<?xml version="1.0" encoding="UTF-8"?><GetPassage xmlns="http://relaxng.org/ns/structure/1.0" xmlns:a="http://relaxng.org/ns/compatibility/annotations/1.0" xmlns:tei="http://www.tei-c.org/ns/1.0">
<request>
<requestName>GetPassage</requestName>
<requestUrn>urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.26.TEIP5:11</requestUrn>
</request>
<reply>
<urn>urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.26.TEIP5:11</urn>
<passage>سير العلم والاجتماع عرب الدنادشة يبحث بعض العلماء عن أصل قبيلة الدنادشة الساكنة في متصرفية طرابلس الشام فتشوقت لمعرفة أخبار حقيقية عنهم فأتحفني بعض سكان تلك الجهات بالتفصيلات الآتية فالرجاء إدراجها في مجلتكم خدمة للعلم. كان جد عشيرة الدنادشة من اليمن جاء البلاد الشامية ونزل بحوران منذ نحو ثلاثمائة سنة وساد على تلك البلاد حتى لقب بالفحيلي وأكره العربان الضاربة خيامها هناك أن يدفعوا له خوة ومنع العرب من غير حيه من المرور بأراضيه إلا إذا دفعوا له رسوماً مقطوعة من المواشي ولقد أهان مرة أحد مشايخ عشيرة من العرب يدعى المساليخ من الحسيني فاغتاظ هذا وعمل على كيده فأتى يوماً وعرض عليه حضور جميع شيوخ عشيرة الحسين ليعطوه عهداً بالخضوع له فقبل بذلك ولما وصل القوم هجموا عليه وذبحوه في بيته وفتكوا بجماعته ونهبوا متاعهم وفر من بقي منهم وأتى إلى جهات قضاء حسن الأكراد وسكنوا في مكان يدعى الآن برج الدنادشة وهو فق تل كلخ مسكنهم الحالي وكان إذ ذاك مأهولاً بجماعة من المتاولة والتركمان فطردوهم واستولوا على محالهم ورئيسهم على ذاك العهد رجل يدعى الشيخ إسماعيل على جانب عظيم من البسالة والشجاعة فأعطته الحكومة لقب آغا ووهبته خمس قرى وهي الفتايا والحوز ومدان وحير البصل والموح التابعة لقضاء حمص وبموجب فرمان من السلطان محمد خان الرابع عهد لإسماعيل آغا وجماعته بالمحافظة على تلك النواحي. أما لقب دندشلي فقد سماه التركمان ممن لا يزال لهم إلى الآن بعض قرى يسكنونها في القضاء المذكور وذلك أن إسماعيل كان يتقن زينة خيوله ويجللها بأقمشة لها أطراف ودنادش فلذلك أطلق عليهم هذا الاسم ولم يبرحوا يلقبون به حتى اليوم وبعد أن سكنوا مدة قرن في تل كلخ رجع أحد أخوان إسماعيل آغا مع قسم من قبيلته إلى حوران وبقي فيها واسم عشيرته الفحيلية وفي كل سنة يأتي من حوران جمع من الفحيلية لزيارة الدنادشة في ديارهم ويتوجه آخر من تل كلخ إلى حوران. والدنادشة الساكنون في جهات الهرمل ليس لهم قرابة مع دنادشة تل كلخ هؤلاء سنية وأولئك شيعة. ثم ظهر ثلاثة أخوة من الدنادشة لهم شهرة مستفيضة واسم أحدهم حمزة آغا والثاني إبراهيم آغا والثالث حمود آغا فأحبوا تقسيم أملاكهم لمنع الشقاق بينهم فألقوا قرعة وتفرقوا فبنى حمزة محلاً وسكن فيه فدعاه باسمه أي مشتى حمزة وسكن إبراهيم قرية تل كلخ وسكن حمود في محل سماه مشتى حمود وأسماء هذه المحال التي أصبحت الآن عامرة بذ ريتهم ما فتئت باقية إلى اليوم وكل من هؤلاء الثلاثة أصبح مديراً ولكل قرية الآن من هذه القرى رئيس من نسل الأخوة الثلاثة الأكبر فالأكبر ورئيس الجميع يسكن تل كلخ لأنها أهم منازلهم وهي واقعة إلى جنوبي قلعة الحصن مركز القضاء الآن تبعد عنه نحو ساعة ونصف على طريق العجلات الممتد من طرابلس إلى حمص وأما مشتى حمزة ومشتى حمود فموقعهما شرقي تل كلخ وعلى مسافة زهاء ساعتين منه. ورئيسهم في تل كلخ اليوم هو على جانب عظيم من الكرم ودماثة الأخلاق محب للفقراء والمحاويج بيته مفتح أبواب لكل من قصده وهو عبد الله آغا وله من العمر نحو الستين أو أكثر ومنازل الآغوات مبنية على نسق الجديد ومنها ما كلف ألوف الليرات وأملاك الدنادشة كثيرة ومتسعة لاسيما أراضيهم في سهل البقيعة المشهور بخصبه وأكثر خبزهم من طحين الذرة الصفراء وقلما يستعملون دقيق الحنطة. ولكل من الأغوات مضافة لقبول الزائرين ومن عاداتهم أن لا يتناولوا طعام الصباح والمساء مع حريمهم بل يأكلون في مضافاتهم وجد فيها ضيوف أم لم يوجد. ولهم ولع عظيم بركوب الصافنات الجياد يعنون كثيراً بتربيتها وقل فيهم من لا يركبها ويتفنن فيها وعند محمد بك صاحب بيت تل كلخ فرس أصلها حمدانية زرقاء اللون لا يبيعها ولو دفع له فيها خمسمائة ليرة وعند ركوبهم يحملون الرماح والسيوف وفي أعراسهم يدقون الطبول وينفقون على خيولهم وأفراحهم نفقات باهظة. وفي منتصف حكم السلطان محمد خان الرابع الذي جلس على تخت السلطنة سنة ١٠٥٩ منحهم فرماناً بملك القرى المذكورة آنفاً. تحريف الأعلام كتب الأستاذ نالينو مدرس اللغة العربية في كلية بلرمة حاضرة صقلية رسالة بالإفرنسية في نشرة الجمعية الجغرافية الخديوية في مصر سماها إعلام البلاد في بلاد الإسلام أتى فيها بأمثلة كثيرة على تحريف بعض الأعلام في كتب الجغرافية والتاريخ والمصورات الحديثقة تحريفاً يلتبس به وجه الصواب ويضيع به تصور مواقعها وتاريخها وأصلها على وجه الصحة وقال أن المشتغلين بالعربية من الإفرنج قد لا يهتدون إلى كثير من المواقع إذا نظروا في تلك المصورات الحديثة وقابلوها بما كان كتاب العرب يطلقونه عليها فذكر من ذلك أمثلة غلط فيها بعض علماء المشرقيات فادعى أن لفظ المولوية المستعمل في حكومة مراكش مضافاً كالحضرة المولوية أو المقام المولوي جاءت من ملويا وهو أهم نهر في بلاد مراكش يخرج عن حكم السرة المالكة ولذلك يطلق سلاطين المغرب على أنفسهم الأمراء المولوية ليؤيدوا حكمهم على تلك البلاد التي يجتازها النهر. وقال والحقيقة أن قولهم الحضرة المولوية مشتق من المولى ولفظ النهر يلفظ ملوية. وذكر كيف أن بعضهم حرف لفظ (تل العمارنة) فجعلها (تل أمرنا) عند الترجمة وأنه وقع في كتاب في التاريخ والأدب قررته نظارة المعارف المصرية سنة ١٨٩٣ من الأغلاط الشائنة في أسماء الأعلام ما حرف التاريخ ولا سيما فيما تيعلق بجزيرة العرب ومثل ذلك بأنه جاء فيه (زادة) بدل (صعدة) و (دراما) بدل (ظرما) و (زهاد) بدل (صحار) و (بجا) بدل (بيشة). ثم ذكر أمثلة لذلك من المصورات الجغرافية فقال أنهم حرفوا اسم ذوي متيع وهي قبيلة مشهورة في المغرب الأقصى وجعلوها دوي منية وحرفوا لفظ نهري صا ومسون فقالوا زا ومصون وحرفوا اسم قبيلة بني يزناسن فقالوا بني سناسن وقالوا عن سهل تفراته تافراطا وحرفوا أبت سغروشن وأيت شخمان في بلاد المغرب فقالوا أيت سورشن وأيت شكمان نقلاً عن المصورات الفرنسوية ولفظة ضاية مستعملة في الجزائر للقيعان التي يجتمع فيها ماء المطر في الشتاء بلفظ داية وكيكو بجيقو وغياثة برياطة ومكس بمكاس والنجاة بنجا وارضم بردم وبهت ببجط وصفر بسفر ومدينة وازان بوزان وقبيلة غصاوة بغزاوة وتافيلالت بتفيللت وتعلالن بتيالالين والرتب بالرطب ومرغاد بمراد وتادغوست بتدروشت وتدغة بطدرة وعطة بأطا وتيزيمي بتزيمى. وقال أنهم حرفوا في الأعلام المغربية بششاون وتسنت بتيسينت وسكتانة بسقطانة ومجاط بأمجات وكليميم بأوقليميم وسكسيوة بسقصاوة والشياظمة بالشيادمة ورهونة برحونة وكرفط بقرفيت وتسول بتصول وزيان بزايان ووزغت بواويزت وكرط بقرط وشالة بشلة وقرباطة ببرج غربالة وسيدي صيد عقارب (محل في تونس) بسيدي العقاربة ويونقا بعنقا وبلاد الحضر ببلاد الحيدر وتبلبو وكتانة وعرام بطبلبو وكتنة والعرم وهداج وشعبة السماعلة وغنوش بحديج وشابة الزمالة وقنوش وطبرقة بتبرئة وتوكابر بتكابر ومكتار بمثر وجبل ساغرو بجل سارو والخيثر بالكريدر وخنق النطاح بكاركنتا والسوارقية بالسويرجية والأكرة بالعكرة والشرفة بالشرفا والخضيراء والصفينة بالخضيرة والسفينة. وقال أن المصورات الجغرافية والكتب المطبوعة في علم تقويم البلدان المترجمة حديثاً في الأستانة وسورية مملوءة بالأغلاط الشائنة ولذلك تجافى عن نقل شيء منها لتفاهتها وأن خير طريقة يعمد إليها لإصلاح هذه الأعلام ورد كل شيء إلى أصله العربي عند الترجمة أن تنظر مصر في ذلك لأنها مجمع العالم الإسلامي وفيها صفوة من رجال العلم من المسلمين الذين يساعدون بمعارفهم في هذا السبيل كما أن فيها المجمع المصري والجمعية الجغرافية الخديوية التي ساعدت كثيراً على ارتقاء المعارف الجغرافية. الحكومات والأوبرات تعطي حكومة برلين للأوبرا الألمانية ١ . ١٢٥ . ٠٠٠ فرنك وتعطي حكومة باريز ٨٠٠ . ٠٠٠ وحكومة درسد ٦٠٠ . ٠٠٠ وحكومة فيينا ٦٠٠ . ٠٠٠ وتعطي حكومة مصر ١٢٥ . ٠٠٠ لجوق الأوبرا ولكنه أوروبي يمثل في الشتاء لتفكهة السياح فقط. جرائد العالم تبين أن في إيطاليا ٣٣٣٠ جريدة وجلة منها ١٣٤ يومية تقسم إلى أقسام في مبادئها منها ٣٢٣٢ من حزب رجال الدين و ٢٩٥ من المحافظين و ٢٦٠ من الاشتراكيين وفي ألمانيا ٥٥٠٠ جريدة ومجلة وفي فرنسا ٢٨١٩ وفي إنكلترا نحو ٢٥٠٠ وفي النمسا والمجر ١٢٠٠ وفي روسيا ٨٠٠ وفي سويسرا ٤٥٠ وفي الولايات المتحدة ٥٠٠٠٠ (كذا) جريدة ومجلة. عاصمة الألمان يطعم المجلس البلدي في برلين الأولاد الفقراء ويكسوهم ولذلك لا ترى في شوارعها شحاذين فتيان يدعون كما في بعض عواصم أوروبا أنهم يبيعون جرائد أو زهوراً وإذا شاهد الشرطي ولداً يدخن يتقطع له اللفافة وهي في فمه. العمل بالأيدي أبان تقرير العمل في الولايات المتحدة الفرق بين ما تكلف بعض أصناف التجارة إذا صنعت بالأيدي أو بالأدوات فظهر لها أن عشرة محاريث زراعية إذا أريد صنعها بالأيدي يشتغل فيها عاملان يعملان فيها أحد عشرة نوعاً من الأعمال ويصرفان ١١٨٠ ساعة وتكلف ٢٧٢ فرنكاً أما بالآلات فإن هذه العشرة محاريث يعمل فيها ٥٢ عاملاً يتعاطون ٩٧ عاملاً مختلفاً يصرفون في صنعها ٣٧ ساعة فتكلف ٣٩ فرنكاً. وأن المئة زوج من النعال ليصنعها عاملان بأيديهما فتكلفتهما ألفي فرنك ولكن إذا صنعت بالآلات يعمل في صنعها ١١٣ عاملاً فتكلف ١١٧ فرنكاً وهكذا فإن تقسيم العمل بفضل الأدوات والآلات الحديثة أعظم وفر ودخل. العلم في مصر صدر الأمر الخديوي بأن يخصص من الأوقاف الخيرية مبلغ خمسة آلاف جنيه مسانهة لمشروع المدرسة الجامعة المصرية المزمع إنشاؤها في القاهرة. ووقف الأمير حسين باشا كامل زهاء ٧٦ فداناً من أطيانه في البحيرة على مدرسة دمنهور الصناعية وإيراد كل فدان ثمانية جنيها في السنة فيكون قيمة ما أعطاه عشرة آلاف جنيه كما أن قيمة العقارات والأطيان التي خصصت مداخيلها للجامعة تساوي مئة ألف جنيه بحسب وارداتها. ولا يزال الأربعة عشر مديراً من مديري القطر يتفننون في تشويق علية القوم لإنشاء الكتاتيب على أساليب مختلفة فبارك الله بهذه النهضة العلمية المنتجة. السياح ونفقاتهم كثير من البلاد تنتفع بالقادمين عليها كل سنة للسياحة ومنها سويسرا في أوروبا ومصر في أفريقية فإن القطر المصري يربح كل سنة نحو مليون وربع من الجنيهات من المال الذي يصرفه فيه السياح. وقد ذكرت مجلة المجلات النيويوركية أن السياحة من أعظم المساعدات على انتقال المال من يد إلى أخرى فقدرت ما يصيب فرنسا كل السنة من القادمين عليها ن السياح بمليارين ونصف مليار فرنك ويصيب إيطاليا خمسمائة مليون فرنك وقد زار سويسرا سنة ١٩٠٦ أربعمائة ألف سائح فصرفوا فيها مائة وخمسين مليون فرن. وقدر عدد الأميركيين الذين كانوا في أوروبا هذه السنة بمئة وخمسة وعشرين ألفاً على مئة وخمسين ألفاً نالت من مالهم إنكلترا ١٢٥ مليون فرنك ونالت فرنسا ثلاثة أضعاف ذلك ونال ألمانيا ١٢٥ مليوناً وإيطاليا ٢٥٠ مليوناً فالارتحال هو من الدواعي الكبرى في نقل المال ومن أعظم المنافع في الحياة الاقتصادية. البيض قدر بعضهم أن محصول البيض في أوروبا يبلغ في السنة أربعة مليارات وأربعمائة مليون بيضة وزعم أن ما تخرجه إنكلترا هو أحسن بيض ثم يجيء بالجودة بيض فرنسا فالدانيمرك وقال أن مجموع ما يتجر به في إنكلترا وخارجها من البيض الإنكليزي يبلغ مليارين ومائتينيوسبعين مليون بيضة تساوي ستة ملايين جنيه وترسل روسيا إلى إنكلترا كمية وافرة من البيض إلا أن بيضها دون بيض بريطانيا بجودته ومح بيض إسبانيا من أجمل بيض في العالم والرديء من البيض يدخل المعجنات. المسكرات ثبت أن المسكرات في أوروبا هي السبب في موت ثلث الوفيات وقد قدم بعضهم إلى المجمع الطبي الباريزي رسالة يقول فيها أن الكحول هو السبب الرئيسي في عشر الوفيات والسبب المساعد على أكثر من اثنين في العشر الآخر فهو من المجانين سبب هلاك نصفهم وتأثيره في الرجال أكثر منه في النساء. الضرائب والموظفون ترى بعض المجلات الباريزية أن فرنسا إذا ألغت وسام جوقة الشرف توفر عليها ملاً يوازي ما تتقاضاه من الضريبة على الثقاب (عيدان الكبريت) فإن عندها ٤٥ ألفاً يحملون هذا الوسام منهم ٣٠ ألفاً من رجال الجندية يتناول الفرد منهم راتباً يختلف بين ٢٥٠ إلى ٣٠٠٠ فرنكاً والباقون ملكيون. وقد بلغ عدد الموظفين في فرنسا ٨٧٠٥٨٩ موظفاً وقريباً يبلغون المليون فماليتها محتاجة لمئة ألف موظف وحربيتها لمئة وخمسين ألفاً منهم ٣٥ ألفاً من الضباط الموجودين وإدارات البريد والبرق لمئة ألف والمعارف لمائة وثلاثين ألفاً وفي نظارة الخارجية ٩١٨ . زيت البترول  لم يكثر منذ عشرين سنة من المواد الأولية غير صنف واحد وهو زيت البترول فقد كان محصوله سنة ١٨٨٨ في العالم أجمع ستة ملايين طن فصار سنة ١٨٩٧ خمسة عشر مليوناً وارتقى في السنة الماضية إلى ثمانية وعشرين مليوناً ويرجى أن يكون الاعتماد على البترول أكثر من غيره إذا ظلت العناية بالأتوموبيل متوفرة حيناً بعد آخر. أشد البقاع حرارة قالت إحدى المجلات الباريزية أن أشد الأصقاع حرارة في العالم هو مدخل الخليج الفارسي في جزيرة كشم العظمى لا يكاد الإنسان يستطيع أن يسكن هناك لشدة الحرارة إلا أن فيها أناساً مشتتين هنا وهناك لا يكادون يخرجون من أكواخهم المبنية بالطين ويتغذون بالأسماك خاصة ويمكن لسكان تلك البلاد أن يسكنوها من شهر نوفمبر إلى مارس وقد كان أقيم فيها محطة للسلك البحري فترك بعد ذلك لأن جميع المستخدمين قضوا نحبهم حرقاً بالشمس وبعضهم فروا ولكنهم جنوا. وقد جرى البحث في خلال المفاوضات التي جرت مؤخراً بين إنكلترا وروسيا على أن تنشأ فيها إصلاحية إلا أنه لم يتيسر تحقيق هذا الفكر إذ لم يرض أحد أن يحكم على نفسه بالموت في تلك النار المحرقة ولو مهما كانت مشاهرته. الحيوانات البائدة بادت عدة أجناس من الحيوانات في بعض أصقاع الكرة الأرضية بعد أن كانت فيها كثيرة ومن العجيب أن العلماء يبحثون عن الحيوانات النافعة فلا يجدون لها أثراً واختلفت آراؤهم فيما إذا كانت تنسب هذه الإبادة للإنسان أم لفطرة الوجود ومعظمهم على أن للسببين يداً في قرض الحيوانات فقد كان في جزيرة سان توما إحدى جزائر الأرخبيل التابعة للدانيمرك أربعة عشر نوعاً من الأيائل لم يبق منها الآن غلا ثمانية ولم يبق من البائدة غير وصفها الذي وصفها به السائحون إلى تلك الجزر، وقد كان شأن قارة أفريقية من هذا القبيل أتعس من شأن القارات الأربع الأخرى كما كان شأنها في استيلاء الغريب على معظم أصقاعها. فقد كان من أمر الملعب الروماني المدعو كوليزة في رومية أن كانت تعرض فيه الحيوانات الكاسرة خصوصاً فكان بذلك انقراض بعض الأجناس التي كانت في هذه القارة السوداء. أما قارة آسيا فقد نجت حيواناتها أكثر من أفريقية اللهم إلا جنساً واحداً من الحيوانات وهو الفرس الوحشي ذو اللون الشهب. ومنذ عهد شارل الأول لا يرى أثر للخنزير البري ومنذ سنة ١٨٦٠ لا يرى أثر للذئب في إيكوسيا وكان آخر ذئب وجد في إيرلاندا منذ ثلاثين سنة. المال في أمريكا اشتدت العسرة المالية في أميركا حتى أقفلت معامل كثيرة وأفلست بيوت تجارية ومالية بالمئات واضطر كثير من الأوروبيين إلى العودة إلى بلادهم حتى بلغ عدد من هاجروا منها في الشهور الأخيرة نحو مليون رجل وقد نسب بعض الاجتماعيين هذه الأزمة لاجتماع رؤوس الأموال في أيدي أفراد وهو ما توفر الرئيس روزفلت في عهد رئاسته الثانية على مكافحته أشد كفاح على ما يظهر لمن يطلع على الجرائد السيارة ويؤخ ١ ذ في إحصاء جرى سنة ١٩٠٣ أن إثني عشر في المئة من مجموع ثروة الولايات المتحدة بيد مديري احتكار الفولاذ أو ملوكه فهم يديرون نصف الخطوط الحديدية في أميركا الشمالية ولهم أهم سلك تلغرافي وهم مديرو خمس شركات كبرى للضمان ويملكون كثيراً من المناجم والمقالع وغيرها ويديرون احتكارات يتجاوز رأس مالها التسعة مليارات دولار أي ما يوازي الدين العام في إنكلترا وفرنسا والولايات المتحدة إذا أضيف معاً وهؤلاء المديرون أو المحتكرون هم أربعة وعشرين رجلاً زعيمهم مورغان وهو وركفلر صاحبا القول الفصل ومن أكبر قادة الأموال وهكذا الحال في انضمام السكك الحديدية واحتكارها فقد كان عدد الشركات في الولايات المتحدة سنة ١٩٠٤ اثني عشر ألف وعشرين شركة فيها ٣٢٧٨٥١ مساهماً منهم ثمانون ألفاً من الأهالي فقط، وفي الولايات المتحدة سبعة آلاف رجل يملك كل فرد منهم زهاء مليون ريال ويدعون أصحاب الملايين. الأعمال في إيطاليا تشكو إيطاليا من دائين كثرة المحامين عندها وقلة المهندسين فقد بلغ طلاب الحقوق فيها هذه السنة نحو عشرة آلاف طالب وطلاب الطب نحو خمسة آلاف وبلغ طلاب الأدب ألفاً وخمسمائة طالب ومثلهم طلاب الهندسة. وتطلب نظارة الأشغال هناك مهندسين وميكانيكيين فلا تجدهم حتى تعطلت هذه السنة بعض المسابقات التي فتحتها لطالبي الدخول لقلة الأكفاء المتعلمين. أفكار في الشقاء كتب فريدريك باسي الذي عربنا له مقالة القضاء على الشقاء في هذا الجزء مقالة افتتاحية في مجلة الاقتصاد الاجتماعي العامية فآثرنا تعريبها وضمها إلى أختها السالفة بياناً لتفنن الإفرنج في الكتابة في موضوع واحد قال فيها ما ترجمته: يقول علماء الأخلااق المتدينون أن كل شر ينشأ من الخطيئة فهم على سداد إذا أريد بالخطيئة كل ما من شأنه الخروج عن القوانين التي يجري عليها نظام الأخلاق ونظام الماديات في العالم. ومن المحقق أن ثمت شروراً لسنا نحن السبب فيها كالعواصف والزلازل والفيضانات والحرائق والأوباء وآفات الفلك التي تأتي على الغلات وتنقص الثمرات. ومن هذه المصائب الطبيعية ما نستطيع التوقي منه أو من تقليل أثره فينا إلى حد محدود. وأن كثيراً من الحرائق والأمراض وأنواع الهلاك هي نتيجة غفلتنا فإذا لم نستطع أن نعرفها قبل وقوعها ففي وسعنا أن نقلل من تأثيرها إذا ضمننا الضامنون وتعهد لنا المتعهدون فاتقاء الفيضانات يكون على الجملة بإقامة السدود وإصلاح مجاري المياه وتمكن الوقاية من الأنواء بالدخول إلى المرفأ او بالابتعاد عن الشواطئ الخطرة عملاً بما تنقله الأسلاك البرقية والأسلاك البحرية من الأخبار الواجب تصديقها. وتحمي الغلات والثمرات من بوائق الجو بما يعلم من الإشارات التي تؤخذ عن المراصد الجوية المؤذنة بقرب الزعازع وتتقى الأمراض بالامتناع عن التعرض لموجبات العدوى على غير ضرورة. وتتأتى النجاة من معظم أسباب الفاقة والألم إذا صحت عزيمة المرء وقويت إرادته لأن أغلبها صناعي غير طبيعي فالكسل هو الذي يضيع الوقت والفراغ وهو الذي يسيء استعماله ويصرفه فيما لا ينتج وأعظم من ذلك استعماله فيما يؤذي النفس والغير ولا يعود منه فائدة على عامل أخرق جاهل لا نفاذ في بصيرته ولا مضاء في عزيمته فقد يصرف بعضهم في المشروبات الضارة التي تنهك الصحة والعقل بقدر ما يدفعون إلى خزانة الحكومة من الضرائب عن يد وهم صاغرون متململون بل أكثر بكثير. وقد يقضون أوقاتهم وهم يتفرجون على الخيل تعدو مسرعة وهم لا يعرفون منها أعيانها ولا أعيان أصحابها ويحضرون تمثيل روايات أو يستمعون لشتائم وسباب ويصرفون أياماً وليالي كان في وسعها أن يقضوها في عمل مثمر. ترى بعضهم يلقون بما لهم من المضاربات والمراهنات التي كثيراً ما تكون ضرباً من ضروب السرقات المدبرة. يأتي المرء هذه المنكرات بسائق الجهل ويرمي بنفسه في هذه المهالك التي كان في وسعه اتقاؤها فلا يظلم نفسه فقط بل يظلم المجتمع بما يرتكب من سخف ليس هو إلا اعتداءً عاماً هائلاً يورث تلك المجتمعات التي هو أحد أفرادها ضعفاً في رفاهيتها ونقصاً في ثروتها بل إنهاكاً لقواها ودفناً لحياتها. ليس من العقل في شيء أن يسوق المرء نفسه إلى مواطن الهلاك ويفادي بروحه وروح جيرانه بما يبذله من أحسن موارده المالية وقواه الكثيرة فيروح بعد ذلك ينفق على سعة على الجيوش المؤلفة من شجعان الشبان يرابطون على الحدود ويعهد إليهم أن يطردوا عن تخطيها كل وطني أو غريب يريد دخولها وهو يحمل أطعمة للجائعين وألبسة للعريانين وأدوات وآلات لمن لا سلاح لهم مواد أولية لمن يستخدمونها وسماداً للأراضي التي ضعفت قوة إنباتها ومواد كيماوية للأعمال الصناعية المختلفة. ولو حسن استخدام تلك الساعات الضائعة أو التي تصرف في الباطل والمواد أو الثروة المبددة للقضاء العام على بني الإنسان وبذل ذاك النشاط الكثير ووجهت وجهة العلم نحو الغاية المقدسة التي تطلب من تحسين حالة البشر والبعد بهم عن فساد الأخلاق والتباغض — لو تم كل ذلك لما صعب أن يقدّم لعامة من خانهم دهرهم ما يتبلغون به بل ما يصل بهم إلى الرفاهية والاحترام والسعة. نعم ادعُ ما تقدم بما شئت من خطيئة أو جهالة أو جنون فالشر كل الشر الذي ابتلينا به إنما جاءنا من قبل أنفسنا إلا ما حدث بحسب الظاهر قضاء وقدراً ولكن يمكن على الجملة التعديل من حاله أو ما نشأ من البوائق الخارجية التي هي مناط عملنا وبيدنا أمرها. قالوا قديماً أن المرء لا يموت إلا إذا كانت له إرادة في الموت يريدون بذلك إثبات قوة الجهاد الأدبي. الشعوب لا تتألم إلا بسيئات ترتكبها وهي تنزع الشقاء من أساسه متى عرفت أو أرادت أن تقاتله بالفعل. صناعات الملوك رأى بعض ملوك الأرض أن الحكمة تقتضي عليهم بأن يتجروا لأنفسهم ويدخروا المال للطوارئ ولذلك كان مما يملك ملك إنكلترا سكة حديدية في الكندا ولإمبراطور ألمانيا معظم الأسهم في مجلتين تأتيانه بواردات وافرة ولملكة هولاندة مزرعة واسعة في قصرها في لو وللبابا مبالغ جسيمة وضعها في مصرف إنكلترا لحين الحاجة. ولكن بعض ملوك الإسلام كانوا لا يرون أن يتجر الملك ويزارع فكان أدنى فرد في حواشيهم يملك مالاً أكثر منهم لأن هذا من شأن الرعية ومن ملك الرقاب يعاب عليه أن يملك المال والعروض ومن أخذ الممالك لا يجمل به أن ينلك قطعة أرض منها. هكذا كان شأن كثيرين ومنهم صلاح الدين يوسف ونور الدين محمود بن زنكي. وفي التذكرة الحمدونية أنه كان لعمر بن عبد العزيز سفينة يحمل فيها الطعام من مصر إلى المدينة فيبيعها وهو واليها فحدثه محمد بن كعب القوطي عن النبي عليه السلام أيما عامل تجر في رعيته هلكت رعيته فأمر بما في السفينة فتصدق بها وفكها وتصدق بخشبها على المساكين. الفولاذ والحديد إذا برد الجو كثيراً ونزلت درجة الحرارة إلى ٢٠ تحت الصفر تقل مقاومة الفولاذ خمسة أسداس ما كانت عليه من قبل وقد ثبت في الجليد الأخير أنه تتحطم الخطوط في السكك الحديدية والتراموايات فيتكسر الحديد المصفح كما يتكسر الزجاج ولا سبيل إلى ملاقاة ذلك إلا بإحماء الخطوط كأن يصب عليها ماء حار للغاية وإلا كانت حياة الركاب في القطارات التي تمر بعد ذلك عليها في خطر مبين. مضار التدخين ثبت أن الدخان أو التدخين يضر بالنساء أكثر من ضرره بالرجال ولاسيما في أبان حملهن وحبلهن فكثيراً ما كان بعضهن يسقطن الحمل من رائحة الدخان حتى ن بعض النساء المستخدمات في معامل الدخان كن يسقطن حملهن قبل الأوان وإذا ولدن فلا يولدن إلا أولاداً مشوهة صورهم وكثيراً ما يموتون صغاراً جداً قبل غيرهم من الأولاد قال العالمان اللذان أثبتا ذلك وعلى هذا فيجب على الأطباء أن ينبهوا الحبالى ألا يدعن أثناء الحمل إن كن ممن يدخن. فقر الشعراء مات في لندرا منذ ثلاثة أشهر في مستشفى المجاذيب شاعر اسمه فرنسيس طومسون كانت حياته على أدب فيه أشبه بالشاعرين جيلبر الفرنسوي وشاترتون الإنكليزي فقد كان أبوه طبيباً في منشستر فأراد أن ينصرف لتعاطي الكتابة وقد تخلى عنه أبواه فعاش في لندن عيشة ضنكى فتعاطى أولاً بيع الثقاب (عيدان الكبريت) ثم صار بواباً ثم خادماً في أبواب دور التمثيل وقد عزم ذات ليلة أن يسمم نفسه إلا أنه ذكر قصة شاترتون الشاعر الذي سمم نفسه وما جرى له فعدل عن ذلك ولم يعلم أن السعادة كانت في انتظاره في الغد وقد تناول جائزة عن قصيدة نشرتها مجلة إنكليزية وبعثت له بها وبعد ذلك أخذ يكتب وينظم ونظم أغنية سماها غروب الشمس لم ينظم أحسن منها منذ عهد شيلي كما قال بذلك كبار النقاد إلا أن عقله قد أصيب بشيء من الخلل فقضى في مستشفى المجاذيب. وبعد هذا فلا يحسبن أحدٌ أن جميع الشعراء والكتاب ينامون في الغرب على فرش من ورد كما يقول الفرنسيس بل طالما أقض مضجعهم وخوى مربعهم. العملة كتب أحدهم في مجلة إنكليزية أن العملة يزداد اتحادهم في القيام على أرباب الأموال في الغرب فالنازعون إلى هذه الثورة هم ثلاثة ملايين عامل في ألمانيا ومليون في فرنسا وثمانمائة ألف في النمسا وأربعمائة ألف في روسيا وثلثمائة ألف في البلجيك ومائتاناوخمسون ألفاً في إيطاليا ومائة ألف في إنكلترا ومئة ألف في سويسرا وخمسة وثلاثون ألفاً في الدانيمرك وخمسون ألفاً في السويد وأربعون ألفاً في هولاندة وثلاثون ألفاً في إسبانيا. الكبراء وما يشربون طلب أحد كتاب الفرنسيس إلى كبار كتاب بلاده وعلمائها وشعرائها والمتفننين فيها يسألهم ما يعولون عليه من المشروبات فكان معظمهم على أن الماء هو خير ما يتعاطاه الإنسان وقد نشرت المجلة الباريزية أجوبتهم فجاء في اجوبة العازفين عن المشروبات الروحية كلمات حري بكل شرقي يقلد الغربيين فيما يشكون منه في العادات أن يعتبر به فمن لا يتعاطون الكحول إلا في الندر: جول كلارسي فهو لا يرى أنها تفيد في فتح القرائح وتوقد شعلة الذكاء كما يدعي من يتعاطون المسكرات ومثله أرنست هربرت وكاميل فلاماريون وأميل زولا وسولي برودوم وماسنيه وجول لميتر وهنري لافدان وفيكتورين ساردو وموريس بولينا وبول بورجه وأدمون هاركور ودالو وبول وفيكتور مارغريت وبنيامين كونستان وبيرلوتي وأوجين كاريير وأميل أوليفييه. ويكاد أن يكونوا كلهم مجمعين على أن الكحول مضر حتى القليل منه والأحسن الامتناع عنه دفعة واحدة. الصينيون واليابانيون كتب أحدهم في بعض المجلات الإفرنجية الكبرى مقالة قابل بها بين الصينيين واليابانيين فقال أنهم ليسوا من عنصر واحد فالأول من عنصر مغولي والآخرون من عنصر ماليزي واختلافهم في الأصول كان سبب اختلافهم في الفروع أي العادات والأخلاق وكان من اليابانيين أن تحرروا من قيودهم وقبلوا المدنية العربية لأنه لم يكن لهم مدنية أما الصينيون فهم ما زالوا يتناغون بمدنيتهم ويعتمدون على قوتهم ولهم من معتقداتهم ما يتفانون معه في الخضوع للكبير والفناء فيه. ومن القواعد المتبعة في شريعة كونفشيوس أن تكون الشفقة الأخوية أساس كل عمل فالشفقة تجمع بين الأب وأولاده والشفقة تربط بين الملك ورعيته والشفقة تجمع بين الزوج وزوجته والشيخ والفتى والصاحب وصاحبه. والصينيون يرضون بالقليل ضعاف الإرادة لا شجاعة فيهم ولا يحبون أن يلقوا بأنفسهم في المخاطر والمخاوف ولئن أخذوا الآن يعملون في تقليد الأوروبيين في الجندية فإن أمر تشبههم بالأوروبيين يطول ويصعب دخول المدنية الغربية عليهم. وعلى العكس في اليابانيين فإنهم من عنصر منوع فكرياً يفكر الياباني فيما تعرضه عليه من الأفكار ويحاول أن ينقل عنك ما يليق بالمتمدنين أن يعملوه من العادات والأخلاق والأفكار وهو يتروى في كلامه فيزنه في ميزان التعقل ولا سيما أمام الغريب عن جنسه واليابانيون ليسوا خفافاً في حركاتهم فلا ييأسون ولا تسمع لهم صوت تألم وقد يموت الياباني ولا تسمع له ركزاً بل تراه باسماً والرضا هو أساس طبيعته ولا ترى الياباني متجبراً غضوباً وإذا غضب فلا يغضب إلا عن سبب قوي جداً ولا يهرق في سيبيل غضبه دماً. ولئن أخذ بعض العملة في بلاد اليابان يعتصبون الآن إلا أن اعتصابهم ليس كاعتصاب العملة الأوربيين قد يؤدي إلى الخصام وتجريد الحسام بل أنه ينفض في يومه. الياباني فرح مسرور في حاله يعتاد كل عيش مهما كان فيه من الشظف والقلة والتعب والنصب هذا ولا يفوته أن هناك مطالب سامية وعيشة راضية أكثر مما هو فيه ولا ترى الياباني ينتحر من أجل شيء إلا إذا أصيب بما يثلم شرفه فيختار أن ينتحر على صورة لا يسمع به أحد. واعتقاد اليابانيين بتناسخ الأرواح هو سبب غلبتهم الروس في كوريا ومنشوريا والتناسخ عندهم بعد موت الإنسان يكون على ست صور فإذا كان الميت ممن عاش في تقى في الحياة الدنيا تنتقل روحه أو تتقمص في جسم أمير أو شريف أو رئيس أو وزير وإذا لم تكن سيرته حسنة في الدنيا تتقمص روحه في أجسام أيامى ويتامى وعميان وعجزة وإذا كان رجلاً شريراً تتقمص روحه في جسم حصان أو حمار أو دابة تكفيراً عن سيئاته وإذا كان بين بين في الشر والخير يتقمص كالطيور الداجنة أو سمكاً أو غيره من حيوانات الماء أو هواماً وحشرات. المطبوعات الاشتراكية للاشتراكيين جرائد ومجلات في عامة مدن أوروبا وأميركا ودعوتهم ما برحت في انتشار متزايد سنة عن سنة حتى أن جريدة من جرائدهم اسمها الدعوة إلى العقل في مدينة جيرارد من أعمال الكنساس في أميركا قد بلغ المطبوع منها كل يوم ٣٥٠ ألفاً فأصبحت أكثر الجرائد الاشتراكية انتشاراً وقد أسست سنة ١٨٩٥ ولا تزال في نمو. نفقات الجيوش زار أحد قواد الأميركان بلاد الألمان والفرنسيس وحضر مناورات الجيوش فعاد يقول لأمته أن جيشها من أضحك جيوش العالم أكثرها نفقة وأقلها فائدة قال: خمسمائة ألف جندي فرنسوي يكلفون أمتهم في السنة خمسمائة مليون فرنك وستمائة ألف جندي ألماني يكلفون حكومتهم خمسمائة وخمسين مليون فرنك وستون ألف جندي أميركاني يكلفون الولايات المتحدة أربعمائة مليون فرنك وإذا أضيف إلى ذلك ما تنفقه أميركا في الشؤون العسكرية الأخرى يبلغ سبعمائة مليون مسانهة. تنفق كل هذا من أجل جيش يبلغ معدل من يفرون منه في السنة ستة آلاف جندي. نساء أميركا يؤخذ من إحصاء سنة ١٩٠٠ أن النساء في الولايات المتحدة أقل من الرجال فقد كن ٣٣ مليون امرأة مقابل ٣٤ مليوناً وثلثمائة ألف رجل وأن نحو خمسة ملايين ونصف من النساء يضطررن إلى الكدح لمعاشهن وأن عدد العاملين من الرجال ٢٣ مليوناً وبلغ النساء هناك نحو نصف الرجال في معاطاة الأشغال العقلية فهن ٤٣٠ ألفاً لقاء ٨٢٠ ألفاً من الرجال وعدد المعلمات منهن ثلاثة أضعاف عدد المعلمين فهناك ٢٧ ألف معلم و ١١٥ ألف معلمة والقاعدة العامة في المدارس الأميركية تربية البنين مع النبات. محصول النحاس كان النحاس غالي الثمن في السنة الماضية وقد زاد محصوله ثلاثة أضعاف ما كان عليه منذ عشرين سنة فصار سنة ١٩٠٦ ، ٧٠٠ ألف طن بعد أن كان سنة ١٨٨٦ ، ٢١٧ ألف طن كما أن استعماله في الأمور الصناعية كثر على تلك النسبة على أن بعض مناجمه كادت تنضب مادتها منه فكانت قديماً كورنوايل في إنكلترا تصدر أكبر كمية من النحاس أما الآن فالولايات المتحدة هي أكبر مصدرة له وكذلك المكسيك وبيرو أما مناجم إسبانيا فإنها إلى الضعف. صنع الألبان تبين أن الطريقة المستعملة في بلادنا لصنع الجبن والسمن من الألبان المختلفة قد تخلصت منها بلاد الغرب كل الخلاص بفضل الأدوات الجديدة فلم يبق أحد هناك يعاني الألبان كما يعانيها فلاحنا وراعينا بيده ويد ذويه. الجرائد الأميركية ذكروا أن عدد الصحف الأسبوعية في الولايات المتحدة بلغت الخمس والعشرين سنة الأخيرة مبلغاً من الارتقاء لم يسمع به فمنها ما يباع بقرش واحد ولا يكون أقل من مئة صفحة كبيرة حوت ضروب الإعلانات كل غريب وكل ما يهم القارئ معرفته من أخبار البورصة والفضائح والهذر والإفادات العالمية والحوادث المنوعة محلية كانت أو خارجية والقصص والصور الهزلية وألعاب الأولاد وصفحات تقطع لتكون كتباً فهي غذاء رواح الملايين من الناس وكثيراً ما تملأ بالسخيف ولكن الأمة ترغب فيها وتجعلها سمرها ولذتها. الإنسان والمحيط رأت إحدى المجلات الروسية أن حالة الإنسان آخذة بالتعدل في كل مكان بفضل أساليب الارتقاء التي تكاد تكون متحدة في الأمم حتى أن أهل البلد الواحد يقلُّ بينهم الشبه إذا تعاطوا صناعات مختلفة بخلاف ما يكثر الشبه بين أهل البلاد المتنائية ممن يتعاطون أعمالاً متشابهة فلذلك تجد رجال الطب والمحاماة في إنكلترا وألمانيا وفرنسا يشبه بعضهم بعضاً في منازعهم وعيشهم أكثر مما يشبه الإنكليزي الإنكليزي والألماني الألماني والفرنسوي الفرنسوي وهي ترجو أن يجيء على العالم زمن أحسن من هذا تنتشر فيه الحضارة في جميع أنحاء الأرض فترتفع من بين أهلها العداوة والبغضاء والإنسان ابن محيطه لا ابن طبيعته. خزانة أديسون أهم ما أعلنه أديسون مخترع الفونوغراف أنه وفق إلى اختراع خزان للكهربائية سيوضع عن قريب موضع العمل فيغير نظام المواصلات الكهربائية لأنه يرخص سعرها بنقلها من ممكلة إلى اخرى ويقول أهل العلم أن عجلات الأتوموبيل ستقل أثمانها فيتيسر لأهل الطبقة الوسطى أو الدنيا أن يقتنوها ويركبوها وهكذا أقسم العلم أن يسوي بين طبقات الناس في الاستمتاع بملاذ هذا الوجود ومنافعه. مطبوعاتنا في أميركا يسرنا أن نبشر القراء أن علماء المشرقيات من الأميركان أخذوا في العد الأخير يعنون بطبع مؤلفات العرب فقد طبع ريشاردس كوتهيل Richard J. H. Gottheil أحد أساتذة كلية كولومبيا في نيويورك كتاب تاريخ قضاة مصر تأليف أبي عمر محمد بن يوسف ابن يعقوب الكندي مع شروح لأبي الحسن أحمد بن عبد الرحمن بن برد عن نسخة وجدت في المتحف البريطاني وهو في ١٥٠ صفحة وثمنه ثمانية فرنكات. الفحم الحجري نشرت إحصائية المجلس التجاري في أنفرس إحصاء بحاصلات الفحم الحجري في العالم من سنة ١٨٥٠ إلى سنة ١٩٠٦ فدلت على أن محصوله كان في منتصف القرن الماضي ٨٩٨٨١٣٥٧ طناً وما برح ينمو حتى بلغ سنة ١٩٠٦ ، ١٨٩٣٢٤٩٥٥٧ طناً أي أنه زاد عشرة أضعاف عما كان يستخرج من الولايات المتحدة ٣٧٥٣٩٧٠٠٠ طن وتجيء بعدها بريطانيا العظمى فتستخرج ٢٥١٠٥٠٠٠ ثم ألمانيا تخرج ١٣٦٤٨٠٠٠٠ ثم فرنسا فالبلجيك. مقاومة السكيرين سويسرا من أكثر البلاد الأوروبية مقاومة للمسكرات ومما رآه الأستاذ فوريل أحد أطباء المجاذيب فيها لمقاومة السكيرين وتحقيرهم أن تجعل إدارة السكك الحديدية مساء كل أحد مركبة أو مركبتين تكتب عليهما (للركاب السكارى) فكل من شوهد أنه سكران أو شرب مسكراً يدعى إلى الجلوس في تينك المركبتين إن أراد السفر وهي طريقة تندى لها وجوه من لهم إحساس من الركاب الذي يتعاطون المسكرات فيقلعون عنها. سكة حديد بغداد كثر الباحثون في هذه السكة ومستقبلها وجلهم يحسنون الظن بها ويعلقون الآمال الواسعة على ما سيتم من العمران في البلاد التي تجتازها. وهذا الخط هو أعظم خط حديد أنشيء في البلاد العثمانية بل أهم خط قام لأنه يربط أقصى المملكة بأقصاها ويمر في أصقاع كان لها مجد قديم وحضارة زاخرة وطوله ألفاناوثمانمائة كيلومتر ويكلف خمسمائة مليون فرنك أو أمكثر ويقتضي له العمال والأعمال والأدوات والآلات الجسور والقاطرات وغيرها ما لا يكاد يقع عليه الحصر ويتيسر أن تقطع المسافة بين الأستانة وبغداد في خمسة أيام وهي الآن لا تكاد تقطع في خمسين يوماً لراكب المطايا. يقولون أن بلاد بابل وآشور ستحيا بعد مواتها بهذا الخط الحديدي وأن آسيا الصغرى سيرجع لها ما فقدته من أسباب العمران وسيكون من العراق مصر جديدة تزرع القطن والحنطة على شطوط الرافدين ودجلة والفرات فتخسر بذلك مصر بعض وارداتها ولاسيما أن السكة البغدادية ستتولى نقل البريد إلى الهند وتختصر الطريق من البحر فتفقد السويس بعض مكانتها لأن البريد الهندي ينقل عن طريق الأستانة فبغداد فالكويت فبمباي في عشرة أيام وهو الآن لا ينقل من طريق السويس بأقل من أربعة عشر يوماً. وتقول مجلة العالمين أن مخبآت مدينة هارون الرشيد وما يروى عنها من الأقاصيص الشعرية ويجري في مخيلات العامة من ذكرى عظمتها الغريبة على عهد الخلفاء ومساجدها العربية ذات القباب والتيجان وأسواقها وفنادقها ـ كل ذلك أثر في عقول كبار ملتزمي مد هذا الخط الحديدي فحلموا بتمديده إلى بغداد وما أكثر المطامع التي أخرجت هذا المشروع من القوة إلى الفعل. وقد نشأت فكرة الملاحة في نهر الفرات وربط الهند ببغداد منذ ستين سنة فنالت شركة إنكليزية سنة ١٨٥١ امتيازاً بإنشاء خط حديدي من السويدية أي سيلوسيا القديمة في خليج الإسكندرونة إلى الكويت على الخليج الفارسي وإذ لم تحصل على رهن للضمانات الكيلومترية سقط امتيازها. وفي سنة ١٨٧٢ عاد مشروع سكة السويدية والكويت إلى الحياة وقدرت نفقاته بعشرة ملايين جنيه وطوله بألف وأربعمائة كيلومتر ولكن قلة ما في طريقة من البلاد العامرة التي يرجى الانتفاع منها صرفت القلوب عنه. وتحدث الناس في لندن بعد فتح ترعة السويس أن تربط الإسماعيلية بالكويت بخط حديدي يمر بصحارى بلاد العرب وكان هذا الفكر من الأحلام ولا يبعد أن يتحقق أمره بعد زمن. وحاولت روسيا أن تمد سكة من طرابلس الشام إلى الكويت مع إنشاء ناشطة (فرع) منها إلى كربلا بحيث يجتاز بادية الشام وطوله ثمانمائة كيلومتر فسقطت أماني الشركة التي تألفت بطبيعة الحال ثم تعاقب نيل الامتيازات في آسيا الوسطى فأنشأت شكرة إنكليزية سنة ١٨٥٦ سكة حديد أزمير ـ دينار وقامت بعدها شركة إنكليزي أخرى فنشأت سكة حديد أزمير ـ قصبة وهي ساردس عاصمة كيريزوس ثم امتدت إلى مدينة الأشهر وتعاقبت الشركات الفرنسوية والبلجيكية والعثمانية في الأناضول والروم إيلي. ولقد شبه بعضهم البلاد التي مر بها خط إسكي شهر ـ قونية بمضايق سويسرا إذ ضل فيها الصليبيون بزعامة غودفري دي بوليون وقاسوا الأمرين من الجوع والعطش ولذلك تحامى الدخول فيها كونراد الثالث أحد ملوك الصليبيين من الألمان وفريدريك الأول الألماني الملقب ببربروس وقيل أنهما خفا إلى الخروج منها. فمشروع السكة البغدادية اليوم ألماني وفي ألمانيا نشأ وكبر حتى أخرج من القوة إلى الفعل ولا سيما بعد أن كثرت صنائع الألمان وصادراتهم وهم يلوبون على مصرف يصرفونها فيه فنظروا ذات اليمين وذات الشمال فلم يروا أحسن من هذه البلاد وخصوصاً وقد نالت الشركة احتكار مخازنها ومستودعاتها والانتفاع بالشلالات والمعامل الكهربائية والمناتجم المختلفة على طول هذه السكة وما يتفرع منها على مسيرة عشرين كيلومترً من كل جهة عن يمين الطريق وشماله. فاستفاد التجار الألمان وسيستفيدون من هذا الخط كثيراً لأن الأقطار التي سيجتازها ما زالت بكراًُ لم تمس فآسيا الصغرى لم تستثمر إلا من جهتها الغربية على يد شركات إنكليزية وفرنسوية. أما أرمينية وبين النهرين والعرق فإنها لم يدخلها إلى الآن غير علماء الآثار فقط وما أشبه آسيا الصغرى ببلاد إسبانيا فهي محاطة بجبال شاهقة وحيث يقل المطر فهناك القفر. والسكان بادية رحالة يقتاتون بمواشيهم وينتجعون لها الكلأ فهذه القطعة من تلك البلاد هي أشبه بمملكة قشتالة لقلة خصبها وأمراعها ولكنك ترى فيما يحيط بتلك الشبه جزيرة في سفوح تلك الجبال وما يتخللها حيث تنساب المياه على أعلى قمم الأطواد وتتحلل من ثلوجها الحدائق الغلب والحقول العامرة بالذرة والحنطة والشعير والكرمة والرمان والزيتون والبرتقال والنخيل فهذه البلاد أشبه ببلاد الأندلس. ولقد عرف الرومان واليونان أن يحسنوا الانتفاع من تلك الأصقاع الغنية قديماً وسيكون من نصيب الخط البغدادي اليوم أن يعيد إليها بهاؤها فهو سيجتاز مملكة كريزوس أي قونية وقيصرية وأرغلي وما دامت البلاد قريبة من الساحل فبشرها بالرخاء وبشر حاصلاتها بالتصريف وكلما بعدت عنه فهناك الشقاء المبين. ومنذ سنين كنا نسمع بأن بعض العمال يحرقون الحنطة التي يأخذونها عشوراً لأنهم لم يجدوا سبيلاً على نقلها إلى البلاد التي تحتاج إليها وكذلك قل عن الفلاحين وزهدهم فيما تخرج أرضهم من الغلات والثمار بعد أن يفيض عنهم أضعاف أضعاف ما يلزمهم. هذا ما كان من آسيا الصغرى أما بلاد أرمينية وآشور وبابل فستحيا حياة طيبة بعد أن حربت منذ خمسة آلاف سنة وزيادة وبعد أن دام عمرانها الغريب ثلاثة آلاف سنة فعدت من أعظم الممالك تمدناً وحضارة. هذا وشمس تلك البلاد شمسها ومياهها مياهها وارضها أرضها. والبلاد من حلب إلى الموصل ينبت فيها القطن وفي الموصل كان يعمل الشاش الرفيع وإليها نسب اسمه الغربيون كما نسبوا اسم الدمقس عندهم إلى دمشق. وقال بعض الباحثين في هذا الخط أن العراق كان على عهد العباسيين يغل عشرة ملايين طن من الحنطة ويطعم ستة ملايين من السكان وليس فيه اليوم أكثر من نصف مليون نسمة يعيشون في مسكنة وأن السكة البغدادية ستضمن الأمن والتجارة في تلك الربوع فتعود غليها حياتها السالفة وتكون بقطنها ونخيلها وحبوبها مصراً ثانية وتستثمر مناجم الحمر الموجودة على الضفة الشمالية من دجلة في سفوح سلاسل جبال فارس ومنابع زيت البترول التي يعبث بها الآهلون فيوقدون فيها النار للتسلية إذا مر بهم سائح عظيم ويقتضي ذلك عشرين سنة من الزمن فيأتي الماليون بأموالهم ليستثمروها في تلك البلاد كما استثمروها في عبر القافقاس وتركستان وإسبانيا ومصر وتأتي البضائع الألمانية لتصرف على أهل تلك البلاد وينهال علماء الألمان للبحث عن آثارها وعظمتها ويخلدون لأمتهم من المفاخر مثل ما خلد ماريت وشامبليون الفرنسويان في مصر من الآثاؤ والمحامد. إن الألمان في مدهم الخط الحديدي في بلاد يكاد يكون أكثرها خراباً الآن قد تعلموا بما استفادوه من دروس ملوك السكك الحديدية في الولايات المتحدة أمثال فندربلت وهاريمان ممن أثبتا لأوروبا بأن السكة الحديدية ولو مدت في قفر تكفي لأن تحيله روضاً ممرعاً آهلاً بالسكان وآية من آيات العمران. قدر العمر تحت هذا العنوان نشرت مجلة الحياة البيتية الفرنسوية مقالة لطيفة قالت فيها ما تعريبه: قال طبيب إنكليزي اسمه أوسلر منذ عهد ليس ببعيد في خطاب فاه به أمام طلاب إحدى المدارس الجامعة في أميركا رأياً أحدث بعض الهياج في الأفكار وهو أن الرجل إذا بلغ سن الأربعين يقل الانتفاع به على الجملة وإنا لو تأملنا مجموع الاكتشافات والأعمال البشرية وأسقطنا منها ما تم للناس بعد بلوغ هذه السن لتجلى لنا أن عمل الناس بعد الأربعين لا يعد شيئاً مذكوراً. فالعظائم قام بها العظام قبل أن يتجاوزوا الأربعين من أعمارهم والعمر الحقيقي الذي ينتج فيه المرء ويبني به المجد هو ولا جرم بين الخامسة والعشرين إلى الأربعين وإن المرء إذا جاوز الستين ينقطع عمله ولا يستفاد منه بتة. قال وقد نرى من بلغوا هذه السن من الأمم الراقية يعهد إليهم بإدارة الحياة السياسية والتجارية أو الصناعية ولكنهم قلما أغنوا الغناء المطلوب وأثمروا ثمرة جنية. على أن بعض المناصب قد يعهد بها إلى أناس من أبناء الستين ولو وسدت إلى أقل منهم سناً لحسن أثرها أكثر ولكن أناساً كثيرين أتوا بعد الستين من جلائل الأعمال ما هو من مفاخر الدهر أمثال غلادستون وبسمرك ومولتكه. وبديهي أن ذلك لا يثبت أن أعمال الشيوخ أرقى من الرجال الذين استكملوا قوتهم وفي ذلك ما يدل على أن الرجل قد ينيف على الستين وهو حافظ لقواه العقلية في معاناة المطالب العالية. لا جرم أن دعوى الأستاذ أوسلر منقوضة برجال جاؤوا والنفع تم على أيديهم بعد أن شابوا ووهن العظم منهم. ومن هذه الفئة كانت ملك الفلاسفة فإنه لما نشر كتابه (فقد العقل المحض) كان ابن سبع وخمسين سنة ولو صحت قضية أوسلر لكان كانت معدوداً في الغابرين منذ سبع عشرة سنة. ومن المحقق أن كانت قضى حياته كلها في التأمل بفلسفته وليس ثمت دليل على أنه قضى عمرها بعد سن الأربعين منقطعاً عن كل عمل ولا يتأتى أن ندعي أن كانت لو مات في الأربعين لما خسر العالم بموته شيئاً من كتاباته. وإذا بحثنا في حياة لابلاس الفلكي فإنا نجده قد قال رأيه في نظام العالم حوالي سن الخمسين ولم ينجره إلا عندما أناف على السبعين. وكذلك الحال في حياة ليل العالم بطبقات الأرض مجدد هذا العلم فإنا نراه قد أتم معظم أعماله بعد سن الأربعين ولم يتخلص من قيود تقليد ما تعلم غلا بعد أن جاوزت سنة الربعين ودخل في دور التجديد. وهكذا قل في داروين فإنه لما بلغ التاسعة والأربعين لم يكن قد أتى غير البحث وجمع الحوادث ففي سن الخمسين طتب كتابه (صل الأنواع) وكلنا نعلم أنه نشر أهم أعماله من سن الخمسين إلى السبعين وكان عمره اثنتين وستين سنة عندما كتب كتابه (أصل الإنسان) ويصدق على هربرت سبنسر ما يصدق على داروين في قوة العقل في الشيخ وقتها في الكهل والشاب أو أكثر فقد بلبغ الحكيم الأربعين من عمره ولم يعمل غير استعداد لما يريد القيام به وهو لا يهتدي إلى السبيل المؤدية إليه. أتت عليه أربعون سنة وهو لم يرسم (فلسفته التأليفية) إلا رسماً خفيفاً وفي الثانية والأربعين نشر المبادئ الأولية وفي الثانية والخمسين نشر مبادئ علم النفس وفي السادسة والخمسين نشر كتابه (علم الاجتماع) وفي الحادية والستين نشر كتاب (العدل) ولما أتم أعماله كانت قد بلغت سنه الثمانين. وذا تخطينا رجال العلم والحكمة إلى النظر في تراجم الساسة وأرباب الرجل نجد كثيراً أمثال بسمارك وتيرس بل وفرنطكلين الذي خدم بلاده في السبعين من عمره وكان سبباً في تأسيس الوحدة الأميركية كما نجد خريستوف كولمب قد اكتشف أميركا في السادسة والخمسين من عمره وطاف ماجلان حول الأرض وهو في التاسعة والربعين ولعل صاحب تلك الدعوى يقول أنه لو كان غير هؤلاء واصغر منهم سناً مكانهم لعمل عملهم ولكن من الثابت أن من كانوا قبلهم وعلى عهدهم أصغر منهم عمراً ولم يأتوا ما أتوا. ولا يفوتنا هنا ذكر العالم الألماني هومبولد فإنه كتب أهم كبته (الكوسموس) وهو في السادسة والسبعين ولو صح قول الأستاذ المشار إليه لكان هومبولد منذ ٣٦ سنة قليل الفائدة على الجملة. وقليل في أسفار العلماء يحوي ما حواه كتاب هومبولد من بعد النظر وسعة المدارك. وكذلك كان شأن كيتي فإنه كان ينيف على الستين عندما رسم نظريته في الألوان وفي الخامسة والستين انصرف إلى أعمال علمية ولم يكن يعانيها من قبل وبرَّز فيها وكان في الثمانين عندما أنجز كتابه (فوست) وأحسن فصوله ما كتبه في آخر أمره. ومن جملة علماء الموسيقى وانيير الألماني فإنه لم يبلغ قمم مجده إلا في الخمسين ومعظم كتبه النافعة نشرها بعد الستين وكذلك الحال في هايدن الموسيقي الألماني وهاندل وفيكتور هوغو كان في الخمسين غيره قبلها وكذلك باستور. وبهذا رأيت أن رأي الأستاذ أوسلبر لا يخلو من غرابة كان فيه بعض الحق. فالأمر موقوف على نوع العمل الذي يُعمل والصفات التي يحرزها العامل. ومن الثابت أن كثيرين يعجلون كثيراً في الانقطاع عن تنمية قوتهم العقلية ويدخلون في مضمار فيعلمون في الحال ما يلزم له دون أن يتمكنوا من زيادة شيء يذكر بعد ذلك فهؤلاء هم من الفئة التي يعجل لها قلة الفائدة. ولكن الرجال الذين يثابرون على التعلم إلى الخمسين أو الستين ويظلون يبحثون ويوجدون الحقائق أو يخزنون الأفكار والقضايا وينسقون وضعها ـ الرجال الذين لا ينفكون عن تنمية عقولهم على الدهر بما يعانونه من الأعمال التي تستدعي اهتمام الذهن وانصراف القلب هؤلاء يدوم أمد الانتفاع بهم ولو بلغوا أرذل العلم وكثيراً ما يتأخرون في الإبداع والإيجاد إلى الربعين والخمسين ويظلون يبدعون إلى خاتمة أعمارهم أي السبعين والثمانين. وما رأيناه من أعمال بسمرك وغلادستون ومولتكه في تغيير حال السياسة في أيامهم أكبر دليل على أن المعمرين ليسوا بنتائج عقولهم دون من لم يعمروا مثلهم في النشاط والفضل وأن الشيوخ لا يلزمون بيوتهم بدون استثناء ويجلسون إلى مواقد النار للدفء وقضاء الوقت في التسلية.</passage>
<license>Distributed under a Creative Commons Attribution-ShareAlike 4.0 International (CC BY-SA 4.0) license</license>
<source>https://github.com/tillgrallert/digital-muqtabas/blob/master/xml/oclc_4770057679-i_26.TEIP5.xml retrieved via Canonical Text Service http://cts.informatik.uni-leipzig.de/muqtabas/cts/ with CTS URN urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.26.TEIP5:11</source>
</reply>
</GetPassage>
