<?xml version="1.0" encoding="UTF-8"?><GetPassage xmlns="http://relaxng.org/ns/structure/1.0" xmlns:a="http://relaxng.org/ns/compatibility/annotations/1.0" xmlns:tei="http://www.tei-c.org/ns/1.0">
<request>
<requestName>GetPassage</requestName>
<requestUrn>urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.25.TEIP5:</requestUrn>
</request>
<reply>
<urn>urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.25.TEIP5:</urn>
<passage>فاتحة السنة الثالثة تعالى جدك اللهم خلقت الجماد والنبات والحيوان. وكرمت ابن آدم بنور العقل وفضل البيان، فاستخدم عناصر الأرض وجواهر السماء، وأدرك سر الفلك وسير الفلك ودقائق الماء والهواء، طوى البحار، بالبخار، والبيداء، بالكهرباء، وسوى الأوطاد، والأنجاد، فأصبحت بعد الجهاد، بعض الوهاد، وأحال اليابسة بحراً، والبحر براً، وصير من المجاهل الخالية، معالم نافعة، ومن القفار الخاوية، رياضاً ممرعة، فجمع بعلمه إلى المخلوق مصنوعاً، وغدا الوجود من مادتي الطبيعة والعقول مجموعاً. سبحانك أبدعت نظام الكون والفساد، وجعلت لكل شيء سبباً من المعاش والمعاد، فلم تفقر فقيراً إلا لحكمة، ولم تغن غنياً إلا بتيسيرك له أسباب النعمة، ولا أهلكت من الأمم إلا الظالمة لنفسها، ولا رفعت منها إلا الناظرة في يومها وأمسها، فمن قانونك أن يسعى كل حي لبقائه بالفطرة، وأن لا يكون النشوء لساعته بالطفرة، ومن استهان بالجزئيات لا يحرز الكليات، ومن لم يعمل الفكر السليم لا يعرف حقائق الكائنات، ناموس مطرد لا تغيره الأزمان، ولا يبليه الجديدان، فتقدست أسماؤك ما أعظم سلطانك في السماء والأرض، وما أبهر آثار هديك في الرفع والخفض. وبعد هذا المقتبس على رأس عامه الثالث يدعوا إلى ما أنشيء للأخذ به من مذاهب التعليم والتهذيب، والعلم والعمل مقدمة الإصلاح وبغيرهما كل سعي ضائع والسلم لا يصعد إليه من رأسه، والبناء لا يقوم على غير أسسه فلسان حاله ومقاله ربو البنين، تصلح لكم الحكام والحكومات وقوا الوجدانات، وحسنوا الملكات، تصح الآداب وتسلم الديانات. يتوفر على إحياء القديم القويم، واحتذاء مثال الجديد المفيد، ويقتبس من كل نافع كيف كان قائله، ويمثل بعض ما جدَّ للأنظار وإن تشعبت مسائله، يورد الحاضر ويذكر بالغابر زيادة في الاعتبار والاستبصار، وينشر ما انطوى مما فيه حياة اللغة وجدتها، واللغة مبدأ سيادة الأمة ومفتاح سعادتها، يخاطب الأفراد قبل المجموع، ويقدم تعليم الصغار على الكبار، يقين أن الضعيف لا يتغلب على القوي بغير سلاح، ولا يكتب النصر لمن لا يستحقه، والأجسام تتكون من الذرات، كما تقوم المجتمعات بقوى أفرادها، وبصرهم مما ينمي الثروة ويحفظ البيضة ويجود على الأخلاق. ولقد أرادنا بعض المفكرين على أن نتمحض في هذه المجلة لفرع خاص تعرف به، وموضع معين لا تتعداه، ليكون ذلك أجمع للفائدة. وأنفع في الأثر. وعذرنا إليهم بأن الإخصاء في علم واحد والبحث فيه من عامة أطرافه يستدعي مواد كثيرة وقراء يتلون ما يكتب بالقبول ليرجى معها حياة العمل طويلاً، ولو اقتصرنا على البحث في آداب اللغة مثلاً كما أشار بذلك بعض النبهاء لاقتضى لنا مادة واسعة يكاد يكون أكثرها مفقوداً وأن نستعين بخمسة على الأقل من المؤازرين المتمكنين في هذا الفن. ثم أين مجامعنا العلمية وخطب العلماء ومحاوراتهم في هذا الموضوع ليتسنى لنا نقلها أو تحصيلها كل مدة فإنا نرى مجلات الأخصائيين في الغرب ينشئها على صغر حجمها عشرات من المشتغلين المنقطعين وهناك الجمعيات والمجامع تعد منها ولا تعدها. هذا ما نقوله لمن نصحوا لنا بالتمحض لفرع من الفروع التي تخوض فيها المجلة الآن في جملة ما تخوض فيه بقدر ما تسمح به الحال. وأنا على يقين من أنه متى كثر سواد المنورين على الأساليب الصحيحة تصدر لهم بطبيعة الحال عشرات من أمثال تلك المجلات المنشودة باللسان العربي وإذ ذاك يعرف الناس أن للمطبوعات ثمناً لابد من قضائه في أوقاته ولا يقع لأربابها مثل ما وقع لنا في السن الغابرة من حذف أربعمائة اسم من سجل المشتركين وكان نصفهم طلبوا الاشتراك برسائل منهم فلما ذكروا بوفاء ما عليهم سكتوا اللهم إلا بضعة عشر واحداً منهم. على أن طلبات الاشتراك ما زالت ترد علينا من بلاد ما كنا نظن أهلها يقرأون العربية ويرغبون في المجلات مصحوبة بقيمتها على الطريقة الغربية يشترك بعضهم عن رغبة من تلقاء أنفسهم وبعضهم بإرشاد بعض الغيورين وعددهم لا يزال في نمو. ولا نكتم القراء أن مجموع ما ورد على الإدارة في الحولين الماضيين لم يوف حتى الآن ثمن ما صرف في الورق والطبع والبريد فقط. كل هذا ونحن نعد ما لقيناه ضرباً من ضروب الرقي في الأفكار ونرى المقتبس ينجح نجاحاً كبيراً يوم يقوم بنفقاته. إذ من العبث الاعتماد على العلميات الآن وما عداها مذهباً من مذاهب المعاش الطبيعي ما دام الشرق العربي متأخراً بمعارفه هذا التأخر المحسوس لاسيما وأن المتصدين للتأليف في الغرب قاسوا قبلنا من أممهم ما لم نقاس نحن بعضها وما زال حال من ينقطعون عندهم للأبحاث التي يقتضي فهمها شيئاً من العلم بالنسبة لمن يشتغلون بالموضوعات الساذجة الهزلية دون ما نوهم بكثير فلا فضل لنا إذاً فيما نفادي به. وهنا نتقدم إلى من يتناولون المجلة في هذا القطر وغيره من الأقطار أن يعودوا أنفسيهم إرسال اشتراكاتهم في أول السنة بدون مطالبة على نحو ما تجري عليه الأمم المتمدنة خصوصاً وكلهم الآن من أهل الرغبة المختارين. وقد زدنا من حجم المقتبس بحيث يقع مجلده آخر السنة في ثمانمائة صفحة جيدة الطبع والورق وكان في السنتين السالفتين ستمائة واثنتين وسبعين صفحة واستكثرنا من المواد التي نقتبس منها أو نعرب عنها من مجلات وموسوعات أفرنجية وأسفار ممتعة عربية مع إبقاء قيمة الاشتراك بحالها. والله نسأل أن يحقق آمالنا لنقوم ببعض الواجب وهو يهدي السبيل. الأدب الصغير لابن المقفععني بنشره الأستاذ الشيخ طاهر الجزائريتوطئة الناشر من أعظم ما تدعو الحاجة إليه علم تهذيب الأخلاق لتوقف نجاح الأمم عليه وهو فن ذو أفنان تحتاج إليه الأفراد على اختلاف طبقاتها. ومع قلة ما انتشر من كتبه ففي جلها من عدم التنقيح وانسجام العبارات ما يصد كثيراً من الطالبين عن الإقبال عليها. ومن ثم كثر بحثنا عن كتب تفي بهذا المطلب مع رشاقة مبانيها لتكون الفائدة مزدوجة وهو أقصى آمال الذين يسعون في إحياء اللغة العربية وإعادتها إلى ما كانت عليه في عهدها الأول. ولما ذهب إلى مدينة بعلبك سنة ١٢٣٣ رأيت عند بعض الأفاضل الواردين عليها مجموعاً استعاره من بعض أعيانها فرأيت فيه الضالة المنشودة وهي رسالة الأدب الصغير لعبد الله بن المقفع الكاتب الذي يضرب ببلاغته المثل فكتبتها بخطي في نحو يوم وأرجو أن ييسر لنشرها من عرف بحسن الطبع ليعم بها النفع والله الموفق. وهذا بيان الرسائل التي في المجموع المذكور: الأدب الصغير أما بعد فإن لكل مخلوق حاجة ولكل حاجة غاية ولكل غاية سبيلاً والله وقت للأمور أقدارها وهيأ إلى الغايات سبلها وسبب الحاجات ببلاغها فغاية الناس وحاجاتهم صلاح المعاش والمعاد. والسبيل إلى دركها العقل الصحيح. ومارة صحة العقل اختيار الأمور بالبصر. وتنفيذ البصر بالعزم. وللعقول سجيات وغرائز تقبل الأدب وبالأدب تنمي العقول وتزكو فكما أن الحبة المدفونة في الأرض لا تقدر على أن تخلع يبسها وتظهر قوتها وتطلع فوق الأرض بزهرتها ونضرتها وريعها ونمائها إلا بمعونة الماء الذي يغور إليها في مستودعها فيذهب عنها أذى اليبس والموت ويحدث لها بإذن الله القوة والحياة فكذلك سليقة العقل مكنونة في مغرزها في القلب لا قوة لها ولا حياة بها ولا منفعة عندها حتى يعتملها الأدب الذي هو نماؤها وحياتها ولقاحها. وجلُّ الأدب بالمنطق وكل المنطق بالتعلم ليس حرف من حروف معجمه ولا اسم من أنواع أسمائه غلا وهو مروي متعلم مأخوذ عن إمام سابق من كلام أو كتاب وذلك دليل على أن الناس لم يبتدعوا أصولها ولم يأتهم علمها إلا من قبل العليم الحكيم. فإذ خرج الناس من أن يكون لهم عمل أصيل وأن يقولوا قولاً بديعاً فليعلم الواصفون المخبرون أن أحدهم وإن أحسن وأبلغ ليس زائداً على أن يكون كصاحب فصوص وجد ياقوتاً وزبرجداً ومرجاناً فنظمه قلائد وسموطاً وأكاليل ووضع كل فص في موضعه وجمع إلى كل لون شبهه مما يزيده بذلك حسناً فسمي بذلك صائغاً رفيقاً. وكصاغة الذهب والفضة صنعوا فيها ما يعجب الناس من الحلي والآنية. وكالنحل وجدت ثمرات أخرجها الله طيبة وسلكت سبلاً جعلها الله ذللاً فصار ذلك شفاء وطعاماً وشراباً منسوباً إليها مذكوراً به أمرها وصنعتها فمن جرى على لسانه كلام يستحسنه أو يستحسن منه فلا يعجبن به إعجاب المخترع المبتدع فإنه إنما اجتباه كما وصفناه. ومن أخذ كلاماً حسناً عن غيره فتكلم به في موضعه على وجهه فلا يرين عليه في ذلك ضؤولة فإنه في أعين على حفظ قول المصيبين وهدي للاقتداء بالصالحين ووفق للأخذ عن الحكماء فلا عليه أن لا يزداد فقد بلغ الغاية وليس بناقصه في رأيه ولا بغائضه من حقه أن لا يكون هو استحدث ذلك وسبق إليه وإنما حياة العقل الذي يتم به ويستحكم خصال ست: الإيثار بالمحبة، والمبالغة في الطلب، والتثبت في الاختيار، والاعتقاد للخير، وحسن الوعي، والتعهد لما اختير واعتقد، ووضع ذلك موضعه قولاً وعملاً. أما المحبة فإنما يبلغ المرء مبلغ الفضل في كل شيء من أمر الدنيا والآخرة حين يؤثر بمحبته فلا يكون شيء أمرأ ولا أحلى عنده منه. وأما الطلب فإن الناس لا يغنيهم حبهم ما يحبون وهواهم ما يهوون عن طلبه وابتغائه ولا يدرك لهم بغيهم نفاستها في أنفسهم دون الجد والعمل. وأما التثبت والتخير فإن الطلب لا ينفع إلا معه وبه فكم من طالب رشد وجده وألغي معاً فاصطفى منهما ألذ منه هرب وألغى الذي سعى فإذا كان الطالب يحوي غير ما يريد وهو لا يشك بالظفر فما أحقه بشدة التبيين وحسن الابتغاء. وأما اعتقاد الشيء بعد استبانته فهو ما يطلب من إحراز الفضل بعد معرفته. وأما الحفظ والتعهد فهو تمام الدرك لأن الإنسان موكل به النسيان والغفلة فلا بد له إذا اجتبى صواب قول أو فعل من أن يحفظه عليه ذهنه لأوان حاجة شديدة فإننا لم نوضع في الدنيا موضع غناء وخقض ولكن موضع فاقة وكد ولسنا إلى ما يمسك بأرماقنا من المطعم والمشرب بأحوج منا إلى ما يثبت عقولنا من الأدب الذي به تفاوت العقول وليس غذاء الطعام بأسرع من نبات الجسد من غذاء الأدب في نبات العقل ولسنا بالكد في طلب المتاع الذي يلتمس به دفع الضر والعيلة بأحق منا بالكد في طلب العلم الذي يلتمس به صلاح الدين والدنيا. وقد وضعت في هذا الكتاب من كلام الناس المحفوظ حروفاً فيها عون على عمارة القلوب وصقالها وتجلية أبصارها وإحياء للتفكير وإقامة للتدبير ودليل على محامد الأمور ومكارم الأخلاق إن شاء الله. الواصفون أكثر من العارفين. والعارفون أكثر من الفاعلين، فلينظر امرؤ أين يضع نفسه فإنه لكل امرئ لم تدخل عليه آفة نصيباً من اللب يعيش به لا يحب أن له به من الدنيا ثمناً. وليس كل ذي نصيب من اللب بمستوجب أن يسمى في ذوي اللباب ولا أن يوصف بصفاتهم. فمن رام أن يجعل نفسه لذلك الاسم والوصف أهلاً فليأخذ له عتاده وليعد له طول أيامه وليؤثره على أهوائه فإنه قد رام أمراًُ جسيماً لا يصلح على الغفلة ولا يدرك بالمعجزة ولا يصير عليه الأثرة وليس كسائر أمور الدنيا وسلطانها ومالها وزينتها التي قد يدرك منها المتواني ما يفوت المثابر ويصيب منها العاجز ما يخطئ الحازم. وليعلم أن على العامل أموراً إذا ضيعها حكم عليه بمقارنة الجهال. فعلى العامل أن يعلم أن الناس مشتركون مستوون في الحب لما يوافق والبغض لما يؤذي وأن هذه منزلة اتفق عليها الحمقى والأكياس ثم اختلفوا بعدها في ثلاث خصال هن جماع الصواب وجماع الخطإ وعندهن تفرقت العلماء والجهال والحزمة والعجزة. الباب الأول في ذلك أن العاقل ينظر فيما يؤذيه وفيما يسره فيعلمك أن أحق ذلك بالطلب إن كان مما يحب وأحقه بالاتقاء إن كان مما يكره أطوله وأدومه وأبقاه فإذا هو قد أبصر فضل الآخرة على الدنيا وفضل سرور المروءة على لذة الهوى وفضل الرأي الجامع العام الذي تصلح به الأنفس والأعقاب على حاضر الرأي الذي يستمع به قليلاً ثم يضمحل وفضل الأكلات على الأكلة والساعات على الساعة. والباب الثاني هو أن ينظر فيما يؤثر من ذلك فيضع الرجاء والخوف فيه موضعه فلا يجعل اتقاءه لغير المخوف ولا رجاءه في غير المدرك فيترك اللذات طلباً لآجلها ويحتمل قريب الأذى توقياً لبعيده فإذا صار إلى العاقبة بدا له أن فراره كان تورطاً وأن طلبه كان تنكباً. والباب الثالث من ذلك هو تنفيذ البصر بالعزم بعد المعرفة بفضل الذي هو أدوم وبعد التثبت في مواضع الرجاء والخوف فإن طالب الفضل بغير بصر تائه حيران ومبصر الفضل بغير عزم ذو زمانه محروم. وعلى العاقل مخاصمة نفسه ومحاسبتها والقضاء عليها والإبانة لها والتنكيل بها. أما المحاسبة فيحاسبها بما لها فإنه لا مال لها إلا أيامها المعدودة التي ما ذهب منها لم يستخلف كما تستخلف النفقة وما جعل منها في الباطل لم يرجع إلى الحق فيتنبه لهذه المحاسبة عند الحول وإذا حال والشهر إذا انقضى واليوم إذا ولى فينظر فيما أفنى من ذلك وما كسب لنفسه فيه وما اكتسب عليها في أمر الدين وأمر الدنيا فيجمع ذلك في كتاب فيه إحصاء وجد وتذكير وتبكيت للنفسي وتذليل لها حتى تعترف وتذعن. وأما الخصومة فإن من طباع النفس الأمارة بالسوء أن تدعي المعاذير فيما مضى والأماني فيما بقي فيرد عليها معاذيرها وعللها وشبهاتها. وأما القضاء فإنه يحكم فيما أرادت من ذلك على السيئة فبأنها فاضحة مردية موبقة وللحسنة بأنها زائنة منجية مربحة. وأما الإبانة والتنكيل فإنه يسر نفسه بتذكر تلك الحسنات ويرجو عواقبها وتأمين فضلها ويعاقب نفسه بالتذكر للسيئات والبشع بها والاقشعرار منها والحزن لها. فأفضل ذوي الألباب أشدهم لنفسه بهذا أخذاً وأقلهم عنها فترة ولى العاقل أن يذكر الموت كل يوم وليلة مراراً ذكراً يباشر القلوب ويقذع الطماح فإن كثرة ذكر الموت عصمة من الأشر وأماناً بإذن الله من الهلع. وعلى العاقل أن يحصي على نفسه مساويها في الدين وفي الرأي وفي الأخلاق وفي الآداب فيجمع ذلك كله في صدر أو في كتاب ثم يكثر عرضه على نفسه ويكلفها صلاحه ويوظف ذلك عليها توظيفاً في إصلاح الخلة أو الخلتين والخلال في اليوم أو الجمعة أو الشهر فكلما أصلح شيئاً محاه وكلما نظر إلى ثابت اكتأب. وعلى العاقل أن يتفقد محاسن الناس ويحفظها ويحصيها ويصنع غي توظيفها على نفسه وتعهدها بذلك مثل الذي وصفنا في إصلاح المساوي. وعلى العاقل أن لا يخادن ولا يصاحب ولا يجاور من الناس ما استطاع إلا ذا فضل في الدين والعلم والأخلاق فيأخذ عنه أو موافقاً له على صلاح ذلك فيؤيد ما عنده وإن لم يكن له عليه فضل وإن الخصال الصالحة من البر لا تحيا ولا تنمى إلا بالموافقين والمهذبين والمؤيدين وليس لذي الفضل قريب ولا حميم هو أقرب إليه وأحب ممن وافقه على الخصال فزاده وثبته ولذلك زعم بعض الأولين أن صحبة بليد نشأ مع العلماء أحب إليهم من صحبة لبيب نشأ مع الجهال. وعلى العاقل أن لا يحزن على شيء فاته من الدنيا أو تولى وأن ينزل ما أصاب من ذلك ثم انقطع عنه منزلة ما لم يصب وينزل ما طلب من ذلك ثم لم يدركه منزلة ما لم يطلب ولا يدع حظه من السرور بما أقبل منها ولا يبلغن سكراً ولا طغياناً فإن مع السكر النسيان ومع الطغيان التهاون ومن نسي وتهاون خسر. وعلى العاقل أن يؤنس ذوي الألباب بنفسه ويجرئهم عليها حتى يصيروا حرساً على سمعه وبصره ورأيه فيستنيم إلى ذلك ويريح له قلبه ويعلم أنهم لا يغفلون عنه إذا هو غفل عن نفسه. وعلى العاقل ما لم يكن مغلوباً على نفسه أن لا يشغله شغل عن أربع ساعات ساعة يرفع فيها حاجته إلى ربه وساعة يحاسب فيها نفسه وساعة يقضي فيها إلى أخوانه وثقاته الذين يصدقونه عن عيوبه وينصحونه في أمره وساعة يخلي فيها بين نفسه وبين لذاتها مما يحل ويجمل فإن هذه الساعات عون على الساعات الأخر وإن استجمام القلوب وتوديعها زيادة قوة لها وفضل يلغة وعلى العاقل أن لا يكون راغباً إلا في إحدى ثلاث خصال تزود لمعاد أو مرمة المعاش أو لذة في غير محرم. وعلى العاقل أن يجعل الناس طبقتين مختلفتين متباينتين ويلبس لهم لباسين مختلفين فطبقة من العامة يلبس لهم لباس انقباض وانحجاز وتحرز وتحفظ في كل كلمة وخطوة وطبقة من الخاصة يخلع عندهم لباس التشدد ويلبس لباس الأنسة واللطف والبذلة والمفاوضة ولا يدخل في هذه الطبقة إلا واحد من ألف كلهم ذو فضل في الرأي وثقي في المودة وأمانة في السر ووفاء بالإخاء. وعلى العاقل أن لا يستصغر شيئاً في الخطأ والزلل في العلم والإغفال في الأمور فإن من استصغر الصغير أوشك أن يجمع إليه صغيراً وصغيراًَ فإذا الصغير كبير وإنما هي ثلم يثلمها العجز والتضييع فإذا لم تسد أوشكت أن تنفجر بما لا يطاق ولم نر شيئاً قط قد أتى إلا من قبل الصغير المتهاون به. قد رأينا الملك يؤتى من قبل العدو المحتقر ورأينا الصحة تؤتى من الداء الذي لا يحفل به ورأينا الأنهار تنبثق من الجدول الذي يستخف به وأقل الأمور احتمالاً للضياع الملك لأنه ليس منه شيء يضيع وإن كان صغيراً وإلا اتصل بآخر يكون عظيماً. وعلى العاقل أن يجبن عن الرأي الذي لا يجد عليه موافقاً وإن ظن أنه على اليقين، وعلى العاقل أن يعرف أن الرأي والهوى متعاديان وأن من شأن الناس تسويف الرأي وإسعاف الهوى فيخالف ذلك ويلتمس أن لا يزال هواه مسوفاً ورأيه مسعفاً. وعلى العاقل إذا اشتبه عليه أمران فلم يدر في أيهما الصواب أن ينظر أهواهما عنده فيحذره. من نصب نفسه للناس إماماً في الدين فعليه أن يبدأ بتعليم نفسه وتقويمها في السيرة والطعمة والرأي واللفظ والأخدان فيكون تعليمه بسيرته أبلغ من تعليمه بلسانه فإنه كما أن كلام الحكمة يونق الأسماع فكذلك عمل الحكمة يروق العيون والقلوب ومعلم نفسه ومؤدبها أحق بالإجلال والتفضيل من معلم الناس ومؤدبهم. ولاية الناس بلاء عظيم. وعلى الوالي أربع خصال هي أعمدة السلطان وأركانه التي بها يقوم وعليها يثبت — الاجتهاد في التخير — والمبالغة في التقدم — والتعهد الشديد — والجزاء العتيد. أما التخير للعمال والوزراء فإنه نظام الأمر ووضع مؤونة البعيد المنتشر فإنه عسى أن يكون بتخيره رجلاً واحداً قد اختار ألفاً لأنه من كان من العمال خياراً فسيختار كما اختير ولعل عمل العامل وعمل عماله يبلغون عدداً كثيراً فمن تبين التخير فقد أخذ بسبب وثيق ومن أسس أمره على غير ذلك لم تجد لبنيانه قواماً. وأما التقديم والتوكيل فإنه ليس كل ذي لب وذي أمانه يعرف وجوه الأمور والأعمال ولو كان بذلك عارفاً لم يكن صاحبه حقيقاً أن يكل ذلك إلى عمله دون توقيفه عليه وتبيينه له والاحتجاج به عليه وأما التعهد فإن الوالي إذا فعل ذلك كان سميعاً بصيراً وأن العامل إذا فعل ذلك به كان متحصداً حريزاً وأما الجزاء فإنه تثبيت المحسن والراحة من المسيء. لا يستطاع السلطان إلا بالوزراء والأعوان ولا تنفع الوزراء إلا بالمودة والنصيحة ولا المودة إلا مع الرأي والعفاف وأعمال السلطان كثيرة وقلما تستجمع الخصال المحمودة عند أحد وإنما الوجه في ذلك والسبيل إليه الذي يستقيم به العمل أن يكون صاحب السلطان عالماً بأمور من يريد الاستعانة به وما عند كل رجل من الرأي والغناء وما فيه من العيوب فإذا استقر ذلك عنده عن علمه وعلم من يأتمن وجه لكل عمل من قد عرف أن عنده من الرأي والنجدة والأمانة ما يحتاج إليه فيه وإن ما فيه من العيوب لا يضر بذلك ويتحفظ من أن يوجه أحداً وجهاً لا يحتاج فيه إلى مروءة إن كانت عنده ولا يأمن عيوبه وما يكره منه. ثم على الملوك بعد ذلك تعهد عمالهم وتفقد أمورهم حتى لا يخفى عليهم إحسان محسن ولا إساءة مسيء. ثم عليهم بعد ذلك أن لا يتركوا محسناً بغير جزاء ولا يقروا مسيئاً ولا عاجزاً على الإساءة والعجز فإنهم إن تركوا ذلك تهاون المحسن واجترأ المسيء وفسد الأمر وضاع العمل. اقتصاد السعي أبقى للجمام ومن بعد الهمة يكون النصب ومن سأل فوق قدرة استحق الحرمان. سوء حمل الغنى أن يكون عند الفرح مرحاً وسوء حمل الفاقة أن يكون عند الطلب شرهاً وعار الفقر أهون من عار الغنى والحاجة مع المحبة خير من الغنى مع البغضة. والدنيا دول فما كان منها لك أتاك على ضعفك وماكان عليك لم تدفعه بقوتك. إذا جعل الكلام مثلاً كان أوضح للمنطق وأبين في المعنى وآنق للسمع وأوسع لشعوب الحديث. أشد الفاقة عدم العقل وأشد الوحدة وحدة اللجوج ولا مال أفضل من العقل ولا أنس آنس من الاستشارة مما يعتبر به صلاح الصالح وحسن نظره للناس أن يكون إذا استعتب المذنب ستوراً لا يشيع وإذا استشير سمحاً بالنصيحة مجتهداً بالرأي وإذا استشار مطرحاً للحياء ومعترفاً بالحق. القسم الذي يقسم للناس ويمتعون به نحوان فمنه حارس ومنه محروس فالحارس العقل والمحروس المال. والعقل بإذن الله هو الذي يحرز الحظ ويؤنس الغربة وينفي الفاقة ويعرف النكرة ويثمر المكسبة ويطيب الثمرة ويوجه السوقة عند السلطان ويستنزل للسلطان نصيحة السوقة ويكسب الصديق وينفي العدو. كلام اللبيب وإن كان نزاراً أدب عظيم ومقارفة المآثم وإن كان محتقراً مصيبة جليلة ولقاء الأخوان وإن كان يسيراً غنم حسن. قد يسعى إلى أبواب السلطان أجناس من الناس كثيراً أما الصالح فمدعو وأما الطالح فمقتحم وأما ذو الأدب فطالب وما من لا أدب له فمحتبس وأما القوي فمدافع وأما الضعيف فمدفوع وأما المحسن فمستثيب وأما المسيء فمستجير فهو مجمع البر والفاجر والعالم والجاهل والشريف والوضيع. الناس إلا قليلاً ممن عصم الله مدخولون في أمورهم فقائلهم باغ — وسامعهم عياب — وسائلهم متعنت — ومجيبهم مكتف — وواعظهم فغير محقق لقوله بالفعل — وموعوظهم غير سليم من الاستخفاف — والأمين منهم غير متحفظ من إتيان الخيانة — وذو الصدق غير محترس من حديث الكذبة — وذو الدين غير متورع عن تفريط الفجرة — والعازم منها غير تارك لتوقع الدوائر — يتناقضون البنى — ويترقبون الدول — ويتعاطون القبيح — ويتعاينون بالغمز — ويرعون في الرخاء بالتحاسد — وفي الشدة بالتجاذب. ثم قد انتزعت الدنيا ممن قد استمكن منها واعتكفت له فأصبحت الأعمال أعمالهم والدنيا دنيا فغيرهم وأخذ متعهم من لم يحمدهم وخرجوا إلى من لا يعذرهم فأصبحنا خلفاً من بعدهم نتوقع مثل الذي نزل بهم فنحن إذا تدبرنا أمورهم أحقاء أن ننتظر ما نغبطهم به فنتبعه وما نخاف عليهم منه فنجتنبه. كان يقال أن الله تعالى قد يأمر بالشيء ويبتلي بثقله وينهى عن الشيء ويبتلي بشهوته فإذا كنت لا تعمل من الخير إلا ما اشتهيت ولا تترك من الشر إلا ما كرهت فقد أطلعت الشيطان على عورتك وأمكنته من أزمّتك فأوشك أن يقتحم عليك فيما تحب من الخير فيكرهه إليك وفيما تكرهه من الشر فيحببه إليك. ولكن ينبغي لك في حب ما تحب من الخير التحامل على ما يستثقل منه وينبغي لك في كراهة ما تكره من الشر التجنب لما تحب منه. للدنيا زخرف يغلب الجوارح ما لم تغلبه الألباب والحكيم من لم يغض عليه طرفه ولم يشغل به قلبه أطلع من أدناه فيما وراءه وذكر في بدئه لواحق شره فأكل مره وشرب كدره ليحلولي له ويصفو في طول من إقامة العيش الذي بقي ويدوم غير عائف للرشد إن لم يلقه برضاه ولم يأته من طريق هواه. ولا تألف المستوخم ولا تقم على غير الثقة. فقد بلغ فضل الله على الناس من السعة وبلغت نعمته عليهم من السبوغ ما لو أن أخسهم حظاً وأقلهم منه نصيباً وأضعفهم علماً وأعجزهم عملاً وأعياهم لساناً بلغ من الشكر والثناء عليه بما خلص إليه من فضله ووصل إليه من نعمته ما بلغ له منه أعظمهم حظاً وأوفرهم نصيباً وأفضلهم علماً وأقواهم عملاً وأبسطهم لساناً لكان عما استوجب الله عليه مقصراً وعن بلوغ غاية الشكر بعيداً ومن أخذ بحظه من شكر الله وحمده ومعرفة نعمه والثناء عليه والتمجيد له فقد استوجب بذلك من أدائه إلى الله والقربة عنده والوسيلة إليه والمزيد فيما شكره عليه خير الدنيا وحسن ثواب الآخرة. أفضل ما يعلم بع علم ذي العلم وصلاح ذي الصلاح أن يستصلح بما أوتي من ذلك ما استطاع من الناس ويرغبهم فيما رغب فيه لنفسه من حب الله وحب حكمته والعمل بطاعته والرجاء لحسن ثوابه في المعاد إليه وأن يتبين الذي لهم من الأخذ بذلك والذي عليهم في تركه وأن يورث ذلك أهله ومعارفه ليلحقه أجره بعد الموت. الدين أفضل المواهب التي وصلت من الله تعالى إلى خلقه وأعظمها منفعة وأحمدها في كل حكمة فقد بلغ فضل الدين والحكمة أن مدحا على ألسنة الجهال على جهالتهم بهما وعماهم عنهما. أحق الناس بالسطان أهل الرأفة وأحقهم بالتدبير العلماء وأحقهم بالعلم أحسنهم تأديباً وأحقهم بالغنى أهل الجود وأقربهم من الله أنفذهم في الحق علماً وأكملهم به عملاً وأحكمهم أبعدهم من الشك في الله تعالى وأصوبهم رجاء أوثقهم بالله وأشدهم انتفاعاً بعلمه أبعدهم من الأذى وأرضاهم في الناس أفشاهم معروفاً وأقواهم أحسنهم معونة وأشجعهم أشدهم على الشيطان وأفلجهم بالحجة أغلبهم للشهوة والحرص وآخذهم بالرأي أتركهم للهوى وأحقهم بالمودة أشدهم لنفسه حياء وأجودهم أصوبهم بالعطية موضعاً وأطولهم راحة أحسنهم للأمور احتمالاً وأقلهم دهشاً أرحبهم ذرعاً وأوسعهم غنى أقنعهم بما أوتي وأخفضهم عيشاً أبعدهم من الإفراط وأظهرهم جمالاً أظهرهم حصافة. وآمنهم في الناس أكلهم ناباً ومخلباً. وأثبتهم شهادة عليهم أنطقهم عنهم. وأعدلهم فيهم أدومهم مسالمة لهم. وأحقهم بالنعم أشكرهم لما أوتي منها. أفضل ما يورث الآباء الأبناء الثناء الحسن والأدب النافع والأخوان الصالحون. فصل ما بين الدين والرأي أن الدين يسلم بالإيمان وأن الرأي يثبت بالخصومة فمن جعل الدين خصومة فقد جعل الدين رأياً ومن جعل الدين رأياً فقد صار شارعاً ومن كان هو يشرع لنفسه الدين فلا دين له. قد يشتبه الدين والرأي في أماكن لولا تشبههما لم يحتاجا إلى الفصل. الخاصة والعامة قال الراغب: الناس ضربان خاص وعام فالخاص من قد تخصص من المعارف بالحقائق دون التقليدات ومن الأعمال ما يتبلغ به إلى جنة المأوى دون ما يقتصر به على الحياة الدنيا والعام إذا اعتبر بأمور الدين فالذين يرضون من المعارف بالتقليدات ومن أكثر الأعمال بما يؤدي إلى منفعة دنيوية وإذا اعتبر بأمور الدنيا فالخاص ما يتخصص بأمور البلد مما ينخرم من افتقاده إحدى السياسات المدنية والعام ما لا ينخرم بافتقاده شيء منها. وهم من وجه آخر ثلاثة خاصة وعامة وأوساط والأوساط هم المسمون في كلام العرب بالسوقة فالخاص هو الذي يسوس ولا يساس والعام هو الذي يساس ولا يسوس والوسط هو الذي يسوسه من فوقه وهو يسوس من دونه. ومن وجه آخر ثلاث أضرب أصحاب الشهوات وهمهم الجدة واليسار والأكل والشرب والبعال وأصحاب الكرامة والرياسة وهمهم المدح واستجلاب الصيت والمحمدة وأصحاب الحكمة وكل واحد منهم يستعظم من هو من جنسه. قال بعض الحكماء: ما من إنسان إلا وفيه خلق من خلاق بعض الحيوانات وبعض النبات لكون الإنسان مشاركاً لها في الجنسية وإن كان مبايناً لهما في النوعية فمن الناس غشوم كالأسد وعائث كالذئب وخب كالثعلب وشره كالخنزير وجامع كالنمل ووقح كالذباب وبليد كالحمار وألوف كطير الوفاء وصنع كالسرفة وآنف كالأسد والنمر وغيور كالديك وهادئ كالحمام ومنهم حسن المنظر والمخبر كالأترج ومنهم بخلاف ذلك كالعفص والبلوط ومنهم قبيح المنظر حسن المخبر كالجوز واللوز ومنهم حسن المنظر قبيح المخبر كالحنظل والدفلى والمؤمن الخير هو في الحيوانات كالنحل يأخذ أطايب الأشجار ولا يقطف ثمراً ولا يكسر شجراً ولا يؤذي بشراً ثم يعطي الناس ما يكثر نفعه ويحلو طعمه ويطيب ريحه وهو في الأشجار كالأترج يطيب حملاً ونوراً وعوداً وورقاً والمنافق الشرير هو في الحيوانات كالقمل والأرضة وفي الأشجار كالكشوت فلا أصل له ولا ورق ولا نسيم ولا زل ولا زهر يفسد الثمار وييبس الأشجار وكالشجرة التي قل ورقها وكثر شوكها وصعب مرتقاها. هذا ما ذكره الأصفهاني في وصف طبقات الناس وما يرجى منهم من المنافع وما يخشى من مضارهم قاله منذ زهاء ثمانمائة سنة ويقال مثله بعد قرون كما يصح إطلاقه على ألوف من السنين من قبل. ويرى الناظر في هذه الحياة الدنيا من سلطان الأوهام الكثيرة تأثيراً في دفع الناس بعضهم عن بعض ولولا ذلك لاختل النظام أو كاد. وكان معظم تأثير الأوهام في خلال القرون الوسطى أيام انتشار الإقطاعات وتسلط الأشراف ورؤساء الديانات في الغرب أما في الشرق — ونريد به البلاد العربية — فإن الأوهام كانت تتسلط على الناس بعد الإسلام بحسب حال الحكومات المتغلبة من العقل والجهل والدين والإلحاد ولذلك أتت على العامة أدوار كانوا يعتقدون أن الخاصة من طينة غير طينة البشر فهم أحق بالتقديس فقدسوهم ورفعوهم فوق أقدارهم ولم تكن نفوس الطبقة العالية من التهذيب بحيث تحسن استعمال هذه الامتيازات التي امتازت بها بل استعملتها ذرائع إلى الاستكثار من الثروة من غير حلها وللتبجح بالباطل بما لم يأمر به شرع إلهي ولا عقل إنساني ولذلك صرت ولا تزال ترى بين الطبقة العليا والدنيا من الفروق ما لا تراه في أكثر الأمم اللهم إلا الهنود والصينيين فإن مسافة الخلف بين طبقات الناس هناك مما يعجب منه أيضاً. انتبه أهل الغرب لسر الاجتماع البشري أكثر منا. والغالب أن سلطة الأشراف أو أهل الطبقة العالية بلغت عندهم قبيل نهضتهم مبلغاً لا تطيقه نفس بشرية فكان القيام على نزع تلك السلطة من أول الإصلاح عندهم ثم بقيت الطبقات تتقارب بعضها مع بعض وإلى اليوم لم يبلغ هذا التقارب أشده عندهم ولكنه لو قيس بما بين مختلف الطبقات في شرقنا لعد غاية الارتقاء. إذا تقارب الخاصة من العامة وعرف كل حقه ولم يتعده تستقيم أحوال المجتمع وتقوى دعائمه وتثبت في نفوس أبنائه روح التضامن الحقيقي وإذا بقيت كل طبقة مقتصرة على أهل طبقتها يحدث بين الطبقات سوء التفاهم ما لا يكون منه حضارة ولا غبطة والعامة هم سواد كل أمة وهم القائمون على الزراعة والصنائع المختلفة والأعمال الصعبة والخاصة أفراد قلائل وقوتهم بأفكارهم وعقولهم في الأعم الأغلب من أحوالهم. والعاقل ينبغي له أن يحسن الانتفاع من كل شيء في هذا الوجود فما الحال بانتفاعه من مخلوق مثله لو علمه بعض الضروريات لكان عمله له ولغيره أتم وأعم. مضى العهد الذي كان العلم فيه مقصوراُ على أهل طبقة خاصة ككهنة قدماء المصريين وأشراف اليونان والرومانيين ورهبان الأديار والصوامع في القرون الوسطى. مضى ذلك الزمن وما نظن يعود مثله على البشر بعد وقد أخذت حضارة الغرب تنفذ أنوارها حتى إلى القفار ويستنير بها المتمدن والمتوحش بحسب ما رزق من قوة بصر وبصيرة. طوي ذلك البساط بما عليه جملة ولن يعود إلى سالف حاله بعد أن توفر جمهور كبير من علماء الغرب يخطبون العامة في مجالسهم بما لا يعلو عن أفكارهم ويعلمونهم في مدارس ليلية أقاموها لتعليم من لم يسعده الحظ بالتعليم وبعد أن أنشؤا جرائد خاصة ووضعوا المجلات والكتب ليلقنوهم الأفكار الصحيحة والمعارف اللازمة من أيسر الطرق وأخصرها وبعد أن فتحوا لهم المعارض والمتاحف ودور التمثيل لتكون منهم مقومات العقول على طرف الثمام وبعد كل ما أقاموه لمنفعتهم من أسباب التعليم يستحيل أن يغالط عامتهم في حقائق الأشياء بعد اليوم وقد غولطوا فيها زمناً طويلاً. قال سيايلGabriel Séailles: Éducation ou Rolution Révolution, Librairie vie Arman Colin paris: لا غنية للديمقراطية عن خيرة رجال كما لا يسعها إلا أن تقدر الذكاء والعلم والفضيلة حق قدرها. ولا مشاحة في أن الديمقراطية تأتي على الحواجز التي كانت تحول بين الطبقة العالية وجمهور الأمة فتدكها من أساسها وذلك لأن المجتمع يختار كبار الرجال من جمهور أهل البلاد ممن ينشؤون أبداً بين ظهراني عامة الناس ولا يزالون ينمون ويتجددون بما يصدر إليهم من حوض القوة والنشاط وأعني بهذا الحوض العامة. فإذا اعتزل أولئك الرجال واقتصروا على الاجتماع بأبناء طبقتهم محتقرين ما عداها فإنهم يقضون على أنفسهم بالضعف وعلى أمرهم بالفشل. ليس الشعب هو الجمهور بل هو الأمة وهو الحاكم المتحكم. والفكر لا يكون إلا مجردات ونظريات إذا لم يكن له كيان وحقيقة تؤثر في عقول أبناء الأمة وإرادتهم. وعلى الطبقة الخاصة من الناس وهي في الأصل ممتزجة بجهلاء الأمة وأهل الوضاعة منهم أن يكون لها اتصال بالشعب وعليها أن تعمل على إقناعه لتنال ثقته تتصل به وتشركه في معرفة الحقيقة السامية التي تخضع لناموسها الإرادات مختارة وعلى مجموع من يتألف من هم المجتمع الديمقراطي أن يشتركوا في الحياة الوطنية. أهـ. ولقد وقر في نفوس خاصتنا زمناً طويلاً بأن اجتماعهم بالعامة يعد منقصة وسبة لذلك كانوا وأكثر من يتطاولون إلى التشبه بهم من أهل الطبقة الوسطى في العقول يشمئزون من الاختلاط بغير طبقتهم كأن العلم بزعمهم يفسد إذا ألقي على من ينتفع به أو أنه تذهب بركته ويزول بهاؤه ورواؤه وقد كان هذا الخلق يقوى في الشرق على عهد ضعف الوازعين الديني والسياسي وانحلال التربيتين البيتية والمدرسية. وما مجالس الوعظ أيام الحضارة الإسلامية إلا من بركة تلك العقول الكبيرة والتربية الراقية فكنت ترى أمثال الحسن البصري والفخر الرازي وابن الجوزي ومئات غيرهم في المساجد والمنابر يعظون العامة ليعلموهم ما حرموا منه فيما ينفعهم في دينهم ودنياهم. بدأ ذلك على عهد الخليفة الرابع فكان يأتي بواعظ العامة ويسأله فإن رآه متمكناً من العلم بحيث لا يضل الناس بكلامه أذن له بالوعظ وإلا منعه وما كان جلة العلماء يبستنكفون من تفهيم العامة كما كانوا يعلمون الخاصة. وظاهر أن ما كانوا يلقونه على مسامع جمهور الناس من أنواع العلوم لم يكن في صعوبته كالذي يلقونه على خواصهم ولذلك قلما كان يتأتى العبث بعقول العامة في القرون الستة الأولى للإسلام فقربوا من الخير والسلامة من أكثر خاصة العصور المتأخرة ممن جعلوا الدين سلماً إلى الدنيا وقشور العلم للمباهاة. ومقادير الخاصة والعامة في كل أمة نسبية في الغالب فقد يكون رجل من طبقة الخواص في أمة فإذا قيس بغيرها من الأمم الراقية لا تنزله إلا منزلة العوام. قال الصفهاني: لا شيء أوجب على السلطان من مراعاة المتصدين للرياسة بالعلم فمن الإخلال بها ينتشر الشر وتكثر الأشرار ويقع بين الناس التباغض والتنافر وذلك أن السواس أربعة الأنبياء وحكمهم على الخاصة والعامة ظاهرهم وباطنهم والولاة وحكمهم على ظاهر الخاصة والعامة دون باطنهم والحكماء وحكمهم على بواطن الخاصة والوعظة وحكمهم على بواطن العامة وصلاح العالم بمراعاة أمر هذه السياسات لتخدم العامة الخاصة وتسوس الخاصة العامة وفساده في عكس ذلك ولما تركت مراعاة المتصدي للحكمة والوعظ ترشح قوم للزعامة بالعلم من غير استحقاق منهم لها فأحدثوا بجهلها بدعاً استغووا بها العامة واستجلبوا بها منفعة ورياسة فوجدوا من العامة مساعدة لمشاكلتهم لهم وقرب جوهرهم منهم: فكل قرين إلى شكله كأنس الخنافس بالعقرب وفتحوا بذلك طرقاً منسدة ورفعوا بها ستوراً مسبلة وطلبوا منزلة الخاصة فوصلوا إليها بالوقاحة وبما فيها من الشره فبدعوا العلماء وكفروهم اعتصاباً لسلطانهم ومنازعة لمكانهم وأغروا بهم أتباعهم حتى وطؤهم بأخفافهم وأظلافهم فتولد من ذلك البوار والجور العام. أهـ. ولقد بقي من دروس الوعظ أو القصاصين كما كانوا يدعون قديماً أثر ضئيل في بعض البلاد الإسلامية ولكن ضررها يربو على نفعها لأن من يتولون أمرها في الأكثر قلما يدركون مبلغ أقوالهم وتأثيراتهم ومعظمهم ممن تزييوا قبل أن يتحصرموا فراحوا على قلة علمهم وعملهم يدعون إلى الخرافات في الأغلب يستسهلون الكلام في الزهد في الدنيا وذكر فضائل الأيام والمواسم وأكثر خطب الجمع من هذا القبيل أو هي أدهى وأمر. وأما الخاصة الحقيقيون في الأمة فقد اضطرتهم الفوضى في العلم والنظام إلى أن يقبعوا في بيوتهم ويكونوا أحلاسها واقتصروا اليوم في تعليم العامة على من يلوذون بهم من أهلهم وأصحابهم وجيرانهم والعشرة تعدي جراثيمها. القيام على تعليم العامة عندنا ليس بالأمر الحديث كما هو في الغرب ولكن أصوله بليت بين أظهرنا ونمت أي نمو عندهم شأن الأمم الراقية والنازلة هذه يمسخ فيها كل شيء حتى جمال وجوه أهلها وتلك يرتقي فيها كل شيء حتى موبقاتها وشرورها. ولا نقصد بتعليم العامة أن نعلمهم ما يصدهم عما هم بسبيله من أمور المعاش ولكننا نقصد أن يعلموا كعامة أبناء اليابان القواعد الأساسية القليلة ليستحيل بعدها التلاعب بأهوائهم ويكونوا عوناً للخاصة في كل عمل نافع لا عثرة في سبيل كل مشروع ينهضون بلا سبب معقول ويسكنون كذلك. نريد أن يعلم العامة القراءة والكتابة البسيطة ومبادئ التاريخ والجغرافيا والحساب والاقتصاد والصحة وتدبير المنزل وشيئاً من آداب الدين التي لا تعلو عن أفهامهم وعندما يشاركون الخاصة في الفهم إن لم يكن في معظم مسائل الوجود ففي بعضها وهناك من الفائدة للخاصة ما لا ينكره عاقل ويكفي أنهم لا يعدون غرباء كأنهم من عالم أخر إذا نزلوا بين قوم في الأرياف والقرى والدساكر إذ يجدون فيها من يزيل عنهم موجبات الوحشة ويقدرهم قدرهم في الجملة. هذه الطبقة من العامة إذا كثرت في الشرق العربي مثلاً تكون حاله أحسن مما هي عليه بما لا يقاس ويقل تبرم المتعلمين النورين من عشرة الأميين العاميين ولاسيما في المدن الصغرى حيث لا عقل يفكر إلا في الأمور البسيطة من المعاش وقل من يشارك في الشؤون العامة. قال الجاحظ تقول العرب: لولا الوئام لهلك الأنام وقال بعضهم في تأويل ذلك لولا أن بعض الناس إذا رأى صاحبه قد صنع خيراً فتشبه به لهلك الناس وقال الآخرون إنما ذهب إلى أنس بعض الناس ببعض كأنه قال إنما يتعايشون على مقادير الأنس الذي بينهم ولو عمتهم الوحشة عمتهم الهلكة. وإذا لم يتيسر لبلادنا الآن أن نؤسس لها مجامع ومدارس لهذا الضرب من التعليم فما أحرى كل من رزق علماً خرج به عن العامية أن يجمع حوله طائفة من أهله وجيرانه يرشدهم ويلقنهم بحسب ما يعرف ويصحح لهم أفكارهم إلقاءً ويعلمهم ما لم يسعدهم الحظ بتعلمه في كتاب. ولا أعلم في بلادنا أحداً يهتم لتعليم العامة وتصحيح الأفكار مثل الشيخ طاهر الجزائري على اتساع مادته في العلوم المختلفة اتساعاً لم أره في عالم عربي وقد انتبه بعض علماء فارس لهذه النكتة فأخذوا ولاسيما في العهد الأخير يخدمون العامة بما ينفعهم ويطبقون لهم المدنية على حسب عقولهم وهم هناك بضعة عشر رجلاً ورأسهم المجتهد السيد جمال الدين فقد قرأت له خطباً في هذا الموضوع لا تقل في جودتها عن خطب أرنست لافيس وجبرائيل سيايل وغيرهما من فلاسفة فرنسا المعاصرين ممن لا يرون حطة في أقدارهم أن يتنزلوا لتعليم العامة لاعتبارهم إياهم عمد أخبية المجتمع وقواعد بنيان بني الإنسان. إن يوماً نرى فيه هذه البلاد مملوءة بخزائن كتب يختلف إليها العامة فيتناولون فيها ما شاؤوا من المطبوعات والأسفار البسيطة النافعة ومدراس ليلية أو نهارية ابتدائية لتعليم الكبار والصغار والبنات والصبيان ومعارض ومتاحف في كل مديرية أو متصرفية أو عمالة لهو يوم سعيد يسوغ بعدها لأمتنا أن تدعي أنها راقية تستحق استقلالها في سياستها إذ حررت العقول من ظلمتها. الرياضة المعقول قل استعمال الألعاب الرياضية في هذه البلاد لأن الفقير لا يقدر فوائدها قدرها ويروض جسمه من حيث لا يشعر بأعماله اليدوية وحركاته اليومية أما الغني فيرى في الأكثر أن اللعب لترويض الجسم منقصة وسبة لا ينطبق مع الوقار والرزانة. ولما كان أجدادنا ينصرفون إلى الألعاب المختلفة آونات فراغهم كانت أجسامهم أصح وأمراضهم أقل. دام ذلك إلى عهد قريب وضعفت اللعاب الرياضية بيننا بضعف العلوم ويدلك على عناية قومنا بالرياضة قديماً أنهم أفردوها بالتأليف وعددوا ضروبها وأساليبها. ولقد كان صلاح الدين الأيوبي ونور الدين زنكي إذا استراحا قليلاً من جهاد الصليبيين يصرفون شطراً من أوقاتهما في ركوب الجياد والسباق في سهل اللوان بظاهر دمشق ولا يريان ذلك نكيراً. ولما أنكر أحد علماء ذاك العصر على احدهما ما يأتيه من هذه المسليات المضيعة للأوقات قال له: إننا نستعين على تقوية أجسامنا لئلا نضعف عن النزال ومقارعة الأبطال. ولم يزل في بعض بلاد الشام أثر من آثار هذه الألعاب بين أبناء الطبقة المتوسطة والدنيا ومن أهمها ركوب الجياد للسباق والركض والوثب والسبحة ولعب العصا والصراع كما ترى منها بعض الشيء في هذا القطر. بيد أن الغربيين سبقونا أشواطاً إلى كل محمدة ومن جملة ما يمتاز به خاصتهم وعامتهم عن خاصتنا وعامتنا الألعاب الرياضية يأتونها كأنها من الضروريات كالأكل والشرب والنوم حتى قال بعضهم أن على نسبة ارتقاء الألعاب الرياضية في أمة تقوي أجسامها وتطول أعمارها وتصح عقولها والعقل السليم في الجسم السليم. أدركوا أن غاية الحركات الطبيعية بث القوة في عامة الجسم لا جعلها قاصرة على بعض الأعضاء فانبساط القلب المفرط ينشأن من الإفراط في إنهاك أحد الأعصاب بالعمل وإفناء قوى بعض الحواس. فترى الجبار ممن اعتاد رفع الأثقال قوي العضلات ولكنه ضعيف الساقين إذا أريد على الجري انقطع نفسه وخانته رجلاه ولئن كانت أعضاؤه متينة فآلته التنفسية سيئة السير ولا يعالج هذا النقص إلا بتمرينات منظمة حتى أن المصارع نفسه ليحتاج إلى الرشاقة في حركاته إذا عرض له أوتوموبيل في سكته أو حريق في داره ليتأتى له أن يقفز ويصعد الدرج ويزحل على الحبل. أما عامة الناس فهم كلما استحكمت قوتهم وزادت خفة أجسامهم يستعدون لتسلق الجبال وحمل الأحمال والقفز والسباق. وهذا الميل إلى كل ضرب من ضروب الرياضة وإن أريد به التسلي فهو من الضروريات لقوام البنية حتى يكون من الناس كما يقول الفيلسوف هربرت سبنسر (حيوانات صالحة) أي أناس لهم في تراكيبهم الطبيعية ومن أعصابهم وحواسهم الباطنية ما يؤهلهم للقيام بما في طاقتهم بدون أن ينقص عضو من عضو شيئاً أو يقوى عصب بضعف أخيه. ولذلك كثرت أساليب الرياضة وكلها تدور على قوانين طبيعية مبنية على علم التشريح والحياة والميكانيك. وممن قام يدعو إلى طريقته في الرياضة رجل من أهل السويد اسمه لنج نظر في الطرق المتبعة في التريض فخالف المتبع منها في التربية الطبيعية التي من شأنها إعداد أناس منبسطة قلوبهم فاستعاض عما كان أهل الرياضات يستعملونه من قبل بالتجارب من الألعاب بأساليب له معقولة معتقداً أن أحسن رياضة لتحسين الجنس الإنساني في مجموعه تقليل أسباب الضعف وتقوية الأبدان تقوية تامة. تعلم هذا الرجل التعليم العالي وانصرف إلى اللاهوت والأدب لأول أمره فصنف فيهما وألف فشغله ما هو فيه من الأشغال العقلية عن النظر في الألعاب الرياضية إلى أن التقى بمهاجرين فرنسويين في كوبنهاغ أوائل القرن الماضي فعلماه المسايفة لعب السيف والترس فمهر فيها حتى عين معلماً لحمل السلاح في كلية لوند وكان حاد الفكر والتصور صعب المراس لا يقف في أمر يتعاطاه عند حد التوسط فاهتدى بذكائه إلى أن وراء المسايفة وإحسان الكر والفر مقصداً أسمى فأخذ نفسه بدرس منافع هذا الفن ونظر في التشريح وعلم النفس وتوغل في التاريخ فرأى أن السكنديناويين كانوا يستعملون الرياضة واليونان من قبلهم كذلك وتبين له أن ما هو ماثل في مصانع اليونان وتماثيلهم من جمال الوجوه وتناسب الأعضاء وصحة الجسوم إنما كان بفضل الرياضات التي يرتاضونها وثبت له أن تحسين النسل وجماله وجودة الصحة الطبيعية والأخلاقية تنشأ من استعمال الرياضة المعقولة. قام هذا الخاطر في ذهنه ولم يرتح وجدانه إلا عند ما تعدم إلى حكومة السويد أن تمنحه شيئاً من المال يستعين به على نشر طريقته فردته رداً غير جميل وعدته ممخرقاً أخرق فسخط من ذلك وهو غضوب عبوس إلا أنه لم ييأس. وكان نجاحه في ثباته على المطالبة فصدر الأمر الملوكي سنة ١٨١٣ بإنشاء مجمع علمي للألعاب الرياضية في استوكهلم عهد إليه إدارته ووفق إلى تحقيق الأفكار التي كانت تخالج صدره وإن كانت تلك الأفكار مشوشة مرتبكة لأول أمرها إلا ا، العمل يجليها والبحث يهذب أصولها وفروعها وساعده على نياته ما تم للعلم من الاكتشافات الحديثة وزيادة انتشار فن الطب ومعرفة ما بين أعضاء الجسم من الصلات. أما طريقته فهي في الحقيقة مجموع أعمال صحية غايتها تقوية الأعصاب وأن يقاوم المرء المؤثرات المضرة ويستعد لدفع الأخطار التي تحيق به. وبفضل الجهاد الذي جاهده لنج في أعماله زاد في مدة نصف قرن معدل قامات الجنود في تلك البلاد ثلاثة سانتيمات وطالت الأعمار فصار معدل الزيادة تسع سنين عن ذي قبل. ولما بت ذلك بالبرهان والإحصاء أرادت بعض دول الغرب أن تجري على طريقة السويديين فأدخلت طريقة لنج إلى المدارس الجامعة وثكن الجند ولكن العنصر اللاتيني لم يفلح كثيراً في الجري على تلك الخطة لأن أهل شمالي أوروبا أرقى منه في معنى التوفر على الواجب والمبالغة في الخضوع لضروب السخرة المملة فلا يتبرمون من تكرار حركات واحدة وحضور جلسات طويلة على نمط واحد كما يتبرم أهل العنصر اللاتيني. وبعد فإن من فوائد السباق وفضائله في التربية أنه يضطر صاحبه إلى تعلم النظام ويعده للقيام بالفروض الجندية ولذلك ترى الجدافين في القوارب وهم مضطرون إلى تطبيق حركاتهم بعضهم على بعض وأن يسيروا بنظام تام يأتون في ذلك مثالاً من أمثلة النظام والتكافل وكذلك الحال في لاعبي الكرة بخضوعهم لأمر زعيمهم. هذه الألعاب أحسن مدرسة للشبان كل يوم لأنها لا تبقي عضلة لا تتحرك في خلالها وتثير الحركات التنفسية مع رفع الأعضاء وبذلك يقوى الصدر وتكبر رقعته وتتحسن ضربات القلب وتتصلب الأعصاب وتمرن المفاصل. ولكن هذه الطريقة في الألعاب على ما هي عليه من النفع بحيث جرى العمل بها في الثكن والمدارس يصعب أن يجري عليها من يتعلمونها بعد لأن الثكنة أو المدرسة إذا خصصت للجندي والتلميذ ساعة كل يوم للرياضة فمن الصعب على من يدخل في مدرسة هذا العالم أن يصرف هذا القدر من وقته كل يوم. بيد أن القوم اخترعوا صوراً من الألعاب لا يحتاج معها المرء إلى شيء من الأدوات ولا تأخذ له من الوقت أكثر من عشر إلى خمس عشرة دقيقة. وقد كثر تحدث الناس في إسكاندينافيا مهد طريقة لنج بطريقة اخترعنها موللر الدانيمركي وما وفق إلى إتقانه في كل فرع من فروع الألعاب وهذا الرجل يحسن تعاطي المجداف والسباحة والتزحلق Patinage والصراع والمشي وحمل الأثاقل والقفز والملاكمة والسير السريع وقد نال في ذلك ١٢٣ جائزة حتى قال فيه أحد المصورين: إنك يا هذا أجمل مخلوق رأيته في حياتي. بل أنه كتب مؤخراً أنه سيزيد نفسه جمالاً ورقة مع أنه الآن في الأربعين من سنه. وتاريخ هذا الرجل غريب في بابه وذلك أن أباه كان مختل الصحة مبتلى بعدة أمراض وهو كان في صغره كثير الأمراض أيضاً وقد قال عن نفسه: إني لما ولدتني أمي لم يكن وزني أكثر من ثلاث لبرات ونصف بحيث كانت علبة لفائف تسعني وفي السنة الثانية أصبت بزحير كدت أهلك عقيبه كما أصبت في تلك السن بجميع أمراض الأطفال. ولما دخلت المدرسة أصبحت أمرض كل سنة مرتين أو ثلاثاً بالحمى والبرداء والإسهال وغيرها فأنت ترى أن مالي من الصحة والقوة الآن لم أرثهما وأني لم أكن من أهل العافية والسلامة في طفولتي. ففي سنة ١٨٧٤ وكان عمره إذ ذاك ثماني سنين وقعت إليه كتب بالألعاب الرياضية مترجمة من الإنكليزية والألمانية ولما قرأها ربت فيه ذوق التمرينات الطبيعية وأخذ يتمحض لها وترك دروس اللاهوت التي كان أخذ بدراستها لأول أمره وتعلم الهندسة العسكرية صم صار مهندساً ملكياً وبعد أن قضى عشر سنين في هذه الصناعة عين مديراً لمصح في جوتلاند شبه جزيرة دانيمركية وهناك نشر كتاباً في الأعلاب الرياضية سماه طريقتي انتشر انشتاراً غريبلاً فطبع منه في ٣ أغسطس سنة ١٩٠٤ إلى شهر مايو من السنة التالية ثلاثون ألف نسخة هذا وسكان الدانيمرك نحو مليونين ونصف فقط. وترجم إلى الألمانية فطبع منه ٧٠ ألفاً وإلى الإنكليزية فطبع منه ٢٥ ألفاً وإلى السويدية ٢٠ ألفاً وإلى الإفرنسية ٢٠ ألفاً. ولئن كان لنشر هذا الكتاب يد في التفنن بالإعلان عنه فإن سهولة طريقته كانت أعظم سبب لانتشاره إذ ليس فيها قيود ولا تعقيد بل أن الربع ساعة يقضيها المرتاض في غسل جسمه ومحن جلده (دعكه) وتغمير بدنه تكفي فيمحن جسمه وهو يستلقي على قفاه ويتلوى ويتوتر ويتثنى بحيث لا ينتهي من اغتساله إلا وقد تحركت جميع أعضائه وأعصابه ويكون قد نظف جسمه وبشرته. وهذه الطريقة نافعة أكثر من غيرها من الألعاب الرياضية لأنها تجعل تنعيم البشرة وغسلها من الأعمال الرئيسية وتلين أعصاب البطن وتجعل لتنفيس الجلد شأناً عظيماً وقد كتب موللر إني ضحكت من أناس في أرباب المسابقات والصراع يغتبطون بأن أجسامهم لا ترشح عرقاً عندما يتعاطون أعمالهم مع أني موقن بأن مسام أجسامهم متسخة بالأدران والأدهان البشرية وصفرة وجوههم واكمداد ألوانهم أكبر دليل على سوء صحتهم. وقد علق موللر على ترويض البطن شأناً كبيراً في تحسين الهضم والعون على انتظام وظائف الأحشاء وتحسين حالة الكلى والكبد.   رب إسرائيل في جزيرة أسوان جزيرة أسوان Eléphantine هي أول الجزر العظيمة الواقعة في مصب الشلال وتدعى أيضاً الجزيرة وكانت قديماً مأهولة بجماعة من النوبيين وهي عبارة عن قريتين تابعتين لأسوان وتعد عاصمة تخونت (التخوم) ومدينة (أبو) أو (كوبهو) العظمى قال لاروس في معجمه الأوسط: وكان أمراؤها نحو آخر السلالة الخامسة أو السادسة يغزون الصحاري المجاورة أو شواطئ البحر الأحمر ويتجرون معها وكانت ملوك السلائل المنفية تنزلها عندما تريد الإشراف على أحوال التخوم واستعمر سكان هذه الجزيرة بلاد النوبة الشمالية بين السلالة السادسة والحادية عشرة. ولقد ضعفت مكانتها عندما توسعت في التخوم نحو الجنوب على عهد ملوك الثيبيين وأصبحت مدينة يرحل إليها للتجارة والزيارة ولما جاء المصريون إلى جوار الشلال عندما انفصلت الحبشة عنهم في الدولة الثانية عشرة استعادت مركزها الحربي إلا أن ارتقاء أسوان المعدودة من جملة أحيائها على الحدود بين الحبشة ومصر على عهد الدولة الفارسية ثم على عهد الدولة اليونانية قد أضر ضرراً بليغاً بحالتها كما سقطت على عهد الرومان ولم تكن على عهد الفتح البيزنطي والعربي غير أنقاض وقد بقي من المعبد الكبير قطعة من بابه أنشأها توتموسيس الثاني وجددت على عهد الإسكندر الثاني ولا يرى من عادياتها إلا صخور مشتتة بين خرائب المدينة أو مسدودة بالرصيف القديم ومقياس النيل الذي جدد على عهد القياصرة وعني بأمره أحد علماء الفلك من العرب محمود باشا الفلكي سنة ١٨٧٠ وقال بوليه في معجمه التاريخي والجغرافي أنه كان في جزيرة أسوان قديماً معبدان جميلان يرد عهدهما إلى زمن أماناهوبتو الثالث وقد خربا سنة ١٨١٨ لتبنى بأنقاضهما ثكن في أسوان. وقال ياقوت الحموي في معجم البلدان وأسوان بالضم ثم بالسكون وواو وألف ووجدته بخط أبي سعيد السكري بغير الهمزة وهي مدينة كبيرة وكورة في آخر صعيد مصر وأول بلاد النوبة على النيل في شرقيه وهي في الإقليم الثاني طولها سبع وخمسون درجة وعرضها اثنان وعشرون درجة وثلاثون دقيقة وفي جبالها مقطع العمد التي بالاسكندرية. قال أبو بكر الهروي وبأسوان الجنادل ورأيت بها آثار مقاطع العمد في جبل أسوان وهي حجارة ماتعة ورأيت هناك عموداً قريباً من قرية يقال لها بلاق أو براق يسمونها الصقالة وهو ماتع مجزع بحمرة ورأسه قد غطاه الرمل فذرعت ما ظهر منه فكان خمسة وعشرين ذراعاً وهو مربع كل وجه منه سبعة أذرع وفي النيل هناك موضع ضيق ذكر أنهم أرادوا أن يعملوا جسراً على ذلك الموضع. وذكر آخرون أنه أخو عمود السواري الذي بالاسكندرية وأشار ياقوت إلى ما بأسوان من التمور المختلفة وأنواع الأرطاب وقد ذكرها البحتري في مدحه خمارويه ابن طولون بقوله: هل يلقيني إلى رباع أبي الجي ش حظار التغوير أو غرره وبين أسوان والعرا ق رعية ما يغبها نظره ونسب إلى أسوان قوم من العلماء وقال المقريزي في الخطط ما يقرب من هذا القول في أسوان وبتطويل أكثر. هذه هي أسوان وقد قرأنا في جريدة الطان للمسيو كلرمون كانو من أعظم علماء الآثار الشرقية في الغرب فصلاً وصف فيه ما عثر عليه من آثار تلك الجزيرة الأزلية فرأينا تعريبه مع مراعاة الأصل قال: إن مجموع الاكتشافات الحديثة التي ظفرنا بها في هذه الجزيرة قد وقعت بين العلماء أعظم موقع وهي تهم تاريخ التوراة في الغاية. هذه الاكتشافات اليهودية لم يعثر عليها في طور سيناء مهد اليهودية ولا في القدس مقرها بل عثر عليها فيما وراء ذلك من البلاد على تخوم مصر والنوبة على بضع دقائق من دائرة الانقلاب في جزيرة للشلال الأول على النيل في مكان لم يكن يتوقع أن يرى فيه رب إسرائيل يهوه بعيداً إلى هذا الحد ويرد عهده إلى خمسة قرون قبل المسيح. وقد قام يقول لنا بلسان من يتعبدون به ممن رافقوه إلى تلك البلاد من أبناء إسرائيل أموراً جديدة ربما تغير بها تفسير الكتاب المقدس وبذلك صح لنا أن نقول أن النور جاءنا من الجنوب اليوم ولم يكن ينتظر أن يجيئنا بعد منه شيء. ومعلوم أن بلاد الفراعنة ما زالت قديماً وحديثاً مخصبة بضروب الاكتشافات الأثرية فهي البلاد التي أزهر فيها ورق البردي فكانت ميداناً مباركاً لعلم الآثار آتانا ولم يبرح يأتينا بكتابات قديمة خطت على هذه المدارج الرقيقة من ضروب الكتابات المصرية واليونانية واللاتينية والقبطية والعربية وغيرها فكان لنا منها كنوز أدبية حقيقية في صورة أوراق من البردي ولنا منها كل يوم قطعة جديدة ومادة ندهش بها ونسر. فبالأمس اكتشفت قطع من روايات مياندر الشاعر الهزلي ففرح بها أهل الأدب. وقبلها بقليل كان اكتشاف آثار للمسيح تصل بنا إلى أصول النصرانية وما يدرينا ماذا خبأته لنا مصر غداً من الآثار ولعل اكتشاف اليوم سيكون توراة أقدم من التوراة المعهودة وإن ما اكتشف حتى الآن ليدعو إلى الأمل في ذلك. ولكي نمثل للأنظار طبيعة الصكوك اليهودية وخطارتها التي ظهرت للوجود في أسوان تقضي الحال بأن نرجع قليلاً إلى البحث في المسألة من أصلها. فقد كانت مصر عجيبة بما اكتشف فيها من أوراق البردي التي كتبت عليها لهجات أجناس من البشر مختلفة كثيرة ممن تعاقبوا احتلالها فيما سلف إلا أنها ضنت إلى اليوم كل الضنانة بإخراج كتابات باللغات السامية القديمة اللهم إلا بضعة عشر قطعة من البردي كتبت بحروف آرامية عثر عليها منذ نحو ثلاثين سنة. ولئن اختلف علماء المشرقيات في أمر هذه الكتابات لصعوبة حلها فالرأي المجمع عليه يكاد يكون متفقاً على أمر واحد وهو أن تلك الأوراق هي من عهد البطالسة اليونان كما هو الحال في بعض المنقوشات على الخزف والمزبورات على الحجر المخطوطة بلغة وحرف مشابه لها مما عثر عليه حتى الآن في مصر. وإذ سنح لي الزمن منذ سنين بالتوفر على البحث في هذا الموضوع تبين لي حل آخر يخالف رأي غيري واستندت على أمور مختلفة استنتجت منها بأن جميع هذه الصكوك الآرامية يجب الرجوع بها إلى أقدم مما قدر لها من العمر أي إلى عهد الفرس الحجمانيين وعهد دارا وكسركس وأرتاكسركس. وإذا صح أن الأمر كذلك فيكون منها أثر تاريخي لأنها لم تقف عند إبدال شيء من التاريخ بل يكون منها تغيير تام في المحيط السياسي والديني. تبين لي هذا الرأي المخالف للآراء كلها من تأويل إحدى قطع تلك الأوراق من البردي المكتوبة بالآرامية المعرفة ببردي تورين فقد قرأت فيها رأس محضر رسمي أرسل إلى أحد المرازبة في مصر وعليه اسم ميتراوهيشت Mithrawahicht وهو اسم آرامي لا محالة. ورأيت تناسباً في التعبير المستعمل بين هذا المعروض وبين الذي أرسله إلى الملك أرتاكسركس حاكم بلاد السامرة بشأن منع إعادة بناء معبد القدس الذي شرع فيه اليهود ثم تم على يد نيحيميا وهو المعروض الذي حفظ بنصه الآرامي في كتاب أسترادس المتعلق بالتوراة. وظاهر أن هذا الاستنتاج التاريخي يتناول مجموع النصوص الأخرى المماثلة لها التي صدرت في تلك البلاد ولم تلبث أن تحقق أمرها بما تهيأ لها من الاكتشافات المتعاقبة في مصر وغير ذلك من الكتابات والرقوق الآرامية التي كتب عليها التاريخ بحروف جلية من عهد كسركس ودارا وأرتاكسركس فثبت ما قلناه بالبرهان. ومن جملة أوراق البردي المكتشفة مؤخراً ورقة ذكرت فيها بعض الحوادث التي حدثت سنة أربع عشرة لعهد الملك دارا الثاني الموافقة لسنة ٤١١ قبل التاريخ المسيحي وقد غلط المسيو أوتنج أحد علماء الألمان الذي عهد إليه نشر هذه الأوراق في قراءة عدة فقرات منها وإذ أخذت أنظر فيها بعده تبين لي أنها عبارة عن شكوى عامة أو معروض عام أرسله إلى المرزبان في مصر جماعة من غير المصريين وربما كانوا من اليهود لإقامة الحجة على اعتداء مدرسة الكهنة المصريين وعبثهم بقبور الرب خنوم في جزيرة أسوان وبذلك عرفت هذه الجزيرة بأنها مركز سامي آرامي جليلة القدر جداً من العهد الفارسي لاسيما وقد أسعد الحظ باكتشاف صكوك مماثلة لها. وقد أرادت الحكمة إذ ذاك علي المبادرة في الحفر والبحث في تلك الرجاء التي هي كالمعدن المملوء بالخيرات ولكني كنت كمن يعظ في قفر أو يصرخ في واد. وما جاء ربيع سنة ١٩٠٤ حتى تبين أني لم أكن ضالاً فيما دعيت إليه فعثر بالعرض بعض الوظنيين ممن كانوا يحفرون في خرائب أسوان في تربة نشادرية يسمونها سباخاً ويستعملونها في تسميد الزرع على نحو عشر قطع من أوراق البردي مطوية مختومة فابتاعها في الحال المسيو موند واللادي ويليام سيسيل وكانا إذا ذاك في مصر وبعد مدة نشرها المستر كولي في كلية أكسفورد. وكان فيها نصوص سالمة عظيمة بحروف آرامية لطيفة تشبه القطع المعروفة حتى الآن من كل وجه وكلها بلا شك من صنع اليهود النازلين في جزيرة أسوان ومدينة أسوان الواقعة على الشاطئ الشرقي للنيل أمام الجزيرة. لا جرم أن هذا الحادث مهم في ذاته ولكنه ليس مما يدهشنا لأننا نعرف بأن اليهود في سفر الخروج تركوا لغتهم العبرانية القديمة الوطنية وتعلموا اللغة الآرامية وكتابتها وكانت هذه اللغة شائعة في مديريات المملكة الفارسية. كما ترك اليهود أموراً كثيرة أخرى ليس هذا محل ذكرها. هذه الخطوط المكتوبة على البردي هي حجج حقيقية مسجلة غريبة للغاية يرد عهدها بالتدقيق إلى كسركس وأرتا كسركس ودارا بالسنين والشهور والأيام مع بيان موافقة حساب السنين الآرامية والمصرية وهي مرتبة على ستين سنة مضت بين سنة ٤٧٠ إلى سنة ٤١٠ قبل المسيح وقد دونت بطلب الأحزاب بمعرفة أحبار اليهود ووقع عليها توقيعات جمة للتصديق عليها بشهادة كثيرين وهي تدور على مسائل كثيرة في التعامل كالبيوع والشراء والهبة في العقارات والأراضي ومسائل الأسواق والأحكام وحل الاختلافات أمام المحاكم أو على طريقة ودية وعقود زواج ونظر في مسائل الطلاق مع خلاصتها الشرعية سواء كان للمتزوجين أولأولادهما ووصف من أدق ما يكون وأفيد لجهاز المتزوجين وتقدير أثمانه قطعة قطعة والمواريث وقسمة العبيد المنتقلين بالإرث إلى غير ذلك. وبعد فإن مجموع هذه المستندات المنقطعة القرين التي ظهرت سالمة في بعض دفاتر بعض البيوت قد أتتنا بجملة من الفوائد هي غاية في مكانتها وذلك لأنها دلتنا على وجود شعب عظيم من الإسرائيليين في أسوان قبل المسيح بخمسة قرون وعرفتنا بلغته وكتابته وأخلاقه وأوضاعه ومعتقداته وصلاته مع الحكومة الفارسية والشعب المصري وغير ذلك. ومن جملة المسائل التي تنحل بواسطة هذه الأوراق أو توضع موضع البحث مسألة دونها كل المسائل ألبا وهي التي لها علاقة برب إسرائيل وما له في تلك البلاد من الشأن. فقد رأينا اسمه مذكوراً فيها عدة مرات بدون حرج كما صار ذكره بعد. فكان القوم هناك يقسمون برب إسرائيل كما يقسم بالأرباب المصرية (كانت ساتي ربة جزيرة أسوان) عندما يراد القسم ثم أنهم لم يبالوا بالحظر التقليدي عليهم وأنشئوا في ذاك الرجا البعيد معبداً لرب إسرائيل غير مبالين أن ينافس معبد القدس وليس المعبد الذي أقاموه عبارة عن كنيس بسيط أو مصلى صغير بل هو معبد حقيقي مستوفٍ للشروط وفيه مذبح تراق فيه دماء الضحايا ويصعد منه دخان البخور كأن اليهود إذ ذاك في هاتيك الجزيرة هم في عهد عزهم واسعد أيامهم كما كانوا في صهيون. أصغت الحكومة الفرنسوية لطلبي وأرسلت بعثة علمية تحت رئاستي إلى أسوان في السنة الماضية للبحث عن حارة اليهود فيها أو لتحديد موقع معبد رب إسرائيل إن أمكن وكانت هذه المسألة من أعقد المسائل لأن معرفة موقع المعبد كانت معلقة على معرفة ما إذا كان موجوداً في مدينة أسوان المنفصلة عن الجزيرة بذراع من النيل أو على العكس كما كنت أظنه في الجزيرة نفسها. وأنا أقطع مذ الآن أن المسألة مبتوتة في هذا الشأن. ولقد دامت الحفريات أربعة أشهر يعاونني فيها أخلص تلاميذي وأقدمهم المسيو كليدا فقاسينا في عملنا عرق القربة وكانت أعمالنا لأول عهدها تدعو إلى اليأس ولاسيما فيما يتعلق بغايتي الخاصة. وذلك أنا لما وصلنا الجزيرة رأينا بعثة ألمانية قد سبقتنا إليها منذ سنة واختصت دوننا بطبيعة الحال بالموقع الحسن لإجراء الحفر واختارت أقدم بقعة يرجى أن يكون فيها خير كثير ويسعل على المعاول أن تحفر فيها. فاكتفينا بما أغفلته تلك البعثة من الأراضي وأخذنا نجيل فيها قداح أنظارنا ونضرب فيها معاول عمالنا ولم يأتنا الحفر مدة شهرين بغير بعض الآثار المصرية واليونانية ولكنها كانت بكثرة ونادرة بنوعها ومنها عدة مسلات فرعونية وتمثالان جميلان لتوتمس الثالث مصنوعة من حجر الكرانيت الأسود ولاسيما قبر الرب خنوم أوشنوب أكبر أرباب أسوان وهو الذي لم يكن على اتفاق مع اليهود الذين وقعوا على الشكوى المذكورة آنفاً. وعثرنا على قاعة تحت الأرض لم تمس بأذى تحتوي على نواويس من الكرانيت والحجر الرملي جعلت عليها أغطية مذهبة وجملت بأجمل زينة من الصور والنقوش وهناك خمسة عشر كبشاً محنطاً مقدمة للثور أبيس على نحو ما اكتشف مثالاً من ذلك قديماً ماريت الفرنسوي في مدينة منفيس. كل هذا حسن ونافع في ذاته ولكنه لم يقف دونه غرضي. لأني لم أتحمل مشقة السفر إلى أسوان للبحث عن العاديات المصرية بل للبحث عن الآثار اليهودية. وبعد أن كدنا نصل إلى أخريات وقت بعثتنا عثرنا بعد الجهد الجهيد على حارة اليهود الآرامية وظفرنا بكمية من النقوش المزبورة على الفخار مغشاة بكتابات آرامية يهودية. وقد كتب معظمها في وجهين. وهذه الكتابات النادرة على كثرة الخرق فيها قد أطلعتنا على جزء من المراسلات الودية اليومية التي جرت بين يهود جزيرة أسوان وأخوانهم يهود مدينة أسوان وقد كتبت في زمن واحد هي وأوراق البردي الآنف بيانها وبخط واحد ولغة واحدة حتى أن جملة الموقعين عليها نفس الأشخاص الذين عرفناهم بتلك الأوراق البردية، وذكر فيها اسم رب إسرائيل بصورة من الإملاء خاصة لم تكن تعهد. ولاشك أنه متى تمت قراءة هذه الآثار الفخارية نطلع على أمور جديرة بالنظر وكبيرة الخطر والقيمة. وقد كان داهمنا الحر بخيله ورجله فأوقفت العمل في شهر أبريل وسنعادوه بعد أسابيع بفضل ما جاد به المجمع العلمي ووزارة المعارف من المال وما مد به يده من المساعدة رصيفي المسيو أدمون روتشيلد وإني على ثقة من أننا نوفق هذه المرة إلى الظفر بموقع معبد رب إسرائيل وقد اكتشفت البعثة الألمانية التي كانت تعمل بالقرب منا برئاسة المسيو روبنسون أوراقاً من البردي الآرامية اليهودية ووكل أمر قراءتها للمسيو ساشو من برلين وقد نشر كلامه على ثلاثة منها. وأهمها صك رسمي ذو شأن عظيم يفيد فوائد كثيرة في تاريخ اليهود والتوراة وهذا الصك عبارة عن محضر مؤرخ في اليوم العشرين من شهر مارهزوان من السنة السابعة عشرة لحكم دارا ( ٤٠٨ قبل المسيح) بعث بها إلى السيد باكوهي والي الفرس في بلاد فلسطين أرسلها إليها يدوناه ورصفاؤه من كهنة أسوان باسم جميع تلك المدينة من اليهود ولقد أتى الموقعون على ذلك المحضر بعبارات تكاد تكون بمعناها مشاكلة لما في ورقة البردي المعروفة باسم تورين وكلها دائرة على الدعاء له بأن يمنحه رب إسرائيل بركاته ودعاء له أن يحفظ عليه رضا دارا مولاه ورضى الآل الملوكي وقد ذكروا له أن الكهنة المصريين للمعبود خنوم في أسوان قد كادوا لهم مكيدة عندما تغيب مرزبانهم في مصر المدعو أرسام الذي كان قصد الملك بدعوة منه وتربصوا بهم الدوائر عند واليها المدعو ويدانج الذي رشوه بالمال فحصلوا منه على أمر يوعز إلى قائد أسوان العسكري أن يذهب لتخريب معبد رب إسرائيل في جزيرة أسوان قائلين أن هذا المعبد كان أنشئ قديماً على يد آبائهم وكان موجوداً قبل أن يفتح كمبيز مصر فلم ير بداً من احترامه على حين خرب سائر معابد المصريين ويفهم من ذلك ضمناً أن المعبد كان بناءً هائلاً مبنياً بالحجر النحيت وهو ذو سبعة أبواب أثرية وعمد من الحجارة وسقف من خشب الأرز. وقد نفذ أمر الوالي ويدرانج بلا شفقة في الحال وأعان الجند جمهور من المصريين فخربوا المعبد المقدس وحرقوا ما فيه وحطموه ونهبوا الأواني الذهبية والفضية وسائر الأعلاق النفيسة. فعم الحزن سكان أسوان بأسرهم رجالهم ونسائهم وأولادهم من أجل خراب معبدهم ولبسوا الحداد وأخذوا ينتحبون بكاءً وصاموا وضرعوا إلى رب إسرائيل أن ينتقم من الظالمين. واضرب القوم عن التزين وتعاطي الخمر فأصبح النساء كالأيامى. وبعد حين نكب الوالي زيدرانج وجاد بنفسه مضطراً وهلك جميع من نفذوا أمره ف يخراب معبد أبناء إسرائيل فكفروا بذلك عما جنت أيديهم بيد أن أصحاب المحضر لم ينالوا إلى ذاك اليوم على كثرة ما بذلوا من المساعي رخصة بإعادة بناء معبدهم بحيث قضوا ثلاث سنين في حزن لأنهم لا يتمكنون من تقديم الضحايا الدينية وإيقاد البخور وعرض الذبائح على معبد رب إسرائيل. وعبثاً توسلوا أيام نكبتهم بخراب معبدهم بباكوهي والي بلاد اليهودية ويوهوهان الكاهن الأعظم في القدس وبسائر الكهنة رصفائه وبأخيه أستان أناني وأمراء اليهود في فلسطين فلم يأتهم جواب ولذلك وضعوا آمالهم ثانية في باكوهي أن يرضى عنهم ويجعلهم في حل من إعادة بناء معبدهم في أسوان كما كان من قبل وهم لقاء هذا المعروف الذي يسديهم إياه يقدمون لاسمه الضحايا إلى رب إسرائيل على المذبح الذي يقيمونه لتمجيده وعبادته قالوا وأن جميع يهود أسوان رجالاً ونساءً وأولاداً لا ينفكون يباركون على باكوهي ويدعون له ثم هم زيادة على الضحايا والذبائح يقدمون له دخلاً قدره ألف بدرة من الفضة خل عنك الذهب الذي أخبروه بأنهم سيؤدونه إليه إذا رضي بإجابة طلبهم (ما أقدم البخشيش في الشرق) وذكروا في الختام بأنهم أطلعوا على ذلك كله كلاً من دلاياح وشلماياح ابني سانالايات حاكم بلاد السامرة وأن الكاهن أرسام لا يعرف من ذلك شيئاً. أما الصك الثاني فيكاد يكون مخرقاً كله ويحتوي مع بعض اختلاف على صورة ثانية من هذا المحضر الذي احتفظ مرسلوه بصورته ومسودته. وفي الصك الثالث عبارات كثيرة تشير إلى أن يهود أسوان رخص لهم بإعادة معبدهم بفضل توسط باكوهي ودلاياح فأعادوه إلى ما كان عليه وعمروه بالعبادة ومما لا شك فيه أن بعض الأوراق التي لم تقرأ قد ذكرت فيها أكلاف المعبد ونفقات بنائه. وهنا لا أرى بيان فائدة هذه الأوراق وموقعها من نفوس العلماء فقد أحيت في نظرنا رجالاً اشتهر أمرهم في التاريخ وهم من الطراز الأول وذكر فيها اسم يوهوهانان الكاهن الأعظم في بيت المقدس وسانابالات والي السامرة وهما مذكوران في التوراة ووالي اليهودية باكوهي وقد ذكره فلافيوس جوزيف المؤرخ اليهودي باسم محرف عن اليوناني وهو باكواس وهذه الورقة هي صفحة صحيحة من عهد حوادث ينبغي إضافتها إلى سفر نيحيميا. فهل يكون من حظ البعثة الإفرنسية أم من حظ البعثة الألمانية يا ترى الظفر هناك بتوراة يرد عهدها إلى ما قبل المسيح بخمسة قرون في حفرياتنا الجديدة؟ مطبخ الفقير طعام المتوحش غليظ كبنيته أصبح أفقر البائسين لعدنا في مأمن من الجوع على أن المتوحش لا يزال عرضة للمجاعة لا لأن الطعام المدخور عنده قليل بل لأنه يجهل الزراعة وتربية الماشية وتختلف موارد عيشة من الصيد والقنص كثيراً إذ ليست أبداً منه على طرق الثمام. وما مثل المتوحش إلا كالجوارح الكبيرة من النمر والفهد يصيد الصيد تلذذاً بالقتل وهو لا يحسب للغد حسابه ولما كان على جهل بطريقة تجفيف اللحم والتقديد أصبح من الصعب عليه أن يدخر اللحوم لأوقات القلة. وهناك أمورمن الخرافات المضحكة تزيده بلاء وذلك أنه يرى بعض الحيوانات مقدسة ويعتقد أنها اجداد قبيلته فإذا رآها اتخذها طوتمه وحاميه ويعد نفسه إذا قتلها كلها بأنه خرق الحرمة وعبث بأقدس المقدسات. يتقزز المتوحش من جميع الأطعمة التي لم يعتد تناولها قد فإن تغذى بلحوم الصيد تأنف نفسه من تناول السمك وإن اغتذى من السمك يعاف اللحم. ومع هذا تراه يعمد إلى اختيار الأطعمة الغليظة. إن جاع عمد إلى الحبوب البرية والجذوع الخشبية واسترط الحشرات والديدان وأخذ القمل عن أخيه يقضمه ومعلوم أن لا شيء يخلو من صوالة مغذية حتى التربة الصلصالية التي تغتدي منها ديدان الأرض أحسن تغذية والإنسان يسير على مثالها فيكون من أكلة التراب ولكن أمعاءه لا تهضمها فينتفخ بطنه ويحدث التهاب في الأحشاء يكون منه الموت. إذا أسعد المتوحشين الحظ فقتلوا حيواناً كبيراً أو صادوا سمكة ضخمة يقعون عليها كالحيوانات الجائعة. فقد وصف لنا أرباب الرحلات شراهتهم الحيوانية فإن الصانيين من قبائل الهوتنوت في أفريقية الشرقية إذا ضربوا فرس بحر يفتحون جثته وهو حار ويأكلون أحشاؤه كما تأكلها الكلاب. وإذا سقط حوت على الشاطئ يخف سكان أوستراليا الجياع عراة كيوم خلقوا وينغمسون في الدهن ويبلعون قطع الحوت الكبير بلعاً ولا يرجعون عنه إلا وقد امتلأت كراشهم وشبعوا وانتفخت بطونهم فينامون بعد ذلك طويلاً. بيد أنه لا يجب علينا أن نسخط مما يبلغنا عن أولئك المنحطين في سلم المدنية فإن فلاحينا يأتون في ولائمهم من الإكثار من الطعام والشراب ما لا يقفون فيه عند حد ولولا أن أنواع الأطعمة تختلف لقلنا أنهم المتوحشون بعينهم. المتوحش إذا لم يتخير رديء الأطعمة فهو لا يعرف الطبخ ولا أعني بذلك أنه لا يجيد طبخ طعامه بل أنه لا يعرف كيف ينضجه ولا شك أنه لم يعهد إلى الآن قوم مهما انحطوا في دركات التقهقر يجهلون إيقاد النار. ولكن من القبائل من لا تحسن الانتفاع بها وهي توقد جذوة على الدوام لتظل النار عندها بلا انقطاع. ولا عهد لهم بأواني الطبخ لما ثبت من أن بعضهم يجهلون صنع الفخار فيلقون حجراً محمى في الماء إذا أرادوا تسخينه وهم على جانب من الكسل بحيث يؤثرون أن يأكلوا معظم المآكل النيئة كالديدان والهوام والأسماك ويقضمون بفكوكهم القوية الجذوع القاسية والأثمار الليفية. قال المترفه بيريللا سافارين الفرنسوي مؤلف كتاب فسيولوجيا الذوق ( ١٧٥٥ — ١٨٢٦ ) قل لي ماذا تأكل أقل لك من أنت. وهذه الحكمة يتيسر لعلماء الإنسان أن يطبقوا عليها أبحاثهم وذلك أن طعامه قلما يكون صالحاً للأكل وأن للمتوحش فكوكاً ضخمة مستطيلة وأضراساً غليظة وأعصاباً للمضغ قوية. وعندما يتحضر تتحسن أطعمته وتخف قوة شدقيه وأسنانه. يقول المسيو حنا فينو أنه ليس بين الأجناس المتمدنة من البشر فروق كثيرة وعلى العكس في الأجناس المتوحشة فإن بينها وبين المتمدنة اختلافاً كثيراً في الصور الظاهرة والحواس الباطنة وظن بعض علماء الإنسان بأن هذه الاختلافات هي على إطلاقها على أنها مما يمكن تعديله وبذلك يتسنى لنا تعليلها. ولقد كانت أول الاكتشافات في أول عهد الحضارة هي اكتشافات الطبخ فقد رفع القدماء إلى مصاف الأرباب الأذكياء الذين علموهم زراعة الأرض وتدجين الحيوان وصنع الخبز وتخمير المشروبات. إفراط المتمدنين في المآكل الأطعمة التي يتقزز منها والتر يرغب عنها: قلنا أن المرء اليوم يكاد يكون في مأمن من الجوع ولكن الشر الذي عجز الوجود أن يسومه إياه أصبح خاضعاً له بواسطة الحروب مختاراً. فإذا حوصرت مدينة يعمد الجياع من أهلها إلى تناول الأطعمة القذةر كالكلاب والقطط وجرذان المجاري وسائر أصناف الحيوان ويذكرون أن الجلد والعشب والخشب لها بعض الخصائص في التغذية وللضرورة أحكام. تجد مائدة الفقير في الأوقات المعتادة مغشاة بالأطعمة التي هي أكثر تغذية والطف طعوماً مما يقنع به أخوه الفقير الحقير ولذلك يستهين بالأغذية التي تطيب بها نفس أخيه المتوحش فتعاف نفسه الحبوب وجذوع الأشجار والحشرات والديدان وكل ما يدب ويطير علماً منه بأن مثل هذا الغذاء لم يخلق له. على أن جودة التحضير قضت على الفرنسيس أن يتناولوا أفخاد الضفادع والحلزون. والإنكليز يتقززون من الفرنسيس مع أنهم لا يستنكفون من تناول فطير الغراب. الفقير كالمتوحش عدو التجديد Misonéiste في كل ما له علاقة بغذائه يأبى تناوله أحسن طعام لم يعتده منذ طفولته. ولم ننس ما قاساه بارمانتيه في القرن الثامن عشر حتى صير البطاطا مألوفة بالاستعمال بين الناس. وقد مضت أعوام قبل أن يقبل الفقير باستعمال لحوم الخيل مع أنها مغذية جداً ولا نزال إلى الآن في جهاد حتى يألف الناس استعمال السمن النباتي المستخرج من الجوز الهندي على أن في استعماله اقتصاداً وهو سهل الهضم لذيذ الطعم يأبى العملة الاعتماد عليه وبعض أهل الطبقات الوسطى تقبل عليه. نحن كالمتوحش نسرف في الطعام ويصعب تقدير كمية الطعام التي تلقى كل يوم في علبة الفضلات وليتنا نحسب الأرغفة البائتة التي تطرح طرح الزوائد وليت جمعيات الإحسان تتمكن من جمعها لتعمل بها ثريداً أو حساءً لألوف الفقراء. ولا يخلو واحد فينا من الإسراف في الطعام حتى الجند في ثكنهم فإنهم يلقون بفتات الخبز الأسمر. أما سائر الأطعمة فلا ينتفع بها لكثافتها على أن فيها ما لا يزدري به وينفع كل النفع. تملأ كل صباح في أسواق باريز عجلات الصوالات والفضلات بمواد يسهل استعمالها وذلك أن القوم يطرحون رؤوس الأسماك ولا سيما (الكابيلو) و (الكولين) ولو أخذت لصنع بها حساء لطيف. وربما اعترض معترض فقال إن هذه الفضلات قليلة وإذا صارت تباع ترتفع أثمانها على أننا لو فرضنا أن رأس سمكة الكولين بيع بخمسة وعشرين سنتيماً وصرف في الرز والطماطم والبصل والبقدونس والصعتر والملح والثوم والنار فرنك يكفي الحساء المستخرج من هذه الصورة بفرنك واحد لإطعام ثمانية أشخاص. نعمل سلاطة مقبلة بأوراق القضبارون (سفورجنة) وإن سفير (الأوراق الذابلة) الفجل إذا استعملت كما يستعمل السبانخ تطيب وتلذ وإن الجزء الأخضر من الكراث الذي يطرح في العادة يمكن الانتفاع به في الحساء حتى أن الأوراق الخارجية وبقايا (قرمية) الملفوف تحتوي على مواد مغذية. نعم إن الناس يخشون من أليافها الصلبة ولكن إذا أجيد طبخها وأطيل الإطالة اللازمة وسحق سحقاً كافياً لا يخشى منها. والناس يلقون أيضاً فضلات رؤوس البقر على حين تستخدم في زيادة طعم حساء البقول ولكن العامل يصنع منها مرقاً بالخضر وهو لا يعرف إلا المرق المطبوخ بالبقول الناشفة المقسمة أحسن تقسيم ويأبى إباؤه أن يغتذي بمثل هذه الفضلات. وهناك بعض المواد يمكن الانتفاع بها في الغذاء على شرط أن تحضر تحضيراً خاصاً ولطالما بحث الباحثون من أجل الانتفاع بالألياف العظمية tissue osseux فإن الكلب يأكلها جيداً وإذا لم يستطع الإنسان أن يجري على مثاله فذلك لأن ماضغيه وأحشاؤه ضعيفة. ولقد حاول كثيرون منذ قرون أن ينتفعوا بالعظام أو بالهلام (الجلاتين) المستخرج منها ليطعمها الفقير واستعملت طريقة الكيماوي (أبرت) في استخراج الهلام من العظام لحفظ المأكولات ولكن الجلاتين أقل تغذية مما كان يذهب إليه الناس من قبل فهو يزيد الحرارة في الجسم ولكنه لا يقوى على تقوية أنسجتنا ولا تجد فيه خاصية اللحم والألبومنيد وإذا تغذى الكلب بالجلاتين خاصة يموت لساعته. جمود الفقراء وغيرهم على أحسية واحدة يقول علماء الاقتصاد حيثما يخرج رغيف يولد إنسان. يريدون بذلك أن سكان كل بلد على نسبة غناها في غذائها وإذا كان الجمهور يزهدون في جميع هذه المواد النافعة في التغذية التي تكثر سواد الناس أما في طاقة دور الإحسان أن تستخدمها وتحسن استعمالها كانت العقيلة روبرت أول من فكر سنة ١٨٤٠ في تحضير وجبة طعام لفقراء باريز لقاء أربعة فلوس وطعامها مؤلف من حساء بالملفوف وقطعة من الثريد والخبز وقدح من الحمر. ثم كان عقيب ذلك أن صار يقد حساء بلا مقابل للفقراء وكان بريبان أول رجل من أصحاب مطاعم الفقراء أخذ يوزع الطعام على المساكين. ومع ما دخل هذه المطاعم من الأدوات التي تهيئ الأطعمة أسرع من ذي قبل وعلى صورة أحسن مثل أدوات القطع والفرم والسحق فإن هذه المطاعم لم ترتق الارتقاء المطلوب وأمثال هذه الأدوات تستخدم للانتفاع بالمواد التي تطرح ولا تستعمل بالنظر لصلابتها وذلك بأن تحيلها إلى ثريد يسهل تشبيهه بالثريد المعروف وهكذا الحال في أنواع الأطعمة فإن مطاعم الشعب لا تبحث لصنع حسائها عن الحبوب التي تكثر تغذيتها وتقل قيمتها كالأرز والشعير والقرطمان. ولعل هذا ناتج من أن للفقير من عزة النفس ما يجعله يأنف من بعض الأطعمة حتى أنك لو قدمت له طعاماً مؤلف من الفضلات اللذيذة لرأى في المسألة نظراً. وكثير من الفنادق توزع بقايا الطعام على الفقراء. وقد قال أحدهم يوماً وخدام أحد الفنادق يريدون أن يطعموه: إنهم أكلوا الأطايب ولم يتركوا إلا الأخابث. وأظهر من هذا صراحة ما قاله الدكتور فيرون: أريد أن أعرف ماذا جرى للكمأة فإنني لا أجدها قط. إلا وأن كل اختراع في هذا السبيل ليصعب ويسوء قبوله بين هؤلاء الزبن وما أظن أنه لو قام أحد المحسنين في هذا القرن وأنشأ يطعم الفقراء من الفضلات التي تطرح في الأزقة على طريقة علمية إلا ويكون شأنه شأن سويه الفرنسوي منذ ستين سنة. وهذا الرجل كان من أعظم الطهاة اشتهر في وقته وله شراب منسوب إليه كما له مرق اشتهر به فقد كان مديراً لمطابخ ريفورم كلوب في لندن فزعم أنه اكتشف طريقة لمكافحة القحظ في إيرلاندا وأسس في أحد شوارع دوبلين بأمر الحكومة مطعماً للشعب واحتفل بافتتاحه فحضر الاحتفال جمهور كبير من الناس ومنهم رئيس أساقفة دوبلين ونائب ملك إيرلاندا وقدم للناس سبعة أنواع من الطعام على أخونة لطيفة وفي أوان حسنة وكانت نكهة أنواع الحساء تنبعث كالعطر واستطاب الناس تلك الأحسية وأقبلوا على محله إقبالاً غريباً يفدون خماصاً ويروحون بطاناً. دام الحال على هذا المنوال شهراً وأولمت الولائم لسويه في المدينة حتى أن نائب الملك دعاه لتناول الطعام على مائدته. وأخذ الفقراء يباركون اسمه لأنه كان لهم بمثابة المسيح الذي أنقذهم من مخالب الجوع والمخمصة وفي خلال ذلك عزمت دار الندوة أن تقرر إنشاء مطابخ للشعب تشبه مطاعم سويه في بلاد الأقاليم إنقاذاً للناس من فتكات الجوع وعندما خطر لسوئه أن ينشر كراسه يكتب فيها كيفية تحضيره هذه الأنواع من الأحسية قائلاً أن لحومها قليلة وكثير منها خال من اللحم بالمرة فقامت الجرائد المعارضة تشهر عليه حرباً عواناً قائلة أن أنواع هذا الحساء لا تغذي طاعمها وتفسد بنية الإنسان وينشأ عنها أمراض شديدة بل مهلكة وذهبوا إلى أن انكلترا رأت في هذا الطعام القتال أحسن واسطة لإلقاء السلام في إيرلاندا للتخلص بصور شريفة من ألوف البائسين المعربدين لأن وجودهم كان على الدوام سبب القلق على سياستها وحملاً ثقيلاً على الميزانية، فاضطر صاحبنا سويه إلى السفر خلسة توقياً مما يلحقه من الأذى وربما كان صلب. تعليم العامل كيف يحسن ابتياع طعامه وإجادة طبخه لسنا ندعو المحاويج وحدهم إلى الانتفاع من علم التغذية بل أن العامل والمتوسط على اختلاف طبقاتها بل جميع أبناء الوطن يتيسر لهم أن يستفيدوتن منه فقد أجاد لاسال أحد زعماء الاشتراكية في ألمانيا ( ١٨٢٥ — ١٨٦٤ ) بقوله أن المسألة الاجتماعية هي أولاً مسألة طعام وأكل. وقد أثبت الأطباء لاندوري ولابي وروم هذه النظرية التي قال بها ذاك الاشتراكي فإذا كان السل منتشراً في المدن الكبرى فهو ناشئ في الأكثر من قلة التغذية ويضاف إليها أسباب أخرى من البؤس كالتعب والإدمان على الشراب والعادات الرديئة. والذي يظهر لمن ينظر في الأمور نظراًُ سطحياً أن العامل يغتذي أحسن تغذية ويختار أجود أنواعها وأن امرأته تبتاع للبيت يوم يقبض زوجها أجرته أحسن الحاجات البيتية فيكثر أهل البيت من الأكل ومن الغد تنقلب وليس عندها شيء فتحمل زوجها على الاقتراض ريثما يقبض عمالته ومن أجل هذا تجد في حي الفقراء في باريز أجود أنواع البطاطا وأحلاها وأحسن أجناس السمن والسمك فتبتاع زوجته ما شاءت منها بدون حساب وكيفما اتفق لها على حين لو اشترت بالجملة ودققت في حسابها لكان ما يكلفها بالمفرق فرنكاً وربعاً لا يكلفها أكثر من خمسة وثمانين سانتيماً في الجملة. ثم أن العامل معتقد بأن كل طعام رخيص الثمن فيه ربح له وهو لا يحسب تلك الفضلات التي لا تؤكل. فمن وزن اللحم يجب إسقاط العظام والجلود الجلاميط والعراقيب ومن السمكة أحشاءها وحسكها ومن البيض فشره ومن الجبن قشرته ولكل خضرة نفاية ولكل ثمرة قشرة أو بزرة أو ساق عقب ثم ينبغي أن تلاحظ كمية الماء الموجودة في المواد وأن لا ينسى أن البقول الناشفة ولو كان ثمنها أغلى فإنها خير من الطرية لقلة المائية فيها ولحم العجل وإن كان أرخص من لحم البقر فليس هو أحسن منه لما فيه من المائية وقلة التغذية وهكذا لكل بقل ولحم فضلات وحثالات وعندي أن تجمع هذه المعلومات في شكل قائمة تنشر في كراسة ليعرف الناس أن مئة غرام من أضلاع العجل تعادل في تغذيتها ١٢٩ غراماً من صدره ولا يفوت الناظر قيمة التتبيل والوقود. على أن علماء الاقتصاد لا يحسبون في العادة حساب هذه النفقات ويعدونها طفيفة مع أن لها شأناً في تحضير الطعام. وهناك شيء آخر لا يحفل به عيال العملة وأعني به الوقت وذلك أن نساء العملة يشتغلن أيضاً في المعامل حتى إذا جاء المساء يضررن لأن يسرعن في تحضير الطعام فلا يجدن أيسر من البفتيك والأضلاع والمشوي ولذلك يكثر استعمال هذه الأنواع في أحياء العملة وربما ابتعن اللحم المقدد والثريد المصنوع والبقول المطبوخة الحاضرة. أما وإنه يصعب فصل النساء الفقيرات عن معاطاة الأعمال فمن العبث أن يعلمن أساليب الطبخ والتفنن فيه فما أجدر أن يعنى الطباخون بتحضير أطعمة خاصة بالطبقات النازلة بثمن بخس ومؤلفة من مواد جيدة. من المتبلات اللذيذة التي ذقتها واستطبتها وهي من تحضير المسيو مونتانيه ولا تكلف الإنسان أكثر من عشرة سانتيمات مربب التفاح وكيفية صنعه أن تأخذ ٥٠٠ غرام من التفاح من الجنس المعروف برينت Reinette و ٢٠٠ غرام من الخبز البائت و ٢٥ غراماً من السمن و ٥٠ غراماً من السكر و ٣ ديسلترات من الماء. وهذه الماء لا تكلف أكثر من خسيم سانتيماً بالجملة وتكفي لطعام ستة أشخاص. وكيفية تحضيرها أن تقشر التفاح وتقطعه قطعاً كبيرة وتقع الخبز قطعاً ناعمة وتلت أسفل الصفحة الطبق أو الصحن بعشرة غرامات من السمن وترش ملعقة صغيرة من السكر ثم تضع سافاً من الخبز وسافاً من التفاح وهكذا إلى أن تأتي عليهم ثم تضيف إليهما ما بقي من السكر والسمن وتقسمه إلى قطع وتبله بالماء وتضع الصفحة عشرين دقيقة في الفرن وتتناول ما فيها في الحال. ثم أنه يمكن أن يجود هذا المريب أكثر من ذلك بزيادة نفقة قليلة وأن يجعل دسيلتران من اللبن بدل الماء ويضاف إليه بيضة محلولة ويمكن زيادة كمية السكر وأن تحسن رائحته بأن يوضع فيه قشرة من الليمون أو البرتقال أو القرفة. يجب تغيير الطعام بحسب العمل وما يجب على العامل معرفته هب أن العامل يعرف أن يبتاع طعامه ويطبخه فإن المسائل الاقتصادية والصحية ليست وحدها هي التي تطلب حلها بل أن الأهم منها هي المسألة الفيزيولوجية التي يجب أن يكون لها مبدأ صريح إذا أراد العامل أن يضمن صحته وعمله. فإن الفيزيولوجي يعلمنا بأن الطعام يجب تنويعه بحسب نوع العمل بحيث يكون منه ثلاث منافع: إصلاح الأنسجة التي تبليها أعمال الحياة وإعطاء الحرارة التي تحفظ على الجسم حرارته وإيراث القوة اللازمة لكل عمل عضلي. فنحتاج للقيام بهذه الحاجيات الثلاث إلى ثلاث عناصر أولية الألبومنيد من اللحم والبيض والبقول والدهن الحيواني أو النباتي وهيدرات الكربون أو الدقيق الذي يكثر في البقول فالألبومنيد يصلح من أنسجتنا والدهن يعطي الكالوري والدقيق يعين على العمل ويعطي المرء كمية من الحرارة. ولجعل التغذية على نظام مخصوص يجب أن يوضع موضع العناية لا المناخ والفصل (إذ من البين أن في الشتاء يحتاج الجسم إلى كمية من الكالوري أكثر من الصيف) ولا اختلاف أحوال الأحياء (إذا أن المرأة الحبلى أو التي ترضع والولد الذي ينمو يحتاجان إلى إنشاء أنسجة جديده فيهما) بل ينبغي أن ينظر إلى نوع العمل. ومنذ مدة بحث الدكاترة لاندوزي وهنري ومارسل لابي في تغذية مئة من العملة والمستخدمين في باريز فكان لبحثهم رنة كبرى وذلك أنهم قسموا العملة إلى أربع طبقات جعلوا في الأولى جميع العملة الذين يعملون أعمالاً بدنية كالنجارين والحفارين والنقالين Coltineur والحمالين وصناع الحديد الخ. هؤلاء العاملون يكثرون من تناول اللحم فيأكلون مئتي غرام في اليوم وقلما يتناولون المعجنات المغذية والبقول ونصف لتر من الحساء ولا يتناولون سكراً مكعباً من الإنسنت و ٤٠ سانتمتراً مكعباً من الكحول على درجات مختلفة. والطبقة الثانية العملة الذين يعملون أعمالاً معتدلة كمن يشتغلون في المصانع أو المعامل الميكانيكية والنجارة الخفيفة والقفالين وغيرهم فهؤلاء يتناولون أيضاً لحماً كثيراً فيأكلون ٢٢٥ غراماً منه وقليلاً من المواد النشوية والمعجنات المغذية والأحسية والبقول والأطعمة المعمولة بالسكر فيأخذون ٤٠٠ غراماً من الخبز و ٧ غرامات من السكر وربع لتر من الحساء ولتراً من الخمر و ٥٠ سانتمتراً مكعباً م الكحول في درجة خمسين. والطبقة الثالثة من العملة الملازمون للجلوس ككتاب الإدارات ومستخدمي المخازن وعملة المكاتب التجارية وغيرهم فهؤلاء يكثرون من كل شيء ولاسيما من اللحم والألبومين النباتي والبيضي فيأكلون ٥١٠ إلى ٥٤٠ غراماً من الخبز و ٤٠ غراماً من السكر والشوكولاتا ولا يأخذون حد الكفاية من البقول الطرية والمأكولات العمولة بالسكر ويكثرون من المقبلات الكحولية والمشروبات فيأخذون ثلثي لتر من الخمر و ٨٠ سانتمتراً مكعباً من الكحول على خمسين درجة وعلى العكس ن ذلك فإنهم لا يشربون ماءً نقياً بقدر ما يجب ومعلوم أن الماء ينفع في تنقية الأنسجة غير العاملة في الجسم. والطبقة الرابعة عبارة عن العملة والمستخدمين كالخياطات وبائعات الأزياء ومستخدمات المحال التجارية وغيرهن فإنهن أيضاً يرتكبن أغلاطاً كبيرة تخالف قواعد صحة الغذاء فيأكلن أطعمة كثيرة قليلة التغذية والأدام كالسلاطة والفجل والمرق المخلل والقثاء والثمار الرديئة وأثل من حد الكفاية من كل نوع فيتناول الفرد منهم ٢٥٠ غراماً من الخبز و ٧ غراماً من اللحم و ٨٠ غراماً من لابقول وربع لتر من الخمر. ولا يفوتك أن المستخدمين الملازمين للجلوس وحدهم يأكلون في الصباح قبل تعاطي أعمالهم وما عداهم فإنهم يبدأون بأشغالهم على الريق. ويرى الأطباء المشار إليهم أنه يلزم العامل الذي يبذل من قوة جسمه ٣٦٠٠ من الكالوري كل يوم وللعامل المعتدل ١٢٦٠٠ وللعاملين الجالسين على كراسيهم ٢١٠٠ ولبائعي الأزياء ٢٠٩٠ وهو حد الوسط الكافي ولا ينبغي تطبيقه بالحرف بل أن ذلك يختلف باختلاف الأشخاص وقاماتهم ووزنهم وأعمالهم. فإذا أحب العامل الألبومين لتغذيته فغلبه بسمك الأرنكة والجبن وفخذ الخنزير والبقول الناشفة فإنه فيها بغيته بثمن معتدل على العكس من اللحم والبيض فإنها مواد غذائية تعد من نعيم البطون. ولكي يحصل على الهيدروكربون عليه أن يستعمل البطاطا فإنها في الدرجة الأولى برخصها ثم الرز والخبز والسكر والبقول والثمار الناشفة. وإذا أراد الأدهان فليعمد إلى دهن الخنزير وشحمه وأنواع الجبن والشوكولاتا. هذا وقد عرف جميع المشرعين مكانة تنظينم التغذية وقد حرم موسى على العبرانيين لحم الخنزير والحيوانات المقدسة لفكر ديني كما حظر ما نوي على الهنود لحم البقر. وما زالت معتقدات المتوحشين بشأن الحيوانات التي يعدونها أجدادهم واعتقادهم بالطوتمية موجودة إلى اليوم عند أبناء هاتين النحلتين وتجعل لهذا الحظر وجهاً من الشرع. وقد كان ليكورك أول من سن للإسبارطيين أن يتخذوا أطعمة عامة يعتمد عليها كالحساء الأسود أما الآن فإن الأفكار أكثر حرية في هذا المعنى فلا تقدر الحكومة أن تستعبد أرادة المحكوم عليهم في طعامهم فليس أحسن من أن نعمد إلى طريقة الامتناع من طريق الخطابة والكتابة وعلى أندية كليات الشعب خاصة أن تبين أمثال هذه الموضوعات وأن تنشر كراريس رخيصة لنشر هذه الأفكار والتعليم الديني الذي يعلم في المستقبل هو تعليم التغذية في الحقيقة. الأسرةمعربة عن كتاب الحياة الاجتماعية لارنست فان برويسل قامت الاجتماعات البشرية الأولى على مناسبات طبيعية منشؤها روابط عصبية وميل إلى أرض واحدة واتحاد في العادات واجتماع على أسباب المعاش ولم تتألف لأول أمرها إلا من أسرات منفردة ثم تقارب بعضها من بعض فتألفت جماعات جدد. وما احتيج في العقود الزوجية بادئ بدء إلى أقامة الحفلات لأن الرجل والمرأة كانا يعملان كلاهما أعمالاً شاقة تضطرهما إلى جهاد متواصل ويختلطان أكثر من اختلاطهما اليوم. وما كان يطلب من النساء ما يطلب منهن على عهد التمدن الحديث أو ما يطلبنه لأنفسهن فيه من أساليب الظرف والكمال فإن هذا كله لم يكن في تلك الأدوار معروفاً كما لا يشاهد الآن في العناصر المنحطة من البشر. وكان بين الرجال والنساء من التماذج الذي يسقط دونه التمايز والنساء هن صلة القربى والأبناء ينسبون لأمهاتهم. ثم حدثت رغبة التزاوج بزوجة فنشأ من ذلك الزواج بالبيع أي ببيع حقيقي عند الشعوب الأولى وبالبيع في الظاهر فيما بعد ثم نظم الزواج بأنواع التنظيم المختلف. فتيسر بذلك للأغنياء وزعماء القبائل أن يأخذوا عدة زوجات ونشأ من أجل ذلك الضر بعد أن كان الأبناء يدعون لأمهاتهم. وما زال الضر أي تعدد الزوجات شائعاً في آسيا وأفريقية وذلك للعادة المتبعة في تسليم الأعمال اليدوية للنساء بحيث يكون منهن أعظم مساعد وينتفع بجهادهن أحسن انتفاع. الطر وإن كان من طبيعته جائراً فهو خطوة نحو التقدم إذا قيس بما كان البشر يألفونه من قبل من نسبة الابن لأمه وذلك لأن الأب والأم معروفان فيه. فقويت درجات القرابة أكثر من ذي قبل وغدا من السهل على الناظر إذا رجع إلى الماضي أن يأتي بسلسلة متصلة من الأبناء ونشأت من احترام الأجداد ولاسيما في الشرق عبادة خاصة ما زالت في بعض أنحائه على قوتها. جرت عادة الشعوب الآرية منذ عهد بعيد أن تقتصر على زوجة واحدة وكان من نتائج هذه العادة إكرام المرأة واحترام حريتها ورضاها كل الاحترام وحل الشعور بالحب محل توحش القرون الأولى وأصبحت المرأة ملكة في بيت زوجها وإن تكن مستعبدة من حيث الأخلاق. وحدث من عواقب الاقتصار على واحدة من النساء في أوروبا نظام الأسرات ففرضت على كلا الزوجين واجبات كثيراً ما كانت موضع المناقشة وقد تعدل فيقبلها الرأي العام والقانون. وهكذا جرى عقد تبادل الواجبات بين الزوجين على غير قاعدة المساواة فاليونان والرومان لم يقولوا بتعدد الزوجات ولكنهم لم يمنعوا التسري ولطالما رأوا أن لا مانع من التزوج بامرأة غير المرأة الأصلية على طريقة نصف شرعية ولذلك لم تكن الفتاة اليونانية محررة من قيود العبودية كل التحرير فهي في طفوليتها طوع إرادة أبيها وإذا تزوجت أصبحت تحت حكم زوجها وإذا ترملت يكون أمرها بيد أقربائها أو بكر أولادها. ولم تمتز العقيلة الرومانية على ما كان لها من الحرمة عن الرجال بأمر ولا خلصت من وصايتهم عليها. وكان نفوذ المرأة في شمالي أوروبا بين البرابرة ضئيلاً وكذلك عند أمم السلت والغاليين وحالها أحسن بقليل عند الجرمانيين ولذلك اقتضى لها حركة عقلية قوية للاستمتاع بحريتها ولقد كانت النصرانية بتمجيدها الأمومة عوناً على رفعة شأن المرأة الأدبي وإعلاء مقامها وتكريمه أكثر مما كانت. ومع هذا فتكاد لا تخلو حالها من نقد ويوشك أن لا يكون موقفها معه بعيداً عن الحرج. ويكفي للاقتناع في هذا الباب أن يدرس المرء ما يتعلق بالمرأة من مواد القانون درساً موجزاً ليعرف حالها إذ ذاك. على أن هذه القوانين ما برح حكمها إلى اليوم نافذاً في معظم الممالك الأوروبية. فقد جاء في تلك القوانين بشأن المرأة بأن عليها أن تطيع زوجها وتفقد بعقدها عليه جنسيتها واسم أسرتها واسم بلدها وحرية التمتع بحقوقها وليس للزوج أن يتنازل عن الحقوق التي منحه القانون إياها ويحظر على المرأة أن توقع على عهد مدني أو شرعي بدون إذن من زوجها أو ممن يرجع إليه أمرها. وتفضل القانون عليها فمنحها حق الإيصاء وهي لا تستطيع وإن تجردت عن مالها أن تكون لها صفة أمام المحاكم ولا أن تمنح مالها وتبيع وترهن وأن تأخذ شيئاً بثمن أو بلا ثمن دون توسط زوجها فيه وإذا لم يكن لها زوج فالشرع يتولى ذلك منها وإذا كان الزوج يشرك زوجته في الأموال ساغ له أن يتصرف لا بريع أملاكها فقط بل أن يملك في بعض الأصقاع وارداتها الناتجة عن عملها بالذات. ولا يحق للمرأة أن تنظر في مستقبل أولادها. ويحظر عليها إذا كانت أميرة ملكية أن تجلس على سرير الملك في كثير من الممالك وإن دل تاريخ بعض الملكات في إنكلترا وألمانيا وروسيا على أن صولجان الملك في أيدي النساء لم يكن دونه في أيدي الرجال قوة وسطوة وقد بذلت العناية من وراء الغاية ولاسيما في العهد الأخير في تعديل القانون الذي لا يمنح الزوجة وهي في حجر الأسرة إلا شطراً محدوداً من العمل فسوغ المعارضون تلك القيود الموضوعة وعللوها بقلة حنكة المرأة وتجاربها وما يعتريها من التأثرات النفسية والبواعث المحركة لها بدون أن ينظروا إذا كانت هذه الدواعي من الخطأ والأعمال النابية عن التدبر كثيراً ما أثرت أثرها وإن معظمها ناتج عن ذاك القانون نفسه الذي يزعم بأنه غير جائر. ولا جرم أن التعليم الذي تتعلمه المرأة اليوم على قلة كفايته وغنائه إذا توسع فيه جرى تحسينه بحسب سنة العقل لا يلبث أن تظهر نتائجه في الحال. وإذا ربي عقل أم البيت المقبلة وأشعر قلبها الإحساس بما لها من المكانة ينشأ عن ذلك أساس تربية الولد الذي يطلب إليها أن تراقب تأثراته الأولى ويديرها بيدها. يجب أن تكون المرأة رفيقة الزوج لا خادمته. وإذ أنها شاركته في نعيمه وبؤسه فلها الحق أن تشركه في حياته وأعماله وأمانيه في المستقبل وأن تستند إلى معونته وحمايته في جميع الأحوال وإذا احترمت في ذاتها تظل أمينة معه فهي حاؤرسة التقاليد البيتية فإذا خانت وأدخلت عنصراً أجنبياً إلى بيتها في وقت ضعفها فتكون قد ارتكبت عملاً شائناً توبخها نفسها عليه ويؤدي ذلك بها إلى نفاق وكتمان لا ينطبقان مع طبيعتها الشريفة وتضطرب نفسيها أي اضطراب كلما تمثلت لها فعلتها. فالزواج على ما يتمثل لفكر عادل مستقيم يفرض أن هناك حساساً حقيقياً بين الزوجين المقبلين وأنهما على كمال الاستمتاع بقواهما في المال والقدرة على العمل ليضمن بقاء الأسرة وهذا الشرط الأخير كثيراً من يصعب تنفيذه ويا للأسف ومنه ينتج أن بعضهم قد يطيلون أمد عزوبيتهم إلى أجل غير مسمى مع ما في امتناعهم عن الزواج من الاستهتار والشذوذ. ويعقد بعضهم من العقود الزوجية كل ضعيف ضئيل يكون الداعي الأعظم فيها مصلحة خاصة وأغراض ذاتية. ومن هناك أتت المفاسد وهي ناشئة من عادات رديئة وكثيراً ما تكون هي الجرائم بعينها. وقد ظهر في بعض الزواج من التنافر في الطباع والأخلاق ما اقتضى معه أن يتلافى أمره بالسماح بحل رابطته. وما الإذن بطلاق الزوجين المتنافرين إلا إقرار شرعي على أمر ثابت أصبح دوامه لا يطاق. وكل ما يفصم عرى عهود الزواج وإن كان معقولاً في ذاته لا يخلو من حسرة تلحق الأبناء الذين ولدوا من أبوين يريدان الطلاق والانفصال. وبهذا النظر تعين على زوجين يرغبان في الطلاق أن لا يقدما عليه إلا بعد التأمل الكثير ليتحاميا الوقوع في مصائب تربو آلامها على ما صارت إليه حالهما. ولقد دعا تعدد الزواج المتسرع في عقده دون النظر في المستقبل والتدبر في قلة ملائمته إلى القدح في نظام الزواج نفسه في صورته الحاضرة وتعظيم أمر الزواج المدني الحر إذا ضمنت فيه حالة الأولاد الذين يولدون منه ببعض ضمانات خاصة فلا يقوم الزواج بعد ذلك بإجراء شعائره المدنية أو الدينية بل بإنشاء صك بسيط تكون شروطه معلقة على إرادة المتعاقدين. ولعله يأتي من هذا التغيير المتطرف ضرر بالطريقة المستعملة الآن في الزواج. على أني قلت آنفاً أن الزواج الذي لا يفكر في عاقبته ويتم الرضى فيه دون العناية بما يحدث عنه من المسؤوليات قد أصبح سائغاً فليس من العبث إذن أن يجعل للمراسيم الزوجية بعض الشروط ليفهم المتعاقدان أن كل الفهم خطارة ما عقد لهما عليه. وبذلك يصبح احترام المرأة على أساس راهن. فإذا كانت الوعود التي تسبق الزواج الحر هي بحيث تضمن للمرأة مكانة اجتماعية فلا تعرضها لاحتمال أهواء النفوس التي يصعب الاعتذار عنها فإنها لا تختلف عن الشروط الزوجية الشائعة ولا موجب إذ ذاك للتغيير وإذا نقص من حرية الطرفين شيء يلحق المرأة من ذاك القسط الأعظم. فهي التي تستفيد في الواقع من الزواج خاصة لأن الزواج يعود منه في الغالب على الرجل زيادة موارد ثروته. وإن المرأة لا تتمتع بجمالها وتستوفي شروط التحبب إليها زمناً طويلاً فماذا تكون حالها يا ترى إذا شاخت ولم يكن لها بمقامها الطويل في بيت زوجها والتمتع بما تستحقه من الحقوق في يحاتها ما يجعلها موضوعه الحب الدائم والاحترام من زوجها؟ فكل عقد لا يوليها حالة ثابتة لا يتأتى لها معه مهما بلغ من جمالها وطهارة أخلاقها أن تأمل الوصول إلى أنواع سعادات الأمومة التي هي خاصة بالزوجة الشرعية. تستدعي حالة الولد عناية فائقة من الأب والأم حتى ينمو النمو القانوني في طبيعته وأخلاقه على أنه لا يستطيع أن يسير بما أمكن من الحكمة والتعقل ليجعل قياده بيده إلا إذا بلغ أشده أو كاد. فالمصلحة الاجتماعية تقضي أن يعيش أبواه معاً حتى يبلغ تلك السن ويستلزم ذلك قضاءهما أعواماً معاً فإذا انقضى ذاك الدور أيمكن النصح للزوجين بأن يفترقا ليبدأ حياة جديدة بعد فوات الوقت. وإنه ليرجى حرصاً على مصلحة الزوج وزوجه أن يكون الزواج دائمياً ولا ينحل عقده إلا في أحوال نادرة. قلت أنه يجب أن يفرض في الزواج وجود عواطف في الحب متبادلة بين الراغبين فيه مصحوبة بحرية التمتع بمال يكفي لإعالة الأسرة ولا يلزم أكثر من ذلك في الحقيقة للأفراد حتى يكون الزواج شرعياً. وهنا سؤال وهو أنه هل تكفي هذه الشروط من حيث الاجتماع ألا يلزم النظر في صحة الزوجين لمصلحة الأولاد الذين يولدون منهما؟ أيسمح لبعض من أصيبوا بأمراض تنتقل بالوراثة أو معدية أن يعٍدوا زواجاً وينقلوا بأثرتهم وسوء غفلتهم العدوى إلى أسرة جديدة أخرى؟ هذه مسألة حرية بأن توضع محل النظر لأنها من أدق المسائل ولا يتعذر حلها لو جرى فيها كما يجري في دور تربية الحيوانات حيث يعزل السقيم عن السليم لأول وهلة أما في المبدأ الذي يستلزم أولاً العناية بتحسين النوع فإنه تحذف منه بحسب القياس الأعضاء الضعيفة الكثيرة أو السيئة التركيب لما في وجودها من الضرر الذي يلحق بالمجموع. لك أن ترجع إلى القواعد الطبيعية الظاهرة لتبرير هذا العمل فترى قاعدة الانتخاب الطبيعي تجري مجراها حولنا في ذوات الأعضاء فتشاهد أبداً في طبقة الكائنات النباتية والحيوانية فناء كمية عظيمة من الجراثيم لقلة غنائها في المحيط الذي تظهر فيه أو لضعف تركيبها عن المقاومة. ألا يكون المرء قد عمل بسنة العقل وبما يقضي به الواجب إذا أرجأ بذاته ومحض إرادته وإخلاصه عدم إيلاد أشخاص يصبحون عرضة لعامة المصائب الطبيعية منذ ولادتهم. ومن المحقق أن المرء لم يتأثر وجدانه من هذا القبيل. فكان الحق للأب في الأزمان السالفة أن يستحبي من يولد من البنين والبنات أو يقتلهم ومتى رأى ولده ضعيفاً ضئيلاً يقدمه للموت بلا شفقة. ولقد نشأ في القرون الحديثة شعور وإن لم يكن حديثاً في الناس إلا أن ارتقاء التمدن جعله عاماً ونعني بهذا الشعور (الرحمة) في اليوم تعارض ما كان يجري سالفاً من قتل الأحياء الساقطة. لأن من لا يعجبك ظاهر حاله لفساد تركيبه الطبيعي لا يجب أن تحكم عليه بإسقاطه من المجتمع بل يتيسر أن يشغل من أعمال الاجتماع الكثيرة حيزاً يعمل فيه عملاً. فالحال تقتضي إذا إيجاد وسائط أخرى تكون إلى الاعتدال لتحسين أجناس الناس. وقد اقترح بعضهم أن يفحص المرشحون للزواج فحصاً طبياً تفادياً من سوء الاستعمال ولو أمكن تطبيق هذه الطريقة الواقية لنشأ عنها نتائج حسنة إذ الظاهر أن تطبيق القول على العمل لا يخلو من شبهة. وذلك لأن الأهواء البشرية إذا ضيق عليها على هذه الصورة لا تلبث أن تخرج عن حد ما رسمه القانون وتعمد إلى التزويد وإلى الشهادات الطبية التي تنال بالشفاعات لتتجنب هذه القيود والأوامر. ومتى أصبحت هذه القوانين معمولاً بها وتعذر الزواج الشرعي على بعض الناس لا يلبثون أن يعمدوا إلى الزواج الحر فيخلصون على هذا الوجه من كل قيد وسلطة. ولا دواء لهذه الأدواء إلا التربية إذا سارت على سنة العقل وكانت الغاية منها ترقية العواطف الشخصية بالآداب العالية. فالتربية هي التي تعلم أولئك الذي حظر عليهم الزواج لضعف فيهم أنه إذا جاز القانون عليهم ولم يرض لهم الاشتراك في النسل والحب فهو يوجب عليهم إذا أرادوا الخضوع لما أوصى به الشرف والواجب أن يمتنعوا عما يجعل العاهات فيهم دائمة. أتجد تناقضاً في هذا الاستنتاج وفي شعور الآداب العالية التي دعوت إليها؟ لا أظن ذلك بل إني أعتقد أيضاً في بعض الأحوال الخاصة مثل قلة أسباب معاش الأسرة أنه يستحب لربها أن يتجنب زيادة عدد أولاده بدون روية لعلمه بأنه يحكم عليهم بالحرمان والفقر منذ ولادتهم. وليس معنى هذا أن نقبل رأي مالتوس كأنه حقائق في قوله بعدم التناسب بين نمو السكان ومواد معاشهم وأن نقص التوازن بين الأحياء وما يحيون به لا بد من وقوعه على أنه إذا ظهر ذلك فيكون من عدم التساوي في توزع الأجناس البشرية على سطح الكرة الأرضية. ترى العناصر الإنسانية تتكاثف في بعض المحال بحيث يؤدي بها ضيق مضطربها إلى النزاع على صغر قطعة من الأرض التي كادت تفقد قوتها الإنباتية على حين أن هناك أراضي واسعة نادرة بخصبها وهي لا تزال بوراً. بيد أن مصاعب كثيرة تحول دون الإفراط في الإكثار من الجنس الإنساني. وبعد فإن للطبيعة أسباباً ملطفة ما زالت نواميسها غير معروفة حق معرفتها ولكن لها عمل لا يسع أحداً إنكاره على ضروب التناسل في عالم النبات كما في عالم الحيوان. وقد ذكرت بعض الحوادث النادرة فيجب الآن أن أدخل في التعميم بأن أصور سلطة الأب على نحو ما ذكر ما هي معروفة عند أرباب الأفكار الحديثة. كانت سلطة الأب على أولاده مطلقة في القديم وجعلت الوصايا العشر بر الوالدين من أقدس واجبات الأبناء فإذا قال الولد لأبيه أفٍ وخرج عن طاعته يعاقب بالموت. ومثل هذا القانون كان نافذاً في أثينة وإن كان بشدة أقل. وكان لرب الأسرة في رومية الحق المطلق أن يقمع ما ارتكب أبناؤه وأهله من الأغلاط ولم تكن صلة القربى منظور لها بأنها نتيجة عقد بين الزوجين ولا يتيسر حلها اللهم إلا عند الجرمان والصقالبة (السلافيين) وما كان الابن حراً بالخروج من أسرته بمحض إرادته بل من الضروري استحصال رضى والده يمنحه إياه في صورة كأنه يحرره من رقه. وغير نكير أن الطفل على جهله في كل شيء محتاج للتعليم والتهذيب فيجب عليه الطاعة لوالديه ويجب عليهما أن يحباه كثيراً ويحترماه بما بينهما من الصلات وبما يعاملانه به من المعاملة الحسنة لتكون تلط الطاعة مبنية على العطف والطبيعة. يجب أن تقوى فيه الرغبة في التعليم والعادة على الافتكار والشعور بالعدل وطيب السريرة تلك الصفات التي تضيق الخناق على أهوائه وتجعله عضواً نافعاً في حياته المستقبلية. فإذا اعتاد ذهنه الاشتغال يقوى ويجود كما يقوى الشعور بالمسؤولية. يجدر أن تترك له حريته وأن يستعاض عن إخضاعه لأوامر والديه بنصائح فيها العطف والحنان. فإذا طلب إلى الولد وقد استكملت سنه أن يحتفظ كل الحفظ بما يلزم من الطاعة وهو على كمال الاستحكام في قواه فيعد ذلك إجحافاً بحقوقه وإحراجاً لصدره. وعلى الوالد في تلك الحال أن لا يكون إلا بمنزلة صديق يؤخذ كلامه بالإجلال لا أن يكون بمنزلة معلم يسيطر على مستقبل ليس له منه ناقة ولا جمل. كان التبني يسهل كثيراً في القديم فوضعت له القوانين اليوم قيوداً وشروطاً. وأخذت الصلات العائلية في الانحطاط عند الطبقات التي هي أكثر من غيرها انغماساً في الحضارة في أوروبا وأميركا فكان للحياة الخاصة في سالف الأزمان صفة ثابتة نتجت من النظام الاجتماعي الموضوع الذي فقد في المدن الكبرى لهذا العهد. وكان من ازدياد صلات الأمم بعضها مع بعض وتمازج العناصر المختلفة تعديل كثير من العادات المتأصلة والآراء التي كانت تتخيل سابقاً فزاد الارتباط بين الأفراد والمجموع الذين هم بعضه ودعت سهولة التنقل إلى حدوث تغييرات في المحيط فنشأ عن ذلك بحكم الطبع تأثرات جديدة أثرت في الحركة العقلية فاتسع مداها وانصبغت بصبغة الإنسانية. على أن موازنة الأخلاق القديمة قد سرت إليها أمور كثيرة ألقت فيها الاضطراب وزعزعت منها الأركان وستصلح بالضرورة. إذا لا يقوم مبدأ الأسرة على أساسه الطبيعي بدون شيء من التضامن. وكل اجتماع بشري عرض للزوال يعد عقيماً ولا ثمرة فيه بتاتاً. نبأ مصر وحالة الاجتماع فيها للسنة الماضية نسيمٌ بوادي النيل غير بليلِ وظلٌّ بهذا الروض غير ظليل فلا الأرض تلك الأرض خصباً لأهلها ولا النيلُ في أرض البلاد بنيل نفضنا يدينا وانزوينا مذلةً وأضيع ما في الناس حقُّ ذليلِ لنا كل يوم ألفُ رأي وما لنا عليها من الأفعال فرْدُ دليل نقلد ألفاظ السياسة عمرَنا ونذهل عند الحزم أيَّ ذهولِ ويا بعد ما بين (الصليل) وهوله وإن قربا لفظاً وبين (صهيل) فلاسفةٌ فيما نقول فلم نزل نصول على الدنيا ببعض ما نقول وما من حديث بات غير مشقق ولا من جدال بات غير فصول أفي كل يوم كاتبٌ يشرع القنا ليقلب جنب الأرض بعد قليل أفي كل يوم صارخٌ ذو حميةٍ يضجُّ بقال في البلاد وقيل أفي كل يومٍ شاعرٌ ذو حفيظةٍ يخط سطوراً من دماء قتيل أيحسب ميزان السياسة في الورى كميزان مفعولاته وفعول وأنبئتهم يستصرخون ليوقظوا نياماً بليلٍ في المطال طويل فيا باذخ اليمّ اضطربت ولم تزد على نزوات أُعقب بخمول أألآن والغرس والذي تمطرونه ملايين لم تثمر ببعض عقول صغارٌ وجبنٌ خالعٌ في كبارهم وأصغرهم غالته لفظة غول  كما خال قصراً ناظرٌ لطلول ولا طول فينا غير نوع تطاولٍ ولا فضل فينا غير بعض فضول بكل سبيل نزمع السير للعلى ونرتدُّ للسفلى بكل سبيل تآدوا لغايات المنى بأداتها فما جلَّّّ لا يبغيه غير جليل ألا إنما الداءُ الغميض عقولنا وما شجرٌ ينمو بغير أصول وأهون بتفريج الأمور ولفها إذا لقيت يوماً لغير جهولِ تباين ما بين الرجال وكلهم على زعمه بالأمر خير كفيل فيا عصبة الأحزاب ردوا حلومكم وجرُّوا على غير الثرى بذيول فقد سطعت في مصر منك عجاجة ولكنها لاحت بغير صليل عجاجة صيفٍ قد أثارت قتامها خيول سباقٍ لا ضراغم غيل وما أنتم في أمر شيءٍ من الهوى فما بال واشٍ بينكم وعذول وأحييتموها سنةً جاهليةً عداء أصيل فيكم ودخيل تخلوا بأمر العلم واستجمعوا له قواكم فإن العلم خير دليل ولا تخلطوه بالنفاق تقيةً وجبناً فظهر الحق غير ذلول فما لكم إلا الذي تعملونه وإن تبدلوا منه قشر بديل ألما تزالوا قاصرين فأمركم ضياعٌ إذا لم يعتصم بوكيل تقوا عارها من سُبةٍ تتركونها لجيلٍ ويلقيها الزمان لجيل أرى فئةً كالغانيات تدللاً تميل مع الأهواء كل مميل تخال الفتى منهم على ظلمة النهى لألوان ثوبيه سماء أصيل ملولٌ كما شاء الهوى واقتداؤه بمن حوله من خلةٍ وخليل وما وجد الأعمال يوماً إنما ليستحسنوا فيه دلال ملول وظن الفتى أن التمدن أثوي فتابع فيه كل ذات حليل تماجن في أشكالها من صبغٍ إلى كل مجلوٍ وكل صقيل إلى اللفظ حتى ما تكاد شفاهه تبين بلفظٍ منه غير نحيل دلال جميل بالجمال مهنا فآهٍ عليه من دلال جميل أولئك هم شبابنا لو عرفتم وهم كل من في مصر غير قليل مظاهر نبلٍ نافقوا في اصطناعها ألا قبحت من صنعة لنبيل أحلنا على غيب القضاء همومنا وأية سلوى في القضا لمحيل وما نحن أهل الحكم ندفع دفعهم فإن لم ينيلونا فأيّ منيل هم عوَّدونا الذل ثم تطوّلوا فمنّوا علينا بين كل قبيل ومن عوَّد الذل الرجال حلاله الفخار إذا ما قابلوا بقبول فيا مصر أنت السيف صقلاً وجلوةً ولكن بلا حدّ (ولو بفلول) ويا كفَّ مصر ذلك السيف والوغى فإن تستطيعي بعد ذاك فصولي فجعنا بما لا تضمرون حِذارَهُ وأكثرنا من عالةٍ ومعيل فيا شؤمها من أزمة تركتكم وأولاكم بالفخر كل بخيل وكم أسرةٍ تمسي المضاجع منهم تقلب طول الليل كل هزيل يعدُّ رغيف الخبز فيهم وليمة لدى كل منضم هناك ضئيل أخاف على أرض البلاد ونيلها ذهابهما رهناً لكل نزيل فنمسي على نيل البلاد وأرضها كأنا على ماء (وبعض وحول) جربتم سراعاً للغنى تطلبونه بكل طريق فاهنأوا بوصول وإما أراد المقعدون سلامةً فما لصعود بينهم ونزول تصيحون بالمحتل تستعبدونه مراغمة ما أنتم بعدول ألا فاطلبوا إثباتنا في بلادنا فإن ضياع الملك بدءُ رحيل ومن يطلب الأمر البعيد ويهمل القريب يُضع أمريه بعد حصول أتظما نفسي الآن والماء في يديّ وأترك للأنهار بلَّ غليلي فلا تتوانوا إنما الوقت فرصةٌ تمرُّ ومرُّ الوقت غير ثقيل على رمل الاسكندرية إيه أيتها الأمواج الخالدة كم شاهدنا من أمواج الإنسانية ومن بحورها الفانية. أمام عيونك الزرقاء وفي ظل ابتسامتك الفضية كم تبخر بحر ونضب وكم تبددت تحت أقدامك موجة هادرة شامخة من أمواج البشرية. على هذا الساحل الذهبي الجميل قاتلت الملوك قديماً فتغنت بأخبار مواقعها أرباب الفنون ورددت صدى غزاتها ألسن الشعراء. بالقرب من صدى هديرك الهائل هاجت أمواجهم وماجت فعادت إلى حيث لا تبلغ مدك ولا تبصر عيونك الرمل والصخور. عادت أمواج أنفسهم المضطربة إلى حيث لا نبع إلا نبعك الدافق من ميازيب ذهبية في بساتين من النور الأزلي الروحاني. هناك نبعك أيتها الأمواج وهناك أيضاً نبع الإنسانية. أنت هجت قديماً في صدر الإسكندر فجئت به إلى هنا ليبنى لك هذه المدينة الزاهرة. أنت حملت أنطونيوس إليها ليطفئ لوعة غرامه. أنت منحت القيصر قسطاً من عظمتك فخاض عبابك طمعاً بملك عظيم بل شغفاً بوجه وسيم. وأراك الآن هائجة في قلوب الصغار والأذلاء كما هجت قديماً في قلوب الملوك والأمراء. أراك مضطربة مبتسمة معاً إذ تشاهدين على ساحلك هذه الأمواج المزدوجة من بحر الإنسانية. هي تتمازج على الرمل في كنف الصخور تمازجك في بطن أمك. هي أمواج من النفس يحن بعضها إلى بعض ويهيج بعضها على بعض ويختفي زبد الواحدة تحت زبد الأخرى ويذوب زجر الهائجة تحت مدّ المدبرة. الحب أيتها الأمواج يؤيدك. والحب يحمل إليك هذه الأمواج القلقة الفانية. ومهما عظم اضطرابها على سواحلك الذهبية فراحتها أخيراً تحت ابتسامتك الفضية الأزلية. لا تعجبني من هياج هذا الإنسان واضطرابه فما هو سوى طوائف من الأسماك والحيوانات البحرية تختبط في بحر النفس لا يرى مدينتنا من المدن الكائنة تحت أمواجك. أيها البحر العائل أيها الرقيب الأزلي وفيها من الحيتان والدلافين ما يزري بحيتانك ودلافينك. فيها يهدر بحر من هذه الإنسانية المتكالبة. . لكل موجة صوت لا يشبه أخاه. لكل موجة شكل ومنهج وعبوسة وابتسامة. هذه الاسكندرية وفي بحرها تشاهدين الآن ما لم تشاهديه فيما مضى من الزمان. أمامك الآن أمواج مزبدة من نهر التايمس الهادئ. . وأمواج هادئة من نهر المسيسبي المتدفق وأمواج كرواسي الحبال من نهر الرون والرين والدانوب والسين. . وأمواج عليلة لطيفة من بحر الأحمر وبحر الهند وبحر فارس. هي الأمواج يتلاطم بعضها ببعض ويمتزج بعضها ببعض ويبتلع بعضها بعضاً ويقتل بعضها بعضاً أو يعطف بعضها على بعض والكل يهلك نفسه في هذه الحركة الدائمة. في هذا العراك الشديد والضجيج المديد. يشيدون الصروح ويهدمونها. ويؤسسون الممالك ويبيدونها. فيتلاشون أخيراً تحت أقدامك. وأنت باسمة ضاحكة تسخرين منهم وأمواج منك كالظلل تحمل إليهم نبأ الأبدية. بحر الإنسانية يفيض ويزبد ويهيج ويهدأ ويتبخر ويتصبب ويعكر ويرسب ويتلاشى وأنت باقية إلى الأبد. تشاهدين هذا الزمان كما شاهدت أباطيل الأزمنة الغابرة. تسمعين ضجيج أبطال هذا الجيل في البورص كما سمعت صليل رماح أبطال الأجيال الماضية في ساحات القتال. وتستقبلين الشمس كل مساء كما تستقبلينها يوم لم يكن على سواحلك مدن ولا عمران ولا نبت ولا حيوان. نحن على منطاد نحن من أرضنا على منطاد جائل في شواسع الأبعاد طائر في الفضاء عرضاً وطولاً بجناح من القوى غير باد أيها الأرض سرت سيرك مثنى ذا نتاجين في زمان أحاد فتقلبت في نهار وليل ذا مضل وذاك للناس هاد في بلاد يكون سيرك تأوي باً على أنه سرىً في بلاد فيك دفع وفيك يا أرض جذب لك ذا سائق وذلك حاد فلك دائر على الشمس طوراً في اقتراب وتارة في ابتعاد ليت شعري وما حصلت في الآ راء إلا على خلاف السداد لبقاء تقلنا الأرض في تس يارها أم تقلنا لنفاد نحن في عالم تقصف فيه عارض النائبات بالأرعاد شأننا العجز فيه نوجد أنى قذفتنا يد الخطوب الشداد ضاع جذر الحياة عنا فخلنا أنها كالأصم في الأعداد شغلتنا الدنيا بلهو ولعب فغفلنا والموت بالمرصاد ضلَّ من رام راحة في حياة نحن منها في معرك وجلاد كلما قد أجلت في أم دفر فكر مستبصر بها نقاد قلت قولاً أفاد من قبل فيه فيلسوف القريض غير مفادي إذا نجحا في اسعة الموت أضع اف خيار في ساعة الميلاد إنما هذه الحياة جروح أثخنتنا والموت مثل الضماد كل أسر يهون إن أطلقت أر واحنا الموثقات بالأجساد لا تلمني إذا جزعت فإني ما ملكت الخيار في إيجادي طال عتبي على عدات الليالي مثلما طال مطلها بمرادي كدرت عيشي الحوادث حتى لا أرى الصفو غير وقت الرقاد صاح ما دلّ في الأمور على الأش كال إلاَّ تفحص الأضداد فاعتبر بالسفيه تمس حليماً وتعرّف بالغيّ طرق الرشاد واللبيب الذي تعلم إتيان المعالي من خسة الأوغاد أيها الغرّ لا تغرك دنياك بكون مصيره لفساد خفَّ من غاص في الغرور كما في لجة الماء خف ثقل الجماد يا خليليَّ والخليل المواسي منكما من يقوم في إسعادي خاب قوم أتوا وغى العيش عُزّلاً من سلاحي تعاون واتحاد قد جفتنا الدنيا فهلاَّ اعتصمنا من جفاء الدنيا بحبل وداد لو عقلنا لما اختشى قط محسو دون وقع الأذاة من حساد فمتاع الحياة أحقر من أن يستفز القلوب بالأحقاد أنا والله لا أريد بأن أو قع شراً ولو على من يعادي أنّ لي إن سمعت أنة محزونٍ أنيناً مرجعاً في فؤادي إن نفسي عن همها ذات شغلٍ بهموم العباد كل العباد لا أحب النسيم إلا إذا هـبّ على كل حاضر أو باد أيها الناس إنّ ذا العصر عصر العلم والجدّ في العلى والجهاد عصر حكم البخار والكهربائية والماكنات والمنطاد بنيت فيه للعلوم المباني وأقيمت للبحث فيها النوادي فاض فيض العلوم بالرغم ممن ضربوا دونهن بالأسداد إن للعلم من الممالك سيراً مثل سير الضياء في الأبعاد اطلع الغرب شمسه فحبا الشرق اقتباساً من نورها الوقاد إن للعلم دولة خضعت دون علاها عوالم والأضداد ما استفاد الفتى وإن ملك الأرض بأعلى من علمه المستفاد لا تسابق في حلبة العز ذا العلم فما للهجين شأو الجواد إن أموات أمة العلم أحياء حياة الأرواح والأجساد وكأين في الناس من ذي خمول صار بالعلم كعلة القصاد ربَّ يوم وردت دجلة فيه مورداً خالياً عن الوراد حيث ينصبُّ في سكوت عميق ماؤُها لاثماً ضفاف الوادي وهبوب النسيم يكتب في الماء سطوراً مهتزة في اطراد ينمحي بعضها ويظهر بعض فهي تنساب بين خافٍ وباد وتئن المياه لي بخرير كأنين السقيم للعُوَّاد قمت في وجهها أردّد طرفي ساكناً والضمير مني ينادي واقفاً تحت سرحة ناح فيها طائراً فوق غصنها المياد منشداً في النواح شعراً غريزياً حزيناً كأنه إنشادي جاوبته أفنانها بأنين من حفيف الأوراق والأعواد أيها الطائر المرجع فوق الغصن هل أنت نائح أم شاد بين ماء جارٍ ولحن شديّ منك يا طائر استطار فؤادي يا مياهاً جرت بدجلة تجتاز مروراً بجانبي بغداد إن نفسي إلى الحقيقة عطشى أفتشفين على من صاد كنت تجرين والرصافة والكرخ خلاءٌ من رائح أو غاد أيها الماء أين تجري ضياعاً وحواليك قاحلات البوادي فمتى تفطن النفوس فيحيا بك سقياً موات هذي البلاد لو زرعنا بك البقاع حبوباً لحصدنا النضار يوم الحصاد أفيدري خليج فارس ماذا فمه منك بالع بازدراد أنت والله عسجد ولجين لو أتينا الأمور باستعداد فاجر يا ماءُ ' ن جريت رويداً بأناة ومهلة وأتاد علنا نستفيق من رقدة الفقر فنغنى بفيضك المزداد سلكتك السما ينابيع في الأرض أمدّتك أيما إمداد فتفجرت في السفوح عيوناً نبعت من مخازن الأطواد وإذا ما نتهيت في جريان عدت للبدءِ في متون الغوادي هكذا دار دائر الكون من حيث انتهى عاد راجعاً للمبادي مطبوعات ومخطوطات الحياة الاجتماعية وتقلباتها Ernest van Bruyssl Bruyssel . — La vie sociale et ses évolutions. Paris, Librairie Ernest Flammarion هذا كتاب أخرجه مؤلفه للناس باللغة الفرنسية في الشهر الماضي في نحو أربعمائة صفحة وقسمه إلى عشرة أجزاء ذكر في الأول الأسرة ومقر الأسرة وفي الثاني طوائف الناس وتاريخهم وحالة العالم الحاضرة وفي الثالث العواطف الدينية ومظاهرها وتأثير المعتقدات الدينية الاجتماعي وفي الرابع الأوضاع القانونية وتعديل تنظيم القانون وفي الخامس المصالح المادية واتساعها ومكانتها بين الأمم والحملات البحرية والاستعمارية ونتائجها وفي السادس الصنائع والفنون والهندسة والنقش والتصوير والموسيقى وفي السابع الآداب وانتشار القديم والحديث منها وفي الثامن نظرة في العلوم وما نتج من الأخطاء فيها على التوالي وفي التاسع طريقة التعليم على اختلاف العصور وفي العاشر نشوء الأفكار السياسية والمنازع الاجتماعية. هذه فصول الكتاب وكلها مفيد نافع توخى مؤلفه بعد التجارب الطويلة أن يجعله معلماً للقارئ يتناول تعليمه لا أن يلقى عليه مسائل قد لا يفهمها إلا كبار العلماء. فجاء كتابه نافعاً للخاصة والعامة جامعاً العمليات إلى النظريات قال المؤلف في مقدمته: كنت في قرطجنة على شاطئ البحر والظلام ملق سدوله على السماء فلا ترى فيها إلا ما ازدانت به من زينة الكواكب والسكون يحف بي وقد ملئ أسراراً وساد الآكام والسهل حيث كانت هذه المدينة الفينيقية في سالف العصور محاطة بأسوارها الثلاثة وفيها معابدها وقصورها وأرصفتها الزاهية واليوم لا يرى فيها إلا بضعة حوائط مبعثرة يرد عهدها إلى العصر الروماني وأكوام من الأنقاض يحدق بها فلاح عربي بمحراثه وقباب باهتة وأحواض نصفها مملوء وقبور مدنسة وقطع من عمد ملقاة بين باقات نبات البرواق والفحم. رأيت ثمة صورة لا تنسى فذكرت بتلك الخرائب المبعثرة ما طرأ من التبديل العظيم على الحياة الاجتماعية فكان منه انحلال في بعض الأصقاع وتحسين في أخرى وما برح قابلاً للتحول بما فيه من النقص الظاهر لاتساعه وانبساط محيطه فأدى بي التأمل إلى أن أخذت أفكر في القوانين التي لا تتبدل أحكامها في هذا الوجود ولم يبرح أمرها مجهولاً في الأغلب. وما تاريخ الإنسانية في الحقيقة لا سلسلة من الحوادث لو بحثنا فيها بحثاً منطقياً لرأينا بعضها متشعباً من بعض فإذا أوردت هذه الحوادث الغزيرة فلا ترى فيها إلا إتعاباً للذاكرة بدون أن يستنير بها الفكر وإذا جمعت على ترتيب حسن بقطع النظر عن تفاصيلها العديدة فتكون مملؤة بالفوائد. إلا وأن الاشتغال في إتمام هذه الباكورة العامة التي تتضمن درس المجتمعات البشرية منذ ابتدائها وتتبعها في نشوئها التدريجي وتضعها موضع التطبيق والعمل بحيث تصف ما فيها من المنازع والمناحي لمما يساعد على نشر هذه الأفكار الكثيرة ويدعو إلى التوفر على أبحاث أهم وأحدث. خطر لي هذا الخاطر وأنا في خلوة وأمامي ماضي البشر الذي يوحي إلى القلب ما يوحي. فأهاب بي أن أشرع بمثل هذا العمل على حين لم أجهل صعوبته وذلك لأنه اقتضى أن أوضح فيه مجموع ما ظهر من بدائع عقول البشر في السياسة والعلوم والفنون والأدب وهو متوقف على جميع أنواع البحث على صورة تكاد تكون مكدائرة المعارف بما تجمع وتضم. وفي هذا التأليف من الفائدة ولو لم يستوف حقه أنه يسهل تقويم كثير من المشاكل الاجتماعية التي لا تزال موضوع البحث وأن يرسم قانوناً صريحاً لمجموع الأعمال العقلية أمام الناظر لأحدث الاضطرابات الدنيوية الحديثة والإخلاص رائد القول في الاستنتاج بحرية فكر فلا تورد إلا بعد تمحيصها كل التمحيص. هذه الأمور حملتني على أن أتمم ما قام في ذهني وأن أضم نتائجه في الصفحات التالية أهـ. وقد عربنا منه في غير هذا المكان مبحث الأسرة وسننقل للقراء أهم مباحثه. المزهر للسيوطي كتب لا تحصى أفردها بمؤلف خاص ومنها الجيد ككتاب المزهر وكتاب الإتقان في علوم القرآن. أجاد في المزهر كل الإجادة فأفاض في متعلقات علم اللغة وكتب فيه فصولاً بديعة انتقاها من الكتب المعتمدة فجاء الكتاب مفرداً في بابه وقل من كتب فيه من المتأخرين مع أنه من أجل الفنون التي أعني بها المتقدمون. وقد تعرض فيه للكثير من أسرار اللغة العربية وهو من أهم ما يعنى به المستشرقون في هذا العصر. وهنا كلمة ينبغي أن تقال وذلك أن كثيراً من المؤرخين ومنهم أناس من مؤرخي عصر السيوطي قد بخسوه بعض حقه فزعموا أنه نقال غير نقاد يجمع بين الغث والسمين وهذا على إطلاقه مما ينتقد عليهم لأنه قد أجاد الانتقاء في مثل هذا الكتاب على أنه قد أظهر أعظم اجتهاد في أصول اللغة العربية وذلك في الاقتراح في أصول النحو. ناظر طبع هذا الكتاب الشيخ محمد سعيد الرافعي على أجمل شكل وحرف بعد أن طبعت الطبعة الأولى في المطبعة الأميرية منذ زمن وقد اختار له ورقاً صقيلاً رقيقاً فوقع الجزآن منه في قدر سبعمائة صفحة متوسطة القطع خفيفة الحمل ويباع في المكتبة الأزهرية بالقاهرة بعشرة قروش مجلداً وهو من الأمهات التي لا يسع أحداً من المشتغلين بالعلم أن يزهد فيها. الأضداد بلغت عناية العلماء باللغة أن أفردوا كل فرع من فروعها بكتاب وهو غاية ما يتصور في العناية ومن ذلك الأضداد وهي الكلمات التي تدل على الشيء وعلى ضده كالحون فإنهم قالوا أنه يطلق على الأبيض والأسود. وقد أنكر ذلك ابن دستوريه والف كتاباً في إنكار بناه على أن ذلك مناف لحكمة الوضع وخالقه الأكثر في ذلك وألفوا فيه ومنهم قطرب والتوزي وأبو بكر ابن الأنباري وأبو البركات ابن الأنباري وابن الدهان والصاغاني فإنهم أثبتوا ذلك وألفوا فيه وكتاب الأضداد لابن الأنباري المتوفى سنة ٣١٨ هـ من أنفس ما ألف في هذا النوع وقد تعرض في نوله لسبب وقوع مثل هذا في اللغة ودفع اعتراض المعترضين وأفاض في هذا الموضوع إفاضة واسعة وكتابه من أهم ما كتب ناظر طبع هذا الكتاب الشيخ محمد سعيد الرافعي صاحب المكتبة الأزهرية وكان طبع في أوروبا من قبل وقد عني الشيخ أحمد الشنقيطي بضبطه وشكله وتصحيحه فجاء في ٣٨٠ صفحة متوسطة جيد الطبع وهو يطلب من طابعه بمصر بإثنى عشر قرشاً فنحض على اقتنائه. رسائل الفارابي هي ثمان رسائل منسوبة للحكيم أبي نصر الفارابي المشهور بالمعلم الثاني الأولى في الجمع بين رأيي إفلاطون وتلميذه أرسطاطاليس فيما يظن أنهما اختلفا فيه وذلك في مسألة حدوث العالم وقدمه وفي إثبات المبدع الأول وفي وجود الأسباب منه وفي أمر النفس والعقل وفي المجازاة على الأفعال خيرها وشرها وفي كثير من الأمور المدنية والخلقية والمنطقية والرسالة الثانية في الإبانة من غرض أرسطاطاليس في كتابه المعروف بما بعد الطبيعة أشار فيه إلى الغرض الذي وضع فيه هذا الكتاب النبيل المقصد. والرسالة الثالثة في معاني العقل قال في أولها اسم العقل يقال على أشياء كثيرة الأول الشيء الذي يقول به الجمهور في الإنسان أنه عاقل الثاني العقل الذي يردده المتكلمون على ألسنتهم فيقول هذا مما يوجبه العقل أو ينفيه العقل الثالث العقل الذي يذكره أرسطاطاليس في كتاب البرهان الرابع العقل الذي يذكره في المقالة السادسة من كتاب الأخلاق الخامس العقل الذي يذكره في كتابه النفس السادس العقل الذي يذكره في كتابه ما بعد الطبيعة ثم أفاض في بيان كل واحد منها ناهيك ببيان مثل أبي نصر. والرسالة الرابعة فيما ينبغي أن يقدم قبل الفلسفة ذكر فيها الأشياء التي يحتاج إلى تعلمها ومعرفتها قبل تعلم الفلسفة قال فيه: أصحاب أفلاطون يرون أنه عم الهندسة ويستشهدون على ذلك بقول أفلاطون (لأنه كتب على باب هيكله من لم يكن مهندساً فلا يدخل علينا) وذلك أن البراهين المستعملة في الهندسة أصح البراهين كلها وأما آل أثوفرسطس فيرون أن يبدأ بعلم إصلاح الأخلاق وذلك ن من لم يصلح أخلاق نفسه لم يمكنه أن يتعلم علماً صحيحاً والشاهد على ذلك أفلاطون في قوله من لم يكن نقياً ذكياً فلا يدن من نفي ذكي وبقراط حيث يقول أن الأبدان التي ليست بنقية كلما غذوتها زدتها شراً وأما بواتيس الذي هو من أهل صيدا فيرى أن يبتدأ بعلم الطبائع لأنها أعرف وأقرب عنده وألف وأما أنرونيقس تلميذه فيرى أن يبتدأ بعلم المنطق إذ كان الآلة التي تمتحن الحق من الباطل في جميع الأشياء. قال أبو نصر وليس ينبغي أن يرذل واحد من هذه الآراء ومنها الحال التي يجب أن يكون عليها الرجل الذي يؤخذ عنه علم أرسطو قال فيه: هي أن يكون في نفسه ما قد تقدم وأصلح الأخلاق من نفسه الشهوانية كيما تكون شهوته للحق فقط اللذة وأصلح مع ذلك قوته الناطقة كيما تكون إرادته صحيحة. والرسالة الخامسة في مسائل مهمة في علم الحكمة عبر عنها بأوجز عبارة قال في آخرها عناية الله تعالى محيطة بجميع الأشياء ومتصلة بكل أحد وكل كائن فبقضائه وقدره. والرسالة السادسة فيما يصح وما لا يصح من أحكام النجوم ومما قال فيها: التجارب إنما تنفع في الأمور الممكنة على الأكثر فأما الممكنة في الندرة والممكنة على التساوي فإنه لا منفعة للتجربة فيها وكذلك الروية وأخذ التأهب والاستعداد إنما ينتفع بها في الممكن على الأكثر لا غيره وأما الضروريات والممتنعات فظاهر من أمرهما أن الروية والاستعداد والتأهب والتجربة لا تستعمل فيهما وكل من قصد لذلك فهو غير صحيح العقل وأما الحزم فقد تنفع به في الأمور الممكنة في الندرة والتي على التساوي. والسابعة في مسائل متفرقة سئل عنها الحكيم الثاني ومنها أي أفضل الحفظ أم الفهم فقال: الفهم أفضل من الحفظ وذلك لأن الحفظ فعله إنما يكون في الألفاظ أكثر وذلك في الجزئيات والأشخاص وهذه أمور لا تكاد تتناهى ولا هي تجدي وتغني لا بأشخاصها ولا بأنواعها والساعي فيما لا يتناهى كباطل السعي والفهم فعله في المعاني والكليات والقوانين وهذه أمور محدودة متناهية وواحدة للجميع والذي يسعى في هذه الأمور لا يخلو من جدوى ثم قال: فإذا كان معوله على الأصول والكليات وعرض له أمر من الأمور أمكنه أن يرجع بفهمه إلى الأصول فيقيس هذا بهذا وقد تبين أن الفهم أفضل من الحفظ. والرسالة الثامنة في فصوص الحكم وهو كتاب من كتبه المهمة شرحه السيد محمد بدر الدين النعساني ومنه: إذا عرفت أولاً الحق عرفت الحق وعرفت ما ليس بحق وإن عرفت الباطل أولاً ولم تعرف أحق على ما هو حقه فانظر إلى الحق فإنك لا تحب الأفلين بل توجه بوجهك إلى وجه من لا يبقى إلا وجهه. ناظر هذه هي الرسائل كما ترى وللفارابي كتب كثيرة مهمة من أهمها بالنسبة إلينا كتاب إحصاء العلوم وترتيبها وبلغنا أنه طبع في أوروبا وشرح كتاب الخطابة لأرسطاطاليس وكتاب الألفاظ والحروف وكلام في الملة والفقه المدني جمعه من أقاويل النبي صلى الله عليه وسلم وكلام له في الشعر والقوافي وكتاب في اللغات وكتاب شرائط اليقين ورسالة في ماهية النفس. وقد قدم له طابعه محمد أمين أفندي الخانجي مقدمة ثناها بترجمة الحكيم أبي نصر وترجمة أفلاطون وأرسطاطاليس وهو يطلب من مكتبته بالقاهرة بقرشين ونصف وعدد صفحاته ١٧٦ صفحة صغيرة. أمالي السيد المرتضى من أشهر كتب الأمالي أمالي السيد المرتضى أبي القاسم علي بن الطاهر أبي أحمد الحسين المتوفى سنة ٤٣٦ وهو في التفسير والحديث والأدب طبع في بلاد فارس فأعاد طبعه أحمد أفندي ناجي الجمالي ومحمد أمين أفندي الخانجي وأخوه في مصر في أربعة أجزاء من قطع الوسط وبلغت صفحاته نحو سبعمائة صفحة. وقد سبق لنا أن وصفنا هذا الكتاب ببيان أطول عند صدور الجزء الأول منه وقد كانت قيمته بالاشتراك عشرين قرشاً وهي الآن بعد تمام طبعه بخمسة وعشرين يطلب من مكتبة الخانجي بالحلوجي. الإيمان كل ما كتبه شيخ الإسلام ابن تيمية المتوفى سنة ٧٣٨ في الشريعة والفقه والرد على المخالفين هو آية في حسن أسلوبه وغنائه وكتاب الإيمان هذا من جملتها طبع في الهند للمرة الأولى وأعاد طبعه هذه الأونة أحمد أفندي ناجي الجمالي ومحمد أمين أفندي الخانجي وأخوه بمصر وهو يباع عندهم بستة قروش وعدد صفحاته ١٩٠ صفحة من القطع الكبير. منجم العمران في المستدرك على معجم البلدان عني محمد أفندي الخانجي بطبع معجم البلدان لياقوت الحموي الذي كان طبع في أوروبا وأرخص ثمنه فأقبل على ابتياعه المغرمون بآثار السلف وقد جمع مجلدين جاءا في نحو ٧٥٠ صفحة ما فات المؤلف من ذكر الممالك الأوروبية والأميركية لأن تقاسيمها حدثت بعد زمنه كما اكتشفت أميركا بعده بسنين طويلة مستنداً في ذلك من كتب المتقدمين على كتاب جزيرة العرب للهمداني وكتاب معجم ما استعجم للبكري وكتاب نزهة المشتاق في اختراق الآفاق للإدريسي وكتاب الأشراف للمسعودي وكتاب البلدان لابن الفقيه وغيرها من الكتب القديمة كما اعتمد في الجمع على زهاء ثلاثين كتاباً من كتب المحدثين في الجغرافية والتاريخ ولم يتعرض لذكر القرى والمحال والهضاب والجبال لأن المؤلف الأصلي بالغ في البحث عنه وإنما عمد إلى ما للناس فيه فائدة من حادثة تاريخية أو أثر جميل أو شيء غريب من أحوال الصناعات والتجارات والمنتزهات وغير ذلاك. وكنا نود لو صرف العناية أكثر من ذلك في تمحيص المنقول فإني في أكثر المؤلفات الحديثة في العربية في هذا الشأن من الأغلاط ما يكاد يرفع الثقة إلا قليلاً. وعلى كل فنشكر لأمين أفندي توفره على إحياء الكتب النافعة للخاصة والعامة ونرجو أن يكثر في طابعينا وكتبيينا من ينظرون إلى منفعة المطالعين نظرهم إلى منفعتهم الخاصة ليستفيدوا بذلك ويفيدوا. ويطلب معجم البلدان وذيله من الطابعين بمئة وعشرين قرشاً بدون تجليد. الركوسية عرف الأب أنستاس الكرملي في بغداد بسعة الفضل وبعد الغور في المباحث اللغوية والتاريخية بما نشره حتى الآن في المجلات العربية والإفرنجية. وأمامنا الآن من قلمه هذه النبذة التاريخية بالإفرنسية نشرت في مجلة الأنتروبوس (الإنسان) الصادرة في النمسا L'Anthropos. Revue internationale d'éthnologie et de la linguistique. Salzburg, Autriche في الركوسية وهم فئة قال بعض علماء العرب أنهم طائفة بين النصرانية والصابئة وقال آخرون والحق معهم وعليه الأب أنستاس أنهم كانوا طائفة نصرانية فقط بدون أن يعرفوا ما هي معتقداتهم. ومن رأي المؤلف أن الركوسيين ليسوا إلا كروسيين قلب اسمهم من كبروس بطريرك الإسكندرية الذي أعلن سنة ٦٣٣ للمسيح عقيدة وحدة الإرادة في السيد المسيح عليه السلام Monothélisme Monothéisme وإذا صح رأيه في هذه الطائفة وهو ما نسلمه له فإنا نرى استنتاجه بأن عدي بن حاتم الطائي هو من أبناء هذه الطائفة وهو ما نسلمه له فإنا نرى استنتاجه بأن عدي بن حاتم الطائي هو من أبناء هذه النحلة كما استشهد ببعض الأحاديث في ذلك مردود لما أن الحديث المستشهد به غير معروف. وكيف يمكننا أن نقول أن عدياً كان كروسياً أو ركوسياً قبل وفاة النبي (عليه السلام) أي قبل سنة ٦٣٢ وهي قبل إعلان المجمع الاسكندري لهذا المذهب بسنة. وكذلك الحال في الأخطل فليس لدينا ما يثبت أنه كان من أهل هذه الطائفة بمجرد أنه كان يلبس لباس عدي. مخطوطات إسبانية M. Lucien Bouvat-Sur quelques manuscrits de la Société Asiatique Relatifs à l'Espagne, extrait de la Revue Hispanique 1906 هي رسالة بالإفرنسية كتبها المسيو لوسين بوفا أحد علماء المشرقيات الذي عرف القراء بعض فضله بما نشرناه معرباً من بعض أبحاثه وقد امتاز بالشرقية منها عامة والإسلامية خاصة. تكلم في هذه الكراسة على بعض كتب عربية كان أهداها اللورد كينغسبورغ الإيرلندي للجمعية الآسياوية سنة ١٨٢٤ أي بعد تأسيسها بسنتين في جملة ما أهدانا من الكتب الإسبانية والعربية والفارسية والتركية والهندية واليابانية. وقدم المؤلف مقدمة في ذكر المتبرع بتلك الكتب فقال أنه طبع كتاباً ضخماً في العاديات في المكسيك لم يتمه أنفق عليه لا أقل من اثنين وثلاثين ألف جنيه فكان فيه إفلاسه وموته سجيناً لعجزه عن قضاء دينه وأثبت فيه أن التمدن المكسيكي انتشر بفضل أناس من مستعمري الإسرائيليين. وأفاض الناشر في وصف تلك المخطوطات العربية التي لها علاقة بإسبانيا وأكثرها مطبوع في أوروبا ونقل منها شذرات بالعربية وقد نشرتها المجلة الإسبانية وأخرجت منها نسخاً على حدة فجاءت ناطقة بفضل مؤلفها وتحقيقه فيما يخوض عبابه من الأبحاث. تقرير المجمع العلمي السمشوني Annual report of the Board of regents of the Smithsonian Institution 1903 انتهى إلينا تقرير هذه الدار العلمية في واشنطون وهي التي أسست سنة ١٨٤٦ بـ ٥١٥١٦٩ دولاراً أوصى بها لها أحد أهل الخير من الأميركان المدعو سميشون لتنفق في مشروع علمي يكون منه زيادة انتشار العلوم بين الناس ومساعدة رجال العلم على البحث ونشر مباحثهم في مجلدات وإرسالها إلى كل مكتبة مهمة في العالم والعلوم التي يجيز هذا المجمع عليها في الأكثر هي الحيوان والنبات والجيولوجيا وعلم الآثار والفلك وقد وقفت عليه أموال أخرى فجاوز رأس ماله الآن زهاء مائتي ألف جنيه. ونسبت الجمعية لواضع أساسها الأول. وأعضاء هذه الجمعية المؤسسون رئيس الولايات المتحدة ونائبه وقاضي القضاة ورؤساء الدوائر التنفيذية وقد وقع هذا التقرير في ٥٧٦ صفحة متوسطة مطبوعاً أجود طبع وفيه خلاصة أعمال الجمعية ونفقاتها ومقالات العلماء وأبحاثهم كما أن فيه رسوماً كثيرة ومصورات جميلة جدير بأن تزدان به المكاتب ليكون من جملة العبر للشرق تنعي عليه توانيه عن اللحاق بالغرب في العلم والعمل. سير العلم التمتمة عنيت لجنة التعليم الابتدائي في مدينة لانكاستر بإنكلترا بالبحث في أحوال الأولاد الذي يتلجلجون في إلقاء دروسهم فثبت لمن عهدت إليه النظر في ذلك أن الأطفال يتمتمون ولا سبيل إلى نزع هذه العادة منهم إلا بالتمرين ورياضة الصوت وتعويده على عدم التردد في الكلام فجمع لذلك صفاً مؤلفاً من أربعين من البنات والبنين وأخذ يعلمهم على أساليبه في تقوية التنفس وتحسين التلفظ وبعد عناية ستة أسابيع طفق الأولاد يقرؤون بصوت جهوري ساعات بدون تلعثم ثم زودهم الأستاذ بنصائح يجرون عليها في بيوتهم بمراقبة أهلهم. وهذه الطريقة تستدعي عناية فائقة من المعلم والمتعلم وكثيراً من الثبات ولا بد من التوفر على ترويض الصوت على هذا النحو حتى تزول التمتمة كل الزوال وقد ارتأت اللجنة المشار إليها أن تنشأ فرق خاصة في كل مدرسة لهذه الغاية كما تؤسس فرق استعدادية في جميع مدارس المعلمين. حواس النبات قال علماء النبات منذ نحو خمسين سنة أن للنبات حياة كحياة الحيوان وقام اليوم أحدهم في هولاندة ليثبت أن للنبات كما للحيوان حواس وإن خفيت عن الأنظار فلها حاسة الذوق وحاسة السمع وحاسة اللمس. فالنبات على ما يقول بحسب الفصيلة التي ينسب إليها يتغذى بمواد يؤثرها على غيرها لأنه يرى فيها لذته ويستطيبها. وللنبات حاسة الذوق والدليل على ذلك الطحلب فإن نموه معروف بتزاوج الذكر بالأنثى وهكذا أيد مدعاه في قوله أن للنبات ذوقاً وسمعاً ولمساً. الانحطاط البشري نشر الدكتور إميل كنج أحد علماء الفسيولوجيا في برلين كراسة ليس فيها علامة خير على مستقبل البشر فقال إن الإنسان قد أنهك قواه وتركيبه الفسيولوجي فأصبح عرضة للأمراض حتى أنك لترى هذا الانحطاط بادياُ على كثير من الناس وإذ كانت هذه الحال تنتقل من أجيال إلى أخرى فقد نشأت عنها تغير عام في النوع الإنساني يؤدي ذلك تعدد الإصابات بالسرطان الذي نسبه في الأكثر لحياة الإنسان على هذا العهد الحديث وزاد بأن أمراض القلب قد كثرت وإن معظمها ناشيء عن ضغط الدم على الأوعية الدموية الناتج عن الإفراط في العمل والجهاد والإسراع والتعب على اختلاف ضروبه. وأثبت بأن معدة الإنسان تسوء حالها من حين إلى آخر وأن سوس الأسنان وسقوطها قبل الأوان مما يزيد من ضعف المعد زيادة محزنة. وزاد بأن الناس إذا ظلوا يعيشون كما يعيشون وسط هذا التمدن الموهوم فسيجيء يوم ليس ببعيد كما يظن الظانون فيكثر فيه الانتحار كل يوم بسبب ما يلقاه المنتحرون من الأوصاب والأوجاع التي لا تطاق. وقالت المجلة التي عربنا عنها المقال: لا شك أن رأي العالم الألماني لا يخلو من مبالغة وغرابة ولكن فيه شيئاً من الحق أيضاً وذلك لأن حياة البشر في تناقص وتشوه ما عدا أحوال استثنائية فبعد أن أدرك المرء أن خير ما له صحة يتمتع بها تراه مع هذا يسرف فيها أي إسراف كولد طائش ورث من أهله مالاً فتوفر على إنفاقه بكلتا يديه. وقد جرت عادة الصينيين أن يضعوا جوائز سموها جوائز الفضيلة يمنحونها لمن يحس الخلاص من الأمراض فهلا اقتدت أوروبا بهم في هذا السبيل؟. البيوت الغريبة اخترع شيخ الكهربائية في هذا العصر المستر أديسون الأميركي قوالب تكلف ثمانية آلاف جنيه وتبنى بها مساكن ذات ثلاث طبقات لا يكلف واحدها أكثر من مائتي جنيه ويتم في أربع وعشرين ساعة في أرض رملية يستعمل ما يستخرج من رملها في بناء حوائط الدار وأسسها كالسمنت وبهذا الاختراع قد خدم الإنسانية أجل خدمة خصوصاً وهو يقول أنه لا يريد أن يربح من اختراعه بل يجعله وقفاً على نفع البشر فبارك الله به وباختراعه وإنسانيته. حاصلات البن بلاد البرازيل أعظم الممالك إخراجاً للقهوة في الأرض والبن المعروف بالسانتوس مشهور في جميع الأسواق التجارية في العالم. وسانتوس مرفأ تجاري من مرافئ تلك البلاد تجيء إليها القهوة من أطراف الجمهورية البرازيلية ومنها تصدر إلى أقطار المعمور فتنسب القهوة إليها. وقد قدر محصول القهوة في العالم سنة ١٩٠١ إلى ١٩٠٢ بنحو تسعة عشر مليون كيس وبـ ١٧٦٨٥٠٠٠ كيس من سنة ١٩٠٢ إلى ١٩٠٣ وبـ ١٥٧٣٠٠٠٠ كيس من سنة ١٩٠٣ إلى ١٩٠٤ وبـ ١٤٩٠٠٠٠٠ كيس من سنة ١٩٠٤ إلى ١٩٠٥ وكان حظ البرازيل من هذا المحصول أكثر من حظ الأمم جمعاء فأصدرت سنة ١٩٠٢ أربعة عشر مليوناً ونصف مليون من الأكياس التي يبلغ واحدها ستين كيلو وسنة ١٩٠٣ ١ ١٢٣٨٠٠٠٠ كيس وسنة ١٩٠٤ — ١٠٣٠٠٠٠٠ كيس وسنة ١٩٠٥ — ٩٦٤٠٠٠٠ كيس. البحرية الألمانية من القاعدة التي اتخذتها إنكلترا في استعمارها أن تكون بحريتها موازية لبحرية دولتين عظيمتين من دول أوروبا إلا أن ألمانيا قد كادت تخل لها تلك القاعدة فقد قررت أن تبني سنة ١٩٠٨ ثلاث دراعات كبرى وفي كل من سنة ١٩٠٩ و ١٩١٠ ثلاثاً مثلها ومدرعتين سنة ١٩١١ ومن سنة ١٩١٢ إلى ١٩١٧ كل سنة دارعة عظمى وطراداً عظيماً فيكون مجموع ما ستبنيه في تسع سنين ١٧ دارعة و ٦ طرادات عظمى و ٢٩ طراداً صغيراً وقد بلغت ميزانيتها البرية والبحرية زهاء مليار مارك أي ما يربو على ١٢٠٠ مليون فرنك فزادت ١٢٢ مليون مارك عن السنة الماضية ولا تزال الزيادة تزيد سنة عن سنة وألمانيا تريد أن يكون لها المقام الأول ببحريتها كما لها المقام الأول ببريتها وهناك مؤتمر السلام في مدينة الهاي ينادي أعضاؤه بنزع السلاح والاجتماعيون ينادون بالسلم والسياسيون ولا يرتاحون إلا للحرب. تجارة كريت في إحصاء أخيراً أن واردات هذه الجزيرة المعروفة عند كتاب العرب بجزيرة أقريطش قد بلغت في السنة الماضية ١٥١٨٥٠٧٣ فرنكاً وصادراتها ١١٢٢٤٤٤٩ فرنكاً وأهم ما يرد إليها الدقيق والأنسجة وأهم ما يصدر منها زيت الزيتون ثم الخروب والزبيب والصابون. قالت مجلة الاستعمار أن تجارة هذه الجزيرة وزراعتها وعدد سكانها ليست متناسبة مع سعتها وخصب أرضها وجودة مناخها وموقعها الجغرافي فإن مساحته تبلغ نحواً من عشرة آلاف كيلومتر مربع وليس فيها من السكان أكثر من ثلثمائة ألف نسمة. لغة الجغطاي كتب المسيو لوسين بوفا في مجلة العالم الإسلامي بحثاً في هذه اللغة قال فيه: إن معنى جغطاي في الأصل المحتشم الشجاع وهذا الاسم إذا أطلق على إنسان عند الترك في آسيا الوسطى يراد به مدحه ولذلك دعي جنكيز خان بجغطاي وسميت هذه اللغة باسم المملكة العظمى التي شاعت فيها وقد قسمها بيرسين منذ ستين سنة في كتابه البحث عن اللهجات التركية إلى ثلاث فصائل الأولى الجغطائية الشرقية أو التركستانية وهي عبارة عن لغة الويكور والكومان والجغطائي والأوزبك والتركمان والتركستاني ولغة قازان المكتوبة والفصيلة الثانية هي التتارية أو المشالية (كيشاك) وهي عبارة عن لغة القرغيز والباشكير والنوجاي والكوموك والكاراتشاي والشيرياك والبيري والفصيلة الثالثة التركية أو الغربية وهي عبارة عن اللهجات الداغستانية والأزيرية المنتشرة في بلاد القرم والأناضول والروم إيلي. وقسمها أرمنيوس فمبري المستشرق المجري بعد عشرين سنة من ذاك التاريخ إلى ثلاث فصائل رئيسية وهي الصيني التاتاري الترك الكشغري والجغطاي الصرف أو الأوزبكي والتركماني يضاف إليها في الدرجة الثانية لغة القبشان والقرغيز والقره قالباق كما يضاف إليها لغتان قريبتان من التركية كل القرب وهما اللغة الياقوتية والشوفاشية. قال وقد اعتبرت لهجة الويكور أقد ضروب اللهجات التركية واكتشف بعضهم مخطوطات نادرة في أورخون من بلاد المغول منذ نحو عشرين عاماً كتبت بلغة تركية أقدم من جميع تلك اللهجات خالية من الألفاظ العربية التي طرأت على اللهجات التركية عقيب أن دان أهلها بالإسلام. ومن الغريب أنها أقرب إلى التركية العثمانية من لغة الويكور واللهجات التركمانية ويقال على الجملة أن لهجات سكان الشرق من الأتراك تمتاز عن لهجات سكان الغرب بما فيها من الألفاظ العويصة المهجورة ولها ألفاظ خاصة بها استعاض عنها الترك العثمانيون بألفاظ عربية وفارسية أو أفرنجية (إفرنسية وإيطالية وإنكليزية ويوناينة وصقلية وغيرها) ولفظ سكان الشرق شديد حلقي وبعض اللهجات كلغة القرم وآذربايجان مثلاً هي رابطة بين اللهجات. ثم وصف اللغة البخارية واللغة الخوقندية واللغة الأوزبكية الشائعة في خيوة وما تمتاز به كل منهن وقال أن الأحوال السياسية التي جرت في آسيا الوسطى في القرون الأخيرة كان من نتائجها التأثير في كل لهجة من تلك اللهجات فلم تحفظ كيانها كما كانت. أما الجغطاي اليوم فهو اللغة الأوزبكية يتكلم بلها ثلاث إمارات تحكم عليها الآن روسيا وهي خوقند وبخارة وخيوة ما عدا من نزح ممن يتكلمون بلغتهم إلى الأفغان. ولئن ساغ تحديد البلاد التي يتكلم فيها بتلك اللهجة فإن عدد من يتكلمون بها كثيرون وقد قدر فمبري عدد من يتكلمون بالأوزبكية بمليوني نسمة منهم مليون في بخارى وحواليها وسبعمائة ألف في خيوة ومائة ألف تحت حكم الأفغان. وقدره آخرون بثلاثة ملايين وثلثمائة ألف ولكن بدون أن يذكر فيه العناصر واللغات. وقد وصف الأستاذ فمبري أخلاق الأوزبكيين وعاداتهم فقال أن سكان المدن منهم ما برحوا إذا نظرت فيهم ترى عليهم آثار المدنية الزردشتية ومن ذلك أنهم ما زالوا محافظين كل المحافظة على عيد النوروز وهو أول يوم في السنة عند الفرس الموافق للاعتدال الربيعي وما برح أوزبك بخارى كمجوس الفرس في يزد وكرمان يرقصون حول نار يوقدونها من القش ويجب على العروس عندهم أن توقد ناراً لطرد الأرواح الشريرة عندما تدخل للمرة الأولى إلى بيت زوجها ولا يسوغ لها أن تستدبر تلك النار. ويتوقى أهل البادية منهم أن يبصقوا في النار أو يلقوا في قاذورات ويعزون للشمس كما يعزون للنار أن فيها خاصية شفاء الأمراض كما يعتقدون معتقدات قدماء الإيرانيين في الرواح والجن. وذكر من عاداتهم في مآكلهم ومشاربهم وقال أن التدين يغلب عليهم كثيراً بدون تعصب ولا يكادون يعرفون الرياء وهم يقدسون الأولياء ولكن أقل من خيوه وبخارى وخوقند وقلما يحجون وهم أشبه بأتراك الأناضول منهم بأتراك بخارى. ثم قال أن الترك العثمانيين كانوا يحتقرون قديماً المتكلمين بلغة الجغطاي أو الأوزبك أي التركية الأصلية القديمة ويصفونها بالغلظة ويسمون لغتهم بالجفاء على أن تجافيهم عن أصل لغتهم لم يزدهم إلا انهيال الألفاظ الدخيلة عليهم حتى صارت اللغة التركية العثمانية مزيجاً من لغات أمم شرقية وغربية ولو احتفظوا بأصول لغتهم لكان لهم من ألفاظها مادة يمكنهم أن يعبروا بها عن أفكارهم ومع هذا انتبهوا في العهد الأخير وأخذ بعض علمائهم يبحثون في الرجوع بها إلى أصولها ونشروا نصوصاً قديمة من اللغة الجغطائية كما ينشر علماء المشرقيات آثار الشرق القديمة. ثم وصف مملكة الخوجة في تلك البلاد وما تعاقب عليها من الملوك وكيف سقطت الآن في يد الروس وقال أنه لا يرجى لأهلها بعد الآن نفوذ ديني ولا سياسي. نظر الوقادين  قدم أحدهم إلى جمعية أمراض العيون في باريز رسالة قال فيها أن كثيراً من الوقادين في الأتومبيل والأومنيوس مصابون بأمراض في عيونهم فينشأ منهم لضعف أبصارهم ضرر على الراحة العامة وخطر على حياة الركاب والمارة ومن العجب أن يطلب من الميكانيكي أن يكون حاد النظر وتفحص عيناه فحصاً طبياً دقيقاً ولا يطلب مثل ذلك من الوقاد والسواق وأبت أن ٨ في المئة من الوقادين ضعاف البصر. وصادف أن رأى وقادين كانت مقلهم (قرنيتهم) كثيفة بحيث لا يبصرون وبعضهم مصابون بتغبش النظر وبلغ الحسر أي قصر النظر ببعضهم أنهم إذا رأوا في رابعة النهار قطيع غنم ظنوه غباراً وإن وقع نظرهم على جبل اتخذوه سحاباً ومنهم من لا يبصرون إلا بعين واحدة فإذا أصيبت الصحيحة بعارض يصبحون كالعميان لا محالة. وفي رأيعه أن تفحص عيون الوقاد والسواق قبل أن يناط بهم العمل فلتجعل هذه الرسالة موضع التنفيذ لأن الحوادث التي نشأت من ضعف الأبصار من هذا القبيل طالما جلبت المضار والأخطار. تلفون جديد اخترع الأخوان لوريمة اللذان لهما في تاريخ التلفون يد طولى آلة تخاطب بها الإنسان من يريد من تلقاء نفسه بدون أن يخاطب مركز إدارة التلفون أولاً لتفتح له طريق من يحب مخاطبتهم. وقد جعلت الآلة بحيث لا يحدث منها لبس في التخاطب ولا انقطاع ولا يفهم أحد ما يدور بين المتخاطبين كما هو الحال الآن وذلك على طريقة تسهل على المتخاطبين وتوفر م العاملين وتكون سرعة التخاطب بهذا التلفون في الليل أكثر من سرعتها في النهار وقد جرب اختراعهما في كندا فظهرت نتائجه الحسنة. طباعة العميان كان العميان في أكثر مدارس الغرب يتعلمون القراءة في كتب جعلت لهم خاصة بحروف ناتئة عرفت بحروف برايل أما الآن فقد اخترع أحدهم اختراعاً جديداً بحيث يمكن للعميان أن يقرؤا الخطوط التي تطبع بحروف كالعادة إلا أن نصف الحرف الأول يجعل بطبع ناتئ ونصفه الآخر بطبع عادي غير ناتئ وبذلك يمكن للمبصرين والعميان أن يقرؤا الكتب المطبوعة على هذا النحو. ورق النرد الطبي  ثبت بالفحص الطبي أن جراثيم العدة يكثر انتقالها بورق النرد لتنقلها من يد إلى أخرى خصوصاً وبعض الناس يبلون أصابعهم بريقهم ليتناولوا الورق ويناولوه بسرعة فتساعد على نقل جراثيم النزلات والسعال وأمراض الحلق وغيرها رطوبة الأماكن التي يلعب بها اللاعبون والرطوبة من أشد المعينات على نماء الأحياء الضارة. وقد ارتأى أحد الأطباء الإنكليز أن يجعل ورق اللعب من القماس ليمكن تطهيره وتعقيمه بعد كل لعبة وربما كان باستعمال هذه الأوراق الصحية شيء من النفع لصحة الأجسام. إنقاذ السفن اخترعت آلة لتعويم السفن الغرقى وذلك بجعل الهواء مضغوط في جدران السفينة الغارقة ضغطاً اشد مما يقابله من العمق وقد جربت في تعويم الغواصات وربما نفعت في تعويم البوارج. حوادث الخطوط الحديدية جربت حكومة ألمانيا من مدينة برلين إلى ستيتين عدة طرق لتعريف سائق القطار ما أمامه من الإشارات أثناء الضباب توقياً من الأخطار فلم تر أحسن من وضع كل مئة متر صفارة من الكهربائية تجعل على علو ثلاث مترات فتصفر وتنبه السائق إلى الإشارات التي أمامه. عدو المحار أصيب المحار والسمك البدلان في شواطيء فرنسا ولاسيما في بحر المانش بعدو أزرق من الخث (نبات الماء) الذي يعلق بالحصا فلا يرتفع عنه كما يعلق على المحار فإذا امتلأ هذا الخث ماء بلغ بحجم البيضة وأحياناً بحجم اليد فإذا علق بالمحار لا يتركها حتى يقتلها وقد قدر ما فسد من هذا السمك في شهر مايو من سنة ١٩٠٦ بأربعمائة ألف سمكة وذلك في (بارك بروتون) وحدها ولم يجدوا طريقة للخلاص من هذا العدو إلا إلقاء حرم من الشوك في الماء تمزق الخث. ألمانيا والسل يؤخذ من تقرير الصحة في ألمانيا أن فيها ٨٧ مصحاً Sanatorium للشعب فيها ٨٦٤٧ سريراً منها ٥٧٧٢ للرجال و ٢٦٥٨ للنساء و ٢٩٢ للرجال والنساء بدون استثناء وفيها ٣٥ مصحاً خاصاً يحتوي على ٢١١٨ سريراً و ١٧ مصحاً للأولاد المسلولين فيها ٦٥٠ سريراً و ٦٧ مصحاً للأولاد المصابين بداء الخنازير فيها ٦٠٩٢ ويعمر فيها اليوم ١١ مصحاً للأمة فيها ثمانمائة سرير وعشر دور خاصة بمداواة هذا المرض وداران آخران تشيدان حديثاً هذا ما عدا دور النقاهة التي أقامتها ألمانيا وجمعياتها في الغابات وغيرها. سماعة جديدة اخترع أحد جراحي لندن سماعة جديدة استعاض فيها عن المعدن بالمطاط وكان المعدن يتأثر منه حاسة السمع بعض التأثر والمطاط يسهل مسه ويلطف وضعه. أهم الكتب قيل أن الصاحب ابن عباد كان يستصحب في سفره أحمالاً من الكتب للتسلية والاستفادة فلما ظفر بكتاب الأغاني استغنى عنها كلها واكتفى بحمله معه والغالب أن الناس في أوروبا سئمت نفوسهم من كثرة الكتب أو كادت وخافوا أن تكون لهم كما قال ابن خلدون عائقة عن التحصيل فعرضت إحدى المجلات الدولية التي تخوض المباحث الحرة على المعاصرين من العالمين أن يبينوا لها آراءهم فيما يختارونه من الأسفار التي تؤلف مكتبة يعتمد عليها المرء في خلوته وجلوته ولا تكون أكثر من أربعين كتاباً تبحث في الفلسفة والأخلاق والفنون والأدب. التصوير عن بعد Le télestéréographe هذا اللفظ الإفرنجي معناه التصوير عن بعد اخترع مسماه أحد علماء الألمان منذ مدة فقام مخترع فرنسي اليوم يتمم ما بدأ به السابق فتمكن من نقل مسودة فوتغرافية بالفحم إلى مسافة بعيدة وأخرج صورة منها في صورة تشبه الصل وليس في القيام بذلك أدنى صعوبة. تلوين الجوهر ثبت أن الحجر اللطيف المعروف بالكوروندون المعتبر بعد الماس بقيمته يتأتى تلوينه حتى يصير جوهراً لطيفاً وكذلك بعض الأحجار الكريمة ولكن الأحجار الكريمة تبقى على نفاستها وغلائها ويمكن تلوين الياقوت الأحمر بلون آخر وإن كان من الثابت أن الأحجار تعيش وتموت كالنباتات فإن ذلك مما يسر السبيل على المخترع أن يلون الأحجارة الكريمة ألواناً غريبة. غذاء الإنسان نشر شبتدن من أساتذة كلية يال الأميركية كتاباً في الإكثار من التغذية ولاسيما في الإكثار من تناول اللحوم وأورد أمثلة كثيرة في هذا الباب. وأثبت الآن أن التغذية المعتدلة هي من الشروط المهمة في حسن الصحة ومتانة الأعضاء ومرونتها. وقد استعمل هذا الأستاذ بذاته مع بعض رصفائه من الأطباء طريقة التقدير في الطعام ولا سيما في الألبومين اللازم كل يوم فجادت صحتهم ايما جودة وطبقت هذه القاعدة على جنود في الخدمة مضطرين كل يوم إلى معاناة الأعمال الصعبة فثبت أن أعصاب ظهورهم وسوقهم وصدروهم وأذرعهم قد قويت أي قوة وأن خير طريقة لاتقاء الأمراض أن تقدر كمية الطعام على ما ينبغي ولاسيما اللحم. الديكتوغراف Le dictographe آلة اخترعت مؤخراً في أميركا تمنع أن يسمع أحد صوتك وأنت تكلم أحداً بالتلفون أو يفهم كلامك أو يجعل الهواء التباساً في حديثك وحديث من تكلم. تقهقر إنكلترا قالت المجلة الباريزية أن إنكلترا لم يعد لها المقام الأول في التجارة والصناعة كما كانت منذ مئة سنة فقد بلغ ما أصدرته سنة ١٧٨٢٠ من المصنوعات مليار فرنك أي أنه يعادل ما أصدرته فرنسا والولايات المتحدة معاً والنمسا وألمانيا أو يوازي مصنوعات العالم أجمع إذا أخرجت منه تلك الدول الأربع. ونزل ما أخرجته سنة ١٨٨٠ إلى خمس الحاصلات الصناعية وفي سنة ١٨٩٤ إلى السدس ولم تبلغ الصادرات الإنكليزية منذ سنة ١٨٩٤ إلى ١٩٠٣ سوى ثلاثة عشر في المئة. وكانت اليابان قديماً من أحسن الزبن للمصنوعات القطنية الإنكليزية إلا أنها أخذت تصنع مثلها في بلادها من ذاك العهد وتقدمت صنائعها تقدماً غريباً فكانت تنسج سنة ١٨٨٦ ستة ملايين لبرة من القطن فأصبحت تنسج سنة ١٨٩٥ ، ١٣٥ مليون لبرة أي أن مصنوعاتها زادت أربعة وعشرين ضعفاً في تسع سنين وغدت اليابان التي كانت تبتاع سنة ١٨٨٤ بثمانية ملايين دولار من المصنوعات القطنية لا تشتري سنة ١٨٩٥ سوى نصف ذلك. الجزائر والصحراء نشرت مجلة العلم في القرن العشرين مقالة بحث فيها كاتبها في أصول سكان جنوبي الجزائر والصحراء فقال أن أهم عنصر في سكان الجزائر هم البربر والعرب والأول زارع والآخرون يقيمون على تربية المواشي وكثيراً ما كان هذان العنصران يتمازجان وقد أثر هناك الدم الزنجي أيضاً قال ومنذ استولت فرنسا على تلك الأنحاء أخذ كثير من قبائل الطوارق يعتاشون من رعي الماشية أو يسيرون القوافل وأصبح بعضهم زراعاً يحرثون ويفلحون. الدين في الصين نشر أحد الباحثين من الإنكليز مقالة قال فيها أن الدين يرجع القهقرى في الصين فلا يقل فيها المتدينون بالكونفوشيوسية والبوذية والطاوسية بل أن النصرانية هناك لا مستقبل لها أيضاً. أولاد الفقراء بحث بعض العلماء في السنين الأخيرة في قامات أولاد الفقراء ووزنهم ونسبتهم مع أولاد الأغنياء فثبت أن الأغنياء أعظم وأقوى المقتبس ٢ — ٤٤٤ وقد عينت الحكومة الإنكليزيية نخبة من الأطباء والعلماء ففحصوا ٧٢٨٤٨ صبياً في المدارس العامة في غلاسكو سنة ١٩٠٥ — ١٩٠٦ فنظروا إليهم من حيث مساكنهم لأن سعة المسكن دليل على سعة العيش في الغالب فثبت لهم أن ٨ في المئة يعيشون في مسكن ذي غرفة واحدة و ٥٨ في المئة في مسكن ذي غرفتين و ٢٤ في المئة في مساكن ذات ثلاث غرف و ١٠ في المئة في مساكن ذات غرف كثيرة وأثبتوا أن قامات البنين والبنات من الخامسة إلى الثالثة عشرة تضعف بحسب صغر المساكن التي يسكنونها وأيدوا بالبرهان أن عظم المساكن إذا كانت دليلاً عاماً واضحاً على حالة الثروة فإن قامات الأطفال ووزنهم تضعف بحسب ضعف الأسرة في السعة وبسطة العيش. ترجمة التوراة  قالت المجلة: ترجمت التوراة الآن إلى أربعمائة لغة وقد أورد الباحث فيزجيرالد بعض المصاعب العظيمة التي تحول دون نقلها إلى اللغات الهمجية التي كثيراً ما تعوزها أهم الكلمات اللازمة. مثال ذلك أن أهل تاهيتي ليس عندهم لفظ يعبر عن الحشمة ولعلهم لا يعرفون هذا المعنى ومتوحشو الماوريس في زيلاندا الجديدة ليس عندهم كلمة شريعة والبلاد التي لم تدخل إليها التوراة بعد هي بلاد العرب والفرس والسودان. مطاط جديد اكتشف في التونكين شجر جديد من المطاط من النوع الجيد وهو كثير في عدة ولايات من تلك المستعمرة ولم يكن يعرف من شجره في الهند الصينية غير نوع كان يصعب استثماره كثيراً وقلما يأتي بمطاط جيد. ضرائب فرنسا كان سكان فرنسا سنة ١٨٠٨ يدفعون ضرائب للحكومة ٢١ ملياراً فأصبحوا يدفعون سنة ١٨٩٦ ، ١٤٢ ملياراً من الفرنكات ولم يتضاعف في خلال تلك الحقبة من القرن عدد سكانها على حين أنشؤوا يدفعون سبعة أضعاف ما يدفعون وزاد عدد الدفاتر التي أخذت من صناديق التوفير منذ سنة ١٨٦٩ — ١٨٩٨ من ثلثمائة ألف إلى ستمائة ألف وبلغت المبالغ المودعة ١٤٨ مليوناً وكانت ٥٢ . تشغيل الأولاد عدوا من دواعي الخجل على القرن التاسع عشر أن ينصرم ويخلف للقرن العشرين مسألة من أصعب مسائله الاجتماعية ألا وهي تشغيل الأطفال من البنين والبنات في المعامل والمصانع والمناجم بأيديهم وهم ضعاف الأجسام ولما يبلغوا نموهم المطلوب فتستولي عليهم الأمراض المختلفة. وقد دلت الإحصاءات في فرنسا سنة ١٩٠٥ على أن عدد العاملين من الأولاد بلغ ثلثمائة ألف وعدد العاملات من البنات مائتينيوستين ألف عاملة وأن بعض المعامل يكتفي أصحابها بعامل كبير لقاء ثلاثين من هؤلاء الصغار لرخص أجورهم وشدة همتهم ولطالما أظهرت تقارير مفتشي المعامل أن بعضها يستخدم في السر أولاداً من ابناء الثمانية إلى العاشرة وتطعمهم خسيس الطعام وتشغلهم عشر ساعات ولذلك صدق ما قاله أحد أساتذة العلم في المجمع الطبي الباريزي من أن ١٤١ من كل ٨٩٦ ابناً وابنة يموتون بالسل الظاهر. نفقات الكليات أحصى أحد أساتذة التعليم العالي ما تنفقه فرنسا وألمانيا على كلياتهما فتبين أن ألمانيا تصرف ٣١ مليون فرنك على التعليم العالي في السنة وفرنسا تنفق ٢١ مليوناً على حين يبلغ سكان الأولى ٥٦ مليون نسمة والثانية ٣٩ مليوناً هذا ما خلا بعض الكليات القديمة في ألمانيا التي لها واردات سنوية تبلغ خمسة ملايين فرنك فمعدل ما يصيب المكلف في ألمانيا نفقة على التعليم العالي ٥٤ سنتيماً ومعدل ما يصيب الفرنسوي ٥٦ سنتيماً ونصف. وقد قالت بعض المجلات وليس هذا مما يعاب على الفرنسيس ولكن الحقيقة أنه ينشر كل سنة في ألمانيا ثلاثة أضعاف ما ينشر في فرنسا من المطبوعات في التاريخ الحديث وينشر في ألمانيا خمسون ضعف ما ينشر في فرنسا من المطبوعات في التاريخ القديم ولكن ترى هل ما تنشره ألمانيا عقود ودرر. عمال التجارة رأى سفير فرنسا في لندن أن خير واسطة لنشر تجارة أمته في بريطانيا أن تبعث إليها بأناس من بينها تدربهم على الأعمال التجارية على الأسلوب الإنكليزي وعندها تعهد إليها أن يكونوا وكلاء عع بيوتها التجارية وإن نقل الأشخاص الذين يصرفون المصنوعات ينفع أكثر من الاعتماد على أناس من الإنكليز لتصريف المصنوعات الفرنسوية وما حك جسمك مثل ظفرك. ولذلك بدأ المجمع التجاري في باريز بإرسال كثيرين إلى ليفربول يدرسون الأعمال على الأسلوب الإنكليزي وسيكون ذلك مقدمة لنشر البضائع بين أمة أخرى. تجارة الكتب لم تكن فرنسا تصدر إلى إيطاليا من الكتب سنة ١٩٠٣ سوى نصف ما تصدر ألمانيا إليها أي أن الأولى تصدر إلى إيطاليا بأربعمائة ألف فرنك وألمانيا تصدر إلى إيطاليا بثمانمائة فأصبحت فرنسا تصدر إلى إيطاليا في السنة الماضية ٦٣٦ ألف فرنك وألمانيا ٩١٦ وورد على فرنسا في السنة الماضية ٧٨١٧ قنطاراً من الكتب المغلفة ومثل هذا القدر ورد على ألمانيا وفرنسا وألمانيا في مقدمة بلاد أوروبا بإصدار الكتب. المعتوهون تبين أن أحسن طريقة في اختبار المعتوهين ممن وقعت لهم عوارض وقتية وليسوا من العته في شيء هي التي جرت عليها مدينة غلاسكو في بلاد الإنكليز فإنهم هناك قبل أن يلقوا المصاب في مستشفى المجاذيب يجعلونه تحت المراقبة بضعة ايام وبذلك كان يظهر أن خمسين في المئة لا يصلحون للبيمارستانات وستجري أكثر مدن أوروبا على هذه الطريقة في استثبات حال المجانين. الملكة فكتوريا نشر في العهد الأخير في إنكلترا كتاب ضخم في ثلاثة مجلدات وهي رسائل الملكة فيكتوريا والدة الملك إدوارد السابع ملك الإنكليز الحالي التي تولت الملك ٦٤ عاماً مما لم يعهد لملك في تاريخ إنكلترا أن تولى أمر الناس هذا الزمن الطويل وكان ابنها هو وكاتم أسراره مساعدين في إعداد هذه المفكرات ليكون منها الشعب الإنكليزي صورة حقيقة من قلب الملكة فكتوريا وأفكارها بدون تغيير الحقيقة التاريخية أو تعديلها وبدون أن يغفلوا عن ذكر الأوهام التي كانت مستحكمة فيها لأول عهدها وهذه المجلدات هي عن الخمس والعشرين سنة الأولى من حكمها. الانتحار والتربية ألف أحد علماء الإفرنج كتاباً في التربية وانتحار الأولاد فأثبت أن عدد المنتحرين من الأطفال يزداد سنة عن سنة وأن الداعي إلى الانتحار هو الغيرة والغضب والكبر والخصومات الأهلية ومضادة الأميال والإجهاد العقلي وسوء معاملة الوالدين وفي تضاعيف ذلك ما يبدو في المنتحر من ضعف الإرادة الناتج من مجتمع قليل المتانة وبالجملة فإن القرف من الحياة يأتي أبداً من ضعف المزاج ولا وسيلة لدفع الأولاد عن الانتحار إلا بإطعامهم جيداً وتنويمهم طويلاً وتقوية أعصابهم بالجري على التدابير الصحية والمعالجة بالماء البارد وإدخال السرور على قلب من كان فيه استعداد لذلك والتخفيض عليه إذا ضاق صدره. ومن رأيه أن تاثير المعتقدات الدينية والقراءة في الكتب الصحيحة من أحسن المؤثرات في عقل المستعد للانتحار وأبان بالأمثلة والشواهد ما ينال الشبيبة من المخاطر إذا حشيت عقولهم بالمعارف فوق طاقتها. أخطار المسكرات ذكرت مجلة المعين الاجتماعي أنه أحصيت محال بيع المسكرات في فرنسا سنة ١٩٠٥ فكانت ٤٧٦٥٩٣ محلاً وما برحت آخذة بالزيادة منذ قرن قالت: وإن الحكومة لا تجهل أن جميع إصلاحاتنا الاجتماعية تكون من العبثيات وجميع تربيتنا لجمهور الأمة وحرياتنا السياسية والمدنية ونظامنا الدستوري تصبح أبهة باطلة وأثراً بعد عين إذا ظل بائعو المسكرات يسممون الناس عندنا كما هم الآن. وقد أمر وزير الداخلية بأن تحقق أحوال دور المجانين فأثبتت اللجنة التي عهد إليها النظر في ذلك في ٣٦ ولاية أنه زاد عدد المعتوهين بتعاطي المسكرات منذ عشر سنين ٥٧ بالمئة وأن نصف المصابين بالجنون كان لتعاطيهم الإبسنت والأشربة المقبلة. وفرنسا ساعية في إبطال المشروبات الضارة وإغلاق معظم محال بيعها جرياً على مثال معظم الأمم الراقية في الغرب. القرى والمدن تشكو معظم بلاد الغرب من كثرة زهد الفلاحين في قراهم وانقلابهم إلى المدن يتعاطون فيها الأعمال الصناعية وغيرها وقد وضعت فرنسا إحصاءً لذلك فظهر لها أن سكان الأرياف كانوا فيها سنة ١٨٤٦ ، ٧٥ في المئة من مجموع الأمة فنزل معدلهم اليوم إلى ستين في المئة هذا مع أن فرنسا أرقى البلاد الأوروبية بزراعتها. وقد غادر الحقول من سنة ١٨٧٢ إلى ١٨٩١ نحو أربعة ملايين ونصف من الريفيين ولحقوا بالمدن والعواصم وفي الإحصاء الذي تم سنة ١٨٩١ كان سكان باريز ٢٣٠٠٠٠٠ منهم ٨٠٠٠٠٠ باريزيون أصليون والباقون ريفيون. غلاء المعيشة يقول الاقتصاديون أن السبب في غلاء الحاجيات هذه الأيام كثرة الذهب في الأيدي فقد زاد محصول الذهب في العشر سنين الأخيرة ضعفي ما كان عليه فكان مجموع ما في العالم من الذهب سنة ١٨٩٦ عشرين ملياراً فأصبح في العام الماضي ثمانية وثلاثين ملياراً من الجنيهات فالجنيه وقيمته قيمته ولكن ما كان يتيسر للمرء أن يبتاع به من البضاعة لا يتيسر له أن يبتاعها به الآن لأنها قلت وعلى هذه النسبة تضاعفت أثمان اللحوم والفراخ أو زادت الثلث عما كانت عليه منذ عشر سنين. والمتأخر في هذا الباب آخذ باللحاق بالمتقدم. الدعوة إلى السلم أول من دعا إلى السلام هو الفيلسوف الهولاندي إيراسم المدعو فولتير اللاتين فرأى سنة ١٥١٧ أن يجتمع ملوك الأرض إلى مؤتمر عام في مدينة كامبري الفرنسوية تحت زعامة الإمبراطور ماكسيميليان وفرنسيسن الأول وهنري الثامن ملك إنكلترا. مطاعم الشعب كانت مدينة ليون سنة ١٨٩٢ أول من فتح مطاعم للشعب تبيع الوجبة بأربعين سنتيماً وهي تحوي على لحم وبقول وجبن وخمر فيربح المطعم من كل وجبة سنتيمين ونصف ويربح من يقومون بهذا العلم ستة في المئة إلا أن سويسرا أرادت أن تفوق فرنسا في هذا السبيل فأنشأ بعض أهلها في مدينة زوريخ مطعماً ونزلاً للشعب مطلين على رابية هناك من أجمل المناظر البديعة وجعلت الأجرة عن كل يوم ثلاث فرنكات ونصفاً عن الطعام والشراب والمنام ومن أراد أن يمسك له محلاً يجب عليه أن يخابر إدارة الفندق قبل ستة أشهر. العلم والإحسان تبين بالإحصاء أن النفوس رغبت في الثلاث سنين الأخيرة عن مد يد المعونة لدور الإحسان فقد كان ما جادت به النفوس في فرنسا سنة ١٩٠٤ — ٢٤ مليون فرنك من الوصايا والمنح في سبيل الخير فنزلت سنة ١٩٠٦ إلى ثمانية عشر مليوناً ولكن ثبت أن من يوصون لدور العلم والمجاميع العلمية يكثر عددهم وما تجود به ايديهم فقد كان ما جادت به نفوس الفرنسيس في هذا السبيل سنة ١٩٠٥ مليوناً ونصفاً من الفرنكات فبلغ سنة ١٩٠٦ مبلغ ٢،٣٨٩،٠٠٠ . الأميون في بولونيا ثبت بالإحصاء ان سكان فارسوفيا عاصمة بولونيا قديماً التي هي اليوم من أعمال روسيا يكثر عدد نفوسها كثرة غريبة فقد بلغوا مليوناً من النفوس ولكن الأميين فيهم كثار بلغ معدلهم ٤١ في المئة من الرجال و ٥١ من النساء وإن عدد الأميين في بولونيا أكثر منه في جميع الولايات الروسية في أوروبا الغربية فإن صح ما قالوا فما تقول مصر والأميون فيها تسعون في المئة والبلاد العثمانية وما نظن الأميين فيها يقلون عن ثمانين في المئة. الإحسان العام ذكر بعض المحققين من الإنكليز أن إنكلترا في مؤخرة الشعوب الراقية من حيث جودها بالمال على البائسين فإن فينا من هذا القبيل خيرا من لندرا وبرلين خير من فينا وكوبنهاغ خير من برلين فترى الشيخ العاجز في بلاد الدانيمرك موضوع العناية العظمى ولا يكلف أكثر من سبعة فرنكات على صناديق الإحسان على حين أن الرجل في إنكلترا يموت جوعاً إذا لم يمد يده فيشحذ ويكلف العاجز فيها على المكلفين من الأهلين زهاء عشرة فرنكات. الورق في أميركا أكدت مجلة المجلات النيويوركية أن مجاعة من الورق ستنتشر في الولايات المتحدة بعد بضع سنين وذلك أن صنع الورق من الأشجار قد كاد يفنيها فإذا دامت الحال على هذه الصورة في قطع الأشجار لصنع الكاغد لا يمضي ربع قرن حتى لا يبقى شجر ولا ورق وقد أوردت مثالاً لذلك إحدى جرائد نيويورك التي تطبع ثمانمائة ألف نسخة في اليوم على ثمانين صفحة كبيرة قالت أن هذه الكمية من الورق التي تصرفها جريدة واحدة تحتاج إلى ٩٧٧٩ شجرة من علو عشرين متراً ثخينة وطلب الكاتب من الحكومة أن تنظر في حال الغابات التي تحطم لتصنع منها تلك الورقات والصفحات. معامل اللبن رأى أحد المفكرين أن مراقبة الحكومات لمعامل اللبن (الحليب) من أهم الخدم التي تخدمها لأممها وذلك لأن اللبن يستعمله الناس عامة فإذا لم يكن سليماً يزيد في عدد الوفيات وقد ظهر بالإحصاء أن معدل وفيات الأطفال قد نزل في روشتر من أعمال ولاية نيويورك إلى أربعين في المئة لأن حكومتها راقبت اللبن مراقبة صحية دقيقة. سياح اليابان ينتشر ميل اليابانيين إلى السياحة في الأرض ولم يقصروا سياحاتهم على بلاد الصين والشرق الأقصى بل هم يقصدون بلاد الغرب أيضاً وقد رأى أحد عظماء مفكريهم أن السياحة تطلب لكل من يشتغل طوال السنة بالأشغال العقلية وإن في المدن اليابانية المنقطعة كمدينة كيتو ونيكو وهاكون غنية عن ارتياد البلاد البعيدة إلا أنه ينقصها فنادق من الطراز الحديث ومحال للسماع ومحال للسباق وقال أن اليابان من هذه الوجهة متقهقرة فرثى لها من أجل ذلك. المدنية الحديثة بحثت إحدى المجلات اليابانية عن الطرق الحقيقية التي يجب سلوكها للأخذ بأهداب هذا التمدن الحديث فقالت كل ما يسلك في هذا السبيل لغو وإثم إن لم ينظر فيه لسعادة البشر وهذه السعادة لا تنال إلا بترقية الأخلاق الشخصية وتحسين الذوق وهذا لا يتأتى إلا بنشر التعليم والتهذيب. خطب ومحاضرات أخذ حديثاً نادي المدارس العليا في هذه العاصمة يدعو بعضاً من المشتغلين بالعلم والأدب لإلقاء خطب ومحاضرات على بعض أعضائه فممن خطبوا فيه رفيق بك العظم وأحمد بك كمال وأحمد بك زكي وعمر بك لطفي وهم من أساطين النهضة المصرية اليوم. فقد خطب الأول في التدوين في الإسلام خطبة قال فيها: إذا قيل أن العرب أمةأمية فليس هذا القول على إطلاقه بل ربما طلق هذا الوصف على عرب البادية إطلاقاً أعم من إطلاقه على غيرهم من سكان المدن والدول البائدة كسكان اليمن ومدن نجد والحجاز والعراق والجزيرة وأطراف الشام الذين عرفت لهم دول ذات حضارة ومجد كالتبايعة في اليمن والمنادرة في العراق والحوارث في أطراف الشام الذين منهم ملوك تدمر في شرقي سوريا وإليهم تنسب الزباء زنوبيا وزوجها أذينة (أوزينوس) ومنهم ملوك غسان في جنوب سوريا وتاريخهم مشهور معروف. فهؤلاء الشعوب لا يجوز أن يطلق عليهم وصف الأمية إلا بالنسبة لحالة كل عصر كانوا فيه وإنما غموض تاريخهم وطموس آثارهم أضاف تاريخهم إلى التاريخ القديم فكان مجهول الحقيقة إلا قليلاً مما وقف عليه الباحثون من الآثاؤ الكتابية للحميريين في اليمن والكتابات النبطية في شمال الحجاز وسيكشف دؤوبهم على البحث وتتبع الآثار أكثر من ذلك. وحسبكم شاهداً على أن الأمية لا يجوز إطلاقها على كل العرب ما كان موجوداً من كتب أهل الحيرة إلى أوائل القرن الثالث الهجري بدليل ما قاله هشام بن محمد بن السائب الكلبي في كتاب الأنساب وهو إني كنت أستخرج أخبار الغرب وأنسابهم وأنساب آل نصر بن ربيعة ومبالغ أعمار من ولي منهم لآل كسرى وتاريخ نسبهم من كتبهم بالحيرة. أما عرب الحجاز فالمعرف عن الكتابة عند سكان المدن منهم قبيل البعثة أنها كانت موجودة ولو مع الندرة يدلك عليه كتابة المعلقات السبع التي كانت على الكعبة والصحيفة التي عاقدت فيها قريش على رد حقوق وإنصاف المظلوم وعلقوها على الكعبة والمعروف أنهم كانوا يكتبون العربية تارة بالخط النبطي وأخرى بالخط الحيري الذي عرف بعد ذلك بالكوفي ومرة بالخط العبري. ثم ذكر أن الحديث كتب إن لم يكن كله فجله على عهد الرسول وأصحابه والحديث يشمل أكثر تاريخ الخلفاء وكذلك كتب فن النحو الذي أملاه علي بن أبي طالب على أبي الأسود الدؤلي وأما في عصر التابعين وتابعيتهم فقد كانت العناية بكتابة الأخبار أكثر وأقبل الناس على اقتناء الكتب وجمع المكتبات ومن ذلك ما رواه ابن عبد البر عن هشام بن عروة عن أبيه أنه احترقت كتبه يوم الحرة وكان يقول وددت لو أن عندي كتبي بأهلي ومالي وكانت وقعة الحرة في سنة ثلاث وستين في خلافة يزيد بن معاوية وكان ابن شهاب الزهري إذا جلس في بيته وضع الكتب حوله فشغلته عن كل شيء وهو من أهل المئة الأولى ولم يأت القرن الثاني حتى كثرت الكتب في فنون شتى خصوصاً فنون العربية والأدب فإذا كان ذلك كذلك هل يبقى مجال للريب في أن العرب دونوا علومهم في الصحف من ابتداء القرن الأول وهل يستراب في صحة هذه العلوم على ما ثبت معنا من أنها كتبت مدعومة بالرواية لتكون أبعد عن سهو الكاتبين وتحريف الناسخين. قال وهذه الطريقة في النقل لا تعد ثلمة في تاريخ الإسلام يتطرق منها إليه الوهن والتجريح بل تعد تحقيقاً للأخبار بالغاً حد الأمانة والتمحيص لم تسبق إليه أمة من الأمم غير المسلمين أما تلك الكتب التي دونت في الصدر الأول فإنها أدمجت في الكتب الجامعة التي ألفت بعد ارتقاء التأليف كما يرى في كتب الفنون التي اشتغل بها العرب ودونت بعد القرن الثاني معزوة لقائليها. وخطب أحمد بك كمال في التوحيد عند قدماء المصريين وتكوين أرض مصر والنيل وفي أصل الخليقة وأصل المصريين فقال أن صيغة التوحيد عند المسلمين موافقة تقريباً للصيغة التي كان يدين بها المصريون قبل عصر الملوك ويدلنا على ذلك رسوم هيروغليفية وجدت في أوراق البردي القديمة فترجم صورة هذه الصيغة عندهم بما يأتي: الله وحده لا ثاني له يودع الرواح في الأشباح أنت الخالق تخلق ولا تخلق خالق السموات والأرض وقال أن علماء الآثار المصرية كانوا يعتقدون إلى ما قبل عشر سنين أن قدماء المصريين وثنيون ولكن زال هذا الاعتقاد باكتشاف هذه الصيغة وإن التوحيد أتاهم من نوح عليه السلام بدليل قوله تعالى: شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً إذا قيل أن الشرك كان شائعاً عند قدماء المصريين بدليل قوله تعالى حكاية عن يوسف عليه السلام أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار فيقال أن يوسف كان سجيناً عند فرعون مصر وأن عقيدة الشرك لم تدخل مصر إلا مع الرعاة (الهكسوس) الذين دخلوا مصر قبل عصر الأسرات ولذلك كان المصريون يطلقون على بلاد العرب اسم بلاد الوثنية وقال أنه جمع أسماء الأصنام بالعربية فرأى أسماء تشابهها بالهيروغليفية واستطرد إلى ذكر البردي فقال أنه كان يزرع في الوجه القبلي وأن اللوتس (له ثمر كالشعير يقتات به) كان ينبت في الوجه البحري وأن المصريين سطروا علومهم من طب وهندسة وحساب على أوراق البردي واللوتس. وهذا النباتان رمزان على من يحكم الوجه البحري والقبلي فإذا رأيت كرسياً مرسوماً عليه صورة البردي واللوتس فاعرف أن الملك الجالس عليه كان يحكم الوجهين القبلي والبحري. وقال أن قدماء المصريين كانوا يعتقدون أن النيل ينبع عند أسوان ثم علموا أنهم مخطئون في اعتقادهم وأن منبع النيل أبعد مما كانوا يتوهمون فلما وصلوا إلى بحيرة نو اعتبروها أصلاً وأطلقوا عليها هذا الاسم ومعناه ماء والمصريون هم الذين عرفوا الجهات الأربع فكانوا يطلقون على الجهة التي يأتي منها النيل قرن الأرض أي طرفها ولذلك قيل عن ذي القرنين أنه ملك المعمور ولكونه أخذ بطرفيها ويطلقون على المقابلة لها بحري والشرق على مطلع الشمس وقالوا عنه بخ أي الميلاد. وعرف المصريون الجنة والنار لأنه وجدت رسوم للنار والزبانية والحساب الأخروي في آثارهم. وأن النيل لم يكن له مجرى ثابت بل كان يفيض سيحاً وكان منحصراً بين جبال برقة وليبيا. والبحر الأبيض يضرب إلى الفيوم واسم الفيوم بالهيروغليفية بيوم ومعناه الماء وكان هناك للنيل خزان كبير وما زال طمي النيل يرسب في قطعة الدلتا ويتقدم نحو البحر حتى تكون الوجه البحري وكان يتفرع عند أكاسور أمام أنبابة إلى فرعين فيذهب إحداهما إلى دمياط والثاني إلى أبي قير وكان يتولد عند بنها فرع ثالث يسمى فرع سمنود الذي طم بعد ذلك فتكون من الفرعين الباقيين والبحر شكل الحرف اليوناني المسمى دلتا وأول بلد أنشئت في مصر لصلاحية أرضها للزرع هي أسيوط. وكان موضوع محاضرة أحمد بك زكي هل تخيل العرب اكتشاف أميركا قبل كريستوف كولومب فقال أن نقطة تاريخ ليست عربية وأن الهرمزان الفارسي الذي كان في مجلس عمر بن الخطاب عندما جمع هذا الصحابة يشاروهم في أمر التوقيت قال أننا معاشر الفرس نأخذ مبدأً معلوماً نجعله بداية التوقيت ونسميه ماه روز فاصطلح العرب على هذا وجعلوا يوم الهجرة النبوية أول التوقيت الإسلامي وخرج لفظة ماه روز بأن الهاء حرف صامت أو ناطق عند الإفرنج وكذلك عند العرب فتسقط الهاء على أنها حرف صامت فتصير ماروز ونسمح لأنفسنا في إبدال الزاي خاء فتصير ماروخ ويتصرف منها أرخ يؤرخ تأريخاً. ثم تكلم على شغف العرب بنقل كتب الفلسفة والعلم وكيف كان المأمون يحارب فتزهد نفسه في أخذ البلاد أو تكثير الجزية ولا يريد من المغلوبين على أمرهم من الملوك والأقيال إلا كتب العلم وإن هذا مما لا يعهد له نظير في فتوح العصور المتأخرة وذكر كيف أن هذا الخليفة انتدب يوحنا ابن البطريق المصري إلى بلاد الروم ليبحث له عن كتاب أرسطو في السياسة فأخذ يتنقل من دير إلى دير ومن عالم إلى عالم حتى عثر عليه ونقله إلى العربية وقال أن البحر المتوسط كان على عهد المأمون بحيرة محاطة بملكه وجزيرة صقلية من جملة ملك العباسيين ثم استطرد على عادة محاضرات العرب إلى ذكر صقلية لما ملكها روجر الثاني وقال أن عماله كلهم كانوا من المسلمين وبهم كان يقتدي ويهتدي كما نحن اليوم نأخذ عن الإفرنج كل شيء. وتكلم عن الأخوة المغرورين أو المغرورين وهم جماعة من قبيلة واحدة من العرب قاموا من لشبونة معتمدين على الصبا وعددهم ثمانون عربياً للبحث عن أرض جديدة في المحيط فلم يتمكنوا إذ هاجمهم في الطريق عدد لا يحصى من البواشق فرجعوا وقصوا أشياء غريبة فسموا بالمغرورين وسمى دربهم في لشبونة بدرب المغرورين وهذا ما أيده الشريف الإدريسي في جغرافيته. وفي رواية ثانية أن المغرورين كانوا ثمانية رجال كلهم أبناء عم ركبوا البحر في أول هبوب الريح فجروا بها نحواً من ١١ يوماً فوصلوا إلى بحر كريه الرائحة كدر الماء كثير الطروش قليل الضوء فعادوا ونزلوا بجزيرة كثيرة الأغنام وأخذوا لملكها فأكرمهم ولما سألهم عن حالتهم قصوا عليه ما حدا بهم فلم ير إلا أن يركبهم في سفينتهم ويصحبهم بجماعة من عنده عصبوا عيونهم أياماً فلما توسطوا البحر تركوهم لشلوهم عن الطريق ولما وصلوات إلى مكان هناك سألوا جماعة من البرابرة عن المسافة بينهم وبين لشبونة فقال الزعيم مسيرة شهرين فقال القوم وا أسفي وسمي المكان أسفي والمغاربة يحذفون منها الألف. وبذلك تبين أن الثمانية أو الثمانين المغرورين قد ساورا أحد عشر يوماً حتى وصلوا إلى جزيرة آسور سنة ١٤٣٣ م وأن العرب لم يستطيعوا مواصلة سيرهم لضعف الوسائل. وكانت محاضرة عمر بك لطفي في أصل البنوك والمصارف فقال كان في القرون الوسطى في إيطاليا أناس يحترفون بإبدال العملة يجلسون في الطرقات العامة وأمامهم منضدة (ترابيزة) موضوع عليها نقود للصرف وتلك المنضدة تسمى بالإيطالية (بانكا) ثم ترقت وظيفة هذه الطائفة واتسعت فأخذ الناس يحفظون نقودهم عند هؤلاء الصيارف وصارت مصارفهم محلاً للودائع والأمانات ثم أخذوا سكة (عملة) وهمية بدل السكة الحقيقية التي كانت معرضة للتلف فأصبحت كأوراق البنوك اليوم وأول مصرف حاز اسم بنك مصرف مدينة البندقية سنة ١١٥٧ والصين أول البلاد التي أحلت حكومتها سنة ٨٠٧ م العملة الاصطلاحية محل عملة النحاس ورأى ابن بطوطة هذه العملة الاصطلاحية كما وصفها الرحالة جون مورفيل سنة ١٤٢٧ م ولم يظهر أثر للعملة الاصطلاحية في البلاد الغربية إلا في سنة ١١٢٢ أثناء حصار أهل البندقية لصور فإن الدوق ميكيلي الذي كان قائماً بأعمال الحصار أصدر إذ ذاك عملة من الجلد عليها علامات الدوقية ورسومها فصرفت بالنقد لأربابها عند ما وردت على البندقية وسنة ١٢٤٠ أصدرت مدينة ميلانو لأول مرة في أوروبا أوراقاً لها حكم العملة الحقيقية. ولعل النادي يطبع خطبه ومحاضراته تعميماً لفائدتها.</passage>
<license>Distributed under a Creative Commons Attribution-ShareAlike 4.0 International (CC BY-SA 4.0) license</license>
<source>https://github.com/tillgrallert/digital-muqtabas/blob/master/xml/oclc_4770057679-i_25.TEIP5.xml retrieved via Canonical Text Service http://cts.informatik.uni-leipzig.de/muqtabas/cts/ with CTS URN urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.25.TEIP5:</source>
</reply>
</GetPassage>
