<?xml version="1.0" encoding="UTF-8"?><GetPassage xmlns="http://relaxng.org/ns/structure/1.0" xmlns:a="http://relaxng.org/ns/compatibility/annotations/1.0" xmlns:tei="http://www.tei-c.org/ns/1.0">
<request>
<requestName>GetPassage</requestName>
<requestUrn>urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.27.TEIP5:</requestUrn>
</request>
<reply>
<urn>urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.27.TEIP5:</urn>
<passage>المعتزلة من العادة أن كل فرقة أو أهل مذهب إذا أرادت أن تصف الفرقة المخالفة لها تبخسها حقها وربما نسبت إليها ما لم تقله اعتقاداً منها بأن تنفير الناس عن المخالف والدعوة إلى المذهب لا يتيسران إلا بهذه الطريقة الغثة الباردة حتى أن بعضهم جوزوا الكذب على المخالف وما ندري أي دين سماوي أو مذهب فلسفي يجوز الكذب في أمثال هذه المسائل. والمعتزلة ما خلوا ممن يرميهم بما ليس فيهم خصوصاً أيام استحرت المجادلات بينهم وبين الفرق الأخرى من أهل الإسلام أيام كانوا ممتعين على عهد أوائل الدولة العباسية بحريتهم الدينية على أصولها ولم يلاقوا من أرباب السلطة شدة ولا عنتاً. وقد كثر بحث الغربيين في العصر الأخير عن المعتزلة ومنشأهم حتى قال بعضهم أن من سوء طالع المسلمين أن ينقرض المعتزلة فإنهم كانوا معدلين لأمزجة الحكومات وأرباب المذاهب الأخرى إذ جروا مع العقل وطبقوا المنقول على المعقول ونظروا إلى الجوهر أكثر من العارض ومن حكم العقل في أقواله وأفعاله يحترمه أحبابه وخصومه على السواء. ولقد استطلعنا رأي أحد كبار علماء الإسلام في أمر المعتزلة فأملى علينا الجملة التالية فكانت خلاصة أحوالهم وغاية الغايات في الإفصاح عنهم. قال دام نفعه: في أواخر عصر الصحابة ظهرت ثلاث فرق من فرق الإسلام أولاها الخوارج وهذه الفرقة من الفرق التي اعترضت على علي بن أبي طالب في تجويزه التحكيم بأمر الخلافة وكانت تحكم بكفر الفاسق صريحاًُ كشارب الخمر ونحوه فضلاً عمن يسعى في سفك دماء المسلمين لأجل مأرب دنيوي ومذهبها مبني على هذه القاعدة وكان في ذلك العصر قد دخلت الناس أفواجاً في دين الإسلام بسبب الفتوحات العظيمة وأكثرهم ممن لم يتهذب بمكارم أخلاق الدين فكان الناس يسمون المتساهل في الدين فاسقاً ويجعلونه من المسلمين البتة وكان كثير من الناس يصرح بأن الأمور كانت مقدرة عليهم تخفيفاً عنهم من الملام وفي خلال ذلك هبت فرقة لهم شدة تمسك بالدين وتحلاٍ بآدابه فأنكروا ذلك وصرحوا بأن الإنسان مختار في أعماله وأن الله تعالى لو أجبر الإنسان على عمله لم يؤاخذه عليه وجعلوا الناس ثلاثة أقسام مؤمن وكافر وفاسق فالمؤمن من يقوم بجميع شروط الدين والكافر الجاحد مطلقاً والفاسق من أتى بكبيرة ومنعوا من تسمية الفاسق باسم المؤمن واعتزلوا مجلس الحسن البصري لأنه لم يرض بالتصريح بسلب اسم المؤمن عن الفاسق فسميت هذه الفرقة المعتزلة. وفي أثناء ذلك ظهرت فرقة هي بالفرقة السياسية أشبه منها بالفرقة الدينية وهي فرقة الشيعة المشايعة لأمير المؤمنين على بن أبي طالب والشيعة حزبان حزب منهم كانوا يقولون أنه هو الأحق بالخلافة غير ان عوارض الأحوال أوجبت تأخيره لكثرة أعدائه من المنافقين وغيرهم وكانوا لا يطعنون في الذين أخروه عنها وقسم آخر يقولون إنما أخروه لعداوة في أنفسهم لا رعاية لمصلحة الأمة ثم أخذ كل مذهب دوراً من الأدوار كما يعلم من التواريخ المفصلة.؟ وإذا كان الخوارج أرباب حرب وضرب وتحمس في الدين وعبادة ونسك ولم يكن لهم بصيرة في العلم كانت أمورهم العلمية بسيطة جداً وأكثر ما يقابلون به السيف. أما المعتزلة فكانوا في أمرهم أرباب توخي وتأن واستبصار بما يقتضيه الوقت وكان مقتضى مذهبهم القيام بإنكار المنكر ولو أفضى الأمر إلى سل السيف إلا إن كان ذلك مشروط فيه الإمكان فكان المعتزلة بغيضين إلى فريقين العامة والأمراء أما الأمراء فلما يشترطونه في الإمارة من الشروط التي إذا انتشرت في أفكار العامة لم يتيسر لأمير أن ينطلق في أمر الأمة بما يشاء وأما العامة فلأنهم ينفرون ممن يخرجهم عن الدين بمجرد إتيان المنكرات التي أطلق لهم العنان من طرف خفي أمراء السوء الذين يهمهم أن تكون العامة ممن يعينونهم على مقاصدهم وكانت هذه الفرقة أعظم الفرق في المفاضلة عن الدين ورد شبه الملحدين وكان الجمهور يقولون لا حاجة لنا إلى الجدل فإن كل من خالفنا استتبناه فإن تاب فيها ونعمت وإلا طهرنا الأرض بسفك دمه عليها ولم يزل الأمر كذلك حتى أفضت النوبة إلى المأمون وكان ممن خالط ناساً منهم وكان لهم دهاء عظيم في مخالطة الطبقات العالية مع انكماشهم وشدة ورعهم فتلقف المأمون أفكارهم فقويت في نفسه فلما أفضت الخلافة إليه بادر إلى إعلانها وكان مقتضى الحال أن يدعو إلى مذهبهم كما يقتضيه حال كل من أخذ بمذهب إلا أن المأمون للمبدأ الذي كان عليه وهو إطلاق الحرية للموافق له والمخالف وجد من الواجب أن يطلق العنان لكل الفرق فالتي أخطأت يتيسر إقناعها بالحجة والبرهان والتي معها الحق ينبغي أن تتبع على ما معها منه فانطلقت في عصره جميع الفرق وجعل في داره مجالس للمناظرات بين أرباب الملل والنحل وكان العصر المفرد في ذلك. ثم لما أفضى الأمر من بعده خف إطلاق العنان لهم. غير أنه بقيت في ذلك بقية حتى أفضت النوبة إلى المتوكل فقام في اضطهاد الفرق المخالفة للجمهور رعاية لمشرب العامة وخلاصاً من فرقة إذا قوي أمرها في مشارق الأرض ومغاربها كان فيها الخطر على أمر الخلافة لأنها شرطت فيها شروطاً يصعب القيام بها على كثير ولم تزل حالة المعتزلة بين انخفاض وارتفاع حتى انحطت الأمة انحطاطاً زائداً وقبل انقراضها كان كثير من الملوك يسعى إلى إبادتهم بالسيف كما يعلم من التاريخ ولم يبق لهم ملجأ غير اليمن فإن فيه تكون حزب ذو عدة وعدة يصعب محوه وهم المسمون: الزيدية فما الزيدية إلا فرقة من فرق المعتزلة يخالفون جمهورهم في بعض مسائل الإمامة ونحوها. ومذهب المعتزلة في كون الإنسان مختاراً ليس كما ينقله عنهم المخالفون لهم فإنهم ينقلونه على صيغة مستبشعة ينفر منها العوام فضلاً عن الخواص فمن ثم وافقهم عليه كثير من علماء أهل السنة كما وافقهم على كثير مسائلهم الفرعية التي استخرجوها وكانت هذه الفرقة كثيراً ما تذكر في التاريخ بأنها معتزلة مع أن المترجم يكون من المخالفين للمعتزلة في باقي مسائلهم أشد المخالفة فكان يقع للناظر في التواريخ اضطراب وحقيقة الأمر تفهم مما ذكر التاج السبكي في الطبقات فقد نقل في ترجمة القفال عن الحافظ ابن عساكر أنه قال في القفال: بلغني أنه كان مائلاً عن الاعتدال قائلاً بالاعتزال في أول أمره ثم رجع إلى مذهب الأشعري. قال السبكي وهذه فائدة جليلة انفرجت بها كربة عظيمة وحسيكة في الصدر جسيمة فإن مذاهب تحكي عن هذا الإمام في الأصول لا تصح إلا على قواعد المعتزلة وطال ما وقع البحث في ذلك حتى توهم أنه معتزلي واستند الوهم إلى ما نقل أن أبا الحسن الصفار قال سمعت أبا سهل الصعلوكي وسئل عن تفسير الإمام أبي بكر فقال قدسه من وجه ودنسه من وجه أي دنسه من جهة نصرة مذهب الاعتزال. والقفال هو أستاذ عصره قرأ عليه الأشعري علم الفقه وقرأ هو عليه علم الكلام وهو معدود من كبار أئمة الشافعية وعلل السبكي ذلك بقوله اعلم أن هذه الطائفة من أصحابنا ابن سريج وغيره كانوا قد برعوا في الفقه ولم يكن لهم قدم راسخ في الكلام وطالعوا على الكبر كتب المعتزلة فاستحسنوا عباراتهم. والمعتزل هم الذين أحدثوا علم الكلام وكان الأولون ينهون عنه إلا أن النفوس لما كانت مولعة بالعلم مطلقاً تابعهم عليه غيرهم وألفوا كثيراً وأوهموا اللائمين لهم بأن الكلام انتهى عنه إنما هو الكلام على طريقة المعتزلة غير أن الكتب التي ألفت على طريقة المعتزلة أمتن جداً لما كان في أصولهم من منع التقليد البتة ولذلك لم يكن بعضهم يقلد بعضاً وإن كل إنسان مكلف بقدر ما أداه إليه اجتهاده ووسعه ولا يخفى الفرق بين المقيد والمطلق. وهم الذين وسعوا أصول الفقه حتى أن أكثر المسائل المذكورة فيه هي من مبتكراتهم غير أن الأصوليين لم يحبوا أن يتركوها لهم وهذا ظاهر لمن يتتبع فن الأصول عصراً فعصراً وأما ما يرميهم به خصومهم من أن الاعتزال نشأن من انتشار كتب الفلسفة فهي فرية لأن الاعتزال وقواعده الأصلية نشأت قبل ترجمة كتب الفلسفة المتعلقة بالإلهيات بلا خلاف وكثير مما قالوه كمسألة الاختيار المطلق ومسالة خلود العاصي مؤبداً ونحو ذلك كان يستعين خصومهم في الرد عليهم بها بكلام الفلاسفة وإنما كان دأب المعتزلة بمقتضى متانتهم أن يخوضوا في أي شيء كان من العلوم التي كانت قبل وأن يجرؤوا على ما يظهر لهم لاعتقادهم وجزمهم بأنه لا توجد حقيقة تختلف عن الدين فكانوا أشد الناس إسراعاً للخوض في الفنون وأكثر المؤلفات النهمة في العلوم المنوعة ما عدا الفقه يدهم فيها أطول من يد من يخالفهم إجمالاً. والتاريخ يظهر ذلك بأجلى مظاهره وأما الفقه فإنهم أخذوا فيه بما أخذ به غيرهم لاعتقادهم أن الخطب فيه سهل غير أن لهم في الفقه دقائق غريبة يجدها الإنسان في تضاعيف الكتب هم منشئوها وأما الحديث فإنهم رأوا كثرة الوضع وظهر لهم أن التمييز بين الصحيح وغيره يعسر ولاسيما ما وري من طرق غيرهم فإنهم لا يطمئنون إليه لاعتقادهم أن كثيراً من أهل الورع والصدق من غيرهم ربما يجوزون وضع الحديث للمصلحة وشاهدوا في عصرهم أحاديث وضعت في حقهم مثل القدرية مجوس هذه الأمة فنفروا من المحدثين وثلبوهم أشد ثلب ولما كان علم الحديث أهم علوم الدين وهم أشد الناس ولوعاً به ذهبوا إلى قاعدة غريبة وهي أن كل حديث لا يخالف القرآن وهو قريب من مقاصد الشارع أو كان مما يدل على مكارم الأخلاق سلموا به إجمالاً بدون نظر في رواته وما وجدوه مخالفاً لذلك ردوه البتة ومن هذا نشأ كثرة ما تراه من ذكر الأحاديث في كتب مثل الجاحظ والزمخشري وغيرهما من أئمة المعتزلة فهم يبحثون عن القول لا عن الرواية. غير أنهم يعتقدون أن من أخذوا بقوله كان على مذهبهم ومشربهم. وقد وقع في التواريخ مناقشات كثيرة في مسألة نحل كثير من المشهورين في العلم والفصل والسبب في ذلك أن كثيراً من المتقدمين كانوا لا يصرحون بما يصرح به المتأخرون فكان كل فريق يدعي أن فلاناً منهم ويظهر لمن راجع كتب مناقب المشهورين على طريقة المتقدمين فإنهم كانوا يفيضون في كل شيء على طريقة المتأخرين الذين يطوون كل شيء لا يوافق مآربهم الخاصة ظناً منهم أنهم بذلك يحسنون صنعاً وكثيراً ما يذكرون منقبة وهي في الباطن مثلبة وربما كانت موضوعة. ما يبلغ العاقل من جاهل ما يبلغ الجاهل من نفسه هذا ما قاله ننقله بلفظه ومعناه من لسان ذاك الإمام الكبير وقد قال المرتضى وإماما أجمعوا عليه فقد أجمعت المعتزلة إلى أن للعالم محدثاً قديماً قادراً عالماً حياً لا لمعنا ليس بجسم ولا عرض ولا جوهر عيناً واحداً لا يدرك بحاسة عدلاً حكيماً لا يفعل القبيح ولا يريده كلف تعريضاً للثواب ومكن من الفعل وأزاح العلة ولابد من الجزاء وعلى وجوب البعثة حيث حسنت ولا بد للرسول صلى الله عليه وآلة من شرع جديد أو إحياء مندرس أو إفادة لم تحصل ن غيره وأن آخر الأنبياء محمد صلى الله عليه وآله وسلم والقرآن معجزة له وإن الإيمان قول ومعرفة وعمل وأن المؤمن من أهل الجنة وعلى المنزلة بين المنزلتين وهو أن الفاسق لا يسمى مؤمناً ولا كافراً إلا من يقول بالإرجاء إنه يخالف في تفسير الإيمان وفي المنزلة فيقول الفاسق يسمى مؤمناً وأجمعوا على أن فعل العبد غير مخلوق فيه وأجمعوا على تولي الصحابة واختلفوا في عثمان بعد الأحداث التي أحدثها فأكثرهم تولاه وتأول له وأكثرهم على البراءة من معاوية وعمرو بن العاص وأجمعوا على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وفي تعداد علمائهم مصنفات عدة كالمصابيح لابن يزداذ وغيره. أهـ. هذا ما قاله واحد منهم في حقيقة ما أجمعوا عليه. وإليك ما قاله الشهرستاني صاحب الملل والنحل وهو ليس منهم: والمعتزلة ويسمون أصحاب العدل والتوحيد ويلقبون بالقدرية وهم قد جعلوا لفظ القدرية مشتركاً وقالوا لفظ القدرية يطلق على من يقول بالقدر خيره وشره من الله تعالى احترازاً عن وصمة اللقب إذ كان الذم به متفقاً عليه لقول النبي عليه السلام القدرية مجوس هذه الأمة وكان الصفاتية تعارضهم بالاتفاق على أن الجبرية والقدري متقابلتان تقابل التضاد فكيف يطلق لفظ الضد على الضد وقد قال النبي عليه السلام القدرية خصماء الله في القدر والخصومة في القدر وانقسام الخير والشر على فعل الله وفعل العبد لن يتصور على مذهب من يقول بالتسليم والتوكل وإحالة الأحوال كلها على القدر المحتوم والحكم والمحكوم فالذي يعم طائفة المعتزلة من الاعتقاد القول أن الله تعالى قديم والقدم أخص وصف لذاته ونفوا الصفات القديمة أصلاً فقالوا هو عالم بذاته حي بذاته لا بعلم وقدرة وحياة وهي صفات قديمة ومعان قائمة به لأنه لو شاركته الصفات في الدم الذي هو أخص الوصف لشاركته في الإلهية واتفقوا على أن كلامه محدث مخلوق في محل وهو حرف وصوت كتب أمثاله في المصاحف حكايات عنه فإنما وجد في المحل عرض فقد فني في الحلل واتفقوا على أن الإرادة والسمع والبصر ليست معاني قائمة بذاته ولكن اختلفوا في وجوه وجودها ومحامل معانيها واتفقوا على نفي رؤية الله تعالى بالأبصار في دار القرار ونفي التشبيه عنه من كل وجه جهة ومكاناً وصورة وجسماً وتحيزاً وانتقالاً وزوالاً وتغيراً وتأثراً وأوجبوا تأويل الآيات المتشابهة فيها وسموا هذا النمط توحيداً واتفقوا على أن العبد قادر خالق لأفعاله خيرها وشرها مستحق ما يفعله ثواباً وعقاباً في الدار الآخرة والرب تعالى منزه أن يضاف إليه شر وظلم وفعل هو كفر ومعصية لأنه لو خلق الظلم كان ظالماً كما لو خلق العدل كان عادلاً واتفقوا على أن الحكيم لا يفعل إلا الصلاح والخير ويحب من حيث الحكمة رعاية مصالح العباد وأما الأصلح واللطف ففي وجوبه خلاف عندهم وسموا هذا النمط عدلاً واتفقوا على أن المؤمن إذا خرج من الدنيا على طاعة وتوبة استحق الثواب والعوض والتفضل معنى آخر وراء الثواب وإذا خرج من غير توبة عن كبيرة ارتكبها استحق الخلود في النار لكن يكون عقابه أخف من عقاب الكفار وسموا هذا النمط وعداً ووعيداً واتفقوا على أن أصول المعرفة وشكر النعمة واجب قبل ورود السمع والحسن والقبيح يجب معرفتهما بالعقل واعتناق الحسن واجتناب القبيح واجب كذلك وورود التكاليف ألطاف للباري تعالى أرسلها إلى العباد بتوسط الأنبياء عليهم السلام امتحاناً واختباراً ليهلك من هلك عن بينة ويحيي من حيّ عن بينة واختلفوا في الإمامة والقول فيها نصاً واختياراً. وهنا ذكر الشهرستاني مقالة كل طائفة من طوائف المعتزلة مثل الوصلية أصحاب أبي حذيفة واصل بن عطاء والهذيلية أصحاب أبي الهيل حمدان بن أبي الهذيل العلاف والنظامية أصحاب إبراهيم بن سيار بن هاني النظام والحائطية أصحاب أحمد ابن حائط والحدثية أصحاب فضل بن الحدثي والبشرية أصحاب بشر بن المعتمر والمعمرية أصحاب معمر بن عباد السلمي والمزداربة أصحاب عيسى بن صبح المكنى بأبي موسى الملقب بالمزدار والثمامية أصحاب ثمامة بن أبي أشرس النميري والهشامية أصحاب هشام بن عمرو الفوطي والجاحظية أصحاب عمر بن بحر الجاحظ والخياطية أصحاب أبي الحسين بن أبي عمرو الخياط والجبائية والبهشمية أصحاب أبي علي محمد بن عبد الوهاب الجبائي وابنه أبي هاشم عبد السلام. ومن ورجال المعتزلة الحسنان عليهما السلام ومحمد بن الحنفية وسعيد بن المسيب وأبي الأسود الدؤلي وعلقمة والأسود وشريح من أصحاب عبد الله بن مسعود والحسن البصري وعبد الله بن عمر وأبو الدرداء وأبو ذر الغفاري وعبد الله بن عباس وغيلان بن مسلم الدمشقي قتله هشام بن عبد الملك وقتل صاحبه صالحاًَ في أبشع صورة لأنه أنكر على بني أمية سوء سياستهم في الرعية وواصل بن عطاء وهو الذي أنفذ أصحابه إلى الآفاق وبث دعاته في البلاد فبعث عبد الله بن الحارث إلى المغرب فأجابه خلق كثير وبعث إلى خراسان حفص بن سالم وبعث القاسم إلى اليمن وبعث أيوب إلى الجزيرة وبعث الحسن بن ذكوان إلى الكوفة وعثمان الطويل إلى أرمينية ومنهم عمرو بن عبيد وكان المنصور العباسي يبالغ في تعظيمه ورثاه وقلما عهد أن الخليفة رثى رعية بقوله: صلى الإله عليك من متوسد قبراً مررت به على مُرَّان قبراً تضمن مؤمناً متخشعاً عبد الإله ودان بالقرآن وإذا الرجال تنازعوا في شبهة فصل الحديث بحجة وبيان ولو أن هذا الدهر أبقى صالحاً أبقى لنا عمراً أبا عثمان ومنهم أبو الهذيل العلاف الذي قال فيه المأمون أطل أبو الهذيل على الكلام كإطلال الغمام على الأنام. ومنهم إبراهيم النظام وهو الذي يقول فيه الجاحظ. الأوائل يقولون في كل ألف سنة رجل لا نظير له فإن كان ذلك صحيحاً فهو أبو إسحاق النظام وبشر بن المعتمر الهلالي وأبو عمرو بن بحر الجاحظ وعبد الرحمن بن كيسان الأصم وأحمد بن أبي داؤد وثمامة بن الأشرس ومنهم الجعفران اللذان يضرب المثل بعلمهما وزهدهما كما يضرب المثل في حسن السيرة بالعمرين وهما أبو محمد جعفر بن مبشر الثقفي وأبو الفضل جعفر بن حرب ومنهم أبو جعفر الإسكافي وأبو عبد الله الدباغ وأبو علي الجبائي ومنهم أبو العباس الناشيء ومحمد بن عمر الصيمري والسيرافيان أبو القاسم وأبو عمران وقاضي القضاة عبد الجبار الهمداني ومنهم الصاحب بن عبدا والقاضي علي بن عبد العزيز الجرجاني والجوهري صاحب الصحاح والشريف المرتضى وأبو بكر الرازي وأبو بكر الدينوري. ومما يؤثر في أخلاق أئمة المعتزلة وورعهم ما قاله الواثق لأحمد بن أبي داؤد لم لا تولي أصحابي (أي المعتزلة) القضاء كما تولي غيرهم فقال يا أمير المؤمنين إن أصحابك يمتنعون من ذلك وهذا جعفر بن مبشر وجهت إليه بعشرة آلاف درهم فأبى أن يقبلها فذهبت إليه بنفسي واستأذنت أن يأذن لي فدخلت من غير إذن فسل سيفه في وجهي وقال الآن حلَّ لي قتلك فانصرفت عليه فكيف أولي القضاء مثله. وروي أن أحد أئمتهم جعفر بن مبشر أضرت به الحاجة حتى كان يقبل القليل من زكاة أخوانه فحضره يوماً بعض التجار فتكلم بحضرته في خطبة نكاح فأعجب به ذلك التاجر فسأل عنه فأخبر بمسكنته فبعث إليه بخمسمائة دينار فردها فقيل له قد عذرناك في رد مال السلطان للشبهة وهذا تاجرماله من كسبه فلا وجه لردك فقال جعفر إنه استحسن كلامي افتراني أن آخذ على دعائي إلى الله تعالى موعظتي ثمناً لو لم أكن فعلت هذا ثم ابتدأني لقبلت. وروي أن بعض السلاطين وصله بعشرة آلاف درهم فلم يقبل وحمل إليه بعض أصحابه بدرهمين من الزكاة فقبل فقيل له في ذلك فقال: أرباب العشرة أحق بها مني وأنا أحق بهذين الدرهمين لحاجتي إليهما وقد ساقهما الله إلي من غير مسألة وأغناني بهما عن الشبهة والحرام. وفي طبقات السبكي: قال ابن الصلاح هذا الماوردي عفا الله عنه يتهم بالاعتزال وقد كنت لا أتحقق ذلك عليه وأتأول له وأعتذر عنه في كونه يورد في تفسيره في الآيات التي يختلف فيها أهل التفسير تفسير أهل السنة وتفسير المعتزلة غير متعرض لبيان ما هو الحق منهما وأقول لعل قصده إيراد كل ما قيل من حق أو باطل ولهذا يورد من أقوال المشبهة أشياء مثل هذا الإيراد حتى وجدته يختار في بعض المواضع قول المعتزلة وما بنوه على أصولهم الفاسدة ومن ذلك مصيره في الاعتراف إلى أن الله لا يشاء عبادة الأوثان قال في قوله تعالى وكذلك جعلنا لكل نبي عدواً شياطين الأنس والجن وجهان في جعلنا أحدهما معناه حكمنا بأنهم أعداء والثاني تركناهم على العداوة فلم نمنعهم منها وتفسيره عظيم الضرر لكونه مشحوناً بتأويلات أهل الباطل تلبيساً وتدليساً على وجه لا يفطن له غير أهل العلم والتحقيق مع أنه تأليف رجل لا يتظاهر بالانتساب إلى المعتزلة بل يجتهد في كتمان موافقتهم فيما هولهم فيه موافق ثم هو ليس معتزلياً مطلقاً فإنه لا يوافقهم في جميع أصولهم مثل خلق القرن كما دل عليه تفسيره في قوله عز وجل ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث وغير ذلك ويوافقهم في القدر وهي البلية التي غلبت على البصريين وعيبوا بها قديماً. انتهى. . هذا ما سمح به الوقت الآن من الكلام على هذه الفرقة وعسانا نوفق إلى درس كتبهم وما قيل فيهم فنعود إلى موضوعهم بأجلى بيان وأوسعه برهان. إكرام الشعراء ما ندري متى نشأت في العرب الإجازة على الشعر في المديح. والغالب أن هذه القاعدة قديمة في أمرائهم رؤسائهم قبل الإسلام ولما جاء كعب بن زهير إلى الرسول عليه السلام وأنشد بين يديه قصيدته المشهورة خلع عليه خلعة سنية. حتى إذا كان عهد الحضارة أخذ بعض الكبراء يغالون في عطاء الشعراء لما وقر في نفوسهم من تأثير أقوالهم في الناس. والشعراء يقولون كلما زدتمونا عطاءً زدناكم مديحاً وثناءً. حتى اصبح الشعراء على عهد بعض الخلفاء والملوك والأمراء أشيبه بجماعة من ولاة الأمر وقوام الدولة تطلق لهم الجرايات والمشاهرات ويأخذون الجوائز والأعطيات ويرجع إليهم في المهمات ويثيرون النفوس في الملمات. وكم من ملك لولا أماديح شعرائه لكان خامل الذكر لا نسمع به إلا في الندر وكم من شاعر شرَّف ممدوحه بما صاغ له من عقود الثناء. إلا أن الشعراء في هذه الأمة قد ابتذلوا في العصور المتأخرة شعرهم حتى أصبحت تستنكف من سماعه. والأمة إذا ضعفت سياستها يضعف فيها كل شيء على نسبته فكيف يتأتى للشعراء أن يضعوا أماديحهم في محلها ومحيطهم كما رأيت من الانحطاط نعم ضعفت ملكة الشعر وقلت قيمته بقلة أقدار الأمراء وشعرائهم حتى أصبح الشعراء والحال لم يزل لها بقية في بعض البلاد أشبه بشحاذين يستوكفون الأكف بما ينظمون ويضعون من المعاني والألفاظ ما يعد غلواً لو أطلق على أعظم رجل في الأرض فما الحال بممدوحيهم ولو أنصفوهم لهجوهم بدل أن يمدحوهم. نعم هزلت حالة الشعر واشمأزت نفوس المتأدبين الحقيقيين من الأماديح فأصبحوا لا يجوزون المديح حتى على من يستحقونه وعدوه من سخف القول وهجره. ولقد رأينا الشعراء في القرن الرابع والخامس والسادس مثلاً يصونون الشعر عن الابتذال فكانت له قيمة عند الناس ولاسيما عند من يرجون نوالهم فكنت ترى أبا الطيب المتنبي لا يجوّز أن يمدح غير أرباب الدولة والزعامة وقل أن قال شيئاً يذكر فيمن دونهم مع أنه طالما أريد على ذلك، وأن رجلاً استنكف بداءة بدءٍ أن يمدح الصاحب بن عباد وهو في الفضل ما هو لجدير بأن يوقر شعره والقول يشرف بشرف قائله والمقول فيه. ولو ابتذل المتنبي شعره في عصره ومدح به كل من يعطيه لما كان له هذا الرونق والطلاوة ولما أجزل الأمراء له العطاء على ما رأينا في سيرته. فقد رأينا أبا شجاع فاتكاً يبعث إليه بألف دينار عندما هبط مصر بعد أن فارق سيف الدولة بن حمدان فلم يسعه إلا مدحه. واتصل بكافور ملك مصر فأعطاه ومدحه ثم لما أراده على أن يوليه ولاية صيدا وكان كافور وعده بولاية بعض أعماله فلما رأى تعاليه في شعره وسموه بنفسه خافه وعوتب فيه فقال: يا قوم من ادعى النبوة بعد محمد صلى الله عليه وسلم أما يدعي المملكة مع كافور فحسبكم هجاه أقبح هجو لما لم يرضه ورحل عن مصر فبعث على أثره من يقبض عليه ولكنه كان خلص إلى بلاد أخرى. وهكذا لو استقريت أحوال الشعراء في تلك العصور لوجدت شعرهم يعلو على حسب أقدار من يمدحونهم من معاصريهم من الملوك وكلما اقترب الشاعر من كبير كبر كما قيل جاور السعيد تسعد. ومن أعظم الشعراء الذين اشتهروا وصار لشعرهم موقع لقربهم من الكبراء وأخذهم الجوائز على قصائدهم عمارة اليمني من أهل القرن السادس وهذا الرجل كان كالمتنبي غريباً في أطواره. كان كما قال عن نفسه من قحطان ثم الحكم بن سعد العشيرة المذحجي من مدينة في تهامة في اليمن يقال لها مرطان من وادي وساع وبعدها من مكة في مهب الجنوب أحد عشر يوماً وكان أهلها بقية العرب في تهامة لأنهم لا يساكنهم حضري ولا يناكحونه ولا يجيزون شهادته ولا يرضون بقتله قوداً بأحد منهم ولذلك سلكت لغتهم من الفساد وإذ كان من أهل بيت مجد وعلم انتدبه صاحب الحرمين إلى السفارة عنه والرسالة منه إلى المصرية فقدمها في شهر ربيع الأول سنة خمسين وخمسمائة والخليفة بها يومئذ الإمام الفائز بن الظافر الفاطمي والوزير له الملك الصالح طلائع بن رزيك فلما أُحضر للسلام عليهما في قاعة الذهب في قصر الخليفة أنشدهما قصيدة أولها: الحمد للعيس بعد العزم والهمم حمداً يقوم بما أولت من النعم لا أجحد الحق عندي للركاب يدٌ تمنت اللجم فيها رتبة الخطم قرّين بُعد مزار العزّ من نظري حتى رأيت إمام العصر عن أمم ورحن من كعبة البطحاء والحرم وفداً إلى كعبة المعروف والكرم فهل درى البيت أني بعد فرقت ما سرت من حرم إلاّ إلى حرم حيث الخلافة مضروب سُرادقها بين النقيضين من عفو ومن نقم وللإمامة أنوار مقدسةٌ يجلو البغيضين من ظلم ومن ظلم وللنبوة آيات تنص لنا على الخفيين من حُكم ومن حِكم وللمكالارم أعلام تعلمنا مدح الجزيلين من بأس ومن كرم وللعلى ألسن تثني محامدها على الحميدين من فعل ومن شيم وراية الشرف البذَّاخ ترمقها يد الرفيعين من مجد ومن همم إلى آخر مدح به الخليفة ووزيره فأفيضت عليه الخلع المذهبة وأعطي خمسمائة دينار من مال الخليفة وأخرج له مثلها من عند السيدة الشريفة بنت الإمام الحافظ وأطلقت له من دار الضيافة رسوم لم تطلق لأحد من قبله وتهاداه أمراء الدولة على منازلهم للولائم وانثالت عليه صلات الخليفة فمن بعده من الوزراء ومكبار عماله وقضى في مصر تسع عشرة سنة والدولة الفاطمية في أواخر أيامها تضعف وتقوى وتسفل وتعلو وكلما مدح كبيراً نال جزيلاً وجميع شعره وفيه المعاني الجيدة المصورة أحسن تصوير يدور على غرض مديح الكبراء وأغراض من السياسة تقتضيها حال من يدخل في غمارها. جاء عمارة سفيراً إلى ملك مصر فطاب له المقام فيها وأوسعه أرباب السلطان براً لا على أنه شاعر يطلب الجوائز بل على أنه سياسي له ضلع في أحوال اليمن والحجاز وقد كان الفاطميون على عهده يملكون الحجاز وتطمح نفوسهم إلى امتلاك اليمن فحري بمن كان مثل عمارة أن يؤمل منه أن يسهل لهم أسباب فتحها ولذلك انهالت عليه الصلات أي انهيال وعاش عيشة أمير لا عيشة شاعر. ذكر ذلك في كتاب النكت العصرية وكثيراً ما يذكر مقدار ما تجود به عليه أيدي الأمراء من الأرزاق والأموال حتى صار إذا تأخروا عنه حفزهم بنابل من شعره فيعودون إلى ما عودوه عليه. قال عمارة في مدح شاور وزير الفاطميين: حمي الوطيس فخاضه بعزائم علمن حسن الصبر من لم يصبر ضجر الحديد من الحديد وشاورٌ في نصر آل محمد لم يضجر حلف الزمان ليأتين بمثله حنثت يمينك يا زمان فكفِّر يا فاتحاً شرق البلاد وغربها يُهنئك أنك وارث الاسكندر قال وكانت هذه الأبيات من أحد السباب التي قوت عزمي على الاستغناء عن عمل الشعر لأن الناس فيما تقدم كانوا يغنون الشعراء بما ليس فوقها في الجودة إلى أن يقول: ورأيته (شاور) يوماً وقد انشرح صدره فقلت له أن لي مدة تنازعني النفس في الحديث معك في حاجة وقد عزمت أن اقولها لك فإن قضيتها وإلا كنت قد أبليت عن نفسي عذراً قال: وما هي؟ قلت: تعفيني من عمل الشعروتنقل الجاري على الخدمة راتباً على حكم الضيافة فإني أرى التكسب بالشعر والتظاهر به نقيصة في حقي قال: ما منعك أن تستعفي في ايام الصالح وابنه قلت: كانت لي أسوه وسلوة بالشيخ الجليس ابن الحباب وبابني الزبير الرشيد والمهذب وقد انقرض الجيل والنظراء. قال: تعفى ثم أمر بإنشاء سجل بإعفائي وأخذ عليه خط الخليفة وخطه بذلك. وبهذا عرفت أن أخلاق عمارة كانت لأول أمرها تأبى الدخول في زمرة الشعراء والارتزاق من طريق الشعر ولكن عاد يتناول الجوائز من الخليفة فمن دونه من أرباب الدولة إلا أنه لم يكن في أخلاقه كالشعراء في العادة بل كان كثيراً ما ينصح للعظماء من الفواطم ولا يخاف بأسهم وسطوتهم قال: ولما عاد (شاور) من حصار الإسكندرية أكثر من سفك الدماء بغير حق وكان يأمر بضرب الرقاب بين يديه في قاعة البستان من دار الوزارة ثم تسحب القتلى إلى خارج الدار فسألني الجماعة أن أعمل قصيدة في هذا المعنى فقتل: ألا أن حد السيف لم يبق خاطراً من الناس إلا حائراً يتردد ذعرت الورى حتى لقد خاف مصلح على نفسه أضعاف ما خاف مفسد فأغمد شفار المشرفيّ وعُد بنا إلى عادة الإحسان وهي التغمد فإن بروق الماضيات وصوتها رواعد منهن الفرائص ترعد وإن صليل السيف أفحش نغمة تظل تُغني في الطلى وتغرد تجاوز وإلا فالمقطم خيفةً يذوب وماء النيل لا شك يجمد ومع ما كان يقرّع به رجال الفاطميين ويخوفهم من ارتكاب الظلم كانوا يرتاحون إليه هذا وهو سني قح وهم شيعة محض حتى أراده بعض أمرائهم وهو الصالح بن زريك أن يعود متشيعاً ويأخذ منه ثلاثة آلاف دينار فأبى. ولطالما كانوا يطلقون له الرواتب ويخلعون عليه الخلع ويرسلون إليه بإردبات من الحنطة والشعير وأباليج من السكر ودكاكيج كبار من الزيت الطيب وخرفان رضع سمان وله قصائد ومقطوعات يصح أن تدرج في باب الشعر الاجتماعي لما فيها من المعاني الغريبة ففما قاله في مدح شمس الدولة: العلم مذ كان محتاج إلى العلم وشفرة السيف تستغني عن القلم وخير خليك إن صاحبت في شرف عزم يفرق بين الساق والقدم إن المعالي عروس غير واقعة إن لم تخلق رداءيها برشح دم ترى مسامع فخر الدين تسمع ما أملاه خاطر أفكاري على قلمي فإن اصبت فلي حظ المصيب وإن أخطأت قصدك فاعذرني ولا تلم ومنها: لا يدرك المجد إلا كل مقتحم في موج ملتطم أو فوج مضطرم لا ينقض الخطوة الأولى بثانية ولا يفكر في العقبى من الندم كأنما السيف أفتاه وقال له في فتح مكة حل القتل في الحرم ولم يراعوا لعثمان ولا عمرٍ ولا الحسين ذمام الشهر الحرم فما تروم سوى فتح صوارمه يضحكن في كل يوم عابس إليهم حتى كأن لسان السيف في يده يروي الشريعة عن عاد وعن إرم هذا المحدَّث عنه في ثيابك يا شمس الهدى والعلى يصغي إلى كلمي هذا ابن تومرت قد كانت بدايته كما يقول الورى لحماً على وضم وقد ترامى إلى أن أمسكت يده من الكواكب بالأنفاس والكظم وكان أول هذا الدين من رجل سعى لى أن أدعوه سيد الأمم والغيث فهو كما قد قيل أوله قطر ومنه خراب السد بالعرم والبدر يبدو هلالاً ثم يكشف الأنوار ما سترته شملة الظلم تنمو قوى الشيء بالتدريج إن رزقت حظاً ويقوى شرار الزند بالضرم حاسب ضميرك عن رأي أتاك وقل نصيحة وردت من غير متهم وقال في قصيدة: هل القلب إلا بضعة يتقلب له خاطر يرضى مراراً ويغضب أم النفس إلا وهدة مطمئنة تفيض شعاب الهم منها وتنضب فلا تلزمن الناس غير طباعهم فتتعب من طول العتاب ويتعبوا فإنك إن كشفتهم ربما انجلى رمادهم عن جمرة تتلهب فتاركهم ما تاركوك فإنهم إلى الشر مذ كانوا من الخير أقرب ولا تغترر منهم بحسن بشاشة فأكثر إيماض البوارض خلب واصغ إلى ما قلته تنتفع به ولا تطرح نصحي فإني مجرب فما تنكر الأيام معرفتي بها ولا إنني أدرى بهن وأدرب وإني لأقوام جُذيلٌ محكك وإني لأقوام عذيق مُرَّجب عليم بما يرضي المروءة والتقى خبير بما آتي وما أتجنب حلبت أفاويق الزمان براحة تدر بها أخلافه حين تُحلب وصاحبت هذا الدهر حتى لقد غدت عجائبه من خبرتي تتعجب ودوخت أقطار البلاد كأنني إلى الريح أعزى أو إلى الخضر أنسب وعاشرت أقواماً يزيدون كثرة على الألف أو عد الحصا حين يحسب فما راقني في ارضهم قط مرتع ولاشافني في وردهم قط مشرب تراني وإياهم فريقين كلنا بما عنده من عزة النفس معجب فعندهم دنيا وعندي فضيلة ولا شك أن الفضل أعلى وأغلب على أن ما عندي يدوم بقاؤُه عليَّ ويفنى المال عنهم ويذهب أناسٌ مضى صدرٌ من العمر عندهم أصعد ظني فيهم وأصوب رجوت بهم نيل الغنى فوجدته كما قيل في الأمثال عنقاءُ مغرب وكسل عزم المدح بعد نشاطه لذي ذمه عندي من المدح أوجب كان القوافي حين تدعى لشكرهم على الجمر تمشي أو على الشوك تسحب أفوه بحق كلما رمت ذمهم وما غير قول الحق لي قط مذهب وأصدق إلا أن أريد مديحهم فإني على حكم الضرورة أكذب ولو علموا صدق المدائح فيهم لكانت مساعيهم تهش وتطرب وله في الوصف أشعار منها قصيدة يذكر فيها حريق منظرة بدر بن رزيك على الخليج ويذكر داره الأخرى وما فيها من الستور وتصاويرها ومقاطعها قال فيها: لم تحترق دار الخليج وإنما شبت لمن يسري بها نار القرى طلبت يفاع الأرض دون وهادها فتوقدت في رأس شامخة الذرى أو هل تزور النار ساحة جنة أجريت فيها من نداك الكوثرا أنشأت فيها للعيون بدائعاً زفت فأدخل حسنها من أبصرا فمن الرخام مسيراً ومسهماً ومنمنماً ومدرهماً ومدنرا والعاج بين الأبنوس كأنه أرض من الكافور تنبت عنبرا قد كان منظرها بهياً رائقاً فجعلتها بالوشي أبهى منظرا وكذاك جيد الظبي يحسن عاطلاً ويروقك البيت الحرام مسترا ألبستها بيض الستور وحمرها فأتت كزهر الورد أبيض أحمرا فمجالس كسيت رقيماً أبيضاً ومجالس كيت طميماً أصفرا لم يبق نوع صامت أو ناطق إلا غدا فيها الجميع مصورا فيها حدائق لم تجدها ديمة أبداً ولا نبتت على وجه الثرى والطير مذ وقعت على أغصانها وثمارها لم تستطع أن تنفرا لا تعدم الأبصار بين مروجها ليثاً ولا ظبياً بوجرة أعفرا أنست نوافر وحشها بسباعها فظباؤها لا تتقي أسد الشرى وبها زرافات كأن رقابها في الطول ألوية تؤم العسكرا نوبية المنشي تريك من المها روقاً ومن بُزل المهارى مشفرا جبلت على الإقعاء من أعجابها فتخالها للتيه تمشي القهقرا دارت الأيام دورتها وكتب لصلاح الدين يوسف أن يقلب الدولة الفاطمية ويديل منها الأمر للعباسية فأصبح شاعرنا بعد أن كانت عطايا الفاطميين تغدق عليه إغداقاً مقتراً عليه في الرزق يسأل فلا يجاب ويهز الأكف فلا تندى ويعرض حاله ويعرّض بنواله فلا يؤبه له وبقي أشهراً على هذه الحال وقد انقطعت عنه النعم السالفة فلم يجد له أهل الحل والعقد في مصر من يعوضه عن بعض ما كان يتناوله فصار إلى الحور بعد الكور ونعوذ بالله من زوال النعم. فكتب إلى الملك الناصر صلاح الدين يوسف قصيدة لم ينشدها وقد ترجمها بشكاية المتظلم ونكاية المتألم وهي تعرب عما لقي من الألاقي والشدائد قال: أيا أذن الأيام إن قلت فاسمعي لنفثة مصدور وأنة موجع وعي كل صوت تسمعين نداءه فلا خير في أذن تنادي فلا تعي تقاصر بي خطب الزمان وباعه فقصر عن ذرعي وقصر أذرعي وأخرجني من موضع كنت أهله وأنزلني بالجود في غير موضعي بسيف ابن مهدي وأبناء فاتك أقض من الأوطان جنبي ومضجعي فيممت مصراً أطلب الجاه والغنى فنلتهما في ظل عيش ممنع وزرت ملوك النيل إذ واد نيلهم فأحمد مرتادي وأخصب مرتعي وفزت بألف من عطية فائز مواهبه للصنع لا للتصنع وكم طرقتني من يد عضدية سرت بين يقظي من عيون وهجع وجاد ابن رزيك من الجاه والغنى بما زاد عن مرمى رجائي ومطمعي وأوحى إلى سمعي ودائع شعره لخبرته مني بأكرم مودع وليست أيادي شاور بذميمة ولا عهدها عند بعهد مضيع ملوك رعوا لي حرمة صار نبتها هشيماً رعته النائبات وما رُعي وردت بهم شمس العطايا لوفدهم كما قال قوم في على وتوسع مذاهبهم في الجود مذهب سنة وإن خالفوني في اعتقاد التشيع فقل لصلاح الدين والعدل شأنه من الحكم المصغي إليّ فادعي سكت فقالت ناطقات ضرورتي إذا حلقات الباب علقن فاقرعي فدللت إدلال المحب وقلت ما أبالي بعفو الطبع لا بالتطبع وعندي من الآداب ما لو شرحته تيقنت أني قدوة ابن المقفع أقمت لكم ضيفاً ثلاثة أشهر أقول لصدري كلما ضاق وسع أعلل غلماني وخيلي ونسوتي بما صغت من عذر ضعيف مرقع ونوابكم للوفد في كل بلدة تفرق شمل النائل المتوزع وكم من ضيوف الباب ممن لسانه إذا قطعوه لا يقوم بإصبع مشارع من نعمائكم زرتها وقد تكرر بالاسكندرية مشرعي وضايقني أهل الديون فلم يكن سوى بابكم منه ملاذي ومفزعي فيا راعي الإسلام كيف تركته فؤقي ضياع من عرايا وجوًّع دعوناك من قرب ومن وبعد فهب لنا جوابك فالباري يجيب إذا دُعي إلى الله أشكو من ليالي ضرورة رجعنا بها نحو الجناب المرجع قنعنا ولم نسألك صبراً وعفةً إلى أن عدمنا بلغة المتقنع ولما أغص الريق مجرى حلوقنا أتيناك نشكو غصة المتوجع فإن كنت ترى الناس للفقه وحده فمنه طرازي بل لثامي وبرقعي ألم ترّعني للشافعني وأنتم أجلُّ شفيع عند أعلى مشفع ونصري له في حيث لا أنت ناصر بضرب صقيلات ولا طعن شرع ليالي لا فقه العراق بسجسج بمصر ولا ريح الشآم بزعزع كأني بها من أهل فرعون مؤمن أصارع عن ديني وإن حان مصرعي أمن حسنات الدهر أم سيئاته رضاك عن الدنيا بما فعلت معي ملكت عنان النصر ثم خذلتني وحالي بمرأى من علاك ومسمع فحالك لم توسع عليّ وتلتفت إليّ التفات المنعم المتبرع فأما لأني لست دون معاشر فتحت لهم باب العطاء الموسع وإما لما أوضحته من زعازع عصفن على ديني ولم أتزعزع وردي ألوف المال لم ألتفت لها بعيني ولم أحفل ولم أتطلع وإما لفن واحد من معارفي هو النظم إلا أنه نظم مبدع فإن سمتني نظماً ظفرت بمغلق وإن سمتني نثراً ظفرت بمصقع طباع وفي المطبوع من خطراته غني عن أفانين الكلام المصنع سألتك في دين لياليك سُقنه وألزمتنيه كارهاً غير طيع وهاجرت أرجو منك إطلاق راتب تقرر من أزمان كسرى وتبع وليتك فيمن أطلق الشرق مطلعي لتعلم نبعي إن عجمت وخروعي وما أنا إلا قائم السيف لم يعن بكفٍ ودر لم يجد من مرصع وياقوتة في سلك عقد مداره على خرزات من عقيق مجزع وكم مات نضناض اللسان من الظما وكم شرقت بالماء أشداق الكع فيا واصل الأرزاق كيف تركتني أمد إلى نيل المنى كف أقطع أعندك أني كلما عطس امرؤٌ بذي شمم أقنى عطست بأجدع ظلامة مصدوع الفؤاد فهل له سبيل إلى جبر الفؤاد المصدع وأقسم لو قالت لياليك للدجى أعد غارب الجوزاء قال لها اطلعي غدا الأمر في إيصال رزقي وقطعه بحكمك فابذل كيف ما شئت وامنع كذلك أقدار الرجال وإن غدت بحكمك فاحفظ كيف شئت وضيِّع فيا زارع الإسلام في كل تربةٍ ظفرت بأرض تنبت الشكر فازرع فعندي إذ ما العرف ضاع غريبه ثناء كعرف المسكة المتضو وقد صدرت في طيّ ذا النظم رقعة غدا طمعي فيها إلى خير مطمعي أريد بها إطلاق ديني وراتبي فأطلقهما والأمر منك ووقع وبيني وبين الجاه والعز والغنى وقائع أخشاها إذا لم توقع وما هي إلا مدة نستمدها وقد فجت الأرزاق من كل منبع إلى هاهنا أنهي حديثي وأنتهي وما شئت في حقي من الخير فاصنع فإنك أهل الجود والبر والتقى ووضع الأيادي البيض في كل موضع هذا ما قاله عمارة لما ضاقت عليه الدنيا والغالب أنه في تلك الحال نظم قصيدته المشهورة يرثي بها الفاطميين ويعرض بصلاح الدين التي يقول في مطلعها: رميت الدهر كف المجد بالشلل وجيده بعد حلي الحسن بالعطل وفي ذاك الحين أخذ يدبر مكيدة على صلاح الدين يريد وجماعة من رجال الفاطميين الوثوب به واتفق رأيهم كما قال ابن الأثير على استدعاء الفرنج من صقلية ومن ساحل الشام إلى ديار مصر على شيء بذلوه لهم من المال والبلاد فإذا قصدوا البلاد فإن خرج صلاح الدين بنفسه إليهم ثاروا هم في القاهرة ومصر وأعادوا الدولة العلوية وعاد من معه من العسكر اللذين وافقوهم عنه فلا يبقى له مقابل الإفرنج وإن كان صلاح الدين يقيم ويرسل العساكر إليهم ثاروا به وأخذوه باليد لعدم الناصر له وقال لهم عمارة: وأنا قد أبعدت أخاه إلى اليمن خوفاً أن يسد مسده وتجتمع الكلمة عليه بعده وارسلوا إلى الإفرنج وصقلية والساحل في ذلك وتقررت القاعدة بينهم ولم يبق إلا رحيل الفرنج وكان من لطف الله بالمسلمين أن الجماعة المصريين أدخلوا معهم زين الدين علي بن نجا الواعظ والقاضي المعروف بابن بحية ورتبوا الخليفة والوزير والحاجب والداعي والقضاة إلا أن بني رزيك قالوا يكون الوزير منا وبني شور والقاضي قالوا يكون الوزير منا. فلم علم ابن نجا الحال حضر عند صلاح الدين وأعلمه حقيقة الأمر فأمره بملازمتهم ومخالطتهم ومواطأتهم على ما يريدون يفعلونه وتعريف ما يتجدد أولاً بأول ففعل ذلك وصار يطالعه بكل ما عزموا عليه ثم وصل رسول ملك الفرنج بالساحل بهدية ورسالة وهو في الظاهر إليه والباطن إلى أولئك الجماعة وكان يرسل إليهم بعض النصارى وتأتيه رسلهم فأتى الخبر إلى صلاح الدين من بلاد الفرنج بجلية الحال فوضع صلاح الدين على الرسول من يثق به من النصارى وداخله فأخبره الرسول بالخبر على حقيقته فقبض حينئذ على المقدمين في هذه الحادثة ومنهم عمارة. وذكر صاحب الكامل أنه كان بين عمارة والقاضي الفاضل عداوة من أيام العاضد وقبلها فلما أراد صلاح الدين صلبه قام القاضي الفاضل وخاطب صلاح الدين في إطلاقه وظن عمارة أنه يحرضه على هلاكه فقال لصلاح الدين: يا مولانا لا تسمع منه في حقي فغضب الفاضل وخرج وقال صلاح الدين لعمارة: إنه كان يشفع فيك فندم ثم أخرج عمارة ليصلب فطلب أن يمر به على مجلس الفاضل فاجتازوا به عليه فأغلق بابه ولم يجتمع به فقال عمارة: عبد الرحيم قد احتجب إن الخلاص هو العجب الدرة اليتيمة الحمد لله رب العالمين وصلواته على نبينا محمد وآله الطاهرين. قال عبد الله بن المقفع: وجدنا الناس قبلنا كانوا أعظم أجساداً وأوفر مع أجسادهم أحلاماً وأشد قوة وأحسن بقوتهم للأمور إتقاناً وأطول أعماراً وأفضل بأعمارهم للأشياء اختباراً فكان صاحب الدين منهم أبلغ من أمر الدين علماًُ وعملاً من صاحب الدين منا وكان صاحب الدنيا على مثل ذلك من البلاغة والفضل ووجدناهم لم يرضوا بما فازوا به من الفضل لأنفسهم حتى أشركونا معهم فيما أدركوا من علم الأولى والآخرة فكتبوا به الكتب الباقية وكفونا به مؤونة التجارب والفطن وبلغ من اهتمامهم بذلك أن الرجل منهم كان يفتح له الباب من العلم والكلمة من الصواب وهو بالبد غير المأهول فيكتبه على الصخور مبادرة منه للأجل وكراهية لأن يسقط ذلك على من بعده. فكان صنيعهم في ذلك صنيع الوالد الشفيق على ولده الرحيم بهم الذي يجمع لهم الأموال والعقد إرادة أن لا تكون عليهم مؤونة في الطلب وخشية عجزهم إن هم طلبوا فمنتهى علم عالمنا في هذا الزمن أن يأخذ من علمهم وغاية إحسان محسنينا أن يقتدي بسيرتهم وأحسن ما يصيب من الحديث محدثنا أن ينظر في كتبهم فيكون كأنه إياهم يحاور ومنهم يستمع غير أن الذي نجد في كتبهم هو المنتحل في آرائهم والمنتقى من أحاديثهم ولم نجدهم غادروا شيئاً يجدوا بليغٌ في صفة له مقالاً لم يسبقوه إليه لا في تعظيم لله عز وجل وترغيب فيما عنده ولا في تصغير للدنيا وتزهيد فيها ولا في تحرير صنوف العلم وتقسيم أقسامها وتجزئة أجزائها وتوضيح سبلها وتبيين مآخذها ولا في وجوه الأدب وضروب الأخلاق فلم يبق في جليل من الأمر لقائل بعدهم مقال وقد بقيت أشياء من لطائف الأمور فيها مواضع لصغار الفطن مشتقة من جسام حكم الأولين وقولهم ومن ذلك بعض ما أنا كاتب في كتابي هذا من أبواب الأدب التي يحتاج إليها الناس. يا طالب الأدب اعرف الأصول والفصول فإن كثيراً من الناس يطلبون الفصول مع إضاعة الأصول فلا يكون دركهم دركاً ومن أحرز الأصول اكتفى بها عن الفصول وإن أصاب الفصل بعد إحراز الأصل فهو أفضل. فاصل الأمر في الدين أن تعتقد الإيمان على الصواب وتجتنب الكبائر وتؤدي الفريضة فالزم ذلك لزوم من لا غناء به عنه طرفة عين ومن يعلم أنه إن حُرِمه هلك ثم إن قدرت أن تجاوز ذلك إلى التفقه في الدين والعبادة فهو أفضل وأكمل. وأصل الأمر في إصلاح الجسد ألا تحمل عليه من المآكل والمشارب والباه إلا خفافاً وإن قدرت على أن تعلم جميع منافع الجسد ومضاره والانتفاع بذلك فهو أفضل. وأصل الأمر في البأس ألا تحدث نفسك بالإدبار وأصحابك مقبلون على عدوهم ثم أن قدرت أن تكون أول حامل وآخر منصرف من غير تضييع للحذر فهو أفضل. وأصل الأمر في الجود ألا تضن بالحقوق عن أهلها ثم إن قدرت أن تزيد ذا الحق على حقه وتطول على من لا حق له فافعل فهو أفضل. وأصل الأمر في الكلام أن تسلم من السقط بالتحفظ ثم إن قدرت على بارع الصواب فهو أفضل. وأصل الأمر في المعيشة أن لا تني عن طلب الحلال وأن تحسن التقدير لما تفيد وما تنفق ولا يغرَّنك من ذلك سعة تكون فيها فإن أعظم الناس في الدنيا خطراً أحوجهم إلى التقدير والملوك أحوج إلى التقدير من السوقة لأن السوقة قد يعيش بغير مال والملوك لا قوام لهم إلا بالمال ثم إن قدرت على الرفق واللطف في الطلب والعلم بالمطالب فهو أفضل. وأنا واعظك في أشياء من الأخلاق اللطيفة والأمور الغامضة التي لو حنكتك سن كنت خليقاً أن تعلمها وإن لم تخبر عنها ولكن أحببت أن أقدم إليك فيها قولاً لتروض نفسك على محاسنها قبل أن تجري على عادة مساويها فإن الإنسان قد تبتدر إليه في شبيبته المساويء وقد يغلب عليه ما يبدر إليه منها. إن ابتليت بالإمارة فتعوذ بالعلماء واعلم أن من العجب أن يبتلى الرجل بها فيريد أن ينتقص من ساعات نصبه وعمله فيزيدها في ساعات دعته وشهوته وإنما الرأي له والحق عليه أن يأخذ لعمله من جميع شغله فيأخذ من طعامه وشرابه ونومه وحديثه ولهوه ونسائه فإذا تقلدت شيئاً من الأعمال فكن فيه أحد رجلين إما رجلاً مغتبطاً به فحافظ عليه مخافة أن يزول عنك وإما رجلاً كارهاً فالكاره عامل في سخرة أما للملوك إن كانوا هم سلطوه وإما لله إن كان ليس فوقه غيره. إياك إذا كنت والياً أن يكون من شأنك حب المدح والتزكية وأن يعرف الناس ذلك منك فتكون ثلمة من الثلم يتقحمون عليك منها باباً يفتتحونك منه وغيبة يغتابونك بها ويضحكون منها. اعلم أن قابل المدح كمادح نفسه والمرء جدير ن يكون حبه المدح هو الذي يحمله على رده فإن الراد له محمود والقابل له معيب. لتكن حاجتك في الولاية إلى ثلاث خصال رضا ربك ورضا سلطان إن كان فوقك ورضا صالح من تلي عليه ما عليك إن تلهى عن المال والذكر فسيأتيك منهما ما يكفي ويطيب واجعل الخصال الثلاث بمكان ما لا بد لك منه والمال والذكر بمكان ما أنت واجد منه بداً. اعرف أهل الدين والمروءة في كل كورة وقرية وقبيلة فيكونوا هم أخوانك وأعوانك وبطانتك وثقاتك ولا يقذفن في روعك أنك إن استشرت الرجال ظهر للناس منك الحاجة إلى رأي غيرك فإنك لست تريد الرأي للافتخار به ولكن تريد للانتفاع به ولو أنك مع ذلك أردت الذكر كان أحسن الذاكرين وأفضلها عند أهل الفضل أن يقال لا يتفرد برأيه دون استشارة ذوي الرأي. إنك أن تلتمس رضا جميع الناس تلتمس ما لا يدرك وكيف يتفق لك رأي المختلفين وما حاجتك إلى رضا من رضاه لجوروالي موافقة من موافقته الضلالة والجهالة فعليك بالتماس رضا الأخيار منهم وذوي العقل فإنك متى تصب ذلك تضع عنك مؤونة ما سواه. لا تمكن أهل البلاء من التذلل ولا تمكن من سواهم من الاجتراء عليهم والعيب لهم. لتعرف رعيتك أبوابك التي لا ينال ما عندك من الخير إلا بها والأبواب التي لا يخافك خائف إلا من قبلها. احرص الحرص كله على أن تكون خبيراً بأمور عمالك فإن المسيء يفرق من خبرتك قبل أن تصيبه عقوبتك وإن لمحسن يستبشر بعلمك قبل أن يأتيه معروفك. ليعرف الناس فيما يعرفون من أخلاقك أنك لا تعاجل بالثواب ولا بالعقاب فإن ذلك أدوم لخوف الخائف ورجاء الراجي. عوّد نفسك الصبر على من خالفك من ذوي النصيحة والتجرع لمرارة قولهم وعذلهم ولا تسهلن سبيل ذلك إلاّ لأهل العقل والسن والمروءة لئلا ينتشر من ذلك ما يجترئ به سفيه أو يستخف له شأنٌ. لا تتركن مباشرة جميع أمرك فيعود شأنك صغيراً ولا تلزم نفسك مباشرة الصغير فيصير الكبير ضائعاً. اعلم أن رأيك لا يتسع لكل شيء ففرغه للمهم وأن مالك لا يغني الناس كلهم فاختص به ذوي الحقوق وأن كرامتك لا تطيق العامة فتوخ بها أهل الفضائل وإن ليلك ونهارك لا يستوعبان حاجاتك وإن دأبت فيهما وأنه ليس لك إلى أدائها سبيل مع حاجة جسدك إلى نصيبه من الدعة فأحسن قسمتها بين دعتك وعملك. واعلم أنك ما شغلت من رأيك بغير المهم أزرى بالمهم وما صرفت من مالك بالباطل فقدته حين تريده للحق وما عدلت به من كرامتك إلى أهل النقص أضرَّ بك من العجز عن أهل الفضل وما شغلت من ليلك ونهارك في غير الحاجة أزرى بك في الحاجة. اعلم أن من الناس ناساً كثيراً يبلغ من أحدهم الغضب إذا غضب أن يحمله ذلك على الكلوح والتقطيب في وجه غير من أغضبه وسوء اللفظ لمن لا ذنب له والعقوبة لمن لم يكن يهم بعقوبته وسوء المعاقبة باليد واللسان لمن لم يكن يريد به إلا دون ذلك ثم يبلغ به الرضا إذا رضي أن يتبرع بالأمر ذي الخطر لمن ليس بمنزلة ذلك عنده ويعطي من لم يكن أعطاه ويكرم من لا حق له ولا مودة فاحذر هذا الباب كله فإنه ليس أحد أسوأ حالاً من أهل القدرة الذين يفرطون باقتدارهم في غضبهم وسرعة رضاهم فإنه لو وصف بصفة من يتلبس بعقله أو بتخبطه المس من يعاقب في غضبه غير من أغضبه ويحبو عند رضاه غير من أرضاه لكان جائزاً في صفته. اعلم أن الملك ثلاثة ملك دين وملك حزم وملك هوى فأما ملك الدين فإنه إذا أقيم لأهله دينهم وكان يدنهم هو الذي يعطيهم مالهم ويلحق بهم الذي عليهم أرضاهم ذلك ونزل الساخط منهم منزلة الراضي في الإقرار والتسليم وأما ملك الحزم فإنه يقوم به الأمر ولا يسلم من الطعن والتسخط ولن يضر طعن الذليل مع حزم القوي وأما ملك الهوى فلعب ساعة ودمار دهر إذا كان سلطانك عند جدَّة دولة فرأيت أمراً استقام بغير رأي وأعواناً جزوا بغير نيل وعملاً أنجح بغير حرم فلا يغرنك ذلك فلا تستنم إليه فإن الأمر الجديد مما تكون له مهابة في أنفس أقوام وحلاوة في أنفس آخرين فيعين قوم بأنفسهم ويعين قوم بما قبلهم ويستتب بذلك الأمر غير طويل ثم تصير الشؤون إلى حقائقها وأصولها فما كان من الأمر بني على غير أركان وثيقة ولا عماد محكم أوشك أن يتداعى ويتصدع. لا تكونن نزر الكلام والسلام ولا تفرطن بالهشاشة والبشاشة فإن إحداهما من الكبر والأخرى من السخف. إذ كنت لا تضبط أمرك ولا تصول على عدوك إلا بقوم لست منهم على ثقة من رأي ولا حفاظ من نية فلا تنفعك نافعة حتى تحولهم إن استطعت إلى الرأي والأدب الذي بمثله تكون الثقة أو تستبدل بهم إن لم تستطع نقلهم إلى ما تريد ولا تغرنك قوتك بهم وإنما أنت في ذلك كراكب الأسد الذي يهابه من نظر إليه وهو لمركبه أهيب. ليس عملك أن يغضب لأن القدرة من وراء حاجته. وليس له أن يكذب لأنه لا يقدر أحد على استكراهه على غير ما يريد. وليس له أن يبخل لأنه أقل الناس عذراً في تخوف الفقر وليس له أن يكون حقوداً لأن خطره قد عظم عن مجازاة كل الناس. وليتق أن يكون حلافاً فأحق الناس باتقاء الإيمان الملوك فإنما يحمل الرجل على الحلف إحدى هذه الخلال إما مهانة يجدها في نفسه وضرع وحاجة إلى تصديق الناس إياه وأما عيٌّ بالكلام حتى يجعل الإيمان له حشواً ووصلاً وإما تهمة قد عرفها من الناس لحديثه فهو ينزل نفسه منزلة من لا يقبل منه قوله إلا بعد جهد اليمين وأما عبث في القول أو إرسال اللسان على غير روية ولا تقدير. لا عيب على الملك في تعيشه وتنعمه إذا تعهد الجسيم من أمره وفوض ما دون ذلك إلى الكفاة. كل الناس حقيق حين ينظر في أمر الناس أن يتهم نظره بعين الريبة وقلبه بعين المقت فإنهما يريان الجور ويحملان على الباطل ويقبحان الحسن ويحسنان القبيح وأحق الناس باتهام عين الريبة وعين المقت الملك الذي ما وقع في قلبه لاربا مع ما يقبض له من تزيين القرناء والوزراء وأحق الناس بإجبار نفسه على العدل في النظر والقول والفعل الوالي الذي ما قال أو فعل كان أمراً نافذاً غير مردود. ليعلم الوالي أن الناس يصفون الولاة بسوء العهد ونسيان الود فليكابد نقض قولهم وليبطل عن نفسه وعن الولاة صفات السوء التي يوصفون بها. ليتفقد الوالي فيما يتفقد من أمور الرعية فاقة الأحرار منهم فليعمل في سدها وطغيان السفلة منهم فليقمعه وليستوحش من الكريم الجائع واللئيم الشبعان فإنما يصول الكريم جاع واللئيم إذا شبع. لا يحسدن الوالي من دونه فإنه في ذلك أقل عذراًُ من السوقة التي إنما تحسد من فوقها وكلٌّ لا عذر له. لا يلومن الوالي على الزلة من ليس بمتهم على الحرص على رضاه إلا لوم أدب وتقويم ولا يعدلن بالمجتهد في رضاه البصير بما يأتي أحداً فإنهما إذا اجتمعا في الوزير أو الصاحب نام الوالي واستراح وجلبت إليه حاجاته وإن هدأ عنها وعمل فيما يهمه وإن غفل. لا يولعن الوالي بسوء الظن لقول الناس وليجعل لحسن الظن من نفسه نصيباً موفوراً يروّح به عن قلبه ويصدر به أعماله. لا يضيعن الوالي التثبت عندما يقول وعندما يعطي وعندما يفعل فإن الرجوع عن الصمت أحسن من الرجوع عن الكلام وإن العطية بعد المنع أجمل من المنع بعد الإعطاء وإن الإقدام على العمل بعد التأني فيه أحسن من الإمساك عنه بعد الإقدام عليه وكل الناس محتاج إلى التثبيت وأحوجهم إليه ملوكهم الذين ليس لقولهم وفعلهم دافع وليس عليهم مستحث. ليعلم الوالي ن الناس على رأيه إلا من لا بال له منهم فليكن للبر والمروءة عنده نفاق فيكسد بذلك الجور والدناءة في آفاق الأرض. جماع ما يحتاج إليه الوالي رأيان رأي يقوي سلطانه ورأي يزينه في الناس ورأي القوة أحقهما بالبداءة وأولاهما بالأثرة ورأي التزيين أحضرهما حلاوة وأكثرهما أعواناً مع أن القوة من الزينة والزينة من القوة لكن الأمر ينسب إلى أعظمه. إن شغلت بصحبة الملوك فعليك بطول الرابطة من غير معاتبة ولا يحدثن لك الاستئناس غفلة ولا تهاوناً. إذا رأيت أحدهم يجعلك أخاً فاجعله أباً ثم إن زادك فزده. إذا نزلت في ذي منزلة أو سلطان فلا ترين أن سلطانه زادك له توقيراً وإجلالاً من غير أن يزيدك وداً ولا نصحاً وأنك ترى حقاً له التوقير والإجلال وكن في مداراته والرفق به كالمؤتنف ما قبله ولا تقدر الأمر بينك وبينه على ما كنت تعرف من أخلاقه فإن الأخلاق مستحيلة مع الملك وربما رأينا الرجل المدِلّ على ذي السلطان بقدمه قد أضر به قدمه. لا تعتذرن إلا إلى من يحب أن يجد لك عذراً ولا تستعينن إلا بمن يحب أن يظفر لك بحاجتك. لا تحدثن إلا من يرى حديثك مغنماً ما لم يغلبك الاضطرار. إذا غرست من المعروف غرساً وأنفقت عليه نفقة فلا تضنن بالنفقة في تربية ما غرست فتذهب النفقة الأولى ضياعاً. إذا اعتذر إليك معتذر فتلقه بوجه مشرق وبشر طليق إلا أن يكون ممن قطيعته غنيمة. اعلم أن أخوان الصدق هم خير مكاسب الدنيا. زينة في الإخاء. وعدة في الشدة. ومعونة في المعاش والمعاد فلا تفرّطن في اكتسابهم وابتغاء الوصلات والأسباب إليهم. اعلم أنك واجد رغبتك في الإخاء عند أقوام قد حالت بينك وبينهم بعض الأبهة التي قد تعتري أهل المروآت فتحجز منهم كثيراً ممن يرغب في أمثالهم فإذا رأيت أحداً من أولئك قد عثر به الزمان فأقله. إذا عرفت نفسك من الوالي بمنزلة الثقة فاعزل عنه كلام الملق ولا تكثرن من الدعاء له في كل كلمة فإن ذلك شبيه بالوحشة والغربة إلا أن تكلمه على رؤوس الناس فلا تأل عما عظمه ووقره. إن استطعت ألا تصحب من صحبت من الولاة إلا على شُعبة من قرابة أو مودة فافعل فإن أخطأك ذلك فاعلم أنك تعمل على عمل السخرة وإن استطعت أن تجعل صحبتك لمن قد عرفك منهم بصالح مروءتك قبل ولايته فافعل. إن الوالي لا علم له بالناس إلا ما قد علم قبل ولايته فأما إذا ولي الناس فكل الناس يلقاه بالتزيين والتصنع وكلهم يحتال لأن يثني عليه عنده بما ليس فيه غير أن الأرذال والأنذال هم أشد لذلك تصنعاً وعليه مكابرة وفيه تمحلاً فلا يمتنع الوالي وإن كان بليغ الرأي والنظر من أن ينزل عنده كثيرٌ من الأشرار بمنزلة الأخيار وكثيرة من الخانة بمنزلة أمناء وكثير من الغدرة بمنزلة الأوفياء ويغطي عليه أمر كثير من أهل الفضل الذين يصونون أنفسهم عن التمحل والتصنع. لا يعرفنك الولاة بالهوى في بلدة من البلدان ولا قبيلة من القبائل فيوشك أن تحتاج فيها إلى حكاية أو مشاهدة فتتهم في ذلك وإذا أردت أن يقبل قولك فصحح رأيك ولا تشوبنه بشيء من الهوى فإن الرأي يقبله منك العدو والهوى يردُّه عليك الولي وأحق من احترست من أن يظن بك خلط الرأي بالهوى الولاة فإنها خديعة وخيانة كفر. إن ابتليت بصحبة والٍ لا يريد صلاح رعية فاعلم أنك قد خيرت بين خلتين ليس بينهما خيار إما ميلك مع الوالي على الرعية وهذا هلاك الدين وإما الميل مع الرعية على الوالي وهذا هلاك الدنيا ولا حيلة لك إلا بالموت أو الهرب. واعلم أنه لا ينبغي لك إن كان الوالي غير مرضي السيرة إذا علقت حبالك بحبله إلا المحافظة عليه إلا أن تجد إلى الفراق الجميل سبيلاً. تبصر ما في الوالي من الأخلاق التي تحب والتي تكره وما هو عليه من الرأي الذي يرضى له والذي لا يرضى ثم لا تكابره بالتحويل له عما يحب ويكره إلى ما تحب وتكره فإن هذه رياضة صعبة تحمل على التنائي والقلى. اعلم أنك قلما تقدر على رد رجل عن طريقته التي هو عليها بالمكابرة والمناقضة وإن لم يجمح عن السلطة ولكنك تقدر أن تعينه على أحسن رأيه وتسبب له منه وتقويه فيه فإذا قويت منه المحاسن كانت هي التي تكفه عن المساوي وإذا استحكمت منه ناحية من الصواب كان ذلك هو الذي يبصره الخطأ بألطف من تبصيرك وأعدل من حكمك في نفسه فإن الصواب يردي بعضه بعضاً ويدعو بعضه إلى بعض فإذا كانت له مكانة اقتلع الخط فاحفظ هذا الباب وأحكمه. ولا يكونن طلبك ما عند الوالي بالمسألة ولا تسبطئه وإن أبطأ ولكن اطلب ما قبله بالاستحقاق واستأن وإن طالت الأناة فإنك إذا استحققته أتاك من غير طلب وإن لم تستبطئه كان أعجل له. ولا تخبرن الوالي أن لك عليه حقاً وأنك تعتد عليه ببلاء وإن استطعت أن ينسى حقك وبلاءك فافعل وليكن ما تذكره من ذلك تجديدك له النصيحة والاجتهاد ولا يزال ينظر منك إلى آخر يذكره أول بلائك. واعلم أن ولي الأمر إذا انقطع عنه الآخر نسي الأول وأن الكثير من أولئك رحامهم مقطوعة وحبالهم مصرومة إلا عمن رضوا عنه وأغنى عنهم في يومهم وساعتهم. إياك أن يقع في قلبك تعتب على الوالي أو استزادة له فإنه إن أنست أن يقع في قلبك بدا في وجهك إن كنت حليماً وبدا على لسانك إن كنت سفيهاً وإن لم يزد ذلك على أن يظهر في وجهك لآمن الناس عندك فلا تأمنن أن يظهر ذلك للوالي فإن الناس إليه بعورات الأخوان سراع فإذا ظهر ذلك للوالي كان قلبه هو أسرع إلى التعتب والتعزز من قلبك فمحق ذلك حسناتك الماضية وأشرف بك على الهلاك وصرت تعرف أمرك مستدبراً وتلتمس مرضاته مستصعباً. اعلم أن أكثر الناس عدواً مجاهراً حاضراً جريئاً واشياً وزير السلطان ذو المكانة عنده لأنه منفوس عليه بما ينفس على صاحب السلطان ومحسود كما يحسد غيره غير أنه يجترأ عليه ولا يجترأ على ذلك أن من محاسديه أحباء السلطان الذين يشاركونه في المداخل والمنازل وهم وغيرهم ما عدوه الذين هم حضاره ليسو كعدو من فوقه التنائي عنه المتكتم منه وهم لا ينقطع طمعهم من الظفر به فلا يغفلون عن صب الحبائل فاعرف هذه الحال وألبس هؤلاء القوم الذين هم أعداؤك سلاح الصحة والاستقامة ولزوم الحجة فيما تسر وتعلن ثم روح من قلبك كأنه لا عدو لك ولا حاسد وإن ذكرك ذاكر عند ولي الأمر بسوء في وجهك أو في غيبتك فلا يرين منك الوالي ولا غيره اختلاطاً لذلك ولا اغتياظاً ولا يقعن ذلك موقع ما يكرثك فإنه إن وقع منك ذلك الموقع أدخل عليك أموراً مشتبهة بالريب مذكرة لما قال فيك الغائب وإن اضطرك الأمر في ذلك إلى الجواب فإياك وجواب الغضب والانتقام وعليك بجواب الحجة في حلم ووقار ولا تشكن في أن القوة والغلبة للحليم أبداً. لا تحضرن عند الوالي كلاماً لا يعني ولا يؤمر بحضوره إلا لعناية به أو يكون جواباً بالشيء سئلت عنه ولا تعدن شتم الوالي شتماً ولا إغلاظه إغلاظاً فأن ريح العز قد تبسط اللسان بألفاظ في غير سخط ولا بأس. جانب المسخوط عليه والظنين به عند الولاة ولا يجمعنك وإياه مجلس ولا تظهرن له عذراً ولا تثنين عليه خيراً عند أحد من الناس فإذا رأيته قد بلغ من الإعتاب مما سخط عليه فيه ما ترجو أن يلين له الوالي واستيقنت أن الوالي قد استيقن بمباعدتك إياه وشدتك عليه فضع عذره عند الوالي واعمل في إرضائه عنه في رفق ولطف. ليعلم الوالي أنك لا تستنكف عن خدمته ولا تدع مع ذلك أن تقدم إليه القول عند بعض حالات رضاه وطيب نفسه في الاستعفاء من الأعمال التي يكرهها ذو الدين وذو العرض وذو المروءة من ولاية القتل والعذاب وأشباه ذلك. إذا أصبت الجاه والخاصة عند الملك فلا يحدثن لك ذلك تغيراً على أحد من أهله وأعوانه ولا استغناء عنهم فإنك لا تدري متى ترى أدنى جفوة فتذل لهم فيها وفي تلون الحال عند ذلك من العار ما فيه. ليس مما تحكم من أمرك أن لا تسار أحداً من الناس ولا تهمس إليه بشيء تخفيه عن السلطان فإن السرار مما يخيل إلى كل من رآه أنه المراد به فيكون ذلك في نفسه حسيكة ووغراً وثقلاً. لا تتهاونن بإرسال الكذبة عند الوالي أو غيره في الهزل فإنها تسرع في رد الحق وإبطال الصدق مما تأتي به. تنكب فيما بينك وبني الوالي خلقاً قد عرفناه في بعض الأعوان والأصحاب في ادعاء الرجل عندما يظهر من صاحبه من حسن أثر أو صواب رأي أنه هو عمل في ذلك أو أشار به وإقراره بذلك إذا مدحه مادح بل وإن استطعت أن يعرف صاحبك أن تنحله صواب رأيك فضلاً عن أنك تدعي صوابه وتسند ذلك إليه وتزينه فافعل فإن الذي أنت آخذ بذلك أكثر مما أنت معطٍ بأضعاف. إذا سأل الوالي غيرك فلا تكونن أنت المجيب عنه فإن استلابك الكلام خفة بك واستخفاف منك بالمسؤول والسائل. وما أنت قائل إذا قال لك السائل ما إياك سألت أو قال لك المسؤول عند المسألة يعاد له بها دونك فأجب. وإذا لم ينصب السائل في المسألة لرجل واحد وعم بها جماعة من عنده فلا تبادر بالجواب ولا تسابق الجلساء ولا تواثب الكلام مواثبة فإذن في ذلك مع شبن التكلف والخفة أنك إذا سبقت القوم إلى الكلام صاروا لكلامك خصماء فيتعقبونه بالعيب والطعن وإذا أنت لم تعجل بالجواب وخليته للقوم اعترضت أقاويلهم على عينك ثم تدبرتها وفكرت فيما عندك ثم هيأت من تفكيرك ومحاسن ما سمعت جواباً رضياً واستدبرت به أقاويلهم حتى تصيخ إليك الأسماع ويهدأ عنك الخصوم وإن لم يبلغنك الكلام حتى يكتفي بغيرك أو ينقطع الحدي فيل ذلك فلا يكون من العيب عندك ولا من الغبن في نفسك فوت ما فتك من الجواب فإن صيانة القول خير من سوء وضعه وإن كلمة واحدة من الصواب تصيب موضعها خيرٌ من مئة كلمة أمثالها في غير فرصها ومواضعها مع أن كلام العجلة والبدار موكل به الزلل وسوء التقدير وإن ظن صاحبه أن قد أتقن وأحكم. واعلم أن هذه الأمور لا تنال إلا برحب الذرع عندما قيل وما لم يقل وقلة الإعظام لما ظهر من المروءة أو لم يظهر وسخاوة النفس عن كثير من الصواب مخافة الخلاف والعجلة والحسد والمراء. إذا كلمك الوالي فأصغ إلى كلامه ولا تشغل طرفك عنه بنظر ولا أطرفك بعمل ولا قلبك بحديث نفسك واحذر هذا من نفسك وتعهد ما فيه. أرفق بنظرائك من وزراء السلطان ودخلائه واتخذهم أخواناً ولا تتخذهم أعداء ولا تنافسهم في الكلمة يتقربون بها والعمل يؤمرون به فإنما أنت في ذلك أحد رجلين إما أن يكون عندك فضل على ما عند غيرك فسوف يبدو ذلك ويحتاج إليه ويلتمس منك وأنت مجمل وإما أن لا يكون ذلك عندك فما أنت مصيب من حاجتك عندهم بمقاربتك وملاينتك وما أنت واجد في موافقتك إياهم ولينك لهم من موافقتهم إياك ولينهم لك أفضل مما أنت مدركه بالمنافسة والمناظرة. لا تجترئن على خلاف أصحابك عند الوالي ثقة باعترافهم لك ومعرفتهم بفضل رأيك فإنا قد رأينا الناس يعرفون فضل الرجل وينقادون له ويتعلمون منه وهم أخلياء فإذا حضروا ذا السلطان لم يرض أحد منهم أن يقر له وأن يكون له عليه في الرأي والعلم فضل فاجترؤوا عليه بالخلاف والنقض فإن ناقضهم كان كأحدهم وليس بواجدٍ في كل حين سامعاً فهماً وقاضياً عدلاً وإن ترك مناقضتهم صار مغلوب الرأي مردود القول. إذا أصبت عند الوالي لطف منزلة لغناء يجده عندك أو هوى يكون له فيك فلا تطمحن كل الطماح ولا تزينن لك نفسك المزايلة له عن أليفه وموضع ثقته وسره قبلك بأن تقتلعه وتدخل دونه فإن هذه الدخلة خلة من خلال السفه قد يبتلى بها الحكماء عند الدنو من ذي السلطان حتى يحدث الرجل منهم نفسه أن يكون دون الأهل والولد لفضل يظنه في نفسه أو نقص يظنه بغيره ولكل رجل من الملوك أو ذي هيئة من السوقة أليف وأنيس قد عرف روحه واطلع على قلبه فليست عليه مؤونة في تبذل بتبذل له عنده أو رأي يستنزله منه أو سر يفشيه إليه غير أن تلك الأنسة وذلك التبذل يستخرج من كل واحد منهما ما لم يكن ليظهر منه عند الانقباض والتشدد ولو التمس ملتمس مثل ذلك عند من يستأنف ملاطفته ومؤانسته إن كان ذا فضل من الرأي والعلم لم يجد عنده مثل ما هو منتفع به ممن هو دون ذلك في الرأي ممن قد كفي مؤانسته ووقع على طباعه لأن الأنسة روح القلب والوحشة روع عليه لا يلتاط بالقلوب إلا ما لان عليها ومن استقبل تأسيس الوحشة استقبل أمراً ذا مؤونة فإن كلفتك نفسك السمو إلى منزلة من وصفت فاقذعها عن ذلك بمعرفة فضل الأليف والأنيس وإذا حدثتك نفسك أو غيرك ممن لعله يكون له فضل في الموءة أنك أولى بالمنزلة عند الكبير من بعض دخلائه وثقاته فاذكر الذي عليه من حق أليفه وثقته وأنيسه في التكرمة والذي يعينه على ذلك من الرأي أنه يجد عنده من اللف والأنس ما ليس واجداً عند غيره فليكن هذا مما تتحفظ فيه على نفسك وتعرف فيه عذر الرجل ورأيه والرأي فيه لنفسك في مثل ذلك إن أرادك مريد على الدخول دون أنيسك وأليفك وموضع ثقتك وجدك وهزلك. اعلم أنه تكاد تكون لكل رجل غالبة حديث أما عن بلد من البلدان أو ضرب من ضروب العلم أو صنف من صنوف الناس أو وجه من وجوه الرأي وعندما يغرم به الرجل من ذلك يبدو منه السخف ويعرف منه الهوى فاجتنب ذلك في كل موطن ثم عند أولي الأمر خاصة. لا تشكون إلى وزراء السلطان ودخلائه ما اطلعت عليه من رأي تكرهه له فإنك لا تزيد على أن تفطنهم لميله وتغريهم بتزيين ذلك له والميل عليه معه. اعلم ا، الرجل ذا الجاه عند الوالي والخاصة لا محالة أنه يرى من الوالي ما يخالفه من الرأي في الناسي والأمور فإذا آثر ذلك يكره كل ما يخالفه أو يمتعض من الجفوة يراها في المجلس أو النبوة في الحاجة أو الرد للرأي أو الإدناء لمن لا يهوى إدناءه والإقصاء لمن يكره إقصاءه فإذا وقعت في قلبه الكراهية تغير لذلك وجهه ورأيه وكلامه حتى يبدو ذلك للوالي وغيره وكان ذلك لفساد منزلته سبباً فذلل نفسك باحتمال ما خالفك من رأي الولاة وقررها بأنهم إنما كانوا أولياءك لتتبعهم في أرائهم ولا تكلفهم إتباعك وتغضب من خلافهم إياك. اعلم أن الملوك يقبلون من وزرائهم التنجيل ويعدونه منهم شفقة ونظراً ويحسدونهم عليه وإن كانوا أجواداً فإن كنت مبخلاً غششت صاحبك بفساد مروءته وإن كنت مسخياً لم تأمن أضرار ذلك بمنزلتك عنده فالرأي لك تصحيح النصيحة على وجهها والتماس المخرج فيما تترك من تنجيل صاحبك بأن لا يعرف منك فيما تدعوه إليه ميلاً إلى شيء من هواك ولا طلباً لغير ما ترجو أن يزينه وينفعه. لا تكونن صحبتك للملوك إلا بعد رياضة منك لنفسك على طاعتهم في المكروه عندك وموافقتهم فيما خالفك وتقدير الأمور على ميلهم دون ميلك وعلى أن لا تكتمهم سرك ولا تستطلع ما كتموه وتخفي ما أطلعوك عليه من الناس كلهم حتى تحمي نفسك الحديث به وعلى الاجتهاد في رضاهم والتلطف لحاجاتهم والتثبت لحجتهم والتصديق لمقالتهم والتزيين لرأيهم وعلى قلة الاستقباح لما فعلوا إذا أساءوا وترك الاستحسان لما فعلوا إذا أحسنوا وكثرة النشر لمحاسنهم وحسن الستر لمساويهم والمقاربة لمن قاربوا وإن كان بعيداً والمباعدة لمن باعدوا وإن كانوا أقرباء والاهتمام بأمرهم وإن لم يهتموا به والحفظ له وإن ضيعوه والذكر له وإن نسوه والتخفيف عنهم لمؤونتك والاحتمال لهم كل مؤونة والرضا عنهم وبالعفو وقلة الرضا من نفسك لهم بالمجهود فإن وجدت عنهم وعن صحبتهم غنى فأغن عن ذلك نفسك واعتزله جهدك فإن من يأخذ عملهم بينه وبين لذة الدنيا وعمل الآخرة ومن لا يأخذ بحقه يحتمل الفضيحة في الدنيا والوزر في الآخرة. إنك لا تأمن أنفهم إن أعلمتم ولا عقوبتهم إن كتمتم ولا تأمن غضبهم إن صدقتم ولا تأمن سلوتهم إن حدثتهم. إن لزمتهم لم تأمن تبرمهم بك وإن زايلتهم لم تأمن عقابهم، إنك إن تستأمرهم حملت المؤونة عليهم وإن قطعت الأمر دونهم لم تأمن فيه مخالفتهم. إنهم إن سخطوا عليك أهلكوك وإن رضوا عنك تكلفت من رضاهم ما لا تطيق فإن كنت حافظاً إن بلوك جلداً وإن قربوك أميناً وإن ائتمنوك تشكرهم ولا تكلفهم الشكر بصيراً بأهوائهم مؤثراً لمنافعهم ذليلاً إن ظلموك راضياً إن أسخطوك وإلا فالبعد منهم كل البعد والحذر كل الحذر باب الصديق ابذل لصديقك دمك ومالك ولمعرفتك رفدك ومحضرك وللعامة بشرك وتحننك ولعدوك عدلك واضنن بدينك وعرضك عن كل أحد. إن سمعت من صاحبك كلاماً أو رأيا يعجبك فلا تنتحله تزيناً به عند الناس واكتف من التزين بأن تجتني الصواب إذا سمعته وتنسبه على صاحبه. واعلم أن انتحالك ذاك سخطة لصاحبك وإن فيه مع ذلك عاراً فإن بلغ ذلك بك أن تشير برأي الرجل وتتكلم بكلامه وهو يسمع جمعت مع الظلم قلة الحياء وهذا من سوء الأدب الفاشي في الناس. ومن تمام حسن الخالق والأدب أن تسخو نفسك لأخيك بما انتحل من كلامك ورأيك وتنسب إليه رأيه وكلامه وتزينه مع ذلك ما استطعت. لا يكونن من خلقك أن تبتدئ حديثاً ثم تقطعه وتقول سوف كأنك روأت فيه بعد ابتدائه وليكن ترويك فيه قبل التفوه فإن احتجان الحديث بعد افتتاحه سخف. اخزن عقلك وكلامك إلا عند إصابة الموضع فإنه ليس في كل حين يحسن كل الصواب وإنما تمام إصابة الرأي والقول بإصابة الموضع فإن أخطأك ذلك أدخلت المحنة على عملك حتى تأتي به إن أتيت به في غير موضعه وهو لا بهاء ولا طلاوة له. لتعرف العلماء حين تجالسهم أنك على أن تسمع أحرص منك على أن تقول. إن آثرت أن تفاخر حداً ممن تستأنس إليه لهو الحديث فاجعل غاية ذلك الجد ولا تعدونّ أن تتكلم فيه بما كان هزلاً فإذا بلغ الجد أو قاربه فدعه ولا تخلطن بالجد هزلاً ولا بالهزل جداً فإنك إن خلطت بالجد هزلاً هجنته وإن خلطت بالهزل جداً كدرته غير أني قد علمت موطناً واحداً إن قدرت أن تستقبل فيه الجد بالهزل أصبت الرأي وظهرت على الأقران وذلك أن يتوردك متورد بالسفه والغضب فتجيبه إجابة الهازل المداعب برحب من الذرع وطلاقة من الوجه وثبات من المنطق. إن رأيت صاحبك مع عدوك فلا يغضبنك ذلك فإنما هو أحد رجلين إن كان رجلاً من أخوان الثقة فأنفع مواطنه لك أرقبها من عدوك لشر يكفه عنك وعورة يسترها منك وغائبة يطلع عليها لك فأما صديقك فما أغناك أن يحضره ذو ثقتك وإن كان رجلاً من غير خاصة أخوانك فبأي حق تقطعه عن الناس وتكلفه أن لا يصاحب ولا يجالس إلا من تهوى. تحفظ في مجلسك وكلامك من التطاول على الأصحاب وطب نفساً عن كثير مما يعرض لك فيه صواب القول والرأي مدارة لئلا يظن أصحابك أن ما بك التطاول عليهم. إذا قبل إليك مقبل بوده فسرّك ألا يدبر عنك فلا تنعم الإقبال عليه والتفتح له فإن الإنسان طبع على لؤم فمن شأنه أن يرحل عمن لصق به ويلصق بمن رحل عنه. لا تكثرن ادعاء العلم في كل ما يعرض فإنك من ذلك بين فضيحتين إما أن ينازعوك فيما ادعيت فيهجم منك على الجهالة والصلف وإما ألا ينازعوك ويخلوا الأمور في يديك فينكشف منك التصنع والمعجزة. استحي الحياء كله من أن تخبر صاحبك أنك عالم وأنه جاهل مصرحاً أو معرضاً وإن استطلت على الأكفاء فلا تثقن منهم بالصفاء. إن آست من نفسك فضلاً فتحرج أن تذكره أو تبديه فاعلم أن ظهوره منك بذلك الوجه يقرر لك في قلوب الناس من العيب أكثر مما يقرر لك من الفضل واعلم أنك إن صبرت ولم تعجل ظهر ذلك منك بالوجه الجميل المعروف ولا يخفين عليك أن حرص الرجل على إظهار ما عنده وقلة وقاره في ذلك باب من البخل واللؤم وأن من خير الأعوان على ذلك السخاء والكرم. إن أحببت أن تلبس ثوب الوقار والجمال وتتحلى بحلية المودة عند العامة وتسلك الجدد الذي لا خبار فيه ولا عثار فكن عالماً كجاهل وناطقاً كعي. فأما العلم فيرشدك وأما قلة ادعائه فينفي عنك الحسد وأما المنطق إذا احتججت إليه فسيبلغ حاجتك وأما الصمت فيكسبك المحبة والوقار. إذا رأيت رجلاً يحدث حديثاً قد علمته أو يخبر خبراً قد سمعته فلا تشاركه فيه ولا تتعقبه عليه حرصاً على أن يعلم الناس أنك قد علمته فإن في ذلك خفة وشحاً وسوء أدب وسخفاً. ليعرف أخوانك والعامة أنك إن استطعت أن تكون إلى ان تفعل ما لا تقول أقرب منك إلى أن تقول ما لا تفعل فعلت فإن فضل القول على الفعل عار وهجنة وفضل الفعل على القول زينة وأنت حقيق فيما وعدت من نفسك أو أخبرت صاحبك عنه أن تحتجن بعض ما في نفسك إعداداً لفضل الفعل على القول وتحرزاً بذلك عن تقصير فعل إن قصر وقلما يكون إلا مقصراًُ. إحفظ قول الحكيم الذي قال لتكن غايتك فيما بينك وبين عدوك العدل وفيما بينك وبين صديقك الرضا وذلك أن العدو خصم تضربه بالحجة وتغلبه بالحكام وأن الصديق ليس بينك وبينه قاض فإنما حكمه رضاه. اجعل عامة تشبثك في مؤاخاة من تؤاخي ومواصلة من تواصل ووطن نفسك على أنه لا سبيل لك إلى قطيعة أخيك وإن ظهر لك منه ما تكره فإنه ليس كالمرآة التي تطلقها إذ شئت ولكنه عرضك ومروءتك فإنما مروءة الرجل أخوانه وأخدانه فإن عثر الناس على أنك قطعت رجلاً من أخوانك وإن كنت معذراً نزل ذلك عند أكثرهم بمنزلة الخيانة للإخاء والملال وإن أنت صبرت مع ذلك على مقارنة على غير الرضا عاد ذلك إلى العيب والنقيصة فاتئاد الاتئاد والتثبت التثبت. إذا نظرت في حال من ترتئيه لإخائك فإن كان من أخوان الدين فليكن فقيهاً ليس بمراء ولا حريص وإن كان من أخوان الدنيا فليكن حراً ليس بجاهل ولا كذاب ولا شرير ولا مشنوع فإن الجاهل أهل لأن يهرب منه أبواه وأن الكذاب لا يكون أخاً صادقاً لأن الكذب الذي يجري على لسانه إنما هو من فضول كذب قلبه وإنما سمي الصديق من الصدق وقد يتهم صدق الكلب وإن صدق اللسان فيكف إذا ظهر الكذب على اللسان وأن الشرير يكسبك العدو ولا حاجة لك في صداقة تجلب العداوة وأن المشنوع شانع صاحبه. تحرز من سكر السلطة وسكر العلم وسكر المنزلة وسكر الشباب فإنه ليس من هذا شيء إلا وهو ريح جنة تسلب العقل وتذهب الوقار وتصرف القلب والسمع والبصر واللسان عن المنافع. اعلم أن انقباضك عن الناس يكسبك العداوة وأن تفرشك لهم يكسبك صديق السوء وفسولة الأصدقاء أضر من بغض الأعداء فإنك إن واصلت صديق السوء أعيتك جرائره وإن قطعته شانك اسم القطيعة وألزمك ذلك من يرفع عيبك ولا ينشر عذرك فإن المعايب تنمى والمعاذير لا تنمى. البس للناس لباسين ليس للعاقل بد منهما ولا عيش ولا مروءة إلا بهما لباس انقباض واحتجاز تلبسه للعامة فلا تلفين إلا متحفظاً متشدداً متحرزاً مستعداً ولباس انبساط واستئناس تلبسه للخاصة من الثقات فتتلقاهم ببنات صدرك وتفضي إليهم بموضوع حديثك وتضع عنك مؤونة الحذر وتحفظ فيما بينك وبينهم وأهل هذه الطبقة الذي هم أهلها قليل لأن ذا الرأي لا يدخل أحداً من نفسه هذا المدخل إلا بعد الاختبار والسبر والثقة بصدق النصيحة ووفاء العقل. اعلم أن لسانك أداة مغلبة عليه عقلك وغضبك وهواك وجهلك فكل غالب عليه مستمتع به وصارفه في محبته فإذا غلب عليك عقلك فهو لك وإذا غلب عليه شيء من أشباه ما سميت لك فهو لعدوك فإن استطعت أن تحتفظ به فلا يكون غلا لك ولا يستولي عليه أو يشاركك عدوك فيه فافعل. إذا نابت أخاك إحدى النوائب من زوال نعمة أو نزول بلية فاعلم أنك قد ابتليت معه إما بالمؤاساة فشاركه في البلية وإما بالخذلان فتحتمل العار فالتمس المخرج عند اشتباه ذلك وآثر مروتك على ما سواها فإن نزلت الجائحة التي تأبى نفسك مشاركة أخيك فيها فأحمل فلعل الإجمال يسعك لقلته في الناس. إذا أصاب أخاك فضل فإنه ليس في دنوك منه وابتغاؤك مودته وتواضعك له مذلة فاغتنم ذلك واعمل فيه. إذا كانت لك عند أحد صنيعة أو كان لك طول فالتمس إحياء ذلك بإماتته وتعظيمه بالتصغير له ولا يقتصرن في قلة المن على أن تقول لا أذكره ولا أصغي بسمعي إلى من يذكره فإن هذا قد يستحي منه بعض من لا يوصف بعقل ولا كرم ولكن احذر أن يكون في مجالستك إياه وما تكلمه به أو تستعينه عليه أو تجاريه فيه شيء من الاستطالة فإن الاستطالة تهدم الصنيعة وتكدر المعروف. احترس من سورة الغضب وسورة الحمية وسورة الحقد وسورة الجهل وأعدد لكل شيء من ذلك عدة تجاهد بها من الحلم والتفكر والروية وذكر العاقبة وطلب الفضيلة واعمل أنك لا تصيب الغيبة إلا بالجهاد وأن قلة الإعداد لموافقة الطبائع المتطلعة هو الاستسلام وأنه ليس أحد إلا فيه من كل طبيعة سوء غريزة وإنما التفاضل بين الناس في مغالبة طبائع السوء فإما أن بسلم أحد من أن تكون فيه تلك الغرائز فليس في ذلك مطمع إلا أن الرجل القوي إذا كابرها بالقمع لهالكها كلما تطلعت لم يلبث أن يميتها حتى كأنها ليست فيه وهي في ذلك كامنة كمون النار في العود فإذا وجدت قادحاً من غير علة أو غفلة استورت كما تستوري عند القدح ثم لا يبدأ ضرها إلا بصاحبها كما لا تبدأ النار إلا بعودها التي كانت فيه. ذللك نفسك بالصبر على جار السوء وعشير السوء وجليس السوء فإن ذلك ما لا يكاد يخطئك فإن الصبر صبران صبر الرجل على ما يكره وصبره عما يحب فالصبر على المكروه أكثرهما وأشبههما أن يكون صاحبه مضطراً واعلم أن اللئام أصبر أجساداً والكرام أصبر نفوساً وليس الصبر الممدوح بأن يكون جلد الرجل وقحاً أو رجله قوية على المشي أو يده قوية على العمل فإنما هذا من صفات الحمير ولكن أن يكون للنفس غلوباً وللأمور محتملاً وفي الضر متجملاً ولنفسه عند الرأي والحفاظ مرتبطاً وللحزم مؤثراً والهوى تاركاً وللمشقة التي يرجو عاقبتها مستخفاً وعلى مجاهدة الأهواء والشهوات مواظباً ولبصره بعزمه منفذاً. حبب إلى نفسك العلم حتى تألفه وتلزمه ويكون هو لهواك ولذتك وسلوتك وبلغتك. واعلم أن العلم علمان علم للمنافع وعلم لتزكية العقل وأفشى العلمين وأجداهما أن ينشط له صاحبه من غير ان يحرض عليه علم المنافع وللعلم الذي هو ذكاء العقول وصقالها وجلاؤها فضيلة منزلة عند أهل الفضل في الألباب. عود نفسك السخاء واعلم أنهما سخاآن سخاوة نفس الرجل بما في يديه وسخاوته عما في أيدي الناس وسخاوة نفس الرجل بما في يديه أكثرهما واقربهما من أن تدخل فيه المفاخرة وتركه ما في أيدي الناس أمحض في التكرم وأنزه من الدنس فإن هو جمعهما فبذل وعف فقد استكمل الجود والكرم. ليكن من تصرف به الأذى والعذاب عن نفسك ألا تكون حسوداً فإن الحسد خلق لئيم ومن لؤمه أن يوكل بالأدنى فالأدنى من الأقارب والأكفاء والخلطاء فليكن ما تقابل به الحسد أن تعلم أن خير ما تكون حين تكون مع من هو خير منك وأن غنماً يكون أن يكون عشيرك وخليطك أفضل منك في العلم فتقتبس من علمه وأفضل منك في القوة فيدفع عنك بقوته وأفضل منك في المال فتفيد من ماله وأفضل منك في الجاه فتصيب حاجتك بجاهه وأفضل منك في الدين فتزداد صلاحاً بصلاحه. ليكن ما تنظر فيه من أمر عدوك وحاسدك أن تعلم أنه لا ينفعك أن تخبر عدوك أنك له عدو فتنذره نفسك وتؤذنه بحربك قبل الأعداء والفرصة فتحمله على التسلح لك وتوقد ناره عليك. اعلم أن أعظم خطرك أن تري عدوك أنك لا تتخذه عدواً فإن لك غرة له وسبيل لك إلى القدرة عليه فإن أنت قدرت فاستطعت اغتفاراً لعداوته عن أن تكافئ بها فهنالك استكملت عظيم الخطر وإن كنت مكافئاً بالعدوة والضرر فإياك أن تكافئ عداوة السر بعداوة العلانية وعداوة الخاصة بعداوة العامة فإن ذلك هو الظلم والعار واعلم مع ذلك أنه ليس كل العداوة والضرر يكافأ بمثله كالخيانة ولا تكافأ بالخيانة والسرقة لا تكافأ بالسرقة ومن الحيلة في أمرك مع عدوك أن تصادق أصدقاءه وتؤاخي أخوانه فتدخل بينه وبينهم في سبيل الشقاق والتجافي فإنه ليس رجل ذو طرق يمتنع عن مؤاخاتك إذا التمست ذلك منه وإن كان أخوان عدوك غير ذوي طرق فلا عدو لك. لا تدع مع السكوت عن شتم عدوك إحصاء معايبه ومثالبه وإتباع عواراته حتى لا يشذ عنك من ذلك صغير ولا كبير من غير أن تشيع عليه فيتقيك به ويستعد له أو تذكره في غير موضعه فتكون كمستعرض الهواء بنبله قبل إمكان الرمي. لا تتخذ اللعن والشتم على عدوك سلاحاً فإنه لا يجرح في نفس ولا في مال ولا دين ولا منزلة. إذا أردت أن تكون داهياً فلا تحبن أن تسمى داهياً فإنه من عرف بالدهاء خاتل علانية وحذره الناس حتى يمتنع منه الضعيف وإن من إرب الأريب دفن إربه ما استطاع حتى يعرف بالمسامحة في الخليقة والطريقة في إربه ألا يؤارب العاقل المستقيم له الذي يطلع على غامض إربه فيمقته عليه. إن أردت السلامة فاشعر قلبك الهيبة للأمور من غير أن تظهر منك الهيبة فيفطن الناس لهيبتك ويجرئهم عليك ويدعو ذلك إليك منهم كل ما تهاب فأشعب لمداراة ذلك من كتمان المهابة وإظهار الجراءة والتهاون طائفة من رأيك. وإن ابتليت بمجاراة عدو مخالف فالزم هذه الطريقة التي وصفت لك في استشعار الهيبة وإظهار الجراءة والتهاون وعليك بالحذر في أمرك والجراءة في قلبك حتى تملأ قلبك جراءة ويستفرغ عملك الحذر. إن من عدوك من تعمل في هلاكه ومنهم من تعمل في البعد عنه فاعرفهم على منازلهم ومن أقوى القوة لك على عدوك وأعز أنصارك في الغلبة أن تحصي على نفسك العيوب والعورات كلما أحصيتها على عدوك وتنظر عند كل عيب تراه أو تسمعه لأحد من الناس هل قارفت مثله أو مشاكله فإن كنت قارفت منه شيئاً فأحصه فيما تحصي على نفسك حتى إذا أحصيت ذلك كله فكابر عدوك بإصلاح عيوبك وتحصين عوراتك وإحراز مقاتلك وخذ نفسك بذلك ممسياً مصبحاً فإذا آنست منها دفعاً لذلك أو تهاوناً به فأعدد نفسك عاجزاً ضائعاً جالياً معوراً لعدوك ممكناً له من رميك وإن حصل من عيوبك بعض ما لا تقدر على إصلاحه من أمر من حسبك أو مثالب آبائك أو عيب أخوانك ثم اجعل ذلك كله نصب عينيك واعلم أن عدوك مريدك بذلك فلا تغفل عن التهيؤ له والإعداد لقوتك وحجتك وحيلتك فيه سراً وعلانية فأما الباطل فلا تروعن به قلبك ولا تستعدن به ولا تشتغلن به فإنه لا يهولك ما لم يقع وإذا وقع اضمحل. اعلم أنه قلما بده أحد بشيء يعرفه من نفسه وقد كان يطمع في إخفائه عن الناس فيعيره به معير عند السلطان أو غيره إلا كاد يشهد به عليه وجهه وعيناه ولسانه للذي يبدو منه عند ذلك والذي يكون من انكساره وفتوره عند تلك البداهة فاحذر هذه وتصنعها وخذ أهبتك لبغتاتها. اعلم أن من واقع الأمور في الدين وأنهكها للجسد وأتلفها للمال وأضرها بالعقل وأسرعها في ذهاب الجلالة والوقار الغرام بالنساء ومن البلاد على المغرم بهن أن لا ينفك يأجم ما عنده وتطمح عيناه إلى ما ليس عنده منهن. وإنما النساء أشباه وما يرى في العيون والقلوب من فضل مجهولاتهن على معروفاتهن باطل وخدعة بل كثير مما يرغب عنه الراغب مما عنده أفضل مما تتوق إليه نفسه وإنما المترغب عما في رحله منهن إلى ما في رحال الناس كالمترغب عن طعام بيته إلى ما في بيوت الناس بل النساء بالنساء أشبه من الطعام بالطعام وما في رحال الناس من الأطعمة أشد تفاضلاً وتفاوتاً مما في رحالهم من النساء. ومن العجب أن الرجل الذي لا بأس في لبه يرى المرأة من بعيد ملتففة في ثيابها فيصور لها في قلبه الحسن والجمال حتى تعلق بها نفسه من غير رؤية ولا خبر مخبر ثم لعله يهجم منها على أقبح القبح وأدم الدمامة فلا يعظه ذلك عن أمثالها ولا يزال مشغوفاً بما لم يذق حتى لو لم يبق في الأرض غير امرأة واحدة لظن أن لها شأناً غير شأن ما ذاق وهذا هو الحمق والشقاء ومن لم يحم نفسه ويظلفها ويجلها عن الطعام والشراب والنساء في بعض ساعات شهوته وقدرته كان أيسر ما يصيبه من وبال أمره انقطاع تلك اللذات عنه بخمود نار شهوته وضعف عوامل جسده وقل من تجد إلا مخادعاً لنفسه في أمر جسده عند الطعام والشراب والحمية والدواء وفي أمر مروءته عند الأهواء والشهوات وفي أمر دينه عند الريبة والشبهة والطمع. إن استطعت أن تنزل نفسك دون غايتك في كل مجلس ومقام ومقال ورأي وفعل فافعل فإن رفع الناس إياك فوق المنزلة التي تحط إليها نفسك وتقربهم إياك في المجلس الذي تباعدت عنه وتعظيمهم من أمرك ما لم تعظم وتزيينهم من كلامهم ورأيك ما لم تزين هو الجمال. لا يعجبنك العالم ما لم عالماً بمواضع ما يعلم. إن غلبت على الكلام وقتاً فلا تغلبن على السكوت فإنه لعله يكون المراء واعرفه ولا يمنعنك حذر المراء من حسن المناظرة والمجادلة واعلم أن المماري هو الذي لا يحب أن يتعلم ولا يتعلم منه فإن زعم زاعم أنه إنما يجادل في الباطل عن الحق فإن المجادل وإن كان ثابت الحجة ظاهر البينة فإنه يخاصم إلى غير قاض وإنما قاضيه الذي لا يعدو بالخصومة إلا إليه عدل صاحبه وعقله فإن آنس أو رجا من صاحبه عدلاً يقضي به على نفسه فقد أصاب وجه أمره وإن تكلم على غير ذلك كان ممارياً. إن استطعت أن لا تخبر أخاك عن ذات نفسك بشيء إلا وأنت محتجن عنه بعض ذلك التماساً لفضل الفعل على القول واستعداداً لتقصير فعل إن قصر فافعل واعلم أن فضل الفعل على القول زينة وفضل القول على الفعل هجنة وإن أحكام هذه الخلة من غرائب الخلال. إذا تراكمت الأعمال عليك فلا تلتمس الروح في مدافعتها بالروغان منها فإنه لا راحة لك إلا في إصدارها وأن الصبر عليها هو يخففها وأن الضجر منها هو يراكمها عليك فتعهد من ذلك في نفسك خصلة قد رأيتها تعتري بعض أصحاب الأعمال أن الرجل يكون في أمر من أمره فيرد عليه شغل آخر ويأتيه شاغل من الناس يكره تأخيره فيكدر ذلك بنفسه تكدير يفسد ما كان فيه وما ورد عليه حتى لا يحكم واحداً منهما فإن ورد عليك مثل ذلك فيكن معك رأيك الذي تختار به الأمور ثم اختر أولى الأمرين بشغلك فاشتعل به حتى تفرغ منه ولا يعظمن عليك فوت ما فات وتأخير ما تأخر إذا أعملت الرأي معمله وجعلت شغلك في حقه. اجعل لنفسك في كل شيء غاية ترجو القوة والتمام عليها واعلم أنك إن جاوزت الغاية في العبادة صرت إلى التقصير وإن جاوزتها في حمل العلم صرت من الجهال وإن جاوزتها في تكلف رضا الناس والخفة معهم في حاجاتهم كنت المصنع المحشود. اعلم أن بعض العطية لؤم وبعض البيان عي وبعض العلم جهل فإن استطعت أن لا يكون عطاؤك خوراً ولا بيانك هذراً ولا علمك جهلاً فافعل. اعلم أن ستمر عليك أحاديث تعجبك إما مليحة وإما رائعة فإذا أعجبتك كنت خليقاً بأن تحفظها فإن الحفظ موكل بما راع وستحرص على أن تعجب منها الأقوام فإن الحرص على ذلك التعجب من شأن الناس وليس كل معجب لك معجباً لغيرك وإذا نشرت ذلك مرة أو مرتين فلم تره وقع من السامعين موقعاً منك فازدجر عن العود فإن العجب من غير عجيب سخف شديد وقد رأينا من الناس ن يعلق الشيء ولا يقلع عن الحديث به ولا يمنعه قلة قبول أصحابه له من أن يعود ثم يعود. إياك والأخبار الرائعة وتحفظ منها فإن الإنسان من شأنه الحرص على الأخبار لاسيما ما راع منها فأكثر الناس من يحدث بما سمع ولا يبالي ممن سمع وذلك مفسدة للصدق ومزراة بالرأي فان استطعت ألا تخبر بشيء إلا وأنت به مصدق وألا يكون تصديقك إلا ببرهان فافعل. ولا تقل كما يقول السفهاء أخبر بما سمعت فإن الكذب أكثر ما أنت سامع وإن السفهاء أكثر من هو قائل وأنك إن صرت للأحاديث واعياً وحاملاً كان ما تعي وتحمل عن عن العامة أكثر مما يخترع المخترع بأضعاف. انظر من صاحبت من الناس من ذي فضل عليك بسلطان ومنزلة ومن دون ذلك من الخلصاء والأكفاء والأخوان فوطن نفسك في صحبته على أن تقبل منه العفو وتسخو نفسك عما اعتاص مما قبله غير معاتب ولا مستبطئ ولا مستزيد فإن المعاتبة مقطعة للود وإن الاستزادة من الجشع وأن الرضا بالعفو والمسامحة في الخلق مقرب لك كل ما تتوق ليه نفسك مع بقاء العرض والمودة والمروءة. اعلم أنك ستبتلى من أقوام بسفه وأن سفة السفيه سيطلع لك منه فإن عارضته أو كافأته بالسفه فكأنك قد رضيت ما أتى به فاجتنب أن تحتذي مثاله فإن كان ذلك عندك مذموماً فحقق ذمك إياه بترك معارضته فأما أن تذمه وتمتثله فليس ذلك لك. لا تصاحبن أحداً وإن استأنست به أخاً قرابة وأخا مودة ولا والداً ولا ولداً إلا بمرة فإن كثيراً من أهل المروءة قد يحملهم الاسترسال أو التبذل على أن يصبحوا كثيراً من الخطباء بالإدلال والتهاون ومن فقد من صاحبه صحبة المروة ووقارها أحدث له في قلبه رقة شأن وخفة منزلة. لا تلتمس غلبة صاحبك والظفر عليه بكل كلمة ورأي ولا تجترئن على تقريعه وتبكيته بظفرك إذا استبان وحجتك إذا وضحت فإن أقواماً يحملهم حب الغلبة وسفه الراي في ذلك على أن يتعقبوا الكلمة بعدما تنسى فيلتمسوا فيها الحجة ثم يستطيلوا بها على الصحاب وذلك ضعف في العقل ولؤم في الأخلاق. لا يعجبنك إكرام من يكرمك لمنزلة أو سلطان فإن السلطة أوشك أمور الدنيا زوالاً ولا يعجبنك إكرامهم إياك للنسب فإن الأنساب أقل مناقب الخير غناء عن أهلها في الدين والدنيا ولكنم إذا أكرمت على دين أو مروءة فذلك فليعجبك فإن المروءة لا تزايلك في الدنيا والدين لا يزايلك في الآخرة. اعلم أن الجبن مقتلة وأن الحرص محرمة فانظر فيما رأيت أو سمعت أمن قتل في القتال مقبلاً أكثر أم من قتل مدبراً وانظر أمن يطلب إليك بالإجمال والتكرم أحق أن تسخو إليك نفسك بطلبته أم من يطلب إليك بالشره. اعلم أنه ليس كل من كان لك فيه هوى فذكره ذاكرٌ بسوء وذكرته أنت بخير ينفعه ذلك أو يضره فلا يستخفنك ذكر أحد من صديق أو عدة إلا في موطن دفع أو محاماة فإن صديقك إذا وثق بك في موطن المحاماة لم يحفل بما تركت مما سوى ذلك ولم يكن له عليك سبيل لائمة وأن الأحزم في أمر عدوك أن لا تذكره إلا حيث يضره وألاَّ تعد يسير الضرّ ضراً. اعلم أن الرجل قد يكون حليماً فيحمله الحرص على أن يقال جليدٌ والمخافة أن يقال مهين على أن يتكلف الجهل وقد يكون الرجل زميتاًً فيحمله الحرص على أن يقال لسنٌ والمخافة أن يقال عيٌّ على أن يقول في غير موضعه فيكون هذراً فاعرف هذا وأشباهه واحترس منه كله. إذا بدهك أمران لا تدري أيهما أصوب فانظر أيهما أقرب إلى هواك فخالفه فإن أكثر الصواب في خلاف الهوى. ليجتمع في قلبك الافتقار إلى الناس والاستغناء عنهم فيكون افتقارك إليهم في لين كلمتك وحسن بشرك ويكون استغناؤك عنهم في نزاهة عرضك وبقاء عزك. لا تجالس امرءً بغير طريقته فإنك إذا أردت لقاء الجاهل بالعلم والجافي بالفقه والعيّ بالبيان لم تزد على أن تضيع عقلك وتؤذي جليسك بحملك عليه ثقل ما لا يعرف وغمك إياه بمثل ما يغتم به الرجل الفصيح من مخاطبة الأعجمي الذي لا يفقه واعلم أنه ليس من علم تذكره عند غير أهله إلا عادوه ونصبوا له ونقضوه عليك وحرصوا على أن يجعلوه جهلاً حتى أن كثيراًَ من اللهو واللعب الذي هو أخف الأشياء على الناس ليحضره من لا يعرفه فيثقل عليه ويغتم به. ليعلم صاحبك أنك حَدِبٌ على صاحبه وإياك إن عاشرك امرؤٌ ورافقك أن لا يرى منك بأحد من أصحابه وأخدانه رأفة فإن ذلك يأخذ من القلوب مأخذاً وإن لطفك بصاحب صاحبك أحسن عنده موقعاً من لطفك به بنفسه. اتق الفرح عند المحزون واعلم أنه يحقد على المنطلق ويشكر للمكتئب. اعلم أنك ستسمعه من جلسائك الرأي والحديث تنكره وتستجفيه من محدث عن نفسه أو عن غيره فلا يكونن منك التكذيب ولا التسخيف لشيء مما يأتي به جليسك ولا يجرئنك على ذلك أن تقول إنما حدث عن غيره فإن كل مردود عليه سيمتعض من الرد وإن كان في القوم من تكره أن يستقر قلبه ذلك القول لخطأ تخاف أن يُعقد عليه أو مضرة تخشاها على أحد فإنك قادر على أن تنقص ذلك في سر فيكون أيسر للنقض وأبعد للبغضة واعلم أن البغضة والخوف والمودة أمن فاستكثر من المودة صامتاً فإن الصمت يدعوها إليك وناطقاً بالحسنى فإن المنطق الحسن يزيد من ود الصديق ويسل سخيمة الوغر. واعلم أن خفض الصوت وسكون الريح ومشي القصد من دواعي المودة إذا لم يخالط ذلك بأوٌ ولا عجب أما العجب فهو من دواعي المقت والشنآن. تعلم حسن الاستماع كما تتعلم حسن الكلام ون حسن الاستماع إمهال المتكلم حتى يقضي حديثه وقلة التلفت إلى الجواب والإقبال بالوجه والنظر إلى المتكلم والوعي لما يقول. واعلم أن المستشار ليس بكفيل والرأي ليس بمضمون بل الرأي كله غرر لأن أمور الدنيا ليس شيء منها بثقة ولأنه ليس شيء من أمرها يدركه الحازم إلا وقد يدركه العاجز بل ربما أعيا الحزمة ما أمكن العجزة فإذا أشار عليك صاحبك برأي فلم تجد عاقبته على ما كنت تأمل فلا تجعل ذلك عليه لوماً وعذلاً تقول أنت فعلت هذا بي وأنت أمرتني ولولا أنت ولا جرم لا أطيعك فإن هذا كله ضجر ولؤم وخفة وإن كنت أنت المشير معمل برأيك أو ترك فبدا صوابك فلا تمتن ولا تكثرن ذكره إن كان نجاح ولا تلم عليه إن كان استبان في تركه ضرراً تقول: ألم أقل لك ألم أفعل فإن هذا مجانب لأدب الحكماء. اعلم فيما تكلم به صاحبك أن مما يهجن صواب ما تأتي به ويذهب بهجته ويذري بقبوله عجلتك في ذلك قبل أن يفضي إليك بذات نفسه. ومن الأخلاق السيئة على كل حال مغالبة الرجل على كلامه والاعتراض فيه والقطع فيه ومن الأخلاق التي أنت جدير بتركها إذا حدث الرجل حديثاً تعرفه ألا تسابقه إليه وتفتحه عليه وتشاركه فيه حتى كأنك تظهر للناس بأنك تريد أن يعلموا أنك تعلم من مثل الذي يعلم وما عليك أن تهنئه بذلك وتفرده به وهذا الباب من أبواب البخل وأبوابه الغامضة كثيرة. إذا كنت في قوم ليسوا بلغاء ولا فصحاء فدع عنهم التطاول عليهم في البلاغة أو الفصاحة. اعلم أن بعض شدة الحذر عون عليك فيما تحذر وإن شدة الاتقاء يدعو إليك ما تتقي. إن رأيت نفسك تصاغرت إليها الدنيا ودعتك إلى الزهادة فيها على حال تعذر منها عليك فلا يغرنك ذلك من نفسك على تلك الحال فإنها ليست بزهادة ولكنها ضجر واستخذاء وتغير نفس عند ما أعجزك من الدنيا وغضب منك عليها مما التوى عليك منها ولو تممت على رفضها وأمسكت عن طلبها أوشكت أن ترى من نفسك من الضجر والجزع أشد من ضجرك الأول بأضعاف ولكن إذا دعتك نفسك إلى رفض الدنيا وهي مقبلة عليك فأسرع إجابتها. اعرف عورتك وإياك أن تعرّض بأحد فيما شاركها وإذا ذكرت من أحد خليقته فلا تناضل عنه مناضلة المدافع عن نفسه فتتهم بمثلها ولا تلحَّ كل الإلحاح وليكن ما كان فلا تعمن جيلاً من الناس أو أمة بشتم ولا ذم فإنك لا تدري لعلك تتناول بعض أعراض جلسائك ولا تعلم. ولا تذمن مع ذلك اسماً من أسماء الرجال أو النساء بأن تقول أن هذا لقبيح من الأسماء فإنك لا تدري لعل ذلك موافق لبعض جلسائك في بعض أسماء الأهلين والحرم ولا تستصغرن من هذا شيئاً فكله يجرح القلب وجرح اللسان أشد من جرح اليد. اعلم أن الناس يخدعون أنفسهم بالتعريض والتوقيع بالرجال في التماس مثالبهم ومساويهم ونقيصتهم وكل ذلك أبين عند سامعيه من وضح الصبح فلا تكونن من ذلك في غرور ولاتجعلن نفسك من أهله. إني مخبرك عن صاحب كان أعظم الناس في عيني وكان رأس ما أعظمه عندي صغر الدنيا في عينه كان خارجاً من سلطان بطنه فلا يشتهي ما لا يجد ولا يكثر ذا وجد وكان خارجاً من سلطان فرجه فلا يدعو إليه مؤونة ولا يستخف له رأياً ولا بدناً وكان خارجاً من سلطان الجهالة فلا يقدم إلا على ثقة أو منفعة وكان أكثر دهره صامتاً فإذا قال بذَّ القائلين كان يُرى متضعفاً مستضعفاً فإذا جاء الجد فهو الليث عادياً وكان لا يدخل في دعوى ولا يشرك في مراءٍ ولا يدلي بحجة حتى يجد قاضياً عدلاً وشهوداً عدولاً وكان لا يلوم أحداً على ما فقد يكون العذر في مثله حتى يعلم ما اعتذاره وكان لا يشكو وجعاً إلا إلى من يرجو عنده البقرء ولا يصحب إلا يرجو عنده النصيحة لهما جميعاً وكان لا يتبرم ولا يتسخط ولا يتشهى ولا يتشكى ولا ينتقم من الولي ولا يغفل عن العدو ولا يخص نفسه دون أخوانه بشيء من اهتمامه بحيلته وقوته فعليك بهذه الأخلاق إن أطقت ولن تطيق ولكن أخذ القليل خيرٌ من ترك الجميع وبالله التوفيق. يتيمة ثانية وقعت شبهة لبعض أهل العلم فيما إذا كانت هذه الرسالة المنشورة قبل هي اليتيمة بعينها أم هي يتيمة ثانية لابن المقفع ويزول هذا التناقض إذا لوحظ ما قاله إمام المتكلمين أبو بكر الباقلاني البصري المتوفي سنة ثلاث وأربعمائه فإنه ذكر في كتابه إعجاز القرآن أن الدرة اليتيمة كتابان أحدهما يتضمن حكماً منقولة والآخر في شيء من الديانات. غير أنه يبقى هناك إشكال في أنه ليس في إحدى الرسالتين ما يتعلق بالديانات كما قال الباقلاني وإذا رضينا بالظن فنقول أن هذا الاسم وضعه أناس لبعض رسائل ابن المقفع ومن هنا نشأ الاشتباه فعددها الناظرون. ويبعد أن يقال أن ابن المقفع سمى الرسالتين معاً باسم واحد لمخالفته في الظاهر لمقتضى الحكمة. ولو قلنا أنه سمى إحدى الرسائل فيبعد مع قرب عصر الناقلين عنه وقوع الاشتباه في المسمى مع شدة عنايتهم بجميع ما قال. أما الرسالة الثانية فمنقولة عن كتاب المنثور والمنظوم المحفوظ في دار الكتب المصرية لمؤلفه أبي الفضل أحمد بن أبي طاهر طيفور من أبناء خراسان ولد كما جاء في فهرستها سنة ٢٠٤ وتوفي سنة ٢٨٠ وهاك ما أورده ولم نحذف منه إلا بعض جمل أسرنا إليها بحرف (فـ) لأنها محرفة جداً ولم نهتد إلى وجه الصواب فيها قال أبو الفضل أحمد بن أبي طاهر: ومن الرسائل المفردات اللواتي لا نظير لها ولا أشباه وهي أركان البلاغة ومنها استقى البلغاء لأنها نهاية في المختار من الكلام وحسن التأليف والنظام الرسالة التي لابن المقفع وهي اليتيمة فإن الناس جميعاً مجمعون أنه لم يعبر أحد عن مثلها ولا تقدمها من الكلام شيءٌ قبلها ومن فصولها قوله في صدرها ولم نكتبها على تمامها لشهرتها وكثرتها في أيدي الرواة فمن فصولها قوله في صدرها وقد أصبح الناس إلا قليلاً ممن عصم الله مدخولين منقوصين فقائلهم باغ وسامعهم عياب وسائلهم متعنت ومجيبهم متكلف وواعظهم غير محقق لقوله بالفعل وموعوظهم غير سليم من الهزء والاستخفاف ومستشيرهم غير موطن نفسه على إنفاذ ما يشار به عليه ومصطبر للحق مما يسمع ومستشارهم غير مأمون على الغش والحسد وإن يكون مهتاكاً للستر مشيعاً للفاحشة مؤثراً للهوى والأمين منهم غير متحفظ من ائتمان الخونة والصدوق غير محترس من حديث الكذبة وذو الدين غير متورع عن تفريط الفجرة ويتقارضون الثناء ويترقبون الدول ويعيبون بالهمز يكاد أحزمهم رأياً يلفته عن رأيه أدنى الرضا وأدنى السخط ويكاد يكون أمتنهم عوداً أن تسخره الكلمة وتنكره اللحظة وقد ابتليت أن أكون قائلاً وابتليتم أن تكونوا سامعين ولا خير في القول إلا ما انتفع به ولا ينتفع به إلا بالصدق ولا صدق إلا مع الرأي ولا رأي إلا في موضعه وعند الحاجة إليه فإن خير القائلين من لم يكن الباطل غايته ثم لزم القصد والصواب وخير السامعين من لم يكن ذلك منه سمعة ولا رياءً ولم يتخذ ما يسمع عوناً على دفع الهدى ولا بلغة إلى حاجة دنيا فإن اجتمع للقائل والسامع أن يرزق القائل من الناس مقةً وقبولاً على ما يقوله ويرزق السامع اتعاظاً بما يسمع من أمر دنياه وقد صلحت نياتهما في غير ذلك فعسى ذلك أن يكون من الخير الذي يبلغه الله عباده ويعجل لهم من حسنة الدنيا ما لا يحرمهم من حسنة الآخرة كما أن المريد بكلامه أن يعجب الناس قد يجتمع عليه حرمان ما طلب مع سوء النية وحمل الوزر. وقد وافقتم في مسارعة فيما سألتموني فطمعاً في أن ينفع الله بذلك من يشاء فإنه ما يشاء يقع. أما سؤالكم عن الزمان فإن الزمان الناس. والناس رجلان والٍ ومولى عليه. والأزمنة أربعة على اختلاف حالات الناس فخيار الأزمنة ما اجتمع فيه صلاح الراعي والرعية فكان الإمام مؤدياً إلى الرعية حقهم في الرد عنهم والغيظ على عدوهم والجهاد من وراء بيضتهم والاختيار لحكامهم وتولية صلحائهم والتوسعة عليهم في معايشهم وإفاضة الأمن فيهم والمتابعة في الخلق لهم والعدل في القسمة بينهم والتقويم لأودهم والأخذ لهم بحقوق الله عز وجل عليهم وكانت الرعية مؤدية إلى الإمام حقه في المودة والمناصحة والمخالطة وترك المنازعة في أمره والصبر عند مكروه طاعته والمعونة له على أنفسهم والشدة على من أخل بحقه وخالف أمره غير مؤثرين في ذلك آبائهم ولا أبنائهم ولا لابسين عليه أحداً. فإذا اجتمع ذلك في الإمام والرعية تم صلاح الزمان وبنعمة الله تتم الصالحات ثم أن الزمان الذي يليه أن يصلح الإمام نفسه ويفسد الناس ولا قوة بالإمام مع خذلان الرعية ومخالفتهم وزهدهم في صلاح أنفسهم على أن يبلغ ذات نفسه في صلاحهم وذلك أعظم ما تكون نعمة الله على الوالي وحجة الله على الرعية بواليهم فبالحري أن يؤخذوا بأعمالهم وما أخلقهم أن لا تصيبهم فتنة أو عذاب أليم. والزمان الثالث صلاح الناس وفساد الوالي وهذا دون الذي قبله فإن لولاة الناس يداً في الخير والشر ومكاناً ليس لأحد وقد عرفناه فيما يعتبر به أنه ألف رجل كلهم مفسد وأميرهم مصلح أقل فساداً من ألف رجل كلهم مصلح وأميرهم مفسد. والوالي إلى أن يصلح أدبه الرعية أقرب من الرعية إلى أن يصلح الله بهم الوالي. وذلك لأنهم لا يستطيعون معاتبته وتقويمه مع استطالته بالسلطان والحمية التي تعلوه. وشر الزمان ما اجتمع فيه فساد الوالي والرعية (فـ) فقولي في هذا الزمان أنه ألا يكن خير الأزمان فليس على واليكم ذنب وألا يكن شر الأزمان فليس لكم حمد ذلك غير أنا بحمد الله قد أصبحنا نرجو لأنفسنا الصلاح بصلاح إمامنا ولا تخاف عليه الفساد بفسادنا وقد رأينا حظه من الله عز وجل في التثبت والعصمة فلم يبرح الله يزيده خيراً ويزيد به رعيته مذ ولاه فعندنا من هذا وثائق من عبر وبينات ونحتسب من الله عز وجل أن لا يزال أمامنا يسارع في مرضاة ربه بصلاحه لرعيته والصبر على ما يستنكر منهم وقلة المؤاخذة لهم بذنوبهم حتى يقلب الله له بصلاحه قلوبهم ويفتح له أسماعهم وأبصارهم فيجمع ألفتهم ويقوم أودهم ويلزمهم مراشد أمورهم وتتم نعمة الله على أمير المؤمنين بأن يصلح له وعلى يده فيكونوا رعية خير راع ويكون راعي خير رعية إن شاء الله وبه الثقة. والذي يحمد من أمير المؤمنين أنا ذاكر ما تيسر منه (فـ) وقلما نلقى من أهل العقل والمعاينة منكراً لنعمة الله بأمير المؤمنين على المسلمين (فـ) ومن أشد جهلاً وأقطع عذراً ممن لم يعرف النعمة ولم يقبل العافية نعوذ بالله أن نكون من الذين لا يعقلون فتفهموا ما أنا ذاكر لكم وتدبروه بالحق والعدل فإن المرء ناظر بإحدى عيون ثلث وهما الغاشتان والصادقة وهي التي لا تكاد توج=د. عين مودة تريه القبيح حسناً. وعين شنآن تريه الحسن قبيحاً. وعين عدل تريه حسنها حسناً وقبيحها قبيحاً. فتفكروا فيما جمع الله لأمير المؤمنين في معدنه وفي سيرته وفيما ظاهر عليكم من النعمة والحق والحجة بذلك فيما عسى القائل أن يبتغي فيه المغمز والمقال فلعمري أن الشيطان من أهواء الناس وألسنتهم في الأمر لمصيب وأن له لمستراحاً حين يستوفي أمنيته ويصدق عليهم ظنه ويوحي إليهم بمكايده فيجعل الله كيده ضعيفاً وحزبه مغلوباً وجعله وإياهم نصيباً لجهنم من أجزائه المقسومة لأبوابها وحطبها ووقودها وحصيها ليعدَّ لها فمن كان سائلاً عن حق أمير المؤمنين في معدنه فإن أعظم حقوق الناس منزلة وأكرمها نسبة وأولاها بالفضل حق رسول الله صلى الله عليه وسلم نبي الرحمة وإمام الهدى ووارث الكتاب والنبوة والمهيمن عليهما وخاتم النبيين والصديقين والشهداء والصالحين بعثه الله بشيراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً ثم هو باعثه يوم القيامة مقاماً محموداً شرع الله به يدنه وأتم به نوره على عهده ومحق به رؤوس الضلالة وجبابرة الكفر وخوَّله الشفاعة وجعله في الرفيق الأعلى صلى الله عليه وسلم. الصنائع الإسلامية نشرت مجلة العالم الإسلامي الفرنسوية فصلاً مهماً للمسيو كليمان هوار من علماء المشرقيات في الأدوار التي تقلبت على الصنائع الإسلامية قال: أصدر كل من المسيو سالادين والمسيو ميجون مختصراً في الصنائع الإسلامية وقع في مجلدين ضخمين أحدهما في الهندسة الإسلامية والآخر في فن التصوير والنقش. ولقد لفت أنظار الناس معرض الصنائع الإسلامية الذي أقيم في قسم مرسان سنة ١٩٠٣ والمعرض الذي وافق وقته زمن انعقاد مؤتمر المستشرقين الدولي في الجزائر سنة ١٩٠٥ لأعلاق الصنائع الإسلامية التي كانت حتى الآن مزهوداً فيها اللهم إلا عند بعض الغلاة في جمعها ممن حصلوا على مجاميع بديعة منها. ففي البحث في هذا الموضوع تتجلى لنا القرون الوسطى في الشرق وتحيا أمامنا على مثل ما كانت عليه. وما من أحد يصدق اليوم بأن العاديات القديمة تستحق إعجاب أرباب الصنائع والمولعين في اقتنائها فقط بل أن ارتقاء فن الآثار ارتقاءً خارقاً للعادة بفضل الاكتشافات المدهشة في السنين الأخيرة والبحث في آثار القرون الوسطى اليونانية والغربية قد وجه أنظار المتعلمين. فمن الواجب من ثم أن يجعل حظ عظيم من البحث للقرون الوسطى الإسلامية لأنها من أجمل الأدوار التي يتأتى للإنسانية أن تفاخر بها وكانت مراكز الحضارة التي أنشأتها قديماً تلك المدنية في آسيا حلقة ضرورية لنا تربط أوروبا بالشرق بل تقرب بين القرون الحديثة والقرون القديمة وتصل عمران البحر المتوسط بتمدن آسيا العليا. إن درس الصنائع المصورة اليوم هو من المتممات الضرورية للتاريخ كما كانت الجغرافية ولا تزال كذلك فدرسها نافع للنظر في الآثار القديمة التي عرفناها منذ القدم كما هو ألزم بالشرق مما هو موضوع الأبحاث الأخيرة وقبل أن يبدأ بها لم يكد يعرف عنها شيء. وقد جعل المؤلفان النبيهان المشار إليهما من التصوير الشمسي أكبر مساعد لهما في كتابهما الوجيز فجاء الأول من نوعه وكان من هذين المجلدين مجموعة تصاوير إذا فتحها المرء تتمثل لعينيه مصانع الشرق وشؤونه عياناً إن لم يكن رآها من قبل ويتذكر بأعيانها إذا كان أتيح له متع نظره فيها ذات يوم. سهلت أسباب التنقل وأصبحت قريبة المنال فغدت الأستانة والقاهرة والهند غير بعيدة المزار كما كانت. وربما غدت كذلك طهران وأصفهان عما قريب ولذلك جاء الزمن الذي تعرض فيه على الجمهور في صورة كتاب مجموع الأطراف زبدة ما يعرف عن ارتقاء الصنائع وترتيب المصانع الإسلامية. لم يتأت والإسلام في مبدأ ظهوره وشعشعته الأولى محصور في حدود شبه جزيرة العرب ولم ينتشر بعد في البلاد المجاورة أن ينشأ شيء من الصنائع في تلك الأصقاع المقفرة التي تطوفها العرب الرحالة على قلة مدنها وبلدانها ويقضي فيها التجار عيشة بسيطة خالية عن أبهة الحضارة. وكان المعبد العظيم في الحجاز عبارة عن مكعب من الصخر خال من الزينة وقد بقي زمناً طويلاً بدون سقف ثم غطي بسقف من الخشب على يد عامل من القبط نجا من سفينة يونانية غرقت فألقته الأقدار في بلاد العرب وجذبته مكة إليها لأحوال فغير معلومة. وكانت القوافل عند عودتها من سورية وقد سرحت الطرف في المصانع العظيمة فيها على العهد الإمبراطوري تقص أحاديث عجيبة مما رأت فأشربت نفوس الشعب تلك القصص وكان منها أن أنشئوا في صحاري شمالي بلاد اليمن جنات النعيم وهي إرم ذات العماد الغريبة وقد بًنيت في غالب الظن على مثال دمشق وتدمر وبعلبك وكانت العرب الرحالة ترى أن القبور التي نحتها في الصخر في مدائن صالح جماعة من المستعمرين الآراميين في صميم بلاد العرب أنها بيوت الثموديين وذكرها محمد (عليه السلام) بأن الغضب الإلهي نالها لأنها أنكرت لأأن ناقة صالح غير مقدسة. وكانت المصانع التي خلفتها الشعوب القديمة البائدة تنسب إلى عاد ممن بادوا فلم يبقوا من الآثار غير ما خلفوه من أعمالهم التي حيرت عقول البدو. أما الآن فليتمثل القارئ الفاتحين العرب يجولون في أكناف سورية ومصر وفارس وافريقية الشمالية وإسبانيا وكلها بلاد متحضرة مملوءة ببدائع الصنائع وأعمال الهندسة. ولكم كان العربي الرحالة يندهش عندما كان يقع نظره على بيوت ذات ثلاث طبقات في مكة ويثرب فتترآى له أنها قلاع وهو لا عهد له من قبل إلا بخيمته السوداء أو الدكناء المصنوعة من وبر العنز. وبعد أن كان المسجد البسيط الذي يسع النبي وأصحابه وهو عبارة عن كوخ خال من الزخرف مبني باللبن وجذوع النخل ليس فيه ساف من الحصا على التراب المرصوص ظهر للحال بأنه غير كاف لاستيعاب جمهور من دانوا بالإسلام وغير لائق بأن يكون بيت الواحد الأحد. وزد على ذلك فإن الفاتحين من المسلمين كانوا يشاهدون الكنائس الجميلة التي أنشأها المتقون من النصارى ويقابلون بين التأنق فيها وبين شقائهم في سكنى البادية. اكتفى الخلفاء الأول بأن سكنوا بيوتهم التي يأوون إليها كما فعل أباطرة رومية الأول لأن المسجد كان لهم ميداناًُ ومحكمة وندوة. ولما صار الأمر إلى معاوية طمحت بهم نفوسهم إلى اتخاذ القصور يعمدون إليها ليستروا فيها غفلتهم وبذخهم وزهوهم. فبالهندسة بدأ نمو الصنائع التي دعا إليها الفتح الإسلامي وما كان للعرب صنائع خاصة بل استخدموا باديء بدء من المهندسين وأرباب الصنائع من وجدوهم في البلاد التي افتتحوها فكان أسلوب البناء الإسلامية في الأمر سورياً في سورية وقبطياً في مصر وبيزنطياً في آسيا الصغرى ورومانياً بربرياً في أفريقية ورومانياً أيبرياً في إسبانيا وبارتياً وساسانياً في فارس وبين النهرين. رأينا صوراً من الهندسة الآسياوية تنقل إلى البلاد المغلوبة على أمرها عند ما كان الشرق أولاً ميداناً للفاتحين. وأنك لتشاهد في أقدم المصانع المنقوشة المزينة فقي المغرب والمسجد الأعظم في قرطبة ومسجد سيدي عقبة في القيروان مسحة من الزينة الشرقية نقلها إليها صناع صحبوا الفاتحين أو نسجت على مثال صور الأقمشة والزرابي المطرزة والبسط المجلوبة من الشرق. ومن مميزات الهندسة الإسلامية القبة ذات الشكل البيضوي وهي منقولة بلا مراءٍ عن أصل جاء من بين النهرين أي آشوري بابلي. وقد بقي منها نموذج سالم من الصورة البارزة في قيونجق زمن الدولة الساسانية كما هو المشاهد في صور أقواس المدائن وساروستان وفيروز آباد فتبين بهذا أن ماضي الهندسة الإسلامية كان عظيماً والتمدن الإسلامي جدد استعمالها. وإنا لنجد منارات جوامع سامر وابن طولون في القاهرة أبراجاً ذات أدراج على شكل حلزوني وبعيد أن لا نعترف فيما رأيناه بأنها بقايا من معابد رصد الأفلاك الكلدانية التي نجد برج بابل مثالاً مشهوراً منها. رأت العرب في سورية ومصر الصناعة البيزنطية ودرسوها عن أمم وما هي إلا تشويه آسياوي للصناعة الرومية الرومانية أهم آثارها جامع أيا صوفيا في الأستانة. وبقيت الصناعة اليونانية آخذة في التبدل بعد فتوحات الاسكندر وظلت كذلك على أن خطر للملك قسطنطين أن ينقل عاصمة المملكة إلى ضفاف البوسفور ولا يخفى ما حدث من السرعة في تمازج العنصر اليوناني بالعناصر اللاتينية واللغة اللاتينية. فالتقاليد العسكرية والقضائية والإدارية فقط بقيت زمناً قصيراً بحالها أما الصلات المتصلة التي كانت لمملكة الروم بيزانس مع المملكة الفارسية فقد كان منها أن بدلت الصنائع بتأثيرات آسياوية وتقدمت فيها تقدماً هائلاً حتى أن الألبيسة وتزيين الأبنية الداخلي وقصور الأباطرة وأدوات تنعمهم وبذخهم كلها لم يكن فيها شيء يشير إلى أنه روماني. سلمت عهدة مصانع ومعاهد من أوائل الهندسة الإسلامية وأعجبها المسجد الأقصى في القدس وإن شئت فقل قبة الصخرة إذا أردت أن تسميها باسمها الحقيقي. وليس هذا المسجد في الواقع جامعاً لأن هذا النوع من الأبنية معروف بما يماثله مثل مسجد عمرو بن العاص في القاهرة الذي أنشأ سنة ٦٤٢ م وهو عبارة عن حائط له عدة محاريب لضبط سمت القبلة التي توجه إليها الوجوه للصلاة. وكانت القبلة إلى القدس أولاً فأصبحت منذ ألف وثلاثمائة وخمس وعشرين عاماً إلى مكة ثم هناك صفوف من الأعمدة ومكان مربع مكشوف وفي وسطه صهريج ماء للوضوء. وعلى العكس من قبة الصخرة كان يستفاد من اسمها على ما هو المعروف فإنها تشغل فسحة المعبد. وهذا الشكل وطني جعل على رسم كنيسة العذراء في إنطاكية في شكل بيت مدور ذي قباب وعده المسعودي المؤرخ من أعاجيب الدنيا. ويوجد من هذا الشكل أيضاً في أواسط سورية وحوران وآسيا الصغرى وقد أنشئ هذا البناء على عهد الخليفة عبد الملك بن مروان الأموي سنة ٦٨٤ ولما رمم بعضه الوليد سنة ٧٠٧ جعل من خارجه الفسيفساء صنعها له صناع يونان بعث بهم إليه إمبراطور القسطنطينية. وعلى عهد السلطان سليمان القانوني استعيض عن أحجار الفسيفساء بكاشاني محلى بالمينا. فالقبة والحالة هذه هي صوان أو وعاء مقدس للصخرة والمسجد الحقيقي هو الذي يشرف على حوائط المكان في الجنوب ويدعى بالمسجد الأقصى وقد أشير إليه في القرآن والمراد به معبد سليمان. بُنيت المساجد في المغرب على مثال جامع عمرو فجامع الزيتونة في تونس المؤسس سنة ٧٣٢ مؤلف من أفنية موازية لحائط المحراب وفناء (صحن) أوسط كبير وصفوف من العمد مؤلفة من مواد قديمة أو بيزنطية جاءت من قرطاجنة الرومانية وأنشئ المسجد الأعظم في قرطبة سنة ٧٨٥ على ذاك المثال ولكن زينته تختلف عن غيره من المساجد اختلافاً كلياً فإن القطع العديدة التي بقيت من آثار الغوط الغربيين واستخدمت في البناء تدلنا على أن المصانع المسيحية في إسبانيا قبل القرن الثامن كان لها أثر كبير في الهندسة العربية الأصلية. والبحث في الهندسة الفارسية نافع على وجه خاص وذلك لأنها حفظت لنا تقاليد قديمة لها علاقة بالهندسة فأحسنت الانتفاع بها ورقتها وأكملتها. فإن بناء القباب كانت الطريقة التي اختيرت من بين أساليب البناء لقلة الخشب الذي يصلح للبناء في معظم أقطار تلك البلاد. وبلغ من حذق الفرس الغريب أنهم يتمثلون لعينيك ذا نظرت إلى أبنيتهم كأنهم يلعبون بالمصاعب لعباً. ولم تبلغ أمة من الأمم مبلغهم في إيجاد طرق متنوعة غريبة في القباب على أشكال غير متناسقة إلا فرنسا فإنها قلدتهم في القرون الوسطى. وإلى الفرس يرجع الفضل في اختراع المقرنصات وهي من الصنائع الغريبة ذات النقوش التي تستر البناء البارز المشبك. وأكثر ما فاقت به فارس تفننها في تزيين الأبنية بالكاشاني (القيشاني وهو نقش رائع إلا أنه سريع العطب تبتهج العيون به ما دام الملاط (المونة) الذي يلصقه بالبناء الأصلي على حاله متماسكاً فإذا قلع لقلة العناية به وسقط وتناثر من آفات أصابته ودفن في الأرض نبت العيون عنه واستوحشت من النظر إليه. وصناعة الكاشاني قديمة جداتً في البلاد الإيرانية فقد زين ملوك الأخمانيين قصورهم بنقوشها البديعة التي جعل بعضها في قاعات متحف اللوفر المظلمة ولا يزال يأسف على الهواء المضيء والشمس المشرقة في سهول فارس. وبدأ استعمال الكاشاني في فارس بعد ظهور الإسلام فيها فجعل القرميد أولاً محلى بالمينا في أطراف الأحجار مفصولاً من داخله بآجر أو بملاط من الجير والرخام ثم استعملوا نوعاً من البناء ملوناً مؤلفاً من قطع صغيرة مجزءاً موضوعاً بعضه بجانب بعض. كما فعلوا في أبنية الرخام أو الخشب في إيطاليا توصلاً إلى تزيينها بصفائح من الكاشاني على سطوح متسعة وقد شوهدت منذ القديم عندهم بنايات بارزة داخلها أزرق كالفيروز وأبيض كالعاج ويكثر انعكاس الأشعة التي تلمع فيها كلمعان السيوف كما تشهد في إمام زاده يحيى وفي ورامين وهو فقي القرن الثالث عشر. وأبنية أصفهان التي أنشئت على عهد الشاه عباس الأول أجمل مثال من هذه النقوش العجيبة وتتمة ارتقاء طويل في الصناعة. ويتيسر تتبع أدوار هذه الصناعة إذا بحث في مصانع السلجوقيين في قونية التي أنشئت في القرن الثالث عشر وفي البنايتين اللتين أنشئتا على الطراز الفارسي في مدينة بورصة وفي المسجد الأخضر وقبر محمد الأول اللذين أسسا في القرن الخامس عشر. بنيت جميع المساجد التي أنشأها سلاطين بني عثمان على مثال كنيسة أياصوفيا. وقد كثر البناء على هذا الشكل في جميع المساجد التي أسست في المملكة العثمانية بعد القرن السادس عشر فالصورة الأصلية من هذا البناء هي إذاً بيزنطية ولكن الأسلوب الفارسي يظهر في بعض أنواع الزينة كالأبواب والكوى المقرنصة مثلاً. ومسجد بايزيد أقد أسلوب من هذا النوع عمره المهندس خير الدين. ومسجد محمد الثاني الغازي أنشأه خريستو دولو محل كنيسة الحواريين وخرب كله في زلزال سنة ١٧٦٣ ثم أعيد بناؤه على عهد السلطان مصطفى الثالث إلا أنه لم يرجع إلى ما كان عليه من أسلوب البناء. وأقدم المصانع الإسلامية في الهند مسجدا دهلي وأجمير اللذان أنشئا في القرن الثالث عشر. وهما من المصانع التي قامت على أسلوب جينا كما أثبت ذلك الرحالة فرغوسن والرسم العام منه ندي ثم أثرت فيه الأساليب الإيرانية والغربية وظهرت فيه النقوش المشجرة وهي تذكر بقصر ماشيتا وهو ساساني أو ببعض محال من أيا صوفيا. وقد كان أول سلطان لبيجابور (كذا) ابن السلطان العثماني مراد الثاني الذي ارتقى من رتبة ضابط في الحرس إلى عرش الملك فأنشأ له دولة وبنى حفيد حفيده عادل شاه أجمل مصانع تلك المدينة. وطرز بنائها مأخوذ من أسلوب غربي حتى لقد ذهب الرحالة فرغوسن عندما ذكر أصل هذه الدولة وكيفية نشأتها إلى أنها اختارت من الصناع فرساً وأتراكاً. ودخل التمدن الإيراني والصناعة الفارسية إلى الهند على عهد فتح بابر (ظاهر الدين محمد من أحفاد تيمورلنك) وتأسيس مملكة المغول العظمى. وعلى عهد السلطان أكبر انتشر الأسلوب الهندي في البناء فظهر بمظهر بديع مع المحافظة على أشكاله الغربية وعرف كيف يمزج في المصانع التي لها صورة خاصة الظرف والبهجة عن الفرس ويضمها إلى متانة الأسلوب الجيني والأفغاني. فقد قال مؤرخ فنون البناء الهندية (فرغوسن) أنهم كانوا يبنون كالجبابرة وينقشون كالصياغ. ولا يفوتنا النظر هنا بأن استعمال الكاشاني على طريقة عامة لم يبق له أثر في تلك البلاد بل أخذت الهند تبني بالحجارة والرخام وهو أدل على البراعة في الصناعة وأمتن وأفخم. وأما النقش الفارسي على جماله فقليل البقاء ويا للأسف أشبه بزينة مسرح التمثيل تزول إذا صفر لها من عهدت إليه إدارة حركة التمثيل ليجعل غيرها مكانها. ولا يعلم لأي أمة ينسب مهندس بناء تاج محل في آكرا (الهند) ولكن المعلوم أن السلطان محمد الرابع بعث إلى شاه جنان مهندساً يبني له في أحمد آباد قبة نور محل ولا ينبغي العجب إذا رأينا من بعد هذا العصر الأشكال الفارسية مطبقة على البناء من الرخام في حجم كبير. ويقال أيضاً أن رجلاً فرنسوياً من بوردو اسمه أوستين أو أوغوستين الذي لقب نادر العصر قد عهد غليه النظر في أعمال ترصيع الحجارة الكريمة التي ازدان بها تاج محل من داخله وخارجه. ولذلك كان الحق مع المسيو سلادين في قوله بأنه يظهر بأن يد مهندس أوروبي قد رسمت الصور الواضحة ورسوم جانب البناء الكثيرة التدقيق في هذا المصنع ولعل هناك أثراً من التأثير الغربي. أما في الصين فإن هندسة الجوامع صينية محضة ولم تقتبس شيئاً عن البلاد التي يتكلم أهلها بالعربية ولا عن فارس ولا الهند. لم يكن للنقش إذا قيس بالهندسة شأن ظاهر. ولا يسعنا هنا أن نبحث في استعماله للتزويق فإن ما لدينا منه قليل لا يعتد به وقد ازدانت حوائط قصر عمراً بالنقوش ولكنها بيزنطية وكان ملوك الفاطميين يزوقون قصورهم في القاهرة بصور ذات أرواح كما قال المقريزي. وجلب اليازوري وزير المستنصر بالله إلى مصر ابن العزيز والقصير وهما نقاشان مشهوران الأول من البصرة والثاني من العراق فكانا يمثلان بما ينقشان نساءً يرقصن ومشاهد مأخوذة من التواريخ المنقولة عن التوراة على نحو ما أوردها القرآن ولكن لم يبق شيء مما نقشاه. وما على من أرد أن يتمثل كيف كان النقش عند العرب إلا أن ينظر إلى نقش المخطوطات ولا سيما الصور المصغرة التي تستعمل فيها رسوم الأشخاص والحيوانات دليلاً. ويرتقي عهد أقدم المخطوطات العربية من هذا النوع إلى صلاح الدين وبعبارة ثانية إلى الدولة الأيوبية وهي من أصل بيزنطي على ما يتجلى كمها كل التجلي. ومن أهم الأمثلة في هذا الباب كتاب مقامات الحريري المخطوط وهو مما ملكه شفر (العالم الفرنسوي) وألحق بمجامع خزانة كتب الأمة بباريز كتب كاتبه اسمه في آخر ورقة منه واسمه يحيى بن محمود بن يحيى بن أبي الحسن نشأ في واسط من بلاد ما بين النهرين. ومما حواه صفحة تمثل جيشاً للعباسيين يحملون العلم الأسود ويضربون بأبواق ضخمة فارسية كما رسمت أيضاً مشاهد من غير هذا الشكل وتجد فيها كلها أثراً ظاهراً من تأثيرات الرسم البيزنطي وذلك للتوسع في صنعها الذي يشبه رسوم الحيطان على الكنائس الكبرى. إن ما كتب في مصر من المصاحف هو من الصنائع البديعة فتراها محلاة بالعناوين المزوقة والنقوش المدورة الموضوعة في الحواشي من أجمل ما تخط يد وهي من زمن المماليك ولا يعرف المرء بما يعجب في صناعة مزج الذهب بالأولوان بدقة الرسم ولطفه أو بالذوق العظيم الذي أوجد ألوفاً من التراكيب المزينة الهندسية. وقد انتشر الرسم المصغر في فارس أكثر من غيرها فظهرت الكتب المزينة بالرسوم بظهور دولة المغول التي أسسها هولاكو حفيد جنكيز خان. وربما كان هذا النقش قد ظهر بتأثير الصنائع الصينية (لأنه كانت للساسانيين كتب مزينة بصور لم يذكر عنها كتاب مجمل التواريخ غير أخبار ركيكة) أما الاكتشافات الحديثة في خوقند التي لم يطلع عليها المؤلفان المشار إليهم (ظهر مصنف المسيو ستين حديثاً) فقد أوردت لنا أمثلة من الصناعة البوذية والفارسية معاً ويجب أن يبحث فيها عن الأصل الذي أخذت منه فارس طريقتها في النقش وعلى هذا فتكون تركستان الصينية هي الطريق التي دخل منها إلى إيران تأثير آسيا الشرقية. ومهما يكن من منشأها فمن المحتمل أن فارس نقلت طريقة التصوير المصغر عن مملكة إيلخان. وبذلك ساغ لنا أن نجعل الرسم ثلاث طرق أو ثلاثة مذاهب وهي المغولي والتيموري والصفوي ومن الجنس الأول الصورة المصغرة الوحيدة التي رسمت في تاريخ جهان خوشاي لعلاء الدين الجويني (المحفوظة في مكتبة الأمة بباريز) وهي تمثل المؤلف يقدم نسخة من كتابه إلى آراغون. وقد تجلى تأثير الصين كل التجلي بعد عهد تيمور بحيث أن النفس لتحدث المرء إذا نظر إلى رسوم ذاك الدور فيما إذا كان هناك أناس من أرباب الصنائع من الفرس تخرجوا على أيدي أناس من الصينيين أو أن هؤلاء النقاشين هم صينيون في الأصل جيء بهم إلى فارس فرسموا ما رسموا. بين العصر الماضي وهذا العصر بون بعيد لأنه دور التوسع الصناعي الموافق للعهد الذي كانت فيه بلاد فارس وتركستان غاصة ببدائع المصانع. ولقد غصت بخارى وخيوه وطاشقند بالصناع الذين ازدانت بمصنوعاتهم دور الكتب في أوروبا ثم أن عصر الصفوية السعيد قد أزهرت فيه صناعة بديعة غريبة تعلم أربابها في سمرقند وبخارة ولما انتقلت إلى الهند مع سلاطين المغول همايون وأكبر وجهانكير وأورنك زيب أنشأت فيها بدائع في الرسم والنقش بأسلوب يتنافس الناس في أوروبا في الحصول عليه. وما هذه الرسوم إلا مستندات ثمينة لا تقدر بقيمة سواء كان من حيث التاريخ أو للوقوف على الأحوال الاجتماعية في الهند في القرن السابع والثامن عشر. والصناعة الصفوية لينة سهلة تتجلى فيها العواطف الرقيقة ذات بهجة فاتنة. واشتهرت النقوش التي كتبت بقلم رصاص بوضوح التقاطيع وثبات الشكل والصورة. وانتقل النقش على عهد الشاه عباس الأول الذي كان يحب الأبهة وهو على شيء من الأفكار العالية والمدارك الواسعة من الكتب المخطوطة إلى حوائط القصور في أصفهان وما زال من هذه النقوش بقايا في قصر علي قبو وقصر الأربعين عموداً. وقد كان السائح الروماني بيترو دلافال استصحب معه نقاشاً في رحلته إلى بلاط فارس فمن الممكن أن يكون الشاه أخذ رأي النقاش وباحثه في الرسوم الكبرى التي اعتاد الطليان رسمها على الجدران فنبه فكره إلى أن يزوق قصوره على مثالهم. ولكن هذا القياس الفرضي وكان على بيترو وقد أطال رحلته بوصف ما عمل ورأى أن لا يقصر في ذكر ذلك. على أن كثيراً من النقوش الفارسية تشعر بتأثيرات النقش الإيطالي. وكثيراً ما تكون جلود الكتب غاية في الجمال ومن الخسارة أن مؤلفي كتاب الوجيز المشار إليهما لم يدخلا في تفصيل ذلك. ولقد شاهدت في الأستانة بعض المولعين بالآثار يأخذون الجلود القديمة كافة ليجعلوها في المتاحف مثالاً من أمثلة الحذق في الصنائع. والجلود المصمغة عند الفرس غاية في الجمال ويتألف من بعضها جداول حقيقية. اللغة والدخيل في مصر اليوم حركة فكرية مدارها الائتمار فيما وصلت إليه اللغة العربية في هذا العهد من العجز والتقصير والنظر فيما ينشطها من عقالها ويخرج بها من هذا المأزق الحرج بعد ما استحدث من المخترعات والمكتشفات والمصطلحات العلمية وما ضاق عطنها عن قبوله. فكتب الكاتبون في ذلك ما كتبوا وذهب كلٌ مذهبه وأبان عن رأيه حتى أوشكت هذه الفكرة أن تتعدى حد القبول فيؤذن مؤذن الفلاح بحي على خير العمل. ولنا في النهضة الكريمة التي قام بها رجال نادي دار العلوم خير شاهد على ما نقول. وقد كنت ممن خاض هذا الغمار وأجال القلم في هذا المضمار فنشرت صحيفة المؤيد عشرين كلمة من العامي والدخيل أردفتها بما يرادفها من العربي الفصيح وقصدت بذلك عرضها للنقد والتمحيص حتى يتبين الصحيح من الزائف إذ لا ينبغي للفرد الواحد أن يستبد بمثل هذا العمل. ثم عنَّ لي أن أضم إليها عشراً أخرى وأنشرها في المقتبس الأغر ليطلع عليها أفاضل العلماء والكتاب في الأنحاء العربية فيمدونا بآرائهم فيها خدمة لهذه اللغة الشريفة وهي: ( ملة مُدة القلم): المدة بضم أوله وهي ما يعلق بالقلم من المداد بعد غمسه في الدواة. (بوية الجزم أو طلاء الأحذية): اليرندج أو الأرندج بفتحتين وهو السواد يسود به الخف. (صحبة الورد): الطاقة وهي الحزمة من الريحان ونحوه ولعلها أقرب لفظة لمعنى الصحبة وقد اصطلح الكتاب على تسميتها بالباقة وهو خطأ لأن الباقة خاصة بحزمة البقل. (نشان التعليم): الدريئة بفتح فكسر وهي الحلقة يتعلم الرامي عليها. (الكشك): أصله بالفارسية كوشك وهو القصر الصغير وقد عربوه بالجوسق. (العطفة): الردب بفتح الراء وسكون الدال وهو الطريق الذي لا ينفذ. (العديل): السلف أو الظأب من المظابة وهي أن يتزوج إنسان بامرأة ويتزوج آخر باختها. أما التجاب بتشديد الباب من باب التفاعل فهو أن يتزوج كل من الرجلين بأخت الآخر. (قشرة الجرح): الجلبة بضم فسكون وهي القشرة تعلو الجرح عند البرء. (الطاقية): السكبة بفتح فسكون وهي خرقة تقور للرأس كالشبكة. (ناظر العمارة أو مقدم الفعلة): الوهين كأمير وهو الرجل يكون مع الأجير يحثه على العمل. (اليشمق): اللفام بكسر أوله وهو النقاب يكون على طرف الأنف فإن كان على الفم فهو اللثام. (السردين): الصير بكسر أوله وهو كما في القاموس السمكيات المملوحة يعمل منها الصحناة وفسر الصحناة بأنه أدام يتخذ من السمك الصغار مشه مصلح للمعدة. فعلى هذا يجوز إطلاق الصحناة على كل ما يقدم أمام الطعام من المشهيات كالصير وحوه والمسمى عند الأعاجم Hors d'oeuvre ويمكن أن يسمى السردين أيضاً بالطريخ كسكين وهو سمك صغار تعالج بالملح وتؤكل. (العزبة): كأنها محرفة عن العزوبة بالفتح وهي الأرض البعيدة المضرب إلى الكلأ وصوابها الضيعة وهي الأرض المغلة وقد استعملت قديماً بمعنى (العزبة) وأظنها مستعملة إلى الآن بهذا المعنى بالبلاد الشامية. (مضرب الكورة): الطبطابة بفتح فسكون وهي خشبة عريضة يلعب بها بالكرة ويقال لها أيضاً الميجار بكسر أوله وهو كما في المخصص الصولجان الذي تضرب الكرة. (المزَّة) النقل بالفتح او بالتحريك وهو ما يعبث به الشارب أو ينتقل به على شرابه من فاكهة ونحوها. والعامة تقول نقل بضم فسكون وهو خطأ قديم نبه عليه أئمة اللغة. (اللباس الرسمي) السواد وهو لون اتخذه بنو العباس شعاراً لهم ثم أطلق عندهم على لباس أسود خاص بالأمراء والعلماء وذوي الأخطار وكان الرجل إذا أراد الذهاب إلى ديوانه أو مقابلة خليفته قال لغلامه عليَّ بسوادي وسيفي. (ثياب الحزن): السلاب بكسر أوله وهي ثياب سود تلبسها النساء في المآتم واحدتها سلبة بفتحتين وتسلبت المرأة وسلبت بتشديد اللام إذا لبستها وهو مثل أحدّت إلا أن الإحداد يكون على الزوج خاصة والتسلب على الزوج وغيره. (الحبل الحاجز في الطريق): عند إصلاحها أو في احتفال كبير. الماصر وهو كما في مختصر العين للزبيدي حبل على الطريق أو نهر تحبس به السفن أو السابلة. واقتصر في اللسان على أنه الحبل يلقى في الماء لمنع السفن عن السير. (المعدية): المعبر كمنبر وهو المركب الذي يعبر به. (عقدة أو شنيطة): الأنشوطة بضم فسكون وهي عقدة يسهل انحلالها إذا مددت بأحد طرفيها انحلت. وتقول نشطت الأنشوطة من باب نصر إذا عقدتها وأنشطتها إذا حللتها. (الحصان البوني أو المكبون والأنثى المكبونة وهو الفرس القصير القوائم الرحيب الجوف الشخت العظام ولا يكون المكبون أقعس ومعنى القعس في الخيل المطمئن الصهوة المرتفع القطاة. (الشال): الطيلسان وقد فسره اللغويون أنه ضرب من الأكسية واقتصروا على ذلك إلا أن الشيخ إبراهيم السجيبيني فسره في كتابه المسمى بالعمى الأكبر في عين من أنكر ليس الأصفر بأنه ثوب طويل عريض كالرداء يجعل على الرأس فوق نحو عمامة ويغطي أكثر الوجه ثم يدار طرفه تحت الحنك إلى أن يحيط بالرقبة ثم يلقى طرفاه على الكتفين أهـ وهو كما نرى قريب جداً من معنى الشال. (رخو الكرباج): الشيب بكسر أوله وهو سير السوط. وفي اللسان وشيبا السوط سيران في رأسه وشيب السوط معروف عربي فصيح أهـ. (الجرسون أو السفرجي): لم أقف على لفظ مرادف مفرد يدل على دلالة تامة على (الجرسون) وقد ذكر اللغويون الندل بضمتين وفسروه بخدم الدعوة قالوا سمو نُدُلاً لأنهم ينقلون الطعام إلى من حضر الدعوة وأصله من ندلا يندل إذا تناول أهـ. إلا أنهم لم يذكروا مفرده فأرجو ممن وقف على لفظة أخرى أو على مفرد الندل أن يتفضل بنشره للجمهور. على أني رأيت بهامش اللسان أن هذا اللفظ وجد مضبوطاً بخط الصاغاني بفتحتين وعليه فلا يبعد أن يكون اسم جمع لنادل كخادم وخدم إلا أن مثل هذا لا ينبغي الحكم فيه غلا بالنصر الصريح. (القطن الزهر): اصطلح المصريون على تسمية القطن قبل حلجه بالزهر وعربيته الفصيحة المكمهل بصيغة اسم المفعول وهو كما في القاموس القطن ما دام فيه الحب والقطن الحليج كأمير هو ما استخرج حبه ويسميه المصريون بالشعر. أما شجرة القطن فتسمى الزعبل بفتح أوله وثالثه وسكون ثانيه. (السنارة) الشص بفتح أوله أو مكسره وهي حديدة عقفاء يصاد بها السمك. وأما بالصنارة بكسر الصاد المهملة وتخفيف النون ومنع في اللسان تشديدها فهي الحديدة الدقيقة المعقفة التي في رأس المغزل فاستعارتها العامة لمصيدة السمك وأبدلوا صادها سيناً ولا داعي للاستعارة متى وجدت الكلمة الموضوعة. الجاكيتة Jaquette اصطلح الكتاب على تسمية البالطو بالمعطف ومن المعلوم أن الجاكيتة كالبالطو الصغير فلا حرج إذا سميناها بالعطيف تصغير ترخيم للمعطف. (البيرة السوداء): البيرة خمر الشعير وعربيتها الجعة وزان هبة فيجوز أن يقال الجعة السوداء إلا أن العرب سمت الخمر السوداء بأم ليلى فما المانع من إطلاقها على هذا النوع من البيرة. (عمود الغاز): الماثلة وهي منارة المسرجة كما في القاموس. البونية Coup de poing الجمع بضم فسكون وهو من الكف حين تقبضها قال طرفة بن العبد: بطيءٍ عن الجلى سريعٍ إلى الخنا ذلولٍ بأجماعِ الرجال مُلهدِ ويقال فيه أيضاً الصقب بفتح فسكون وصقبه أي صربه بجمع كفه. والله أعلم. مطبوعات ومخطوطات كتاب البدء والتاريخ لم نكد نقرأ مبحث الصنائع الإسلامية الذي نقلناه إلى العربية في هذا الجزء حتى جاءنا البريد من باريز يحمل الجزء الرابع من كتاب البدء والتاريخ لأبي زيد أحمد بن سهل البلخي الذي نشره المسيو كلمان هوار كاتب تلك الرسالة وأحد أساتذة مدرسة الألسنة الشرقية الحية في باريز مترجماً بقلمه إلى الإفرنسية. أخذه عن نسخة وحيدة في مكتبة الداماد إبراهيم باشا بالأستانة وطبع الأجزاء الأربعة التي صدرت منه إلى الآن نحو ثلثيه وبقي الثلث الآخر. وقد كان ناشره العلامة يرى أولاً أن الكتاب للبلخي لأن النسخة المنقول عنها كتب عليها اسمه ثم تبين من بعض القرائن التي ذكرها في مقدمة الجزء الثاني والثالث أن الكتاب للمطهر بن طاهر المقدسي المقيم ببست من أعمال سجستان. ساعد على هذا الشك أمور منها أن ابن النديم صاحب الفهرست لم يذكر كتاب البدء والتاريخ في جملة مصنفات البلخي ومنها أن كتاب خريدة العجائب المنسوب لابن الوردي الذي اقتطع منه بعض فقرات من البدء والتاريخ وإن قال انه للبلخي إلا أن أبا منصور الثعالبي في كتابه الغرر في سير الملوك وأخبارهم ذكر كتاب البدء والتاريخ مرتين وقال أنه للمطهر بن طاهر. والثعالبي ثقة لقدمه. فقد كان بعد تأليف البدء والتاريخ بخمسين سنة وابن الوردي كان في القرن التاسع للهجرة. وأن ياقوت الرومي يقول في كتابه معجم الأدباء أن البلخي توفي سنة ٣٢٢ على حين انتهى هذا الكتاب إلى سنة ٣٥٥ بيد أن من نسب إليه الكتاب مشهور بين أهل العلم في عصره بالفضل والفلسفة وأحكام النجوم والرحلة وله مصنفات في الجغرافية وغيرها والمطهر بن طاهر غير معروف ولم يعثر له على ترجمة. وكيفما كان الحال فقد بذل ناشره جزاه الله خيراً من العناية بتصحيحه ما وصل إليه ذرعه مستعيناً ببعض أئمة التاريخ والأدب العربي من علماء المشرقيات في أوروبا أمثال كوي الهولاندي وغولدسير المجري ومرجليوث الإنكليزي ودارنبورغ وبارييه دي مينار الفرنسويين. كل هذه العناية وقد اعتذر عن نفسه وعدّ منها الجرأة أن ينشر كتاباً من القرن الرابع منقولاً عن نسخة مخطوطة واحدة فقال أنه لم يرَ بداً من نقل العبارة بنصها وعلى علاتها بل على أغلاطها النحوية وأن يقتصروا على التصحيح الظاهر مشيراً في الحاشية للأصل وكيف ورد. قال المؤلف في المقدمة: تسلق الزائغون عن المحبة في التلبيس على الضعفاء وتعلق المنحرفون عن نهج الحق في إفساد عقيدة الأغبياء من طريق مبادئ الخلق ومبانيه وما إليه مآله تعلقاً به ينبهون غرة الغافل ويحيرون فطنة العاقل وذلك من أنكى مكايدهم للدين وأثخن لبلوغهم في انتقاص الموحدين ويأبى الله إلا أن يتم نوره ويعلي كلمته ويفلج حجته ولو كره الكافرون وأن من أعظم الآفة على عوام الأمة تصديهم لمناظرة من ناظرهم بما تخيل في أوهامهم وانتصب في نفوسهم من غير ارتياض بطرق العلم ولا معرفة بأوضاع القول ولا تحكك بأدب الجدل ولا بصيرة بحقائق الكلام ثم إلقاؤهم بأيديهم عند أول صاكة تصك أفهامهم وقارعة تقرع أسماعهم ضارعين خاشعين مستجدين مستقلين إلى ما لاح لهم بلا إجالة روية ولا تنقير عن خبيئة وعلى أهل الطرف والشرف منهم التخصيص بالنادر الغريب والرغبة عن الظاهر المستفبض والإيجاب بغوامض الألفاظ الرائقة والكلم الرائعة وإن كانت ناحلة المعاني نحيفة المغاني ضعيفة الضمائر واهية القواعد فقصارى نظرهم الاستخفاف بالشرائع والأديان التي هي وثاق الله تعالى في سياسة خلقه وملاك أمره ونظام الألفة بين عباده وقوام معاشهم والمنبه على معادهم الرادع لهم عن التباغي والتظالم والمهيب بهم إلى التعاطف والتواصل والباعث لهم على اعتقاد الذخائر من مشكور صنائع العاجل ومحمود ثواب الآجل. إلى أن قال: وجمعت ما وجدت في ذكر مبدأ الخلق ومنتهاه ثم ما يتبعه من قصص الأنبياء عليهم السلام وأخبار الأمم والأجيال وتواريخ الملوك ذوي الأخطار من العرب والعجم وما روي من أمر الخلفاء من لدن قيام الساعة إلى زماننا هذا وهو سنة ثلاثمائة وخمس وخمسين من هجرة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وما حكي أنه واقع بعد من الكوائن والفتن والعجائب بين يدي الساعة على نحو ما بين وفصل فقي الكتب المتقدمة والأخبار المؤرخة من الخلق والخلائق وأديان أصناف الأمم ومعاملتهم ورسومهم وذكر العمران من الأرض وكيفية صفات الأقاليم والممالك ثم ما جرى في الإسلام من المغازي والفتوح وغير ذلك الخ. ويشتمل الكتاب على اثنين وعشرين فصلاً يجمع كل فصل أبواباً وأذكاراً من جنس ما يدل عليه. قدمه مؤلفه إلى احد ملوك عصره إلا أنه لم يذكر اسمه ويرى الناشر أن المقدم إليه ربما كان وزير المنصور بن نوح الساماني. والجزء الرابع الذي أهدي إلينا يبدأ من الفصل الثاني عشر بذكر أديان أهل الأرض ونحلهم ومذاهبهم وآرائهم من أهل الكتاب وغيرهم وانتهى بالسادس عشر لسنة إحدى عشرة من الهجرة قال في ذكر المعطلة والملاحدة أو الدهرية أو الزنادقة أو المهملة: وقط ما انتشروا في أمة من الأمم ولا أقروا في وقت من الأوقات انتشارهم في هذه الأمة لإعطائهم الإقرار بالديانة ظاهراً (وهو ما نسميه اليوم بحرية الأديان) وحقن الشريعة دم من أجاب إليها وهم هؤلاء الباطنية الباطلية الذين تخلعوا عن الأديان ومرجوا نفوسهم في ميادين الشهوات فحظوا عند الظلمة بترخيصهم لهم في ارتكاب ما يهوون وتهوينهم عليهم عواقب ما يحذرون حتى ترى المظالم قد فشت والقلوب قد قست والمنكرات قد ظهرت والفواحش قد كثرت وارتفعت الأمانة وغلبت الخيانة وعطلت المروءة واستخف بالربانيين واهتضم المستضعفون وأميت العدل وأحيي الجور فظهر ما لم يذكر في عهد ملك من الملوك في قديم الدهر وحديثه ولا في زمن نبي من الأنبياء عليهم السلام. . . وفي الكتاب فوائد كثيرة جغرافية وتاريخية واجتماعية وعمرانية وهو من أهم الكتب في النحل والملل وخوضه فيها يدل على أن المؤلف هو البلخي لما عرف من ترجمته أنه طالما اجتمع بزعماء أرباب الملل واستوصفهم معتقداتهم قال في طورسينا: يخرج الرجل من مصر إلى قلزم في ثلاثة أيام ومن قلزم إلى الطور طريقان أحدهما في البحر والآخر في البر وهما جميعاً يؤديان إلى فاران وهي مدينة العمالقة ثم يسير منها إلى الطور في يومين فإذا انتهى إليه صعد ستة آلاق وستمائة وستاً وستين مرقاة وفي نصف الجبل كنيسة لإيليا النبي وفي قلة الجبل كنيسة مبنية باسم موسى عليه السلام بأساطين من رخام وأبواب من صفر وهو الموضع الذي كلم الله عز وجل فيه موسى وقطع منه الألواح للتوراة ولا يكون فيها إلا راهب واحد للخدمة ويزعمون أنه لا يقدر أحد أن يبيت فيها فيهيء له بيت صغير من خارج بناء فيه. والكتاب كما رأيت لطيف الأسلوب في إنشائه. وإنشاء القرن الرابع مهما انحط أرقى من إنشاء الأعصر التي تليه. وقد اتضح أن مؤلفه معتزلي من نسبة الاختيار المطلق للإنسان ورعاية الأصلح لله سبحانه وتعالى ونحو ذلك مما ذكره في المعراج النبوي فإنه قال: والوجه في هذا وما أشبهه أن لا يجاوز فيه نص الكتاب ومستفيض السنة مع المخالف المنكر المستعظم لما يخرج عن العادة المعهودة والطبع القويم وقال أن المسرى قد يكون بالروح والجسم وأنه لا خلاف بين أهل اللغة أن الرؤيا في المنام لا غير وإن كان جاء في التفسير أنه رؤية العين فحكم العقل أن يخاطب كلاً على قدر فهمه. فهذا الكلام يدل على أن المؤلف معتزلي فإن كان المطهر الذي نسب إليه التأليف معتزلياً تقوى الشبهة في أن الكتاب له وإلا فيبقى هناك مجال للقول في أنه للبلخي. ولعل الذي أحيا هذا الكتاب الذي كاد يدفن يوفق إلى تصفح بعض ما يعثر عليه من مصنفات البلخي فيقابل بين أسلوبه فيها وأسلوبه في كتاب البدء والتاريخ ليتجلى له إن كان هذا المؤلف له أو نسب إليه وهو لغيره. فإن المدقق لا يلبث أن يدرك من بعض الألفاظ والتعابير أن المؤلف واحد ولكل كاتب ألفاظ تكاد تكون خاصة به يستعملها في معظم ما تخطه يراعته. وقد تصفحنا جملة صالحة من الترجمة الإفرنسية فرأيناها موافقة للأصل العربي اللهم إلا إذا كان في هذا بعض التباس فهناك المترجم يعذر لا محالة. ومهما يكن فإنا نهنيء المسيو هواء على إحياء هذا الأثر النفيس وما أحرى أن تكون مبالغته في العناية بما نشر معلمة لطابعينا ومؤلفينا كيف نطبع الكتب إذا أريد بها النفع الحقيقي لا مجرد النسخ والإلقاء للطبع كيفما اتفق. ونشكر لمدرسة اللغات الشرقية على طبعها هذا السفر الجليل ونرجو أن يوفق أمثال المسيو هوار وغيره من رصفائه الجهابذة إلى نشر كثير من آثار الشرق على النحو الذي طبع به هذا الكتاب من الإتقان والجودة. وكل جزء منه يباع بعشرين فرنكاً. فنحث طلاب العلم والأدب على اقتنائه فإنه من خير الكتب التي تزين المكاتب والقماطر ويسر بوضعها وطبعها الخاطر والناظر ومن جملة فوائده أنه يعين من أراد أن يتعلم الترجمة من الإفرنسية إلى العربية وبالعكس. بلاغات النساء هو كتاب حوى طرائف كلام النساء وملح نوادرهن وأخبار ذوات الرأي منهن وأشعارهن في الجاهلية وصدر الإسلام تأليف أبي الفضل أحمد بن أبي طاهر المتوفى سنة ٣٨٠ هـ نقله عن نسخة مخطوطة في خزانة الكتب الخديوية أحمد أفندي الألفي من أفاضل أدباء مصر وقدم له مقدمة رشيقة وصف فيها الأصل الذي اهتدى إليه وحافظ على كلام المؤلف فلم يحذف منه ما لا ينطبق مثلاً على عادات هذا العصر في التآليف فأبقى قسم المجون بحاله لأنه داخل في أنواع الأحوال الاجتماعية والبلاغات اللغوية المروية عن النساء ليتم للمطالع الإشراف على هذه الأحوال والبلاغات في قسميها الجدي والفكاهي وقد يستغرق المطالع في مطالعة هذا الأثر النفيس فيحار في التفضيل ولا غرو فإن كلام عائشة وفاطمة وزينب وأم كلثوم وحفصة وأروى بنت الحارث وسودة بنت عمارة والزرقاء بنت عدي وبكارة الهلالية وأم الخير لبنت الحريش البارقية والحجانة بنت المهاجر وأم معبد ورقيقة بنت بنانة وامرأة أبي الأسود الديلمي وصفية بنت هشام المنقرية وجمعة وهند بنتا الحسن وآمنة بنت الشريد وأم سنان بنت خيثمة بن خرسة ونائلة بنت القرفصة وعائشة بنت عثمان بن عفان وفاطمة بنت عبد الملك وعكرشة بنت الأطش والدارمية الجحونية وجروة بنت مرة بن غالب وأم البراء بنت صفوان إلى غيرهن من الأديبات الحكيمات هو للبلاغة معين وعلى الأدب أكبر معين يقل وقوع مثله للرجال دع عنك ربات الحجال. وقد جاء الكتاب في زهاء مئتي صفحة مطبوعة جيداً وعلق عليه ناشره بتفسير بعض الألفاظ العويصة وبذل الجهد في إرجاع النصوص إلى الصواب ما أمكن لأن النسخة الأصلية محرفة تحريفاً مشيناً فجزاه الله خيراً والكتاب يطلب من المكاتب الشهيرة بمصر وثمنه عشرة قروش. سير العلم والاجتماع قوة الحياة في العالمين ادعى جون بورغوس من مشاهير علماء الطبيعة في أميركا أن الأحياء من الإنسان والحيوان في أوروبا أقوى وأعظم وأكثر نسلاً مما عي في أميركا فأثبت الرئيس روزفلت عكس هذه القضية ونشر كل من المدعي والمنكر مجلدات في هذا الصدد فقال روزفلت: إن كثيراً من الحيوانات والطيور التي تنسب بأن أصلها من أوروبا قد وردت عليها في الحقيقة من بلاد أخرى كما هاجرت إلى الولايات المتحدة وأوستراليا مثال ذلك الأرنب والجرذ والفأرة فإنها كانت تأوي باديء بدء إلى شمالي أفريقية أو جنوبي آسيا. واستنتج من ذلك أن الضعف في هذه الحيوانات إذا قيس بالحيوان الأميركي لا تكون منه قاعدة عامة كما يكون وجه الشبه بين الحيوانات المتوحشة التي ما زالت في فرنسا وألمانيا وإنكلترا. أما ذوات الثديين من الحيوانات فلا يعرف فيما إذا كانت في أميركا تمتاز عن بنات نوعها في مكان آخر من حيث القوة والنشاط. فترى الوعل والإيل في أميركا أعظم جثة مما هما في أوروبا وزهكذا الحال في كلب الماء وجرذ الحقل فإنك تشاهد أعظمهما جثة ما كان أصفر أبقع وهو يكثر في جون هدسون ولئن كان الأرنب الأميركاني في الشمالي أحط بقوته وجرأته من الأرنب في شمالي أوروبا وآسيا فإن الدب الأميركي أرقى من الدب الأسفع الأوروبي. وإذا بدا البقر الوحشي في أوروبا وآسيا وأفريقية أنه أضخم من البقر الذي من جنسه في أميركان فالأيل في أميركا أعظم من الذي من جنسه في غيرها. ويكاد الثعلب الأميركي يكون مساوياً في قده للثعلب الفرنساوي وأصغر من الأرنب الأيكوسي ولكن هذا دون الأرنب في أعالي ميسوري. وما من شيء يدعو للاعتقاد بأن الثعلب الأحمر جيء به من أوروبا إلى أميركا لأن سكان كندا كانوا يصيدون الثعالب منذ أزمان متطاولة ويتجرون بقروها. هذا رأي الرئيس روزفلت في الحيوانات وأما في الإنسان فقد استعان على صحة مدعاه بالإحصاءات الطبية من عهد حرب الرقيق لأنه اشتركت فيها أمم من جميع أهل أوروبا وعامة أقطار الولايات المتحدة وجرى البحث في أجسامهم على طريقة طبية تشريحية فنتج من البحث أن الجسم الإنساني في شرقي الولايات المتحدة قد فسد فساداً محسوساً. فقامات سكان ولاية نيويورك مثلاً أصغر من قامات الإنكليز والإيرلنديين واتساع صدورهم أقل وأجمل الناس صورة هم سكان ولايتي كنتكي وتنيسي ثم السويديون والإيكوسيون والأميركيون في ويسكنسن ومينوستا ويليهم الإيرلنديون والألامان والإنكليز ثم الفرنسيس اللهم إلا سكان كندا منهم. وأكثر الناس نسلاً سكان كنتكي وتنيسي وفيرجينا وكرولينا وكندا. واستنتج الرئيس من ذلك أن ليس ثمت قاعدة مطردة يتأتى السير عليها للحكم على قوة الحياة في الحيوان والإنسان إذا كان الاستناد في ذلك على هواء البلاد فقط. ونحن نستنتج معجبين بالرئيس روزفلت الذي يباري العلماء ويبذهم في علمهم كما هو أعظم سياسي. فسبحان من خص الرئيس روزفلت بعد أن كنا نقول الرئيس ابن سينا. مزارع النعام لئن كان أصل النعام من سهول أفريقية وبلاد العرب الرملية فقد ربي في الناتال سنة ١٨٧٤ وكثرت الاستفادة منه حتى بلغ رأس المال المخصص لتربيته سنة ١٨٧٩ ثمانية ملايين جنيه ويصدر منه كل سنة زهاء خمسة وعشرين مليون ريشة إلا أن حرب الزولو لاند وغيرها من الحوادث قضت بتخريب تلك المزارع فانتقل بعض أصحابها إلى زلاندا الجديدة فأخذوا يربون النعام وقد أنشئت شركة سويسرية لتربية النعام فيها أتت بأرباح وافرة واقتدى بهم بعض الناس في أوستراليا فأصبح فيها زهاء ألف نعامة وتباع الواحدة التي يبلغ عمرها ثلاثة أشهر بخمسة جنيهات ويباع زوج من ذكر النعام وأنثاه بمئة جنيه وما زال في نمو. والنعام ثروة لمربيه ولكن لا في أفريقية. المستعمرات الفرنسوية كتب أحد أعضاء مجلس النواب الفرنساوي تقريراً قال فيه أن المستعمرات الفرنسوية أخذت تزيد بأراضيها وسكانها وغناها فلم يكن لفرنسا سنة ١٨٧٠ ما خلا الجزائر وتونس غير مستعمرات لا يتجاوز سكانها الميونين ونصفاً أما اليوم فسكانها يبلغون خمسة وثلاثين مليوناً نصفهم في الهند الصينية وهي أكثر البلاد الآهلة بالسكان وأفريقية الغربية والكونغو أوسع المستعمرات الفرنسوية وذكر ما قصرت فيه الحكومة في مدغسكر من تعليم سكانها على حين أخذ مرسلو البرتستانت من الإنكليز والفرنسيس يكثرون من المدارس وفيها من يحنق على من يأتي الخير لأنه أتاه باسم الدين وما على الطبيب الطيب إلا أن يقول في نفسه ماذا يهم من الدواء إذا كان فيه الشفاء. دعاة الدين يقولون أن إيطاليا اليوم تحارب رجال الدين كما حاربتهم فرنسا من قبل ولكن الدين مع هذا لم يبرح منتحلوه يكثرون في عدة جهات وإن قلوا في بعضها فقد كان عدد من دانوا بالبرتستانتية في النمسا ٣٤٣١ في السنة الماضية وبلغ مجموع من انتحلوها هناك في تسع سنين ٤٥ ألفاً وفي فيينا دان سنة ١٩٠٧ ، ٢٢٧ إسرائيلياً بالنصرانية منهم بالبرتستانتية ومنهم بغيرها. وذكروا أن في البلجيك اليوم ٢٤٧٤ جمعية دينية على حين ليس فيها سوى ٢٦٢٣ مركزاً. حجر السماء اكتشف بالعرض حد سكان كاليفورنيا جوهراً جديداً معدنياً لم يكن من قبل معروفاً وسينافس عما قريب أحجار الياقوت والزمرد وهو أزرق كالصفير أو الياقوت الأزرق وزرقته كزرقة السماء في الصيف. وقد كتم المكتشف سر اكتشافه إلا أنه عرض بعض الأحجار فتنافس فيها غلاة الجواهر من كبار أغنياء الأميركان. وفي تلك الناحية من كليفورنيا اكتشف منذ عشر سنين زمرداً أخضراً كما اكتشف حديثاً في تلك البقعة نفسها حجر الكونزيت الذي يختلف بلونه من الأرجوان إلى الوردي. أكبر باخرة أكبر باخرة تسير في الأنهار هي التي صنعتها أميركا وتستخدم للملاحة قريباً من جون هدسون وهي تقل خمسة آلاف راكب وطولها ١٢٠ متراً وعمقها ١٣ ومجموع علوها ٢٤ وتقطع ٣٨ كيلومتراً في الساعة ويزيد قطر دواليبها على سبعة أمتار. تجارة تونس أحصيت تجارة الصادرات والواردات معاً فقي القطر التونسي سنة ١٩٠٦ فبلغ مجموعها ١٧٠ مليون فرنك منها ٩٠ مليوناً للواردات والباقي للصادرات وقد كانت الواردات سنة ١٩٠١ ، ٦٥ مليوناً والصادرات ١٠٥ ملايين وما برح الارتقاء في الواردات آخذاً في النمو وأهم الممالك التي تعامل تونس فرنسا وإيطاليا وإنكلترا والجزائر ثم البلجيك وألمانيا والولايات المتحدة. يصيب كل مملكة منها بحسب نشاط أفرادها وما لديهم من الغلات والمصنوعات. تطهير الكتب اخترعت عدة طرق لتطهير الكتب من الجراثيم التي يلحقها بها المطالعون من أرباب الأمراض المعدية ولكنها لم تأت بالغرض المقصود وقد اخترع الدكتور برليوز الفرنسوي آلة جديدة أسهل على العمل وأضمن للنتيجة من جميع ما اخترع من نوعها وذلك بأن تبخر الكتب بسيائل خاص على درجة من الحرارة لا تقل عن ٧٥ وبدون ضغط على الكتاب ولا فتح لأوراقه ولا ضرر على جلده وورقه والكتب المجلدة تجليداً نفيساً يكتفى بتغليفها بورقة رفيعة فيذهب بذلك من الكتب كل جرثومة ضارة بلى إن هذا العمل بها يساعد على زيادة بقائها وحفظها. الزراعة في إنكلترا انحطت الزراعة في إنكلترا انحطاطاً هائلاً فكانت سنة ١٨٧٠ تقوم بإطعام نصف الأمة ولم تعد تكفي سنة ١٩٠٠ لغير طعام عشر سكانها وقلت الأراضي التي تزرع حبوباً قلة محسوسة فأصبحت إنكلترا عالة على مستعمراتها إذا قطعت عنها مادة حياتها وحدث ما أخر بريطانيا عن الاستئثار بسلطة البحار يسوء حالها لا محالة. أثبتت ذلك اللجنة الزراعية الإنكليزية في العام الماضي فقالت أن عدد العاملين في الزراعة كان سنة ١٨٧١ ، ١٦٨٥٠٠٠ فأصبحوا سنة ١٩٠١ ، ٩٠٠٠٠٠ وأكدوا أن زراعة إنكلترا أحط الزراعات في أمم الأرض كلها.</passage>
<license>Distributed under a Creative Commons Attribution-ShareAlike 4.0 International (CC BY-SA 4.0) license</license>
<source>https://github.com/tillgrallert/digital-muqtabas/blob/master/xml/oclc_4770057679-i_27.TEIP5.xml retrieved via Canonical Text Service http://cts.informatik.uni-leipzig.de/muqtabas/cts/ with CTS URN urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.27.TEIP5:</source>
</reply>
</GetPassage>
