<?xml version="1.0" encoding="UTF-8"?><GetPassage xmlns="http://relaxng.org/ns/structure/1.0" xmlns:a="http://relaxng.org/ns/compatibility/annotations/1.0" xmlns:tei="http://www.tei-c.org/ns/1.0">
<request>
<requestName>GetPassage</requestName>
<requestUrn>urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.26.TEIP5:</requestUrn>
</request>
<reply>
<urn>urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.26.TEIP5:</urn>
<passage>الأدب الصغير لابن المقفععني بنشره الأستاذ الشيخ طاهر الجزائري العجب آفة العقل واللجاجة قعود الهوى. والبخل لقاح الحرص والمراء فساد اللاسان والحمية سبب الجهل والآنف توأم السفه والمنافسة أخت العداوة. وإذا هممت بالخير فبادر هواك لا يغلبك وإذا هممت بشر فسوّف هواك لعلك تظفر فإن ما مضى من الأيام والساعات على ذلك هو الغنم. لا يمنعنك صغر شأن امريء من اجتباء ما رأيت من رأيه صواباً واصطفاء ما رأيت من أخلاقه كريماً فإن اللؤلؤة الفائقة لا تهان لهوان غائصها الذي استخرجها. من أبواب الترفق والتوفيق في التعليم أن يكون وجه الرجل الذي يتوجه فيه من العلم والأدب فيما يوافق طاعة ويكون له عنده محمل وقبول فلا يذهب عناؤه من غير غناء ولا تفنى أيامه من غير درك ولا يستفرغ نصيبه فيما لا ينجح فيه ولا يكون كرجل أراد أن يعمر أرضاً تهمة فغرسها جوزاً ولوزاً وأرضاً جلساً فغرسها نخلاً وموزاً. العلم زين لصاحبه في الرخاء ومنجاة له في الشدة. بالأدب تعمر القلوب وبالعلم تستحكم الأحلام فالعقل الزاكي غير الصنيع كالأرض الطيبة الخراب. ومما يدل على معرفة الله (وهو) سبب الإيمان أن وكل بالغيب لكل ظاهر من الدنيا صغير أو كبير عيناً فهو يصرفه ويحركه فمن كان معتبراً بالجليل من ذلك فلينظر إلى السماء فيعلم أن لها رباً يجري فلكها ويدبر أمرها. ومن اعتبر بالصغير فلينظر إلى حبة الخردل فيعرف أن لها مدبراً ينبتها ويزكيها ويقدر لها أوقاتها في الأرض والماء يوقت لها زمان نباتها وزمان تهشمها. وأمر النبوة والأحلام وما يحدث في أنفس الناس من حيث لا يعلمون ثم يظهر منهم بالقول والفعل ثم اجتماع العلماء والجهال والمهتدين والضلال على ذكر الله تعالى وتعظيمه واجتماع من شك في الله تعالى وكذب به على الإقرار بأنهم أنشؤوا حديثاً ومعرفتهم أنهم لم يحدثوا أنفسهم فكل ذلك يهدي إلى الله ويدل على الذي كانت منه هذه الأمور مع ما يزيد ذلك يقيناً عند المؤمنين بأن الله حق كبير ولا يقدر أحد أنه باطل. إن للسلطان المقسط حقاً لا يصلح خاصة ولا عامة أمر إلا بإرادته فذو اللب حقيق أن يخلص لهم النصيحة ويبذل لهم الطاعة ويكتم سرهم ويزين سيرتهم ويذب بلسانه ويده عنهم ويتوخى مرضاتهم ويكون من أمره المواتاة لهم والإيثار لأهوائهم ورأيهم على هواه ويقدر الأمور على موافقتهم وإن كان ذلك مخالفاً. وأن يكون منه الجد في المخالفة لمن جانبهم وجهل حقهم ولا يواصل من الناس إلا من لا تباعد مواصلته إياه منهم ولا تحمله عدواة أحد له ولا إضرار به على الاضطغان عليهم ولا مواتاة أحد على الاستخفاف بشيء من أمورهم والانتقاص لشيء من حقهم ولا يكتمهم شيئاً من نصيحتهم ولا يتثاقل عن شيء من طاعتهم ولا يبطر إا أكرموه ولا يجترئ عليهم إذا قربوه ولا يطغى إذا سلطوه ولا يلحف إذا سألهم ولا يدخل عليهم المؤونة ولا يستثقل ما حملوه ولا يغتر بهم إذا رضوا عنه ولا يتغير لهم إذا سخطوا عليه وأن يحمدهم على ما أصاب من خير منهم أو من غيرهم فإنه لا يقدر أحد أن يصيبه بخير إلا بدفاع الله عنه بهم. مما يدل على علم العالم معرفته بما يدرك من الأمور وإمساكه عما لا يدرك وتزيينه نفسه بالمكارم وظهور علمه للناس من غير أن يظهر منه فخر ولا عجب معرفته بزمانه الذي هو فيه وبصره بالناس وتحريه العدل في كل أمر ورحب ذرعه فيما نابه واحتجاجه بالحجج فيما عمل وحسن تبصيره من أراد أن يبصر شيئاً من علم الآخرة فبالعلم الذي يعرف ذلك. ومن أرادج أن يبصر شيئاً من علم الدنيا فبالأشياء التي هي تدل عليه. ليكن المرء مسؤولاً وليكن فصولاً بين الحق والباطل وليكن صدوقاً ليؤمن على ما قال وليكن ذا عهد ليوفى له بعهده وليكن شكوراً ليستوجب الزيادة وليكن جواداًُ ليكون للخير أهلاً وليكن رحيماً بالمضرورين لئلا يبتلى بالضر وليكن ودوداً لئلا يكون معدناً لأخلاق الشيطان. وليكن حافظاً للسانه مقبلاً على شأنه لئلا يؤخذ بما لم يجترم وليكن متواضعاً ليفرح له بالخير ولا يحسد عليه وليكن قنعاً لتقر عينه بما أوتي وليسر للناس بالخير لئلا يؤذيه الحسد. وليكن حذراً لئلا تطول مخافته. ولا يكن حقوداً لئلا يضر بنفسه إضرارً باقياً. وليكن ذا حياء لئلا يستذم للعلماء فإن مخافة العالم مذمة العلماء أشد من مخافته عقوبة السلطان. حياة الشيطان ترك العلم وروحه وجسده الجهل ومعدنه من أهل الحقد والقساوة ومثواه من أهل الغضب وعيشه من المصارمة ورجاؤه في الإصرار على الذنوب. وقال: لا ينبغي للمرء أن يعتد بعلمه ورأيه ما لم يذاكره ذوو الألباب ولم يجامعوه عليه فإنه لا يستكمل علم الأشياء بالعقل الفرد. أعدل السير أن تقيس الناس بنفسطك فلا تأتي إليهم إلا ما ترضى أن يؤتى إليك. وأنفع العقل أن تحسن المعيشة فيما أوتيت من خير وألا تكترث من الشر بما لم يصبك. ومن العلم أن تعلم أنك لا تعلم ما لا تعلم. ومن أحسن ذوي العقول عقلاً من أحسن تقدير أمر معاشه ومعاده تقديراً لا يفسد عليه واحد منهما الآخر فإن أعياه ذلك رفض الأدنى وآثر عليه الأعظم. وقال: المؤمن بشيء من الأشياء وإن كان سحراً خير ممن لا يؤمن بشيء ولا يرجو معاداً. لا تؤدي التوبة أحداً إلى النار ولا الإصرار على الذنوب أحداً إلى الجنة. من أفضل أعمال البر ثلاث خصال الصدق في الغضب والجود في العسرة والعفو عند القدرة. رأس الذنوب الكذب وهو يؤسسها وهو يتفقدها ويثبتها ويتلون ثلاثة ألوان بالأمنية والجحود والجدل يبدأ صاحبه بالأمنية الكاذبة فيما يزين له من المسوآت فيشجعها عليها بأن ذلك سيخفى فإذا ظهر عليه قابله بالجحود والمكابرة فإن أعياه ذلك ختم بالجدل فخاصم عن الباطل ووضع له الحجج والتمس به التثبت وكابر الحق حتى يكون مسارعاً للضلالة ومكابراً بالفواحش. لا يثبت دين المرء على حالة واحدة أبداً ولكنه لا يزال إما زائداً وإما ناقصاً. من علامات اللئيم المخادع أن يكون حسن القول سيء الفعل بعيد الغضب قريب الحسد حمولاً للفحش مجازياً بالحقد متكلفاً للجود صغير الخطر متوسعاً فيما ليس له ضيقاً فيما يملك. وكان يقال إذا تخالجتك الأمور فاستقل أعظمها خطراً فإن لم يستبن ذلك فأرجاها دركاً فإن اشتبه ذلك فأجدرها أن لا يكون له مرجوع حين تولي فرصته. وكان يقال الرجال أربعة اثنان يختبر ما عندهما بالتجربة واثنان قد كفيت تجربتهما فأما اللذان يحتاجان إلى تجريبهما فإن أحدهما برٌّ كان مع أبرار والآخر فاجر كان مع فجار فإنك لا تدري لعل البر منهما إذا خالط الفجار أن يتبدل فيصير فاجراً ولعل الفاجر منهما إذا خالط الأبرار أن يتبدل فيصير براً فيتبدل البر فاجراً والفاجر براً. وأما اللذان قد كفيت تجربتهما وتبين لك ضوء أمرهما فإن أحدهما فاجر كان في أبرار والآخر براً كان في فجار. حق على العاقل أن يتخذ مرآتين فينظر من إحداهما في مساوئ نفسه فيتصاغر بها ويصلح ما استطاع منها وينظر من الأحرى في محاسن الناس فيحليهم بها ويأخذ ما استطاع منها. احذر خصومة الأهل والولد والصديق والضعيف واحتجج عليهم بالحجج. لا يوقعنك بلاء تخلصت منه في آخر لعلك أن لا تخلص منه. الورع لا يخدع والأريب لا يُخدع. ومن ورع الرجل أن لا يقول ما لا يعلم ومن الإرب أن يتثبت فيما يعلم. وكان يقال عمل الرجل فيما يعلم أنه خطأ هوى والهوى آفة العفاف وتركه العمل بما يعلم أنه صواب تهاون والتهاون آفة الدين. وإقدامه هلى ما لا يدري أصواب هو أم خطأ جماح والجماح آفة العقل. وكان يقال وقر من فوقك ولِن لمن دونك وأحسن مواتاة أكفائك وليكن أثر ذلك عند مواتاة الأكفاء فإن ذلك هو الذي يشهد لك أن إجلالك من فوقك ليس بخضوع منك لهم وإن لينك لمن دونك ليس لالتماس خدمتهم. خمسة مفرطون في خمسة أشياء متدمون عليها الواهن المفرط إذا فاته العمل والمنطقع من أخوانه وصديقه إذا نابته النوائب والمستمكن منه عدوة لسوء رأيه إذا تذكر عجزه والمفارق الزوجة الصالحة إذا ابتلي بالطالحة والجريء على الذنوب إذا حضره الموت. أمور لا تصلح إلا بقرائنها لا ينفع العقل بغير ورع ولا الحفظ بغير عقل ولا شدة البطش بغير شدة القلب ولا الجمال بغير حلاوة ولا الحسب بغير أدب ولا السرور بغير أمن ولا الغني بغير جود ولا المروءة بغير تواضع ولا الخفض بغير كفاية ولا الاجتهاد بغير توفيق. أمورٌ هن نبعٌ لأمور فالمروءات كلها تبع للعقل والرأي تبع للتجربة والغبطة تبع لحسن الثناء والسرور تبع للأمن والقرابة تبع للمودة والعمل تبع للقدر والجدة تبع للإنفاق. أصل العقل التثبت وثمرته السلامة. وأصل الورع القناعة وثمرته الظفر. وأصل التوفيق العمل وثمرته النجح. لا يذكر الفاجر في العقلاء ولا الكذوب في الأعفاء ولا الخذول في الكرماء ولا الكفور بشيء من الخير. لا تؤاخين خباً ولا تستنصرن عاجزاً ولا تستعينن كسلاً. إن من أعظم ما يروّح به المرء نفسه أن لا يجري لما يهوى وليس كائناً إلا لما لا يهوى وهو لا محالة كائن. اغتنم من الخير ما تعجل. ومن الأهواء ما سوّفت. ومن النصب ما عاد عليك. ولا تفرح بالبطالة ولا تجبن عن العمل. من استطعم من الدنيا شيئاً فبطر واستصغر من البر شيئاً فتهاون واحتقر من الإثم شيئاً فاجترأ عليه واغتر بعدوّ وإن قل فلم يحذره فذلك من ضياع العقل. لا يستخف ذو العقل بأحد وأحق من لم يستخف به ثلاثة الأتقياء والولاة والأخوان فإنه من استخف بالأتقياء أهلك دينه ومن استخف بالولاة أهلك دنياه ومن استخف بالأخوان أفسد مروءته. من حاول الأمور احتاج فيها إلى ست الرأي والتوفيق والفرصة والأعوان والأدب والاجتهاد وهن أزواج فالرأي والأدب زوج لا يكمل الأدب إلا بالرأي ولا يكمل الرأي بغير الأدب. والأعوان والفرصة زوج لا تنفع الأعوان إلا عند الفرصة ولا تنفع الفرصة إلا بحضور الأعوان. والتوفيق والاجتهاد زوج فالاجتهاد سبب التوفيق وبالتوفيق ينجح الاجتهاد. يسلم العاقل من عظام الذنوب والعيوب بالقناعة ومحاسبة النفس. لا تجد العاقل يحدث من يخاف تكذيبه ولا يسأل من يخاف منعه ولا يعد ما لا يجد إنجازه ولا يرجو ما يعنف برجائه ولا يقدم على ما يخاف العجز وهو يسخي نفسه عما يغبط به القوالون خروجه من عيب التكذيب ويسخي نفسه عما ينال به السائلون سلامته من مذلة المسألة. ويسخي نفسه عن فرح الرجاء خوف الأكداء. ويسخي نفسه عن محمدة المواعيد براءته من مذمة الخلف. ويسخي نفسه عن مراتب المقدمين ما يرى من فضائح المقصرين. لا عقل لمن أغفله عن آخرته ما يجده من لذة دنياه وليس من لا عقل أن يحرمه حظه من الدنيا بصره بزوالها. حاز الخير رجلان شسعيد ومرجو والسعيد الفالج والمرجو من لم يخصم والفالج الصالح ما دام في قيد الحياة وتعرض الفتن في مخاصمة الخصماء من الأهواء والأعداء. السعيد يرغبه الله في الآخرة حتى يقول لا شيء غيرها فإذا هضم دنياه وزهد فيها لآخرته لم يحرمه الله بذلك نصيبه من الدنيا ولم ينقصه من سروره فيها والشقي يرغبه الشيطان في الدنيا حتى يقول لا شيء غيرها فيعجل الله له التنغيص في الدنيا التي آثر مع الحزن الذي يلقى بعدها. الرجل أربعة جواد وبخيل ومسرف ومقتصد فالجواد الذي يوجحه نصيب آخرته ونصيب دنياه جميعاً في أمر آخرته. والبخيل الذي لا يعطي واحدة منهما نصيبها. والمسرف الذي يجمعهما لدنياه. والمقتصد الذي يلحق بكل واحدة منهمات نصيبها أغنى الناس أكثرهم إحساناً. قال رجل لحكيم: ما خير ما يؤتى المرء قال: غريزة عقل قال: فغن لم تكن قال فتعلم علم قال: فإن حرمه، قال: صدق اللسان، قال فإن حرمه، قال: سكت طويل، قال: فإن حرمه، قال: ميتة عاجلة. من أشد عيوب الإنسان خفاء عيوبه عليه فإنه من خفي عليه عيبه خفيت عليه محاسن غيره ومن خفي عليه عيب نفسه ومحاسن غيره لم يقلع عن عيبه الذي لا يعرف ولن ينال محاسن غيره التي لا يبصرها أبداً. خصال يسر بها الجاهل كلها كائن عليه وبالاً منها أن يفخر من العلم والمروءة بما ليس عنده ومنها أن يرى بالأخيار من الاستهانة والجفوة ما يشمته بهم. ومنها أن يناقل عالماً وديعاً منصفاً له في القول فيشتد صوت ذلك الجاهل عليه ثم يفلجه نظراؤه من الجهال حوله بشدة الصوت وكثرة الضحك. ومنها أن يفرط منه الكلمة والفعلة المعجبة للقوم فيذكر بها. ومنها أن يكون مجلسه في المحفل أو عند السلطان فوق مجالس أهل الفضل عليه. من الدليل على سخافة المتكلم أن يكون ما يُرى من ضحكه ليس على حسب ما عنده من القول أو يجاذب الرجل الكلام وهو يكلم صاحبه ليكون هو المتكلم أو يتمنى أن يكون صاحبه قد فرغ وأنصت له لم يحسن الكلام. فضل العلم في غير الدين مهلكة وكثرة الأدب في غير رضوان الله ومنفعة الأخيار قائد إلى النار. والحفظ الذكي الواعي بغير العلم النافع مضر بالعمل الصالح والعقل غير الوازع عن الذنوب خازن للشيطان. لا يؤمننك شر الجاهل قرابة ولا جوار ولا ألف فإن أخوف ما يكون الإنسان لحريق النار أقرب ما يكون منها وكذلك الجاهل إن جاورك أنصبك وإن ناسبك جنى عليك وإن ألفك حمل عليك ما لا تطيق وإن عاشرك آذاك وأخافك مع أنه عند الجوع سبع ضار وعند الشبع ملك فظ وعند الموافقة في الدين قائد إلى جهنم فأنت بالهرب منه أحق منك باهرب من سم الأساود والحريق المخوف والدَّين الفادح والداء العياء. كان يقال قارب عدوك بعض المقاربة تنل حاجتك ولا تقاربه كل المقاربة فيجترئ عليك عدوك وتذل نفسك ويرغب عنك ناصرك ومثل ذلك العود المنصوب في الشمسي إن أملته قليلاً زاد ظله وإذن جاوزت الحد في إمالته نقص الظل. الحازم لا يأمن عدوه على كل حال إن كان بعيداً لم يأمن من معاودته وإن كان قريباً لم يأمن مواثبته فإن رآه متكشفاً لم يأمن استطراده وكمينه وإن رآه وحيداً لم يأمن مكره. الملك الحازم يزداد برأي الوزراء والحزمة كما يزداد البحر بمواده من الأنهار. الظفر بالحزم. والحزم بإجالة الرأي. والرأي بتكرار النظر وبتحصين الأسرار. إن المستشير وإن كان أفضل من المستشار رأياً فهو يزداد برأيه رأياً كما تزداد النار بالودك ضوءاً وعلى المستشار موافقة المستشير على صواب ما يرى والرفق به في تبصير خطأ إن أتى به وتلقيب الرأي فيما شكا فيه حتى يستقيم لهما مشاورتهما. لا يطمعن ذو الكبر في حسن الثناء ولا الخب في كثرة الصديق ولا الشيء الأدب في الشرف ولا الشحيح في المحمدة ولا الحريص في الأخوان ولا الملك المعجب بثبات الملك. صرعة اللين أشد استئصالاً من صرعة المكابرة. أربعة أشياء لا يستقل منها قليل النار والمرض والعدو والدين. أحق الناس بالتوفير الملك الحليم العالم بالأمور وفرص الأعمال ومواضع الشدة واللين والغضب والرضا والمعاجلة والأناة الناظر في الأمر يومه وغده وعواقب أعماله. السبب الذي يدرك به العاجز حاجته هو الذي يحول بين الحازم وبين طلبته. إن أهل العقل والكرم يبتغون إلى كل معروف وصلة وسبيلاً والمودة بين الأخيار سريع اتصالها بطيء انقطاعها ومثل ذلك مثل كوب الذهب الذي هو بطيء الانكسار هين الإصلاح والمودة وبين الأشرار سريع انقطاعها بطيء اتصالها كالكوز من الفخار يكسره أدنى عبث ثم لا يوصل له أبداً. والكريم يمنح الرجل مودته عن لقاءة واحدة أو معرفة يوم واللئيم لا يصل أحد إلا عن رغبة أو رهبة وإن أهل الدنيا يتعاطون فيما بينهم أمرين ويتواصلون عليهما ذات النفس وذات اليد فأما المبتذلون ذات اليد فهم المتعاونون المستمتعون الذين يلتمس بعضهم الانتفاع متاجرة ومكايلة. ما التبع والأعوان والصديق والحشم إلا للمال ولا يُظهر المروءة إلا للمال ولا الرأي والقوة إلا بالمال ومن لا أخوان له فلا أهل له ومن لا أولاد له فلا ذكر له ومن لا عقل له فلا دنيا له ولا آخرة ومن لا مال له فلا شيء له والفقر داعية إلى صاحبه مقت الناس وهو مسلبة للعقل والمروءة ومهذبة للعلم والأدب ومعدن للتهمة ومجمعة للبلايا ومن نزل به الفقر والفاقة لم يجد بداً من ترك الحياء ومن ذهب حياؤه ذهب سروره ومن ذهب سروره مقت ومن مقت أوذي ومن أوذي حزن ومن حزن ذهب عقله واستنكر حفظه وفهمه ومن أصيب في عقله وفهمه وحفظه كان أكثر قوله وعمله فيما يكون عليه لا له فإذا افتقر الرجل اتهمه من كان له مؤتمناً واساء به الظن من كان يظن به حسناً فإذن أذنب غيره أظنوه وإن كان للتهمة وسوء الظن موضعاً وليس خلة هي للغني مدح إلا هي للفقير عيب. فإن كان شجاعاً سمي أهوج. وإن كان جواداً سمي مفسداً. وإن كان حليماً سمي ضعيفاً. وإن كان وقوراً سمي بليداً. وإن كان لسناً سمي مهذاراً. وإن كان صموتاً سمي عيباً. وكان يقال من ابتلى بمرض في جسده لا يفارقه أو بفراق الأحبة والأخوان أو بالغربة حيث لا يعرف مبيتاً ولا مقبلاً ولا يرجو إياباً أو بفاقة تضطره إلى المسألة فالحياة له موت والموت له راحة. وجدنا البلايا في الدنيا إنما يسوقها إلى أهلها الحرص والشره فلا يزال صاحب الدنيا يتقلب في بلية وتعب لأنه بخلة الحرص والشره. وسمعت العلماء قالوا: لا عقل كالتدبير ولا ورع كالكف ولا حسب كحسن الخلق ولا غنى كالرضا وأحق ما صبر عليه ما لا سبيل إلى تغييره. وأفضل البر الرحمة ورأس المودة الاسترسال ورأس العقل المعرفة بما يكون وما لا يكون وطيب النفس وحسن الانصراف عما لا سبيل إليه وليس في الدنيا سرور يعدل صحبة الأخوان ولا فيها غم يعدل غم بفقدهم. لا يتم حسن الكلام إلا بحسن العمل كالمريض الذي قد علم دواء نفسه فإذا هو لم يتداو به لم يغنه والرجل ذو امروءة قد يكرم على غير مال كالأسد الذي يهاب وإن كان عقيراً والرجل الذي لا مروءة له يهان وإن كثر ماله كالكلب الذي يهون على الناس وإن طوق وخلخل. ليحسن تعاهدك نفسك بما تكون به للخير أهلاً فإنك إن فعلت ذلك أتاك الخير يطلبك كما يطلب الماء السيل إلى الحدور. إن أولى النسا بفضل السرور وكرم العيش وحسن الثناء من لا يبرح رحله من أخوانه وأصدقائه من الصالحين موطوءاً ولا يزال عنده منهم زحام يسره ويسرونه ويكون من وراء حاجاتهم وأمورهم فإن الكريم إذا عثر لم يستقلل إلا بالكرام كالفيل إذا وحل لم تستخرجه إلا الفيلة. لا يرى العاقل معروفاً صنعه وإن كثر كثيراً ولو خاطر بنفسه وعرضها في وجوه المعروف لم ير عيباً بل يعلم أنه أخطر الفاني بالباقي واشترى العظيم بالصغير. وأغبط الناس عند ذوي العقول أكثر سائلاً منجحاً ومستجيراً آمناً. لا تعد غنياً من لم يشارك في ماله ولا تعد نعيماً ما كان فيه تنغيص وسوء ثناء. ولا تعد الغنم غنماً إذا ساق غرماً ولا الغرم غرماً إذا ساق غنماً ولا تعتد من الحياة ما كان في فراق الأحبة. ومن المعونة على تسلية الهموم وسكون النفس لقاء الأخ أخاه وإفضاء كل واحد منهما إلى صاحبه ببثه وإذا فرق بين الليف وألفه فقد سلب قراره وحرم سروره. وقال: ما نرانا نخلف عقبة من البلاء إلا صرنا في أخرى لقد صدق القائل الذي يقول: لا يزال الرجل مستمراً حتى يعثر فإذا عثر مرة واحدة في أرض الخباء لج به العثار وإن مشى في جددلان. هذا الإنسان موكل به البلاء فلا يزال في تصرف وتقلب لا يدوم له شيء ولا يثبت معه كما لا يبدوم لطالع النجوم طلوعه ولا لأفلها أفوله ولكنها في تقلب وتعاقب فلا يزال الطالع يكون آفلاً والآفل طالعاً الأخصاء في العلوم المخصي هو الذي يتفرد بدراسة فن واحد من أخصى الرجل إذا تعلم علماً واحد والنتفة (كهمزة) من ينتف من العلم شيئاً ولا يستقصيه قال في التاج: وكان أبو عبيدة إذا ذكر له الأصمعي يقول ذاك الرجل نتفة قال الأزهري: أراد أنه لم يستقص كلام العرب إنما حفظ الوخز والخطيئة منه أي القليل. فالأخصاء هو موضوع بحثنا هنا يتوقف عليه نجاح العلم وارتقاؤه ولا يقال عن أمة أنها مرتقية في علومها إلا إذا كثر فيها الأخصائيون في كل علم من علوم الحياة والاجتماع وكل من تفردوا في الغالب وطار ذكرهم في الآفاق وتناقلت أعمالهم الأجيال بعد الأجيال والعصور غبَّ العصور وكانوا بلا مراء من أهل الأخصاء صرفوا وكدهم إلى معاناة علم واحد والنظر في دقائقه وخفاياه ودرسه من عامة أطرافه. وَهِم قوم أن الأخصاء في العلوم يرتجل ارتجالاً فالمهندس يتعلم الهندسة وحدها والأثري يدرس علم الآثار والمؤرخ التاريخ والكيماوي الكيمياء والطبيعي الطبيعيات والفلكي الأفلاك فيبرزون وترتقي مداركهم. ولكن دل تاريخ العلم في الأمم القديمة والحديثة على أن لا يخصي في علم إلا من سبق له أن شارك في علوم كثيرة ولو مشاركة بسيطة لأن للعلوم علاقة بعضها ببعض كعلاقة البشر بعضهم ببعض فكما أنه لا يتيسر النفع لأمة أن تبقى وراء تخومها منعزلة عن جاراتها فكذلك العلم الواحد وهو ثمرة عقول العالمين لا يتقن إلا إذا قدمت له المقدمات وشدا صاحبه شيئاً من أكثر ما ينفع وقلما سمع بأن رجل أثر في إنهاض أمة أو خدم علماً أنفع نفعاً بذكر وكان ما تميز به وحده هو كل رأس ماله العلمي والعقلي حتى أن نفس علماء الدين في الإسلام الذين أثروا تأثيراً كبيراً كانوا مشاركين في علوم الدنيا مشاركة تامة والغزالي والماوردي والفخر الرازي وابن تيمية وابن حزم وابن القيم وأبو حاتم الرازي والجاحظ وغيرهم كثيرون لم يؤثروا في قومهم ولم يزالوا مؤثرين لا لأنهم سعوا في تنمية ملكات عقولهم بالعلوم الرياضية والتاريخية فعرفوا كيف يسلكون ولذلك ترى لكلامهم قبولاً لا تراه لغيرهم ممن لم يشاركوا مشاركتهم في العلوم الدنيوية. وكذلك الحال فيمن عرفوا بالعلوم المدنية كنصير الدين الطوسي وابن رشد وابن سينا والفارابي وعبد اللطيف البغدادي وابن الهيثم والبتاني والبيروني ومئات غيرهم لم ينفعوا في علومهم التي تفردوا فيها إلا بعد أن عرفوا من علوم الدين ما حسنت معه سيرتهم وسريرتهم. وإذا أمعنا النظر في تاريخ هذه الأمة نجدها لم تعهد الأخصائيين في العلوم المدنية إلا في أواخر القرن الثاني أو في منتصف الثالث على حين بدأت بالنقل وتعلم علوم الحضارة منذ القرن الأول للهجرة ولما عمت هذه العلوم وخصوصاً الفلسفية نشأ بحكم الطبع أناس متفردون ودام هذا التفرد على أشده إلى أواخر القرن السادس ثم أخذ يضعف بضعف طرق التعليم وزهد الحكومات في العلم إلا ما كان منه تحت ستار الآخرة تمويهاً على عقول السذج وفساد السياسة فساد العالم فكيف بالعلم وهو الذي لا تنفق سوقه إلا في أرض الراحة والطمأنينة ولا يقوى إلا بالبواعث والدواعي. وكأن العقول في أهل هذه البلاد ضعفت بعد اشتغالها الطويل قروناً فأخلدت إلى الراحة طوعاً أو كرهاً في القرون الخمسة الأخيرة التي لم تبق منها إلا حثالة من فروع الدين واللغة فقط وقلَّ في كبار المشتغلين من أهلها بعقولهم من أصبح يدعى نتفة من علم فضلاً عن أخصائي. أو كأن ضعف أمة قوة أخرى كما قال بعضهم: حياةُ بعض ممات بعضٍ حياةُ كلّ محالُ فرض فقد كنا هنا كلما ضعفت عقولنا وزهدنا في ترقية مداركنا وانصرفنا إلى التافه الذي لا يؤبه له قويت الأمم الغربية بعلومها ومدارك أهلها وطفق العلم يعم أفرادها جيلاً بعد جيل حتى جاء القرن الثامن عشر الميلادي وقد كثر الأخصائيون فيهم وزادوا في القرن التاسع عشر أي زيادة وأتى هذا القرن العشرون وقد كاد يعم العلم قضهم وقضيضهم وذكورهم وإناثهم. ومن جمهور المتعلمين يخرج في العادة الأخصائيون وهم إما مسوقون بنابل من طبيعتهم إلى إتقان فن أو فنين والتبريز فيهما على الأقران أو أن أحدهم ينمي في نفسه الميل إلى فن ينفع الناس نفعاً حقيقياً. قال عبد الله بن مسلم بن قتيبة: من أراد أن يكون عالماً فليطلب فناً واحداً ومن أراد أن يكون أديباً فليتفنن في العلوم. وقال احد الحكماء: اقصد من أصناف العلوم ما هو أشهى لنفسك وأخف على قلبك فإن نفاذك فيه على حسب شهوتك له وسهولته عليك. ما ظهر في الغرب أمثال نيوتن ولابلاس وكيتي وشيلر وهيكل وهيجل وفيختي وماكولي ولايبنز وسبينوزا وكانت وكونت وديكارت وشوبنهور وروسو وفولتير وديدر ودروين وهاكسلي ومئات غيرهم إلا بعد أن نظم التعليم عندهم تنظيماً حسناً وعم الإصلاح أصوله وفروعه فصار الأخصاء في أفراد منهم الآن على ما يعجب منه بل أصبح العلم الواحد ينقسم إلى فروع كثيرة ويشتتغل في كل فرع منه عدة أفراد. فواحد للميكروبات وآخر للعدسيات وبعضهم للأجواء وآخرون للأضواء وغيرهم للماء وفريق للسماء وافراد للكهرباء وطائفة للكيمياء وآخرون للعيون وبعضهم للجنون وهكذا تجد لكل ما يخطر ببالك وما لا يخطر من فروع المعرفة مئات من الأخصائيين ومئات من المجامع العلمية الخاصة بها والمدارس الموقوفة عليها. وبحق ما قال أحد أساتذة كلية أكسفورد في مأدبة أقيمت لجماعة من أساتذة الإنكليز في كلية السوربون بباريز منذ شهور أن كانت القرون الوسطى هي قرون التعميم في التعليم فإن هذا العصر عصر الأخصاء فيها. أما هذه البلاد على ما دخل إليها حتى الآن من قشور علوم الغرب فليست إلا كأوروبا في قرنها الخامس عشر أو السادس عشر تحتاج الآن إلى تعلم ما يخرجها عن حد الأمية ثم أن تتعلم البسائط من أوليات العلوم واللغات فإذا تمت لها هذه الأمنية ينشأ فيها بحكم الطبع أولئك الأخصائيون الذين تتطالُّ نفوسنا إلى الاستكثار منهم بين أظهرنا لقيام جامعتنا وأحكام ملكات العلوم فينا والانتفاع بحقائقها ودقائقها في العمليات لا الاقتصار على النظريات منها كما نحن فيها حتى اليوم اللهم إلا الطب والهندسة والحقوق. إن من يقول بأن الأخصائيين اليوم بيننا ينبغي أن يكثروا بين أظهرنا وجمهور الأمة في التعليم كما ترى هو كمن يريد أن يعلم التعليم العالي لمن لم يتعلم مبادئ القراءة والكتابة. فحالنا الآن إذا قست ما أخذناه من بحور العلوم الزاخرة إلى ما عليه حقيقتها حال من لم يعرف القراءة البسيطة وأهله يريدون أن يعلموه الفلسفة التي هي علم العلوم أو كمن هو في سفر بعيد وتريده أن يقطع في اليوم في دقيقة وأن يعدي من سيف البحر إلى سيفه الآخر ولا سفينة لديه أو كمن تريده على أن يخطب في علم ما وراء الطبيعة في صحراء أفريقية. قال لاروس في معجمه الكبير: اتسعت معارف البشر النظرية والعملية بعد استقرار أمرها فاحتاج الناس ن يقسموها بحسب استعدادهم وحاجاتهم إلى أقسام لا آخر لها ينقطع إليها أفراد ويبحثون في مضامينها فالأصول من المعارف هي المعلومات العامة وتفرعاتها هي الأخصائيات. لقد كان بادئ بدءٍ كل شيء مفهوماً في الفلسفة فكانت لفظة عام عند الأمم الجاهلة تتناول جميع العلوم وتنقسم إلى قسمين المحسوسات والمعقولات ودعيت علوم الطبيعة وعلوم ما وراء الطبيعة. أما الصنائع اليدوية فلم تكن منظمة تنظيماً معقولاً ولا جارية على طريقة معقولة وكان أرباب الأفكار يحتقرونها فلا يمارسها إلا الصعاليك ينصرفون إليها تقليداً ويخلفون في تعلمها آباءهم بدون وقوف على القوانين الميكانيكية أو الطبيعية التي كانوا يعملون بها على الدوام. ثم حسنت حال الإنسان بالتدريج ودخلت الأعمال في طور نظام وانتظمت العلوم الرئيسة لاسيما الآداب والفنون وعلوم النظر والعلوم العملية أي التجارة والصناعة والحرف ونشأ الأخصاء في كل فرع من فروع هذه الطبقات. فالطبيب مضطر إلى تعلم أمور كثيرة ولا يخصي في تعاطي فرع واحد إلا في المدن أما في القرى فيمارس كل فرع من فروع الأمراض الباطنية والخارجية. وهكذا الحال في الأعمال التجارية والصناعية فإن كل حرفة أو مهنة تنقسم على أقسام تدعى تقسيم الأعمال. وقد دخل كل علم اليوم في دائرة الأخصاء حتى ما يلزم الطاهي والبائع والسوقي في المعارف فأصبح من الضروري بالنظر لتكاثر أعمال البشر وانتشارها أن يزيد أبداً الأخصاء في كل علم وشأن. وإذا نظرت إلى الأخصاء من حيث العلم فإنه دليل الكفاءة وبدونه لا يكون عالم فإن المبادئ الأولية من جميع العلوم هي ولا شك نافعة لكل الناس حتى العامة ومتى حاز المرء قسطاً من هذه العلوم السطحية ورأى أن يتبحر فيها يجب عليه تعيين الموضوع الذي سينصرف إليه وبدون ذلك يتقدم المرء في علمه تقدماً بطيئاً ويخلط فيه ويبقى متوسطاً إلى الضعف. والأخصاء ضروري أيضاً في العلم العملي أي في المعامل والأعمال اليدوية وذلك للإسراع فيها ويرى أرباب معامل الأبر والخياطة في لندرا أن في تقسيم الأعمال اقتصاداً كبيراً. إذا قسمت الأعمال وأخصى المشتغلون بالعلوم وتوسعوا فيها فالأخصاء يؤدي ولا جرم إلى الضعف الأدبي. وذلك أن العاملات مثلاً إذا قضين نهارهن في عملهن السهل اللطيف في الظاهر كأن يتوفرن على إدخال الخيوط في أبرهن فإنهن لا يفقدن شيئاً من حواسهن ولكن ثبت بالإحصاء أنهن يفقدن حاسة النظر في أقرب وقت أما القوى العقلية والقوى المماثلة لها فإنها تتأذى أيضاً. أما في العلم المحض فإن من ينصرفون إلى الأخصاء ككثير من الرياضيين والمهندسين والفلكيين يعيشون في العالم كأنهم ليسوا منه ويدهشون معاصريهم بغرابة أخلاقهم وتشتت أفكارهم التي جرت مجرى الأمثال. وبالجملة فيقضى على كل مخص في العلم أو في الصناعة أن يحرز حظاً من المعارف لأول أمره وأن يخصي في علمين أو ثلاثة فإذا مارس أحدها أراح غيره أهـ. وقال الراغب الأصفهاني في الذريعة: حق الناس أن لا يترك شيئاً من العلوم أمكنه النظر فيه واتسع العمر له ألا ويخبر بشمه عرفه وبذوقه طيبه ثم أن ساعده القدر على التغذي به والتزود منه فيها نعمت وإلا لم يصر لجهله بمحله وغباوته عن منفعته إلا معادياً له بطبعه فمن يكُ ذا فم مرّ مريض يجد مراً به الماَء الزلالا فمن جهل شيئاً عاداه والناس أعداء ما جهلوا بل قال الله تعالى وإذا لم يهتدوا به فسيقولون هذا إفك قديم. وحكي عن بعض الفضلاء أنه رؤي بعد ما طعن في السن وهو يتعلم أشكال الهندسة فقيل له في ذلك فقال: وجدته علماً نافعاً فكرهت أن أكون لجهلي به معادياً له ولا ينبغي للعاقل أن يستهين بشيء من العلوم بل يجعل لكل حظه الذي يستحقه ومنزله الذي يستوجبه ويشكر من هداه لفهم وصار سبباً لعلمه. ولقد حُكي عن بعض الحكماء أنه قال: يجب أن نشكر أيادي الذين ولدوا لنا الشكوك إذ كانوا سبباً لما حرك خواطرنا لطلب العلم فضلاً عن شكر من أفادنا طرفاً من العلم ولولا مكان فكر نم تقدمنا لأصبح المتأخرون حيارى قاصرين عن فهم مصالح دنياهم فضلاً عن مصالح أخراهم. فمن تأمل حكمة الله تعالى في أقل آلة يستعملها الناس كالمقراض حيث جمع سكينين مركباً على وجه يتوفى حداهما على نمط واحد للقرض أكثر تعظيم الله تعالى وشكره ويقول سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين. ومن أجمل ما يروى في باب الانفراد بعلم والإلمام بعلوم أخرى ما قاله أبو حاتم السجستاني قال: قدم علينا عامل من أهل الكوفة لم أر في عمال السلطان أبرع منه فدخلت عليه مسلماً قال: يا سجستاني من علماؤكم بالبصرة قلت: الزيادي أعلمنا بعلم الصمعي والمازني أعلمنا بعلم النحو وهلال الرازي أفقهنا والشاذكوني أعلمنا بالحديث وأنا أنسب إلى علم القرآن وابن الكلبي أكتبنا للشروط فقال لكاتبه: إذا كان غداً فاجمعهم لي فجمعنا فقال: ايكم المازني فقال أبو عثمان أنا. فقال: هل يجزئ في كفارة الظهار عتق عبد أعور. فقال المازني: أنا صاحب عربية لست بصاحب فقه. فقال: يا زياد كيف تكتب بين رجل وامرأة خلعها زوجها على الثلث من صداقها، فقال: ليس هذا من علمي هذا من علم أبي حاتم. فقال لي: يا أبا حاتم كيف تكتب إلى أمير المؤمنين تصف فيه خصاصة أهل البصرة وما أصابهم في الثمرة من الجوائح وتسأل النظر لهم فقلت: أنا صاحب قرآن لست بصاحب بلاغة وكتابة فقال: أقبح بالرجل يتعاطى العلم خمسين سنة ولا يعرف إلا فناً واحداً حتى إذا سئل عن غيره لم يجر فيه جواباً لكن عالمنا بالكوفة الكسائي لو سئل عن هذا لأجاب. ومن استقرى تاريخ العرب يجد من أمثال الكسائي مئات كما قلنا ممن كتب لهم التقدم في علوم كثيرة فقد ذكر ابن خلكان وابن أبي أصيبعة في ترجمة كمال الدين بن يونس المتوفى سنة ٦٣٩ وهو ممن لم يشتهروا كثيراً بيننا أنه تبحر في جميع الفنون وجمع من العلوم ما لم يجمعه أحد وتفرد بعلم الرياضة وكان الفقهاء يقولون أنه يدري أربعة وعشرين فناً دراية متقنة منها المهب والخلاف العراقي والبخاري وأصول الفقه وأصول الدين والحكمة والمنطق والطبيعي والإلهي والصب وفنون الرياضة من إقليدس والهيئة والمخروطات والمتوسطات والمجسطي وأنواع الحساب المفتوح منه والجبر والمقابلة والرثماطيقي وطريق الخطأين والموسيقى والمساحة معرفة لا يشاركه فيها غيره إلا في ظواهر هذه العلوم دون دقائقها والوقوف على حقائقها واستخرج في علم الأوفاق طرقاً لم يهتد إليها أحد وكان يبحث في العربية والتصريف بحثاً مستوفياً وكان له في التفسير والحديث وما يتعلق به وأسماء الرجال يد طولى وكان يحفظ من التواريخ وأيام العرب ووقائعهم والشعار والمحاضرات شيئاً كثيراً وكان أهل الذمة يقرؤن عليه التوراة والإنجيل وشرح لهما هذين الكتابين شرحاً يعترفون أنهم لا يجدون من يوضحهما له مثله وكان في كل فن من هذه الفنون كأنه لا يعرف سواه لقوته فيه قال صاحب وفيات الأعيان: وبالجملة فإن مجموع ما كان يعلمه من الفنون لم يسمع عن أحد ممن تقدمه أنه قد جمعه قال أبو بشر ثمامة بن الأشرس الخميري المعتزلي وكان خصيصاً بالمأمون: رأيت رجلاً يتردد على باب المأمون ورأيت عليه أبهة أديب فجلست إليه فناقشته في اللغة فوجدته بحراً فاتشته عن النحو فشاهدته نسيج وحده وعن الفقه فوجدته رجلاً فقيهاً عارفاً باختلاف القوم وبالنجوم ماهراً وبالطب خبيراً وبأيام العرب وأشعارها فقلت له من تكون وما أظنك إلا الغراء فقال: أنا هو. وكان القاضي أبو الفرج المعافي النهرواني فقيهاً أديباً شاعراً عالماً بكل فن قال ابن خلكان ذكر أحمد بن عمر بن روح أن أبا الفرج المذكور حضر في دار لبعض الرؤساء وكان هناك جماعة من أهل الأدب فقالوا: في أي نوع من العلوم نتذاكر فقال: ابو الفرج لذلك الرئيس خزانتك قد جمعت أنواع العلوم وصناف الأدب فإن رأيت أن تبعث غلاماً إليها فتأمره أن يفتح بابها ويضرب بيده إلى أي كتاب منها فيحمله ثم يفتحه وينظر في أي العلوم فنتذاكره ونتجارى فيه وقال ابن روح: وهذا يدل على ان أبا الفرج كان له أنسة بشائر العلوم وكان أبو محمد الباجي يقول إذا حضر القاضي أبو الفرج فقد حضرت العلوم كلها. وقال: لو أوصى رجل بثلث ماله لأعلم الناس لوجب أن يدفع إلى أبي الفرج المعافى وكان ثقة مأموناً في روايته. هذا ما حضرنا من أمر الأخصاء والأخصائيين ولعل بعض مؤازرينا يكتبون فصلاً واسعاً في حالة الأخصاء عند الغربيين والطرق التي يعتمدون إليها بتفصيل أوسع وأشفى. تاريخ ابن الساعي وقفنا على قطعة من كتاب الجامع المختصر في عنوان التاريخ وعيون السيراستنجره من دشت من الورق احمد بك تيمور من علماء القاهرة وسراتها وهو الذي عرف بانه قطعة من الجامع المختصر في عنوان التاريخ وعيون السير قال في كشف الظنون أنه تأليف الشيخ تاج الدين علي بن أنجب بن الساعي البغدادي المتوفى سنة ٦٧٤ (خازن الكتب المستنصرية) وهو تاريخ كبير في خمسة وعشرين مجلداً بلغ فيه إلى آخر سنة ٦٥٦ والتاريخ مرتب على السنين وهذا الجزء وهو مخروم من أوله وآخره ويبدأ من حوادث سنة ٥٩٥ وينتهي في حوادث سنة ٦٠٦ أي أن فيه حوادث عشر سنين تامة ذكر فيه ما وقع فيها من الكوائن السياسية والطبيعية وترجم كثيراً ممن توفوا في تلك الحقبة من الزمن ولاسيما القاضي الفاضل والعماد الكاتب والفخر الرازي وأبو السعادات ابن الأثير الجزري صاحب النهاية وهو موجز العبارة سهل الإنشاء. ومعلوم أن الدولة العباسية كانت على ذاك العهد آخذة في الضعف ولذلك تقرأ نموذجاً من هذا الضعف في مسطور هذا التاريخ منها أن ابن ليون صاحب أرمينية أغار على أطراف حلب وغنم ونهب وقتل ومنها أن صاحب الكرج كان يغير على بلاد المسلمين ومنها أن ملوك الطوائف كصاحب غزنة وهراة والشام ومصر كانوا يتقربون لبغداد تقرباً ظاهرياً وفي تلك المدة بدأ الصوفية يرد ذكرهم مع الفقهاء والوعاظ والقراء. وأخذت العادة تسري بتقبيل العتبة الشريفة بباب النوبي الشريف حتى أن نظام الدين محمد بن عبد الكريم السمعاني لما أنفذ رسولاً من علاء الدين محمد خورازمشاه وتلقى بموكب الديوان العزيز ونزل بباب النوبي الشريف وأريد على تقبيل العتبة امتنع عن تقبيلها فأهين ألزم بتقبيلها مكرهاً ولما جاء رئيس علماء بخارى قبل تلك العتبة أسوه غيره من العامة والخاصة. وفي هذا التاريخ ألفاظ واصطلاحات لذاك العصر منها ما ورد في ترجمة بي منصور بن نقطة المشحبر وأنه كان مجيداً في صنعة الغناء وعمل الكانو منها ما ذكره في ترجمة الأمير قيصر العوني نسبة إلى الوزير عون الدين يحيى بن هبيرة كان مملوكاً إفرنجي الجنس إلا أنه كان موصوفاً بالحسن والملاحة واللطف فقدمه على جميع مماليكه وكان يخرج في الأعياد في صدور موكبه بالقباء والعمامة القصب الكحلية وإلى جانبه خادم له من خدم الوزير بالأهبة أيضاً. وقد كذر فيه ما وقع سنة ٥٩٧ في مصر من الغلاء العظيم الذي أهلك معظم أهلها وهو جملة من كتاب الاعتبار في أخبار الديار المصرية لموفق الدين عبد اللطيف البغدادي. وهذا الكتاب طبع قديماً في مصر وترجم كثيراً من المسيحيين والإسرائيليين وغيرهم من غير أهل الإسلام ووفاهم حقهم وإليك مثالاً على ذلك بالحرف: أبو سعيد الحسن ابن خالد بن المبارك بن محضر النصراني المارديني الملقب بالوحيد كان مؤثراً للوحدة والانقطاع واظب على الاشتغال بالعلم في أول شبابه وأتقن علم الأوائل وبرز فيه ثم رفض الاشتغال وكان بينه وبين قطب الدين بن إيلغازي بن ارتق ملك ديار بكر صحبة في سن التربية فكان يعاتبه على الانقطاع عنه ويندبه إلى خدمته إلى أن أجاب فتقدم عنده وصارت له المنزلة الرفيعة والاحترام والتقدم وندبه بارق شاه بن قلج لوزارته فأبى ثم قصد بغداد وأقام بها مدة عند الجاثليق أبي حكيم ماري بن إيليا بن الحديثي ثم عاد إلى بلده وكان قد رزق طبعاً في نظم الشعر فمن ذلك قوله: ومعتدلٍ ساجي الجفون كأنما بعينيه سيفٌ سُلَّ للقتل والفتك إذا رام عند الوصل ترك دلاله ترد عليه طبعه صولة الترك وما عذل العذال إلاّ جهالة إذا لم أزل معزى الحشاشة بالهلك وما تركت مني الصبابة في الهوى سوى جسد مثل الخلال أم السلك أشفعه فيما يريد بحسنه ولا أتعدى في الهوى طاعة النسك ولكنني أرعى مباسم ثغره وألثم لآلئها موضع الضحك وقوله: لقد أثرت صدغاه في لون خده ولاحا كفيءٍ من وراء زجاج ترى عسكراً للروم في الزنج قد بدت طلائعه تسعى ليوم هياج أم الصبح بالليل البهيم موشح حكى أبنوساً في صفيحة عاج لقد غار صدغاه على ورد خده فسيجه من شعره بسياج وقوله في جواب كتاب: وقفت على فحوى كتابك معلناً بشكرك أني بالثناء خليق وما خلته إلا كأكناف روضة تناثر فيها لؤلؤ وعقيق وراق بسمعي منه لفظ كأنما معانيه سحر للقلوب وثيق وإن تك أفعال الجميل تقدمت فإنك في بحر الوفاء غريق فلا تولني فوق الوداد تفضلاً فليس بأعباء الثناء أطيق ولم يك لبدعاً ما قصدت من العلى فإنك بالطبع الكريم خليق وقوله في مثله: أتاني كتاب أنشأته أنامل حوت أبحراً من فيضها يغرف البحر فواعجباً أنَّى التوت فوق طرسه وما عودت بالقبض أنمله العشر وكان مولد أبي سعيد هذا في سنة سبع وأربعين وخمسمائة وتوفي في سنة ستمائة وللمؤلف عناية بأخذ التقاليد الصادرة عن الملوك وغيرها من الصكوك الرسمية ولو كتب لكتابه كله البقاء لانتفع به كثيراً في هذا الباب لأن فيه ولا شك ما يغفله أكثر المؤرخين. ومما ذكر تقليد فخر الدين أبي الحسن محمد بن محمد المختار الكوفي نقابة الطالبين ببغداد قال المؤرخ: وقد وقفت عليه وهو بخط لنكين أبي الحسن محمد بن محمد بن عبد الكريم القمي كاتب ديوان الإنشاء المعمور حينئذ ومن إنشائه ومن خطه نقلت. وهنا أورد العهد وهو في أربع ورقات ولولا أن في بعض الكتب المطبوعة ما يماثله من التقاليد وربما فاقه بأسلوبه وبلاغته لاقتبسناه. ومن فصول الكتاب المهمة ما ذكره في نقل الفتوة وما تجدد فيها سنة أربع وستمائة والفتوة كما في التاج لغة الكرم والسخاء وفي عرف أهل التحقيق أن يؤثر الخلق على نفسه بالدنيا والآخرة وصاحب الفتوة يقال له الفتى ومنه لا فتى إلا علي وقول الشاعر: فإن فتى الفتيان من راح واغتدى لضرّ عدوٍّ أو نفع صديق وعبر عنها في الشريعة بمكارم الأخلاق ولم يجيء لفظ الفتوة في الكتاب والسنة وإنما جاء في كلام السلف وأقدم من تكلم فيها جعفر الصادق ثم الفضيل ثم الإمام أحمد وسهل والجنيد ولهم في التعبير عنها ألفاظ مختلفة والمآل واحد. قلنا والفتوة فيما نرى كما يظهر من هذا التقليد الصادر عن الناصر أشبه بجمعية سياسية. والعهد الصادر عن الخليفة الناصر لدين الله الذي نحن بصدده هو في هذه السنة أهدرت الفتوة القديمة وجُعل أمير المؤمنين الناصر لدين الله رضي الله عنه القبلة في ذلك والمرجوع إليه فيه وكان هو قد شرف عبد الجبار بالفتوة إليه وكان شيخاً متزهداً فدخل في ذلك الناس كافة من الخاص والعام وسأل ملوك الأطراف الفتوة فنفذ إليهم الرسل وقد ألبسهم سراويلات الفتوة بطريق الوكالة الشريفة وانتشر ذلك ببغداد وتفتى الأصاغر إلى الأكابر واتفق أن الفاخر العلوي كان رفيقاً للوزير ناصر بن مهدي وكان له رفقاء فاختصم أحد رفقائه مع رفيق لعز الدين نجاح الشرابي وصار بذلك فتنة عظيمة بمحلة قطفتا حتى تجالدوا بالسيوف فانتهى ذلك إلى الإمام الناصر لدين الله رضي الله عنه فأنكره وتقدم إلى الوزير يجمع رؤوس الأحزاب وأن يكتب في ذلك منشور يؤمرون فيه بالمعروف والألفة وينهون عن التضاغن ويقرأ بمحضر منهم ويشهد عليهم بما يتضمنه فمن خالفه أخذ سراويله وأبطلت فتوته وعوقب بما يرى من العقوبة وأحضر الفاخر العلوي وقال الوزير للحاضرين اشهدوا عليّ أني قد نزلت عنه وقرأن المنشور عليهم لنكين أبو الحسن محمد بن محمد القمي كاتب ديوان الإنشاء المعمور وهو من إنشائه وهذه نسخته: بسم الله الرحم الرحيم، من المعلوم الذي لا يتمارى في صحته ولا يرتاب في وضوح براهينه وأدلته أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه هو أصل الفتوة ومنبعها ومنجم أوصافها الشريفة ومطلعها وعنه تروى محاسنها وآدابها ومنه تشعبت قبائلها وأحزابها وإليه دون غيره ينسب الفتيان وعلى منوال مؤاخاته الشريفة النبوية نسج الرفقاء والأخوان وأنه كان عليه السلام مع كمال فتوته ووفور رجاحته يقيم حدود الشرع على اختلاف مراتبها ويستوفيها من أصناف الجناة على تباين جناياتها ومللها ومذهبها غير مقصر عما أمر به الشرع المطهر وقدره ولا مراقب فيما رتبه من الحدود وقرره امتثالاً لأمر الله تعالى في إقامة حدوده وحفظاً لمناظم الشرع وتقويم عموده فإنه عليه السلام فعل ذلك بمرأى من السلف الصالح ومسمع ومشهد من أخيار الصحابة ومجمع فلم يسمع أن أحداً من الأمة لامه ولا طعن عليه طاعن في حد أقامه وحقيق بمن أورثه الله مقامه وناط به شرائع الدين وأحكامه وانتمى إليه عليه السلام في فتوته واقتفى شريف شيمته وكريم سجيته أن يقتدي به عليه السلام في أفعاله ويحتذي فيما استرعاه الله تعالى واضح مثاله غير ملوم فيما يأتيه من ذلك ولا معارض فتوة ولا شرعاً فيما يورده ويصدره وقد رسم الله على المراسم العلية المقدسة النبوية الإمامية وزادها نفوذاً معضوداً بالصواب وتأييداً ممتد الأطناب محكم الأسباب على كل من تشرف بالفتوة برفاقة الخدمة الشريفة المقدسة المعظمة الممحدة المكرمة الطاهرة الزكية الإمامية الناصرة الدين الله تعالى شرف الله مقامها وخلد أيامها وأعلى كلمتها ونصر رايتها أن من قتل له رفيق نفساً نهى الله تعالى عن قتلها وحرمه وسفك دماً حقنه الشرع المطهر وعصمه وصار بذلك ممن قال الله تعالى في حقه حيث ارتكب هذا المحرم واحتقب عظيم هذا المأتم ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها ثلاثة أن ينزل عنه في الحال في جميع الفتيان عند تحققه لذلك ومعرفته ويبادر إلى تغيير رفقته مخرجاً بذلك عن دائرة الفتوة التي كان متسماً بها مسقطاً له عداد الرفاقة التي لم تعم نواحيها ذلك خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم وإن كل فتى يحوي قاتلاً ويخفيه ويساعده على أمره ويؤويه تنزل كبيرة عنه ويغير رفاقته ويتبرأ منه وأن من حوى ذا عيب فقد عاب وغوى ومن آوى طريد الشرع فقد ضل وهوى والنبي عليه السلام يقول من آوى محدثاً فعليه لعنة الله وملائكته والناس أجمعين لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً ولا حدث أكبر من قتل النفس عدواناً وظلماً ولا ذنب أعظم منه وزراً وإثماً فإن الفتى متى قتل فتى في حزبه سقطت فتوته ووجب أن يؤخذ منه القصاص عملاً بقوله وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص وإن قتل غير فتى عوناًُ من الأعوان أو متعلقاً بديوان في بلد سيدنا ومولانا المفترض الطاعة على كافة الأنام الناصر لدين الله أمير المؤمنين وخليفة رب العالمين فقد عيب هذا القاتل في حرم صاحب الحرب بالقتل فكأنما عيب على كبيرة فسقطت فتوته بهذا السبب الواضح واجب القصاص منه عند كل فتى راجح وليعلم الرفقة الميمونة ذلك وليعملوا بموجبه وليجروا الأمر في أمثال ذلك على مقتضى المأمور به وليقفوا عند المحدود في هذا المرسوم المطاع ويقابلوه بالانقياد والاتباع إن شاء الله تعالى وكتب في صفر من سنة أربع وستمائة وسلم إلى كل واحد من رؤوس الأحزاب منشور بهذا المثال فيه شهادة ثلثين من العدول ثم كتب تحت كل مرسوم ومنشور ما هذا صورته: قابل العبد بما تضمنه هذا المرسوم المطاع وقابله بما يجب عليه من الانقياد والاتباع والامتثال وهو الذي يجب العمل به فتوة وشرعاً وهذا المعروف من سيرة الفتيان المحققين نقلاً وسمعاً وقد ألزمت نفسي إجراء الأمر على ما تضمنه هذا المرسوم الأشرف فمتى جرى ما ينافي المأمور به المحدود فيه كان الدرك لازماً لي والمؤاخذة مستحقة على ما يراه صاحب الحرب ثبت الله دولته وأعلى كلمته وكتب فلان بن فلان في تاريخهأهـ. ومن العهود ما صدر عن الخليفة العباسي لرئيس اليهود قال ابن الساعي: وفي تاسع ذي القعدة المذكور ولي ابن وهبة رأس مثنية اليهود وكتب عهده بذلك وسلم إليه فقرأه على اليهود في الكنيسة وهذه نسخته: بسم الله الرحمت الرحيم الحمد لله الواجب شكره الغالب أمره العلي شأنه القوي سلطانه السابغة نعمته البالغة حكمته المتفرد بالجلال والاقتدار والمصرف على مشيئته مجاري الأقضية والأقدار الدال على وحدانيته ببديع فطرته المانع لعجائب صنعته من أن تتعذر في الأوهام كنه معرفته الهادي إلى سبيل الرشاد من شاء من خلقه الهاي سحاب فضله على كل مقر بربوبيته عارف بحقه الذي اصطفى محمداً صلى الله عليه وعلى آله من أكرم أرومة وأعلى محتد وجرثومة وأشرف العرب منصباً وأمجدها أماً وأباً وأعزها قبيلاً وأوضحها في المكارم سبيلاً وأرسه إلى الأحمر والأسود نبياً اختاره من أصناف الأمم عربياً وأيده بالحكم أمياً وجعله منصوراً بملائكته محمياً وابتعثه بالبرهان الساطع والدليل القاطع ونسخ بشريعته المطهرة مالل السالفة والشرائع فلم يزل صلى الله عليه وسلم وعلى آله بأمر الله صادعاً ولأنف الباطل جادعاً ولما أنزل الله مبلغاً ولجهده في نصح الأمة مستفرغاً فصلى الله عليه وعلى آله وعلى سلالة عمه ووارثه وصنو أبيه العباس الذي طهره من الأدناس وفرض مودتهم وطاعتهم على جميع الناس الخلفاء الراشدين وأئمة الحق المجتهدين صلاة لا انقشاع لغمامها ولا انقطاع لتوصل دوامها والحمد لله الذي أصار إلى خليقته في أرضه ونائبه في خلقه الإمام المفترض الطاعة على سائر الأمم الناصر لدين الله أمير المؤمنين ووارث الأنبياء والمرسلين حجة الله على الخلق أجمعين من مواريث أنبيائه ومآثر خلفائه في أرضه وأمنائه ما هو أحق بحيازة مجده وارتداء علائه وأخذ ميثاق طاعته على الأمم في الأزل ألزم أواخر منهم ما ألزم الأول وفرض على خلقه الاقتداء به والائتمام وحاز له وراثة الخليفة عن الخليفة والإمام عن الإمام زاده الله شرفاً إلى شرفه وأدام على العالمين ما منحهم به من شمول عدله وحصانة كنفه فالمسلم والذمي والمعاهد في ظل أياديه الشريفة وادعون وفي رياض الآمنة راتعون ومما يكلأهم من عين رأفته اليقظى هاجعون لا يكدر لهم شرب ولا يذعر لهم سرب وحكم عدله يوجب النظر العام في مناظر أمرهم وجوامع مصالحهم ورعاية جمهورهم لما وطله الله تعالى إليه من سياسة عباده وناطه بشرف آرائه واجتهاده. ولما ضرع دانيال بن ألعازر بن هبة الله في ترتيبه رأس مثنية عوضاً عن ألعازر بن هلال بن فهد الدارج على قاعدته وجاري عادته وانتهى ما يتحلى به عند أهل نحلته ويتصف به واستحقاقه لما ضرع فيه بحسن طريقته فيهم وسلامة مذهبه رسم أعلى الله تعالى المراسم الشريفة المقدسة المعظمة الممجدة المكرمة النبوية الإمامية الطاهرة الزكية الناصرة لدين الله زادها الله إجلالاً ممتد الرواق ونفاذاً في الأقطار والآفاق ترتيبه رأس مثنية على عادة الدارج المشار إليه حيث كان ابن الدستور رأس مثنية أيضاً وأن يكون له النظر في الولاية عليه في جميع الأماكن التي جرت عادته بتوليها والتصرف فيها وأن يتميز عن نظرائه وأشكاله باللبسة التي عهدت لأمثاله وسبيل طوائف اليهود وحكامهم بمدينة السلام وكناف العراق الانتهاء في ذلك إلى المأمور به والرجوع إلى قوله في توسط أمورهم والعمل بموجبه وأن يخرجوا إليه من الرسوم التي جرت عادة من تقدمه بها بالأماكن التي كان يتصرف فيها من غير معارضة له في ذلك مع قيامه فيما يأتيه ويدبره بشرائط الذمة والتزامه ومحافظته بالامتثال وبواجب الاعتصام والإجلال إن شاء الله تعالى وبه الثقة وكتب في تاسع ذي القعدة من سنة خمس وستمائة والحمد لله وحده وصلواته على سيدنا محمد النبي وآله الذي ختم النبيين وهو سيد المرسلين المصطفى على سائر الخلق أجمعين. والخليفة الناصر لدين الله هذا هو الذي تقدم كما قال ابن الساعي بإنشاء دور ضيافة لفطور الفقراء في شهر رمضان في سائر محال بغداد شرقيها وغربيها فوقع الشروع في ذلك على يد قوام الدين نصر بن ناصر صدر المخزن المعمور وسلم إلى كل ثقة أهل محله مقدار من العين وأمر بإثبات فقراء أهل كل محلة وأن يجري لكل واحد في كل يوم رطلين من الخبز الفائق وقدح طبيخ فيه نصف رطل لحم ضأن فأثبت في كل دار مقدار خمسمائة نفس زائداً وناقصاً فعم الفقراء والضعفاء هذه الصدقة وانتفعوا بها وتفرغ بالهم في هذا الشهر واستراحوا من السعي في تحصيل القوت والاهتمام به فالله تعالى يجعل ذلك نوراً يسعى بين يديه هذا سوى ما يفرق على الفقهاء في جميع المدارس والصوفية في سائر الربط والمنقطعين في الجوامع والمساجد والزوايا م الغنم والدقيق والذهب أجزل الله بذلك ثوابه وخفف به حسابه كيف كانوا يسيحون كتب أحد الباحثين فصلاً إضافياًُ تحت هذا العنوان في المجلة فآثرنا تحصيله لجمعه بين الفائدة والفكاهة قال: إن السفر اليوم لا يتعدى حد السباق السهل اللطيف فهو قليل النفقة وفي مكنة كل إنسان أن يقوم به ولم يكن كذلك في الأزمان السالفة. بل كان التنقل ولا تدعو إليه إلا الحوادث والأشغال لا اللذة وحب الانتقال يستلزم صنوفاً من المتاعب والمصاعب والمخاطر يصعب علينا الآن تصورها. لم تكن وسائط النقل في القديم لتتعدى الحمار والحصان والجمل والعجلات والهوادج فينزل المسافرون في فنادق لم تكن وافرة العدد. ولقد كان عند العبرانيين فنادق غير مستوفية لشروط النزول فيها حتى أن أرباب الحشمة كانوا يربأون بأنفسهم عن قصدها فكان لهم في كل مدينة أحباب يستقبلونهم فينزلون عليهم وهم يقابلونهم بالمثل وينزلونهم في بيوتهم عندما يسافر هؤلاء أيضاً. دام هذا الحق بين الأسرات مرعياً معمولاً به وأصبح القرى عندهم من أقدس الفروض ولكنه لم يلبث أن اعتوره القلب والإبدال. ولم يمض زمن حتى انقلبت كيفية الضيافة في بلاد اليونان والرومان والعبرانيين وذلك لأنه من الصعب أن يؤوي الإنسان كل قادم واقتصروا في إنزال الضيوف على معارفهم وأصحابهم ومن لهم مقام سام في قومهم أو يحملون وصية لا بد من تنفيذها وكانوا يرسلون بمن عداهم إلى الخانات على نحو ما يقوم اليوم أبناء القرى في إيواء الجند وضباطهم خلال الحرب. وعمت هذه العادة على عهد الفيلسوف اليوناني تيوفراست ( ٣٧٤ ـ ٣٨٧ ق. م) وقد وصف المؤرخ توسيديد هذه الخانات أو المضافات بأنها دور كبيرة طولها مائتا قدم وهي مقسومة إلى مساكن عالية وسفلية مفروشة فيها سرر من حديد وقلز. لم تكن تعرف الفنادق في أرض اليهودية ولكن كان منها على طريق مصر رأى بعضها موسى وامرأته صنورة على أنها لم تكن ذات بهجة ونيقة بل هي عبارة عن مرابط للبهائم وبالقرب منها آبار فيقضي على المسافر أن يأتي معه بجميع ما يلزم لغذائه. ولا تزال الخانات في المدن والمضافات في الأرياف ببلاد الشرق إلى عهدنا هذا على هذه الصورة لا تفوق القديمة بوضعها ولا باستعدادها. وكانت فنادق الأجرة عند العبرانيين سيئة السمعة وقد صرح بلوتارك المؤرخ اليوناني بأنه لا يجب أن يتعب المرء نفسه بل عليه أن يعمل ما يهوى ولا يحفل بجيرانه فكنت ترى فيها محلاً للمائدة واصطبلاً للبهائم ومكاناً للمركبات. وقد وصف أفلاطون أصحاب الخانات في عصره بأنهم لصوص متجبرون أهل قحة وسلاطة يزدرون بمن يعطيهم قليلاً من الأجرة وهي صورة تصدق ولا جرم على بعض أصحاب الفنادق في عصرنا. من كان يظن أن البلاد التي تفردت في تلك الأعصر براحة السائحين فيها هي بلاد فارس؟ فقد كان البريد ينقل فيها (ولا يزال كذلك) مع السعاة على الخيل فينقلون من محطة إلى أخرى الأوامر وقد توفرت أسباب الرفاهية في تلك الفنادق الفاخرة. وعهد عند الرومانيين ضربان من الفنادق منها الفاخر وهو ما كان ينزل فيه السائحون والجند وكانت تحت مراقبة الحكومة وقد ذكر مسيو كالي بأنه رأى مثالاً عنها عندما أقام في البوسنة والهرسك. والحكومة النمسوية تلاحظ تلك الفنادق وتشرف عليها ولكن كانت تلك الفنادق للطبقة العالية من الناس وربما حل فيها الملوك فهل يسوغ أن ينزل هؤلاء مع الصعاليك وربما وصل إليهم منهم أذى. أما الفنادق العامة فكانت منازل حقيرة قال فيها هوراس الشاعر اللاتيني: إذا رغب المرء أن ينزل في أحد هذه الفنادق التي يراها على طريقه من كابو إلى رومية فالعقل أن يترجل وإذا لارضي لنفسه النزول أحياناً فلا ينزلها إلا ذا بلغت به الحال أن تلوث بالوحل إلى ظهره وتبلل بالمطر إلى عظمه وكنت ترى أمثال هذه الأكواخ على الطريق في إيطاليا بكثرة وهي ممقوتة حتى لقد شكا بلين العالم الروماني من أن الفراش لم تكن وثيرة بل كانت محشوة بعيدان القصب على مثال الريش وكان طعامها غليظاً. ومن أجل ذلك كان الأغنياء السائحون يحملون معهم أدوات مطابخهم وبعض أرباب الشرف يصحبون معهم عجلات تحمل البطيخ والثمار التي لم تنضج لئلا يحرموا الفاكهة ويحمل كل منهم معه أواني السفرة كما لا تزال العادة في روسيا إلى اليوم أن يأتي المسافر معه بأدوات الفراش لنومه. وكانت فنادق رومية وخاناتها كثيرة ولاسيما من طريق إبين وهي كأمثالها في بلاد الغاليين سكان فرنسا الأقدمين من حيث قلة العناية وسوء الخدمة. وعلى عهد المؤرخ بوليب اليوناني ( ٢٠٤ ـ ١٢٢ ق. م) أحدثت طريقة أخذ شيء من الدراهم من كل مسافر أجرة مبيته في أحد الخانات وكان ثمن غذاء الرجل ومبيته يعادل في اليوم ثلاثة سنتيمات بسكة زماننا. وفي القرن السابع للميلاد بدأ المسيحيون في الغرب يحجون إلى الأرض المقدسة وفي تأليف أدمان وويلبالد أسقف أشتياد سنة ٧٣٠ إشارات كثيرة تدل على ما كانت عليه أسباب التنقل في القرن السابع والثامن على أن الحج إلى البيت المقدس بدأ قبل ذلك العهد ببرهة طويلة فقد كتب كاهن لم يذكر اسمه منذ سنة ٣٣٣ جدولاً ذكر فيه الطريق من بوردو إلى القدس ذكراً مجرداً. وفي خلال تلك المدة كان للنورمانديين فضل السبق على سائر الأمم الأوروبية بتحمسهم في مثلب هذه الزيارات يضاف إليها في الغالب رغبتهم في جمع المال والإتجار فكانوا يتحاشون تجسم أهوال البحر ولذلك كنت تراهم يقطعون المسافة براً فيمرون بفرنسا وبجزء عظيم من إيطاليا ثم يركبون البحر من نابولي أو كايت أو سالرنا وهي المواني التي كانت تتقايض المتاجر مع سورية. وفي السنين الأولى من القرن الحادي عشر للميلاد اجتمع أربعون سائحاً من النورمانديين وردوا العرب على أعقابهم عندما أغاروا على سالرة وأشؤوا لهم دولة نورماندية في جنوبي إيطاليا. وكانت الحملات الصليبية الأولى على الشرق تسير براً في طرق متعددة. وقد ساعدت العادة في الحملة الثالثة على إدخال تسهيلات كثيرة في تسفير تلك الحملات الضخمة فأنشؤوا يؤثرون الرحيل من البحر. وكانت المدن أو بعض أفرادها تتعهد بتقديم لوازم السفر فقد قال ريكاردوس قلب الأسد ملك الإنكليز في حرب الصليب ميناء مارسيليا على أن تقدم له عشرين سفينة وثمانية مراكب متوسطة الحجم لتقله وتقل أتباعه إلى الأرض المقدسة وكان قد تقدم فن الملاحة وكثر التفنن في إحداث السفن الكبيرة والصغيرة وبلغ عدد الأسطول الذي اجتمع في إيكومورت في الحملة الصليبية السابعة ألفاً وخمسمائة سفينة وقد قضى الصليبيون الذين سافروا إلى فلسطين من طريق الأستانة ثمانية أشهر. وما لنا ولتلك الحملات وما قاسته من المتاعب في قطع المساوف فإن أخبار الأفراد الكبراء ومنهم من كانوا يسيحون لأشغال لهم أو للزيارة أحق بالتدوين. فقد كانت الهوادج والمحفات مألوفة لكبار الأغنياء يركبونها في أسراتهم ولهم عجلات ضخمة خاصة بهم غريبة في شكلها وبطئها ومهما كانت البقر التي تجرها قوية فإنها لا تكاد تجتاز بضعة كيلومترات في النهار إلا بشق الأنفس وذلك لوعوثة الطرق وكثرة البطائح ولطالما اضطرت السائحين أن يحملوا على ظهورهم ما كان يحملهم. وقد كثرت الأديار والصوامع في القرون الوسطى في أوروبا فكنت تراها حيثما انقلبت في المدن والقرى تؤوي المسافرين وتطعمهم (على نحو أديار جبال سورية لى اليوم) وإذا دفع المرء من تلقاء نفسه شيئاً من الدراهم للدير الذي أطعمه وآواه فإنما يدفع ما لا يتجاوز القدر الذي كان يلزمه لو نزل في خان أو فندق بعد أن ينزل على الرحب والسعة. ويكفي المؤونة بفضل أصحاب الدير وهذه الأديار على الصورة التي وصفناها تعد والحق يقال أعظم حسنات القرون الوسطى تأتيها تلك الأدباؤ ضاحكة مستبشرة وهي لا تريد ممن تسدي إليهم معروفها جزاءاً ولا شكوراً. ولقد كان الحاج إلى البيت المقدس يدفع في القرون الوسطى خمساً وخمسين دوكاً (سكة ذهبية تختلف باختلاف البلاد) ليركب البحر من مدينة البندقية إلى يافا وذلك ثمن الطعام. وكان المترفون من الفرنجة يتزودون باللحوم والمآكل المغذية كما يحملون الحصر والفرش والخمور والماء وتحمل السفينة مائة راكب. وقد صرفت إحدى السفن سنة ١٤٨١ خمسين يوماً في البحر للسفر من البندقية إلى يافا وفي هذه المدينة يتلقاهم العرب وبعد أن يبقوهم خمسة أيام في مكان رديء يركبونهم الحمير إلى القدس ويحمونهم من البدو ومن الباعة. قال أحد الرهبان ممن رافقوا تلك العصابة ولم يكن العرب يعتدون إلا على المأكولات والمشروبات يطيلون أيديهم عليها ليملؤوا بطونهم. وقد كثر التأنق في السياحات خلال القرن الخامس عشر على كثرة الاضطرابات التي حدثت فيه بحيث أصبحت أساليب النقل أكثر رفاهية من القرون التالية. وشاع على عهد الملك شارك السادس ( ١٣٨٠ ـ ١٤٢٢ ) استعمال الجياد والبغال وكان النساء يركبن رديفات للرجال ومن بعده كثر ولوع الناس بالبغال منذ سنة ١٥٤٠ وصار الناس يسيحون على ظهورها لا فرق في ذلك بين الأساقفة ورؤساء الأديار والحكام ومستشاري المملكة والزعماء. وسهل على الناس إنشاء محطات كثيرة للبريد بين البلاد أن يسيحوا بسرعة. والأثقال (العفش) يحملها الخدم على ركائب أخرى يتبعون ساداتهم وعلى ذلك العهد قل الأمن في الطرق وشاعت الخرافات في فرنسا بما حملت إليها ألمانيا من الأفكار فأصبح القوم يكثرون من الاعتقاد بالسحر والسحرة والطوالع السيئة وشاع أن أصحاب الفنادق على وفاق مع الشياطين ومع ذلك كان القتل يكثر في الفنادق وتزورها الأرواح فيفزع السياح ولا يسع أصحابها أن يأخذوا النازلين فيها إلى دورهم ويوهمونهم بأنهم ما داموا معهم فلا تسطو عليهم الشياطين ويتلاعبون بهم ويستعملون من أساليب الدهاء والجربذة ألواناً فصار القوم يعتقدون أن الفنادق مسكونة بالجن. وفي أواخر القرن الخامس عشر عنيت الحكومة الفرنسوية بالسائحين وأخذت توعز إلى أرباب الفنادق أن يرفقوا بمن ينزل عليهم فحددوا أسعار المآكل والنوم وكتبوها على واجهات نزلهم وكانت الأجور غالية بالنسبة لذاك العصر وكانت فنادق إسبانيا سيئة الحال إذا قيست بالفنادق الفرنسوية وذلك من حيث الوساخة وسوء الخدمة وكآبة الداخل من بنائها والخارج منه. أما فنادق ألمانيا وإيطاليا فكانت أحسن من فنادق تينك المملكتين لكثرة اختلاف السائحين إليها. جاء القرن السادس عشر وقد اشتهرت أوروبا بنهضة الآداب والفنون ولكن الأخلاق بقيت على توحشها على المبالغة في التنطس في إبداء الأفكار. وكلما كان ينتشر الأدب والعلوم والفلسفة واللاهوت والتصوير بين الناس وتصفو النفوس وتسمو لى قمم الحقائق والعظمة والكمال كانت العادات تنحط إلى دركات التوحش فتكثر الحروب والسلب والقتل من أجل أمور تافهة وكل اختلاف في الأذواق يسوى بحد الخناجر وأقل نزاع ديني يكفي لنشوب ثورة في البلاد. يلبس الرجال ثياب الديباج والمخمل ويزين الظرفاء آذانهم بأقراط ويعطرون شعورهم ويمسكون بأيديهم الخناجر وهم يلبسون القفافيز (الكفوف) بسرور يوازي سرور من يحمل آنية الملبس أو يروح بمروحة. أما النساء فكن يكتسين الألبسة الحريرية والأطواق الغليظة اللؤلؤ والزنانير المحلاة بالجواهر ولم تكن تلك الأبهة لتخفي أخلاق الرجولية فيهن بل كن يطلقن العيارات النارية كما يطلقها فرسان الألمان ممن جعلوا إطلاق النار صناعة لهم وعندئذ أخذت الأذواق تتحسن في فرش الدور والقصور وتسير نحو الرفاهية والملائمة بيد أنه لم ينشأ من ذلك تحسين في أسباب السياحة ولا في موارد الفنادق والخانات وظلت على حقارتها على نحو ما كانت عليه في القرون الماضية أو أكثر. وقد كثر إقبال الفرنسيس على السياحة في القرن السادس عشر ومن أهم السياحات التي تؤثر عن ذاك القرن سياحة الرحالة الجسور آرامون فإنه خلف إيضاحات نافعة عن زيارته للأستانة سنة ١٥١٨ ومما أدهشه ما شاهده من حذق بعض أبطال العثمانيين إذ ذاك ورشاقة أيديهم فقال أنه رأى أحدهم بلع بيضة بدون أن يكسرها وبعد ربع ساعة أخرجها سالمة. ووصف القافلة عند منصرفه إلى فارس فقال أنه كان معهم عشرة أعلام وأربعون جملاً وثمانية عشر بغلاً وإحدى عشر دابة أخرى وهودج يقله بغلان وكانوا خمسة وخمسين سائحاً راكبين على أحسن صورة مسلحين سافروا من الأستانة سنة ١٥٤٨ فرجعوا إلى فرنسا في أوائل سنة ١٥٥٠ بعد أن زاروا البلاد العثمانية والفارسية والقدس ومصر. ورحل الرحالة فيليب دي فرسن سنة ١٥٧٢ إلى الأستانة فرأى سوق النخاسة قائمة فيها والإماء والعبيد من أطراف الأرض يعرضون للبيع ومن أراد ابتياع أمة يكشف عن وجهها القناع ولكي يتمكن من معرفة سحنتها وصباغها لا يستنكف عن البصاق عليه ليتأكد فيما إذا كان صبغة أم هو خلقة بلا تصنع. وقد سار في الطريق التي كانت متبعة في القرن السادس عشر للذهاب من فرنسا إلى الشرق براً وهو راغوس ـ نوي بازار ـ اسكوب ـ تاتار بازارجق. ولا يذهبن الفكر إلى أن جميع السائحين كانوا يصرفون وقتاً طويلاً لقطع المسافات فلم يكن جميع الناس كالرحالة مونتين في رفاهيته وبطئه يسيرون على هواهم فإن البارودي لا كارد قضى اثنين وعشرين يوماً للذهاب من الأستانة إلى فونتينبلو في فرنسا وقد عدت هذه السرعة من الغرائب التي يفتخر بها. وبعد أن زار برتراندون دي لابروكيير القدس رجع راكباً من الأستانة إلى فرنسا من طريق بلاد الفلاخ وبلغراد وبست في خمسين يوماً وقف في الطريق أياماً كثيرة. وكثرت على ذاك العهد الرحلات العظيمة فرحل يعقوب كارتيه ثلاث رحلات متوليات إلى كندا وطاف دراك الإنكليزي الهند الغربية وطاف الهولنديان بارنتز وهمسكرك للبحث عن منفذ إلى بلاد الهند من شمالي أميركا وفي رحلتهما أمور نافعة فقد كتبا رحلتهما سنة ١٥٩٦ وكأنهما دوناها أمس بل أنك إذا تلوت ما كتباه يتجليان لك كأنهما الرحالتان المتأخران نوردا لسكيولد ونانسن فقد أعربا فيها آمال كآمال هذين الرحالتين وقاسيا مثل ما قاسيا من قلة الجوع وبرد ونصب. كل هذا والمركبات قليلة فلم يكن في أوائل سنة ١٦٠٠ في باريز سوى أربع مركبات منها واحدة للملك والفنادق فيها مما يضحك ومضى قرنان بعدها والقوم في أوروبا عدتهم البغال والخيل والمركبات وسياحتهم تختلف باختلاف أغراض السائحين ومبلغهم من الشجاعة حتى جاء البخار والكهرباء فقصروا المساوف وسهلا السفر بعد أن كان قطعة من العذاب وبعد أن كانت تصرف الأيام الطويلة في الرحلات ويتعارف الناس إلى بعضهم ويقضون الأيام والليالي في المحادثات أصبحوا الآن يصلون أسرع من البرق الخاطف ولعل الأتوموبيل الذي رغبت النفوس في السفر فيه اليوم بدل السكك الحديدية سيبطل بعد حين كما بطلت العربات والهوادج والمحفات ويرى أبناء أبنائنا ما لا يخطر لنا ببال فقد أصبحت الخانات قصوراً فيها كل ما لذ وطاب والحوافل بعد أن كانت يجرها البقر والخيل أصبحت تجر بقاطرة بخارية. القضاء على الشقاء كتب فريديك بياسي أحد أعضاء مجمع العلوم الأدبية والسياسية في باريز مقالة في الشقاء الإنساني وتخفيف ويلاته أو نزع شأفاته فقال أنه على كثرة الباحثين في تخفيف ويلات الإنسان والكاتبين فيه ما زال الناس يقولون بأن الشقاء إن لم يزد عما كان فهو لم ينقص ولم يوفق أحد من أولئك العالمين إلى فتح دور النعم والرضى العام. ومهما كان من حسن نية واضعي القوانين وواضعي الأدوية فليس من السهل الاهتداء إلى طريقة تنهض الإنسانية من كبوتها المزمنة في يوم وليلة ولا من الهين اللين القضاء على ما يحف بالبشر من الآلام والأوصاب. ومع هذا فلا أزال أقول أن هذه المعضلة ليست مما يتعذر حله وهذا الداء لا بد من شفائه وهو مما يجب على كل ذي ذمة يحترم طبيعته ويهتم لما يلقى عليه من أعباء المسؤولية أن يسعى إلى بلوغ تلك الضالة المنشودة سعيها ويعقد ناصية الأمل بشفاء الداء. ولا يتم ذلك بسن القوانين واتخاذ الذرائع الخارجية للحيلولة دون هذه الويلات لتقف عند حد القشور دون النفوذ إلى اللباب بل لا يرجى الفوز بهذه الأمنية إلا إذا غيرت الأفكار والأخلاق ولا يدخل التغيير والإصلاح اللذان يقللان من الشر ويدفعانه إلا إذا أدخل الإصلاح من الداخل لا من الخارج على من يتألف منهم المجتمع. وما على من يود الوقوف على أسباب هذا الشر والشقاء إلا أن يبحث ويستقصي وعندها يتجلى له فيما إذا لم تكن الأسباب كلها اختيارية ومعظمها مما يدخل في طوقنا ويصدر عن إرادتنا. فإذا صحت إرادتنا وطردنا شيطان الجهل الذي يضل عقولنا وابتعدنا عن الشهوات المفسدة والسيئات والخطيئات المهلكة وكلها مولدة للشقاء فنكون قد قضينا على الداء في موطنه واجتثثنا عرق الفساد من أصله. لا ينبغي الخلط بين لفظتي الشقاء والفقر واختلاف طبقات الناس فالفقر نسبي وليبس من لوازمه أن يكون مضنياً. قد قال البارون روتشيلد الغني المشهو في نحو النصف من القرن الماضي عندما بلغه موت أغادو من أغنياء الإسبان: يا حسرتا على أغادو فقد كنت أظنه في سعة من العيش أكثر من ذلك. وذلك لأنه بلغه أنه لم يترك سوى ستين مليوناً من الفرنكات. وقالت عجوز للفيلسوف جول سيمون عندما زار منازل مدينة ليل للبحث في حالة ساكنيها: الحمد لله على أن لنا أحذية من قش. تريد ذلك تشبيه نفسها بجيرانها الذين قضي عليهم أن يضطجعوا على الأرض بلا غطاء ولا وطاء. ومن المحقق أن الفقر يحالفنا من بعض الوجوه إذ ليس من الناس إنسان إلا ويحرم من الاستمتاع بلذة شريفة ولا يصد عن أمنية مطلبوة. ولكن هذا الحرمان إذا لم يبلغ حده فينا وفي الموجودات التي نعزها لا يمس جوهر الحياة ومتى حصلنا بفضل العمل والعناية الكثيرة اليومية على ما يبلغنا الضروريات إلى حد محدود وأخذنا بحظ من الطعام واللباس والمسكن والمنام لنا ولذوينا. متى حصلنا بفضل الكد على ما نقدر به قدر كفاية أنفسنا بأنفسنا ونستحق به أن نحيا فلا يحق لنا أن نتكلم في الشقاء وإذا فعلنا فنكون قد جلبنا على أنفسنا الإهانة. وما على المرء إلا أن يغتبط وهو في ثيابه القليلة بل وعليه أن يفاخر بها ويباهي بسعادتها إذا كان غنياً عن مسألة أحد على حين لا يظفر بزخارف الحياة الدنيوية والبذخ العالمي إلا بإراقة ماء الوجه ومقاساة الهموم والغموم. الشقاء حالة تصيب المرء بغلطات ارتكبها هو مباشرة أو هو نتيجة سيئة لأغلاط ارتكبها من يلوذ به أو هو عقبى سوء سلوك سببه الجهل والفساد والشهوة والمطامح السيئة وانحلال عرى التضامن فيصير به الإنسان كلاً على غيره عاجزاً مادياً أو أدبياً عن كفاية نفسه وآله تنقطع حيله عن المقاومة وتحرير النفس من ربقة العبودية والانحطاط الذي أصابه أو قبل به فأمسى غريقاً في لجة مزبدة بالنقص الإنساني وما هو إلا الفضيحة والألم والخطر على مجتمعاتنا. بيد أني أكرر ما قلت بأن هذا الانحطاط وذاك التسفل الذي يصيب كثيرين من البشر يسهل تعيين تأثيراته المضنية التي كانت سبباً فيه وإن من السهل وضع الدواء لداء هذه العوارض ما خلا الحوادث والنكبات التي قد يتأتى تخفيف ويلاتها أيضاً. قال الكاتب لابولاي إذا أردت أن تنزح بحر الآلام البشرية فلا تحاول أن تأتي ذلك باتخاذ بعض الكؤوس الكبيرة تجعلها سلاحاً في يد المشرّع فإن البحر تجري إليه المادة على الدوام وخير ما تأتيه أن تحول دون تلك المصادر التي تأتي إليه بالمياه. أصلح الغلط وافثأ سورة الغضب وسدد الأميال الفاسدة واجعل الحكمة عوضاً عن الجنون وحسن الألفة بدل الشقاق وعندها ينزل ذاك البحر اللجي عن معدله بالطبع وتتحسن الحالة العامة. ولنفهم هذه النصيحة ولننظر ما هي تلك المجاري والأنهار التي تجري إلى ذاك البحر الذي لا يغاث الناس فيه ويهلك من يهلك. فالحرب هي أول المدمرات والمهلكات. أما الحرب فلا أحاول أن أقضي عليها بعد الذي علم من تنافس الأمم فيما تتخذه من أسباب الحذر والحيطة. وما دام يخشى شر الحريق فلا أحسن من الاستسلام الآن على أصحاب المضخات ودفع مبالغ لضمانة البيوت والمحال وإذا لم نؤد إليهم ما يلزم لإعالتهم فلا نلومن إلا أنفسنا ولعله يقال بأن المال الذي يصرف في هذا السبيل فاحش ولكن إذا توصلنا إلى إلغاء الخطر فلا معنى إذ ذاك للإنفاق على الضامنين وأرباب المضخات وإذ أن خطر الحرب صعب تقليله وهي مخاطرة يمكن توقي الوقوع فيها أكثر من خطر الحريق لأن الحرب توقد نارها الحكومات والأمم فهي ذاً شر لا يجري دائماً بالرضى لأن كثيراً ما يتحمل الناس مصائبها مكرهين وما الحرب إلا صناعية تضمحل ذات يوم فتصل الأمم بكثرة ما تعلمها التجارب إلى درجة تعلم معها أنها لا تربح شيئاً من تحاسدها وإلحاق الأضرار وأن الأريح لها أن تحترم أنفسها وتتعاون وما يقال في تحاسد الأم ومنافستها وتباغضها يقال أيضاً في الأحقاد الاجتماعية وشدتها وما سبب ما نرى من بوادي الحرب وبواردها مهما كان من تجليها أو خفائها بين الأمم والجماعات إلا أننا نعتقد في الغالب بأن الأغراض والحقوق متغايرة ويصعب بث روح السلام فيها لأن عظمة الأمة وقدرتها وثروتها تتجلى لنا كأنها غنائم قضي علينا أن نتضارب من أجلها وليست إرثاً عاماً عهد إلينا تنميته بحسن العشرة والمعونة المتبادلة فبدلاً من أن نفتح تخومنا للتجارة لتأتينا بما ينقصنا من الغلات ونفتح لنا مصارف نصرف فيها ما يزيد عندنا منها لا نفكر إلا في وضع العقبات في تلك التخوم لأنا موقنون بأن الواحد إذا كسب يلزم عليه أن يخسر الثاني وهذا لأننا لا تعلم أن رأس المال هو ثمرة العمل وبذر لا يحفظ وينمو إلا إذا استجال إلى أجور وبذلك يضم إلى العمل المنتج قوة أخرى تقضي قضاءها على الهموم والأحقاد. ألا فلنصلح الأفكار والعدل والإحساس لنحكم الرضا والمعونة المتبادلة بدلاً من التخوف والحسد. ليس ثمة غير الخطيئات العامة كعداوة الأجناس بعضها لبعض وعداوة أهل اللغات المتباينة وعداوة الدين وعداوة الطبقات وهناك خطيئات شخصية كلما زادت تصبح خطيئات عامة ولا تبقى قاصرة على فاعليها. كان علماء الأخلاق هم المتشددين سابقاً في النقمة على انتشار المسكرات والموبقات ولكن من منا اليوم لا يشعر بما شعروا هم به من قبل ونددوا بسيئاته. ليست الحكومات وحدها هي التي تبوء بتبعة إكثار الضرائب على الناس كما قال فرنكلين بل هناك ضرائب كثيرة وضعناها بأنفسنا على عواتقنا وذلك إن كسلنا يتقاضانا مما يعادل تلك الضرائب وشراهتنا تسلبنا ضعفي ذلك وعُجبنا ثلاثة أضعافه. وهناك سلسلة من سلاسل المصائب الإنسانية هي هي سبب البلاء واللأواء وأعني بها الخصومات وضروب القسوة وسوء معاملة النساء والأولاد والأمراض التي تنجم عن الخصومات وقلة العفة وضعف البصر ورجفان اليد وأعمال تؤدي بفاعلها إلى الجنون وتضعف الجنس وتورث الأبناء بجهل الآباء أمراضاً يجنيها عليها آباؤهم. ولا تنس أن تذكر في تلك السلسلة نهب الوقت والمال وصرفهما في الملاذ والبذخ والإسراف وما يصرف في الحفلات والأعياد مما جمع بعرق القربة وإنهاك القوى وكذلك ما يجري في سباق الخيل فإن أدعى قوم بأن السباق نافع للجياد فهو ولا جرم غير نافع للناس. وسواء كان المرء بيده شقاؤه أم لم يكن وهو به جدير أم لم يكن فينبغي النظر إلى الأصل فيه فإن من الناس من يقولون بأن للأقدار أيضاً يداً في الشقاء وإسعاد السعيد وذلك لأن العوارض والأمراض والمصائب هي التي تحمل على البيوت فتخربها وتعبث بالنفوس فتشقيها. أما أنا فأقول أن معظمها صادر عنا ونتيجة لازمة لسيئاتنا. نحن لا نحسن تناول الغذاء وجعل نسبة بين طبيعة الأغذية اللازمة للقوة العضلية والعصبية والدماغية وبين كميتها. نحن لا نحسن لبس الثياب ولا نجيد التصرف ولا نُعنى بأمور الصحة والنظافة المطلوبة واستجادة الهواء والمسكن الذي يقينا التعرض لضروب الأدواء نحن وعيالنا. لا نحسن انتخاب دور نسكنها وأهلنا بحيث تضمن لنا الهواء النقي والتعرض المطلوب للنور الذي يلقي الحياة. ولا تحفل بالأسباب المختلفة اللازمة للرفاهية كل حين وبدونها تهزل الحياة ولا تنمو ويصبح المرء عرضة للأمراض على اختلاف أنواعها كالحميات الطفحية والرمد والخناق والسل. ومتى دققنا النظر في الشؤون وأعملنا العناية معملها نجد أننا لو أحسنا العناية والحذر والعلم لكنا نجونا من تلك السيئات والنزلات. بقي هناك شيء لا ينبغي لنا أن نغلو فيه لأنه قليل وأعني به المصائب التي لا ضامن من الوقوع فيها كالأمراض التي تصيب أعقل العقلاء وأكبر أرباب الانتباه. هناك الموت الذي لا ينجو منه إنسان والحريق الذي لا يكون أبداً نتيجة سوء التدبير. والغرق والفيضانات والمقذوفات وسقوط السكك الحديدية. فهذه المصائب لا ينفع فيها إلا التسليم وهذا ما أعنيه بتولي القضاء على الشقاء لا تلك الضروب من الحوادث التي ليست في الحقيقة مادة الشقاء وأس أساس كل بلاء. على أنها ليست كلها مما يتعذر شفاؤه بل أن العلم بما بلغه من الارتقاء قد أحدث أساليب كثيرة لاستئصال شأفة تلك المواد فإذا لم تستطع أن تمنعها كلها ففي وسعك على الأقل أن تقلل صدماتها وتعدل من نتائجها. نعم إن الحذر قد لا يمنع من قدر. ولكن ليس هناك ما يمنع من التوقي منه بأن يبذل في سبيله ما لا بد منه من العناية ما أمكن. والضمان إذا لم يحل دون حرق العقار وضياع السفينة والموت بأخذ المرء من وسط أشغاله وعياله فهو على الأقل يهيئ السبل لإعادة بناء البيت وفتح المعمل والاستعاضة عن تلك السفينة فلا يدخل المرء إلى داره مع الحزن والخراب والفضيحة فيكون قد أتى بحشف وسوء كيلة. وما أسباب الشقاس في الحقيقة إلا نتيجة أغلاط ناشئة من الجهل وأغلاط ناشئة من سلوك إذا تدبرنا مصيرها وتعلمناه وكانت لنا إرادة في إصلاح النفس كان في الإمكان الخلاص من الشقاء. فالمسألة متوقفة على قليل من المعرفة وقليل من الإرادة فعلينا أن نثير بصائرنا وبصائر غيرنا. والإرادة الثابتة تحول دون الشقاء. وجماع النجاح في ثلاث كلمات: المعرفة والإرادة والقدرة. والعلم والإرادة تولدان القدرة. ويقول تولستوي: إن داء الدواء لا يخرج عنا وليس هو محصوراً في تدابير الإدارة التي تتخذها الحكومات ولا في إدخال الإصلاح على المجتمع بطريقة عرفية قاسية وما الدواء إلا بيدنا بل القسم الأعظم منه فينا فإذا أريد تحسين حالة الإنسانية فالواجب أولاً تحسين حالة الإنسان. وربما قام المشككون وقالوا وهل في الاستطاعة تغيير الناس فنقول لهم نعم نحن نستطيع تغييرهم بتأن ويجب علينا أن نسعى إلى تغييرهم وهذا في الإمكان. الرومان وصف إيطاليا شعوبها القديمة — سكنت إيطالي عدة أجناس من الأمم لم يتحدوا في عاداتهم ولغاتهم فكان يعتبر السه لالعظيم الشمالي بين جبال الألب والأبنين جزءاً من إيطاليا وهناك نزل شعوب من الغاليين أتوها من الشمال. فكان الأتروسكيون ينزلون في البلاد الواقعة بين جبال الأبنين والبحر (هو إقليم توسكانيا) إلى نهر التيبر وفي جنوبه ينزل اللاتين. ولقد سكنت قبائل كثيرة في جبا الأبنين الوعرة وراء السهول الرومانية في الشرق والجنوب ولم تدع كل هذه الشعوب باسم واحد ولم تؤلف أمة واحدة بل كانت تنقسم لى أومبريين وصابنيين وفولسكيين وإيكيين وهرنكيين ومارسيين وسامنتيين ولكنهم يكادون كلهم يتكلمون بلغة واحدة ويعبدون أرباباً واحدة ولهم عادات واحدة. يتكلمون كالفرس والهنود واليونان بلغة آرية ولبعدهم وراء جبالهم عن الاختلاط بغيرهم احتفظوا بعاداتهم القديمة وعاشوا عصابات مع قطعانهم مشتتين في الخلاء ولم يكن لهم مدن ولا حواضر بل كانوا يلجؤن زمان الحرب إلى حصون أقيمت في الجبال وقد عرفوا بالشجاعة والقتال وبسلامة الأخلاق ومتانتها وكان منهم بعد حين أعظم قوة للجيش الروماني وفي أمثالهم: من يستطيع أن يتغلب على المارسيين أو أن يغلب بدونهم جاء في إحدى أساطيرهم أن الصابنيين نزل بهم خطب فادح فاعتقدوا أن الأرباب ساخطون عليهم فعقدوا العزم على أن يسكنوا غضبها وأن يقدموا ضحية إلى رب الحرب والموت كل من يولدون من الأولاد في إحدى فصول الربيع. ودعيت الضحية الربيع المنذور فأصبح جميع الأطفال الذين وضعتهم أمهاتهم تلك السنة ملكاً للرب حتى إذا بلغوا سن الرجال غادروا البلاد وبعدوا عنها إلى القاصية فتألفت عصابات فاختارت كل عصابة أحد حيوانات إيطاليا المقدسة دليلاً من مثل الصرد والذئب والثور وهي تتبعه كأنها تتبع مرسلاً من الرب وحيثما وقف الحيوان تنزل العصابة وتتخذه موطناً لها. وقيل أن عدة شعوب من إيطاليا كان أصلها من تلك الأسرات من النازحين وما زالت محافظة على اسم الحيوان الذي كان أجدادها اتبعوا آثاره في القديم وذلك مثل الهربينيين (شعب الذئب) والبيسانتينيين (شعب الصرد) والسامنتيين وكانت عاصمتهم تسمى بوفيانوم أي مدينة البقرة. السامنتيون: كان السامنتيون من أقدر تلك الشعوب وقد سكنوا في إقليم الأبروز وهو معصى حقيقي فينزلون إلى السهول المخصبة في نابلي وبويل وينهبون المدن الأتروسكية والمدن اليونانية. جاهدوا قرنين في الرومانيين فكانوا كل مرة يردون على أعقابهم خاسرين إذ لم يكن لهم موطن ولا نظام ثم يعاودون القتال. وكان جهادهم الأخير شديداً. ولقد أتى شيخ إلى زعماء الجيش بكتاب مقدس كتب على نسيج من الكتان فأقاموا داخل المعسكر سوراً من نسيج الكتان وجعلوا في وسطه مذبحاً والجند واقفين من حوله شاهرين سيوفهم فيدخل أشجع المحاربين إلى السور وتؤخذ عليه العهود أن لا يهربوا من الزحف أمام العدو وأن يقتلوا المنهزمين فأخذ من أقسموا الإيمانات المغلطة وكانوا ستة عشر ألفاً ألبسة من الكتان فتألف منهم (كتيبة الكتان) وشرعت في القتال فقتلت عن آخرها. يونان إيطاليا: سكن إيطاليا الجنوبية طواريء من اليونانيين كما سكن بعضهم مدينة سيباريس وكروتون وتارانت وقوي فيها أمرهم وكثر سوادهم. بيد أن اليونانيين لم يلقوا بأنفسهم قط إلى الوقوع في التهلكة إذ لم يقصدوا رومية خوفاً من الأتروسكيين وما عدا مدينة كومس فإن المستعمرين من أبناء يونان كانت لهم إلى القرن الثالث صلات قليلة مع الرومانيين. الأتروسكيون: أطلق اسم الأتروسكيين إلى الآن على أقليم توسكانيا فسمي تروسكي وهو إقليم حار رطب مخصب للغاية. وظلت حال الأتروسكيين إلى الآن طلسماً من الطلاسم لم نفكه فهم لم يكونوا يشبهون جيرانهم ولا يعلم من أين أتوا بل أننا لا نعرف اللغة التي كانوا يتكلمون بها إلا أن أبجديتهم تشبه أبجدية اليونان ولكن الآثار التي عرفت عن هذا الشعب قصيرة لا نتمكن معها من استثبات لغتهم. كان الأتروكسيون يحسنون استخدام أرضهم في الزراعة على أنهم عرفوا بالبحارة والتجارة أيضاً وكانوا يذهبون كالفينيقيين إلى البلاد القاصية للبحث عن عاج الهند وعنبر البلطيق وعن القصدير والأرجوان الفينيقي والحلي المصرية المكتوب عليها حروف هيروغليفية وعن بيض النعام. وإنك لتجد من جميع هذه الأشياء في قبورهم. وكانت سفنهم تتقدم نحو الجنوب حتى جزيرة صقلية. وقد كان اليونان يكرهونهم ويدعونهم (التيرينيين المتوحشين) أو القرصان الأتروكسيين. وكل بحار في تلك العصور ساعدته الأحوال يأتي منه قرصان بحر فكان من مصلحة الأتروسكيين خاصة أن يردوا البحارة اليونان ويصدوهم ليخلوا لهم الجو في الشاطيء الغربي من إيطاليا ويستأثروا بتجارته. ولم يبقوا من آثارهم إلا حوائط حصينة وقبوراً وعندما فتح قبر أحد الأتروكسيين تشاهد وراء باب ذي عمد غرفاً فيها سرر وقد امتدت عليها جثث وحواليها حلي من الذهب والعاج والعنبر وأقمشة الأرجوان وفرش وأوان كبيرة منقوشة ما الجدران فيرسمون عليها صور حروب وألعاب وولائم ومشاهد غريبة. وإن ما استخرج من القبور بالألوف هومن صنع الأتروسكية فازدانت به متاحفنا وصنع على مثال الأواني اليونانية هو من صنع الأتروسكيين أنفسهم وفيها مشاهد ميثولوجية يونانية ولا سيما صور الحروب التي جرت حول طروادة والأشخاص ناتئة حمراء على صفيح أسود وقد أسس الأتروسكيون فقي طوسكانيا اثنتي عشرة مدينة ولكل منها ملكها وحكومتها وكان لهم من الجانبين مستعمرات فلهم اثنتا عشرة مستعمرة في إقليم كامبانيا في جوار نابولي واثنتا عشرة في سهل البو. ديانتهم — اعتقد التروسكيون بأرباب جبارين وربما كانوا أشرارً وأرقى أولئك الأرباب الأرباب المستورون المجهول أمرهم ثم يجيء بعدهم الأرباب الذين يرسلون الصاعقة وعددهم اثنا عشر رباً يؤلفون مجلساً لهم ويعتقدون أنه يقيم تحت الأرض في مدافن الأمواب أربائب مشائيم وكثيراً ما كانوا يمثلون صورهم على أوان من صنع أيديهم فيمثلون ملك الجحيم المدعو مانتوس في صورة جبار مجنح جالس وتاج على رأسه ومشعل بيده كما يمثلون شياطين آخرين مسلحين بسيف ومطرقة والحيات يقبضون عليها بأيديهم وهم يتلقون أرواح الموتى وأهمهم الشيطان شارون المعروف عند اليونان بهذا الاسم أيضاً وقد تخيلوه على صورة شيخ ذي هيئة قبيحة يحمل مطرقة ثقيلة ليضرب بها ضحاياه. ويعتقدون أن أرواح الموتى وتسمى (المان) تخرج ثلاثة أيام في السنة من مقرها في عالم الظلمات وتطوف الأرض تروّع الأحياء وتؤذيهم فيقدم لهم الأتروسكيون ضحايا بشرية تسكيناً لغضبهم لأنهم يحبون الدم. وكانت معارك المصارعين المشهورة التي اصطلح عليها الرومان ضحايا دموية إكراماً للميت في أصل نشأتها وكان للعرافين الأتروسكيين الذين دعوا بالهاروسبيسيين أو أهل الفل قواعد يجرون عليها للتنبؤ عن المستقبل فيرصدون أحشاء الضحايا كما يرصدون الصاعقة وطيران الطير فيقف العرف ويدير وجهه نحو الشمال ماسكاً بيده عصا معقوفة ويخط خط يقطع به السماء شطرين فشطر الشرق وهو على اليمين يكون فأل خير وفأل الشمال يكون فأل شرهذا اشبه بالسانح ثم يقطع الشطر الأول على قطع الصليب ويؤلف خطوطاً متوازية يكون منها في السماء شكل مربع يدعونه المعبد فيرمي العرّاف ببصره إلى الطيور التي تمر في ذاك المربع فبعضها كالنسر علامة خير وأخرى كالبومة طالع شؤم. ولقد تنبأ الأتروكسيون عن مستقبلهم بأنفسهم فهم الشعب الوحيد من بين الشعوب القديمة الذي لم يعتقد بأنه خالد وكانوا يقولون أن بلادهم يدون أمرها عشرة قرون وهذه القرون لم يكن كل واحد منها مؤلفاً من مئة سنة ولا تعين مدة القرن إلا بعد أن يجري له فأل. ففي سنة ٤٤ وهي سنة وفاة قيصر ظهر في السماء نجم مذنب فقال أحد العرافين من الأتروسكيين في رومية في جمع من الأمة أن هذا النجم يشير إلى نهاية القرن التاسع وابتداء القرن العاشر وهو آخر قرن يستقيم فيه أمر الأتروسكيين. نفوذ الأتروسكيين — كان الرومان أمة نصف متوحشة فاقتدوا كثيراً بالأتروسكيين وهم أكثر منهم تمدناً وأخذوا عنهم بعض المصطلحات الدينية خاصة مثل ألبسة الكهنة والحكام والشعائر الدينية وعلم معرفة الغيب وزجر الطيور وعندما كان الرومانيون يؤسسون مدينة يجرون على شعائر الأتروسكيين فيخط المؤسس لها بالمحراث سوراً مربعاً وللمحراث سكة من النحاس يجرها ثور أبيض وبقرة بيضاء فيتبع الناس المؤسس ويلقون بمزيد من العناية جميع مدر الأرض من ناحية السور وتصبح كل الهوة التي يشقها المحراث مقدسة لا يستطيع أحد أن يتعداها للدخول في السور ولذلك اقتضى أن يقطع المؤسس تلك الأثلام أو الهوى المقدسة من عدة مواقع فكل مكان يتخطاه المحراث يفتح فيه باب وكل فرجة لم تمسسها السكة تبقى غير مقدسة وتكون باباً يسوغ منه الدخول. ولقد أسست رومية بحسب هذه المراسيم الدينية وكانت تسمة رومية المربعة ويقولون أن مؤسسها قتل أخاه عقاباً له عن تجاوزه السور المقدس الذي خطه ثم جرى الاصطلاح أن تخطط أسوار المستعمرات والمعسكرات الرومانية بل وحدود المساكن بحسب هذه القواعد الدينية وبخطوط نصف هندسية. وكان دين الرومانيين من أصل أتروسكي فنقلوه إلى أرجاء العالم القديم بأسره ولذلك حق لآباء الكنيسة أن تسمي بلاد الأتروسكيين أم الخرافات اللاتينيون — نزل اللاتينيون في بلاد الآكام والشعاب الواقعة جنوبي نهر التيبر وهي يطلق عليها اليوم اسم برية رومية وكانوا قليلاً عددهم ولم تكن مساحة البقعة التي يسكنونها أكثر من ٢٧٠ كيلومتراً مربعاً وكانوا من عنصر واحد كسائر الطليان يشبهونهم باللغة والدين والأخلاق ولكنهم يفوقونهم بالتمدن بعض الشيء يزرعون الأرض ويبنون المدن الحصينة وينقسمون إلى شعوب صغيرة مستقلة ولكل شعب أرضه الخاصة به ومدينته وحكومته وتدعى تلك المملكة الصغيرة مدينة. ولقد قامت ثلاثون مدينة لاتينية فألفت منها مجتمعاً دينياً يشبه مجتمع الأمفكتيون اليوناني وأخذوا كل عام يحتفلون احتفالاً عاماً بعيد لهم وتندب كل مدينة عنها من يمثلها في مدينة ألب فيذبحون صوراً ضحية للرب المشترك بينهم وهو كوكب المشتري اللاتيني. وقفة في الأجداث حاطت بليل اليأس مني غياهب تضيءُ من الآمال فيها كواكب وجاءت أخيراً من همومي سحائب فحجبت الآمال تلك السحائب فما بان لي إلاّ شبحاً متكاثف ولا لاح لي إلاّ دجلاً متراكب فيا لك من ليل هناك حالكٍ بأهواله ضاقت عليّ المذاهب وطال إلى أن لاح لي في سمائه على الأفق فجرٌ من رجائي كاذب اقول لعيني حين جفت دموعها أأمسكت لما أفجعتنا النوائب لقد غاب من تهوين مرأى وجوههم كأنهم زهر النجوم الغوارب وما كان ظني أنه بعد ساعة تجف كذا منك الدموع السواكب جمودك يا عيني وقد وقع النوى على غير ما وعدٍ لهم لا يناسب وأني على هذا الجمود وطوله ألومك يا عيني وإني عاتب فلست براض عنك يا عين بعدهم لأنكِ ما أديتِ ما هو واجب وللقلب مني بعد أن كرّ راجعاً وقد رحلت أظعانهم والركائب عهدتك تمشي أيها القلب خلفهم فقل لي لماذا أنت يا قلب آيب سألتك يا قلبي عن السبب الذي رجعت له إني لعودك عاجب فما لك تجثو راجفاً متغيراً وما لك ترنو ساكتاً لا تجاوب أجئت تعزيني لأني آسفٌ وإني مفجوعٌ وإني خائب فقال بصوت هزَّ أوتاره الأسى فرنت رنيناً أكبرته المصائب تبعتهم حتى ثووا في حفائر وحجبهم عني من الترب حاجب وقفت على الأجداث حيث تغيبوا وصحت فما ردَّ الجواب مجاوب فجئتك كيما أخبر الحال أنها شجتني فمرني بالذي أنت طالب ورأيي أن نسعى معاً لقبورهم فقلت له يا قلب رأيك صائب أصبت نعم يا قلب فيما رأيته فلي بني هاتيك القبور مآرب تقدَّم أمامي ماشياً لتدلني عليهم فسرنا والحنين مصاحب فلما وصلنا ساء عيني أن ترى هنالك أجداثاً عفاهن حاصب سطور قبور في العراء تناسقت كما نمق العنوان في الطرس كاتب قبورٌ بها نامت أوانس خرَّدٌ ونامت بها في جنبهن الذوائب فجاشت هناك النفس من لاعج الجوى وقلت لهاتيك القبور أخاطب هنا فيك قد غابت حسان كواعب فما فعلت تلك الحسان الكواعب وما فعلت تلك السوالف في الثرى وما فعلت في الترب تلك الترائب إلى من تشير اليوم فيك عيونها وفوق العيون النجل تلك الحواجب نجوم جمالٍ أمعنت في غروبها وأنت لهاتيك النجوم المغارب وكانت مشيدات القصور بروجها فمن أين جاءتها تصيب المعاطب لقد كنّ أما ودهن فحاضرٌ قريبٌ وأما صدهن فعازب وفي كل يوم كان للزي مطلبٌ لهن تجلى منه فيما يناسب ولكنكما اليوم انتهت لتعاستي بثوب الأكفان تلك المطالب وكنَّ كأزهار الربيع مبادياً أهذي لهاتيك المبادي عواقب قد انتزعتها من حياتي يبد الردى كما ينهب العقد المفصل ناهب هنالك جادت أعيني بدموعها فهن على الخدين مني سوارب هنالك من نفسي وصدق طويتي تمنيت لو أن المنون تقارب نظرت إلى قلبي وكان بجانبي إذا هو من فرط الكآبة ذائب فلملمت ذوب القلب ثم سكبته على جدث فيه حبيبي غائب وألفيت في نفسي العزاء كمعبدٍ قد انهدَّ منه جانب ثم جانب وفارقني لبي لهيبة مصرعي فأبعد عني في الفلا وهو هارب وجدت على الأيام والطب والغنى وقلت لهم إني عليكم عاتب وأوحشت الدنيا كأن بيوتها بعيني وإن كانت قصوراً خرائب مكثت إلى أن أقبل الليل زاحفاً وأظلم منه في عيوني الجوانب فأبت لي داري وفي شعب الحشى لهيبٌ من الحزن المبرّح لاهب وليس معي في أوبتي لا نهىً ولا عزاءٌ ولا قلب لشخصي صاحب سوى نفس في الصدر مني مردد فذلك طول الليل آت وذاهب ستبسم في وجهي المنون كأنّها محب يسي أو صديق يراقب وتدركني قبل الصباح ونهضه فأنجو من الهمّ الذي هو ناصب الصديق المطاع علام حرمنا منذ حين تلاقيا أَفي سفرٍ أم كنت لاهيا عهدناك لا تلهو عن الخلّ ساعةً فكيف علينا قد أطلت التجافيا ومالي أراك اليوم وحدك جالساً بعيداً عن الخلان تأبى التدانيا أنابك خطبٌ أم عراك تعشق فإني أرى حزناً بوجهك باديا وما بال عينيك الاتين أراهما تُديران لحظاً يحمل الحزن وانيا وأي جوىً قد عدت أصفر فاقعاً به بعد أن قد كنت أحمر قانيا تكلم فما هذا الوجود فإنني عهدتك غرّيداً بشعرك شاديا تجلد تجلد يا (سليم) ولا تكن بما ناب من صرف الزمان مباليا ولا تبتئس بالدهر إن خطوبه سحابة صيف لا تدوم ثوانيا فقال ولم يملك بوادر أدمع تناثرن حتى خلتهن لئاليا لقد هجبتني يا (أحمد) اليوم بالأسى وذكرتني ما كنت بالأمس ناسيا أتعجب من حزني وتعلم أنني قريع تباريج تشيب النواصيا لقد عشت في الدنيا أسيفاً وليتني ترحلت عنها ولا عليّ ولا ليا لقد كنت أشكو الكاشحين من العدا فأصبحت من جور الأخلاء شاكيا وما رحت أستشفي القلوب مداوياً من الحقد إلا عدت عنها كما هيا وداريت حتى قيل لي متملق وما كان من داء التملق دائيا وحتى دعاني الحزم أن خلّ عنهم فإن صريح الرأي أن لا تداريا وربّ أخٍ أوقرت قلبي بحبه فكنت على قلبي بحبيه جانيا أراد انقيادي للهوان وما درى بأني حر النفس صعبٌ قياديا إذا ما سمائي جاد بالذل غيثها أبيت عليها أن تكون سمائيا ألا فابك لي يا (أحمد) اليوم رحمة ودعني وشأني والأسى وفؤاديا فإن أحق الناس بالرحمة امرؤٌ أضاع وداداً عند من ليس وافيا وما كان حظي وهو في الشعر ضاحكٌ ليظهر إلاّ في سوى الشعر باكيا ركبت بحور الشعر رهواً ومائجاً وأقحمت منها كل هول يراعيا وسيرت سفني في طلاب فنونه وألقيت في غير المديح المراسيا وقلت اعصني يا شعر في المدح إنني أرى الناس موتى تستحق المراثيا ولو رضيت نفسي بأمرٍ يشينها لما نطقت بالشعر إلاّ أهاجيا وكم قام ينعي حين أنشدت مادحاً إليّ الندى ناع فأنشدت راثيا وكم بشرتني بالوفاء مقالةٌ فلما انتهت للفعل كانت مناعيا فلما بكى أمسكت فضل رداءه وكفكفت دمعاً فوق خديه جاريا وقلت له هون عليك فإنما تنوب دواهي الدهر من كان داهيا وما ضر أن أصفيت ودك معشراً من الناس لم يجنوا لك الود صافيا كفى مفخراً إن قد وفيت ولم يفوا فكنت الفتى الأعلى وكانوا الأدانيا لعلَّ الذي أشجاك يعقب راحةً فقد يشكر الإنسان ما كان شاكيا ألا رُبَّ شر جرَّ خيراً وربما يجر تجافينا إلينا التصافيا فلو أن ماء البحر لم يك مالحاً لرحنا من الطوفان نشكو الغواديا ولولا اختلاف الجذب والدفع لم تكن نجومٌ بأفلاكٍ لهن جواريا وكيف ترى للكهرباء ظواهراً إذا هي في الإثبات لم تلق نافيا تموت القرى إن لم تكن في تباين ويحيين ما دام التباين باقيا فلا تعجبن من أننا في تنافر ألم تر في الكون التنافر ساريا وهبهم جفوك اليوم بخلاً بودهم ألم تغن عنهم إن ملكت القوافيا فطرْ في سموات القريض مرفرفاً واطلع لنا فيها النجوم الدراريا فأنت امرؤٌ تعطي القوافي حقها فتبدو وإن أرخصتهن غواليا يجيئك عفواً إن أمرت شرودها وتأتيك طوعاً إن دعوت العواصيا فقال وقد ألقى على الصدر كفه فشدّ بها قلباً من الوجد هافيا لقد جئتني بالقول رطباً ويابساً فداويت لي سقماً وهيجت ثانيا فإني وإن أبدى لي القوم جفوة أُمني لهم مما أحب الأمانيا وما أنا عن قومي غنياً وإن أكن أطاول في العز الجبال الرواسيا إذا ناب قومي حادث الدهر نابني وإن كنت عنهم نازح الدار نائيا وما ينفع الشعر الذي أنا قائلٌ إذا لم أكن للقوم في النفع ساعيا ولست على شعري أروم مثوبة ولكن نصح القوم جل مراميا وما الشعر إلا أن يكون نصيحة تنشط كسلاناً وتنهض ثاويا وليس سري القوم من كان شاعراً ولكن سري القوم من قام هاديا فعلمهم كيف التقدم في العلى ومن أي طرق يبتغون المعاليا وأبلى جديد الغي منهم يرشده وجدد رشداً عندهم كان باليا وسافر عنهم رائداً خصب نفعهم يشق الطوامي أو يجوب المواميا وإن أفسدتهم خطة قام مصلحاً وإن لدغتهم فتنة قام راقيا التربية والتعليم تهذيب البنات كنا منذ مدة نقرأ في إحدى المجلات الفرنسوية المصورة أن في فرنسا خمسة آلاف كاتبة وأديبة ما منهن إلا وقد ألفت كتاباً أو كتابين وخاضت عباب الأدب إلى الركب وقلبت القلم بيدها كل مقلب وما كدنا ننسى هذا الارتقاء الغريب ونتمنى لو كان لهذه البلاد جزء من مئة جزء منه فقط حتى وافتنا مجلة التعليم الدولية تحمل في صدرها بحثاً ضافياً لإحدى تلكن الأديبات العالمات العقيلة هيلانة مونيز أفاضت في وظائف المرأة الفرنسوية وقصورها فقالت: من الأسف أن بعض النساء يذهبن إلى أنهن لا يعملن عملاً نافعاً في المجتمع إلا إذا خرجن عما قدر لهن من الأعمال ودخلن في سلك أعمال الرجال وتعاطين الصنائع الحرة. يزيد كل سنة عدد الأديبات والعالمات ومتعاطيات الصنائع الحرة فنفقد بهن ما كان يرجى منهن أن يأتينه في الحياة الاجتماعية من المساعدة على تبديل حال البلاد أحسن مما هي عليه. إن نساءنا لا يدركن في العادة معنى الحياة الاجتماعية ولا خطارتها فيتخيلن أنهن لا يقدرن على الاشتراك فيها إلا إذا دخلن غمار السياسة فأصبحن منتخبات ومنتخبات ونائبات ووزيرات وكان عليهن أن يتخلين عن هذه التصورات وينصرفن إلى حماية الأطفال وبذلك يخدمن جنسهن ويسهرن عل مستقبله ويمددن يد معونتهن للبائسين وفي هذا حل للمسألة الاجتماعية. ليس من الغريب أن أقول أن تهذيب البنات من حيث الوجهة الاجتماعية هو أهم من تربية البنين وذلك لأن الشاب إذا خرج من المدرسة يستطيع إتمام دروسه بإعداد نفسه للأعمال التي يتعاطاها ويقوي عقله بدروس التجارب التي تأتيه بها الحياة وعلى العكس في الفتاة إذا تعلمت وأتمت دروسها وقد تكون من بنات العملة أو من أهل اليسار فلا تعود تتعلم شيئاً إلى حين زواجها والغالب أن أسرتها وزوجها تتضرران من قلة اختبارها إذا انقطعت سلسلة تعلمها. إن الدروس التي تلقتها في المدرسة تشبه الدروس التي يتعلمها الفتى ولكن ما يقضي عليها تعلمه أكثر من غيرها لم تتعلمه ونعني به كيفية إرضاع الطفل وحفظ صحة المولود فإذا رزقت ولداً لا تحسن تربيته لنقص في مواد تعليمها وإذا كانت موسرة فإنها لا ترضع ابنها في الغالب وكثيراًً ما تخالف القانون الذي يقضي عليها بأن ترضع طفلها إلى الشهر السابع من عمره فتجلب له مرضعة عتق لبنها فتؤذيه لا محالة. البنات عندنا يتعلمن في المدارس واجباتهن نحو آبائهن وأمهاتهن أسرهن ووطنهن ولكنهن لا يلقن أن أهم واجباتهن الأدبية أن يرضعن أولادهن ويربينهم ليقينهم من العوارض بتقوية أبدانهن وبذلك يخدمن البلاد بأن يعطينها قوة أخرى زيادة على قوتها. فإن كان تهذيب الفتيات لا يعدهن عندنا إلى أن يشغلن في بيوتهن العمل الذي خلقن له فمن المتعذر أن يرجى أن يعنين بغير أبنائهن فإن ما جرى عند ما أريد إشراك النساء في حماية الأولاد يسجل بالأسف وكان على النساء أن يدركن أن محبة الوطن ليست بالأعمال الحماسية بل أن تنوب المرأة ولو ساعة واحدة مناب أم طفل طرحته أمه أو ماتت عنه. ولا أنكر أن ما جبل عليه قلب المرأة من الشفقة هو غريب وإخلاصها لا حد له. ومن عني المربيات والمعلمات والتلميذات والفتيات والأمهات بالمسائل الاجتماعية الكبرى ومددن أيديهن للبذل في الأمور الخيرية العامة أو الخاصة وشاركن في الخيرات والمقومات نستطيع أن نقاوم جميع الأخطار التي تتهدد عنصرنا كالضعف من البؤس وكثرة موت الأطفال والسل والكحول. برنامج التعليم عندنا غير ناقص ليزاد فيه مواد أخرى ولكنه يجب تخفيفه وحذف بعضه فإن العناية في مدارسنا متوفرة اليوم لتوسيع حواس بناتنا العقلية ولم تصرف لتحسين ملكاتهن الأخلاقية. نعم إن فلسفة الأخلاق هي أساس تعليمهن ولكن هذه الأخلاق هي بالنظريات أشبه منها بالعمليات وهي أرقى من أن تتغلب على ما يستولي على نفوس الفتيات في سني الدراسة الأولى من أنواع التعاليم فينبغي إشراب قلوبهن الشفقة فإن الشفقة كما قال أحد علماء الأخلاق من الألمان تزيد وتتضاعف. يجب أن نعلم بناتنا أن كل فلسفة تؤدي إلى إنكار فعل الخير فلسفة كاذبة خطرة وإن تطبعهن على حب المرحمة. الرحمة مخصبة الرباع وبها تقوى الأمة بإنقاذ ألوف من المخلوقات وهي تسكن أحقاد الطبقات أو تقللها. ألا وإن المخلوقات التي رزقن جمال الطبع وحسن الخلق هي المحسنة الحقيقية للإنسانية فإن أهل الخير الذين عملوا الإحسان منذ كان العالم قد ساعدوا على سعادة البشر أكثر من أرباب العقول السامية الذين تتمثل أسماؤهم في التاريخ فلو كانت ارتقت أخلاقنا منذ أوائل القرن الماضي كما ارتقت علومنا ولو كملت قلوبنا كما كملت قوانا العقلية لكنا منذ زمن خففنا مصائب الناس إلى أدنى ما يمكن. وإن يوماً نتوصل فيه إلى تأليف إنسانية كاملة لا يرى السواد الأعظم من أعضائها بؤس فرد بدون أن يعينه من تلقاء نفسه نكون قد ظفرنا فيه بالسعادة على هذه الأرض وحللنا بالسلم الأزمة الاجتماعية التي تقودنا إلى المهالك. وعندي أن يعمم تعليم تربية الأطفال ويتعلم بنات المدارس ما ينبغي للمرضعات وأن يعلمن كيف يغاث البائسون وأرباب الأدواء يطلعن على تاريخ الجمعيات الخيرية ودور الإحسان وإن عمل الفرد وحده ضعيف في نتائجه وإن لم يضم عمله إلى عمل غيره فيكون للمجتمع أعمال منظمة بنظام الذكاء والتعقل وأن لا يعود البنات على الاعتقاد بفعل الخير نظرياً بل أن يعملن بأنفسهن الخير في المدارس ويشتركن في إعانة المجتمع. مدح التأني كتب هنري لافدان أحد أعضاء المجمع العلمي الباريزي في جريدة (الآنال) يذم العجلة ويمدح التأني قال: لو كنت غنياً ما تأخرت عن أن أوصي بمبلغ يخصص ريعه كل سنتين أو ثلاث جائزة لم يجيد في مدح التأتي وذلك لأنا نرى هذه المحمدة آخذة ويا للأسف بالتناقص فمن اللازم اللازب أن تعاد إليها الثقة الماضية والشرف الدراج لأنا إذا ظللنا على هذه الحال نهلك بالعجلة لا محالة. كلما قضى أحدنا بضعة أشهر في الضواحي وعاد إلى باريز يأخذه العجب من تموجها في أعمالها ويشعر بالقلق والاضطراب والسرعة والحركة والآلام ويدهش من السرعة الجديدة المنظمة الممرضة في جميع أعمال الحياة. ولا يزال هذا الجنون يزداد على نسبة مخوفة ويكثر ويزيد سخط القادم من العجلة المتضلة التي تطوح بنا في هذه المهاوي المنوعة التي نكاد لا نراها لسرعة مرورها على بصرنا ولأن وقتنا لا يسمح لنا بإمعان النظر. نحن نسرع في كل أمر وكلما حركنا جنون السرعة أثبتنا أن الحكمة تقودنا فلا يقنعنا إلا أن نصل قبل أن نسافر وآراؤنا مضطربة تود السباق وتتضارب أولئك السذج الذين يتدافعون ليلقوا قبل غيرهم رسائلهم في صندوق البريد وقد كتبوا عليها معجلة وهماً منهم أنهم إذا سارعوا إلى وضعها وكتبوا عليها تلك الكلمة تصل إلى مقصدها قبل غيرها على أن البريد والقدر لا يعطيان على الخاطر ولا يعملان لرضى الناس. ولكن من يتطالّ إلى نيل كل شيء لا ينال شيء وماذا تجديه السرعة الفائقة للعادة التي تؤذيه وتضعف قيمة كل ما ينوي القيام به. وبعد فلا يفوتنا أن قاطرة بخارية إذا تركت على سرعتها الفائقة تنتهي بها الحال أن لا تمس قضبان الحديد ولا تكاد تقف على الأرض كأنها في الخلاء وهكذا الحال في الأعمال فإن الرجل بكثرة إسراعه في الذهاب يطير ويعثر بالحوادث ويقع فيها وهكذا شأنه في أوجاعه وأفراحه وكل ما يناله. فهو لا يحفل بتأثراته وشعوره ولا يتوسع فيهما بل يمسها مساً خفيفاً لا يأخذ منها ولا يترك ولا يستفيد الدرس النافع الذي يفيده عبرة وحكمة فهو كالريشة بل كالقذيفة الطائشة العمياء تطير على العماية في الفضاء الذي يتقاذفها ويخمد أنفاسها في جميع المحطات التي تقف فيها من الحب والبغض والشر والخير فلا يميز بينها ويخلط فيها إلى أن يناديه داعي الأجل المحتوم فلا يجعل له من الوقت متسعاً يتنفس فيه. ولا يقولن قائل أني أغالي فيما أقول فالحوادث تؤيد قولي: نحن نأكل سراعاً فلا نهضم. قال مونتين أن الحياة تمضغنا ونحن لا نمضغها بل نبلعها فنختنق أحياناً. نشرب سراعاً ونرسل الطعام إرسالاً إلى معدنا وما الغذاء إلا عمل مقدس نأتيه ونحن جلوس على طرف المائدة في أغلب الأوقات لا نفتح فانا فنتكلم ولا نقول كلماً طيباً ولاسيما في البيوت فإنا نتغدى ونتعشى بأسرع ما يمكن كأننا في مقصف Buffet محطة سكة حديدية والمنادي ينادي لم يبق إلا دقيقتان لسير القطار فنأكل ونحن سكون لا نتكلم وقد استغرقتنا الصفحة قبل أن نستغرقها نفكر فيما يهمنا ونحلم فيه وقد عبست جبهتنا وسدت معدتنا وألقينا الطرف إلى أبعد مما نحن فيه بدون أن نأخذ مقعدنا ونتناول الحلواء والفاكهة بل نقوم سراعاً ونهب خماصاً أو بطاناً. سقى الله أزماناً كان الناس يرتاحون فيها إلى الجلوس على الموائد يتناولون طعامهم وهم يتضاحكون ويتمازحون ويقصون من الأحاديث ما يكون تسلية لقلوبهم وراحة لنفوسهم. سقى الله أياماً كان أحدنا يسير وأنفه في الهواء وقد تأبط كتاباً. ما هذا الوقاد في القطار الحديدي ألا مهلك المتنزهين في الحقيقة بما خفف عليهم من مؤونة المشي فقد بطلت عادة النزهة في الشوارع والأزقة وباليد عصا وبطلت المظلات أو كادت كما بطلت العصي وبطلت عادة السير على الأقدام وعادة الراحة والغداء على العشب. فأصبحنا والفرد منا إذا جلس على الأرض يصعب عليه النهوض بحيث تخدرت على التوالي أرجلنا ووهنت قوانا. خل عنك تلك المصعدات Ascenseurs التي تحملنا من الأدنى إلى الأعلى فقد نزعت من سوقنا قوتها على العمل ومن رئاتنا ما ينفعها في تصعيد السلالم. ولا أكتمكم أنني كلما زرت بيتاً من البيوت القديمة التي لا تزال محافظة على إدراجها وسلالمها الرخام أجد في الصعود عليها نشأة وتجلى لي الحكمة الغريبة التي اهتدى إليها المهندسون وأنشؤوا تلك الأدراج ليصعد عليها بين الزهور بدون هزة وعلى مهل. وما أحلى ذلك وأنفعه. لا جرم أنه يعينك على أن تجمع فكرك وحواسك قبل أن تقرع جرس دارك أو دار من تزوره وتختلف إليه. ولم يقف الأمر في سرعتنا عند هذا الحد بل تعداها إلى كلامنا فصرنا نتكلم بإيجاز ولا إيجاز صغار الزنوج في كلامهم. وأمسينا نسرع في نومنا ونقوم مذعورين ونحلم والضغط آخذ منا فنحن في المساء كالصباح لا نحسن الاضطجاع على سريرنا ولا نقرأ والقلم بيدنا نشير إلى ما يجدر نقله واقتباسه ولا نفكر الأفكار النافعة بل نسرع في الراحة أي سرعة. وإذا رجعنا البصر في الأمور العقلية فإنك تجدنا نفاخر بما يعرض لأفكارنا كل يوم بل كل ساعة من التنوع فقد غدا الكاتب لا يعيد نظره فيما يكتب فنحن مضطرون إلى أن نجيد فيما نكتب كل يوم وكل من لا يؤلف روايتين في السنة أو ثلاث روايات مضحكة يعد مقلاً جاف القريحة. الكتب اليوم لا تؤلف بل تتساقط كما يتساقط الجوز. والغاية أن نكتب ولا عبرة بما نكتب ونتائجه. ومهما كان من اعتبار الإكثار والإخصاب فمن العقل أن نتحرز ونأخذ من عنان الأقلام مخافة أن نمسي للحال كالأم الضعيفة التي تأتي بالأولاد ضعافاً محتقرين. وما كل عمل جميل عظيم إلا ابن التأمل والصبر والجلادة ولطالما كان للوقت تأثير في تجويد الأعمال. فالوقت جائزة تنال بأسرها والجمال أعظم العوامل فيها. فكما أن الوقت يوجد الجمال وينميه ويقيه العوادي وينحو به مناحي الكمال فكذلك الخرائب لا تكون خرائب إن لم يأت عليها الزمن ويمتد لها إلى ما شاء الله والأيام والشهور لا تكفيها بل يقتضي لها عدد لا يحصى من السنين لتستحق أن تذكر بين الخرائب وأن تخفق فيها الرياح ويثار عليها الغبار ويعبث بها الهواء وينزل عليها الماء والشمس وينبت فيها الطحلب والسندر المعرش وكل ذلك من عوامل البطء والجلادة. ثم أن الناس أصبحوا يريدون الاستمتاع والانتفاع في الحال وإن يكون لهم أكثر من الدخل قبل أن يضعوا رأس المال وأن يجنوا بعد عشر دقائق من البذر. نقرأ مسرعين هذا إذا تظاهرنا بأننا نقرأ ونلقي نظرة على العنوان والفهرس ونقلب الطرف في بعض صحفات من الكتاب وهذا كل ما نقرؤه أغرقنا في حب العجلة حتى صرنا لا نقطع أوراق كتابنا بيدنا بل نوعز إلى الخادم أو كاتب سرنا أن يقطعها لنا. أنا لا أجهل ما يجيبني به القارئ فيقول بأن الكتب كثرت وكذلك الجرائد والملاذ والسخرات والواجبات وإن الحياة قصيرة وإن الحال تقضي بأن نسترط الثلاث أو الأربع لقم في لقمة ولكن الحقيقة ليست كذلك فإن الحياة كلما تضاعفت وكثرت بحيث تجزأت كان علينا أن نقتصرها ونضم شملها. فها إنه تصدر كل صباح أربعون جريدة وهذا من جملة الأسباب الداعية إلى أن نزهد في قراءتها وكل أسبوع يصدر خمسون كتاباً ونحن لا نعرف منها إلا عشرها نعرفه أحسن معرفة فإن المفكرين أصبحوا يفكرون بسرعة ففدوا خاصية التفكر. أصبح الواحد يحب ويبغض سريعاً ويسرع في التصديق كما يسرع في الجحود ويعطي ويمنع كذلك غير مكترث بنصائح الليل ومواعظ النهار. وأخذ الغضب يسارع إلينا ونحن لا نعرف كيف نغضب وعلى من نصب جام غضبنا. وليت شعري من يحتفل بالحب البطيء الصادر من أعماق القلب المتأني؟ ومن يحيكه أحسن حياكة وأمتنها ويبالغ في أحكامها خيطاً خيطاً باليد لا بآلة؟ ومتى نرضى الوقوف والتريث لنذوق طعم المواقف ونجني برسيم السعادة ونجلس هنيهات في الواحات؟ الحياة أقصر طريق يسلك من نقطة إلى أخرى ونحن نريد أن نقتصرها أيضاًَ؟ مطبوعات ومخطوطات غياث الأمم في التياث الظلمهذا الكتاب والتالي له من مخطوطات خزانة احمد بك تيمور تصنيف إمام الحرمين أبي المعالي عبد الملك بن عبد الله بن يوسف الجويني المتوفى سنة ٤٧٨ وضعه في الإمامة وإن قدمه (كتب سنة أربع وأربعين وسبعمائة) ليحملنا على ذكر موضوعه. ومعلوم أن هذا المبحث خاتض فيه الخائضون ومنهم الإمام الماوردي. وكتاب الجويني هذا في مثل موضوعه وقد حمل فيه على الماوردي حملة غريبة واستفدنا منه ما كنا نعرفه عن حرية عصر المأمون قال إمام الحرمين: وقد اتفق للمأمون وكان من أنجد الخلفاء وأقصدهم خطة ظهرت هفوته فيها وعسر على من بعده تلافيها فإنه رأى تقرير كل ذي مذهب على رأيه فنبغ النابغون وزاغ الزائغون وتفاقم الأمر وتطوق خطباً هائلاً وانتهى زلله وخطله إلى أن سوغ للمعطلة أن يظهروا آراؤهم ورتب مترجمين ليردوا كتب الأوائل إلى لسان العرب وهلم جراً إلى أحوال يقصر الوصف عن أدناها ولو قلت أنه مطالب بمغبات البدع والضلالات في الموقف الأهول في العرصات لم أكن مجازفاً. قال فيه: الحمد لله القيوم الحي الذي بإرادته كل رشد وغي وبمشيئته كل نشر وطي كل بيان في وصف جلاله وحصر وعي بين عيني كل قيصر وكي من قهر تسخيره وسم وكي فاطر السموات والأرض جعل لكم أنفسكم أزواجاً ومن الأنعام أزواجاً يذرؤكم فيه ليس كمثله شيءٌ فالعقول عن عز جلاله معقوله ومعاقد العقود في نعت كماله محلوله. وبعد أن بالغ في وصف كتابه وقدمه لنظام الملك الوزير صاحب المدرسة النظامية ببغداد وغيرها ذكر فيها أبياتاً منها: وأني لغرس أنت قدماً غرسته وربيته حتى علا وتمددا لأنك أعلى الناس نفساً وهمةً وأقربهم عرفاً وأبعدهم مدى وأوراهم زنداً وأرواهم ظبا وأسجاهم بحراً وأسخاهم يدا وما أنا إلاَّ دوحة قد غرستها وأسقيتها حتى تمادى بها المدى فلما اقشعر العود منها وصوحت أتتك بأغصان لها تطلب الندى وقال في موضوع كتابه: أقسام الأحكام وتفاصيل الحلال والحرام في مباغي الشرع ومقاصده ومصادره وموارده يحصرها قسمان ويحويها متضمن هذا المجموع نوعان أحدهما ما يكون ارتباطه وانتياطه بالولاة والأئمة وذوي الأمر من قادة الأمة فيكون منهم المبدأ والمنشأ ومن الرعايا الاتسام والتتمة والثاني ما يستقل به المكلفون ويستبد به المأمورون المصرّفون. والكتاب من ١٣٠ ورقة تغلب عليه الصحة في الجملة والغالب أنه وقع في يد عالم فصححه. التلميذ رسالة في معنى التلميذ للفاضل عبد القادر البغدادي صاحب خزانة الأدب بحث فيها عن لفظ التلميذ ومعناه في أمهات كتب اللغة فلم يجد فيها ما يشفي فرجع إلى تتبع بطون الدفاتر فوجده في كتاب النبات لأبي حنيفة الدينوري فإنه ساق فيه شعراً للبيد بن ربيعة وفيه هذا البيت: فالماءُ يجلو متونهن كما يجلو التلاميذ لؤلؤاً قشباً قا التلاميذ غلمان الصناع ووجده أيضاًَ في شعر أمية بن الصلت في قصيدة له قال فيها: والأرض معقلنا وكانت أُمنا فيها مقامتنا وفيها نولدوفي نسخة نوأد وبها تلاميذ على قذفاتها حبسوا قياماً فالفرائص ترعد قال شارح ديوانه التلاميذ الخدم وقال أمية في هذه القصيدة: فمضى وأصعد واستبد إقامة بأُولي قوى فمبتل ومتلمذ قال شارحه يردي متلمذ أي خادم من التلاميذ وتلمذ جعل للخدمة قال البغدادي ويؤخذ مما مضى أن تاه أصلية وإن له فعلاً متصرفاً هو تلمذه تلمذةً فهو متلمذ بمعنى خادم وذاك متلمذ أي جعل خادماً فأطلق التلميذ على المتعلم صنعة أو قراءة لأنه في الغالب يخدم أستاذه وقول الناس تلمذ له وتلمذ منه خطا. الكون والمعبد أو الفنون الجميلة والكنيسة نظم الخورفسقفوس جرجس شلحت السرياني الحلبي وهي أرجوزة في ٣٤ صفحة مطبوعة طبعاً نفيساً بالشكل الكامل وثمنها فرنك تطلب من بيروت. الطرف الأدبية هي رسائل كثيرة في اللغة والأدب لمشاهير أئمة العربية عزم محمد أمين أفندي الخانجي الكتبي أن ينشرها تباعاً في أجزاء صغيرة وقد انتهى إلينا منها الآن الجزء الأول وهو يحتوي على كتاب فصيح اللغة لأبي العباس ثعلب وشرحه لأبي سهل الهروي وذيل الفصيح لعبد اللطيف البغدادي وكتاب فعلت وأفعلت لأبي إسحاق الزجاج وهذا لم يطبع حتى الآن فيما نعلم عني بتصحيحها السيد محمد بدر الدين أبو فراس النعساني وشكل محل الأشكال منها وقد جاءت في ١٨٨ صفحة متوسطة الحجم حرية بأن ينتفع بها المتأدبون في هذا الوضع الجديد وثمنها مجلدة سبعة قروش وتطلب من طابعها. محو الألفاظ العامية رسالة جمع فيها محمد الحسني أفندي مائتينيوعشرين كلمة من الكلمات العربية المقابلة لبعض الألفاظ العامية مثل بوفيه فقال أنها الخورنق وسماها بعضهم بالمقصف وسكرتير ناموس وشكمجية فسماها مسفط أو عكم وأورد ألفاظاً مشهورة في الجرائد أو بين كتب الغابرين أو المعاصرين مثل صيدلاني للأجزاجي ومستشفى أو مارستان للاسبتالية وقفاز للكف وبالتركية الدون وغرفة أو حجرة لأودة ومرفأ أو ميناء للأسكلة وقمطر لدولاب الكتب ورتاج لخوخة الباب وسماد للسباخ وفرلسان للسواري ورجالة للبيادة وحبذا لو يكثر استعمال من نشر مثل هذه الألفاظ بكمية أوفر ينشرها في الجرائد والمجلات ليثبت صحيحها بالاستعمال أو يسقط. سير العلم والاجتماع عرب الدنادشة يبحث بعض العلماء عن أصل قبيلة الدنادشة الساكنة في متصرفية طرابلس الشام فتشوقت لمعرفة أخبار حقيقية عنهم فأتحفني بعض سكان تلك الجهات بالتفصيلات الآتية فالرجاء إدراجها في مجلتكم خدمة للعلم. كان جد عشيرة الدنادشة من اليمن جاء البلاد الشامية ونزل بحوران منذ نحو ثلاثمائة سنة وساد على تلك البلاد حتى لقب بالفحيلي وأكره العربان الضاربة خيامها هناك أن يدفعوا له خوة ومنع العرب من غير حيه من المرور بأراضيه إلا إذا دفعوا له رسوماً مقطوعة من المواشي ولقد أهان مرة أحد مشايخ عشيرة من العرب يدعى المساليخ من الحسيني فاغتاظ هذا وعمل على كيده فأتى يوماً وعرض عليه حضور جميع شيوخ عشيرة الحسين ليعطوه عهداً بالخضوع له فقبل بذلك ولما وصل القوم هجموا عليه وذبحوه في بيته وفتكوا بجماعته ونهبوا متاعهم وفر من بقي منهم وأتى إلى جهات قضاء حسن الأكراد وسكنوا في مكان يدعى الآن برج الدنادشة وهو فق تل كلخ مسكنهم الحالي وكان إذ ذاك مأهولاً بجماعة من المتاولة والتركمان فطردوهم واستولوا على محالهم ورئيسهم على ذاك العهد رجل يدعى الشيخ إسماعيل على جانب عظيم من البسالة والشجاعة فأعطته الحكومة لقب آغا ووهبته خمس قرى وهي الفتايا والحوز ومدان وحير البصل والموح التابعة لقضاء حمص وبموجب فرمان من السلطان محمد خان الرابع عهد لإسماعيل آغا وجماعته بالمحافظة على تلك النواحي. أما لقب دندشلي فقد سماه التركمان ممن لا يزال لهم إلى الآن بعض قرى يسكنونها في القضاء المذكور وذلك أن إسماعيل كان يتقن زينة خيوله ويجللها بأقمشة لها أطراف ودنادش فلذلك أطلق عليهم هذا الاسم ولم يبرحوا يلقبون به حتى اليوم وبعد أن سكنوا مدة قرن في تل كلخ رجع أحد أخوان إسماعيل آغا مع قسم من قبيلته إلى حوران وبقي فيها واسم عشيرته الفحيلية وفي كل سنة يأتي من حوران جمع من الفحيلية لزيارة الدنادشة في ديارهم ويتوجه آخر من تل كلخ إلى حوران. والدنادشة الساكنون في جهات الهرمل ليس لهم قرابة مع دنادشة تل كلخ هؤلاء سنية وأولئك شيعة. ثم ظهر ثلاثة أخوة من الدنادشة لهم شهرة مستفيضة واسم أحدهم حمزة آغا والثاني إبراهيم آغا والثالث حمود آغا فأحبوا تقسيم أملاكهم لمنع الشقاق بينهم فألقوا قرعة وتفرقوا فبنى حمزة محلاً وسكن فيه فدعاه باسمه أي مشتى حمزة وسكن إبراهيم قرية تل كلخ وسكن حمود في محل سماه مشتى حمود وأسماء هذه المحال التي أصبحت الآن عامرة بذ ريتهم ما فتئت باقية إلى اليوم وكل من هؤلاء الثلاثة أصبح مديراً ولكل قرية الآن من هذه القرى رئيس من نسل الأخوة الثلاثة الأكبر فالأكبر ورئيس الجميع يسكن تل كلخ لأنها أهم منازلهم وهي واقعة إلى جنوبي قلعة الحصن مركز القضاء الآن تبعد عنه نحو ساعة ونصف على طريق العجلات الممتد من طرابلس إلى حمص وأما مشتى حمزة ومشتى حمود فموقعهما شرقي تل كلخ وعلى مسافة زهاء ساعتين منه. ورئيسهم في تل كلخ اليوم هو على جانب عظيم من الكرم ودماثة الأخلاق محب للفقراء والمحاويج بيته مفتح أبواب لكل من قصده وهو عبد الله آغا وله من العمر نحو الستين أو أكثر ومنازل الآغوات مبنية على نسق الجديد ومنها ما كلف ألوف الليرات وأملاك الدنادشة كثيرة ومتسعة لاسيما أراضيهم في سهل البقيعة المشهور بخصبه وأكثر خبزهم من طحين الذرة الصفراء وقلما يستعملون دقيق الحنطة. ولكل من الأغوات مضافة لقبول الزائرين ومن عاداتهم أن لا يتناولوا طعام الصباح والمساء مع حريمهم بل يأكلون في مضافاتهم وجد فيها ضيوف أم لم يوجد. ولهم ولع عظيم بركوب الصافنات الجياد يعنون كثيراً بتربيتها وقل فيهم من لا يركبها ويتفنن فيها وعند محمد بك صاحب بيت تل كلخ فرس أصلها حمدانية زرقاء اللون لا يبيعها ولو دفع له فيها خمسمائة ليرة وعند ركوبهم يحملون الرماح والسيوف وفي أعراسهم يدقون الطبول وينفقون على خيولهم وأفراحهم نفقات باهظة. وفي منتصف حكم السلطان محمد خان الرابع الذي جلس على تخت السلطنة سنة ١٠٥٩ منحهم فرماناً بملك القرى المذكورة آنفاً. تحريف الأعلام كتب الأستاذ نالينو مدرس اللغة العربية في كلية بلرمة حاضرة صقلية رسالة بالإفرنسية في نشرة الجمعية الجغرافية الخديوية في مصر سماها إعلام البلاد في بلاد الإسلام أتى فيها بأمثلة كثيرة على تحريف بعض الأعلام في كتب الجغرافية والتاريخ والمصورات الحديثقة تحريفاً يلتبس به وجه الصواب ويضيع به تصور مواقعها وتاريخها وأصلها على وجه الصحة وقال أن المشتغلين بالعربية من الإفرنج قد لا يهتدون إلى كثير من المواقع إذا نظروا في تلك المصورات الحديثة وقابلوها بما كان كتاب العرب يطلقونه عليها فذكر من ذلك أمثلة غلط فيها بعض علماء المشرقيات فادعى أن لفظ المولوية المستعمل في حكومة مراكش مضافاً كالحضرة المولوية أو المقام المولوي جاءت من ملويا وهو أهم نهر في بلاد مراكش يخرج عن حكم السرة المالكة ولذلك يطلق سلاطين المغرب على أنفسهم الأمراء المولوية ليؤيدوا حكمهم على تلك البلاد التي يجتازها النهر. وقال والحقيقة أن قولهم الحضرة المولوية مشتق من المولى ولفظ النهر يلفظ ملوية. وذكر كيف أن بعضهم حرف لفظ (تل العمارنة) فجعلها (تل أمرنا) عند الترجمة وأنه وقع في كتاب في التاريخ والأدب قررته نظارة المعارف المصرية سنة ١٨٩٣ من الأغلاط الشائنة في أسماء الأعلام ما حرف التاريخ ولا سيما فيما تيعلق بجزيرة العرب ومثل ذلك بأنه جاء فيه (زادة) بدل (صعدة) و (دراما) بدل (ظرما) و (زهاد) بدل (صحار) و (بجا) بدل (بيشة). ثم ذكر أمثلة لذلك من المصورات الجغرافية فقال أنهم حرفوا اسم ذوي متيع وهي قبيلة مشهورة في المغرب الأقصى وجعلوها دوي منية وحرفوا لفظ نهري صا ومسون فقالوا زا ومصون وحرفوا اسم قبيلة بني يزناسن فقالوا بني سناسن وقالوا عن سهل تفراته تافراطا وحرفوا أبت سغروشن وأيت شخمان في بلاد المغرب فقالوا أيت سورشن وأيت شكمان نقلاً عن المصورات الفرنسوية ولفظة ضاية مستعملة في الجزائر للقيعان التي يجتمع فيها ماء المطر في الشتاء بلفظ داية وكيكو بجيقو وغياثة برياطة ومكس بمكاس والنجاة بنجا وارضم بردم وبهت ببجط وصفر بسفر ومدينة وازان بوزان وقبيلة غصاوة بغزاوة وتافيلالت بتفيللت وتعلالن بتيالالين والرتب بالرطب ومرغاد بمراد وتادغوست بتدروشت وتدغة بطدرة وعطة بأطا وتيزيمي بتزيمى. وقال أنهم حرفوا في الأعلام المغربية بششاون وتسنت بتيسينت وسكتانة بسقطانة ومجاط بأمجات وكليميم بأوقليميم وسكسيوة بسقصاوة والشياظمة بالشيادمة ورهونة برحونة وكرفط بقرفيت وتسول بتصول وزيان بزايان ووزغت بواويزت وكرط بقرط وشالة بشلة وقرباطة ببرج غربالة وسيدي صيد عقارب (محل في تونس) بسيدي العقاربة ويونقا بعنقا وبلاد الحضر ببلاد الحيدر وتبلبو وكتانة وعرام بطبلبو وكتنة والعرم وهداج وشعبة السماعلة وغنوش بحديج وشابة الزمالة وقنوش وطبرقة بتبرئة وتوكابر بتكابر ومكتار بمثر وجبل ساغرو بجل سارو والخيثر بالكريدر وخنق النطاح بكاركنتا والسوارقية بالسويرجية والأكرة بالعكرة والشرفة بالشرفا والخضيراء والصفينة بالخضيرة والسفينة. وقال أن المصورات الجغرافية والكتب المطبوعة في علم تقويم البلدان المترجمة حديثاً في الأستانة وسورية مملوءة بالأغلاط الشائنة ولذلك تجافى عن نقل شيء منها لتفاهتها وأن خير طريقة يعمد إليها لإصلاح هذه الأعلام ورد كل شيء إلى أصله العربي عند الترجمة أن تنظر مصر في ذلك لأنها مجمع العالم الإسلامي وفيها صفوة من رجال العلم من المسلمين الذين يساعدون بمعارفهم في هذا السبيل كما أن فيها المجمع المصري والجمعية الجغرافية الخديوية التي ساعدت كثيراً على ارتقاء المعارف الجغرافية. الحكومات والأوبرات تعطي حكومة برلين للأوبرا الألمانية ١ . ١٢٥ . ٠٠٠ فرنك وتعطي حكومة باريز ٨٠٠ . ٠٠٠ وحكومة درسد ٦٠٠ . ٠٠٠ وحكومة فيينا ٦٠٠ . ٠٠٠ وتعطي حكومة مصر ١٢٥ . ٠٠٠ لجوق الأوبرا ولكنه أوروبي يمثل في الشتاء لتفكهة السياح فقط. جرائد العالم تبين أن في إيطاليا ٣٣٣٠ جريدة وجلة منها ١٣٤ يومية تقسم إلى أقسام في مبادئها منها ٣٢٣٢ من حزب رجال الدين و ٢٩٥ من المحافظين و ٢٦٠ من الاشتراكيين وفي ألمانيا ٥٥٠٠ جريدة ومجلة وفي فرنسا ٢٨١٩ وفي إنكلترا نحو ٢٥٠٠ وفي النمسا والمجر ١٢٠٠ وفي روسيا ٨٠٠ وفي سويسرا ٤٥٠ وفي الولايات المتحدة ٥٠٠٠٠ (كذا) جريدة ومجلة. عاصمة الألمان يطعم المجلس البلدي في برلين الأولاد الفقراء ويكسوهم ولذلك لا ترى في شوارعها شحاذين فتيان يدعون كما في بعض عواصم أوروبا أنهم يبيعون جرائد أو زهوراً وإذا شاهد الشرطي ولداً يدخن يتقطع له اللفافة وهي في فمه. العمل بالأيدي أبان تقرير العمل في الولايات المتحدة الفرق بين ما تكلف بعض أصناف التجارة إذا صنعت بالأيدي أو بالأدوات فظهر لها أن عشرة محاريث زراعية إذا أريد صنعها بالأيدي يشتغل فيها عاملان يعملان فيها أحد عشرة نوعاً من الأعمال ويصرفان ١١٨٠ ساعة وتكلف ٢٧٢ فرنكاً أما بالآلات فإن هذه العشرة محاريث يعمل فيها ٥٢ عاملاً يتعاطون ٩٧ عاملاً مختلفاً يصرفون في صنعها ٣٧ ساعة فتكلف ٣٩ فرنكاً. وأن المئة زوج من النعال ليصنعها عاملان بأيديهما فتكلفتهما ألفي فرنك ولكن إذا صنعت بالآلات يعمل في صنعها ١١٣ عاملاً فتكلف ١١٧ فرنكاً وهكذا فإن تقسيم العمل بفضل الأدوات والآلات الحديثة أعظم وفر ودخل. العلم في مصر صدر الأمر الخديوي بأن يخصص من الأوقاف الخيرية مبلغ خمسة آلاف جنيه مسانهة لمشروع المدرسة الجامعة المصرية المزمع إنشاؤها في القاهرة. ووقف الأمير حسين باشا كامل زهاء ٧٦ فداناً من أطيانه في البحيرة على مدرسة دمنهور الصناعية وإيراد كل فدان ثمانية جنيها في السنة فيكون قيمة ما أعطاه عشرة آلاف جنيه كما أن قيمة العقارات والأطيان التي خصصت مداخيلها للجامعة تساوي مئة ألف جنيه بحسب وارداتها. ولا يزال الأربعة عشر مديراً من مديري القطر يتفننون في تشويق علية القوم لإنشاء الكتاتيب على أساليب مختلفة فبارك الله بهذه النهضة العلمية المنتجة. السياح ونفقاتهم كثير من البلاد تنتفع بالقادمين عليها كل سنة للسياحة ومنها سويسرا في أوروبا ومصر في أفريقية فإن القطر المصري يربح كل سنة نحو مليون وربع من الجنيهات من المال الذي يصرفه فيه السياح. وقد ذكرت مجلة المجلات النيويوركية أن السياحة من أعظم المساعدات على انتقال المال من يد إلى أخرى فقدرت ما يصيب فرنسا كل السنة من القادمين عليها ن السياح بمليارين ونصف مليار فرنك ويصيب إيطاليا خمسمائة مليون فرنك وقد زار سويسرا سنة ١٩٠٦ أربعمائة ألف سائح فصرفوا فيها مائة وخمسين مليون فرن. وقدر عدد الأميركيين الذين كانوا في أوروبا هذه السنة بمئة وخمسة وعشرين ألفاً على مئة وخمسين ألفاً نالت من مالهم إنكلترا ١٢٥ مليون فرنك ونالت فرنسا ثلاثة أضعاف ذلك ونال ألمانيا ١٢٥ مليوناً وإيطاليا ٢٥٠ مليوناً فالارتحال هو من الدواعي الكبرى في نقل المال ومن أعظم المنافع في الحياة الاقتصادية. البيض قدر بعضهم أن محصول البيض في أوروبا يبلغ في السنة أربعة مليارات وأربعمائة مليون بيضة وزعم أن ما تخرجه إنكلترا هو أحسن بيض ثم يجيء بالجودة بيض فرنسا فالدانيمرك وقال أن مجموع ما يتجر به في إنكلترا وخارجها من البيض الإنكليزي يبلغ مليارين ومائتينيوسبعين مليون بيضة تساوي ستة ملايين جنيه وترسل روسيا إلى إنكلترا كمية وافرة من البيض إلا أن بيضها دون بيض بريطانيا بجودته ومح بيض إسبانيا من أجمل بيض في العالم والرديء من البيض يدخل المعجنات. المسكرات ثبت أن المسكرات في أوروبا هي السبب في موت ثلث الوفيات وقد قدم بعضهم إلى المجمع الطبي الباريزي رسالة يقول فيها أن الكحول هو السبب الرئيسي في عشر الوفيات والسبب المساعد على أكثر من اثنين في العشر الآخر فهو من المجانين سبب هلاك نصفهم وتأثيره في الرجال أكثر منه في النساء. الضرائب والموظفون ترى بعض المجلات الباريزية أن فرنسا إذا ألغت وسام جوقة الشرف توفر عليها ملاً يوازي ما تتقاضاه من الضريبة على الثقاب (عيدان الكبريت) فإن عندها ٤٥ ألفاً يحملون هذا الوسام منهم ٣٠ ألفاً من رجال الجندية يتناول الفرد منهم راتباً يختلف بين ٢٥٠ إلى ٣٠٠٠ فرنكاً والباقون ملكيون. وقد بلغ عدد الموظفين في فرنسا ٨٧٠٥٨٩ موظفاً وقريباً يبلغون المليون فماليتها محتاجة لمئة ألف موظف وحربيتها لمئة وخمسين ألفاً منهم ٣٥ ألفاً من الضباط الموجودين وإدارات البريد والبرق لمئة ألف والمعارف لمائة وثلاثين ألفاً وفي نظارة الخارجية ٩١٨ . زيت البترول  لم يكثر منذ عشرين سنة من المواد الأولية غير صنف واحد وهو زيت البترول فقد كان محصوله سنة ١٨٨٨ في العالم أجمع ستة ملايين طن فصار سنة ١٨٩٧ خمسة عشر مليوناً وارتقى في السنة الماضية إلى ثمانية وعشرين مليوناً ويرجى أن يكون الاعتماد على البترول أكثر من غيره إذا ظلت العناية بالأتوموبيل متوفرة حيناً بعد آخر. أشد البقاع حرارة قالت إحدى المجلات الباريزية أن أشد الأصقاع حرارة في العالم هو مدخل الخليج الفارسي في جزيرة كشم العظمى لا يكاد الإنسان يستطيع أن يسكن هناك لشدة الحرارة إلا أن فيها أناساً مشتتين هنا وهناك لا يكادون يخرجون من أكواخهم المبنية بالطين ويتغذون بالأسماك خاصة ويمكن لسكان تلك البلاد أن يسكنوها من شهر نوفمبر إلى مارس وقد كان أقيم فيها محطة للسلك البحري فترك بعد ذلك لأن جميع المستخدمين قضوا نحبهم حرقاً بالشمس وبعضهم فروا ولكنهم جنوا. وقد جرى البحث في خلال المفاوضات التي جرت مؤخراً بين إنكلترا وروسيا على أن تنشأ فيها إصلاحية إلا أنه لم يتيسر تحقيق هذا الفكر إذ لم يرض أحد أن يحكم على نفسه بالموت في تلك النار المحرقة ولو مهما كانت مشاهرته. الحيوانات البائدة بادت عدة أجناس من الحيوانات في بعض أصقاع الكرة الأرضية بعد أن كانت فيها كثيرة ومن العجيب أن العلماء يبحثون عن الحيوانات النافعة فلا يجدون لها أثراً واختلفت آراؤهم فيما إذا كانت تنسب هذه الإبادة للإنسان أم لفطرة الوجود ومعظمهم على أن للسببين يداً في قرض الحيوانات فقد كان في جزيرة سان توما إحدى جزائر الأرخبيل التابعة للدانيمرك أربعة عشر نوعاً من الأيائل لم يبق منها الآن غلا ثمانية ولم يبق من البائدة غير وصفها الذي وصفها به السائحون إلى تلك الجزر، وقد كان شأن قارة أفريقية من هذا القبيل أتعس من شأن القارات الأربع الأخرى كما كان شأنها في استيلاء الغريب على معظم أصقاعها. فقد كان من أمر الملعب الروماني المدعو كوليزة في رومية أن كانت تعرض فيه الحيوانات الكاسرة خصوصاً فكان بذلك انقراض بعض الأجناس التي كانت في هذه القارة السوداء. أما قارة آسيا فقد نجت حيواناتها أكثر من أفريقية اللهم إلا جنساً واحداً من الحيوانات وهو الفرس الوحشي ذو اللون الشهب. ومنذ عهد شارل الأول لا يرى أثر للخنزير البري ومنذ سنة ١٨٦٠ لا يرى أثر للذئب في إيكوسيا وكان آخر ذئب وجد في إيرلاندا منذ ثلاثين سنة. المال في أمريكا اشتدت العسرة المالية في أميركا حتى أقفلت معامل كثيرة وأفلست بيوت تجارية ومالية بالمئات واضطر كثير من الأوروبيين إلى العودة إلى بلادهم حتى بلغ عدد من هاجروا منها في الشهور الأخيرة نحو مليون رجل وقد نسب بعض الاجتماعيين هذه الأزمة لاجتماع رؤوس الأموال في أيدي أفراد وهو ما توفر الرئيس روزفلت في عهد رئاسته الثانية على مكافحته أشد كفاح على ما يظهر لمن يطلع على الجرائد السيارة ويؤخ ١ ذ في إحصاء جرى سنة ١٩٠٣ أن إثني عشر في المئة من مجموع ثروة الولايات المتحدة بيد مديري احتكار الفولاذ أو ملوكه فهم يديرون نصف الخطوط الحديدية في أميركا الشمالية ولهم أهم سلك تلغرافي وهم مديرو خمس شركات كبرى للضمان ويملكون كثيراً من المناجم والمقالع وغيرها ويديرون احتكارات يتجاوز رأس مالها التسعة مليارات دولار أي ما يوازي الدين العام في إنكلترا وفرنسا والولايات المتحدة إذا أضيف معاً وهؤلاء المديرون أو المحتكرون هم أربعة وعشرين رجلاً زعيمهم مورغان وهو وركفلر صاحبا القول الفصل ومن أكبر قادة الأموال وهكذا الحال في انضمام السكك الحديدية واحتكارها فقد كان عدد الشركات في الولايات المتحدة سنة ١٩٠٤ اثني عشر ألف وعشرين شركة فيها ٣٢٧٨٥١ مساهماً منهم ثمانون ألفاً من الأهالي فقط، وفي الولايات المتحدة سبعة آلاف رجل يملك كل فرد منهم زهاء مليون ريال ويدعون أصحاب الملايين. الأعمال في إيطاليا تشكو إيطاليا من دائين كثرة المحامين عندها وقلة المهندسين فقد بلغ طلاب الحقوق فيها هذه السنة نحو عشرة آلاف طالب وطلاب الطب نحو خمسة آلاف وبلغ طلاب الأدب ألفاً وخمسمائة طالب ومثلهم طلاب الهندسة. وتطلب نظارة الأشغال هناك مهندسين وميكانيكيين فلا تجدهم حتى تعطلت هذه السنة بعض المسابقات التي فتحتها لطالبي الدخول لقلة الأكفاء المتعلمين. أفكار في الشقاء كتب فريدريك باسي الذي عربنا له مقالة القضاء على الشقاء في هذا الجزء مقالة افتتاحية في مجلة الاقتصاد الاجتماعي العامية فآثرنا تعريبها وضمها إلى أختها السالفة بياناً لتفنن الإفرنج في الكتابة في موضوع واحد قال فيها ما ترجمته: يقول علماء الأخلااق المتدينون أن كل شر ينشأ من الخطيئة فهم على سداد إذا أريد بالخطيئة كل ما من شأنه الخروج عن القوانين التي يجري عليها نظام الأخلاق ونظام الماديات في العالم. ومن المحقق أن ثمت شروراً لسنا نحن السبب فيها كالعواصف والزلازل والفيضانات والحرائق والأوباء وآفات الفلك التي تأتي على الغلات وتنقص الثمرات. ومن هذه المصائب الطبيعية ما نستطيع التوقي منه أو من تقليل أثره فينا إلى حد محدود. وأن كثيراً من الحرائق والأمراض وأنواع الهلاك هي نتيجة غفلتنا فإذا لم نستطع أن نعرفها قبل وقوعها ففي وسعنا أن نقلل من تأثيرها إذا ضمننا الضامنون وتعهد لنا المتعهدون فاتقاء الفيضانات يكون على الجملة بإقامة السدود وإصلاح مجاري المياه وتمكن الوقاية من الأنواء بالدخول إلى المرفأ او بالابتعاد عن الشواطئ الخطرة عملاً بما تنقله الأسلاك البرقية والأسلاك البحرية من الأخبار الواجب تصديقها. وتحمي الغلات والثمرات من بوائق الجو بما يعلم من الإشارات التي تؤخذ عن المراصد الجوية المؤذنة بقرب الزعازع وتتقى الأمراض بالامتناع عن التعرض لموجبات العدوى على غير ضرورة. وتتأتى النجاة من معظم أسباب الفاقة والألم إذا صحت عزيمة المرء وقويت إرادته لأن أغلبها صناعي غير طبيعي فالكسل هو الذي يضيع الوقت والفراغ وهو الذي يسيء استعماله ويصرفه فيما لا ينتج وأعظم من ذلك استعماله فيما يؤذي النفس والغير ولا يعود منه فائدة على عامل أخرق جاهل لا نفاذ في بصيرته ولا مضاء في عزيمته فقد يصرف بعضهم في المشروبات الضارة التي تنهك الصحة والعقل بقدر ما يدفعون إلى خزانة الحكومة من الضرائب عن يد وهم صاغرون متململون بل أكثر بكثير. وقد يقضون أوقاتهم وهم يتفرجون على الخيل تعدو مسرعة وهم لا يعرفون منها أعيانها ولا أعيان أصحابها ويحضرون تمثيل روايات أو يستمعون لشتائم وسباب ويصرفون أياماً وليالي كان في وسعها أن يقضوها في عمل مثمر. ترى بعضهم يلقون بما لهم من المضاربات والمراهنات التي كثيراً ما تكون ضرباً من ضروب السرقات المدبرة. يأتي المرء هذه المنكرات بسائق الجهل ويرمي بنفسه في هذه المهالك التي كان في وسعه اتقاؤها فلا يظلم نفسه فقط بل يظلم المجتمع بما يرتكب من سخف ليس هو إلا اعتداءً عاماً هائلاً يورث تلك المجتمعات التي هو أحد أفرادها ضعفاً في رفاهيتها ونقصاً في ثروتها بل إنهاكاً لقواها ودفناً لحياتها. ليس من العقل في شيء أن يسوق المرء نفسه إلى مواطن الهلاك ويفادي بروحه وروح جيرانه بما يبذله من أحسن موارده المالية وقواه الكثيرة فيروح بعد ذلك ينفق على سعة على الجيوش المؤلفة من شجعان الشبان يرابطون على الحدود ويعهد إليهم أن يطردوا عن تخطيها كل وطني أو غريب يريد دخولها وهو يحمل أطعمة للجائعين وألبسة للعريانين وأدوات وآلات لمن لا سلاح لهم مواد أولية لمن يستخدمونها وسماداً للأراضي التي ضعفت قوة إنباتها ومواد كيماوية للأعمال الصناعية المختلفة. ولو حسن استخدام تلك الساعات الضائعة أو التي تصرف في الباطل والمواد أو الثروة المبددة للقضاء العام على بني الإنسان وبذل ذاك النشاط الكثير ووجهت وجهة العلم نحو الغاية المقدسة التي تطلب من تحسين حالة البشر والبعد بهم عن فساد الأخلاق والتباغض — لو تم كل ذلك لما صعب أن يقدّم لعامة من خانهم دهرهم ما يتبلغون به بل ما يصل بهم إلى الرفاهية والاحترام والسعة. نعم ادعُ ما تقدم بما شئت من خطيئة أو جهالة أو جنون فالشر كل الشر الذي ابتلينا به إنما جاءنا من قبل أنفسنا إلا ما حدث بحسب الظاهر قضاء وقدراً ولكن يمكن على الجملة التعديل من حاله أو ما نشأ من البوائق الخارجية التي هي مناط عملنا وبيدنا أمرها. قالوا قديماً أن المرء لا يموت إلا إذا كانت له إرادة في الموت يريدون بذلك إثبات قوة الجهاد الأدبي. الشعوب لا تتألم إلا بسيئات ترتكبها وهي تنزع الشقاء من أساسه متى عرفت أو أرادت أن تقاتله بالفعل. صناعات الملوك رأى بعض ملوك الأرض أن الحكمة تقتضي عليهم بأن يتجروا لأنفسهم ويدخروا المال للطوارئ ولذلك كان مما يملك ملك إنكلترا سكة حديدية في الكندا ولإمبراطور ألمانيا معظم الأسهم في مجلتين تأتيانه بواردات وافرة ولملكة هولاندة مزرعة واسعة في قصرها في لو وللبابا مبالغ جسيمة وضعها في مصرف إنكلترا لحين الحاجة. ولكن بعض ملوك الإسلام كانوا لا يرون أن يتجر الملك ويزارع فكان أدنى فرد في حواشيهم يملك مالاً أكثر منهم لأن هذا من شأن الرعية ومن ملك الرقاب يعاب عليه أن يملك المال والعروض ومن أخذ الممالك لا يجمل به أن ينلك قطعة أرض منها. هكذا كان شأن كثيرين ومنهم صلاح الدين يوسف ونور الدين محمود بن زنكي. وفي التذكرة الحمدونية أنه كان لعمر بن عبد العزيز سفينة يحمل فيها الطعام من مصر إلى المدينة فيبيعها وهو واليها فحدثه محمد بن كعب القوطي عن النبي عليه السلام أيما عامل تجر في رعيته هلكت رعيته فأمر بما في السفينة فتصدق بها وفكها وتصدق بخشبها على المساكين. الفولاذ والحديد إذا برد الجو كثيراً ونزلت درجة الحرارة إلى ٢٠ تحت الصفر تقل مقاومة الفولاذ خمسة أسداس ما كانت عليه من قبل وقد ثبت في الجليد الأخير أنه تتحطم الخطوط في السكك الحديدية والتراموايات فيتكسر الحديد المصفح كما يتكسر الزجاج ولا سبيل إلى ملاقاة ذلك إلا بإحماء الخطوط كأن يصب عليها ماء حار للغاية وإلا كانت حياة الركاب في القطارات التي تمر بعد ذلك عليها في خطر مبين. مضار التدخين ثبت أن الدخان أو التدخين يضر بالنساء أكثر من ضرره بالرجال ولاسيما في أبان حملهن وحبلهن فكثيراً ما كان بعضهن يسقطن الحمل من رائحة الدخان حتى ن بعض النساء المستخدمات في معامل الدخان كن يسقطن حملهن قبل الأوان وإذا ولدن فلا يولدن إلا أولاداً مشوهة صورهم وكثيراً ما يموتون صغاراً جداً قبل غيرهم من الأولاد قال العالمان اللذان أثبتا ذلك وعلى هذا فيجب على الأطباء أن ينبهوا الحبالى ألا يدعن أثناء الحمل إن كن ممن يدخن. فقر الشعراء مات في لندرا منذ ثلاثة أشهر في مستشفى المجاذيب شاعر اسمه فرنسيس طومسون كانت حياته على أدب فيه أشبه بالشاعرين جيلبر الفرنسوي وشاترتون الإنكليزي فقد كان أبوه طبيباً في منشستر فأراد أن ينصرف لتعاطي الكتابة وقد تخلى عنه أبواه فعاش في لندن عيشة ضنكى فتعاطى أولاً بيع الثقاب (عيدان الكبريت) ثم صار بواباً ثم خادماً في أبواب دور التمثيل وقد عزم ذات ليلة أن يسمم نفسه إلا أنه ذكر قصة شاترتون الشاعر الذي سمم نفسه وما جرى له فعدل عن ذلك ولم يعلم أن السعادة كانت في انتظاره في الغد وقد تناول جائزة عن قصيدة نشرتها مجلة إنكليزية وبعثت له بها وبعد ذلك أخذ يكتب وينظم ونظم أغنية سماها غروب الشمس لم ينظم أحسن منها منذ عهد شيلي كما قال بذلك كبار النقاد إلا أن عقله قد أصيب بشيء من الخلل فقضى في مستشفى المجاذيب. وبعد هذا فلا يحسبن أحدٌ أن جميع الشعراء والكتاب ينامون في الغرب على فرش من ورد كما يقول الفرنسيس بل طالما أقض مضجعهم وخوى مربعهم. العملة كتب أحدهم في مجلة إنكليزية أن العملة يزداد اتحادهم في القيام على أرباب الأموال في الغرب فالنازعون إلى هذه الثورة هم ثلاثة ملايين عامل في ألمانيا ومليون في فرنسا وثمانمائة ألف في النمسا وأربعمائة ألف في روسيا وثلثمائة ألف في البلجيك ومائتاناوخمسون ألفاً في إيطاليا ومائة ألف في إنكلترا ومئة ألف في سويسرا وخمسة وثلاثون ألفاً في الدانيمرك وخمسون ألفاً في السويد وأربعون ألفاً في هولاندة وثلاثون ألفاً في إسبانيا. الكبراء وما يشربون طلب أحد كتاب الفرنسيس إلى كبار كتاب بلاده وعلمائها وشعرائها والمتفننين فيها يسألهم ما يعولون عليه من المشروبات فكان معظمهم على أن الماء هو خير ما يتعاطاه الإنسان وقد نشرت المجلة الباريزية أجوبتهم فجاء في اجوبة العازفين عن المشروبات الروحية كلمات حري بكل شرقي يقلد الغربيين فيما يشكون منه في العادات أن يعتبر به فمن لا يتعاطون الكحول إلا في الندر: جول كلارسي فهو لا يرى أنها تفيد في فتح القرائح وتوقد شعلة الذكاء كما يدعي من يتعاطون المسكرات ومثله أرنست هربرت وكاميل فلاماريون وأميل زولا وسولي برودوم وماسنيه وجول لميتر وهنري لافدان وفيكتورين ساردو وموريس بولينا وبول بورجه وأدمون هاركور ودالو وبول وفيكتور مارغريت وبنيامين كونستان وبيرلوتي وأوجين كاريير وأميل أوليفييه. ويكاد أن يكونوا كلهم مجمعين على أن الكحول مضر حتى القليل منه والأحسن الامتناع عنه دفعة واحدة. الصينيون واليابانيون كتب أحدهم في بعض المجلات الإفرنجية الكبرى مقالة قابل بها بين الصينيين واليابانيين فقال أنهم ليسوا من عنصر واحد فالأول من عنصر مغولي والآخرون من عنصر ماليزي واختلافهم في الأصول كان سبب اختلافهم في الفروع أي العادات والأخلاق وكان من اليابانيين أن تحرروا من قيودهم وقبلوا المدنية العربية لأنه لم يكن لهم مدنية أما الصينيون فهم ما زالوا يتناغون بمدنيتهم ويعتمدون على قوتهم ولهم من معتقداتهم ما يتفانون معه في الخضوع للكبير والفناء فيه. ومن القواعد المتبعة في شريعة كونفشيوس أن تكون الشفقة الأخوية أساس كل عمل فالشفقة تجمع بين الأب وأولاده والشفقة تربط بين الملك ورعيته والشفقة تجمع بين الزوج وزوجته والشيخ والفتى والصاحب وصاحبه. والصينيون يرضون بالقليل ضعاف الإرادة لا شجاعة فيهم ولا يحبون أن يلقوا بأنفسهم في المخاطر والمخاوف ولئن أخذوا الآن يعملون في تقليد الأوروبيين في الجندية فإن أمر تشبههم بالأوروبيين يطول ويصعب دخول المدنية الغربية عليهم. وعلى العكس في اليابانيين فإنهم من عنصر منوع فكرياً يفكر الياباني فيما تعرضه عليه من الأفكار ويحاول أن ينقل عنك ما يليق بالمتمدنين أن يعملوه من العادات والأخلاق والأفكار وهو يتروى في كلامه فيزنه في ميزان التعقل ولا سيما أمام الغريب عن جنسه واليابانيون ليسوا خفافاً في حركاتهم فلا ييأسون ولا تسمع لهم صوت تألم وقد يموت الياباني ولا تسمع له ركزاً بل تراه باسماً والرضا هو أساس طبيعته ولا ترى الياباني متجبراً غضوباً وإذا غضب فلا يغضب إلا عن سبب قوي جداً ولا يهرق في سيبيل غضبه دماً. ولئن أخذ بعض العملة في بلاد اليابان يعتصبون الآن إلا أن اعتصابهم ليس كاعتصاب العملة الأوربيين قد يؤدي إلى الخصام وتجريد الحسام بل أنه ينفض في يومه. الياباني فرح مسرور في حاله يعتاد كل عيش مهما كان فيه من الشظف والقلة والتعب والنصب هذا ولا يفوته أن هناك مطالب سامية وعيشة راضية أكثر مما هو فيه ولا ترى الياباني ينتحر من أجل شيء إلا إذا أصيب بما يثلم شرفه فيختار أن ينتحر على صورة لا يسمع به أحد. واعتقاد اليابانيين بتناسخ الأرواح هو سبب غلبتهم الروس في كوريا ومنشوريا والتناسخ عندهم بعد موت الإنسان يكون على ست صور فإذا كان الميت ممن عاش في تقى في الحياة الدنيا تنتقل روحه أو تتقمص في جسم أمير أو شريف أو رئيس أو وزير وإذا لم تكن سيرته حسنة في الدنيا تتقمص روحه في أجسام أيامى ويتامى وعميان وعجزة وإذا كان رجلاً شريراً تتقمص روحه في جسم حصان أو حمار أو دابة تكفيراً عن سيئاته وإذا كان بين بين في الشر والخير يتقمص كالطيور الداجنة أو سمكاً أو غيره من حيوانات الماء أو هواماً وحشرات. المطبوعات الاشتراكية للاشتراكيين جرائد ومجلات في عامة مدن أوروبا وأميركا ودعوتهم ما برحت في انتشار متزايد سنة عن سنة حتى أن جريدة من جرائدهم اسمها الدعوة إلى العقل في مدينة جيرارد من أعمال الكنساس في أميركا قد بلغ المطبوع منها كل يوم ٣٥٠ ألفاً فأصبحت أكثر الجرائد الاشتراكية انتشاراً وقد أسست سنة ١٨٩٥ ولا تزال في نمو. نفقات الجيوش زار أحد قواد الأميركان بلاد الألمان والفرنسيس وحضر مناورات الجيوش فعاد يقول لأمته أن جيشها من أضحك جيوش العالم أكثرها نفقة وأقلها فائدة قال: خمسمائة ألف جندي فرنسوي يكلفون أمتهم في السنة خمسمائة مليون فرنك وستمائة ألف جندي ألماني يكلفون حكومتهم خمسمائة وخمسين مليون فرنك وستون ألف جندي أميركاني يكلفون الولايات المتحدة أربعمائة مليون فرنك وإذا أضيف إلى ذلك ما تنفقه أميركا في الشؤون العسكرية الأخرى يبلغ سبعمائة مليون مسانهة. تنفق كل هذا من أجل جيش يبلغ معدل من يفرون منه في السنة ستة آلاف جندي. نساء أميركا يؤخذ من إحصاء سنة ١٩٠٠ أن النساء في الولايات المتحدة أقل من الرجال فقد كن ٣٣ مليون امرأة مقابل ٣٤ مليوناً وثلثمائة ألف رجل وأن نحو خمسة ملايين ونصف من النساء يضطررن إلى الكدح لمعاشهن وأن عدد العاملين من الرجال ٢٣ مليوناً وبلغ النساء هناك نحو نصف الرجال في معاطاة الأشغال العقلية فهن ٤٣٠ ألفاً لقاء ٨٢٠ ألفاً من الرجال وعدد المعلمات منهن ثلاثة أضعاف عدد المعلمين فهناك ٢٧ ألف معلم و ١١٥ ألف معلمة والقاعدة العامة في المدارس الأميركية تربية البنين مع النبات. محصول النحاس كان النحاس غالي الثمن في السنة الماضية وقد زاد محصوله ثلاثة أضعاف ما كان عليه منذ عشرين سنة فصار سنة ١٩٠٦ ، ٧٠٠ ألف طن بعد أن كان سنة ١٨٨٦ ، ٢١٧ ألف طن كما أن استعماله في الأمور الصناعية كثر على تلك النسبة على أن بعض مناجمه كادت تنضب مادتها منه فكانت قديماً كورنوايل في إنكلترا تصدر أكبر كمية من النحاس أما الآن فالولايات المتحدة هي أكبر مصدرة له وكذلك المكسيك وبيرو أما مناجم إسبانيا فإنها إلى الضعف. صنع الألبان تبين أن الطريقة المستعملة في بلادنا لصنع الجبن والسمن من الألبان المختلفة قد تخلصت منها بلاد الغرب كل الخلاص بفضل الأدوات الجديدة فلم يبق أحد هناك يعاني الألبان كما يعانيها فلاحنا وراعينا بيده ويد ذويه. الجرائد الأميركية ذكروا أن عدد الصحف الأسبوعية في الولايات المتحدة بلغت الخمس والعشرين سنة الأخيرة مبلغاً من الارتقاء لم يسمع به فمنها ما يباع بقرش واحد ولا يكون أقل من مئة صفحة كبيرة حوت ضروب الإعلانات كل غريب وكل ما يهم القارئ معرفته من أخبار البورصة والفضائح والهذر والإفادات العالمية والحوادث المنوعة محلية كانت أو خارجية والقصص والصور الهزلية وألعاب الأولاد وصفحات تقطع لتكون كتباً فهي غذاء رواح الملايين من الناس وكثيراً ما تملأ بالسخيف ولكن الأمة ترغب فيها وتجعلها سمرها ولذتها. الإنسان والمحيط رأت إحدى المجلات الروسية أن حالة الإنسان آخذة بالتعدل في كل مكان بفضل أساليب الارتقاء التي تكاد تكون متحدة في الأمم حتى أن أهل البلد الواحد يقلُّ بينهم الشبه إذا تعاطوا صناعات مختلفة بخلاف ما يكثر الشبه بين أهل البلاد المتنائية ممن يتعاطون أعمالاً متشابهة فلذلك تجد رجال الطب والمحاماة في إنكلترا وألمانيا وفرنسا يشبه بعضهم بعضاً في منازعهم وعيشهم أكثر مما يشبه الإنكليزي الإنكليزي والألماني الألماني والفرنسوي الفرنسوي وهي ترجو أن يجيء على العالم زمن أحسن من هذا تنتشر فيه الحضارة في جميع أنحاء الأرض فترتفع من بين أهلها العداوة والبغضاء والإنسان ابن محيطه لا ابن طبيعته. خزانة أديسون أهم ما أعلنه أديسون مخترع الفونوغراف أنه وفق إلى اختراع خزان للكهربائية سيوضع عن قريب موضع العمل فيغير نظام المواصلات الكهربائية لأنه يرخص سعرها بنقلها من ممكلة إلى اخرى ويقول أهل العلم أن عجلات الأتوموبيل ستقل أثمانها فيتيسر لأهل الطبقة الوسطى أو الدنيا أن يقتنوها ويركبوها وهكذا أقسم العلم أن يسوي بين طبقات الناس في الاستمتاع بملاذ هذا الوجود ومنافعه. مطبوعاتنا في أميركا يسرنا أن نبشر القراء أن علماء المشرقيات من الأميركان أخذوا في العد الأخير يعنون بطبع مؤلفات العرب فقد طبع ريشاردس كوتهيل Richard J. H. Gottheil أحد أساتذة كلية كولومبيا في نيويورك كتاب تاريخ قضاة مصر تأليف أبي عمر محمد بن يوسف ابن يعقوب الكندي مع شروح لأبي الحسن أحمد بن عبد الرحمن بن برد عن نسخة وجدت في المتحف البريطاني وهو في ١٥٠ صفحة وثمنه ثمانية فرنكات. الفحم الحجري نشرت إحصائية المجلس التجاري في أنفرس إحصاء بحاصلات الفحم الحجري في العالم من سنة ١٨٥٠ إلى سنة ١٩٠٦ فدلت على أن محصوله كان في منتصف القرن الماضي ٨٩٨٨١٣٥٧ طناً وما برح ينمو حتى بلغ سنة ١٩٠٦ ، ١٨٩٣٢٤٩٥٥٧ طناً أي أنه زاد عشرة أضعاف عما كان يستخرج من الولايات المتحدة ٣٧٥٣٩٧٠٠٠ طن وتجيء بعدها بريطانيا العظمى فتستخرج ٢٥١٠٥٠٠٠ ثم ألمانيا تخرج ١٣٦٤٨٠٠٠٠ ثم فرنسا فالبلجيك. مقاومة السكيرين سويسرا من أكثر البلاد الأوروبية مقاومة للمسكرات ومما رآه الأستاذ فوريل أحد أطباء المجاذيب فيها لمقاومة السكيرين وتحقيرهم أن تجعل إدارة السكك الحديدية مساء كل أحد مركبة أو مركبتين تكتب عليهما (للركاب السكارى) فكل من شوهد أنه سكران أو شرب مسكراً يدعى إلى الجلوس في تينك المركبتين إن أراد السفر وهي طريقة تندى لها وجوه من لهم إحساس من الركاب الذي يتعاطون المسكرات فيقلعون عنها. سكة حديد بغداد كثر الباحثون في هذه السكة ومستقبلها وجلهم يحسنون الظن بها ويعلقون الآمال الواسعة على ما سيتم من العمران في البلاد التي تجتازها. وهذا الخط هو أعظم خط حديد أنشيء في البلاد العثمانية بل أهم خط قام لأنه يربط أقصى المملكة بأقصاها ويمر في أصقاع كان لها مجد قديم وحضارة زاخرة وطوله ألفاناوثمانمائة كيلومتر ويكلف خمسمائة مليون فرنك أو أمكثر ويقتضي له العمال والأعمال والأدوات والآلات الجسور والقاطرات وغيرها ما لا يكاد يقع عليه الحصر ويتيسر أن تقطع المسافة بين الأستانة وبغداد في خمسة أيام وهي الآن لا تكاد تقطع في خمسين يوماً لراكب المطايا. يقولون أن بلاد بابل وآشور ستحيا بعد مواتها بهذا الخط الحديدي وأن آسيا الصغرى سيرجع لها ما فقدته من أسباب العمران وسيكون من العراق مصر جديدة تزرع القطن والحنطة على شطوط الرافدين ودجلة والفرات فتخسر بذلك مصر بعض وارداتها ولاسيما أن السكة البغدادية ستتولى نقل البريد إلى الهند وتختصر الطريق من البحر فتفقد السويس بعض مكانتها لأن البريد الهندي ينقل عن طريق الأستانة فبغداد فالكويت فبمباي في عشرة أيام وهو الآن لا ينقل من طريق السويس بأقل من أربعة عشر يوماً. وتقول مجلة العالمين أن مخبآت مدينة هارون الرشيد وما يروى عنها من الأقاصيص الشعرية ويجري في مخيلات العامة من ذكرى عظمتها الغريبة على عهد الخلفاء ومساجدها العربية ذات القباب والتيجان وأسواقها وفنادقها ـ كل ذلك أثر في عقول كبار ملتزمي مد هذا الخط الحديدي فحلموا بتمديده إلى بغداد وما أكثر المطامع التي أخرجت هذا المشروع من القوة إلى الفعل. وقد نشأت فكرة الملاحة في نهر الفرات وربط الهند ببغداد منذ ستين سنة فنالت شركة إنكليزية سنة ١٨٥١ امتيازاً بإنشاء خط حديدي من السويدية أي سيلوسيا القديمة في خليج الإسكندرونة إلى الكويت على الخليج الفارسي وإذ لم تحصل على رهن للضمانات الكيلومترية سقط امتيازها. وفي سنة ١٨٧٢ عاد مشروع سكة السويدية والكويت إلى الحياة وقدرت نفقاته بعشرة ملايين جنيه وطوله بألف وأربعمائة كيلومتر ولكن قلة ما في طريقة من البلاد العامرة التي يرجى الانتفاع منها صرفت القلوب عنه. وتحدث الناس في لندن بعد فتح ترعة السويس أن تربط الإسماعيلية بالكويت بخط حديدي يمر بصحارى بلاد العرب وكان هذا الفكر من الأحلام ولا يبعد أن يتحقق أمره بعد زمن. وحاولت روسيا أن تمد سكة من طرابلس الشام إلى الكويت مع إنشاء ناشطة (فرع) منها إلى كربلا بحيث يجتاز بادية الشام وطوله ثمانمائة كيلومتر فسقطت أماني الشركة التي تألفت بطبيعة الحال ثم تعاقب نيل الامتيازات في آسيا الوسطى فأنشأت شكرة إنكليزية سنة ١٨٥٦ سكة حديد أزمير ـ دينار وقامت بعدها شركة إنكليزي أخرى فنشأت سكة حديد أزمير ـ قصبة وهي ساردس عاصمة كيريزوس ثم امتدت إلى مدينة الأشهر وتعاقبت الشركات الفرنسوية والبلجيكية والعثمانية في الأناضول والروم إيلي. ولقد شبه بعضهم البلاد التي مر بها خط إسكي شهر ـ قونية بمضايق سويسرا إذ ضل فيها الصليبيون بزعامة غودفري دي بوليون وقاسوا الأمرين من الجوع والعطش ولذلك تحامى الدخول فيها كونراد الثالث أحد ملوك الصليبيين من الألمان وفريدريك الأول الألماني الملقب ببربروس وقيل أنهما خفا إلى الخروج منها. فمشروع السكة البغدادية اليوم ألماني وفي ألمانيا نشأ وكبر حتى أخرج من القوة إلى الفعل ولا سيما بعد أن كثرت صنائع الألمان وصادراتهم وهم يلوبون على مصرف يصرفونها فيه فنظروا ذات اليمين وذات الشمال فلم يروا أحسن من هذه البلاد وخصوصاً وقد نالت الشركة احتكار مخازنها ومستودعاتها والانتفاع بالشلالات والمعامل الكهربائية والمناتجم المختلفة على طول هذه السكة وما يتفرع منها على مسيرة عشرين كيلومترً من كل جهة عن يمين الطريق وشماله. فاستفاد التجار الألمان وسيستفيدون من هذا الخط كثيراً لأن الأقطار التي سيجتازها ما زالت بكراًُ لم تمس فآسيا الصغرى لم تستثمر إلا من جهتها الغربية على يد شركات إنكليزية وفرنسوية. أما أرمينية وبين النهرين والعرق فإنها لم يدخلها إلى الآن غير علماء الآثار فقط وما أشبه آسيا الصغرى ببلاد إسبانيا فهي محاطة بجبال شاهقة وحيث يقل المطر فهناك القفر. والسكان بادية رحالة يقتاتون بمواشيهم وينتجعون لها الكلأ فهذه القطعة من تلك البلاد هي أشبه بمملكة قشتالة لقلة خصبها وأمراعها ولكنك ترى فيما يحيط بتلك الشبه جزيرة في سفوح تلك الجبال وما يتخللها حيث تنساب المياه على أعلى قمم الأطواد وتتحلل من ثلوجها الحدائق الغلب والحقول العامرة بالذرة والحنطة والشعير والكرمة والرمان والزيتون والبرتقال والنخيل فهذه البلاد أشبه ببلاد الأندلس. ولقد عرف الرومان واليونان أن يحسنوا الانتفاع من تلك الأصقاع الغنية قديماً وسيكون من نصيب الخط البغدادي اليوم أن يعيد إليها بهاؤها فهو سيجتاز مملكة كريزوس أي قونية وقيصرية وأرغلي وما دامت البلاد قريبة من الساحل فبشرها بالرخاء وبشر حاصلاتها بالتصريف وكلما بعدت عنه فهناك الشقاء المبين. ومنذ سنين كنا نسمع بأن بعض العمال يحرقون الحنطة التي يأخذونها عشوراً لأنهم لم يجدوا سبيلاً على نقلها إلى البلاد التي تحتاج إليها وكذلك قل عن الفلاحين وزهدهم فيما تخرج أرضهم من الغلات والثمار بعد أن يفيض عنهم أضعاف أضعاف ما يلزمهم. هذا ما كان من آسيا الصغرى أما بلاد أرمينية وآشور وبابل فستحيا حياة طيبة بعد أن حربت منذ خمسة آلاف سنة وزيادة وبعد أن دام عمرانها الغريب ثلاثة آلاف سنة فعدت من أعظم الممالك تمدناً وحضارة. هذا وشمس تلك البلاد شمسها ومياهها مياهها وارضها أرضها. والبلاد من حلب إلى الموصل ينبت فيها القطن وفي الموصل كان يعمل الشاش الرفيع وإليها نسب اسمه الغربيون كما نسبوا اسم الدمقس عندهم إلى دمشق. وقال بعض الباحثين في هذا الخط أن العراق كان على عهد العباسيين يغل عشرة ملايين طن من الحنطة ويطعم ستة ملايين من السكان وليس فيه اليوم أكثر من نصف مليون نسمة يعيشون في مسكنة وأن السكة البغدادية ستضمن الأمن والتجارة في تلك الربوع فتعود غليها حياتها السالفة وتكون بقطنها ونخيلها وحبوبها مصراً ثانية وتستثمر مناجم الحمر الموجودة على الضفة الشمالية من دجلة في سفوح سلاسل جبال فارس ومنابع زيت البترول التي يعبث بها الآهلون فيوقدون فيها النار للتسلية إذا مر بهم سائح عظيم ويقتضي ذلك عشرين سنة من الزمن فيأتي الماليون بأموالهم ليستثمروها في تلك البلاد كما استثمروها في عبر القافقاس وتركستان وإسبانيا ومصر وتأتي البضائع الألمانية لتصرف على أهل تلك البلاد وينهال علماء الألمان للبحث عن آثارها وعظمتها ويخلدون لأمتهم من المفاخر مثل ما خلد ماريت وشامبليون الفرنسويان في مصر من الآثاؤ والمحامد. إن الألمان في مدهم الخط الحديدي في بلاد يكاد يكون أكثرها خراباً الآن قد تعلموا بما استفادوه من دروس ملوك السكك الحديدية في الولايات المتحدة أمثال فندربلت وهاريمان ممن أثبتا لأوروبا بأن السكة الحديدية ولو مدت في قفر تكفي لأن تحيله روضاً ممرعاً آهلاً بالسكان وآية من آيات العمران. قدر العمر تحت هذا العنوان نشرت مجلة الحياة البيتية الفرنسوية مقالة لطيفة قالت فيها ما تعريبه: قال طبيب إنكليزي اسمه أوسلر منذ عهد ليس ببعيد في خطاب فاه به أمام طلاب إحدى المدارس الجامعة في أميركا رأياً أحدث بعض الهياج في الأفكار وهو أن الرجل إذا بلغ سن الأربعين يقل الانتفاع به على الجملة وإنا لو تأملنا مجموع الاكتشافات والأعمال البشرية وأسقطنا منها ما تم للناس بعد بلوغ هذه السن لتجلى لنا أن عمل الناس بعد الأربعين لا يعد شيئاً مذكوراً. فالعظائم قام بها العظام قبل أن يتجاوزوا الأربعين من أعمارهم والعمر الحقيقي الذي ينتج فيه المرء ويبني به المجد هو ولا جرم بين الخامسة والعشرين إلى الأربعين وإن المرء إذا جاوز الستين ينقطع عمله ولا يستفاد منه بتة. قال وقد نرى من بلغوا هذه السن من الأمم الراقية يعهد إليهم بإدارة الحياة السياسية والتجارية أو الصناعية ولكنهم قلما أغنوا الغناء المطلوب وأثمروا ثمرة جنية. على أن بعض المناصب قد يعهد بها إلى أناس من أبناء الستين ولو وسدت إلى أقل منهم سناً لحسن أثرها أكثر ولكن أناساً كثيرين أتوا بعد الستين من جلائل الأعمال ما هو من مفاخر الدهر أمثال غلادستون وبسمرك ومولتكه. وبديهي أن ذلك لا يثبت أن أعمال الشيوخ أرقى من الرجال الذين استكملوا قوتهم وفي ذلك ما يدل على أن الرجل قد ينيف على الستين وهو حافظ لقواه العقلية في معاناة المطالب العالية. لا جرم أن دعوى الأستاذ أوسلر منقوضة برجال جاؤوا والنفع تم على أيديهم بعد أن شابوا ووهن العظم منهم. ومن هذه الفئة كانت ملك الفلاسفة فإنه لما نشر كتابه (فقد العقل المحض) كان ابن سبع وخمسين سنة ولو صحت قضية أوسلر لكان كانت معدوداً في الغابرين منذ سبع عشرة سنة. ومن المحقق أن كانت قضى حياته كلها في التأمل بفلسفته وليس ثمت دليل على أنه قضى عمرها بعد سن الأربعين منقطعاً عن كل عمل ولا يتأتى أن ندعي أن كانت لو مات في الأربعين لما خسر العالم بموته شيئاً من كتاباته. وإذا بحثنا في حياة لابلاس الفلكي فإنا نجده قد قال رأيه في نظام العالم حوالي سن الخمسين ولم ينجره إلا عندما أناف على السبعين. وكذلك الحال في حياة ليل العالم بطبقات الأرض مجدد هذا العلم فإنا نراه قد أتم معظم أعماله بعد سن الأربعين ولم يتخلص من قيود تقليد ما تعلم غلا بعد أن جاوزت سنة الربعين ودخل في دور التجديد. وهكذا قل في داروين فإنه لما بلغ التاسعة والأربعين لم يكن قد أتى غير البحث وجمع الحوادث ففي سن الخمسين طتب كتابه (صل الأنواع) وكلنا نعلم أنه نشر أهم أعماله من سن الخمسين إلى السبعين وكان عمره اثنتين وستين سنة عندما كتب كتابه (أصل الإنسان) ويصدق على هربرت سبنسر ما يصدق على داروين في قوة العقل في الشيخ وقتها في الكهل والشاب أو أكثر فقد بلبغ الحكيم الأربعين من عمره ولم يعمل غير استعداد لما يريد القيام به وهو لا يهتدي إلى السبيل المؤدية إليه. أتت عليه أربعون سنة وهو لم يرسم (فلسفته التأليفية) إلا رسماً خفيفاً وفي الثانية والأربعين نشر المبادئ الأولية وفي الثانية والخمسين نشر مبادئ علم النفس وفي السادسة والخمسين نشر كتابه (علم الاجتماع) وفي الحادية والستين نشر كتاب (العدل) ولما أتم أعماله كانت قد بلغت سنه الثمانين. وذا تخطينا رجال العلم والحكمة إلى النظر في تراجم الساسة وأرباب الرجل نجد كثيراً أمثال بسمارك وتيرس بل وفرنطكلين الذي خدم بلاده في السبعين من عمره وكان سبباً في تأسيس الوحدة الأميركية كما نجد خريستوف كولمب قد اكتشف أميركا في السادسة والخمسين من عمره وطاف ماجلان حول الأرض وهو في التاسعة والربعين ولعل صاحب تلك الدعوى يقول أنه لو كان غير هؤلاء واصغر منهم سناً مكانهم لعمل عملهم ولكن من الثابت أن من كانوا قبلهم وعلى عهدهم أصغر منهم عمراً ولم يأتوا ما أتوا. ولا يفوتنا هنا ذكر العالم الألماني هومبولد فإنه كتب أهم كبته (الكوسموس) وهو في السادسة والسبعين ولو صح قول الأستاذ المشار إليه لكان هومبولد منذ ٣٦ سنة قليل الفائدة على الجملة. وقليل في أسفار العلماء يحوي ما حواه كتاب هومبولد من بعد النظر وسعة المدارك. وكذلك كان شأن كيتي فإنه كان ينيف على الستين عندما رسم نظريته في الألوان وفي الخامسة والستين انصرف إلى أعمال علمية ولم يكن يعانيها من قبل وبرَّز فيها وكان في الثمانين عندما أنجز كتابه (فوست) وأحسن فصوله ما كتبه في آخر أمره. ومن جملة علماء الموسيقى وانيير الألماني فإنه لم يبلغ قمم مجده إلا في الخمسين ومعظم كتبه النافعة نشرها بعد الستين وكذلك الحال في هايدن الموسيقي الألماني وهاندل وفيكتور هوغو كان في الخمسين غيره قبلها وكذلك باستور. وبهذا رأيت أن رأي الأستاذ أوسلبر لا يخلو من غرابة كان فيه بعض الحق. فالأمر موقوف على نوع العمل الذي يُعمل والصفات التي يحرزها العامل. ومن الثابت أن كثيرين يعجلون كثيراً في الانقطاع عن تنمية قوتهم العقلية ويدخلون في مضمار فيعلمون في الحال ما يلزم له دون أن يتمكنوا من زيادة شيء يذكر بعد ذلك فهؤلاء هم من الفئة التي يعجل لها قلة الفائدة. ولكن الرجال الذين يثابرون على التعلم إلى الخمسين أو الستين ويظلون يبحثون ويوجدون الحقائق أو يخزنون الأفكار والقضايا وينسقون وضعها ـ الرجال الذين لا ينفكون عن تنمية عقولهم على الدهر بما يعانونه من الأعمال التي تستدعي اهتمام الذهن وانصراف القلب هؤلاء يدوم أمد الانتفاع بهم ولو بلغوا أرذل العلم وكثيراً ما يتأخرون في الإبداع والإيجاد إلى الربعين والخمسين ويظلون يبدعون إلى خاتمة أعمارهم أي السبعين والثمانين. وما رأيناه من أعمال بسمرك وغلادستون ومولتكه في تغيير حال السياسة في أيامهم أكبر دليل على أن المعمرين ليسوا بنتائج عقولهم دون من لم يعمروا مثلهم في النشاط والفضل وأن الشيوخ لا يلزمون بيوتهم بدون استثناء ويجلسون إلى مواقد النار للدفء وقضاء الوقت في التسلية. نفاضة الجراب ويل للمطففينقصة نقلتها المجلة الباريزية الى الافرنسية من اللغة الدانميركية لمؤلفها جستور بالسوم ١ قامت مدينة أييري التجارية الصغيرة في جزيرة أيسلاندا في مكان بهيج على لسان من اليابسة يدخل في البحر ويتمثل للأعين ضيقاً يكتنفه من التلعات والمنحدرات العالية ولم يكن في هذه المدينة قديماً غير محل تجاري واحد وجواز تجاري صادر عن ملك الدانيمرك وهذا المحل يعرف من النظر إليه لأول وهلة. والمعروف في تلك البلاد أنه ملك رجل اسمه كريمور أنشأ هذا البيت التجاري في دار قديمة العهد على ما تشهد بذلك أعلامها وراياتها وكانت تمتاز بقلة ارتفاع حوائطها المتناسبة مع علو السقوف وكان في الشبابيك السفلى ألواح صغيرة من الزجاج وفي الطبقة العليا غرف صغيرة وزوايا صغرى كأن الظلمة من مميزاتها. أما الآن فإن كريمور التاجر كان قد شاخ وابيضت لحيته كلها وكان ابن زهاء سبعين سنة ولكنه لم يكن في الحقيقة يعرف عمره على وجه الصحة إذ قد مضى عليه زمن طويل وهو لا يحسب أيامه وأعوامه لأنه قضى حياته في حساب أمور أخرى أهم في نظره من غيرها. مضى عليه نحو نصف قرن عندما فتح مخازنه في آييري ولم يصرف ساعة من هذا الزمن إلا في ادخار المال بكل الوسائط وكان ذلك من السهل عليه إذ لم يكن ثمة أحد يباريه في تجارته بل لم يخطر على بال أحد أن يناهضه. وتعاقب جيلان من الناس بدون أن يحاول فرد فذ أن يقيم في تلك البلدة لينازعه في زبنة (زبائنة). فكان وحده مستأثراً بحلواء الأرباح عرف من أين تؤكل كل الكتف فلم يراع في جميع أعماله إلا مصلحة نفسه فكان الحاكم المتحكم في مدينته يقنن قوانينها ويتصرف بحلوها ومرها. فكل شيء يباع في محلة بضعفي قيمته أو بثلاثة أضعاف والبضائع التي يبيعها من الناس تساوي ثلاثة أضعاف أقل مما تساوي في أي محل من المحال التجارية في أيسلاندا وكان مع هذا لا تأنف نفسه من غش زبنه في كمية البضائع وكيفيتها ويتقاضى عند الحساب ثمن بضائع لم يبعها ولا استلمها المبتاع. ولذلك لم يكن مما يدعو إلى العجب أن تقل البركة في آييري وضواحيها ولا يجد أهلها فلاحاً. كل ذلك وكريمور لا يهتم لما يجني على الناس ويكفيه على الدوام أن يزيد أعماله وأرباحه. وبديهي أن كريمور لم يكن محبوباً في بلدة آييري إذ كان زبنه يعرفون كيف يعاملهم قبل أن يدخلوا مخازنه التي كانت قطعة من جهنم. ولقد شكا الناس كلهم من حاله إلا أن الفقراء كانوا أحق بالرثاء من غيرهم من السكان. وزد على ذلك فإن كريمور تولى منذ زمن طويل زمام جمعية الإحسان العام وأصبح يجز صوف الفقراء ويختلس الأموال المجموعة لإعالتهم والإدرار عليهم حتى لقد شاع على الألسن بأن ليس في آييري بائس يلجأ إليه إلا ويرجع من لدنه أفقر مما أتاه وكان من مبدأ كريمور أن الفقر مفسدة أبداً وأن المحاويج كلهم من الكسالى والمسرفين وكل من يطلب معونته يعامله أسوأ معاملة فلا يعود إليه بعدها مهما برحت به تباريح الفقر المدقع. ومن أخباره أن بعض البائسين مدوا أيديهم إليه يستنجدون نواله فضربهم عليها ضربة كسرها وبقي أثر الكسر بادياً عليها. بيد أن المضروبين ما قط شكوا أمرهم لأحد. وذلك لما وقر في نفوسهم من أن دعواهم عليه لا تسمع لأنه غني وتجارته ناجحة. فالقضاء إن لم يكن له فلا يكون عليه من أجل مظهره. ومما لا شك فيه أن كريمور كان آية في نشاطه لا ينازعه في ذلك منازع يعمل حتى يكاد يتصبب عرقاً كما يعمل الوحش الضاري وقد قبض بكلتا يديه على فريسته. فيباكر بكور الزاجر إلى مخزنه قبل جميع مستخدميه ويخرج منه بعدهم كلهم ويتعب تعباً لا مزيد عليه بحيث لو جمع تعبه وقيس بتعب بضعة أفراد من مستخدميه لرجح تعبه لات محالة. فكان يضع بيده المعاجين ويكيل بيده الخمر ويزن القهوة ويخاطب الفلاحين ويمسك دفاتره بيده ليقيد فيها ولم يكن بحاجة إلى التقييد والحساب لأنه يأخذ ما يشاء وهو لم يتعلم ولا يحسن الكتابة إلا قليلاً. ولا يمنعه ذلك من أن يضع بيده الصوف والشحم في ميزان ويدفعه بيده قليلاً ليرجح ومن العادة أن يطالب المبتاع أن يحسن الكيل والوزن ولكنه إذا طالب بذلك يضحك منه كريمور ويجيبه باسماً رافعاً كتفيه أو مردداً بعض الألفاظ، فإذا ذهب الزبون يلتفت كريمور إلى مستخدميه ويوعز إليهم أن يستعملوا الكيل والميزان كما يستعملهما هو ويريدهم على أن يطففوا ويتلاعبوا ويقول لهم أن مهارتهم في ذلك متوقفة على حسن التخلص بلباقة. ومع هذا فقد كان قاسياً من وراء الغاية في معاملة مستخدميه وقد يقعد أحد منهم عنده زمناً مع أنه من الصعب إيجاد تجار آخرين يخدمونهم إذا خرجوا من محله وما كان يناديهم بغير الفظاظة والألفاظ الفجة الوحشية ويطعمهم أردأ طعام ولا يمتنع في الأحايين من صفعهم ليثبت لهم بأن يده خفيفة في الضرب خفتها في النشل والنهب. وما كان كريمور يعنى بطعامه ولكنه قد يتأنق بعض الأيام ويتناول قطعة من اللحم المحمر وقدحاً من الشراب وفي ذلك اليوم يدعو بعض أغنياء الفلاحين من أهل تلك الناحية لتناول الطعام معه ولكن هذه المآدب الخارقة للعادة تنتهي في الغالب على أسوأ حال وذلك أن الفلاح يذكر له في خلال الحديث الغلط الذي وقع في ورقة الحساب الذي كان بعث به إليه التاجر فيجيبه كريمور بحدة وتنتهي حالهما من الكلام إلى الشتائم ومن الشتائم إلى الملاكمة وينهال الضرب على المدعو ويطرد من بيت التاجر طرداً. ومن المحقق أنه لم يلتئم أحد معه قط وقد تزوج أربع مرات وماتت أزواجه الأربع سأماً من الحياة معه. وكان كريمور يتعزى عن فقدهن في الحال إذ لم تأت السنة على فقد الواحدة حتى يكون عروساً في آخرها. دام ذلك إلى أن ترمل للمرة الرابعة وقد رزق ولدين من زوجه الأولى ماتا كلاهما واسم البكر آرني كان ساقطاً حقيراً شريباً خميراً يكره كل عمل حتى انتهت الحال بوالده أن طرده من بيته فأخذ يقرع البيوت ويستجدي الأكف في آييري وهو يسكر حيثما نزل وكيفما اتجه. ثم سدت في وجهه جميع الأبواب فرجع إلى دار أبيه طافحاً سكراً فطرده أبوه ولما لم يقدر أن يقف على رجليه زحف إلى السرب (قبو) وكان غير مقفل كما ينبغي فشوهد في الغد ميتاً وهو ملقى على كوم من الصوف أما ابنه الثاني المدعو يوحنا فكان على العكس من أخيه حسن السلوك ذكياً للغاية لا يكل ولكنه غرق بينا كان يسبح في البحر في العشرين من عمره في آخر سنة له في المدرسة فكان فقده على كريمور أول يوم حزن فيه مدة حياته. فقد تلقى مصابه بفقد زوجاته الأربع غير مكترث لما أصابه ولكنه لما كان يذكر أمامه ابنه يوحنا كان وجهه يتغير على أن حزنه عليه لم تبد في وجهه إماراته بكثرة واكتفى بأن يقول أن دفن الميت يكلف كثيراً وأن جميع الشعائر التي تقام في الجنازة لا تفيد الميت شيئاً ومن رأيه أن يجعل الميت في تابوته وأن يحمله أهله إلى المقبرة بدون توسط أحد من رجال الدين لما في ذلك من الاقتصاد في النفقة والتخفيف عن الميت وآله. وكان اسم زوجته الأخيرة كودرون وهي أنشط نسوانه الأربع ولما بنى بها كريمور شعر بالشيخوخة وضعف الذاكرة وتقهقر الأشغال. ولكنها عندما استلمت إدارة بيته وضعت كل شيء موضعه وسار كل شيء على نظامه وأخذت تجارته حياتها السالفة وذلك أنها كانت منتبهة للغاية فتدخل مرات كل يوم إلى المخازن على غفلة لتفاجئ المستخدمين وتنظر في الدفاتر وتحقق الحسابات وتكلم الزبن إذ كان لسانها فصيحاً كما كانت يدها رشيقة وحركتها خفيفة. على أن الشيخ كريمور لم يرض عن زوجه لأنها كانت تتراءى له بأنها تكلفه من النفقة أكثر ممن تقدمها من زوجاته. ويعتقد أنها مسرفة لأنها تريد أن يكون لزوجها ما يجب أن يكون له وأن يقبض كل واحد أجرته وهو مما يسميه جنوناً وقلة تدبر. وعندما كانت تطلب منه دراهم كان يردد أبداً عليها نغمة واحدة وهي: أن القليل الذي استطعت أن اقتصده سيبذر في الحال عندما أقضي نحبي. . بيد أنه ما تنبأ به لم يتحقق قط فماتت كودرون ولداً فانحصرت ذرية كريمور في طفل اسمها ماركوس وهو ابن ابنه يوحنا المتوفى وكان ولداً متعقلاً ولكن صورته مزرية وقليل النشاط والحركة فتبناه جده بعد أن فكر زمناً أن يتركه عالة على المدينة ولم يرض بقبوله في بيته غلا تخلصاًُ من أن يكون فريداً وحده لا عقب له. ٢ ماتت كودرون فكان موتها فاتحة سوء الطالع على كريمور فاتخذ خادمة بعد أخرى وكلما غير خادمة تزداد حال بيته اختلالاً فهن لا يعرفن إلا الإنفاق ولم تجرأ واحدة منهن أن تعمل له عملاً نافعاً لأن الشيخ كان كثير الظنون والسارقات والسارقون يعبثون بأمواله في كل مكان. على أن حذره لم يحل دون دخول فساد على أعماله فأخذ المستخدمون لا يخافون بأسه وكل منهم يسرق من المخازن ما يروقه ناسياً بالقصد أن يقيده فدخلت تجارته في دور الانحطاط وأصبح كريمور إذا غضب وأراد أن يعاقب المتلاعب من كتبته وخدامه يمسكون بذراعيه ويديه فلا يفلتونها إلا إذا رضي بأن يعود إلى السكون ولا يعود إلى العربدة. وحدث في غضون ذلك حادث كان فيه القضاء المبرم على هذا التاجر ومحله وذلك أن تاجرين غريبين جاءا ذات يوم إلى آييري وأنشأا محلاً تجارياً فأخذ زبن كريمور يتخلون عنه واحداً بعد واحد فخفض أسعار بياعاته إلى أرخص مما يبيع ذانك التاجرين وزاد في رواتب مستخدميه إلا أن ما أتاه لم يأته بفائدة وارتفعت ثقة الناس من محله منذ زمن وأصبح في الحور بعد الكور وفي الخسران بعد الربح حتى لم يعد يرض أحد من الفلاحين أن يعامله مخافة أن يعود ثانية فينشب فيه مخالبه ولكن كريمور بذل جهده في مقاومة سوء البخت فكان يدفع كل سنة من ماله عجزاً كبيراً. وكان من هذا الجهاد أن قل ماله بالتدريج وكل ما يصرفه من ثروته على هذه الصورة كان في الحقيقة من لحمه ودمه فاستولى الضعف على قواه الطبيعية وحل الوهن محل القوة التي كانت عضده في شؤونه خلال خمسين سنة وأقام عنه وكيلين لإدارة أعماله ولم يكن منهما إلا أن زادا الطين بلة وأخذا بسوء سلوكهما يبعدان الفلاحين عن معاملة المحل كما كانوا من قبل وكانا يصرفان معظم النهار في ملاطفة صاحب المحل ليحلا من قلبه مكاناً يتذرعان به إلى نيل مآربهما منه ومن ماله فيحتالان على مدح جميع أعماله ليحرزا ثقته ولم يكن إلى ذلك العهد قد وضعها في إنسان وما اقتربا منه إلا ودعواه بيا صديقي العزيز ويقال أنهما كانا يسرقان من الصندوق أكثر مما يضعان فيه من الدراهم. وبعد ذلك وفق كريمور إلى الظفر بخادمة على هواه تتولى أمور بيته اسمها مريم جاوزت الخمسين من سنها وتمرنت في خدمة البيوت ومعاناة الرجال وكان ما يرضيه من طبعها في الأكثر هو أنها تمقت كل المقت ما كان يسميه بالنظافة والنظام اللذين لا فائدة منهما فلا تمسح أرض الدار إلا في الأعياد الكبرى ولا تكنس الغرف إلا صبح الأحد ولا تعنى بزينتها إلا إذا بقي لها وقت فكانت (فرشات) الثياب يطول عمرها معها لأنها قلما تستعملها في نفض الثياب. تخف أبداً إلى الاقتراب من ذاك الشيخ وتطيعه لأول كلمة يفوه بها وتقص عليه ما يجري في الدار والمخزن والمدينة وما يقال فيها وما لم يقل وتنسب سوء القصد لكل من كان لكريمور بعض الثقة فيه وتزيف أقوالهم وتوردها في قالب لا يفهم منه لا عكس ما يراد منها ثم تعرض عليه بأن الناس كلهم يسرقونه إذا لم يعهد إليها بأن تراقبهم. فوقع كلامها من قلب الشيخ موقع التصديق حتى زادت ثقته بالناس ضعفاً واقتنع بأنه محفوف بفئة لا غاية لها إلا أن تنهب ماله حاشا مريم فإنها الوحيدة التي ما عراه شك في أمانتها ولم تكن مريم تسرق مالاً بل توفر من جميع النفقات ولاسيما من الطعام وخصوصاً طعام المستخدمين فبدخولها بيت التاجر دخله الجوع. ومن المميزات التي اختصت بها مريم أنها كانت تحسن الانتفاع بكل شيء وما قط طرحت بقية من بقايا اللحم ولذلك كانت تستنشق في غرفة كريمور التي يقف فيها عندما يترك مراقبة المستخدمين روائح كريهة منبعثة من تلك اللحوم المدخرة. عرفت مريم كيف تحسن معاملة زوجها وتستولي على عقله كما تحسن معاملة الناس وتخدعهم وكان صوتها رقيقاً تتلطف مع الزبن وتلاطف الأولاد وتوهم كل من يكلمها لتتوسط له أمام كريمور أنها مساعدته فيما يريد وأنها مبرأة من كل غاية إلا من النفع العام على أنه لم يحدث من أثر هذه الغيرة كلها ما يعود على محل التاجر بالفلاح وأخذ الانحطاط يزادا في أشغاله يوماً فيوماً على ما تبذله هذه الخادمة من وسائط نجاحه. وكان لكريمور في غرفة مجاورة للغرفة التي ينام فيها خزانة من شجر الكابلي جعلها صندوقاً لوضع ماله ولما كانت أعماله سائرة على قدم لنجاح كنت ترى جرار الزانة طافحة بالنقود الذهبية والفضية وفي وسطها أكياساً ملأى فأخذت هذه الأكياس تنقص شيئاً فشيئاً منذ انحطت تجارته حتى لم يبق واحداً منها بل قل ما كان في الجرار من النقود وفرغ كثير منها بتة. ٣ حدث ذات يوم من أيام الخريف بعد أن عادت القطعان من المراعي أن منافسي كريمور في تجارته باعوا من فلاحي آييري كثيراً من البضائع أتتهم بأرباح وفيرة ولما نمي الخبر إليه انزعج انزعاجاً شديداً وأصابته سكتة دماغية فوقع في مخزنه لا حراك فيه فنقل إلى غرفته وأضجعوه في سريره واستدعوا الطبيب. وكان هذا شاباً لم تمض بعد سنوات قليلة على نيله الشهادة سكن في تلك البلدة حديثاً. فخف لفحص المريض فرآه غائباً عن رشده فقضى الليل كله بالقرب من سريره وهو يمرضه ولما طلع النهار رجع إلى الشيخ كريمور صوابه. ودام دور نقاهته طويلاً وأنشأ كريمور يسير على رجليه قليلاً حتى استطاع أن يطوف محله زاحفاً وكان الطبيب يعنى بصحته كثيراً. وكان هذا الطبيب قد حاز ثقة الجمهور لا لحذقه بل أنه اشتهر بالنضج. وما مكان للشيخ كريمور اعتقدا كبير في الطب لأن صحته القوة قد أعفته من اتلالتجاء إليه على ان الدكتور توردور قد استولى في الحال على عقله وكلما كان يزوره يتهلل وجه الشيخ كريمور بشراً وطلاقة. فكان الناقه ينتظره وهو جالس على كرسيه الكبير طول النهار ساكتاً لا يتكلم كالحجر الأصم وكانت الضربة قد أصبته في جانب فمه فأفلجته فلم يعد يتكلم إلا ببطء شديد ولا يلفظ في الأحايين إلا بعض مقاطع من الحروف كثيراًُ ما تكون مبهمة لا تفهم. أشار كريمور ذات يوم بعد أن انصرف الطبيب من غرفته إلى خادمته مريم أن تقترب منه وسألها أن تقرأ له شيئاً فأخذت من صندوقها التوراة وكانت الكتاب الوحيد الذي احتفظت به طول حياتها ففتحت باب رؤيا القديس يوحنا الإنجليلي وقرأت الآيات التي ورد فيها ذكر تعذيب من يعذبون في النار والكبريت لا تنالهم الراحة ليلاً ولا نهاراً. فقاطعها كريمور والغضب آخذ منها قائلاً: ما أنحس هذا النبي يوحنا يتكلم عن هذه النار وهذا الكبريت اللذين ليس لهما أساس. وحدق بها بعينيه اللتين كانت تبرقان بشرر الغضب فذعرت منه حتى ارتجفت كلها وعادت فأخذت بيدها الجورب الذي كانت تحيكه قبل أن تشرع في القراءة له. أما كريمور فلم يرفع نظره منها وظل ساكتاً لا يتكلم وأخذ وجهه يتغضن أبشع تغضن من هنيهة إلى أخرى ويحرك ذراعيه وكأنه يريد طرد أحداً يهدده بالقبض عليه. . وكانت غرفة الخادمة متصلة بغرفة سيدها فذهبت إليها عندما رأته قد نام إلا أن النوم لم يجئه في تلك الليلة ولم يتمكن من إغماض جفنيه وترك نظره يسرح وهو في قلق يبدو عليه في غرفته وأخذ من وقت إلى آخر يتنهد ويلفظ كلمات متقطعة. وكان بالقرب من سرير كريمور منضدة صغيرة يضيء عليها مصباح في الليل منذ وقع مريضاً ومن عادة مريم أن تنزل الفتيل للاقتصاد من الزيت وهكذا رسمت ظلالاً مشوشة على الحائط. وفي تلك الليلة أراد كريمور مخالفة عادته في ترك الفتيل صغيراً بحيث لا ينطفئ فقد وأراد أن يكون يكبره ليكون ضوءه كثيراً لأن الظلام كان يخيفه. فظنت مريم أن الشيخ راقد وأخذت تسير نحو غرفته سيراً لطيفاً فلما سمع وقع قدمها صاح والذعر آخذ منه: مريم مريم. فأجابته فقال لها أتظنين بأن الموت سيأخذني؟ فقالت له: إن الموت بعيد عنك لأن صحتك تحسنت كثيراً عن ذي قبل وعما قريب ستشفى كل الشفاء فأجابها بقوله: نعم صحتي أحسن وقريباً اشفى ولا أموت. ثم سكت وخفت مريم بالانصراف من غرفته فناداها قائلاً: أتعتقدين يا مريم أنني سأذهب إلى النار متى حل بي ريب المنون؟ فأجابته: أنت تروح إلى النار سامحك الله على مثل هذا الفكر أما أنا فلا أعتقد بأنه يخشى عليك من النار. ولما سمع ذلك أجابها: نعم لن أذهب إلى النار. ثم غاص في بحر السكوت من جديد وعاد فقال لخادمته: هل عملت شراً وارتكبت كبيرة أعاقب عليها؟ فقالت له: كلا إنك كنت سليم الصدر أبداً وما قط أسأت إلى إنسان وعلى العكس فإن كثيرين قد أساءوا إليك فنهبوا منك مالك وخدعوك بكل حيلة من أحاييلهم. فأجباها بقوله: نعم إن الناس أساءوا لي. أساءوا لي هؤلاء الملاعين. ثم استولى السكوت عليه وقال بعد لحظة: أتظنين أن من خدعوني يروحون إلى جهنم. فقالت له: إذا نجا أحدهم من النار فيكون في نجاته وجه الغرابة. فأجابها: إن المسألة ظاهرة وسينتقم المولى لي منهم إذ يرى أنني عاجز عن الانتقام بنفسي لنفسي وإلا لما كان ثمت عدل. فنهضت مريم ورتبت وسادتي كريمور ووضعتهما وضعاً حسناً تحت إبطيه ليتمكن من الجلوس وتسريح النظر في الغرفة وبعد ذلك انصرفت لتنام وأطبق كريمور جفنيه ولم يعد يتحرك حتى ظنته قد رقد. إلا أنه لم يلبث هنيهة أن فتح جفنيه وأخذ منه الهلع وهو يحدق في زاوية الشباك ويصرخ هناك في تلك الزاوية ضوء أنجدوني فقفزت مريم إلى الأرض وأسرعت فأوقدت المصباح فبدد النور غياهب الظلمة وصارت الغرفة كأنها في رابعة النهار. وكان العرق يكلل وجه كريمور ويحاول أن يمسحه وهو يفيض عليه وعيناه تشخصان إلى كل ناحية من أنحاء الغرفة ذات اليمين وذات الشمال وفي اعلاها وأسفلها وشعره الأبيض كالثلج مسترسل على جبهته وعيناه تنظران وتحدقان والهلع آخذ من قلبه مأخذه. فأخذ يسأل مريم قائلاً: يا مرين أتعتقدين أن هناك جهنم؟ فأجابته أن سؤالك عن النار أشبه بمن يسأل عن وجود الله تعالى. فقال لها: إذاً فأنت أيتها المجنونة المقدسة تروحين إليها والناس كذلك لا سبيل إلى النجاة منها. فلم يسع مريم إلا أن قالت له: لا تفكر في هذا ليس ثمت مسمى لهذا الاسم (جهنم). فأجابها نعم ليس ثمت جهنم. والتفت كريمور إلى الحائط وأطبق جفنيه وقال لها: تسهرين هنا طوال الليل ولا تطفئين المصباح بل اتركيه موقداً يسطع بنوره. قال هذا وهو ينظر إلى السقف ثم تقلب وعندما رأى مريم قد جلست بالقرب من سريره وأنها أضاءت المصباح وأوقدت مصباحاً آخر بدا عليه الاطمئنان واستغرق بعد ذلك في النوم فنام حتى الصباح. ولما استيقظ أجلسته مريم في كرسيه حضر الطبيب فسأله عن صحته ثم كلمه في شؤون وشجون إلا أن كريمور كان مشغول القلب فلم يجب الطبيب بغير لا ونعم ثم انقطع الطبيب عن كلامه فأنشأ المريض ينظر إلى الطبيب وحاول أن يضحك من شق فمه الذي لم يُفلج وقال له: يقال أيها الدكتور أنك لا تعتقد بشيء. فأجابه الدكتور قائلاً: ما من أحد وهو لا يعتقد بشيء يا عزيزي كريمور. فقال هذا: أعني بقولي يا حكيم أنك لا تعتقد أي أنك لا تعتقد بالشيطان. فاستضحك وقال وهو يدرك ما يجول في خاطر صاحبه: أو تعتقد بأن للشيطان وجوداً؟ فقال كريمور: كلا لا وجود للشيطان. قال هذا وحاول أن ينهض من كرسيه وأمسك يد الطبيب فقال: كنت أعرف حق المعرفة بأن ليس ثمت وجود شيطان ولا جهنم أيضاً. فقال الطبيب: نعم أنا على ثقة من أن الشيطان وجهنم لا وجود لهما. فأجاب الشيخ المريض: إنك تعرف ذلك وأنت الذي درست العلوم وأحكمتها. فقال الدكتور: لا يعترف العلم بوجود شيطان ولا جهنم. فقال الشيخ إذا كان العلم لا يعترف بوجودهما فذلك لأنه صحيح. قال هذا وقد أخذ مقعده من كرسيه وأطبق جفنيه وسطع في وجهه بريق الفرح ثم همس قليلاً بصوت يكاد لا يفهم قائلاً: نعم ليس في الوجود شيطان ولا جهنم العلم يعرف ذلك ومن أعرف من العلم بمثل هذه الأمور. ثم فتح عينيه وأخذ يحدق في الطبيب وإمارات الشك تقرأ في وجهه كأنه يريد أن يبحث في ذهنه عن أمر لا يعثر عليه وينتظر الطبيب أن يعينه عليه. إلا أن الطبيب سكت وهو يتأمل في كريمور ويتلو في جبهته ما ينمُّ به قلبه الذي لا يكتم السر كالصبي. ثم ظهر كريمور مظهر من زال عنه همه وأخذ يد الطبيب وقال له: وماذا يقول العلم عن الحياة الثانية؟ فأجابه الطبيب العلم لا يستطيع أن يبين حقيقة العالم الثاني فإن هذه المسألة من المسائل الاعتقادية. ثم سأهل: وهل أنت يا دكتور تعتقد بالآخرة؟ كلا لا أعتقد. فقال المريض الظاهر أن ليس هناك آخرة إذ العلم لا يعترف بها ولا يثبتها. ثم ملكت على الشيخ كريمور مشاعره وسكت وأخذ يهز رأسه وفتح فاه وأغلقه ثم فتحه ثانية وأغلقه. وبدا على سحنته أن في قلبه سراً يريد أن يحل مشكلته وحاول الابتسام وإن منعته شفته المفلوجة منه فقال: من البلاهة بل غاية في البلاهة ما يذكرونه عن الجزاء بعد الموت وهل للجزاء من حقيقة؟ فاه بهذا السؤال وهو محتاج لجواب إيجابي فكان جواب الطبيب له: إذا عنيت بالجزاء أن على المرء أن يذكر ما قدمت يداه وأن هذا هو الجزاء فإنني لا أرى فيه شيئاً من البلاهة ولطالما اعتقدت بأن كل امرء في ذاته بل الإنسانية بمجموعها يجب عليهما أن يحاسبا عاجلاً أم آجلاً عما أتياه من الأقوال والأفعال في هذه الحياة الدنيا. ولما سمع الشيخ هذه العبارة قال: إنني لا أفهم. فأجابه الطبيب: ومع هذا فأنت مدرك ما أعتقده من أنه لا بد من وقت يجيء في هذه الحياة أيضاً ويكافأ فيها الخير ويعاقب الشر. فقال الشيخ يجازى في هذه الحياة بالذات هذا غير ممكن بل متعذر كل التعذر. ولما فاه الشيخ كريمور بهذه الكلمات فاه بها بلهجة الفزع وقد تمسك بذراعي الكرسي وهو يحدج الطبيب ببصره وقالا: كلا أنك لا تقول ما تفكر فيه وما أنت إلا مردد لما كنت سمعته فقل لي ماذا يقول العلم وما أظن العلم يقول بما أنت تدعيه فما يعلمك العلم؟ فأجابه الطبيب: ليس للعلم في هذا الموضوع شأن وما أنا مصرح لك باعتقادي بعد تجاربي الخاصة ومعرفتي في الحياة. فلما سمع المريض ذلك حاول ان يقلل الشدة لأنه لاحظ أن ما صرح به من معتقداته قد أثر تأثيراً شديداً في المريض فاستلقى على ظهره في الكرسي من جديد وأخذ يطبق عينيه ويفتحهما ويطوف الغرفة والفزع الشديد آخذ منه واصفر وجهه أكثر من ذي قبل وأصبحت يديه بلا حراك على ذراعي المقعد وقال: تجاربك أيها الطبيب تجاربك تقول بذلك؟ فقال الطبيب: نعم هذا هو اعتقادي أعتقده وأكرر وأقول غير هياب ولا وجل أن كل امرء في هذه الأرض يجازى عما قدمت يداه إن خيراً فخيراً وإن شراً فشر وتؤخذ منه الفائدة (الربا) وفائدة الفائدة أضعافاً مضاعفة. فلما فاه الطبيب بهذه الجملة نظر إليه كريمور نظرة من يحب الاقتناع بأن هذه الأفكار هي من الأفكار الخاصة للدكتور ليس إلا وقال: مع الفائدة وفائدة الفائدة ولكن هذا القول فظيع وهو معتقد غير مقبول. وهنا أدرك الطبيب أن هذا الحديث لا يزيد المريض إلا ضيق صدر فقاطعه وقال: عليك يا صاح أن تطرد من ذهنك الأفكار السيئة وأن لا تفكر إلا في شفاء جسمك وأن تساعد على نقاهتك ما أمكن وها قد أصبحت أحسن صحة من ذي قبل فما عليك إلا أن تعنى بالشفاء كل العناية. ثم سلم وانصرف. فنظر إليه كريمور حتى إذا غاب عن نظره عاد يحدق في كل مكان محاولاً أن يجلس في كرسيه بحيث كان ينظر إلى الغرفة بمجموعها وأنه لكذلك دخلت عليه الخادمة فقال لها أريني ماركوس فقد تاقت نفسي إلى رؤيته. فنادت مريم هذا الولد وكان في غرفة في الطبقة العالية يستعد للذهاب إلى المدرسة وكاد يأتي على صفحة من كتاب النحو اللاتيني ويستظهرها كلها. فخف إلى غرفة جده وكتابه مفتوح في يده وأخذ مقعده في زاوية من زوايا الغرفة. ولما سمع كريمور بقدوم حفيده سكنت نفسه بعض الشيء وأغمض عينيه ليحاول أن ينام ولكن استيقظ مرتجفاً قائلاً: يا ماركوس هل أنت عندي؟ فأجابه الولد نعم يا جداه أنا هنا. ومنذ ذاك اليوم أصبح يجيء الولد إلى غرفة جده كل يوم ولم تنعكس صحة هذا ولكنها لم تتحسن أيضاً وعلى هذا النحو مضى الأسبوع. والطبيب يعود مريضه كل يوم وقد ظهر له أن كريمور يكاد لم يستعد قواه إلا ببطء شديد ولم يعودا يبحثان فيما بينهما عن المعتقدات وقد حاول المريض أن يعود إلى الخوض في هذه الموضوعات ولكن الطبيب كان يقاطعه ويدخل في شؤون أخرى. مضت على ذلك أيام والعجوز لا يترك كرسيه إلا للنوم في سريره وقد حدث أنه جر نفسه مرة وحده وساقاه ضعيفتان إلى المخزن وكان متصلاً بداره ولم يلتفت في الحقيقة إلى ما كان يجري فيه أمامه وقد هدد بيده المستخدمين الذين كان يعتقد أنهم يزنون ويقيسون على الاصول وعاد فاستشاط غضباً منهم على نحو ما كان يغتاظ أيام صحته عندما دار في خلده بأنهم يحسنون الكيل والوزن والقياس. وأتت عليه ساعات وهو يردد ما قاله لبعض مستخدميه عندما رآهم يزنون بالميزان ويقيسون بالمقياس: لا تزنوا هكذا بل أقل من ذلك وإلا فأنا. . وبقي يردد هذه النصيحة بدون أن يكلم أحداً بعينه ولكن هذا التهديد كان ينبعث من فؤاده كنه عام لجميع من يخالفوه إرادته. ولم يطل مقامه في غرفته وهو يشعر بأنه أحسن حالاً فيها من حيث الصحة وأخذ يطوف غرفته ويتماسك وكان عليه لما فيه من الضعف أن لا ينهض من سريره ولكنه كثيراً ما يمشي في ألبسته الرثة ويقف أمام الشباك ويهز رأسه ويقول وهو صموت بل يحنق ويقول همساً: مع الفائدة وفائدة الفائدة! يقول هذا ثم يهز رأسه هزة غريبة وينظر إلى كرسيه الكبير فيقع فيه ويطبق أجفانه وينام ولكن نومه لا يطول فيستيقظ في الحال كأن قلقاً عظيماً أخذ من نفسه مأخذاً ويسحب نفسه متثاقلاً نحو الشباك ويطل على ما وراء غرفته ويعاود تلمك الكلمات التي طالما رددها وهي: الفائدة وفائدة الفائدة. وكان حفيده ماركوس يتالم من أخلاق جده أكثر من غيره لأنها كانت في الغالب سيئة وكان جده إذا استغرق في أفكاره يكلم نفسه ثم ينايد: يا ماركوس يا ماركوس أين أنت يا مضحك؟ فيجيبه ما أنذا يا جداه. ويقب منه وفرئضه ترتعد فيسأله الشيخ الهمُّ ماذا تعمل يا كسلان؟ فيقول أتعلم النحو يا جدي. فيجاوبه: تتعلم النحو ومن هذا يا متوان ذهب وزن لي سكراً ناعماً. يقول هذا وكأنه يمد يده إلى الولد ليصفعه ولكن هذا يغطي أذنيه بيديه لينجو من الصفع. ويذهب إلى المخزن كالسهم المرسل فيأتي جده في أسرع من لمح البصر بالسكر الذي طلب منه إحضاره ويجيء به حاملاً كيساً منه بكل قوته ومعه أكياس صغيرة ويأخذ يملؤها بأن يزنها في ميزان صغير وضع على منضدة فما هو إلا أن يقول له جده لا تكثر يا نحس واجتهد بأن تعطي أبداً قليلاً فالناس لا يدركون الكمية التي أنت تضعها. ثم تكمد جبهة الشيخ وبعد هنيهة يعود هذا فيصرخ: أين أنت يا ماركوس يا غبي؟ فيخف إليه الولد وهو خائف يترقب وقد وضع يديه على أذنيه ويتقدم نحو كرسي جده قائلاً هاأنذا يا جداه فيسأله ماذا تصنع؟ فيقول له إنني أزن سكراً. فيعود ويقول ومن قال لك ذلك؟ وأين كتابك في النحو؟ فأنت تزن سكراً بدل أن تتعلم دروسك يا كسلان وتتظاهر بأنك تتعلم مع أنك لا تصلح لشيء. وعند ذلك يجر الولد الكيس إلى المخزن ويرجع على زاويته ولكن كريمور لا يتركه زمناً مستريحاً فتارة يطلب منه وزن السكر وأخرى يوعز له بدروسه وهكذا بدون تسلسل في أفكاره ولا رابطة في أوامره. ٤ ولما نقه كريمور ذات يوم بعض النقاهة طرد ماركوس من غرفته وأغلق الباب إغلاقاً محكماً ثم أخرج من جيبه حزيمة من المفاتيح وكانت مفاتيح خزانة الكابلي وما كان يفارقها قط. حتى كان يذكرها في أضيق حالات مرضه. ويضعها تحت مخدته. فذهب إذ ذاك نحو الخزانة وفتحها وأخرج منها الجرار بعد الآخر وقد أصبحت معظمها فارغة غلا قليلاً وكان بعضها فقط يحوي القليل من النقود الذهبية فجردها كلها بيده ثم وضعها وهو يهمس قائلاً: قد ذهبت كلها ولم يبق إلا القليل! ثم عالج صندوق كبير فأخرج غطاؤه ولم يكن فيه غير كتاب متوسط الحجم فلما رآه وقف قليلاً وهو يحدق فيه ثم أخرج القفاز من يديه وتقدم من الشباك ورفع طاقيته فوضعها على المنضدة وفتح الكتاب ولم يفتحه ليقرأ فيه بل إنه لم صفحة اسمه وهذا الكتاب هو تفسير الكتاب المقدس باللاتيني وكان لابنه الصغير عندما كان في المدرسة. ولم يقرأ ما فيه ولكن نظره وقع على الصفحة التي كتب عليها بيد طفل مبتدئ هاتان الكلمتان يوحنا كريمور وبقي ينظر في الكتاب ملياً وهو يمسكه بيده وعيناه ناظرتان لهذا الاسم وهما لا تريان غيره وعندها فاضت بالعبرات فتساقطت على الاسم وعلى الصفحة وحاول أن يكفكفهما بكم قميصه الممزق. وعند ذلك أطبق الكتاب ووضعه في الصندوق وأدخله في الخزانة وأغلقها ووضع طاقيته على رأسع وقفازه بيده وراح يخطر في الغرفة وسرموجه (شبشب أو صرماية) في رجله ليسمع صوته ووقف جاعلاً رجله على الأخرى بالقرب من النافذة ونظر إلى خارج وتنهد وهو يكلم نفسه قائلاً: مع الفائدة وفائدة الفائدة ولعل هذا صحيح. ثم علت وجهه الكآبة والحزن. ٥ وفي بعض الأيام دخل ماركوس الصغير وهو يبكي إلى المطبخ حيث كانت مريم قائلاً: إن جدي مات في كرسيه. فقالت له وكيف ذلك ولم تكن حالته في خطر لم يكن وجوده حملاً ثقيلاً علينا ثم قصدت الغرفة فوجدته ملقى على الدف وقد ظهر لها أنه جاءته نوبة وهو في كرسيه وأدركت في الحال أنه لم يمت فحملته إلى سريره واستدعت الطبيب فحضر ورأى كريمور غائباً عن رشده وعيناه مغمضتان وقد فلجت جميع أعضائه. فوقع الطبيب في حيرة ولما سألته مريم بأن يوضع على رأسه خرق تجعل في ماء فاتر وأن يفصد إلا أن كريمور قضى الليل كله وجميع نهار الغد بدون حركة. وعند المساء فتح عينيه قليلاً ورجفت يداه وكان ماركوس جالساً على صندوق بالقرب من سرير كريمور وعيناه تفيضان بالدمع وهو ينظر إلى جده ومريم واقفة بالقرب من الشباك ترتب الكراسي ففتح كريمور شفتيه قليلاً كأنه يريد أن يتكلم وتنفس الصعداء فلم يبن منه إلا مقطع واحد من مقاطع الحروف وهو الفا الفا أي الفائدة وهي الكلمة التي طالما رددها بقوله الفائدة وفائدة الفائدة ثم أغمض عينيه وعاد الفالج فاستولى عليه فجأة وارتعشت أعصابه وأخذت عينه تتجه صوب حفيده قائلاً: مار. . . مار. . ماركوس! فأجابه الطفل: ها أنذا يا جدي فقال وما تصنع؟ فأجابه: لا شيء يا جدي. ثم ظهر كأن عينا كريمور خرجتا من محجرهما وأكمد وجهه وقال بصوت لا يفهم: الفا. . . حنا! ثم عانى كثيراً وحشرجت روحه وتقلصت شفتاه وحدق بعينيه في السقف وراح لا حراك به. فتقدم كل من مريم وماركوس نحو سريره. فقالت المرأة: لقد مات! فوقع الولد من الصندوق الذي كان جالساً عليه ووضع يديه على وجهه وشهق بالبكاء كأن صدره أوشك أن يتصدع. ما مريم فكانت تنظر إلى تلك الجثة الهامدة ولا فكر لها إلا أن تطمئن وتتأكد أنه مات حقيقة. ولما ثبت لديها موته ألقت بيدها إلى تحت مخدته وتناولت حزيمة المفاتيح ثم أغلقت باب المسكن ودخلت على حين غرة إلى الغرفة التي كانت فيها الخزانة وفتحتها. وصرفت وقتاً في معرفة كل مفتاح وجراره إلا أنها تمكنت من ذلك بعد العناء ولما فتحتها قالت والغضب آخذ منها: فارغة كلها فارغة لعنة الله عليها كلها فارغة. ورأت في أسفل إحدى الجرار بضعة نقود ذهبية وفضية فأخذتها ووضعتها في جيبها وهي تنظر إلى خلفها مخافة أن يباغتها أحد. ثم نظرت ذات اليمين فبصرت بصندوق فبرقت لرؤيته أسارير جبهتها وقالت كنت على أن أنساه ولعل فيه الخير الكثير وبعد أن عاجلته طويلاً فتح لها ولكنها لم تجد فيه غير كتاب التفسير. فقالت وقد استشاطت غضباً ما هذا الكتاب العتيق وما السر يا ترى في إخفاء هذا الكتاب في الصندوق الكبير فما عتمت أن أخذته وألقته طعاماً للنار وأغلقت الخزانة وعادت إلى غرفة الميت فرأت ماركوس ينتحب ويبكي فوضعت حزيمة المفاتيح تحت مخدة كريمور وخرجت تاركة الباب وراءها مفتوحاً قليلاً وذهبت إلى المخزن تنادي المستخدمين قائلة أن معلمكم قضى نحبه فتعالوا أعينوني حتى نقوم بما يجب إكراماً له فهبوا إلى غرفة الميت أما هي فاقتربت من ماركوس وانحنت عليه بحنان وأخذته إلى ناحية وقالت له: لا تبك يا بني ثم أنشأت تمر يدها على خديه وجعل الولد يتمسك بعنقها فقال له بصوت كئيب: مات المحسن إلينا فيا له من خطب جسيم يا ماركوس عزاؤنا في أننا سنراه في السماء فالله رحيم وهو سيتفضل علينا ذات يوم أن نشاهد من أسدى إلينا أياديه. وما جدك يا ولدي إلا مع الأبرار في السموات العلى!</passage>
<license>Distributed under a Creative Commons Attribution-ShareAlike 4.0 International (CC BY-SA 4.0) license</license>
<source>https://github.com/tillgrallert/digital-muqtabas/blob/master/xml/oclc_4770057679-i_26.TEIP5.xml retrieved via Canonical Text Service http://cts.informatik.uni-leipzig.de/muqtabas/cts/ with CTS URN urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.26.TEIP5:</source>
</reply>
</GetPassage>
