلك العصر عصر النور أن يقرؤوها لأهل الكتاب ولا يمنعوهم منها. فليس في هذا شيء من الغرابة وإنما الغريب أنه مع كونه معدوداً من الفقهاء والمفسرين كان كما رواه ابن خلكان وهو حجة ثقة يجيء إليه أهل الذمة من اليهود والنصارى ويقرؤون عليه التوراة والإنجيل وقد شرح لهما هذين الكتابين شرحاً يعترفون أنهم لا يجدون من يوضحهما لهم مثله. ولو وقع مثل هذا في عصرنا لعد غريباً جداً. وممن قرأ عليه الحكيم تاذري الإنطاكي اليعقوبي الذي أحكم اللغة السريانية واللاطينية بإنطاكية وشدا بها شيئاً من علوم الأوائل ثم هاجر إلى الموصل وقرأ على كمال الدين بن يونس مصنفات الفارابي وابن سينا وحل أوقليدس والمجسطي. ثم عاد إلى إنطاكية ولم يطل المكث فيها لما رأى في نفسه من التقصير في التحصيل فعاد مرة ثانية إلى ابن يونس وأنضج ما استنهأ من علمه وانحدر إلى بغداد وأتقن علم الطب وقيد أوابده وتصيد شوارده وقصد السلطان علاء الدين ليخدمه فاستغربه ولم يقبل عليه فرحل إلى الأرمن وخدم قسطنطين أبا الملك حاتم ولم يستطب عشرتهم فسار مع رسول كان هناك للإمبرور ملك الفرنج وهو (فريدريكوس الثاني) فنال منه أفضالاً ووجد له به نوالاً وأقطعه مدينة بأعمالها. فلم صلح حاله وكثر ماله اشتاق إلى بلده وأهله فلم يؤذن له بالتوجه فأقام إلى أن مكنته الفرصة بخروج الملك في بعض غزواته إلى بلد المغرب فضم أطرافه وجمع أمواله وركب سفينة كان قد أعدها لهربه وسار في البحر مع من معه من خدمه يطلبون بر عكة. فبينا هم سائرون إذ هبت ريح رمت بهم إلى مدينة كان الملك قد أرسى بها فلما أخبر ثاذري بذلك تناول شيئاً من سم كان معه ومات خجلاً لا وجلاً لأن الملك لم يكن يسمح بإهلاك مثله. وممن جرى على هذا النحو العلامة برهان الدين إبراهيم بن عمر البقاعي المتوفى سنة ٨٨٥ فإنه فسر القرآن في كتاب له اسمه نظم الدرر في تناسب الآي والسور وهو كتاب لم يسبقه إليه أحد جمع فيه أسرار القرآن ما تحار فيه العقول وهو محفوظ بالمكتبة الخديوية وفي كثير من مكاتب القسطنطينية ولكي يكون هذا المفسر المحقق على بصيرة من أمره استمد كثيراً من الأمور والبيانات من التوراة والإنجيل وقد أشار في أوله إلى التوراة التي اعتمد عليها فقال ما نصه: واعلم أن أكثر ما ذكرته في كتابي هذا من نسخة وقعت لي لم أدر اسم مترجمها وعلى حواشي فصولها الأوقات التي تقرأ فيها والظاهر أنها نسخة اليهود وهي قديمة جداً فكان في الورقة الأولى منها محوٌ في أطرف الأسطر فكملته من نسخة السبعين ثم قابلت نسختي كلها مع بعض اليهود الربانيين على ترجمة سعيد الفيومي وهي عندهم أحسن التراجم فوجدت نسختي أقرب إلى حقائق اللفظ العبراني ومترجمها أقعد من سعيد في لغة العرب. وسعيد هو المشهور باسم سعديا. وقد ذكره صاحب كتاب الفهرست. وكان البقاعي كلما ذكر قصة مما ورد في القرآن تتعلق بأهل الكتاب شرح أمرها من التوراة غيرها من صحف الملل المتقدمة مثال ذلك أنه أشار في بعض المواضع إلى إحدى القصص فشرح أمرها من التوراة فقال ما نصه: في آخر السفر الرابع منها في النسخ الموجودة بين أظهر اليهود الآن في هذا القرن التاسع فيما قرأته من نسخة مترجمة بالعربية وخطها كذلك وعليه آثار قرءتهم لها وبيان الأوقات التي يقرأ فيها كل فصل منها ثم قابلتها بالمعنى مع شخص منهم وكان هو القارئ منهم ما نصه: وهذه مظاعن بني إسرائيل حيث خرجوا من أرض مصر بأجنادهم على يدي موسى وهارون وكتب موسى مخارجهم ومراحلهم عن قول الرب: ظعنوا من رعمسيس (وفي نسخة من عين شمس) في خمسة عشر يوماً من الشهر الأول. ولذلك قام عليه بعض الجهلة من أهل عصره وقبحوا طريقته قبحهم الله وأهانوه وسعوا به لدى الحكام ونفوه واضطهدوه بكل ما في وسعهم ولكن الرجل ثبت غي عمله حتى أتم تفسيره وصنف أيضاً بسبب ذلك كتابين أحدهما مصاعد النظر في الإشراف على مقاصد السور والثاني: الأقوال القويمة في حكم النقل من الكتب القديمة وهو محفوظ بالكتبخانة الخديوية. حكم منوعة حكم في سيرة الحياة ملخصة من كتب ديانة الهنود القديمة تتطهر النفس بمعرفة الذات وضبطها عن الشر وبالاستقامة والأدب والدين. الأم أثقل من الأرض والأب أعلى من السموات والعقل أسرع من الريح والأفكار أكثر عدداً من العشب. صديق رب البيت الزوجة وصديق الغريب في بلاد بعيدة الرفيق وصديق المريض الطبيب، وصديق المشرف على الموت الصدفة. أعظم خير للفضل الكرم. وللشهرة العطاء وللسماء الحق، وللسعادة السيرة الحسنة. الابن هو نفس الإنسان، والزوجة عطية من الله، وأخص معيشة الإنسان من الغيوم. خير ما يمدح الحذق وخير ما يُقنى العلم وخير ما يكسب العافية وخير أنواع السعادة القناعة. أعظم ما يجب على الإنسان الامتناع عن الإضرار بالناس. إذا أبى الإنسان الكبرياء كان محبوباً وإذا أب الغضب فلا يندم وإذا أبى الهوى صار غنياً وإذا أبى الطمع كان سعيداً. زجر النفس أحق الزجر، الصفح يقوم بالصبر على العداوة، والابتعاد عن كل عمل معيب يخلص من الخجل والعار. والرحمة قائمة بطلب الخير للكل. والبساطة راحة القلب. الغضب عدوٌ لا يغلب والطمع داء لا دواء له، والصادق من يريد الخير للخلق عامة وغير الصادق من لا رحمة فيه. الجهل الحقيقي هو الجهل بما يجب عمله. والكسل عدم القيام بما يجب عمله. الغسل الحقيقي غسل القلب من أوساخه. والصدقة مساعدة كل مخلوق محتاج. العالم من علم ما يجب عليه. والحسد ليس إلا حزن للقلب. الجهل الأعمى هو الكبرياء. ونشر كلام السوء في الغير. من يعد ولا يفي والغني الذي لا يعطي ولا ينفق على نفسه بخلاً كلاهما في النار الخالدة. من يقول قولاً شهياً صار شهياً عند الكل ومن عمل بالحزم نال ما طلب ومن كان له خلان كثيرون كان سعيداً ومن تابع الفضل كان له نصيب سعيد في الآخرة. السعيد من لا دين عليه ومن يلازم بيته. يذهب اليوم بعد اليوم أناس لا يحصى عددهم إلى منازل الموتى وأما الأحياء المتأخرون فيظنون أنفسهم خالدين في الحياة. خبر العمل الصالح يبلغ عنان السماء وينتشر في الأرض فما دام هذا الخبر كائناً يدعى الرجل رجلاً. من استوى عنده الطيب والمكروه والخير والشر والماضي والحاضر فهو المالك لعامة أنواع الثروة. من أقوال الفلاسفة القدماء الحواس كالشمس فكما أن الشمس تخفي السموات وتجلي رؤية الأرض هكذا الحواس تخفي الأشياء السماوية وتظهر الأشياء الأرضية. الاسم الحسن كالنار إذا اشتعلت مرة سهل دوام اشتعالها وإذا انطفأت لم تسهل إعادة اشتعالها. الحب الذي لا نهاية له هو الحب الذي لا غرض دنيّ منه. أحوج ما في العلم لفائدة الحياة نسيان ما هو غير صحيح. يتعلم الحكماء من الجهال أكثر مما يتعلم الجهال من الحكماء. ليست الرحمة صفة مغصوبة بل هي آتية من السماء كالمطر الرذاذ إلى ما تحتها وبركتها بركتان، بركة للمعطي وبركة للآخذ، وهي أجدر بالملك الجالس على عرشه من تاجه. وهي صفة ذات الله فتصير القوة الأرضية أشبه بقوة الله متى لطفت الرحمة العدل. وإن كان العدل حجتك فاعلم أن من هذا الوجه لا يرى أحد منا نجاة عند الله إلا أننا نلتجيء إلى رحمته وهذا الالتجاء يعلمنا جميعاً أعمال الرحمة. (شكسبير). حكم عصرية للمأسوف عليها العقيلة أنيسة كريمة الشيخ سعيد الخوري الشرتوني أحقر الناس جاهل ابن عالم وفقير ابن غني. ميراث كبير تعويد الولد العمل واجتناب المحرمات. من أحرز العلم بلغ ذروة الشرف. أجلّ الناس من جمع بين العلم والمال والفضيلة. أفضل رجال الدين من نمت في جوارهم الفضائل وانتشرت في معاشريهم نفحات الصلاح. معاشرة العلماء ضياءٌ ومعاشرة الجهال ظلام. جرائد كل عصر أصدق شاهد على أخلاق أهله وطبقاتهم في العلم. لا مؤونة للقلم واللسان بعد اللغة كالتاريخ والجغرافية. حافظ التاريخ والجغرافية ولطيف الشعر والأمثال والحكم زينة المجالس وفاكهة المحاضر. لا يضعف العدل والدين إلا متى كان زمامهما في أيدي أعدائهما. ما نظر الحكيم في شيء غلا استخرج منه فائدة. لا يسعد إلا من اعتصم بحبل الله. الفضلاء في الناس كالجواهر في الحجارة. قيمة العلماء في الأمم الشائخة قيمة المصابيح عند العميان. لا يغلب الحق وإن قل أنصاره. من أفظع العار أن يخالف الديانة من يسود باسم الديانة. الوعظ في فم الشرير كالماء الطاهر في المجرى النجس. أفضل ما تعمله المدارس اختيار الفضلاء البارعين للتربية والتعليم. أثمن الهدايا نصائح الحكام. مجاورة الصالحين كمجاورة النباتات العطرية. أملك الناس للقلوب مهذب حميد السيرة. من أحكم علماً عاش به. أولى الناس بالتزام السيرة الصالحة الحاكم والكاهن والطبيب فكل منهم مقتدى. استخدام الفقير أنفع من التصدق عليه. جدَّة المبادئ كالشباب وقدامتها كالشيخوخة فأصحاب المبادئ الجديدة ذوو همم قوية وأصحاب المبادئ القديمة ضعاف الهمم. من أحسن وسائل التقويم الترغيب في حسن الذكر. من أفضل الكتب التي تسمن عليها الآداب كتاب تليماك. الدين كاللوزة اجتناب المحرمات لبه والتكاليف قشره والمحافظة على القشر بعد إتلاف اللب رياء. أفضل المنشئين من لا تبلي الدهور كلامهم. جوامع الكلام منقولة عن الإنكليزية خشية الله أصل المعرفة والمجنون من يزدري بها (رأس الحكمة مخافة الله). فطرنا على حب الحياة ولو أنها قليلة اللذات. جبلنا على حب الحياة وإنها مخيفة أحلام أطافت بحالم جانب الشرير ولا تسر في سبيل أهل الدعارة فهم لا يأكلون غير الطعام الخبث ولا يكرعون إلا من نبيذ القسوة. لكل إنسان أن يعيش الدهر إذا كانت حياته روحية لا جسدية: إذا كانت حياته في طلب الحكمة وتخليد المآثر. وهذه حياة العظماء تؤكد لنا ذلك. الناس دون جهادهم موتى ول كن الأُلى عملوا المدى أحياء وفي هذا المعنى قال الرافعي أيضاً: وما غير العظائم باقيات يكرر ذكرها في كل آن يعمل المرء في حياته إما أعمالاً حسنة أو سيئة وعلى قدر ذلك يترتب هناؤه أو تعسه في الوجود. النجاح لا يقع اختياره إلا على رجل واحد من الناس لا يصاحب سواه وهذا الرجل هو الذي لا يعمل عملاً قبل أن يُعمل فكره فيه. قال وليم شكسبير: إنما العالم مسرح والناس من رجال ونساء ليسو سوى ممثلين يظهر كل عليه ويختفي. والمرء في حياته يمثل سبعة أدوار. فالدور الأول وهو زمن الطفولة إذ يكون رضيعاً يصرخ ويقيء بين ذراعي مرضعه. والثاني حين يصبح تلميذاً يحمل قمطره ووجهه يفيض بشراً وسناءً في الصباح يقفز كطير البجع ويتظلم من الذهاب إلى المدرسة. والثالث دور الهوى وهو الزمن الذي يكون فيه عاشقاً يتنهد تنهدات حارة تحكي زفرات الأفران وهو ينشد أغاني مطربة يخاطب بها لحاظ مالكة فؤاده. والدور الرابع وهو دور الشجاعة والإقدام حين يكون جندياً يقسم الإيمانات ولحيته تشبه لحية النمر: يغار على الشرف ويقتحم الغارات بخفة باحثاً عما يجديه فخاراً ولو في فوهات المدافع. هذا الفخار الذي أراه كجبب الماء لا يدوم ولا يلبث. والخامس وهو الدور الذي يجلس فيه على سرير الأحكام ويقضي بين الناس وبطنه ممتلئ مستدير وبصره حاد ولحيته مقصوصة قصاً مخصوصاً: عقله راجح وفكره ملم بكثير من الحوادث واعٍ لما صدر فيها من الأحكام. والسادس يبدأ باكتسائه الأردية الرفيعة القماش الواسعة الحجم ووضعه المنظار أمام عينيه وتعليقه كيساً بجانبه وقد غدت جواربه التي كان يلبسها وقت الصغر غير ملائمة لرجليه لكبر حجمهما وصوته ضئيلاً متلعثماً يحاكي صوت الأطفال. أما المنظر الأخير الذي ينتهي به هذا التاريخ المحزن الغريب فهو الطفولة الثانية يعني الشيخوخة والخبل المتناهي يتبعه فقد السنان والبصر والذوق بل وتضعضع جميع الجسد وقال كذلك على لسان ماكبيث: انطفئ يا ذا السراج انطفئ فإن الحياة خيال يسير وقال أيضاً: تأمل كثيراً وتكلم قليلاً ولا تشرع في تحقيق رأي يعجز عقلك دونه. عامل الناس بالعرف وراع واجبات الصداقة وضم من صادقتهم وتحققت إخلاصهم إلى قلبك وعلقهم بأطواق من الحديد ولاتضع كل إنسان حديث العهد بالمعرفة بك موضعاً علياً فتعلق بيدك الأكدار. حاذر من التشاجر مع أحد وإذا قدر لك هذا فاجتهد في إرهاب خصمك. أعر كل إنسان سمعك ولا تدع صوتك يقرع إلاّ آذان فئة قليلة من الناس. وقال يوحنا رسكن: خلق الإنسان لثلاثة دواع وهي العمل والأسى (الحزن) والسرور وكل من هذه الثلاثة له درجتان: وضيعة ورفيعة. فهناك عمل وضيع وعمل رفيع. وهناك حزن هين وآخر شديد. وكذاك فرح قليل وسرور مفرط فيلزمك أن لا تنأى عن الجمع بين هذي الثلاث ظناً منك أنه يتأتى لك أن تحيا بدونها فليست هناك نفس خلت من التشبث بها فانجبر وهيها. والعمل بدون السرور رديء وهو بدون الحزن كذلك. والحزن من غير العمل قتال وكذلك الحبور بدون العمل. وقال: تواضع على قدر ما ترغب فليس التواضع بمؤذ لإنسان ولكن خلّ شرفك في المحل الأول. وقال: لا يتقدم في سبيل الحياة إلا من كان قلبه آخذاً يزداد ليناً ودمه حرارةً وخاطره سرعة ونفسه رغبة في العيش مع السلام وأولئك الذين يوجد فيهم هذا الشعور هم هم ـ لا غيرهم ـ الأمراء والملوك الحقيقيون في الأرض. الساعة وخرساَء لم ينطق بحرفٍ لسانها سوى صوت عرق نابض بحشاها حكت لهجة التمتام لفظاً ولم تكن لتُفصح إلاَّ بالزمان لُغاها لها ضربانٌ في الحشا قد حكت به فؤاداً تغشاه الهوى وحكاها جزت حركات الدهر في ضربانها وبانت مواقيت الورى بعماها على وجهها خُطت علائم تهتدي بها الناس في أوقاتها لمناها مشت بين آنات الزمان تقيسه وما هو إلاَّ مشيها وخُطاها بها يتقاضى الناس ما يوعدونه ويرشد ضُلاّل الزمان هداها غدت كأَخي الإيمان تأكل في عاً وما أكلها إلاَّ التواءٌ مِعاها تدور عليها عقرب دور حائر بتيهاَء غُمت في الظلام صُواها تريك مكان الشمس في دورانها إذا حجبت عنك الغيوم ضياها فأعجب بها مصحوبةً جاء صنعها نتيجة أفكار الورى وحجاها بَنتها النهى في الغابرين بسيطةً فتمَّ على مرّ الزمان بناها تنادي بني اليام في نقراتها أن اسعوا بجدّ بالغين مداها ولا تهملوا الأوقات فهي بواترٌ تقطع أوصال الحياة شباها للشرق رعى الله عهداً بالحمى يرجع وهل راجع ما فات والقوم هجع وقد كان فيه من أقاموا بجدهم أراكين مجدٍ دونها القوم خشع وشادوا قصور المكرمات واطلعوا بدور علوم ما لها اليوم مطلع وقد غربت في الغرب شمس علومهم فهل بعد ما تقضي اللبانة تطلع فإنا عهدنا الشمس تحجب ليلةً ولو لبثت عنا ليالي نجزع فما بالها تمضي القرون ولا نرى جمال محياها على الشرق يسطع فهل لك يا نور الوجود ضغينة على أهله أم هم إلى اللهو نُزَّع سلوك فأسلوك المرابع بعد ما سفرت لهم دهراً ومالك برقع وما الشرق إلا منزل نام أهله طويلاً فما يدرون ما الناس تصنع فيا علماء العصر أشكو إليكم فهل عندكم للشكو يا قوم موضع فإن لم يجيبوا داعي الله للعلى فللصبر إن لم ينفع الشكو أوسع مطبوعات ومخطوطات مبادئ اللغة مبادئ اللغة للشيخ الإمام أبي عبد الله محمد بن عبد الله الخطيب الإسكافي المتوفى سنة ٤٢١ هجري مع شرحه له عني بتصحيحه السيد محمد بدر الدين النعساني الحلبي وطبع على نفقة أحمد أفندي ناجي الجمالي ومحمد أمين أفندي الخانجي وأخيه بمصر عن نسخة جيء بها من بغداد وقد وجد في الأصل المنقول عنه: هذا الكتاب أعني مبادئ اللغة مستخرج من كتاب العين للخليل ونوادر ابن الأعرابي وحروف أبي عمرو الشيباني ومصنف أبي زيد وجمهرة ابن دريد الأزدي. وفي الكتاب كثير من الفصيح الذي أخذه صاحب فقه اللغة وهو مما ينتفع به المترجمون والمؤلفون في هذا العصر وفيه فصح كثيرة وردت في أبواب منه مثل باب الكسوة ويدخل تحتها أصناف الثياب والملابس وباب البسط والفرش ونحوهما وباب الحلي والجواهر وباب الأواني والسراج وأبواب الطعام والطبخ والألبان والشراب وآلات البيت والأدوات وآلات الكتابة والزراع والسلاح وغير ذلك مما يلزم المتخاطبين في سفرهم ومقامهم وليلهم ونهارهم وبيوتهم وأعمالهم وحضارتهم وتأخرهم. وحبذا لو أضاف إليه طابعوه فهرساً بأسماء أبوابه وبيان فوائده وشوراده وأوابده. وقد وقع في ٢٠٤ صفحات وثمنه سبعة قروش مجلداً. توفيق المواد النظامية لأحكام الشريعة المحمدية توفيق المواد النظامية لأحكام الشريعة المحمدية هي رسالة للمرحوم الشيخ محمد الشطي المتوفى سنة ١٣٠٧ ذكر فيها مادة مما وافق فيها القانون العثماني الشرع الإسلامي قال في مقدمته: ولما نشأ من تضييق بعض العلماء على الملوك السابقين جعل الحكم على قسمين شرعي ونظامي تبادر إلى الأذهان أن الحكم النظامي مخالف للشريعة المطهرة المأخوذة من القرآن والسنة ومن تتبع أقوال الأئمة المجتهدين وأحكام الصحابة والتابعين وجد أن الأحكام كلها مأخوذة عن سيد المرسلين والرسالة مطبوعة طبعاً جيداً في مطبعة الشيخ فرج الله زكي بمصر. تقويم المؤيد صدر تقويم المؤيد عن سنة ١٣٢٦ وهي السنة الحادية عشرة له تأليف محمد أفندي مسعود المعروف بسعة اطلاعه وعلمه وأدبه حافلاً بأجل الفوائد التي يحتاج إليها الخاصة والعامة والرجال والنساء والمصريون والغرباء ولا عجب إذا قلنا أنه صورة مصغرة من تاريخ مصر وما يلزم لساكنها خصوصاً بل لساكن البلاد العربية عامة من المعلومات الفلكية والفنية والأدبية وأخبار الملوك والممالك والحوادث والمعاهدات الدولية والمسائل السياسية وأحوال الزراعة وتدبير المنزل وما تم من أساليب الارتقاء المادي والأدبي في مصر في السنة الماضية وقد طبع في مطبعة المؤيد طبعاً جميلاً ويطلب من إدارتها وثمنه خمسة قروش فنحث على اقتنائه ونرجو أن يوفق مؤلفه إلى إصداره سنين كثيرة ليزيده ارتقاءً فوق ارتقائه خدمة للغة وأهلها. مجموعة خطب مجموعة خطب للشيخ جمال الدين القاسمي وهي خطب جمعية منبرية مقتبسة من خطب نبوية وصحابية وأئمة مشاهير موضوعها العقائد والعبادات والمعاملات والشمائل والأوامر والزواجر والآداب والأخلاق والمواعظ وأحوال المعاد وهي في نحو ١٣٠ صفحة صغيرة جميلة الوضع والانتخاب وكنا نود لو كانت كلها مما كتب قبل القرن السادس لتجمع الفائدتين كما هي نافعة في الدارين. تطلب من طابعها محمد أفندي هاشم الكتبي في دمشق. سياحة في التبت سياحة في التبت ترجم عن التركية حكمت بك شريف سياحة مختصرة في بعض مجاهل آسيا كما ترجم من قبل تاريخ زنجبار وسيام فعساه يترجم أو يؤلف لنا رحلة أو تاريخاً عن هذا الشرق الأدنى أو القريب فيكتب بعد تبت عن العراق ونجد والحجاز واليمن ويحدثنا بعد زنجبار وسيام بأخبار آسيا الصغرى وبلاد الشام. تطلب الرحلة من المكتبة الرفاعية في طرابلس الشام. دليل السلام أصدرت إدارة جريدة السلام التي تطبع بالعربية في بونس أيرس عاصمة الأرجنتين الجمهورية الفضية دليلاً دليل السلام يحتوي على أهم الفوائد التجارية والإحصائية والتاريخية والحسابية والأخبار والفكاهات بالعربية والإسبانيولية جاء فيه أن عدد السوريين في تلك البلاد يربو عن ٤٥ ألفاً وأن عدد الجرائد والمجلات التي صدرت بالعربية منذ سنة ١٨٩١ في أميركا الشمالية والجنوبية قد بلغت إلى الآن أربعين بقي منها حياً ٢١ وفي هذا الدليل فهرس عام لتجار السوريين في الأرجنتين وفيه صور كثيرة وفرائد غزيرة وإعلانات جمة وجاء فيه أن أحوال الجالية هناك على أحسن ما يكون من الارتقاء فمنذ بضعة سني كان يندر أن تجد محلاً تجارياً قائماً بما يتطلبه نظام التجارة من ضبط دفاتر وحسابات واليوم نرى مثل هذه المحال مئات ومنذ بضع سنوات كان تنقضي السنوات ولا تسمع بجمعية أسست أو مشروع قام وفي أيامنا لا تخلو سنة من عشرات المشاريع يقوم بها المتنبهون عن كفاءة وشعور. اللباب اللباب هي مجلة علمية فلسفية طبية زراعية تصدر في القاهرة في أول كل شهر ل صاحبها م. ا. ا. ن ومديرها خليل أفندي مولود جاءتنا الأجزاء الثلاثة الأولى منها فقرأنا فيها عدة مقالات مختصرة في المعنى الذي ترمي إليه قالت في مقدمته: إننا نرمي في كلامنا على بطء مسير حركة العلم ونضوب معين الأقلام في التنقير على استجلاء الحقائق والقحط الذي أصاب أدمغة رجال الأقلام وأرباب الكتابة والتأليف ولم يتناول جميع المطالب العصرية التي عقمت بها أرحام الأقلام وأجدبت عن إنباتها رياض الإفهام وغدت بها مجلات العلم والأدب عالة على النقل والتعريب عن منشآت أوروبا حالة أن مجال الكتابة أرحب من الفضاء وموضوع عمراننا أغزر من الدماء ولم الألسنة قد انفتقت إلا لتزيين التقليد والتقاعد عن ركوب خطة التوليد ولم نر الخواطر قد انفدحت إلا لاختراع ضروب النقل والمسخ مكاثرة لهذا النوع من الكتابة الذي جر على العربية وآدابها معرة النقص وأورث صناعة الأدب كساداً وأي كساد وإنا لندعو أن توفق رصيفتنا الجديدة إلى سد هذا النقص المحسوس في اللغة العربية ونعني به التوليد والاختراع والبعد عن مواطن التقليد والجمود من نقل وتعريب. وفي كل جزء من الأجزاء الثلاثة مقالة للأمير شكيب أرسلان الأولى في الانتقاد والثانية في حقيقة التعريب والثالثة في تركة الفضل أخلد الآثار. والمجلة سلسة العبارة لطيفة المنزع تصدر في ٥٦ صفحة في حرف واضح جلي وطبع سليم نقي وقيمة اشتراكها في القطر خمسون قرشاً وسبعون في سائر القطار فنرحب بها ونتمنى لها الثبات في خدمة اللغة والآداب والإقبال الذي تستحقه. شورا شورا هي مجلة علمية أدبية فيها بعض أبحاث تصدر مرتين في الشهر باللغة التركية في مدينة أورنبورغ من أعمال روسيا لصاحبيها محمد شاكر أفندي ومحمد ذاكر أفندي رامبيف ومحررها رضاء الدين أفندي بن فخر الدين صدر منها إلى الآن ستة أجزاء فتلوناها مسرورين من نشاط أخواننا الروسيين في خدمة المعارف والآداب وعبارتها تركية تترية يسعى كابتها إلى تقريبها من التركية العثمانية ليعم الانتفاع بها وفي هذه الأجزاء مقالات لطيفة تدل على سلامة ذوق الكاتب وأدبه الجم وفيها بعض صور لمشاهير الروسيين المسلمين ممن كان لهم أثر في نهوضهم الاجتماعي والعلمي مثل الشيخ شامل وغيره وتراجم موجزة لهم وقيمة اشتراكها أربعة روبلات وإذا اشترك المشترك بها مع جريدة وقت يؤخذ منه سبعة روبلات ويا حبذا لو جعلت هذه المجلة ملزمة واحدة منها باللغة العربية تنقل فيها أهم ما يهم الأمة من أخبار تلك البلاد ونهضتها العلمية والأدبية تجعلها ملحقاً في كل جزء من أجزائها فيكون لها شأن بين قراء العربية كما لها شأن بين قراء التتارية والتركية. المفضليات طبع الشيخ أبو بكر بن عمر داغستاني والشيح حمزة أمين حلواني مختارات المفضل الضبي التي اختارها من شعر العرب للمهدي بطلب من أمير المؤمنين المنصور فجاءت في نحو مئتي صفحة متوسطة مشكولة كلها ما خلا الشرح الخفيف الذي علقه عليها الشيخ أبو بكر الموما إليه والمفضليات غنية عن التعريف وهي تطلب من مكتبة مصطفى أفندي البابي الحلبي وأخويه في مصر بستة قروش. تقرير المجمع العلمي الشمثوني السنوي Annual report of the Board of regents of the Smithsonian Institution 1906 من أعظم المجامع العلمية في الولايات المتحدة المجمع الشمثوني الذي أُسس في نيويورك سنة ١٨٤٦ بمال جاد به رجل اسمه سمثون ولا تزال أعماله في نجاح سنة بعد سنة كما يفهم من تقاريره السنوية وأمامنا الآن تقريره عن سنة ١٩٠٦ شرحت فيه الجمعية ميزانيتها التي بلغت مئات الدولارات وذكرت أسماء من تبرعوا لها بالأموال وفيه مقالات كثيرة لمشاهير كتاب الطبيعة والكيمياء والفلك والحيوان والنبات من أميركان وفرنسيس وغيرهم مما تنشر مثله كل سنة ليكون عوناً للناس على التعلم والاستنارة والتقرير يقع في نحو ٥٥٠ صفحة جيد الطبع جداً نفيس الورق وهو حاو لرسوم علمية ومصورات جغرافية كثيرة فنثني على رجال هذا المجنمع بما هم أهله ونتمنى لشرقنا المسكين ولو مجمعاً واحداً من مثل مجمعهم النافع. نادي دار العلوم أحسن هذا النادي بأن طبع ما ألقي فيه من الخطب هذا الشتاء في موضوع اللغة العربية وتسميته المسميات الحديثة فإن فيها من المباحث ما هو جدير بأن تتناقله كل يد فقي كل بلد وقد قرر النادي حلاً لهذا الإشكال أن يبحث في اللغة العربية عن أسماء المسميات الحديثة بأي طريق من الطرق الجائزة لغة فإذا لم يتيسر ذلك بعد البحث الشديد يستعار اللفظ الأعجمي بعد صقله ووضعه على مناهج اللغة العربية. فنرجو أن يوفق القائمون بهذا المشروع إلى تأليف المجمع الذي ينوون تأسيسه للنظر في هذا الغرض الشريف. سير العلوم والاجتماع التعليم والذكاء من المعروف الشائع أن التعليم يزيد الذكاء حدة ويقوي الذهن إلا أن طبيبين نطاسيين قد بحثا بحثاً طويلاً في ذلك فتبين لهما أن الولد ينسى بعد خمس سنين من سنه ما تعلمه من قبل نسياناً تاماً فالذاكرة كما يتوفر على تنميتها في المدارس لا يبقى فيها شيء بل أن العقل لا يحاول أن يعرف ما يجهل وقليل من الأولاد من حازوا من العارف قسطاً مما لم يتعلموه في المدارس وما يعرفونه كله مبادئ ويزول أثره من الذهن في الغالب. وقد سأل أحد الدكتورين تسعة وثلاثين تلميذاً من الصفوف العالية وتسعة وثلاثين تلميذاً من الصفوف الواطئة وثمانية وخمسين تلميذاً من الكليات أسئلة كلها بسيطة فلم يكن الجواب إلا التسجيل عليهم بالجهل المطبق وفي المسائل التي كان ينبغي لها شيء من صحة الحكم كان سكوتهم عليها محزناً فاستنتج من ذلك أن التعليم لا يساعد إلا قليلاً جداً على تقوية العقل وينبغي إصلاحه على صورة عملية أكثر من الآن. وهذا الرأي موافق لرأي هارون غورست الذي يرى المعارف المدرسية للذكاء أشبه بسم حقيقي ولذلك يطلب أن يكون الامتحان محدوداً معيناً وأن كل من يعاني صناعة بموجب شهادة بيده يجب عليه أن يفحص أمام جماعة من المحكمين كل خمس سنين وما هذا إلا لأن التعليم اليوم يقتصر فيه على الإكثار من الكتب والإكثار من الامتحان الشفاهي وتعلم الألفاظ والجمل وإهمال التزود من الأفكار وتمرين العقل على التفنن فيها وإيجادها. التفروزين La téphrosine هو نبات ينبت في جزيرة سيلان وكولومبيا وأميركا الوسطى وهو يستعمل للصباغ ويخرج منه نوع صباغ من النيلة ويكون منه مسهل ويستعمله الأميركان لتدويخ السمك ليسهل صيده وقد قرأ أحدهم في مجمع العلوم الباريزي تقريراً جاء فيه أن هذا النبات من السموم الشديدة وأن الصيادين لا يسكرون به السمك بل يسممونها ورأى أن يناقشوا الحساب في استعماله ويمنع بيعه إن أمكن. بعد الشمس ثبت أن الشمس بعيدة عن الأرض أكثر مما كان معروفاً فبعد رصدها ٢٦٠٠ مرة بالتلسكوب و ١١٠٠٠ مرة بالصور الشمسية تبين أن الشمس بعيدة عنا ١٤٩٤٧١٠٠٠ كيلومتر وكانوا يقولون منذ عهد كبلر أنها بعيدة ١٤٨٥٠٠٠٠٠ كيلومتر والفضل في هذا التحقيق يرجع إلى ما اكتشفه المرصد الفلكي في برلين سنة ١٨٩٨ من نجم مذنب صغير لم يكن معروفاً من قبل سموه (ايروس) وهو يقترب من الأرض بعد الأحايين فساعد هذا النجم على حساب بعد الشمس. الأرق أثبت أحد روّاد الإنكليز خلال صعوده جبل كون كون في بلاد كشمير شمالي الهند أن النوم على علو سبعة آلاف متر يقل ويحالف السهاد المقل لأن الأوكسجين يندر والتنفس يصعب فلا يلبث المرء أن يغفى حتى يستيقظ كالمذعور. أغنى كلية أغنى كلية في العالم هي كلية هارفرد الجامعة في الولايات المتحدة فإن رأي مالها خمسة وعشرون مليون جنيه فإذا أضيف إليها ثمن أراضيها وأماكنها وخزائن كتبها ومستشفياتها بلغ مجموعها نحو ثمانية وثلاثين مليوناً وهذه المدرسة بعيدة عن مدينة نيو كبردج. وفي هذه الولاية يُحظر بيع المشروبات الروحية. ويقبض رئيسها راتباً في السنة ستة آلاف دولار وكل أستاذ ثمانمائة جنيه وكل مساعد أستاذ أربعمائة جنيه وفيها نحو ٥٠٠ أستاذ و ٤٠٠٠ طالب. تبرج النساء كتب باولو لومبروزو العالم الإيطالي مقالة في هذا الموضوع قال فيها أنه ثبت أن أصل التبرج المشهود في النساء كان في أول الأمر مألوفاً لهن فأخذن يعمدن إليه استمالة لقلوب الرجال وما زلن في تفنينهن حتى صار فيهن على كرور الأعصار عادة وجبلة. فقد شوهد أن النساء المجنونات يفقدن لأول عهدهن بالجنون الرقة والحشمة والطهارة على أن حب التبرج يبقى مغروساً فيهن فيحرصن عليه. والتبرج مما عمت به البلوى كل النساء بدون استثناء فتراه عند الأميرة الكبيرة كما تراه عند الزنجية الحقيرة ولهن في التفنن بذلك أساليب حتى أن إحدى الغنيات الكبيرات في أميركا أراد أن يزورها ذات يوم أحد الأمراء من بعض الأسرات المالكة فتأهبت لذلك بأن أوصت على قفطانين جميلين إحداهما وردي والآخر أبيض صرفت فيهما ألفي جنيه. ولكن كيف السبيل إلى أن تظهر أمام الأمير بالقفطانين في آن واحد فأوعزت إلى خادم لها وهي على المائدة أن يلقي عليها شيئاً من المرق من صفحة يحملها فعندها انسلت إلى غرفة تبرجها ولبست القفطان الآخر فتم لها ما أرادت من الظهور أمام الأمير في ثوبين ثمينين في آن واحد. وليست المرأة محبة للتبرج في جميع طبقات المجتمع الآن بل كانت كذلك منذ العصور المتطاولة في زمن يكاد يكون فيه اختراع السكة والمحراث جديداً أي في العصر الذي كان الإنسان يسكن فيه المغاور. فقد عثروا في بعض الكهوف على أقراط وحلق وأساور. وترى النساء المتوحشات لا يبالين بالألم ويفادين بكل عزيز في سبيل تبرجهن فيضعن الوشم على أكثر أطراف أجسمهن تأثراً كالفم والصدر ويثقبن الآذان وأنوفهن وشفاههن ويدخلن في لثاتهن قطعة من الخشب ويقلعن أسنانهن ويضغطن على رؤوسهن لتكون مستطيلة ويصغرن أرجلهن تساوي في ذلك الشابات والعجائز وإنك لترى بنات الستين يذكرن أيام شبابهن ولا يقصرن في التبرج كما ترى الطفلة الصغيرة أول ما تفتح عينها عليه أنواع التبرج والزينة. ومن غريب ما شاهد في تبرج النساء أن امرأتين في إحدى مستشفيات المجاذيب توصلن إلى أن يضعن على وجهيهما الأبيض والأحمر مع أن يُحظر على المجذوبات كثيراً أن يُؤتى إليهن بشيء من الذرور البيض والعطور وغيرها من أدوات الزينة فأخذت إحداهن أو بعضهن ينحتن بأسنانهن كلس حيطان غرفهن وجمعنه فصبغن به وجوههن أبيض ناصعاً أما الحمرة فعمدت إحداهن إلى قميص وهو قميص المستشفى وكان فيه بعض خيوط حمر فأخذت تنسلها حتى أتت عليها ثم وضعتها في إناء وصبت عليها ماء فانحل صباغه فصبغت وجهها وقد توصلت إحدى مختلات الشعور إلى أن صنعت لنفسها مشداً من أسلاك الحديد تشد به خصرها فكانت تذنب مرات عمداً حتى تسجن في مكان بعيد عن رفيقاتها وراء حائط من أسلاك الحديد فتنسل كل مرة سلكاً حتى تجمع لها ما أرادت. وقد جرب بعضهم إدخال ثلاث أصناف من الألبسة إلى إحدى مستشفيات المجذوبات أعلى وأوسط وأدنى وقرر أن من كانت منهن حسنة السلوك تعطى الثوب الأعلى فما كان منهن كلهن إلا أن أحسن سلوكهن ليأخذن ثياباً من النمط الجديد. النساء وإن يكن لا يرين في التبرج حرجاً عليهن إلا أنهن لا يردن أن يقال عنهن متبرجات ويتظاهرن بأنهن لا يصرفن في التبرج أوقاتاً كثيرة مع أن أكثر أوقاتهن تصرف في إعداد معدات التبرج وما شأنهن في ذلك إلا شأن أولئك الشعراء الذين يحذفون ويثبتون من قصائدهم عشرين مرة ثم يدعون أنهم ارتجلوها ارتجالاً. ولطالما تحمل النساء صنوف الأوجاع في سبيل ما يورثهن بهجة ويعددنه من آيات التبرج مثل أولئك الصينيات اللائي يضعن أرجلهن في قوالب خاصة ليصغر حجمها ولكن ذلك يورثهن أمراضاً وإصابات أقلها أنهن يمشين قفراً مشية الكركي الأشل. وكذلك النساء في شبه جزيرة ملقة فإنهن يرين من آيات الجمال أن يكون عنق المرأة طويلاً فصنعن لذلك كلابات يضعن فيها رؤوسهن ليورثن بذلك طولاً لأعناقهن حتى تصير كأعناق الزرافة. والنساء الزنجيات في غانية الجديدة وبريطانيا الجديدة في المحيط الكبير يقعلن أسنانهن ليظهرن أكثر جمالاً بزعمهن بل أن النساء في تونس يطعمن الأرز ليصبحن كالأوز السمين بحيث لا يستطعن الحركة وكذلك نساء الإفرنج يتحملن كل مشقة في سبيل وضع المشد على خصورهن. وعلى كثرة تحذير الأطباء لهن عاقبة ضغط المشد ما برح أكثر النساء يستعملنه ويصبن بأمراض الكبد وتشوه الجسم وأحياناً يفضي بهن إلى الموت وهن لا ينتهين بل يصبرن على آلام المشد صبر أيبوب على بلواه ويكدن لا يتنفسن طول ليلة بأسرها وهن مع الرجال في الأندية. كل هذا مما يستدل به على ضبط النساء لهواهن وقمعن أنفسهن. وهذا استنتج بأن التبرج مطلوب للنساء وأنهن في حل مما يقمن به ولأأنهن كن قبل ستمائة سنة لا يقرأن ولا يكتبن في أوروبا ومع هذا كن يعنين بالتبرج ولهن فيه أساليب اخترعنها وتقلبن فيها بحسب الأزمان شأن النساء الموغلات إلى اليوم في التوحش من الأمم فإنك تراهن قد يغيرن أساليب التبرج وإن كانت آنيتهن وماعونهن وخرثيهن على الصورة الأصلية. فالتبرج ضروري للاجتماع يورثه بهجة ونشأة ولولا النساء وتبرجهن ما تجلت لعينيك البيوت والقصور ذات بهجة فالنساء بتبرجهن يدخلن السرور على القلوب والنظام على الأماكن وإذا قارنت بين بيت لا نساء فيه يزدنه بهجة ويزينن غرفه ومقاعده وحوائطه وبين دير ليس فيه إلا الضروريات من لوازم الحياة تجد الفرق بين التبرج وعدمه وزينة النساء ونقيضها مثل الشمس ظاهراً فالتزين والتبرج مطلوبان على كل حال في حياتنا الاجتماعية ولها نفع عظيم لأن فيهما من اللذة وسعادة العيش الخضال. مآكل العظماء ومشاربهم بحثت المجلة الباريزية فيما يأكله العلماء والكتاب وارباب الفنون في إنكلترا فقالت أن من صفات الإنكليز والإيكوسيين والغاليين والإيرلانديين ممن تتألف منهم بريطانيا العظمى في الأكثر الثبات وتحمل شدة الهواء فيرون في الأغلب التنزه في الهواء الطلق من الواجبات الصحية مثال ذلك اللورد أفبوري المعروف باسم السير جون لوبوك فإن قوة جسمه ناشئة عن جمعه الرياضات الطبيعية والسياحة إلى الاعتدال والتقلل وقال إن سبب طول حياته عنايته بقواعد فن الحياة فيأكل مآكل بسيطة قليلة ويتناول شيئاً قليلاً من الكحول وأنه يكاد لا يتناولها ولا يدخن وهو مشهور بالسياسة والعلم يتعب كثيراً في أعماله وعمره أربع وسبعون سنة. وقال السير ويليام كروكس وهو من كبار العلماء الذين لا ينفكون عن البحث والدرس والتأليف والاختراع وهو الآن في الخامسة والسبعين من عمره أنه يأكل بسرور كل ما يستطيبه على المائدة ولكن باعتدال ويشرب الخمر ويدخن وكانت صحته في جميع أطوار حياته جيدة جداً. ومثله غي عدم الكلال من العمل فريدريك هاريسون العالم المؤرخ الفيلسوف وهو اليوم في السابعة والسبعين من عمره يقتصر مأكله على اللحم ولكنه مقل في تناوله كما يأكل البقول واللبن والبيض. قال وأرى أن سبب الهرم العاجل الذي يصيب الطبقة العالية الغنية هو ما يتناولونه من المآكل لا ما يتناولونه من المشارب من بلغوا سن السبعين يجب عليهم أن يقللوا كمية طعامهم إلى النصف مما كانوا يأكلونه في فتوتهم. وأول قاعدة في الصحة جربت عليها هي أن أخرج من المائدة بدون أن تكون قابليتي للطعام قد سكنت. وأنا مسلم من حيث تناول الشربة الروحية فلا أتناولها طول نهاري اللهم غلا في المساء فإني أتناول قدحاً أو قدحين من خمر ألمانيا الأبيض أو غيره ولكن لا على أنه يعين القوى الطبيعية أو العقلية. ولا يسعني إلا ن أمدح الاعتدال في تناول الشاي والقهوة في النهار لا في الليل أو المساء. وأنا لا أدخن وأمقت هذه العادة وأعدها مما يتقزز منه ويضر بالحاضرين. فالتدخين كاستعمال السعوط والسكر وحلف الأيمانات كلها من العادات الفاسدة الضارة. وأنا أعرف كثيراً من الناس أثرت في صحتهم عادة استعمال التدخين. أنا اليوم في السابعة والسبعين من عمري لم أمرض في حياتي منذ كنت في التاسعة وقد أصبت بالحميراء وما قط عزفت نفسي عن العمل والكتابة فأنا اليوم أقدم المفروض علي للمطابع من الكتابة بنشاط أكثر من نشاطي أيام حياتي الماضية وعندي أن طول حياتي كان لتقللي وعنايتي بالرياضة كل يوم في الهواء الطلق وربما صعدت الجبل إذا اتسع لي الوقت وما قط تعبت من العمل ولا عملت بدون سرور. وقال الكونت روبرتس وهو الآن في السادسة والسبعين خدم الجندية وقاسى الأهوال في حياته وأكل الخشب وشرب العكر وتعرض للملاريا والأمراض وحضر حصار المدن ومعاركة الأبطال ومع هذا فهو في أجود صحة: إن سبب طول حبل أجله ناشئ من أنه يدخن قليلاً أو لا يدخن وأنه يأكل ويشرب باعتدال. والسير ويليام ميكايل روزتي هو الآن في التاسعة والسبعين من عمره عالم وأديب سئل عن القواعد التي يراها لدوام الصحة فقال أن الاعتدال في مأكله ومشربه هو سبب صحته وقد اعتدت التدخين منذ صباي وأنا أعد مكثراً منه وأرى أنه يشوش علي الهضم في الأحايين ولكني لست مصاباً بسوء الهضم وقال السير شارل ستانلي وهو من كبار الممثلين والمغنين وعمره الآن ٧٤ سنة أنه يأكل كل ما يشتهي ويشرب ويدخن كذلك لكن باعتدال. قال المستر جورج برنارشواف وهو في الثانية والخمسين من عمره خطيب كاتب أديب ناقد قصصي وهو ممن يركب الدراجات ويعاني السياحات والسباحات: إني لم أتناول اللحم منذ ٢٧ سنة وإني لا أشرب الكحول وأرى أنها ضارة في أرباب الأقلام فهي ليست مقوية على العمل بل مخدرة وشاربها لا يُفتح عليه بالأفكار بل يضيع منها أما التدخين فلا أتعاطاه وأراه فقذراً. وترى العقيلة الين تري الممثلة وهي الآن في الستين ولكنها إذا ظهرت على محل التمثيل فلا تظن إلا أنها في السابعة عشرة من عمرها إن أحسن قاعدة للصحة أن يأكل الإنسان في أوقات معينة قالت حاولت أن أنقطع مرة عن اللحوم فضعف جسمي بعد شهر ثم حاولت مرة أن أمتنع عنها فلم أقدر فظهرت لي صحة ما يقال من أن ما ينفع واحداً قد يكون سماً لغيره ولا أتناول مشروباً على الطعام وأنا على ثقة من أن الماء أحسن شراب ولكني أشرب كمية قليلة من الخمر والويسكي على أنني أراهما أضر على الإنسان من طبيخه المملوء بالخرطوش في أيدي أناس لا يحسنون أن يضبطوا أنفسهم ولا أدخن وإن حاولت التدخين. وقال الأستاذ الفرد روسل والاس وهو من أبناء التسعين وخصيم داروين في مذهب النشوء اشتغل بمذهب الانتخاب الطبيعي والجغرافية الجيولوجية وبحث في المادة والصحة الاجتماعية والتنويم المغناطيبسي فقال أنه إلى السبعين من سنه كان يأكل كما يهوى وكان هضمه جيداً ثم ضعف هضمه فاضطر أن يغير نظام طعامه ويقلل من كميته فاتقى بذلك مرض الربو المزمن وكان لأول أمره يشرب المشروبات الروحية باعتدال وفي الخامسة والعشرين من عمره امتنع عنها كل الامتناع فجادت صحته وقال أن التجارب والنظر دلته على أن المرء إذا قرب أن يشيخ ينبغي له أن يمتنع عن الكحول كل الامتناع لأنها تضر به لا محالة وأن يقلل من الطعام وأنا أتناول الشاي والقهوة وأحسن أوقات عملي في الصباح والمساء بعد أن أتناول كأساً من الشاي ومدة صباي لم أدخن قرفت من التدخين لما رأيت من سوء أثره في المدخن. نوم النباتات ويقظتها يختلف ميعاد نوم النباتات بحسب أجناسها فاللبلاب الأحمر يفتح عند الغسق ونبات زهر الربيع يزهر في الشمس عند مغيبها وأزهار النوفر (عرائس النيل) تطبق زهرتها الملونة في آخر النهار وتغوص في الماء في الليل. الثقاب في يابان يشتغل في صنع الثقاب أو الكبريت في بلاد اليابان ١٣٠ ألف نسمة فتصدر اليابان منه ما قيمته ستة وعشرون مليوناً وربع مليون فرنك هذا مع أن المواد الأولية لصنعه لا توجد في يابان ومع تشدد اليابانيين في أن لا يوقدوا المصابيح التي يوقدونها لأجدادهم إلا من شعلة نار صافية ما برح استعمال الثقاب يزداد في الاستعمال بين اليابانيين. الممثلون في أميركا يشكو الممثلون في أوروبا من قلة أرباحهم بالنسبة للممثلين في أميركا فإن كاروزو يتناول خمسمائة ألف فرنك للتمثيل ثماني ليال وأكثر من مائتي ألف فرنك لأغان تغنى أمام آلة الغرامافون ومثل ذلك في الليالي الخاصة ثم أنه يأخذ في الأسبوع ربع مليون فرنك لنفقته الخاصة في الفندق والمطعم ويربح الممثل بادرفسكي في كل شتاء ٦٢٥ ألفاً وكويليك نصف مليون وبالنظر لكثرة المتفرجين في أميركا ولغلاء أجور التمثيل فالليلة تربح في العالم الجديد عشرة أضعاف ما تربح في العالم القديم. تفاحة هائلة عرف علماء النبات أكبر شجرة تفاح في العالم وهي في شسهير من ولاية كنتكتيت في أميركا الشمالية غلظتها خمسة أمتار وعلوها خمسة وعشرون متراً وعمرها مائتا سنة وهي تعطي اثنين وخمسين هيكتولتراً من الثمر في السنة وخمسة من أغصانها تعطي ثمراً سنة واحدة والثلاثة أغصان الباقية تعطي في السنة التالية إلا أن تفاحها صغير ويكاد يكون خالياً من الطعم. سمن قديم عثر أثنءا الحفر في إحدى المحافر في إيرلاندا على عدة أواق من السمن تبين بالفحص أنه قديم جداً ظاهره أبيض وكأن فيه حبوب وباطنه استحال كتلة شمعية وإن ما وجد ثمت من جلود البقر أزال كل شك في أن السمن أصلي لا شائبة فيه. أطباء يابان راجت صناعة الطب في يابان وأي رواج فبينا تجد في فرنسا وهي عش الأطباء خمسين طبيباً لكل مئة نسمة ترى في اليابان تسعين طبيباً لكل مئة ألف وقد زاد أطباء يابان في سنة ١٩٠٧ وحدها ٧٥٠ طبيباً. وقف على العلم وقف حسن بك زايد من سراة مصر زهاء خمسين فداناً من أجود أطيانه في المنوفية على مشروع الجامعة المصرية. وهذه الأطيان تساوي أحد عشر ألف جنيه بارك الله بمانحها وأكثر فينا من أمثاله. هبة محمودة تبرع أحد محسني الأجانب في مصر بخمسمائة جنيه للجمعية الخيرية الإسلامية ولم يحب أن يذكر اسمه مثل الذي كان تبرع لها في السنة الماضية بخمسة آلاف جنيه ولم يحب أن يذكر اسمه. مدرسة صناعية بالفيوم نجز بناء مدرسة صناعية للبنين في الفيوم كلفت عشرة آلاف جنيه جمعها الأهلون ومنها ألف جنيه إعانة من الأوقاف ومدة الدراسة فيها ست سنين ثلاث للقسم العلمي وثلاث للصناعي والصنائع التي تعلم فيها النقش والتجارة والبرادة والخراطة والحدادة والسروجية وستدفع المعارف ٨٥٠ جنيهاً إعانة سنوية لإدارتها ويدفع الأهلون ٣٥٠ جنيهاً لهذا الغرض. مناجم البترول مناجم البترول كمناجم الفحم الحجري آخذة بالنضوب شيئاً فشيئاً فقد نزل معدل ما يستخرج من مناجم أبالاش وأوهيو وفيرجينيا والتكساس ولوزيانا في الولايات المتحدة كما قل معدله في غاليسيا في بلاد النمسا وكذلك الحال في القافقاس من بلاد الروسي فإن ما يستخرج منه نزل إلى ثلث ما كان يستخرج منه باديء بدء. ألياف الخشب أخذوا ينسجون من ألياف الخشب نسيجاً يقوم مقام القطن والكتان ويكلف أقل منهما في الثمن بل أقل من الحرير كما أخذوا ينسجون قماشاً أشبه بالصوف من بعض مواد يمزجونها بماء البحر. الزرنيخ والحمى أثبت أحد الأخصائيين من الأطباء أن الزرنيخ هو الدواء الوحيد الذي يقي من الحمى الصفراء فقال أن ألفي شخص في أورليان الجديدة استعملوا الزرنيخ سنة ١٩٠٥ فنجوا كلهم من هذه الحمى الخبيثة وهم معرضون للعدوى من كل جانب. مجهر جديد اخترع مجهر ميكروسكوب جديد ترى فيه أدق الدقائق بحيث يكون الانتفاع به ضعفي المجهر الحالي فيه ترى كيف تكبر الجراثيم وكيف تسير العدوى وكيف يسري اللقاح في الجسم. التصوير البارز اخترع أحدهم طريقة للتصوير الشمسي البارز يقولون أنها ستكون داعية لتغيير التصوير ظهراً لبطن إلا أن الصور التي ترسم على هذا النحو لا تصور الطبيعة في منظرها الحقيقي كله. عداد جديد كان باسكال أول من اخترع العداد وما زال المشتغلون فتوفرين على تحسينه وآخر عداد اخترع كان لمهندس روسي ظهرت فوائده العديدة لأنه يعد من الأرقام من عشرة إلى عشرين في وقت واحد ولا يحصل فيه خطأ ولا يتعب عقل المشتغل به. القطط والكلاب أخذت المحاجر الصحية منذ مدة تتوفر على إبادة الجرذان والفيران في السفن لأنه تبين أنها ناقلة لعدوى الأوبئة للبشر وقد انتبه أحد أطباء نيويورك إلى الضرار التي تلحق من القطط والكلاب بنقلها في وبرها بعض الجراثيم والديدان التي تجلب الضرر على الصحة وأورد على ذلك عدة أدلة منها أنه حدث سنة ١٨٨٧ وباء كبير بين القطط في لندرا فكان القط يحمل إلى أخيه العدوى وبالتالي تسري إلى الأولاد الذين يلعبون مع تلك القطط وحدث في سنة ١٩٠١ أن الطاعون اشتد في الإسكندرية وما كانت جراثيمه تنتقل أولاً من ملاح إلى ملاح على الباخرة إلا بواسطة قط كانوا يدللونه ويحبونه. وترى بعض الأمم المتمدنة الآن أن تعدل عن حب القطط والكلاب حباً بالتوقي وحرصاً على الصحة وقد بدأن ألمانيا فحظرت دخول والكلاب والقطط إلى الصيدليات ويا حبذا لو حظر دخولها إلى المجازر والمخابز والصيدليات والمطاعم. بطائح أميركا ستوافق حكومة الولايات المتحدة على تجفيف البطائح في ولاياتها فيكون منها من الأرض القابلة للزراعة ما يكفي لإعالة اثني عشر مليوناً من النفوس على أن يكون لكل واحد منهم ستة عشر هكتاراً من الأرض وتساوي هذه الأطيان ملياراً من الجنيهات ويستلزم ذلك إنفاق عشرة ملايين فرنك. حفظ المخطوطات بعد أن احترقت مكتبة تورين في إيطاليا وذهبت فيها ألوف من المخطوطات النادرة أخذ أهل العلم في أوروبا وأميركا يفكرون في طريقة لحفظ المخطوطات لأنها تكون في الغالب غير متعددة فإذا وجد في إحدى المكاتب مخطو يعد في نظر العلماء كنزاً لأنه لا مثيل له وقد ارتأى بعضهم في نقل صورة من كل مخطوط نادر تطابق الأصل بشكلها وخطها إلا أن هذا العمل يحتاج إلى نفقات طائلة وتقدم المستر غولي إلى حكومة الولايات المتحدة مؤخراً أن يجعل مصفحات (كليشهات) المخطوطات وأمهات الطوابع والنقود في مكان واحد وأن يجعل منها مسودات (بروفات) يتناولها العلماء ويستعيرونها للاستفادة منها لقاء ثمن بخس والغالب أن مكاتب أوروبا تضطر بعد حين إلى الجري على هذه الطريقة لحفظ الكتب النادرة. مرض جديد اكتشف مرض في إفريقية جديد اسمه البالري ما يشبه النوام أي مرض النوم وهو عبارة عن نقاعيات تصيب الحيوانات كالخيل والكلاب والحمير والقطط والخنازير فيصاب الحيوان بنزلة في أنفه وأذنه فيضعف في الحال. ويشتد هذا المرض بالقرب من الأنهار بحيث لا يتيسر تربية هذه الحيوانات إلا على بعد خمسة عشر كيلومتراً من المياه ولم يجدوا له حتى الآن دواء. سرعة البواخر يتبارى كل من إنكلترا وألمانيا والولايات المتحدة في سرعة البواخر والبوارج التي تنشئها كل واحدة منهن بحيث يتساءل العارفون قائلين: أما لهذه المباراة في السرعة من حد تقف عنده. أما زيادة السرعة فلا تتأتي إلى بزيادة القوة المحركة فإن قطع اثنتي عشرة عقدة وحمل ستة عشر ألف طن تقتضي قوة ٤٥٠٠ حصان وسرعة خمس عشرة عقدة تقتضي قوة ٨٧٠٠ حصان و ٢٠ عقدة يلزم لها ٢٠٠٠٠ و ٢٢ عقدة يقتضي لها ٢٥٠٠٠ وهكذا يزيد معدل الإنفاق زيادة هائلة. آلة للكتابة اخترع أحدهم آلة سماها الستينوتبيا La sténotypie وهي تنقل الكلام بدون استعمال إشارات الاختزال المعروفة وهذه الطريقة تلغي عدة آلات اخترعت من هذا القبيل لنقل الكلام فيقرأ الإنسان الكلام فيها بسرعة كأنه يقرأ إملاءً صحيحاً أو طبعاً حجرياً عادياً. خسائر مصر فقدت مصر في الأشهر الثلاثة الأخيرة ثلاثة رجال كان لهم أثر مهم في الخطابة والكتابة والتأثير وهم إبراهيم بك اللقاني ومصطفى باشا كمال وقاسم بك أمين. زوجان معمران احتفل في إحدى قرى بلاد المجر بمرور مائة سنة على زواج رجل عمره الآن ١٢٦ سنة وامرأة عمرها ١١٦ سنة وقد بلغ عدد أولادهما وأحفادهما وأحفاد أحفادهما ٧١٢ نفساً وهنأهما الإمبراطور فرنسيس يوسف بعيدهما المئوي. الكلاب والكلب أحصيت الكلاب في باريز وضاحيتها فكان عددها ١٦٣٣٥٢ كلباً أصيب بالكب منها ٣٠ عضت ٣٠٨ أشخاص لم يمت منهم أحد وبذلك ثبت أن العضات البشرية تشفى بأقل سرعة مما تشفى عضة الكلاب. أشجار أميركا قدروا أنه لا تمضي خمسون سنة حتى لا يبقى في أميركا الشمالية صقع مشجر لأن المقطوع منها يربى على المغروس فمعدل النمو ٢٣ ونصف في المئة ومعدل النقص ٩٤ في المئة وبعد خمس وعشرين سنة يفنى الصنوبر الأصفر ذو الورق الطويل كل ذلك لما تقتضيه الصناعة هناك من الأخشاب. الحمى التيفوئيدية كان الأطباء يقولون أن إغلاء الماء قبل شربه خير وقاية من الحميات والأوبئة إلا أن أبحاث اللجنة الصحية في نيويورك أدت إلى أن الحمى التيفوئيدية فيها قد انتشرت في الناس بواسطة الذباب إذ ثبت أن ظهور الذباب يسبق انتشار هذه الحمى كل سنة بأيام قلائل وثبت لديها أن هذا المرض الخبيث يكثر حيث يكثر الذباب في المستودعات البحرية الكبرى وعلى الأرصفة ورأت بالمجهر الميكروسكوب على رجل كل ذبابة وفمها ألوفاً من الجراثيم الخبيثة فإذا زارت ذبابة وجهك أو طعامك ولو قليلاً تترك فيه أثراً لها وذكرى سيئة وتبقى جرثومة معدية تتبعها حمى مهلكة. الجراد في أفريقية ذهب أحد الإنكليز في إفريقية الجنوبية إلى بعض الأماكن التي انتشر فيها الجراد انتشاراً هائلاً فعمي عليه طريقه ولم يعد يعرف أين يذهب وقد حسب الجراد الذي سقط على ساق شجرة واحدة فكان خمسمائة جرادة فإذا انتشر الجراد في قطر بهذه الكثرة لا ينقضي نصف نهار حتى يجرد جميع غلاتها وثمراتها ويجعل حاصلاتها وخيراتها أثراً بعد عين. مدرسة للأمهات أسس بعض أعيان الإنكليز وأطبائهم لجنة ناطوا بها تعليم الأمهات الفقيرات اللاتي لم يسعدهن الحظ أن يتعلمن في صغرهن ما ينفعهن في كبرهن. والتعليم الذي يعلمنه تعليم عملي يلقى عليهن خطباً تدور على تربية الأطفال وحفظ الصحة وتدبير المنزل وتفصيل ثياب أزواجهن بحيث تصلح ليلبسنها أبناؤهن ثم أن الآباء يذهبون أيضاً على تلك المدارس مرة في الأسبوع وتلقى عليهم دروس تنفعهم وتنفع ذويهم كالتي تلقى على أزواجهم وقد أسفرت هذه المدارس عن نفع عظيم في التربية وقللت من الوفيات بين الأطفال ويفكر رجال الإنكليز أن يكثروا من هذه المدارس في جميع أصقاع إنكلترا. صحافة ألمانيا وأميركا بلغت الصحافة في ألمانيا أرقى درجات الارتقاء ففيها بحسب إحصاء أخير ٨٦٦٨ جريدة ومجلة منها ٢٨٩٤ صحيفة تنشر باللغات الأجنبية وأقدم جريدة في ألمانيا هي جريدة فرانكفورت وأنشئت سنة ١٦١٤٥ وجريدة ماكوبورغ أنشئت سنة ١٦٢٦ . ويعجب المراقبون للحركة الاجتماعية اليوم من ارتقاء الصحافة الأسبوعية في الولايات المتحدة وهي الجرائد التي تصدر أيام الآحاد فإن ما تطبعه كل واحدة منها يختلف من نصف مليون نسخة إلى مليون وفي نيويورك وحدها من هذا الضرب من الجرائد ١٥ جريدة وفي فيلادلفيا ١١ ومثلها في شيكاغو وهي من أحسن المجلات في الحقيقة لأنها تصدر في مئة صفحة وتحتوي على أربعين صفحة إعلانات والباقي مواد علمية واقتصادية واجتماعية وسياسية وأدبية وغيرها من كل ما يرقي العقل ويهدي السبيل. محاكم الأطفال تألفت في روسيا لجان لحماية الأطفال تقوم بوظيفة مستنطق وهي مؤلفة من أساتذة وقسس فإذا ارتكب طفل ذنباً تنظر في جرمه لتحقق فيما إذا كان ارتكبه عن جهل أو خبث فإذا رأته مسؤولاً عما جنت يداه تحيله إلى المحاكم وإذا كان ارتكب ما ارتكب بدون تمييز ترسله إلى الإصلاحية على أن حكومة ألمانيا تفكر في إنشاء محاكم نظامية للأطفال. الكحول والجرائم ثبت لأحد قضاة فرنسا أن الجرائم تزيد في أكثر مقاطعاتها على نسبة ازدياد المشروبات الروحية وأن معدل السن التي كانت ترتكب فيها الجرائم كان ثلاثين فأصبح اليوم عشرين سنة وأن عدد الانتحار يزيد وأن كثرة الجنون زادت زيادة هائلة فكان منذ خمسين سنة في فرنسا ٣٣ مختل الشعور في كل مئة ألف ساكن فأصبح سنة ١٩٠٥ يبلغ ١٤٢ بل بلغ في بعض المقاطعات ٢٣٤ والسبب في ذلك أنه كان في فرنسا خمارة واحدة لكل ١١٣ ساكناً سنة ١٨٨٠ فأصبح هذه السنة خمارة لكل ٧٨ شخصاً.</passage>
<license>Distributed under a Creative Commons Attribution-ShareAlike 4.0 International (CC BY-SA 4.0) license</license>
<source>https://github.com/tillgrallert/digital-muqtabas/blob/master/xml/oclc_4770057679-i_28.TEIP5.xml retrieved via Canonical Text Service http://cts.informatik.uni-leipzig.de/muqtabas/cts/ with CTS URN urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.28.TEIP5:</source>
</reply>
</GetPassage>
