<?xml version="1.0" encoding="UTF-8"?><GetPassage xmlns="http://relaxng.org/ns/structure/1.0" xmlns:a="http://relaxng.org/ns/compatibility/annotations/1.0" xmlns:tei="http://www.tei-c.org/ns/1.0">
<request>
<requestName>GetPassage</requestName>
<requestUrn>urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.24.TEIP5:</requestUrn>
</request>
<reply>
<urn>urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.24.TEIP5:</urn>
<passage>العدد ٢٤ بتاريخ: ١ - ١ - ١٩٠٨ حالتنا العلمية والاجتماعية حري بنا والربح الأول من القرن الرابع عشر ينتهي بانسلاخ هذا الشهران نذكر بعض ما تم للبلاد العربية في خلاله من أسباب النهوض وتحسين الملكات والارتقاء العلمي والأدبي فنثبت من ذلك ما نعرفه عن مصر والشام بالعيان وما يبلغنا عن بلاد القاصية من ثقات من رحلوا إليها او اطلعنا عليه فئة من أهلها فنقول: كان حظ مصر من هذا الارتقاء عظيما إذا قيس بالخطوات التي خطتها الاقطار الأخرى ومصر لاتزال منذ سقوط الدول الأولى محط رحال العالمين والمتعلمين ومقصد أهل الإسلام من أهل أفريقية وأوروبا واسيا وجزائر المحيط. فقد زاد فيها عدد المتعلمين وبعد أن كانوا واحدا او اثنين في المئة أصبحوا الان نحو عشرة وزاد المتأدبون والقراء ايضا فبعدان كأنت الجرائد لايتنأولها أكثر من الفي قارئ ومعظمهم لايكادون يفقهون مايقرأون زاد عددهم زيادة كبرى حتى جاوزوا فبما احسب ثلاثين ألفاً وكثير منهم يعقلون ما يلقى عليهم كما زاد تحسين الصحافة العربية وأخذ تجري على مثال الصحافة الغربية وصار لها صوت وتأثير في الأمة. وعلى تلك النسبة نما فريق الكتاب والأدباء والمعربين والمصنفين بعد أن كان الكتاب في مصر أواخر القرن الثالث عشر يعدون على الأصابع معضمهم ضعاف يكثر في كلامهم اللحن والركاكة كما تقل الأفكار السديدة ولو لم يكن المصريون منصرفين إلى تولي أعمال القضاء والإدارة والطب والهندسة في الحكومة لرأيت الكاتبين والمفكرين منهم أكثر سواداً وأعظم نفعاً ولكن الأمال معقودة بان يزيد عددهم ويكثر الانتفاع بثمرات عقولهم وتجاربهم في الربع الثاني من هذا القرن أصبح بعضهم يشعرون بأن الاعتماد في تعليم أبنائهم على الحكومة وحدها ليس من السداد في شئ ومتى أخذت الوظائف كفايتها من العمال يغدو المتعلمون وقد سدت في وجوههم الأبواب في الحكومة فلا يعود أمامهم غير الصناعات الحرة ومنها القيام على التأليف والكتابة وهي من المعايش التي يزهدون فيها الان ساعد مصر على النهوض انتشار الحرية وكثرة احتكاك الأهلين بالأجانب فنشأ من ذلك نشئٌ أن لم يكن في الغاية بتعلمه فهو أهل للعمل لو درب عليه. وعرف أكثرهم منزلتهم ومنزلة قومهم من القصور فهموا أن يعملوا وحاولوا أن ينفعوا وأصبح الناس يبحثون في الشؤن العامة أكثر من ذي قبل وإن كان بحث عامة الناس في الشؤن السياسية عقيم في الاغلب والجرائد هي السبب في غرس هذا الميل في نفوس القوم فهي المدرسة اليومية بعد المدارس الأميرية والأجنبية والكتاتيب الأهلية ولطالما أكثرت من ترديد عبارات التحميس والنقد والتنديد والنعي والعويل ففعلت اقوالها في الاذهان بقدر تأثير كتابها حتى خاف العقلاء أن تكون الاراء السياسية مشغلة للقوم عن النظر في شؤن التجارة والزراعة والصناعة. وقد أخذت بعض الجرائد الخطيرة تحاول سد هذه الثملة فإنشأت تكثر من نشر الموضوعات الاجتماعية والتاريخية والأدبية على نحو ماتفعل الصحف في بلاد الغرب. وكما كان للجرائد العربية تأثير في الأفكار فقد فعلت فعلتها في الألسن والأقلام بإستعمالها الكلام الفصيح كل يوم بحيث علق من تراكيبها ومطلحاتها جملة صالحة صار العامة يدمجونها في تضاعيف كلامهم وخطابهم وترقت بواسطتها لغة الدواوين وكانت من قبل في احط دركات الركاكة. نشأ لمصر مهندسون وأطباء وقضاة متعلمون كأحسن أبناء صنفهم في بلاد الغرب لولا أن رجالنا يصابون في الأكثر بشيئ من الفتور ووقوف عقيب سن الدراسة قد يعوقهم ةعن الجري في العمل بعد أن يستوفوا النظريات ولولا ذلك لرأينا من أثارهم في نشل أبناء بلادهم من سقطتهم أكثر مما رأينا. وأبناء مصر لايزالون مقصرين فيما يربى النفوس على حب العمل الحر النافع ولم يقبلوا حتى الآن على اتقأن العلوم الزراعية والصناعية وما ينبعي لهم إقبالهم على الحقوق مع شدة حاجة القطر إلى الزراعة قبل كل علم. ويسرنا أن نرى كثيرين من المصريين يقصدون بلاد الغرب للتعلم قي مدارسها وبعضهم من أبناء الاعيان وكيفما كأنت الغاية من تعلمهم فهم فخر من مفاخر بلادهم ولابد أن يكون السابقون مقصرين فيما يجب عليهم أتباعه والاضطلاع به بداءة بدء ولكن الجيل المقبل سيكون انشط في عمله واسراع إلى تلقف مايلزمنا من مدنية أوروبا وما يضر بنا منها وهو كالصدأ عليها وعقلاء أهلها ينادون بالتخلي عنه في كل شارقة وبارقة. قلت أن الجرائد أثرت في نهضة المصريين ولم أقل المجلات لأن هذه مقصورة على طبقة خاصة من القراء وبعضها منتشر خارج القطر أكثر من انتشاره داخله لأن العمليات والاجتماعيات والدينيات والأدبيات ليس لها في نفوس العامة تلك المنزلة التي يجدها القارئ فيما يقرأه للتفكهة من الأخبار والمناقشات السياسية ويجده منه قيد النظر ويكبر فيه الأماني. على أن لبعض المجلات الكبرى التي ظهرت في مصر على قلة انصارها فضلاً كبيراً في التعليم والتربية. ومن الترقي في الأفكار أن بعض أهل الجمود ممن كانوا لايقولون بتلاوة الصحف والكتب الحديثة أخذوا يقرؤنها اضطراراً وسمحوا او تسامحوا بمطالعتهم فكان من أثارها أن عرف بعض طلبة العلوم الدينية تقصيرهم في الأخذ من علوم الدنيا بحظ وافر يعينهم على فهم اسرار الشريعة ونشأ من هذه الحركة أن دخل شئٌ من الإصلاح طفيف على طريقة التعليم في الازهر وادخل في قاعة دروسه من علوم الرياضة وتقوم البلدان والتاريخ وفن الأدب ما كانت تلك المدرسة الكبرى محرومة منه زمناً طويلاً. وانه على عقم طريقتها إلى الآن يرجى أن ينشأ منها ناشئة يفضلون بما تعلموه اخوانهم الذين سبقوهم خصوصاً وقد وفرت العناية بمدرسة القضاء الشرعي ودار العلوم وهما من انفع المدارس لاتمام دروس من يتخرجون في الازهر وانشأت مدرسة أبي العباس المرسي في الأسكندرية تخرج من طلبة الدينيات من لهم مشاركة في شيئ من علوم الدنيا. فكان مشايخ العلوم الدينية وكانوا لايسفون للتنازل إلى تعلم ما فاتهم من أسباب العلم بزمانهم رأوا الآن وقد قامت المدارس المنظمة على طريقة الأوروبية بعض التنظيم تنازعهم فضل تربية الأمة وأعداد رجالها أن لامندوحة لهم عن دعوة صغار الطلبة ولو بلسان الحال أن ينظروا نظراً اجمالياً فيما لاغنية عنه من علوم العصر. فعسى أن تتم للناهضين من هذه الأمة امنيتهم من الاهابة بالمتعلمين إلى الأخذ من علوم الدنيا والدين على حد سواء ثم يتمحص منهم من يريد أن يتمحص لفرع من الفروع التي تجد فيها له الغناء. ومن قرأ تاريخ أوروبا في القرن السادس عشر يجده كتاريخنا في هذا الربع الأول من القرن: عراك بين القديم والحديث وقلة اتقأن لهما كليهما والنفوس أخذة بالشعور تلوب على ما يليها نهوضاً. وإدراك الفرد نقصة وسعيه إلى كماله ولو اخطأ الطريق بادئ بدء فأل خير وبشرى سعادة. والقول أول مراتب العمل والشك أول درجات اليقين. ولا بقاء لهذه الأمة إلا إذا ابقت على النافع من قديمها ولم تستهن به واضافت إليه من الحديث مالا عهد لها به وفيه قوام اجتماعها. ان اختلاط مصر بالغرباء والإفرنج منهم خاصة ممن كثر إقبالهم عليها أكثر من كل بلد يتكلم أهله بالعربية اللهم الا الجزائر وتونس وتعلم جانب من ناشئتها في مدارسهم واتقانهم للغاتهم وذهاب أهل السعة منهم كل صيف للاصطياف في أوروبا وإرسالهم بعض أولادهم يغترفون من معين العلم في مدارسها وشلن - كل هذه الأسباب دخلت مصر في طور البلاد الإفرنجية ولاسيما حواضرها وأمهات مدنها حيث يكثر المتعلمون وأهل اليسار وتصدر الصحف والمطبوعات ويجتمع الموظفون والمزارعون والمضاربون وأهل التجارة. ومما يعد في باب الارتقاء في الفكر الديني بفضل ما انتشر بالطبع من أمهات الكتب الدينية وتناقلها الايدي على اختلاف الطبقات أن أخذ بعض العامة دع عنك الخاصة يدركون أن في بعض معتقداتهم شوائب وفي الكتب المعتمدة في القرن الماضي من مؤلفات المتأخرين اغلاطاً لا بدّ من نزعها والرجوع فيها إلى الأصول الصحيحة. وهذا الاعتقاد سرى في النفوس لأسباب منها انسيال تيار الفلسفة الجديدة واحياء الأمهات من أسفار السلف وانتبهاء أهل العقول إلى أن الرجوع بالناس إلى الأصول خير من الضلال بها في مهامه الفروع المشوبة والمعتقدات الضارة. وقد دخلت المطبوعات في دور جديد فبطل بعض الطبع السقيم وأخذ أرباب المطابع يحأولون تجويد الطبع وانتقاء المصنفات النافعة فاحيوا كثيراً من الأمهات القديمة في الشريعة والأدب والتاريخ كما ترجمو بعض المترجمات الجليلة في الحقوق والطب والكيمياء والطبيعة والاجتماع والقصص. وكان الفضل في تحريك نفوس المسلمين هنا وايجاد حركة أدبية بينهم لأحد أرباب النفوس الكبيرة والحكمة ونعني به السيد جمال الدين الافغاني فإنه هبط مصر في الربع الأخير من القرن الثالث عشر ولقي فيها من بقايا أهل العلم والذين تعلموا في أوروبا من ساعدوه على قبول دعوته وكأنت العجلة من طبعه يريد التاثير والإصلاح مباشرة ولو لم يكن كذلك لدل الأمة أكثر مما دلها على معاييبها ووصف لها من أسقامها بنغمة لم تكن تالفها وقد نفعت دعوته في تهيئة الملكات فربى له رجالاً يغلبوا عليهم النشاط والعقل في الجملة ومنهم أكبر مريديه الشيخ محمد عبدو الذي ووفق إلى تولي منصب الافتاء فكان له فيه أعظم تاثير ومضى ذهاء عشرة سنين على مصر كان فيها زعيم الحركة الإصلاحية كما كان شيخة جمال الدين من قبل ومن أعظم أثار الشيخ المفتي إنشاء الجمعية الحيرية الإسلامية وهي عمل نافع تثلج له الصدور وتقر العيون. أما القطب السوري فكانت حركته العلمية والأدبية جيدة على الجملة ولاسيما في بيروت مدينة العلم والمدارس في الشام ومركزها الحركة العقلية التي نشأت في الحقيقة بفضل مدارس مرسلي الأمريكان والفرنسيس وطبعتيهما العظيمتين وسائر المطابع والجرائد التي نشات فيها أواخر القرن الماضي وبعده وثلت من الافاضل الذين خدموا العربية خدمة نافعة كفإنديك وورتبات وبوست والبستاني والاسبر والأحدب واليازحي والحوراني والشرتوني وشيخو وبلو واضرابهم الثائرين على أثارهم. ومما ساعد على تحسين الاذواق ببيروت ولبنان كثرة ولوع سكان الجبل بالهجرة إلى أمريكا منذ أوائل القرن كما أولع اجدأهم الفينيقيون بها من قبل وعودة بعضهم بأموال أقاموا فيها القصور والمباني على النسق الغربي وحأولو العيش على المناحي الإفرنجيه وجلبوا معهم عادات ومعارف جديدة نفعت في إنشاء ملكاتهم وادابهم. والفلاح السوري على الجملة أرقى من الفلاح المصري واذكى منه ولكن أهل الطبقة الوسطى والعليا من المصريين أرقى من أهل جنسهم في الشام وقد سرت من حب الهجرة شظية إلى داخلية سوريا وهب المسلمين إلى الاغتراب بعد أن كان المسيحيون وحدهم يضربون في اكناف الأرض ولاسيما في أمريكا ومصر كما سرت عدوة العلوم الحديثة وحب تعلم اللغات الأوروبية ولكن هذه الجراثيم ما زالت قليلة الانتشار بينهم. ممن كان لهم اليد الطولى في الدعوة إلى تصحيح الأفكار في سوريا ولاسيما في دمشق وأعمالها الشيخ طاهر الجزائري فإنه نفع بتآليفه وإرشاده وخطبه في الاندية الخاصة حتى كان سبباً في إنارة عقول جمهور كبير من المتعلمين والمتأدبين والمتصدين للنفع والتدريس فكان العضو العامل في إنشاء المدارس الابتدائية في سوريا واحياء كتب السلف بعد أن بددهم الخلف وجعلها في خزائن عامة كالمكتبة العمومية في دمشق وغيرها. ولكن سوريا منيت بالمراقبة على المطبوعات فهجرها أكثر المفكرين والكاتبين من أبنائها بحيث صح أن تدعى سوريا مدرسة وميدان العمل مصر وأمريكا وغيرها. ولأن لم يأتي المسلمون في سوريا إلى الأن في عمل يدل على فضل وعقل فإن الانتباه للذي حدث في هذا العهد يدعو إلى الأمل بانه سيكون منه عما قريب أحسن أثر يعود على البلاد بما ينفعها في مادياتها ومعنوياتها. ومتى ايقن المرء بجهله تعلم والجهل البسيط خير من الجهل المركب ونريد للجهل البسيط هو أن لا يعلم صاحبه ويعلم أنه لا يعلم والجهل المركب هو أن لا يعلم ولا يعلم أنه لا يعلم. هذا في العلوم الدنيوية أما العلوم الشرعية فقد قل المشتغلون بها كثيراً لأن الناس مفرطون على حب المنفعة العاجلة. وذلك أن فريق المتعلمين رأوا العلوم الشرعية أصبحت لا يرزق صاحبها منها بقدر رزق صاحب العلوم الدنيوية فرغبوا عن الأولى إلى الثانية وفشا فيهم داء الاستخدام كمصر فضعفت بذلك العلوم الإسلامية التي كانت تعد دمشق وحلب مثلا من أمهات مدنها وأسواقها في العصور السالفة. وإذا تقدمنا إلى العراق نجده يشبه حال الشام وإن بقي له شئ من العلوم القديمة ولم يأخذ من الحديثة بقسط وافر على أن ذكاء العراقي ونشاطه معروفإن موصوفإن ولا يبعد إذا تهيئت أسباب واحدة للقطرين الشقيقين أن يسبق العراق الشام. ومثل ذلك يقال في نجد واليمن والحجاز فإن الذكاء موجود في أهلها على اتمه ولكن أسباب التعلم ضعيفة جداً والعأقلون العاملون لا يهتدون إلى طريقة تنفتح أمامهم سبيل الوصول. وأقليم نجد ما برح على الفطرة حتى أن علوم العربية ضعيفة فيه وليس هناك غير العلوم الشرعية من الفقه الحنبلي وغيره مما بثهُ فيهم أمامهم محمد بن عبد الوهاب في القرن الثالث عشر وكانوا من قبل فيه جاهلية جهلاء وهم لا يزالون بعيدين عن تعلم العلوم العصرية مع كثرة تجول بعضهم في الاقطار المجاورة في التجارة ورؤيتهم في الهند ومصر وغيرهما من أثار العلم الغربي ما يبهج ويدهش. وكذلك الحال في اليمن إلا أن العلوم الإسلامية على كثرة الفتن هناك ما فتئت بين الزيدية أرقى مما هي في غيرها من الاقطار وهي منحطة عند غيرهم ويمتاز عامة أهل نجد واليمن عن عامة غيرهم بمعرفتهم المبادئ الأولى التي هي أساس لما بعدها بحيث أن عامتهم يشاركون اعلا طبقات العلماء في المبادئ الصحيحة حتى أن كثيراً من عامتنا بل من علمائنا يتوهمون في كثير من عامتهم بانهم علماء فخواصنا أرقى من خواصهم وعامتهم أرقى من عامتنا. والحجاز ما برح كما وصفه الكتاب العزيز واديا غير ذي زرع كما أنه لا يزال واديً غير مخصب بالعلم والأدب وإن كان كما قال لي أحد الثيقات بانه قد ينزل في علماء كبار ولكن يقصدونه للعبادة والتخلي عن الدينا لا ليعملوا ويجدو فترة فيه الافغاني والهندي والمغربي وغيرهم ممن صرفوا اعمارهم في النافع واحبوا أن يختموها بالعبادة. أما السواد الأعظم من السكان هناك فبعيدون الان عن التغيير ولعل السكة الحجازة متى وصلت بلادهم ببلاد الشام تنقل إليهم من وراء البحار ما تستنير به عقولهم كما ستنقل إليهم الغلات والثمار. هذه أحوال جزيرة العرب من الارتقاء وهو احرى كما رأيت أن يدعى وقوفا. واما شمال أفريقيا فحالتها ليست الا دون ما يرجى فإذا نظرت إلى المغرب الأقصى ترى الفوضى السياسية تمزق احشائها منذ سنين بل منذر اعصار والقول الفصل فيها لمشايخ الطرق منذ خمسة قرون وليس لعلماء الدين الحقيقين سلطة تنفع أما العلوم العصرية فعدومة بالجملة وإذا نظرت إلى فاس وغيرها من أمهات مدن العلم في ذاك الصعق الواسع لا تجدها قد اختلفت شيئا عما كانت عليه منذ قرون اللهم إلا في انحطاط العلوم الدينية مع أن المغرب الأقصى من أوروبا على قيد غلوة ولكنه ضرب دونه ودون المدنية باسوار منيعة وحرم أهل الشأن فيه. ما لم يحرمه دين ولا عقل كقراءة الكتب الجديدة والصحف بل وصل الغلو بهم إلى تحريم تفسير القرآن لخيالات يتخخيلونها من قراءته. وإذا جئت المغرب الاوسط وهو الجزائر ترى العلوم الإسلامية منحطة فيه والعلوم الجديدة ليس منها شيء إلا في المدارس الفرنسوية على قلة جدواها ولم يصل منها إلى أهل البلاد النافعين في انهاضها غير نور ضئيل جداً لان أكثر الدول المستعمرة تذهب إلى أن العلم يرفع ريقتها عن المسعمرين وكذلك الحال في المغرب الادنى وهو تونس وبرقة أي طرابلس وما والاها من بلاد الصحراء إلا أن أهل تونس هم بالنسبة للمغربين المجاورين لها أرقى في العلوم الدينية والدنيوية. وجامع الزيتونه يكاد يكون أرقى من الجامع الازهر على أن تونس كانت منذ القدم تعنى بالعلوم الإسلامية أكثر من غيرها من الاقطار وحسن الترتيب بين التوانسة في طريقة التعليم قديم العهد كيف لا وهم في الا كثر من نسل الفينيقيين وجالية الأندلسيين. ويرجى لهم بعد أن نفس عنهم الخناق بعض الشيء أن تنفعهم الحرية فيفكر قادتهم لهم وإن ما نسمع به ونراه من الصحف والجمعيات التي أكثروها من تأسيسها مؤخراً ليدعونا إلى الرجاء بأن يكون الربع الثاني من القرن أحسن فائدة وأكبر عائدة عليهم أن لم يعاودهم الضغط والمراقبة. هذه الحال البلاد التي يتكلم فيها باللغة العربية بقي السودان وزنجبار وحالهما حال سائر البلاد العربية واضعف وكنا نأمل لأهل زنجبار أن يكونوا كأهل اليمن في العلم والانتباه والاندري ما احاق بهم حتى تأخروا عن اللحاق بهم. وإذا احصيت العرب لا ترأهم يقلون عن خمسين مليوناً ولو قست حالهم العلمية والمادية بأصغر الشعوب الأوروبية كلبلجيك او هولانده او سويسرا لبكيت وانتحبت هذا ولغة العرب ينطق بها نحو مئتينيوخمسين مليوناً فهي أقوى اللغات واضعفها اقواها بأساسها الثابت المتينيواضعفها بأهلها المشتتين. فنسأل الله أن يهيء لهذه الأمة من يرشدها ولا خير لها الا من نفسها لان سيادتها وكبراءها ناموا عن رعايتها. مصائب المكاتب ليس أعز على عالم من كتب وأوراق كتبها هو أو كتبها هو غيره ولذلك نجد المصنفين في كل عصر ومصر يختارون أجود الورق وأثبت المداد وأجمل الخطوط تخليدا لجدهم وحرصا على بنات أفكارهم أو أفكار من عاصرهم أو تقدمهم ولما كان لكل شيء في العالم عمر طبيعي يقضيه حيوانا كان أو نباتا أو جمادا لم تخرج الكتب عن حد كونها عرضة للفناء وإن طالت أعمارها أكثر من غيرها في عالم الكون والفساد بيد أن المصيبة بها جليلة لأنها ثمرة عقول البشر وزبدة أقوالهم وأفعالهم، وأفضل ما في المرء عقله ولا يتم له حفظ ثمراته في الغالب إلا بكتاب. حدثت الكتب في الإسلام في أواخر القرن الأول ولم يمض قرن أوقرنان حتى عدت بالأولوف وصار لها شأن عند القوم بعد أن كانوا أمة أمية لايقرأون ولا يكتبون قيل أن الكتب التي كتبها أبوعمرو بن العلاء المتوفي بعد الخمسين ومائة عن العرب الفصحاء قد ملأت بيتا له إلى قريب السقف ثم أنه تقرأ أي تنسك فأخرجها كلها وفي رواية أحرقها فلما رجع إلى علمه الأول لم يكن عنده الا ما حفظه بقلبه ومعلوم أن أصحاب السلطان في الإسلام عنوا بأقامة الخزائن وتسليبها على المطالعة والمراجعة والنسخ ينتابها خاصة الناس وعامتهم لندرة الكتب وعزة الظفر بها إذ ذاك وقد أصاب تلك الخزائن ما أصاب غيرها من مخربات العمران وأقلها التجريف والتمزيق والضياع والتفريق ولذلك طالت لها الحسرة وهلاك فرد لا يوازي هلاك أفراد وإن عد الفرد أحيانا بأمة وكذلك الحال في الكتب فإن ذهاب مكتبة أومكاتب برمتها لا يشبه ذهاب كتاب أوبضعة كتب وأهم المآتم التي أقيمت على الكتب الإسلامية ثلاثة. الأول يوم دخل هولاكو سنة ٦٥٦ إلى بغداد وقتل الخليفة العباسي وأزال الخلافة جملة وخرب دار السلام فألقيت الكتب في دجلة حتى قيل أن لونه مائه على غزارته بقي أياماً أسوداً مكمداً بما تحلل فيه من مداد الأسفار التي ابتلعها وبالغ المؤرخون فيما ذهب في تلك النكبة ويكفي بأن بعض تلك الكتب التي نهبت من بغداد والشام والجزيرة على زمن هؤلاء التتر قد أنشأ بها نصير الدين الطوسي أحد فلاسفة الإسلام خزانة عظيمة اتخذها بمراغة في القبة والرصد الذي أنشأه هناك فيجتمع فيها زيادة على أربعمائة ألف مجلد. والمأتم الثاني يوم دخل الإفرنج مدينة طرابلس الشام في الحروب الصليبية فأحرقوا مكتبها بأمر الكنت برترام سنت جيل وكان قد دخل غرفة فيها نسج كثيرة من القرآن فقضى بإحراق المكتبة كلها وفيهأعلى ما قيل ثلاثة ملايين مجلد. وأصاب البلاد غير هذين الرزيتين ما أصابها من الخراب بأيدي التتر وأهل الصليب. والمأتم الثالث نكبة الأندلس وداهيتها الدهياء فقد وقعت كتب المسلمين في أيدي أعدائهم وقد أعمأهم الجهل والتعصب فجعلوها طعاماً للنار. قال قوندي في تاريخه إن مسيحي إسبانيا لما استولوا على قرطبة حرقوا كل ما طالت إليه أيديهم من مصنفات المسلمين وعددها مليون وخمسون ألف مجلد جعلوها زينة وشعلة في يوم واحد ثم رجعوا على سبعين مكتبة في الأندلس وأنشئوا يتلفون كل ما عثروا عليه في كل أقليم من مؤلفات العرب. وقال أحد مؤرخيهم ربلس أن ما أحرقه الأسبانيول من كتب الأندلسين بلغ ألف ألف وخمسة آلاف مجلد. وذكر بعض المؤرخيون أن أحد جثالقتهم أمر بإحراق ثمانين ألف مجلد في ساحات غرناطة عقيب استيلائهم عليها وأنهم قبضوا على ثلاث سفن قاصدة مراكش تقل ما عزّ على المسلمين أن يخلفوه ورائهم من أسفارهم فألقوها في قصر الأسكوريال ثم لعبت فيها النيران وبقيت منها بقية رتب فهرستها أحد مسيحي سورية وجعلوها إلى اليوم مكتبة ينتابها علماء الأرض وكان بقي منها على عهد من رتبها ١٨٥١ سفرا. وقد ادعى قوم أن المسلمين حرقوا كتب الأمم الأوائل وأنه أمر عمرو بن العاص بإحراق مكتبة الأسكندرية وفيها قسم كبير من حكمة اليونان وغيرهم من الأمم الخالية وإنهم حرقوا مكاتب فارس في خلال الفتح وأن عبد الله بن طاهر قائد المأمون حرق في خراسأن سنة ٢١٣ ما كان باقياً من مؤلفات المحبوس إلى غير ذلك مما يتذرعون به من الحجج وهو من الحجج وهو مردود عند أهل التمحيص ونقدة الأخبار. ولو كان لما ادعوه ظل من الحقيقة لذكر قدماء المؤرخين من المسلمين ذلك ولو بإشارة طفيفة. ولماذا يا ترى لا نرى لهذه الدعوى ذكراً فيما بين أيدينا من كتب التاريخ كابن جرير والمسعودي والبلاذري وغيرهم كما أنا لا نجد لذلك أثراً في كتب سيرة العمرين وكان على مؤلفيها لو كانت رويت هذه الأخبار لهم من طريق صحيحٍٍٍٍٍٍ وتوارت في زمانهم أن يعدوها في باب مناقب الخليفة الثاني ويوردها بسلامة صدر على عادتهم في بعض أخبارهم بل كان على أصحاب الكتب الستة مثلا أن يفردوا لإحراق الكتب باباً لو كان صدر من بعض الخلفاء الرأشدين مثل هذا العمل كل هذا لم يرد شيء منه في تضاعيف كتب الثقات وإنما هم الوضاعون وضعوا هذا الخبر كما وضعوا مئات مثله وألصقوه بالأمام فتلقفه من لا عهد له بوضع الأخبار على محك النقد من مؤرخي القرون الوسطى قضية مسلمة وراح بعضهم يتذرعون به إلى النيل من الأئمة بإحراقهم الكتب ليحولوا دون العقول والأخذ من علوم الأوائل وكل مانسب للمؤرخين المتأخرين منقول عن القفطي من أهل القرن السادس ولايبعد أن يكون تلفقه من كتب الواعظين وتابعه عليه من بعده. يؤيد ذلك ما مُني به المسلمون من التفرق إلى شيع يضاد بعضها بعضاً وما ثبت في التاريخ من أن الحريق طرأ على هذه المكتبة مرات قبل الإسلام ولما فتحت الأسكندرية في الصدر الأول لم يكن في مكتبتها من الكتب ما يدعو إلى مد يد الفاتح إليها بشيءٍ من الأذى والحرق ولذا لم يذكر هذا الخبر أحد من معاصري الفتح من المؤرخين سواء كانوا من الروم أو غيرهم. هذا ما وقع للكتب العربية من النكبات العامة في القرون الوسطى وقد وقع لها ما بعده نكبات أعظم وأدهى نريد بها جهل القوم وزهدهم فيها ومفاداتهم بها ويبعثها بثمن بخس لكل طالب. وما زال الشيوخ من أهل هذا الجيل يحدثوننا بما وقع لكتبنا في مصر والشام وأقله السرقة والحرق الإختياري ويبعثها من الدلالين لينقلوها إلى الأجانب. حدثني ثقة أن دلال كتب في دمشق كان يغشى منازل أهل العمائم ممن يعرفون بين القوم بالعلماء ويختلف إلى متولي خزائن الكتب في المدارس فيبتاع منها ما طاب له من كتب القوم المخطوطة بأثمان زهيدة إذ لم يكونوا يحرصون إلا على كتب الفقه وكانوا أبيع من إخوة يوسف لكتب التاريخ لأنها كذب بزعمهم والكذب لا ينبغي أن يوضع في قماطرهم وخزائنهم وهناك فنون كثيرة تلحق فن التاريخ بالطبع وهي كتب الحكمة والأدب. قال وقد ابتاع معظم هذه الكتب قنصل ألمانيا إذ ذاك بما يساوي ثمن ورقها أبيض وبقي سنين يتلقطها من أطراف سورية حتى اجتمع له منها خزانة مهمة رحل بها إلى بلاده فأخذتها حكومته منه وكافأته عليها والغالب أن معظم ما في مكتبته برلين العربية هو من بقايا الكتب. التي كان يعدها أولئك المتعالمون أضاليل وأباطيل والتخلص منها بدارهم معدودة خير وأبقى. ومثل هذا وقع في كثير من بلادالشرق العربي ولاسيما القاهرة فإن ما تدورك أمره وجمع في خزانة الكتب الخديوية هو غيض من فيض. وكذلك ما جمع في خزانة الكتب العمومية في دمشق وما بقي في بعض مدارس حلب وغيرها وما أظن إلا أن حظ سائر البلادالإسلامية كان كحظ هذين القطرين في كتبه لأن الداء واحد وهو عموم الجهل. أما مكاتب الأستانة وهي نحو أربعين مكتبة الآن ويبلغ ما فيها نحو مائة ألف مجلد ففيها النفيس الذي لا خطر له ولكنها مغلقة تأكلها الأرضة ولا ينتفع بها وكثيراً ما سطا عليها شياطين الأنس من الغربيين وابتاعوا بعضها من القوّام عليها لقاءَ ريالات يرضخون بها ولا يزال معظمها في حكم العدم وتوشك إذا دامت كذلك أن تفنى مع ما فني وترحل مع ما رحل. إلا فلتعمر مكاتب موينخ وبرلين وستراسبورغ وليبسيك وليدن وفينا وبودابست واكسفورد ولندن وباريز والأسكسوريال وبطرسبرج ونيويورك وشيكاغو وغيرها من المكاتب العامة والخاصة فإنها هي التي عرفت قدر ما احتقرناه وبواسطة رجالها يحيا كل كتاب انتقل إليهم وينتفع به ولو بعد حين وآمالنا في انتشار مدينة الإسلام على يدنا وإن كنا نود مشاركة أولئك الغيومرين في أحياء مدينتنا وصاحب الحاجة أولى بها. نظام العمل لا أرى إنساناً يصف نفسه بأنه يقتلها في العمل خليقاً بأن يكون حكمه معقولاً لأن العمل في ذاته لا يقتل بل هو على العكس شرط الصحة وموازي القوى. إذاع في العهد الأخير أحد الدعاة إلى نزع الملكية المتحمسين المخلصين بأن دور السعادة أتى وأنه سيكفي المرء بعد الآن أن يعمل كل يوم ساعة وثلثاً ليقوم بحاجاته الخاصة ويوفي ما للمجتمع عليه من المطالب. وهو نظر في المستقبل لم أحفل به بتة إذ لم يقع من قلبي موقعاً لعلمي بأن الأنقطاع عن العمل اثنين وعشرين ساعة وأربعين دقيقة هو مما يؤدي بالإنسانية إلى مواقع الضعف الطبيعي المحزن والغفلة التي تغشى الأبصار والبصائر سيئاتها. هذا إذا لم أقل أن هذه البطالة والإغراق في عدم استعمال قوانا ربما يدفعاننا إلى السقوط فيما سقط فيه أسلافنا الأول من الوحشية. على حين نرى العمل اليومي الطويل ضرورياً لتجديد قوانا وهو منظم غريب في جهادنا العصبي فعلينا والحالة هذه أن لا نتطال إلى الأقلال منه بدون تبص. لا يموت كبار العاملين شباباً كما يموت أسوأ الخاملين والأمراض السارية لا تبقى على النساء المنقطعات عن العمل وتتنأول الرجال المجدين في تعاطي أعمالهم. وكذلك الحال في رجل له دخل يعيش في إحدى الولايات فتراه لا عمل له إلا أن يقرأ جريدة ويذهب ليتفرج على مرور القطار السريع تراه يشيخ بسرعة على نحو ما يشيخ ذاك الطبيب من معارفي وهو يستيقظ الساعة السابعة صباحاً من نومه ويذهب ليقوم بوظيفته في المستشفى ثم يلقي درساً في المدرسة الطبية ويسأل المرشحين في الفحوص ويطب عشرين مريضاً أحسن تطبيب ويكتب عشر رسائل ويدير دفة أعمال المباحث في معمل كيماوي ويرأس لجنة طبية وينشر كل سنتين أوثلاث سنين مجلداً ممتعاً من قلمه. نعم إنك لترى الشعوب المفرطة في الكسل مهما كان هواءُ بلادها جيداً يموت منهم أكثر مما يموت من الشعوب المتوفرة أبداً على تعاطي الصناعات. ومن المحق أن من الصنائع ما يضر بالصحة تعاطيه. والمرءُ قد يمرض لأنه استنشق زمناً غباراً أو أبخرة مضرة مهلكة. ولا يختلف اثنان بأن للعمل العقلي والعضلي شروطاً وأرى أن أنصح للعاملين بما لديَّ من النصائح لأعلمهم أن لا يعرضوا أنفسهم للأعياء والأعنات. ولابدَّ لي أن أقول في فاتحة كلامي لمن اتخذوا الكسل شعاراً أن كل حاسة من حواس الإنسان إذا انصرفت زمناً إلى الراحة تهزل على أن الحاسة التي تعمل على الدوام تحفظ وتزداد وتكمل. يقول علماءُ منافع الأعضاء أن صرف القوى بالعمل المعتاد يكاد لا يدرك إذا كان قانونياً ويعوض النوم والغذاء ما فقد منها. وأن المرء إذا كان صحيح الجسم وجرى في تدبير صحته على قاعدة معقولة يقوم بعمل يوازي على الأقل يومي العمل المقنن في العادة وهو ما تراه نقابات العملة الآن مغايراً للمعتاد وذلك بدون أن تنفذ قواه. وأرى أن هذه الكمية من العمل هي في الواقع نافعة لقوام البنية الحيوية القانونية. نشر الأستاذ لاندوزي في مؤتمر السل الأخير خلاصة أبحاثه المهمة التي عُني بتحقيقها هو واثنين من تلاميذه المسيو هنري والمسيو مارسيل لأبي وأورد الصورة التي يغتذي بها في العادة العملة الباريزيون. فدلت تحقيقاتهم على أن معظم العاملين بقوأهم يبذلون تقريباً من الدراهم ضعفي ما يقتدي لغذائهم اليومي وأن انتقاء أنواع الأطعمة كما هو الآن ينافي كل المنافاة قواعد تدبير الصحة الغذائية وهي مبادئُ قلما يعنى بها علماء الاجتماع لهذا العهد. ومن المحقق بعض التحقيق أن العمل الصناعي إذا قام به المرءُ وعمل فيه التركيب النامي على حد الكفاية لا يستلزم شيئاً من التعب العصبي الكثير لأنه يكاد يجري على وتيرة واحدة بدون وساطة الفكر الاختياري ولا تتعب سوى المصاعب التي لم تنتظر والصعوبات غير المألوفة لأنها تستلزم من القوى تطبيقاً جديداً لتجري نحو غاية تحدث ولم تكن متوقعة فالطعام القليل الذي يسوءُ انتقاؤُه وكميته هو الذي بتعب الجسم ويمرضه نعم أن الضرر نشأ من الإفراط في استعمال المقويات الرديئة والمهيجات والكحول وفساد المسكن وازدحامه وقلة نفوذ الهواء إلى محل العمل حيث يعمل العامل مع إخوانه ممن يكونون مصأبين بالسل. ولقد أحسن من سنوا قانوناً لعمل صغار الأولاد إذ دل الإختبار على أنه لا يتأتى إكراه الأعصاب التي لم تتكامل على العمل الطويل بدون أن يحدث فيها ضرر ويستندون في ذلك على أن عظام الأطفال تكون أخذة بالنمو. ولكن رجلاً بالغاً صحيح الجسم يحسن ما يعمل من الصنائع ولا يسمم جسمه في حانة بما يتنأوله من المشروبات الروحية لا يتعب بمقدار ما يكون عمله منتظماً. يذهب المديرون للطبقة العاملة الأن إلى اعتبار العمل اليومي أسراً وظلماً ينبغي الخلاص منه بالسرعة الممكنة. وهذه المزاعم منافية من كل وجه لمبادئِِِ علم منافع الأعضاء الحديث الثابتة المحسوسة إذ ثبت أن العمل مبعث السرور والصحة يطيل فينا حبل الحياة وينهضنا من خمولنا وبدونه لا يتأتى لنا أن نعيش في المجتمع. أليس العمل هو السبيل الوحيد الذي ينسينا شقاءَنا فلا نفكر في الأمنا ويحملنا على مداواتها بأن نلجأ إلى بعض الرفاهية والدعة. من شأن المؤثرات الخارجية أن تديم أعصابنا على أنكماشها فالقوة البشرية فينا تنشأ من قوة الإدراك بالحواس لا لتعمل تلك القوة عملها وتفنى في مكانها بل لتصدر عنا وتقوم بما قدر لها وتتبع الأعمال بنتائجها. ولا بد من الوقوع في خطر إذا تركت تلك الحاسة تتجمع في مراكز أعصابنا فالفتور يؤدي بادئ بدء إلى الغضب ثم ينتهي بالهزال. فعلينا والحالة هذه أن ندعو إلى حب العمل فإنه مصدر القوة المتجددة النامية والرضى والأمان. وعلينا أن نعني كل العناية بتحسين حال العمل وتعميم قواعد تدبير الصحة في الحرف الشاقة وأن نطالب بتطهير المعمل والمسكن ونضاعف عدد المطاعم الصحية الرخيصة وأن نغلق أبواب كثير من الحانات وأن نلقن العملة مبادئ التمدن ونعلمهم أن يعيشوا بعقل وحشمة وأن لا ينهبوا حياتهم نهباً وأن نجعل لهم سلاحاً يجاهدون به البؤس والمرض وأن نصرح على رؤُوس الملأ ولو ساءَ ذلك بعضهم بأن من يفتري بأن العمل مذلة ومنقصة كاذب في مذهبه ختار في مبدأه. يظهر أن نوع العمل الذي اعتاد الناس أن يدعوه عقلياً لأنه يستدعي شيئاً من الجهاد العصبي هو أقل موافقة لقواعد الصحة وأقل نفعاً من عمل الحقول والمعامل. فحياة من يقضون أوقاتهم في الغرف فيها ما يعوّد التركيب النامي على كسل الأعصاب وليس فيها بوجه من الوجوه ما يبعث النشاط في إسقاط المسممات وقلما يطعّم طعاماً أو يشرب شراباً ويدخن وهو يعمل. فمن يقضي نهاره في أماكن ضيقة غير معرضة للهواء ولا يجري من أنواع الرياضة إلا ما يأتيه كل يوم من القفز إلى الحافلة ليصل بها إلى داره لا شك إنه يصاب بوجع المفأصل وما إليه من الأوجاع الكثيرة ولا تلبث حواس الإفراز مثل الأحشاء والكبد والكلية أن تتدرن فلا تعمل عملها وينتهي ذلك بفساد الصحة عامة والهرم العاجل. فإذا كان من يعمل بعقله حامي الرأس بارد الأرجل ضعيف المعدة متداعي الأحشاء رخو الأعصاب ضعيف السوق فهو بلا مراءٍ عرضة أكثر من عامل المدينة والحقول لسوءِ الهضم والبدانة والصلع والنقرس وضعيف المجموع العصبي ولأمراض كثيرة سببها البطءُ في التغذية. هذا حظ العاملين بعقولهم ممن يعملون لغيرهم ولا يتحملون أقل مسؤولية أما من يعملون بعقولهم ويديرون حركة أشغالهم فيكون لهم خيرها وشرها وخلها وخمرها فأولئك أناس تضطرهم الدواعي إلى إجهاد القوى والدقة وتجديد جُدة الأرادة والخوف من السقوط والقلق مما يأتي به الغد ويكثر المصابون بضعف المجموع العصبي من أرباب الأشغال العقلية من مثل المهندسين وأصحاب الصنائع والسياسة والشبأن الذين يستعدون لتقديم الأمتحانات أو الدخول في المسابقات. ولقد كنت لأول أمري مثل كثير من رصفائي في طب الالأم العصبية أذهب إلى أن ضعف الجهاز العصبي كان ينبعث في الغالب من الإجهاد في العمل والإفراط فيه أما الأن فقد علمت بالتجربة خمس عشرة سنة أن الإعتقاد بأن أهم سبب في المتاعب العصبية ناتج في الأكثر من عمل مؤَثر وغم وشدة الجد وكد الذهن في موضوع مخصوص والعمل القلق والمؤثرات من الأفكار والملقيات في الإضطراب والتذبذب من مثل النظر إلى الغاية وتوقع الثمرة. فمن ورثوا عن والديهم مرض النقرس والأعصاب هم عرضة للتألم من الحياة خاصة فتسوّد أيامهم في عيونهم وتبهظهم فيستطيلون حياتهم فتنحل قوأهم الدماغية. وبهذا عرفت أن طريقة العمل هي التي تولد الأعياءَ لا العمل نفسه. يتظاهر الإنكليز السكسونيون أن تبدو عليهم إمارات العجلة والقلق ولا يتجلى الإضطراب على محيأهم وأن يسلكوا مسلك التؤدة والعقل. ومن المحقق أن برودة الطبع في الظاهر تكره صاحبها على استعمال السكون في الباطن وتقمع الجهاز العصبي. فقلة الصبروالخمول والحمية تجيءُ بالتعود والمران أكثر مما تنشأ بعامل الطباع والأمزجة ومن يتأمل يتضح له أن السيئات التي تحملها لنا حوادث الحياة يكون شرها الأصلي لا بذاتها بل بالكيفية التي نحلها منا ومعظمها لا يفعل فينا إلا بقدر تجسيمها في أنفسنا. على أن من يعملون قليلاً هم الذين يعجلون في استنفاذ قوة حواسهم العصبية وذلك لأن تثأقلهم عن العمل يلقي في قلوبهم الخوف حتى ليغصون بالماءِ الفرات ومن يقع في نفسه أنه قام بكل ما يقدر عليه يتوقع أبداً والسكون رائدة نتيجة اجتهاده الذي قلما يضيع بأسره. والحال سواءٌ في الأعمال العقلية والأعمال اليدوية وجميع أعمال حياتنا على أنواعها وفي جملتها الحب وما يتصرف عليه لا تتعب إلا إذا كانت متقطعة نادرة أوغير مألوفة وعارضة بدون تسلسل بينها. والعادة والميل يزيلان مفعول المؤَثرات العصبية. ولقد بحثت قديماً في حالة المشاهير والطريقة التي يجري عليها كبار المفكرين من كتابنا في حياتهم فما رأيتهم يتوقعون أن يوحى إليهم من السماءِ بالخواطر والأفكار بل إنهم كانوا ينشدونها بطول الثبات وانتظام أعمال انتظاماً تاماً فكان أعاظمهم يبدأُون بعملهم كل صباح في ساعة معينة على نحو ما يشرع المستخدمون في مكتب تجاري بعملهم وكان دوام تحديقهم في شيءٍ واحد يضاعف أفكارهم بحيث تكون عالية عظيمة وكان الصبر الطويل عند معظمهم أول الملهم القويّ في عقولهم وقد عمروا إلا قليلاً منهم أمثال بالزاك الذي قتلته همومه وزولا الهالك بعارض طرأَ وموسيه قضى من تعاطي المسكرات وبولير وجول دي كونكور والفونس دودى وموباسان قضوا نحبهم عقيب أمراض طرأت عليهم عرضاً وما قط نسب موتهم قبل استيفاءِ سني حياتهم للعمل الذي كانوا يتعاطونه؟ وهنا نأتي على التدأبير التي تعين العاملين فلا يلاقون نصباً ولا صباً. فاعلم أنه ليس أحسن في شرع العمل من توفر المرءِ على عمله وأن ما يجلب التعب في العمل الطبيعي أوالعقلي هو كيفية تعاطي العمل أي أن اجهاد الذهن وحصره في موضوع يعطي المرءَ قوة فعلى الأرادة ريثما يستحضر الذهن ويشرب حب الميل إلى العمل الذي ينوي استخراج شيءٍ منه أن تتوسط في الأمر للحال لتستدعي انتباه الفكر واجتماعه وهذا مما يجلب التعب ولكن متى تهيأ سبيل الموضوع الذي يقضى الشروع به ومتى أعددت للموضوع عدته وأسبابه يجري العمل فيه بذاته ويعمل الدماغ فلا يعود يتأثر بالفكر وحصر الذهن فعلى المرء والحالة هذه أن يعمل بمضاءٍ وتسلسل ويجدر به أن يحاذر استنزاف قواه. خيرٌ لمن لم يرزق أرادة ثابتة وقوَّة أدبية عجيبة ومن لم يؤت فضائل سامية خارقة أن يعتاد عادات نافعة فإن العادة الحسنة والضارة سواءٌ في تأثيرهما في النفس. وبعد فلنتعلم تنظيم حياتنا بتدقيق وأن نجلس إلى منضدة العمل كل يوم في وقت معين ليتراكم الدم من ذاته في دماغنا ويستعد لعمله وتعد المعدة جهازها الهضمي للطعام وتجوع من نفسها في الوقت المعين لغذائها. حقاً ما قيل أن العادة طبيعة ثانية بل هي قوة جميع الضعفاء وهي سر الأقوياء إذ أن أرباب العقول الكبيرة يكرهون أنفسهم عليها عند ما تحدثهم نفوسهم بإبراز تأليف مطول ممتع. قال موسو الإيطالي عند كلامه على التعب أن أطالة الفكر في موضوع واحد تضاعف في قيمة الوقت مضاعفة خاصة. وهو كلام لطيف لأنك ترى الإنسأن في تعاطي العمل ثلاث ساعات شديدة التي تأتي بها المداومة على الفكر النافع يعمل عملاً أكثر وأحسن من عمل عشرين ساعة متقطعة وتفكر لا طائل تحته وفي أحلام مختلفة غير مقررة التي يقضي فيها المرءُ وقته في انتظار الوحي والإلهام. ولقد كانت طريقة مشاهير كتاب العالم على هذا النحو ومعظمهم لم يصرف أكثر من ساعتين أوثلاثاً في عمله اليومي أما سائر ساعات الفراغ فكانوا يقضونها بالطبع في التدبير وهو من توابع الأعمال العقلية. وهنا مجال لأن أبين أنه ينبغي تدبير الصحة ومن اللازم على ابن الكتابة أن يتربص كل يوم بعص الرياضة العضلية مخافة أن يتسخ التركيب النامي كله وفي جملة ذلك الدماغ الذي يتحتم إحراق فضلاته وإسقاطها فإن المشي وركوب الدراجة والإرتياض والفروسية نافعة لأرباب العقول على شرط أن يعتدل فيها فلا يكون في معاطاتها تعب عضلي يزيد التعب العقلي. وجميع حركاتنا الإختيارية ناشئة من قشرتنا الدماغية. وإني لا أعرف أناساً فرطوا كثيراً في حصر أذهانهم في السباق فأضاعوا قوّة أفكارهم وعلينا أن لاننسى أن الحركة العضلية ينبغي أن تجري بالطبيعة لادخل للأرادة فيها ليحسن أثر الرياضة ولا يقع المرءُ في الإفراط. وعلى المرءِ أن يلتزم القصد للغاية تحامياً من الوقوع في بطاءة التغذية والربالة ووجع الأعصاب وتجمد الشرايين وجميع ما يجري هذا المجرى من الأمراض فإن الأطعمة المعتادة والخمور الجيدة والمشروبات والإفسنتين كلها مما يورث حواسنا أذى كبيراً فتغير الدماغ وتضر بالإعتدال والصفاءِ وحضور الذهن وإذا ثارت في متعاطيها ثائرة الغضب تورث رأسه ثقلاً وسباتاً مضراً فإن الإفراط وسوء الهضم مضران بأرباب العقول الكبيرة لما أنه ثبت أن جميع كبار كتابنا على التقريب اقتصروا على تنأول الماءِ ولم يتعاطوا المشروبات الروحية. أما العفة التي يراها بعضهم غير ضرورية للقرائح فإنا لا أراها إلا نافعة فإن المرءَ الذي يقضي حياة طيبة في العمل لا تأتيه المفاسد والإستهتار إلا بالضرر وهي إمارة نقص فيه أما الحب الشريف فإنه يرفع قدر الإحساس ويسمو بالنفس وينبه الأرادة للإنتقال من عمل إلى آخر. ارتقاء الفكر ترجمة مقدمة كتاب أمانية الحديثة ونشوؤها إذا قيس العصر الحاضر بالقرون الوسطى فأول ما يبدو للناظر كالشمس الرائعة ازدياد مقدرة البشر في خلال القرن الأخير. ولعلَّ في الناس من يرتاب في تقديم الإنسانية من هذا الوجه فيقول أن ابن اليوم إذا قيس بابن أمس فليس أسعد منه حالاً ولا أوسع عقلاً ولا أكثر أمناً وطمأنينة. على أننا نعتقد اعتقاداً لا تردد فيه بأن القوة المشتركة التي يتمتع بها المتمدنون ويكافحون بها عناصر الوجود قد زادت زيادة كبرى. فتنسى للذكاء الإنساني أن يخطو خطوة عظيمة خلال القرن التاسع عشر في سبيل تسخير القوى الطبيعية وحسن الانتفاع بها والتغلب عليها. فغدا المرء لا ينظر للعالم على ما كان ينظر إليه ابن القرون الغابرة ولايشعر بمثل شعوره نحوه سابقاً بل ارتقى عقله وأي ارتقاء وتقدم كما يقول نقدة كتبه الألمان فصار كل شيءٍ ذاتياً في الإنسان. عرفت القرون الوسطى بعدم استقلال شعورنا وبتبعيته لقوى الوجود التي تربو على قوانا كثيراً. وإذا حللنا العقل الذي أخذ يقوى حوالي القرن الخامس عشر يثبت لدينا بأن ما يزيد في مساحة الخلاف بيننا وبين أهل القرون السالفة نشأ من عدم توفقهم إلى معرفة مبدأ تحليل عناصر المادة وتعليل المسببات. نحن نقول بوجود رابطة سببية مستحكمة بين جميع الظواهر الحسية بدون استثناء ونسعى جهدنا بما لدينا من التجارب أن ندرك جميع هذه الصلات والأسباب والنتائج حق الإدراك. ولا نزال في حال عدم اطلاعنا على تلك الصلة موقنين بوجودها وأن العلم الناضج يتمكن من تحليلها وتعليلها. وهذا اليقين الأساسي هو الذي نقص ابن القرون الوسطى. فكانت معرفته بالعالم الخارجي ضيقة النطاق ولم يكن لديه كما لابن هذا العصر تجارب جمة مبنية على قواعد راهنة منظمة بنظام معقول ومرتبة يبحث عن شرح الأسباب وتعليلها بل كأن يكتفي كل حين في باب التبصر في وجوه الأمر وكشف غامض كل سر يعرض في فضاء الظواهر بأن يعللها بأقيسة مختلفة وقد تكون سطحية لا قائمة على استدلال مدقق واستنتاج متيني وأي شيءٍ أعجب مما كان عليه ابن القرون الوسطى أمام مجموع حوادث ما زالت ضيقة المضطرب علمته العادة أن يميز فيها بعض النظام فجزم من تلقاء نفسه بوجود عالم المعجزات والخوارق وبأنه فسيح المدى غير خاضع للنواميس الطبيعية على قربه منا وفي مكنته أن يفرط كل حين السلسة القانونية من هذه الظواهر. وأي شيءٍ أعجب من حال ابن القرون الوسطى وقد فقد الحلم الحسي المنظم فكان من قلة اختباره أن أثر فيه كل التأثير ما ورثه من الحكمة التقليدية. وأي شيءٍ أعجب من مذهب قائم على الاعتقاد بالخوارق ومؤسس على سلطة تقليد قديم يستولى على العقول وتلزم به الأذهان والأرادات بقوة لا تغالب. أما العقل الحديث فيختلف عن ذلك كل الاختلاف. وذلك أن العقول كانت في القرون الوسطى تذل برضاها أمام سلطة التقاليد وتعترف في كل مكان بالخوارق وبتأثيرات السحر والتنجيم والأمور الغيبية المطلقة التي تشير إلى أن هناك قوى سامية في عالم الكون والفساد. غير أن العقل الحديث غدا أكثر استقلالاً وامتد فضاءُ التعقل في الإنسانية أيما امتداد وأخذت تجاربه الكثيرة تنظم وصار لها قانون تكثر به وتزيد وانتشر العلم والميل العلمي على موازاة ذلك. وحل بالتدريج الاعتقاد بالمقدور محل الاعتقاد بما فوق الطبيعة وقام البرهان بالاستدلال المسدد مقام البرهان بالقياس. وانتظمت إذ ذاك معرفة العالم معرفة مبنية على العقل والتجارب التي ما زالت تكثر وتتم ولاسيما في خلال القرون الثلاثة الأخيرة. فألقت الرياضيات الميكانيكة في خلال القرن السابع عشر والثامن عشر بما قام به من الاكتشافات العظيمة كل من (سيمون ستيفن) و (غاليلة) و (نيوتن) و (ديكارت) و (لايبنز) و (أولر) و (لابلاس) وخرجت العلوم التجربية أيضاً في أواخر القرن الثامن عشر من دور الشك والحيرة وبدأ تاريخ الكيمياء الحديث بلا فوازيه كما بدأ علم الكهرباء بكالفإني وفولتا. وفي خلال القرن التاسع عشر نضجت المواد واتسعت الآراء في المجموع الميكانيكي في العالم وعرف العقل الإنساني تصور جميع العوامل الطبيعية في الوجود والأعمال الميكانيكة والحرارة والصوت والكهربائية كانها مرادفات كثيرة مختلفة ترجع إلى شيءٍ واحد وأنها قوة سياسية تظهر متحدة الذات والمعنى بنفسها في جميع الظواهر الطبيعية. وهكذا برهن العقل البشري على وحدة قوى الطبيعة وأثبت أن القوة في كل مكان على تباين أشكالها تخضع لناموس القواعد الأساسية في الطبيعيات ولقانون حفظ القوة وبقائها ومعرفة المادة. ثم توسع أكثر من ذلك في اكتشافاته فحاول أن تعم هذه القوانين الطبيعية العضوية وأظهر في أحد الأجسام البسيطة التي لاتتجزأ بأن الكربون وهو الجسم الغريب الذي يدل على تكون المجموع الحيوي وتنوعه إلى ما لأنهاية له بأنه يمثل أساس الكيمياء في الحياة (رأي هيكل الألماني) واكتشف في الخلايا البسيطة الفردة جسماً حيوياً صغيراً تتولد منه باجتماعه المتصل جميع الأنسجة التي تتألف منها التراكيب النباتية أو الحيوانية وتوصل العقل الإنساني بنظرية النشوءِ التي كان تنبأ بها الشاعر كيتي في أواخر القرن الثامن عشر وقررها داروين سنة ١٨٥٩ بأن قدّم لعلم الحياة (بيولوجيا) مسألة التحليل والتركيب وأعلن بأن العالم إذا أخذ بمجموعه فليس إلا نشوءاًًًًًًً دائماً من المادة. ولكن العقل لم يقف عند حد العناية بشرح العوالم المؤسسة على مبادئ تعليل الأشياء ولم يكتف بالنظريات بل تعداها إلى العمليات فأصبح يعمل ويوجد. فكان كلما أحسن معرفة النواميس الفعالة في حوادث أيضاً أخضع قوى الوجود إليه وأدخلها تحت نظام وترتيب وشغلها فيما ينفعه فكما أنه أوجد العلم فقد رتب الفنون العقلية. وكأنت الفنون القديمة تجربية صرفة يعرف الصانع كيف يتصرف بما لديه من المصنوعات جارياً في ذلك على الطريقة التي تعلمها ممن سبقه وذلك لأن معلمه نقل إليه بالعمل الطرق التجربية وعلمه كيف ينبغي له أن يتعاطى العمل ليتمكن من صنع الشيء الفلاني. وكان على جهله بنواميس الوجود يطبق طريقته في العمل بدون أن يعرف في الأكثر كيف تبلغ به النتيجة المطلوبة وعلى أي وجه تسير. وكثيراً ما كان يعثر بالعرض على طريقة جديدة للوصول إلى الغاية المنشودة من أسرع سبيل فينبغي في الحال مجموع قوانين الفن بقاعدة جديدة يخلفها لأعقابه وأخلافه ولكن مجموعة القوانين التي اهتدى إليها بالصدفة وانتقلت إليه من أسلافه لم تبرح على الدوام طريقة تجربية اكتشفت عرضاً لا مجموعاً حسن التنسيق بالمعارف المبنية على العقل المؤَيدة بالعلم والتجربة. وبعد فإن مما تمتاز به الفنون الحديثة التوسع كل حين باستبدال العلم المبنيّ على العقل بالعلم الذي كان يقوم على النظر وإحلال الطريقة العلمية محل الطريقة التقليدية فمن ثم كان من توابع معرفة الوجود معرفة علمية أن عدلت جميع الفنون التي برزت في شكل أعرق في الحداثة والجدة. ما هي الغاية التي يرمي إليها علم الوجود؟ إنه يعنى بالذات أن يُرجع اختلافات الكيفية إلى اختلافات الكمية وبإيجاد طريقة رياضية توضح بإسلوب تام إحدى الظواهر الطبيعة وأن يرجع جميع ظواهر الحياة العضوية في ذاتها إلى حركات تكون أكثر تركباً من المواد الأولية التي ما كانت تختلف في جواهرها عما تتألف منه الأجسام غير الآلية. حتى أن العلم الحديث على اختلاف أشكاله ميكانيكية كانت أو طبيعة كهربائية أوكيماوية وغيرها ترمي إلى أن تسقط في كل مكان العوامل الحيوية لتسنعيض عنها بعناصر ميتة فتبدل مثلاً القوة المحركة الإنسانية أو الحيوية بقوة البخار أو الكهرباء وتستبدل عوامل الحديد أو الفولاذ أي الأدوات بالعملة الذين خلقوا من لحم وعظم وتستعين عن الحأصلات الآلية والطبيعية كالخشب والألوأن النباتية والأسمدة بحأصلات غير آلية وصناعية كالفحم الحجري والفحم وفحم القلي النيلي والأسمدة الكيماوية. فأصبحت الإنسانية بذلك على التوالي معروفة المقاصد لا تعلق لها بشيءٍ مستقلة عن المسافة أو الزمن غير تابعة للكفاءات الطبيعة أو الكسبية من مثل رشاقة اليد وحدة البصر والسمع والذوق والشم ولا وقفاً على فئة خاصة من الناس بل تجري بدقة شديدة لا تتغير حركتها وأعني بها الآلة والأداة. ولم تقتصر الإنسانية على الإستسلام لا حوال الزمان والمكان التي جعلت نمّو الأحياء الحيوانية والنباتية الطبيعي تحت تصرفها ولكنها انتجت الحأصلات التي أرادت إيجادها بأن ركبت تركيباً صناعياً من العناصر والقوى التي لها. ولم يقف الأمر عند حد صناعة دقيقة يوشك سرها أن يضيع بل أصبح ذلك من الاكتشافات التي لا نزاع فيها النافعة في علوم البشر على مر الأزمان كلها وبين ظهراني جماع الأمم. وهكذا بلغ انتشار العلم والفنون العقلية في قدرة الإنسان وتسلطه على الطبيعة إلى التي لاتصدق ودخل القلب والإبدال على أسلوب العلم بأسره وتنأول فهم أسرار الحياة والعالم. كنا نقول بأن الإنسان شعر في القرون الوسطى بأنه مستقل بالذات بعد أن كان خاضعاً في جميع أطوار حياته المادية والروحية لله أو لتعاليم الكنيسة حل تام لا جدال فيه لجميع المسائل العويصة في مسائل ما وراءِ الطبيعة وهذا الحل أوحى به المولى بالذات فكان على ابن تلك القرون أن يقبل ذلك بدون نظر أو مما حكة فيه. فقانون الأخلاق مفروض عليه كانه أمر إلهي وما عليه إلا الخضوع له صاغراً. وكان النظام الإجتماعي مؤسساً على تعاليم قديمة له صفة نصف مقدسة فيخضع الإنسأن في جميع أعماله المهمة في حياته لأمر صادر من قوة وأرادة أسمى من قوته وأرادته لا يسعه معها إلا الخضوع المطلق والاستسلام التام. بيد أن حالته هذه من الخضوع لسلطة خارجية هي التي تعدلت كلما أيقن المرءُ بقوته ولقد مضت القرون والنصرانية تأتي أبناء الغرب بقواعد تكون المادة وتشرح النشوء تأتي أبناء الغرب بقواعد تكون المادة وتشرح النشوء التاريخي وتأويل معنى الحياة وتسن السنن وتشرع الآداب. مضت قرون وكانوا يضعون الإيمان في رأس كل شيءٍ وكلما ازداد انتشار العلم العقلي والسلطة المنظمة التي يوليها هذا العلم تزداد ثقة المرء بنفسه فأصبح العلم من ثم خصماً للإيمان وراح العقل يعجب بما أوتيه من آيات الغلبة وكتب له من أسباب الفلج والنجح طامحاً إلى أن يحل محل الدين في كل ما له علاقة بالحياة البشرية وطامعاً أن ينزل المقام الأول من صحيفة أعمال الناس. وما جاء القرن السابع عشر والثامن عشر حتى أدت الحركة العقلية إلى تأليف مبادئ واسعة وانتهت بإنشاء فلسفة ديكارت وسبينوزا ولايبنز وطفق العقل ينزل منزلة القاضي المسيطر على الحق وأخذ على نفسه إنشاء مذهب يجري عليه العالم وُعدَّته ما رزقه من نور المعرفة مستقلاً عن كل سلطة نازعاً من كل تقليد ووحي. وفي أوائل العهد الحديث أعلن الفكر الألماني على روؤُس الملأ بلسان (كانت) و (فيختي) بالمبدأ العظيم في استقلال الأرادة فعكس العلاقة التي كانت مقبولة إلى ذلك العهد بين الدين والأخلاق. وكان اللاهوت الأدبي القديم يرى مبدأ الأخلاق في الأرادة الإلهية ويخضع الأرادة البشرية لأرادة الله وهذا ما رآه (كانت) أدباً مختلف القانون قائماً على مبدأ السلطة وقضى عليه بكل جهده حاكماً بأن الأرادة الخالصة المقررة خاصة بحدود العقل الصرّف تكون وحدها الفاعلة العاملة فيه بما تسنه لنفسها بنفسها من قانون تجعله مبدأ كل أدب حقيقي معلناً بأنه ليس في الأرض سلطة لها حق التسلط على الحرية البشرية وأن المرءَ يشرع لنفسه ويقنن لإجتماعه وأنه إذا خضع لقانون الأدب فإنه يخضع بذلك لعقله الخاص فكان من (كانت) أن تم على يده في دائرة اللاهوت الأدبي عمل قريب المأخذ وفتح بذلك عصراً جديداً في تاريخ الوجدان الأدبي وبفضله تم للإنسانية استقلالها وللعقل تحريره. وأنشأت الإنسانية بعد ذلك تتناغى بهذا العقل وتؤيده بمضاءٍ دائم وفضت زيادة على ذلك الاعتقاد بأن الشخص المفكر العامل لا يعترف بسلطة فوقه يجب عليه الخضوع لها وزاد في ابن العصر الشعور بأنه لا يجب أن يخضع بل أن يدير وينظم ووطد نفسه على تجشم المشاق في استخراج خيرات الأرض بقوة الفكر وعلى العمل لتنظيم الحياة في كل مظاهرها بقانون العقل وذلك من حيث الأخلاق والاقتصاد والاجتماع والسياسة. وقام الفيلسوف نيتش ونادى بإنكار الألوهية في فلسفته الذاتية العصرية على صورة متطرفة غربية ولم ينكر من يقول أهل اللاهوت بوجود بل مجد المولى الفاعل الذي يعتقد به علماءُ ما وراءِ المادة وأخذ يدعو الإنسان أن يبقى (مخلصاً للأرض) وأن يطرح جانباً كل اهتمام بمسائل الآخرة وأن يفهم بأنه هو موجد الأشياء قائلا أن ليس فيما عداه حقيقة مرئية أدبية أوطبيعية يجب عليه الخضوع لها بل عليه أن يشرع لنفسه شريعته حراً مستقلاً. وأن ليس في العالم إلا مركز قوى لاتزال في نشوءٍ وهي أبداً في تفاعل وتدافع يؤَثر بعضها في بعض. فالجد في إحراز الحول والمنعة المتزايدة على المدى تلك المنعة التي تُخضع لسلطانها جزءاً عظيماً من القوى هو العمل الرئيسي في الحياة العامة. وبذلك صح قولنا أن المباينة تمت على أشدها بين العقل في القرون الوسطى والعقل اليوم. فصار المؤمن وهو يشعر من جهة بأنه محاط بأسرار وأعاجيب ويخضع مختاراً لسلطة التقليد الديني والأدبي والعملي ومن جهة ثانية يرى الشيطأن المريد الذي لا بعترف أصلاً بقانون ولا يد فوقه ويرى في الجهاد المتوأصل لإحراز المنعة أنه هو حظ الإنسان على الدوام بل قسط الإنسانية من العالم أجمع. وإذا عارضت على هذه الصورة بين السلطة القديمة والذاتية الحديثة فلا أدعي بحال من الأحوال أنني أثبت أن لأحد هذين الرأيين في الحياة قيمة خاصة به تسمو منزلتها عن الأول ولا أن أحدهما يجب بطبيعة الحال أن يختلس مكان الثاني ولا أن التاريخ يدلنا على أن ثمت نشوءاً دائماً لا حد له نحو (الذاتية) العقلية. وغاية ما أريد أن أقول أن المرءَ في العهد الحديث ولاسيما في خلال القرن التاسع عشر أحس من نفسه بأنه اتسع في صدره على نسبة كبيرة الشعور بالقوَّة المنظمة للذكاء وللأرادة الإنسانية فصرف همته من وراءِ الغاية إلى إحراز القوَّة العلمية أو الفنية والاقتصادية أو السياسة فالجهاد ربما كان أعظم حادث في القرن التاسع عشر وبه تمت الغلبة للعقل العلمي المستقل على ما عداه. على أنه من الثابت أن الغريزة الدينية التي كانت تخضع الأرواح في القرون الوسطى للأسرار الإلهية وتحملها على تبجيل هذا التقليد في الدعوة الربانية وتخنعها للعبادة والخضوع للنظام العام وتحملها على الخضوع لقانون العالم بل على الخشوع المحترم أمام معميات العالم لا بالسلطة والعنف_هذه الغريزة لم تبرح تسمع لها إلى عهدنا ركزاً. يعمل ابن العصر بما فيه من قوّة على تسخير العالم لذكائه وأرادته وهو يفاخر بقوَّته ولكنه يظل محساً بما في نفسه من ضيق مضطربة في الإستيلاء على المادة ولم سيما في القوى اللامتناهية المخوفة التي تحيق به ويشعر بها في النفس التي تتجلى من التقاليد العظيمة الدينية أوالأخلاقية السياسة أو الاجتماعية مضيفاً هذا إلى سنن السلوك التي أملاها العقل. يهم البحث في حالة ألمانيا في القرن التاسع عشر من وجهتين وذلك لأن الألمان كانوا في أوروبا الشعب الذي أبلى بلاءً حسناً في خدمة الفنون العقلية والأرادة المنظمة والأمة التي تفتحت بينها (الذاتية) الحديثة على أدهش صورة وهم مع ذلك من الأمم التي حفظت للفكر الديني والاحترام التقاليد الدينية قوّة أكثر من غيرها. فقد ساعد الفكر الألماني كل المساعدة على أنتشار العلوم الحسية وأحكام التفسير العقلي للعالم. فإنتظمت القوّة الألمانية على طريقة حسنة المنهاج هائلة الحول والطول فقصدت بجد لا نظير له إلى إحراز القوّة الاقتصادية والقوّة السياسة. بما أصبحت به ألمانيا إحدى الدول التي هي أعظم الناس انتشاراً وارتقاءً على نحو ما هي إنكلترا والولايات المتحدة. وهكذا رسخ العقل الألماني بتأثير من الطراز الأول وأداة من القوّة ومن قلة تسامحه سلاحاً. ولطالما حاول العقل الألماني أن يتفق ما أمكنه مع السلطات القديمة وحاول في الدينيات عقد عهود التحكيم مع المعتقدات التقليدية وذلك بأن يصلح النصرانية لا أن يشتد في حربها وكان من العقل الألماني في السياسات أنه لم يجعل من كل قطعة مملكة تقوم بنظام العقل وتحافظ على التقاليد مراعياً إياها كل المراعاة وأبدى احترامه للسلطة الملوكية وتلطف فلم يعتد على الحقوق المكتسبة ولا غإلى في نشؤها السياسي الذي يؤدي إلى الديمقراطية في الأمم الحديثة. أيعد كل هذا ضعفاً أم قوة؟ سؤَال فيه نظر. يعجب بعض الناظرين من استمرار النشوء السياسي والديني في ألمانيا ويرون من أعظم المنافع التي نالت هذه الأمة أنها لم تأت على قديمها فتدكه من أساسه وبهذا لا يستبعدون بأنها ستظل في تقدمها على النحو الذي نحته آمنة العوادي والصدمات باحثة وظافرة عن قانون يقبله السواد الأعظم في المعضلات الديمقراطية والاشتراكية أو الإقطاعية والإكليريكية. ويرى آخرون على العكس من ذلك بأن ألمانيا اليوم وهي على إغراقها في أعداد معدات الحرب وشدة احتفاظها بإقطاعاتها وثقافتها في بسط سلطانها وتغإليها في فلسفتها العقلية وولوعها بإحراز السلطة واحتجأن المال مزدرية بالديمقراطية أو الإنسانية بحيث أصبحت نأقلة بنظريات الأفكار في وسط أوروبا الحديثة القديم الذي كان من حقه أن يضمحل إلى هذه القرون الحديثة وربما لا تلبث أن يصيبها قريباً تغيير عظيم يكون عليها شديداً. وهذا أمر طالما تنأوله النظار بالبحث وإلى الأن لم يسفر عن نتيجة. اللغات الإفرنجية لهجت بعض الألسن في منافع اللغات الأوروبية ومضارها في مجتمعنا عقيب أن قام صاحب المؤيد في الجمعية العمومية في الربيع الماضي وناقش ناظر معارف مصر في وجوب تعليم العلوم في المدارس الأميرية باللغة العربية فكان من أثر ذاك الحوار أن بطلت دروس الأشياء وجعل تدريس علم تقويم البلدان باللغة العربية في المدارس الإبتدائية كما شرع بتعليم الرياضيات في السنين الأولى من المدارس الثانوية باللغة العربية أيضاً. فقام بعض الناس متخذين من هذا الإصلاح حجة على قلة غناء اللغات الإفرنجية زاعمين أن في العربية ما يكفيها من العلوم. على حين كان ما دعا إليه الداعون من التدريس بالعربية لمقصد آخر أُريد به أحيله لغة البلاد إذا درست العلوم بها وإشراب نفوس المتعلمين حب أمتهم ليعم النفع مما يتعلمون لا التنفير من تعلم اللغات الإفرنجية التي لا يمتري عأقلأن في وجوب تعلمها على فريق كبير من الناس ولاسيما من تصدوا للنفع والتأليف والكتابة على نحو ما يفعل علماء اليابأن فيتعلمون الإنكليزية كما يتعلمون لغتهم الأصلية. نقول تعلم اللغات الأجنبية وما أحرانا أن نقول إتقانها لأن المبادئ البسيطة منها قد لا تفيد المتعلم إلا توهمه أنه أصبح من العارفين. فإن تعوذ علماؤنا قديماً من نصف فقيه ونصف صوفي ونصف كاتب ونصف شاعر فما أحرانا أن نتعود من ناشئ يتعلم طرفاً من لغة لا يستفيد منها ولا يفيد. وليس معنى هذا أنه يتحتم وجوباً على كل متعلم للغة أجنبية أن يكون فيها مؤلفاً خطيباً كاتباً مترجماً فهذا مناف لسنة الكون ولكن المطلوب أن يعرف الناس في تعلم إحدى اللغات الأوروبية القدر الذي يؤهلهم للانتفاع منها في التجارة وأعمال الإدارة والقضاء والعلم. ولا مشاحة في أن أكثر من تعلموا اللغات الأجنبية من أبنائنا لم يتقونها وأن حذقوها فلا يكون لهم من المعرفة بلغتهم ما يستطيعون معه أن يعبروا به عن أفكارهم وينقلوا إليها ما يعوزها من علوم الغرب وحضارته. بيد أن اللغة وأن أتقنها صاحبها لا تنفعه وينتفع بها النفع المطلوب إلا إذا أضاف إليها علماً أو فناً أخصى فيه واللغة آلة لا غاية وإن كان من يتقن لغة أوروبية لا يتسنى له ذلك إلا بعد أن ينظر نظرة إجمالية في الفنون المتعارفة. أما ما يقوله بعض من لا يساعدهم الوقت على تعلم لغة أجنبية من أنه ليس في النقل من اللغات الغربية كبير أمر وأن العالم يستفيد من الوجود أكثر من استفادته مما دوّنه كبار أرباب العقول من أمم الحضارة فهذا من الآراء التي يقصد بها الاعتذار عن التقصير ومن جهل شيئاً عاداه. إذ من الثابت المقرر أننا مهما تأملنا في صحيفة الكون لا نستطيع أن ندرس فيه نظام الإجتماع ولا تقننين القوانين ولا الطب والهندسة ولا الفلك والطبيعة والكيمياء وفنون الأدب والتاريخ ورسم الأرض وغيرها من الفروع الكثيرة التي لا أسماء لها في العربية إذلم يكن للعرب عهد بها ولا تتم سعادة مجتمع اليوم إلا بتعلمها وإتقانها. ومن قال بأن أسلافنا من العرب قد أجالوا في هذه العلوم قداح أنظارهم ووضعوا فيها ما وضعوا من رسائلهم وأسفارهم فهو على صواب وخطاءٍ. وذلك أن أجدادنا قاموا بالواجب من خدمة هذه العلوم في عصر تماسكهم وانبساط ظل دولتهم إلا أنه انقطعت سلسلتها بعد القرن السادس إلى منتصف القرن الثالث عشر للهجرة وهي القرون التي كانت فيها الأمة العربية في غفلة والأمم الغربية في انتباه فأخذ الغرب عن الشرق ما عنده من حضارة وزاد عليها أضعافاً ولايزال يركض طرف عقله في مضمار البحث والاستقراء ويعاني من ضروب العلم ما نحن فيه معه أجهل من تلميذ مبتدئ بالتهجئة بالنسبة إلى عالم يكتب الكتاب ويقصد القصيد. فالأمة العربية إذا أرادت النهوض العقلي والعملي يجب عليها أن تأخذ من كل علم بالسهم الأوفر ولا يتم لها ذلك إلا بالنقل عن الأمم الغربية وهذا لا يتأتى إلا بعد أن تخرج مدارسنا الألوف من الطلبة المتعلمين على الأساليب الحديثة لينشأ لنا منهم عشرات يكونون لنا عوناً على ما ينقصنا من أسباب نهضتنا وما تشتد حاجتنا إليه. ويكاد ذلك إلى الآن يعد مفقوداً بيننا اللهم إلا طائفة من أسفار نقلها بعض المولعين بالعربية وما تيسر للمجلات تعريبه من حين إلى آخر من علوم الغرب. وكله دون حد الكفاية بكثير. قال ابن رشد في فصل المقال فيما بين الشريعة والحكمة من الاتصال: (إذا تقرر أنه يجب بالشرع النظر في القياس الفقهي فبين إنه أن كان لم يتقدم أحد من قبلنا بفحص عن القياس العقلي وأنواعه أنه يجب علينا أن نبتدئ بالفحص عنه وأن يستعين في ذلك المتقدم بالمتأخر حتى تكمل المعرفة فإنه عسير أوغير ممكن أن يقف واحد من الناس من تلقاء نفسه وابتداء على جميع ما يحتاج إليه من معرفة أنواع القياس الفقهي بل معرفة القياس العقلي أحرى بذلك وإن كان غيرنا قد فحص عن ذلك الغير مشاركاً لنا أو غير مشارك في الملة فإن آراءَه التي تصح بها التذكية ليس يعتبر في صحة التذكية بها كونه آلة لمشارك لنا في الملة أو غير مشارك إذا كانت فيها شروط الصحة وأعني بغير المشارك من نظر في هذه الأشياء من القدماء قبلة ملة الإسلام). (وإذا كان الأمر هكذا وكان كل ما يحتاج إليه من النظر في أمر المقاييس العقلية قد فحص عنه القدماء أتم فحص فقد ينبغي أن نضرب بأيدينا إلى كتبهم فتنظر فيما قالوه من ذلك فإن كان كله صواباً قبلناه منهم وإن كان فيه ما ليس بصواب نبهنا عليه فإذا فرغنا من هذا الجنس من النظر وحصلت عندنا الآلات التي بها يقدر على الاعتبار في الموجدات ودلالة الصنعة فيها فإن من لا يعرف المصنوع ومن لا يعرف المصنوع لا يعرف الصانع فقد يجب أن نشرع في الفحص عن الموجدات على الترتيب والنحو الذي استفدناه من صناعة المعرفة بالمقاييس البرهانية ونبين أيضاً أن هذا الغرض إنما يتم لنا في الموجدات بتدأول الفحص عنها وأحداً بعد واحد وأن يستعين في ذلك المتأخر بالمتقدم على مثال ما عرض في علوم التعاليم فإنه لو فرضنا صناعة الهندسة في وقتنا هذا معدومة وكذلك صناعة علم الهيئة ورام إنسان واحد من تلقاء نفسه أن يدرك مقادير الأجرام السماوية وأشكالها وإبعاد بعضها عن بعض لما أمكنه ذلك مثل أن يعرف قدر الشمس من الأرض وغير ذلك من مقادير الكواكب ولو كان أذكى الناس طبعاً إلا بوحي أوشئ يشبه الوحي بل لو قيل أن الشمس أعظم من الأرض بنحو ١٥٠ ضعفاً أو ستين يعد هذا القول جنوناً من قائله. وهذا شئ قد قام عليه البرهأن في علم الهيئة قياماً لا يشك فيه من هو من أصحاب هذا العلم (قال وهذا أمر بين بنفسه ليس في الصنائع العلمية فقط وفي العملية فإنه ليس منها صناعة يقدر أن ينشئها واحد بعينه فكيف بصناعة الصنائع وهي الحكمة. وإذا كان هكذا فقد يجب علينا أن القينا لمن تقدمنا من الأمم السالفة نظراً في الموجدات واعتباراً لها بحسب ما اقتضته شرائط البرهان أن ننظر في الذي قالوه من ذلك وما أثبتوه في كتبهم فما كان منها موافقاً للحق قبلناه منهم وسررنا به وشكرنأهم عليه وما كان منها غير موافق للحق نبهنا عليه وحذرنا منه وعذرنأهم). هذا ما قاله الفيلسوف الإسلامي في عصر كان العرب أساتذة العلم في العالم وقوله كما رأيت غاية غايات الحكمة. وما الغربيون الآن بالنسبة إلينا إلا قدماء متقدمون وبهديهم يجب علينا أن نهتدي في العلوم. وهذا لايقدح فيما خلفه لنا أسلافنا من أثارهم أيام استئجار عمرانهم واتساع سلطانهم. أما اللغات الحديثة التي تشتد حاجتنا إلى الأخذ منها فهي الإنكليزية والإفرنسية والألمانية. وفي كل لغة من هذه اللغات من أنواع المعارف ما لا يكاد يحلم به من لا يعرف لغاتهم. وليت شعري إذا كان بعض أهل الغرب والعلوم قد بلغت عندهم ما علمت من الإرتقاء الغريب يتعلمون لغات الشرق لينقلوا منها إلى لغاتهم بعض الكتب التاريخية والأدبية والأخلاقية والشرعية ويستعينوا بها على قراءة أثاره وما زبر على أحجاره أفلسنا نحن أحرياء بأن نتعلم لغاتهم على فقرنا الثابت ونقتبس منهم ما يعوزنا من علوم البشر؟ إلا أن ما نفاخر به من علم أسلافنا وحضارتهم العظيمة إنما قام بإحيائهم مدينة من قبلهم من الأمم كالروم والفرس وغيرهم ولم يتأت لهم ذلك إلا بترجمة علومهم والزيادة عليها وتحسينها فكانوا بذلك أحسن صلة وعائد بين أمم الحضارة السالفة والأمم الأوروبية الخالفة. فحضارة الإسلام أن أنصفنا قامت بفضل التراجمة والنقلة من اليعاقبة والإسرائليين والمسلمين لا بأيدي علماء الكلام مثلاً وقد كان على يد هؤلاء التشتيت وعلى يد أولئك الجمع وشتان بين المفرق والمجمع. وليس معنى هذا أنكار فضل من تمحضوا لخدمة الشريعة واللغة في القرون الأولى للإسلام وما في الناظرين من يقول بأن الخليل والجاحظ والغزالي والمأوردي هم في حسن بلائهم في خدمة هذه الأمة دون أبي الريحان البيروني ونصير الدين الطوسي وحنين بن اسحق وثابت بن قره. وما كان قط أهل الفريق الأول يحتقرون علم الفريق الثاني ولا العكس لما وقر في النفوس من أن المجتمع لا يقوم على أمتن الدعائم إلا إذا أتقن كل ذي علم عمله. قال الجاحظ: (الإنسان وإن أضيف إلى الكمال وعرف بالبلاغة وفاتش العلماء فإنه لا يكمل أن يحيط علمه بكل ما في جناح بعوضة أيام الدنيا ولو استمد بكل نظار عظيم واستعان بكل بحاث واع وكل نقاب في البلاد ودراسة للكتب وما أشك أن عند الوزراء في ذلك ما ليس عند الرعية من العلماء وعند الخلفاء ما ليس عند الوزراء وعند الأنبياء ما ليس عند الخلفاء وعند الملائكة ماليس عند الأنبياء وما عند الله عزَّ وجلَّ أكثر والخلق في بلوغه أعجز وإنما علم الله كل طبقة من خلقه بقدر احتمال فطرهم ومقدار مصلحتهم). وقال الراغب الأصفهاني في الذريعة: العلم طريق إلى الله تعالى ذو منازل قد وكل الله تعالى بكل منزلة منها حفظة كحفظة الرباطات والثغور في طريق الحج والغزو فمن منازله معرفة اللغة التي عليها بني الشرع ثم حفظ كلام رب العزة ثم سماع الحديث ثم الفقه ثم علم الأخلاق والورع ثم علم المعاملات وما بين ذلك من الوسائط ومعرفة أصول البراهين والأدلة ولهذا قال (هم درجات عند الله) وقال (يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات) وكل واحد من هؤلاء الحفظة إذا عرف مقدار نفسه ومنزلته في حق ماهو بصدده فهو في جهاد يستوجب من الله أن يحفظ مكانه ثواباً على قدر علمه لكن قلما ينفك كل منزل منها من شرير في ذاته وشره في مكسبه وطالب لرياسته وجأهل معجب بنفسه بصير لأجل تنفيق سلعته صارفاً عن المنزل الذي فوق منزلته من العلم وعائباً لما فوقه وصارفاً عمن رامه فإن قدر أن يصرف عنه الناس بشبهة مزخرفة فعل أويبفر الناس عنه فعل وإن ما في عبارة هذين الحبرين ليذكر بما يجب للمجتمع من مراعاة مبدأ التعاون والتكافل الاجتماعي وقد قال أحد كبار شيوخ العلم من المعاصرين إن مما يؤخر الشرق في العلم عدم مراعاة أبنائه لمبدأ التعاون والتكافل الاجتماعي ففيه من يحسن التفصيل كما فيه من يحسن الخياطة وليس بينهما من يضم أعمال الفئة الأولى للثانية لينتفع بها المجتمع حق الانتفاع ومثل لذلك بمن نقلوا لنا العلوم على عهد الحضارة الإسلامية الأولى فقال إنه كان يندر أن يجمع المترجم بين معرفة العلم الذي يترجمه واللغتين اللتين ينقل منهما فمن كان يجيد السريانية لا يحسن العربية إلا أنه كان يترجم ما يفهم بعبارة ركيكة أو عامية فيجئ المصححون يصلحون العبارة على الأسلوب العربي فتجئ معرباتهم من أصح ما يكون لفظاً ومعنى وعلى هذا درج ديوان الترجمة في الدولة العلوية الخديوية في القرن الثالث عشر في مصر فكان المترجم غير المصحح ولذلك جاءَ فيما نقلوه روح العربية أكثر من المصنفات التي نقلت إلى العربية حتى في هذا القرن قال وهكذا عرفت دولة العباسيين في بغداد والأمويين في الأندلس والأسرة العلوية في القاهرة أن تجمع بين من يحسن التفصيل ويحسن الخياطة فكان من هذا الجمع ما كان كما حسن النفع من كل ما تصرف تحت اسم علم. الشعر الاجتماعي ليس جميع ماخلد في بطون الاوراق من شعر شعرائنا الغابرين هو في المديح والهجاء والرثاء والغزل والنسيب والخمريات والزهديات والخلاعيات بل كان منهم ذوو أخلاق طاهرة يتأثرون بمحيطهم ويشعرون بشعور امتهم يشساركونها في الأمها وأسقامها ويسعون إلى صلاحها وإصلاحها وإن ماانتهى الينا من شعر الجاهلين والمخضرمين والمولدين أن صح اصدار الحكم عليه لقتله ليدعو إلى القطع بان معظم الشعراء اميل إلى الخصوميات منهم إلى العموميات ٠ وابوالعلاءالمعري رأسهم في تشريف الشعر والتفادي من ابتذاله وجل لزومياته من الشعر الاجتماعي الصادر عن نفس أبيه مشرفة على ما يعبث بجسم المجتمع من الشرور والغرور والقصور ولذلك لم يبرح يضرب على نغمة التنديد وكثيراً يخرجه النقد إلى الغلو واي شعر خلا من الغلو ولو خلت نفس أبي الطيب المتنبي من المطامع والتغالي في حب الجاه والغني لساغ أن يكون من مجموع حكمياته ديوان شعر اجتماعي ينفع الأمة في تكبير نفوسها وتحسين ملكاتهها ولاسيما لوكأنت الحكمة مختلطة بأجزاء نفسه اختلاطها بأجزاء روح المعري وكانت اقواله على قدر افعاله. فقد رأينا يملا الدنيا مديحا بسيف الدولة ثم يهجره ويمدح كافورا والاخشيدي لما كان يرجو أن يوليه ولاية ثم يهجوه اقبح هجو لما يئس منه فكيف يثق العقلاء باقواله وتفعل أشعاره في النفوس فغلامحمودا. وإذا تقدمنا إلى ما وراء ذينك العصرين وبحثنا في شعراء أوائل العباسية كأبي العتاهية وأبي نواس لانعتم أن نقول فيهما مأقلناه في أبي الطيب وإن كانت الزهديات غالبة على شعر الأول والخمريات متحكمة من شعر الثاني. أما من كانوا بعد ذلك العهد من الشعراء كأبي فراس الحمداني فإنك تجد شعرهم بحسب محيطهم فتقرأ في شعر هذا علو النفس والشمم وشيئامن روح الاجتماع وبحق ماقيل بديء الشعر بملك وهو أمرؤ القيس وختم بملك وهو ابوفراس وبحق ماقالوا كلام الملوك ملوك الكلام. وانك لاتجد في نفسك النشأة التي تجدها بتلاوة شعر الشريف الرضي وابن الرومي ماتجده بكلام صريع الغواني وناصح الدين الارجاني. اما ما إذا جئت تقرأ الشعر في القرون الخمسة الأخيرة وهي عصور انحظاظ اللغة وانحطاط الأفكار فتكاد لاتجد الجيد واحدا من مائة وأكثر من اجادوا في الاجتماعيات من كانوا على شيء من معرفة زمانهم من الشعراء وتأثروا بتأثر امتهم مثل تلك الزمرة من الشعراء التي سقطت الأندلس في أيامها فبكوها ورثوها او كانوا قبيل سقوطها فحذروا ملوكهم عاقبة التفاشل وبينوا لهم مواضع الضعف واي شعر واقع في النفس وافعل في أثارة الشجون من قصيدة ابن الابار لما اوفده صاحب بلنسية عندما حاصرها ملك برشلونة إلبرتغالي إلى ابن أبي حفص صاحب أفريقية التي يقول في مطلعها. أدرك بخيلك خيل الله أندلس أن السبيل إلى منجاتها درسا وهب لها من عزيز النصر مالتمست فلم يزل منك عز النصر ملتمسا وحاش مما تعانيه حشاشتها فطالما ذاقت البلوى صباح مسا ياللجزيرة أضحى أهلها جزرا للحادثاتوامسى جدها تعسا في كل شارقة المام بارقة يعود مأتمها عند العدا عرسا وكل غاربة اخجال شائبة لثني الأمان حذرا والسروراسى وفي بلنسية منها وقرطبة ماينسف النفس او ماينزف النفسا واي شعر اصدق من رقعة وجدت في جيب أبي عبد الله الفازازي يوم موته يقول فيها الروم تضرب في البلاد وتغنم والجور يأخذ مابقي والمفرم والمال يورد كله قشتالة والجند تسقط والرعية تسلم وذوو التعين ليس فيهم مسلم الا معين في الفساد مسلم اسقي على تلك البلاد وأهلها الله يلطف بالجميع ويرحم قال المقري أن هذه الأبيات رفعت إلى سلطان بلده فلما وقف عليها قال بعد ما بكى صدق رحمه الله تعالى ولو كان حيا ضربت عنقه. ولم يزل أهل الأندلس بعد ظهور الإفرنج على كثير منها يستنهضون عزائم الملوك والسوقة لأخذ الثأر بالنظم والنثار فمن القصائد الموجهة في ذلك قول بعضهم لما أخذت بلنسية يخاطب أفريقية أباحفص ويقول فيها. ياحسرتي لعقائل معقولة سئم الهدى نحو الضلال هداءها ايه بلنسية وفي ذكراك ما يمري السؤن دماءها لا ماءها كيف السبيل إلى احتلال معاهد شب الاعاجم دونها هيجاءها وإلى ربا واباطح لم تعترض حلل الربيع مصيفها وشتاءها طاب المعرس والمقيل خلالها وتطلعت غرر المنى اثناءها ومن ذلك قول بعضهم يندب ظليطلة لثكلك كيف تبتسم الثغور سرورابعد مايئست ثغور أما وأبي مصاب هد منه ثبير الدينفاتصل الثبور إلى أن يقول فإن قلنا العقوبة أدركتهم وجاءهم من الله النكير فإنا مثلهم وا شد منهم نجور وكيف يسلم من يجور أنأمن أن يحل بنا انتقام وفينا الفسق اجمع والفجور واكل للحرام ولا اضطرار إليه فيسهل الأمر العسير ومما قبل في ذلك قصيدة أبي البقاء الرندي وهي ممااشتهر لكل شيء إذا ماتم نقصان فلا يغر بطيب العيش إنسان هي الأمور كما شاهدتها دول من سره زمن ساءته ازمان وهذه الدار لاتبقي على احد ولايدوم على حال لها شان يمزق الدهر حتما كل سابغة إذا نبت مشرفيات وخرصان ومن هذا الباب قصيدة العقيلي يتوسل بسلطأن فاس التي يقول فيها كنا ملوكا لنا في ارضنا دول نمنا بها تحت افنان من النعم فايقظتنا سهام للردى صبب يرمي بافجع حتف من بهن رمي فلاتنم تحت ظل الملك نومتنا واي ملك بظل الملك لم ينم وهكذا كانت تلك الطبقة من الشعراء على ذلك العهد في الأندلس على نحو ما كان بعض شعراء ألمانيا في القرن الماضي وقد قاموا يحمسون الأمة والحكومة في معارضة الدين ومناهضة الحكم المطل مثل ستراوس والاخوان بوير وارنولدروج وكارل ماركس وفورباخ وكجمهور من الشعراء السياسين مثل هوفمأن فون فالرسلبين ونجلستيد وفرايليجرات وميسنير وكارل بيك وعوتفريد وكاين كيل ممن أخذوا على أنفسهم الدفاع عن حقوق الأمة والحرية وأخذوا ينشرون في أوروبا دعوات حماسية ولكن شتان بين من يسعون إلى تأسيس ملك ضخم وسلطان عظيم العلم رائده والعقل قائده يقولون فتسمع اقوالهم وتؤثر الأثر المطلوب وبين من يقولون كبقايا أولئك الأندلسين وهم خائفون فلا تؤثر اقوالهم ويمسون ينشدون ويصبحون يندبون بلادا سقطت واطفالا يتمت ونساء ايمت وعمرانا اضمحل وساكنا ابذعر. وليس معنى هذا أن الشعركله يجب أن يكون اجتماعيا بل أن أكثره أصبح كذلك ينفع ويرقي. والشعر ادعى إلى التأثير واسرع أن يعلق في الذهن من النثر. والشعراء إذا أحسنو القصيد وصرفوه فيما يفيد تقطف البلاد بثمرة اقوالهم ماتقطفه من ثمرات اقوال الخطباء والكتاب أن لم نقل أكثر. الشاعر الاجتماعي هو الذي يدل امته على عوارها وعارها ويبين لها طريق نجاتها وعثرتها وينوع الأساليب في تعليمها وتهذيبها. وماانس لاانس غوركي شاعر الروس وقد كان منذ سنين يؤلف القصيدة الثورية الاجتماعية يلقنها الفلاحين حتى إذا استظهروها يرحل عنهم وقد ظل اعواما على هذه الدعوة ورجال الشرطة يطاردونه وهو بجربذته يفلت من بين ايديهم حتى كانت اقواله من جملة مأولد الثورة الروسية الأخيرة وقد اذكرني غوركي بعمارة اليمني الشاعر الذي دعا في مصر للدولة الفاطمية بعد أن حل عراها صلاح الدين يوسف وماقال في ذلك من قصائد ومقاطيع كانت سبب صلبه ومن جملة شعره القصيدة التي توضح عذر السلطان صلاح الدين في قتله وقتل من شارك في ذلك قال في مطلعها رميت يادهر كف المجد بالشلل وجيده بعد حلي الحسن بالعطل سعيت في منهج الرأي العثور فإن قدرت من عثرات البغي فاستقل جدعت مارنك الاقنى فإنفك لا ينفك مأبين نقص الشين والخجل لهفي ولهف بني الأمال قاطبة على فجيعتنا في اكرم الدول إلى أن يقول ياعاذلي في هوى أبناء فاطمة لك الملامة إن قصرت في عذلي بالله زر ساحة القصرين وابك معي عليهما لأعلى صفين والجمل وقل لأهليهما والله ما التحمت فيكم قروحي ولا جرحي بمندمل ماذا ترى كأنت الإفرنج فاعلة في نسل آل أمير المؤمنين علي هل كان في الأمر شيء غير قسمة ما ملكتم بين حكم السبي والنفل وقد حصلتم عليها واسم جدكم محمد وأبيكم غير منتقل مررت بالقصر والاركان خالية من الوفود وكانت قبلة القبل فملت عنها بوجهي خوف منتقد من الاعادي ووجه الود لم يمل اسبلت من اسف معي غداة خلت رحابكم وغدت مهجورة السبل ابكي على ماترا آى من مكارمكم حال الزمان عليها ولم تحل دار الضيافة كانت انس وافدكم واليوم اوحش من رسم ومن طلل وفطرة الصوم إن اصغت مكارمكم تشكو من الدهر ضيما غير محتمل وكسوة الناس في الفصلين قددرست ورث منها جديد عنهم ويلي وموسم كان في كسر الخليج لكم يأتي تجملكم فيه على الجمل وختمها بقوله وماخصصتم ببرأهل ملتكم حتى عممتم به الأقصى من الملل كانت رواتبكم للذمتين ولل ضيف المقيم وللطاري من الرسل وللجوامع من احباسكم نعم لمن تصدر في علم وفي عمل وربما عادت الدنيا لمعقلها منكم واضحت بكم محلولة العقل ولسائل أن يقول اما في شعراء العربية اليوم من تقع لهم ياترى مثل هذه القصائد الحماسية الاجتماعية يحسنون بقريضهم الملكات ويضمون الشتات قبل الفوات. فالجواب أن هذه الروح ضئيلة جدا في شعرائنا فإن غلبت على شعر حافظ أفندي إبرأهيم حتى جاز أن يدعى الشاعر الاجتماعي بلا مدافع وقرئت في قصائد جميل صدقي أفندي الزهاوي ومعروف أفندي الرصافي من شعراء بغداد فإنها تقل في شعر الشيخ عبد المحسن الكاظمي واحمد بك شوقي والأمير شكيب ارسلان ومصطفى صادق أفندي الرافعي والسيد توفيق البكري والسيد مصطفى لطفي المنفلوطي وخليل أفندي مطران والأمير نسيب ارسلان ونقولا أفندي رزق الله وعبد الله أفندي البستاني وإبرأهيم أفندي الحوراني وفارس أفندي الخوري وعيسى أفندي إسكندر المعلوف ورزق أفندي حداد واحمد أفندي محرم وامين أفندي حداد واسمعيل باشا صبري وحفني بك ناصف والياس أفندي فياض ومحمد أمام أفندي العبد وطانيوس أفندي عبده وقسطاكي بك الحمصي واحمد أفندي الكاشف واضرابهم المجيدين في شعرائنا ممن لم تحضرني أسمائهم فإنك لاتقرأ لأحدهم المقطوعة أو القصيدة الفذة حتى تقرأ له عشرات غيرها في أغراض أخرى فيا حبذا لو توخى قيادة القريض بما ينظمون النفع العام ونحوا في أشعارهم منحى السداد لتفعل في عقول منشديها وراويها فتسدد خطأهم وتصحح أفكارهم وتقوي قلوبهم وتصلح عيوبهم. فعصرنا هذا عصر الحقائق لاعصر الخيالات والعأقل ينتفع باقواله بحسب نيته وهيهات أن نقول أن للشعرالعربي دولة إلا إذا حسنت أثار اقوال زعمائه في أبنائه وقديما قالوا اعذب الشعرا كذبة اما نحن اليوم فنقول اعذب الشعر اصدقه وعهدنا هذا يفتح بما فيه من دواعي القول قرائح من لم يحلم بانه يقول الشعر. الغروب نزلت تجر إلى الغروبذيولا صفراء تشبه عاشقا متبولا تهتز بين يد المغيب كانها صب تململ في الفراش عليلا ضحكت مشارقها بوجهك بكرة وبكت مغاربها الدماء اصيلا مذ حان في نصف النهار دلوكها هبطت تزيد على النزول نزولا قد غادرت كبد السماء منيرة تدنو قليلاللافول قليلا حتى دنت نحو المغيب ووجهها كالورس حال به الضياء حيولا وغدت بأقصى الأفق مثل عرارة عطشت فابدت صفرة وذبولا غربت فابقت كالشواظ عقيبها شفقا بحاشية السماء طويلا شفق يروع القلب شاحب لونه كالسيف ضمخ بالدما مسلولا يحكي دم المظلوم مازج ادمعا هملت بها عين اليتيم همولا رقت اعإليه واسفله الذي في الأفق اشبع عصفرا محلولا شفق كان الشمس قد رفعت به ردنابذوب ضيائها مبلولا كالخود ظلت يوم ودع إلفها ترنو وترفع خلفه المنديلا حتى توارت بالحجاب وغادرت وجه البسيط كاسفا مخذولا فكانها رجل تخرم عزه قرع الخطوب له فعاد ذليلا وانجط من غرف النباهة صاغرا وأقام في غار الهوان خمولا * * * * * * * لم انس قرب الأعظمية موقفي والشمس دانية تريد افولا وعن اليمين أرى مروج مزارع وعن الشمال حدائق ونخبلا وتروع قلبي للدوالي نعرة في البين يحسبها الحزين عويلا ووراء ذاك الزرع راعي ثلة رجعت تؤم إلى المراح قفولا وهناك ذو برذونتين قد انثى بهما العشي من الكراب نحيلا وبمنته نظري دخان صاعد يعلو كثيراً تارةوقليلا مد الفروع إلى السماء ولم يزل بالأرض متصلايمد أصولا وتراكبت في الجو سود طباقه تحكي تلولا قد حملن تلولا فوقفت ارسل في المحيطإلى المدى نظرا كما نظر السقيم كليلا والشمس قد غربت ولما ودعت ابكت حزونا بعدها وسهولا غابت فاوحشت الفضاء بكدرة سقم الضياء بها فزاد نحولا حتى قضت روح الضياء ولم يكن غير الظلام هناك عزرائيلا وأتى الظلام دجنةفدجنة يرخي سدولا جمة فسدولا ليل بغيبه الشخوص تلفعت فظالمت احسب كل شخص غولا ثم انثنيت اخوض غمر ظلامه وتخذتنجم القطب فيه دليلا ان كل اوحشني الدجى فنجومه بععثت لتؤنسني الضياء رسولا سبحان من جعل العوالم انجما يسجن عرضافي الاثير وطولا كم قد تصادمت العقول بشأنها وسعت لتكشف سرها المجهولا لاتحتقر صغر النجوم فإنما أرقى الكواكب مااستبان مااستبان ضئيلا دارت قديما في الفضاء رحى القوى فغدا الاثير دقبقها المنخولا فاقرأ كتاب الكون تلق بمتنه آيات ربك فصلت نفصيلا ودع الظنون فلا وربك انها لم تغن من علم اليقين فتيل * * * * * * * * الشمس في الطلوع طلعت في جلالة ووقار من وراء التلول شمس النهار طلعت من حجابها كآلة ال حسن في موكب من الانوار وتجلت مثل العروس بوجه نوره باهرا أولي الابصار فكست منكب الربى وحوإليها رداء مطرزا بالنضار وادرت على الرياض شعاعا لج في لثم مبسم الازهار كلما مس ظاهر الأرض اعطى رونقا للتراب والأحجار ماتدانىالا واهدى نشاطا لحياة الحيوان والأشجار وله في جدأول الروض رقص فوق سطح الماء الزلال الجاري واضاء الهواءفهوكبحر ماج في لج نوره الموار أن للشمس منظراسوف يلغي مثله في النجوم والاقمار منظرا راق حسنه غير أني كل يوم اراه بالتكرار انما الشمس مركز لنظام سابحفي بحر بعيد القرار ليس في عالم المجرة الا قدراصاغرامن الاقدار نحن من ارضنا نعيش جميعا فوق جرم محقر سيلر طاف يسعى على ذكاء دا ت بليل فراشة حول نار الشمس في المغيب اترى افزع الغزالة ذيب فهي تسعى شريدة وتغيب وقد أصفر وجهها كفتاة قلبها من وشك الفراق كئيب ام قضت نصف دورة هذه الار ض دنا فيه من ذكاء غروب وعلاها السحاب فأحمر منه لدواع ذوائب وجيوب صاح ماهذه الدماء اراها بعيوني افي السماء حروب ام ترى ابدت الطبيعة لوحا نظر الروح نجوه مجلوب تقف العين نحوه وهي حيرى يستبيها جماله المحبوب حار في وصفه الأديب فلايع لم ماذا عسى يقول الأديب وانظر البر في مقابلة الشم س تجدماتذوب منه القلوب بقر الحي من مرتعها تر جع في مشية خطاها قريب وقطيع الاغنام من وجهة الشر قإلى جانب الخيام يؤب وصغار الحملان مربوطة تص بو إلى اماتها وتلوب تسمع الأمهات وهي إليها مسرعات بغامها فتجيب منظر الغروب في البر يشجي فتكاد القلوب منه تذوب منظر يعجز المصور والشا عر عن رسمه ويعيا الخطيب اليونان عظمة مكدونية فيليب - الأسكندر - فتح آسيا انهكت الحروب المتصلة مدة قرن بين اسبارطة وأثينة قوى تينك المملكتين فتركتاقتال ملك الفرس إلا أن شعباجديدا وهم المكدونيون عاودوا قتاله حتى نالوا منهوكانو على خشونتهم وقسوتهم أشبه بقدماء الاوربيين شعبا مؤلفا من رعاة وجند. ولقد سكنوا شمال بلاد يونأن في واديين عظيمين مطلين على البحر. وقلما كان اليونانيون يحلونهم محل الاعتبار بل ينظرون إليهم نظرا ثانويا كما ينظرون للبرابرة وإذا المكدونيون يدعون انهم من نسل هيراكليس سمح لهم اليونان بان يركضوا خيولهم في سباق الالعاب الأولمبية وبذلك اعترف بهم ضمنا بانهم من أبناء اليونان. فيليب - قلما كان هؤلاء الملوك النازلون في بلاد الداخلية بعيدين عن البحر يشتركون في حروب اليونان وفي سنة ٣٦٠ تسلم اريكة العرش المكدوني شاب نشيط شجاع طموحونعني به الملك فيليب فطمحت به نفسه إلى القيام بثلاثة أمور (ا) أن ينشىء جيشا قويا ( ٢ ) أن ينشىء جميع المواني على شاطىء مكدونية ( ٣ ) أن يكره سائر اليونان على الانضواء تحت لوائه لقتال الفرس فصرف في هذا الشأن أربعا وعشرين سنة ونجح فيما قصد له. واستسلم اليونأن اليه بل واعانه كثير منهم واتخذ له انصارا ببذل المال في جميع المدن يحسنون الظن فيه ويمتدحونه قال: {مامن قلعة يتعذر الاستيلاء عليها إذا استاع المرء أن يدخل إليها بغلا مثقلاباذهب} وهكذا استولى على جميع مدن شمالي اليونانية واحدة بعد أخرى. وقد كان الخصم اللدود لفيليب الخطيب ديموستين وهو ابن صانع اسلحة تيتم في السابعةمن عمره واختلس اوصياؤه جزءا من ماله بلغ أشده أقام عليهم قضيةواكرههم على أن يعيدوا إليه مااختلسوه منه وكان درس خطب ايزيه واستظهر تاريخ توسيديد بيد أنه عندماخطب على المنبر العام قوبل كلامه بالقهقهة إذ كان صوته ضعيفا جدا ونفسه قصييرا فتوفر عدة سنين على ترويض صوته. ويروي إنه كان ينقطع شهورا طويلة ونصف رأسه محلوق لئلا يحاول الخروج ويلقي خطبا وفي فمه حصا وهو على شاطىء البحر ليمرن نفسه على التغلب بصوته على جلبة الناس ولمل رجع إلى المنبر كان قد اخضع صوته لاراته وإذا كان يحافظ كل المحافظة على أعداد جميع خطبه قبل القائها غدا أرقى خطيب وأعظم مفوه في بلاد اليونان. وكان الحزب الذي يرجع إليه أمر أثينة على ذاك العهد بزعامة فوسيون يطمح في السلم اذ لم يكن لأثينة جند كاف ولا مال وافر يقاف ملك مكدونية عند حده فكان فوسيون يقول سأشير عليكم بالحرب متى صرتم بحيث تستطيعون القيام باعبائها. وكان ديموستين على العكس يحتقر فليب ويراه كانه من المتوحشين فتطوع في خدمة الحزب الذي يطلب محاربته واستخدم مافيه من فصاحة لاخراج الأثينين من سياسة المسالمة ولم يدخر وسعا مدة خمس عشر سنة في تحريضهم على ذلك. وانك لتجد مضوع كثير خطب ديموستين الحملة على الملك فيليب وكأن يسميهاالفلبية. قال في خطابه الأول سنة ٣٥٢ : متى تقومون ايها الأثينيون بواجباتكم؟ اتريدون أن تسرحوا وتمرحوا في الساحات وبعضكم يسأل بعضا بقوله: ماوراءك من الأخبار؟ اما أنا فأقول لكم ليس من جديد إلا أننا نشاهد مكدونية يتغلب على أثينة ويستولي على ارض يونان؟ أقول لكم إنه من الواجب تسليح خمسين سفينة وأن تعقدوا العزم إن تركبوها بالذات عند مسيس الحاجة. جنبوا مسمعي جيش مؤلف من عشرة او عشرين الفا من الأجانب ولا حقيقه له الا على الورق فإني لا اريد الاجنود من الوطن متطوعين في خدمته. وقال ديموستين في الفيليبيات الثالثة سنة ٣٤١ يذكر الأثينيين بما حازه فيليب من الظفر عليهم لغفلتهم وقلة حركتهم {كان اليونان قديما عندما يسيئون استعمال سلطتهم ليظلمواغيرهم تقوم بلادهم كلها على ساق وقدم لمنع هذا الظلم ونحن اليوم نقاسي مانقاسي من مكدوني حقير متوحش من أصل ملعون فيخرب المدن اليونانية ويحتفل بالالعاب البيتية او يأمرخدمه بالاحتفال بها وهذا ماينظر إليه اليوناني بدون أن يأتي أمراكما ينظر إلى البرد يتساقط وهو يضرع بأن لايصيبه. والسلطة تعظم بدون أن يخطو احد خطوة لايقافها. وكل ينظر من عهد إليه في تمزيق شمل غيره كما لو كان يعد ذلك ربحافي وقته بدلا من أن يفكر ويعمل لسلامة اليونان عندما يعرف الناس المصيبة ستنال البعيدين}. ولما استولى فيليب على الاتيه في مدخل بيوسيا ( ٣٣٩ ) ازمع الأثينيون بما نصح به ديموستين أن يشهروا الحرب ويبعثوا بوفود إلى ثيبة وذهب ديموستين زعيما للوفد ولقي في ثيبة وفدا جاءه من قبل فيليب فتردد الثيبيون واردهم ديموستين على أن يتناسوا جميع احقادهم القديمةوأن لايفكروا في غير سلامة الوطن اليوناني وفي الدفاع عن الشرف والحرية فعزموا بمساعيه أن يعقدوا محالفة مع أثينة وأن يظلوا على المقاومة والحرب. وبعد سنة ( ٣٣٨ ) نشبت الحرب في شيرونيه من أعمال بيوسيا وكان عمر ديموستين إذ ذاك ثمانيا وأربعين سنة فخدم في الجيش جنديابسيطا وإذ كان جيش الأثينين والثيبيين قد دعي إلى حمل السلاح بسرعة لم يعادل جند فيليب المدربين ولذلك كأنت الهزيمة الأول. الاستيلاء المكدوني_واذ ظفر فيليب أقام حامية في ثيبة وصالح أثينة ثم دخل إلى ارض المورة فاستقبله أهلها كانه المحسن إلى الشعوب التي اضطهدها اسبارطة ومن ذاك العهد لم يصادف أقل مقاومة فجاء إلى كورنت ( ٣٣٧ ) وجمع فيها مندوبي جميع المدن اليونانية (ماخلا الاسبارطيين فإنهم لم يبعثوا بمندوبين قط) وعرض عليهم مشروعه وهو أن يتوبى زعامة جيش يوناني لغزو فارس فاستحسن المندوبون رأيه وعقد محالفة عامة بين المدن اليونانية كافة وذلك على أن تحكم كل مدينة نفسها بنفسها وتعيش بسلام مع غيرها وأنشىء مجلس لتلك الوحدة لمنع الحروب والفتن الأهلية والقتل والمصادرة وهذه الوحدة كان من شأنها الاتحاد مع الملك مكدونيا والاقرار له بالزعامة على جميع الجنود والسفن اليونانية وحظر على كل يوناني أن يحارب فيليب وإذا فعل تضرب عنقه دون محاكمة. الأسكندر - خنق فيليب ملك مكدونية سنة ٣٣٤ وكان ابنه الأسكندر إذ ذاك ابن عشرين سنة وكان مثل جميع اليونان من أبناء البيوت الشريفة ماهرا في الالعاب الرياضية شديد القوى في الكفاح يحسن ركوب الصافنات الجياد (وهو الذي وحده استطاع أن يكبح جماح حصانه بوسيفال في الحرب) وكان زيادة على ذلك عارفا بالسياسة حسن البيان يعلم التاريخ الطبيعي وكان أستاذه من سن الثالة عشرة الفيلسوف أرسطو أعظم عالم في اليونأن فكان يتلو الالياذة بشوق ويدعوها دليل فن الحرب ويريد أن يتشبه بالأبطال الذين ورد ذكرهم فيها. فكان خلق ليكون فاتحا لأنه مغرم بالقتال مولعبحب الشهرة وكان ابوه يقول له (ان مكدونية ضيقة النطاق فلاتسعك) الجحافل المكدونية - ترك فيليب لابنه الأسكندر اداة من ادوات الفتح ونعني بها الجيش المكدوني وهو أحسن جيش عهد في بلاد اليونان يؤلف جيش المشاة وجيش الفرسأن فكان الجحفل المكدوني مؤلفا من ١٦ الفا من الرجال مصفوفين ألوفا ألوفاستة عشر صفاويحمل كل واحد منهم رمحا طوله ستة امتار وكان المكدونيون في ساحة الغي بدلا من أن يسيروا إلى العدو كلهم من جهة واحدة يقفون لاحراك بهم ويضربون برماحهم العدو منكل صوب وكان جنود المؤخرة يرفعون رماحهم من فوق رؤوس الصفوف الأولى بحيث كان ذاك الجيش يشبه حيوانا عظيما وقد انتصب وعليه الحديد والعدو يدأهمه فبتحطم. وكنت ترى الأسكندر بينما كان الجيش في ساحة الحرب يوقع بالعدو وهو في مقدمة فرسانه وكانت هذه الكتيبة من الفرسان مؤلفة من خيار الفتيان الإشراف. فتح آسيا - سافر الأسكندر في ربيع سنة ٣٣٤ في ثلاثين الف رجل (معظمهم من المكدونيين) وفي ٤٥٠٠ فارس لايحمل معه غير ٧٠ تالونا من المال (أقل من أربعمائة فرنك) وذخيرة تكفي هذا الجيش الضخم أربعين يوما. ولم يكن عليه أن يقاتل ذاك الغوغاء من الشعوب التي لاسلاح لها وقد سخرها كنجسر الفارسي لأمره فقط بل كان أمامه خمسون الفا من اليونأن المجندين في خدمة الخاقان الأعظم تحت قيادة حاذق يدعىممنون الرودسي فقد كان في مكنة هؤلاء اليونان أن يصدوا المكدونيين عن العبور ولكن صادف أن مات ممنون وتشتت جيشه شذر مذر فتخلص الأسكندر من خصمه الوحيد العنيد وفتح المملكة الفارسية في سنتين. وذلك بعد أن ظفر في ثلاث مواقع فبدد في آسيا الصغرى الجيوش الفارسية الرابطة وراء نهر غرانيك (في مايو ٣٣٣ ) وهزم الأسكندر دار يوس ملط فارس وجيشه الذي يقال إنه كان مؤلفا من ستين الفا من مضايق سيليسيا في ايسوس (نوفمبر ٣٣٢ ) وشتت في اربل بالقرب من دجلة جيشا أكثر عددا ( ٣٣١ ). فكانت هذه الغلبات مثالا من الحروب المادية فالجيش الفارسي لاسلاح له ولايحسن الرماية وهو مشوش بنفسه في اخلاط من الجنود والاجراء والاثقال وكأنت الجنود المختارة وحدها التي تقاتل والباقي يشتت ويقتل ولم يكن الفتح في غضون الحرب الانزهة يكتب فيها الظفر وهذا الفاتح لايجد أمامه مقاوما وماذا يهم شعوب المملكة أن يخضعوا لداريوس او للأسكندر كان يفتح بها مملكة برأسها فموقعة الغرانيك استولى قيها على آسيا الصغرى ومعركة ايسوس افتتح فيها سورية ومصر ومعركة اربل بقية البلاد. ولما صار الأسكندر الحاكم المتحكم في المملكة الفارسية اعتبر نفسه وارثا للخاقأن الأعظم صاحب فارس فلبس اللباس الفارسي واستعمل عادات البلاط الفارسي في الاحتفالات الرسمية واكره قواده أن يركعوا أمامه على السنة الفارسية وتزوج من بنات الفرس وزوج ثمانين من ضباطه من ثمانين من بنات إشرافهم وأراد أن يوسع مملكته إلى أقصى الحدود كما فعل الملوك القدماء وتقدم فاتحا نحو الهند وهو يقاتل القبائل المحاربة ولما عاد في جيشه إلى بابل ( ٣٢٤ ) هلك بالحمى في بضعة أيام في الثالثةوالثلاثين من عمره ( ٣٢١ ) مقصدالأسكندر - من المتعذر جدا أن نعرف ما كان يقصد الأسكندر. هل كان يفتح حبا بالفتح؟ او إنه كان له مقصد آخر؟ وهل كان يريد أن يجعل جميع تلك الشعوب شعبا واحدا ومملكة واحدة؟ هل اتخذ المناجي الفارسية ليكون مثالا لغيره؟ او أنه قلد الخاقان الأعظم صلفاوإعجابا؟ اننا لن نقف على نياته إلا أن أعماله كانت لها نتائج عظيمة وقد اسس سبعين مدينة وعدة مدائن في مصركالأسكندرية وفي بلاد التتر حتى بلاد الهند ووزع على رعاياه الكنوز التي وجدها في خزائن الخاقان الأعظم وكانت مطروحة فيها لاينتفع بها وأخذ معه علماء يونانيين لدرس نبات آسيا وحيوانتها وجغرافيتها وهيأالملكات في الشوب الآسيوية إلى تعلم لغة اليونان والتخلق بأخلاقها ولذلك أطلق على الأسكندر لقب الكبير تأسيس الممالك اليونانية الأسكندرية - المتحف - ممالك آسيا - التمدن اليوناني في الشرق خراب مملكة الأسكندرية - جمع الأسكندر تحت علم واحد جميع بلاد العالم القديم من بحر الادرياتيك إلى نهر الاندوس ومن مصر إلى القأفقاس. ولم يدم الملك العظيم الابدوامة فلما هلك اختلف قواده فيمن يولى الملك بعده وحارب بعضهم بعضا مدة عشرين سنة واتخذوا بادىء بدء حجة لحروبهم بانهم يتقاتلون لمعاضدة احد أسرة الأسكندر كاخيه وابنه واخوته وإحدى زوجاته ثم تقاتلوا علنا بأسمائهم وتوطيدا لدعائم الملك لسلطانهم فكان لكل واحد منهم جزء من الجيش المكدوني او جنود يونان مأجورون فكان اليونانيون يتقاتلون فيمن يستأثر بآسيا ويحكم عليها والناس ينظرون إليهم غير محتفلين بما يأتون كما كان لو كان اليونان يقاتلون الفرس أعداءهم. ولما وضعت الحرب اوزارها لو يبق الا ثلاثة قواد وقد هيأ له كل منهم مملكة واسعة مما خلفه الأسكندر فحكم بطليموس مصر وسلوقس سورية وليزيماك مكدونية وكانت انفصلت بعض الممالك الصغرى او أخذت بالانفصال عنها مثل أبير أوروبا ومثل بون وبيتيني وغالاسيا وكابادوس وبرغام في آسيا ومثل مقاطعتي باكتريان وبارسيا من بلاد الفرس وبذلك تم تقسيم مملكة الأسكندر. التمدن اليوناني في الشرق - كان الملك من أبناء اليونان ويعيش عيش اليونان ويحافظ على لغته ودينه وعاداته. من الآسياوين أي من البرابرة وهو يحاول أن يجعل له حاشية من جنسه ويجند جنوده من أبناء يونان بالاجرة ويتخذ موظفين يونأن لادازة البلاد ويجلب إلى عاصمته شعراء وعلماء وأرباب فنون من اليونان. وكان في البلاد على عهد ملوك الفرس كثير من اليونانوالطوأرىء والتجار ولاسيما من الاجناد فأكثر ملوك اليونان من جلبهم وانتشروا في جميع أطراف آسيا وكثر سوادهم حتى انتهت الحال بالوطنين أن يلبسوا اللباس اليوناني وينتحلوا الديانة اليونانية والأخلاق اليونانية واللغة اليونانية ولم يعد الشرق آسياويابل أصبح يونانيا حتى أن الرومانيين لم يجدوا في آسيا في القرن الأول شعوبا يشبهون اليونانية باسرهم الأسكندرية - لقب ملوك اليونان من مصر وهم خلفاء بطليموس بلقب الفراعنة على نحو ما كان يلقب ملوكها الاقدمون ولبسوا التاج ودعوا الناس إلى عبادتهم باسم أبناء الشمس ولكنهم كانوا محاطين باليونانية وأقاموا عاصمتهم على شاطىء البحر في مدينة يونانية وهي الأسكندرية. تلك المدينة الجديدة التي أنشئت بأمر الأسكندر. بنيت الأسكندرية على سطح مستو فكانت ذات نظام أكثر من غيرها من المدن اليونانية وكأنت الشوارع تنقسم إلى زاوية قائمة ويشقها من وسطها شارع وعرضه ثلاثون مترا وطوله ستة كيلو مترات وعلى جانبيها ابنية عظيمة مثل بناء الستاد حيث كانت تقام الالعاب العامة والجمناز والمتحف والارسينوم. وكان المرفأ مؤلفا من سد طوله الف وثلثمائة متر يصل بين اليابسة وجزيرة فاروس وفي طرف هذه الجزيرة أقيم برج من الرخام جعل في قمته مكان بنبعث منه ضوء على الدوام لتسير به السفن التي تريد دخول المرفأ ومن هناك جاء اسم المنارة. فقامت الأسكندرية مقام المدن الفينيقية وغدت المينا العظمى للتجارة في العالم باسره. المتحف - كان المتحف بناء عظيما من الرخام متصلا بقصر الملك وقد أراد ملوك مصر أن يجعلوه معهدا علميا عظيما. وفيه مكتبة عظيمة وكان القوام عليها أن ببتاع جميع مايتسنى له الظفر به من الكتب فكل كتاب يدخل مصر يحمل إلى المكتبة والنساخ وينقلون المخطوطات ويرجعون نسخة لصاحبها مع التعويض عليه واتصلت الحال بان جمع على هذا النحو عددمن الجلدات لم يسمع بمثله (وهو أربعمائة الف مجلد كما قيل) وكأنت الكتب المخطوطة لكبار المؤلفين إلى ذاك العهد مبعثرة مشتتة وعرضة لخطر الضياع فأصبحت يعرف لها مقر يرجع إليه. وكان في المتحف ايضا حديقة للنبات والحيوان ومرصد فلكي وقاعة للتشريح اقيمت علىالرغم من اوهام المصريين كما أقيم معمل كيماوي (كان الملك بطليموس فيلادلف يخشى كثيراًمن الموت فقضى بضع سنين في البحث عن اكسير لأطالة الحياة) وكان في المتحف العسكري مساكن للعلماء والرياضين والفلكيين والأطباء ويقدم لهم غذاؤهم على نفقة الحكومة وكثيراً ما كان الملك يتناول الطعام معهم دليلا على احترامه لهم وكانوا يقضون اوقاتهم في المحاورة والمطالعة ويجيء الناس من جميع بلاد اليونأن ليستمعوا لما يلقون وكان الشبان يبعث بهم اباؤهم إلى الأسكندرية ليتعلموا. ويقال إنه كان فيها نحو ١٤ الفا من الطلاب. ومن ثم كان المتحف مكتبة ومجمعا علميا ومدرسة في آن واحد فهو أشبه بمدرسة جامعة وهذا الوضع الذي هو عام بيننا مألوف كان على ذاك العهد من الاوضاع الجديدة التي لم يسبق لها نظير. ولقد أصبحت الأسكندرية بفضل متحفها مقصد جميع المشارقة من يونان ومصريين وأسرائليين وسوريين يحمل كل منهم دينه وفلسفته وعمله ويختلط بعضهم ببعض فغدت الأسكندرية إذ ذاك وظلت قرونا كثيرة عاصمة العلم والفلسفة في العالم. برغامة - كانت برغامة في آسيا الوسطى من ممالك الصغرى ولم تعد لها سطوة بيدان عاصمتها برغامة كانت كالأسكندرية مدينة أرباب الصنائع والأدب وانشأ نقاشو برغامة في القرن الثالث قبل الميلاد مدرسة مشهورة. وقد ملكت برغامة كما ملكت الأسكندرية مكتبة كبرى جمع إليها الملك اتال الكتب المخطوطة لقدماء المؤلفين وفي برغامة اخترعت الكتابة على الجلود لاستعاضة عن ورق البردي وكان هذا الورق الجديد ورق برغامة هو الورق الذي حفظت به المخطوطات القديمة الحروب الأخيرة في يونان العصابات - الفتح الحروب الأهلية - كانت بأيدي بضع أسرات غنية من اليونانيين في جميع المدن اليونانية على التقريب جميع الأعمال والمعامل الصناعية والسفن التجارية وعامة مصادر الربح وموارد العيش اما سائر الاسرات أي السواد الأعظم فلم يكن لهم ارض ولامال وماذا كان الوطني الفقير بعمله ليكسب رزقه؟ لم يكن له إلا أن يؤجر نفسه زراعا او عاملا او ملاحا. بيد أن عبيد أرباب الثروة في مصانعهم ومعاملهم وسفنهم وكانوا يقومون بهذه الأعمال ولايكلفون للانفاق عليهم غير شيء زهيد بالنسبة للنفقات التي كان على السادة أن ينفقوها إذا استخدموا الاحرار في أعمالهم لأنهم كانوا يطعمون عبيدهم طعاما غليظا ولا يؤدون إليهم أجورا. ثم إنه من الصعب على الفقير أن يعمل لحسابه لندرة الدراهم ولم تكن الفائدة من عشرة في المئة وهيهات أن يقرضه إنسان مايعوزه. على أن العادة لم تكن تسمح للوطني أن يتعاطى الصنائع لأن الفلاسفة كانوا يقولون بانها تفسد الجسم وتضعف النفس ولاتترك في وقت صاحبها متسعا للنظر في الشؤون العامة ولذلك قال أرسطو أن المدينة الحسنة النظام لايجب عليها أن تعد الصانع فيها وطنيا. فكانت من الوطنيين في يونان طبقة شريفة ترى كما يرى الإشراف في فرنسا قديما أن لها الحق أن تحكم وتحارب وفي ذلك شرفها اما تعاطيها الأعمال بايديها فيعد تنازلا واتضاعا ومن اجل هذا حالف البؤس معظم الوطنيين بما كانوا عرضة له من منافسة العبيد في أعمال الحياة وما وقر في نفوسهم من شروط الشرف والنباهة فحكم الفقراء المدن ولم تكن أسباب عيشهم متوفرة وخطر لهم أن يسلبوا الأغنياء فألف هؤلاء شركات منهم لمقاومة أولئك وعند ذلك انقسمت كل مملكة يونانية إلى قسمين الأغنياء ويدعون (الأقلية) والفقراء ويدعون (الأكثرية) أو الشعب. وبدأ الأغنياء والفقراء يتباغضون ويتقاتلون فإذا صار الحكم للأغنياء يطردون الأغنياء ويصادرون أموالهم وربما اتخذوا واسطتين بالغتين في التطرف وهما الغاء الديون وتقسيم الاراضي من جديد. فإذا عادت السلطة للأغنياء يطردون الفقراءوكانوا يتعاهدون بينهم في كثير من المدن قائلين (اقسم باني اظل ابدا معاديا للشعب واؤذيه مااستطعت) ولم ثمت من سبيل إلى التوفيق بين الفريقين فلا الأغنياء يستطيعون أن يستسلموا للتخلي عن ثروتهم ولا الفقراء يرضون أن يموتوا جوعا. قال أرسطو (أن الثورات تنشأ من سبب تقسيم الثروات) ويقول بوليب (ان حرب أهلية تنشب فهي لنقل الثروات من يد إلى أخرى) ومن ثم كان الفريقان يقتتلان أشد قتال على نحو مايحدث ابدا بين الجيرأن فتغلب الفقراء بادىء بدء في ميلت واكرهوا الأغنياء على الهرب من المدينة ثم اسفوا لأنهم لم يذبحوهم فأخذوا أولادهم وجمعوهم في الانأبير تحت ارجل البقر ودخل الأغنياء المدينة فأصبحوا أصحابها الحاكمين فيها وأخذوا هم ايضا أبناء الفقراء وزفتوهم (دهنوهم بالزفت) واحرقوهم احياء. الحكم الجمهوري والحكم الأفرادي - كان لكل من الأغنياء والفقراء شكل خاص في الأحكام يجرونها في المدينة عندما يقوى أحد الفريقين. فكانت حكومة الأغنياء من نوع الحكم الأفرادي (أوليكارشي) تعهد بالأحكام إلى بعض أفرادها اما حكم الفقراء فكان حكمهم ديمقراطيا يكلون حكمهم إلى مجلس الأمة وكل واحد من الفريقين يتفق مع الفريق المماثل في المدن الأخرى وبذلك تألفت عصابتان تقاسمتا بينهما جميع المدن اليونانية: عصابة الأغنياء أو الحكم الأفرادي وعصابة الفقراء أو الحكم الجمهوري. وبدأت هذه الطريقة في الحكم خلال حرب المورة فكانت أثينة تعضد الحزب الديمقراطي واسبارطةتماليء الحكم الأفرادي فاتحدت المدينة التي فيها للفقراء سلطة مع أثينة كما اتحدت المدن التي تسلط عليها الأغنياء مع اسبارطة. ولقد قامت الحروب الأهلية بين الأغنياء والفقراء ثلاثة قرون (من ٤٣٠ إلى ١٥٠ ) ذبح في خلالها كثير من أبناء البلاد وطرد منهم عدد أكثر من ذلك فأخذوا يهيمون في أطراف الأرض على وجوههم لأمورد لهم يعيشون منه ولا يعرفون الاصناعة واحدة وهي الجندية فينخرطون متطوعين في الجيش الاسبارطي والأثيني وفي جيش الخاقان الأعظم والجيش الفارسي بل وفي كل جيش يدفع إليهم أجورهم فكان من أبناء يونان خمسون الفا في خدمة عندما قاتل الأسكندر وهم لايكادون يعدون إلى بلادهم متى خرجوا منها. العصابات - ضعف الشعوب التي حكمت بلاد اليونان واسبارطة وأثينة وثيبة ولم يبق في القرن الثالث من أهل الشدة والبأس غير سكان غرب البلاد فالايتوليون يسكنون الجبال في شمالي خليج كورنت والآسيون النازلون في شاطىء المورة في جنوبي هذا الخليج وقد نظموا أحوالهم عصابات لامدنا فاحتفظت كل مدينة بحكومتها وكان لها كلها مجلس للعصابة يقرر فيه الحرب والعهود ويفرض الجند الذي تقدمه وينتخب القائد الذي يقضى عليه أن يقود جيش العصابة. فإنقسمت المدن اليونانية بين هاتين العصابتين المتعاديتين. من العادة أن تعضد العصابة الايتولية الحرب الديمقراطية والعصابة الآشية الحزب الاليكارشي. وقد رأس العصابة الآشية ضأبطأن شهيران إحداهما ارتوس في القرن الثالث وهو الذي طاف بلاد اليونان سبعاوعشرين سنة ( ٢٥١ - ٢٢٤ ) طاردا الظالمين من جيع المدن أخذا بيد الأغنياء معيدا إليهم أموالهم ومقلدهم حكم للبلاد والقائد الثاني فيلوميان قام في القرن الثاني وقاتل الظالمين في اسبارطة فقتله السينيون. احلاف الرومانيين - لم يكن احد من تينك العصابتين من القوة بحيث يجمع جميع المدن اليونانية وعندئذ ظهر الرومأن فحاربهم من ملوك اليونأن فيليب ملك مكدونية ( ١٩٢ ) ثم ملك سورية انطيوخس ( ١٩٣ - ١٦٩ ) فنكست اعلامهم كليهما ودمرت رومية جيوشهما واستولت على اساطيلها وقاتلت (برسي) ملك مكدونية الجديد وأسرته وخربت مملكته ( ١٦٧ ). ولم يحاول اليونان قط أن يجتمعوا للدفاع عن انفسهم وظل فقراؤهم واغنياؤهم يقتتلون وكل حزب يمقت الحزب المعادي له أكثر من بغضه الغريب وتحالف الحزب الديمقراطي مع ملك مكدونية ودعا الحزب الأوليكارشي للرمانيين. وبينما الثيبيون من الديمقراطيين يقاتلون في جيش فيليب كان مواطنهم من الأوليكارشيين يفتحون أبواب المدينة للقائد الروماني وقد حكم بالإعدام في رودس على كل من قاموا او تكلموا بما يخالف رضى رومية وكتب كاليكرات احد اشياع الرومانيين من الآشيين قائمة بالف وطني اتهمهم بانهم كانوا يميلون للبرس فارسلوا إلى رومية وأمسكوا فيها عشرين سنة بدون أن يحاكموا. الفتح - لم يظهر الرومانيون أولا في مظهر الأعداء وقد ذهب القنصل فلامانيوس سنة ١٩٧ بعد أن غلب ملك مكدونية إلى برزخ كورنت واعلن أمام اليونأن المجتمعين للالعاب البرزخية بان جميع الشعوب اليونانية حرة فطرب الجمهور لقوله واقتربوا منه ليشكروه يريدون أن يسلموا عليه وهو محررهم وأن يروا صورته ويلمسوا يده ويلقوا عليه اكاليل النصر وباقات الزهور فازدحم الناس عليه حتى كاد يختنق. ولم يلبث الرومانيون أن أصبحوا سادة فحدثتهم انفسهم بان يقودوا البلاد فاطاعهم الأغنياء عن رضى لان رومية كانت لهم واسطة للخلاص من حزب الفقراء ودامت هذه الحال أربعين سنة. ولما شغلت رومية بقرطجنة سنة ١٤٧ للحزب الديمقراطي حياته في بلاد اليونان فاعلن الحرب على الرمانيين فذعر لذلك فريق من اليونانيين وتقدم كثيرون إلى الجند الروماني ووشوا إليهم بمواطنهم بل وشوا بانفسهم وبعضهم فروا إلى اقاصي المدن وآخرون القوا بانفسهم في الآبار أو الهوات وصادر زعماء المقاومين أموال الأغنياء والغوا الديون واعطوا سلاحا للعبيد وكان الجهاد شديدا واذ غلب الآشيون للمرة الأولى عادوا فحشدوا جيشاوساروا إلى القتال مستصحبين نساءهم وأولادهم وحبس القائد دبوس نفسه وجميع عياله في بيته والقى فيه النار. وكانت كورنت مركز المقاومة فدخلها الرومانيون وذبحوا الرجال وباعوا النساء والأولاد ( ١٤٦ ) ونهبت المدينة وحرقت وكانت مملوءة بالنفائس وكنت ترى صور كبار المصورين مطروحة في الغبار والجند الروماني مستلقيا فوقها يلعب بالنرد. صحف منسية وصف الهرمين قال القاضي الفاضل: الهرمان قداقد الأرض (؟) وكل شيء يخشى عليه من الدهر الا الهرمأن فإنه يخشى على الدهر منهما (وللمتنبي) اين الذي الهرمان من بنيانه من قومه مايومه مايومه ما المصرع تتخلف الأثار عن أصحابها حينا ويدكها الفناء فتتبع وقال أبو الصلت أمية بن عبد العزيز بعيشك هل ابصرت أحسن منظرا على مارأت عيناك من هرمي مصر انافا عنانا للسماء وأشرفا على نحو إشراف السماك أو النسر وقد وافيا نشزا من الأرض عاليا كانهما نهدان قاما على صدر وقال الفقيه عمارة اليمني خليلي ماتحت السماء بنية تماثل في اتقانها هرمي مصر بناء يخاف الدهر منه وكل ما على ظاهر الدنيا يخاف الدهر تنزه طرفي في بديع بنائها ولم يتنزه في المراد بها فكري وقال اخر انظر إلى الهرمين اذ برزا للعين في علو وفي صعد وكانما الأرض العريضة اذ ظمئت لفرط الجزر والمد حسرت عن الثديين بارزة تدعوالاله لفرقة الولد فأجابها بالنيل يشبعها ريا ويشفيها من الكمد وقال ظافر الحداد تأمل هيئة الهرمين وانظر وبينهما أبو الهول العجيب كعمار يبتن على رحيل بمحبوبين بينهما رقيب ودونهما المقطم وهو يحكي ركاب الركب ابلغها الركوب وظاهر سجن يوسف مثل صب تخلف وهو محزون كئيب وقال ابن الساعاتي ومن العجائب والعجائب جمة دقت عن الإكثار والاسهاب هرمان قد هرم الزمان وأدبرت أيامه ويزيد حسن شباب لله أي بنية ازلية تبغي السماء بأطول الأسباب وكانما وقفت وقوف تبلد اسفاعلى الأيام والاحقاب كتمت عن الاسماع فضل جهادها وغدت تشير إليه بالالباب وقال سيف الدين بن جبارة لله أي غريبة وعجيبة في صنعة الاهرام للالباب اخفت عن الاسماع قصة أهلها ونضت عن الابداع كل نقاب فكانما هي كالخيام مقامة من غيرما عمد ولا اطناب وقال بعضهم واجاد تبين أن صدر الأرض مصر ونهداها من الهرمين شاهد فوعجبا وقد ولدت كثيراً على هرم وذاك النهدناهد ولما عدى القاضي شهاب الدين بن فضل الله إلى الاهرام كتب الأمير الجأولي الدوادار وذلك في سنة تسع وعشرين وسبعمائة قال لي البشارة أن امسيت جاركم في ارض مصر باني غير مهتضم حفظتموا لي شبأبي في ظلالكم مع انكم قد وصلتم بي إلى الهرم مطبوعات ومحفوظات بهجة الصيانة في عجائب مصر والكنانة هذا الكتاب من جملة مخطوطات خزانة الكلية الأمركية في بيروت لمؤلفه احمد محمد القزوبني أوله: الحمد الله الذي خلق الإنسان من صلصال من حماء مسنون وفضا بعضهم على بعض فهم بذلك يتفاوتون. (فجعل منهم الخادم والمخدوم والحاكم والمحكوم وخص بالنبوة والخلافة بعض أولاده وخص بالسلطنة والعبودية منهم على مراده) ذكر فيه المؤلف المواضع التي وقع بها ذكر مصر في القرآن والاحاديث المنقولة فيها ثم ذكر جغرافيتها وبلادها وأول من نزل فيها ومن ملكها ودخلها من الأنبياء والعلماء وذكر عجائبها وأثارها ومن دخلها من الصحابة والتابعين وحكمها من الملوك والسلاطين إلى زمن الملك الأشرف قابتباي في النصف الأخير من القرن التاسع. والكتاب كله موجز العبارة تسهل قراءته كتب سنة ١٠٨٥ هـ ولايخلو من خرفات وموضوعات كما أنه لايخلو من حقائق حربة النشر. وقد رأينا علماء المشرقيات ينشرون الكتاب من اجل مسألة او بعض مسائل فمن لنا من أرباب مطابعنا من يطبع لنا كتابا من مثل هذا له علاقة كبرى بتاريخ بلادنا وقد نقلنا عنه ماجاء فيه في وصف الهرمين في باب الصحف المنسية. المستصفى يكفي في شرف علم أصول الفقه ماقاله الغزالي مؤلف هذا الكتاب من أن (أشرف العلوم ماازدوج فيه العقل والسمع واصطحب فيه الرأي والشرع وعلم الفقه وأصوله من هذا القبيل فإنه يأخذ من صفو الشرع والعقل سواء السبيل فلا هو تصرف بمحض العقول بحيث لايتلقاه الشرع بالقبول ولاهو مبني على محض التقليد الذي لايشهد له العقل بالتأييد والتسيد) وقد ذكر لنا احد كبارالعلماء أن أهم الكتب التي ألفت في هذا الفن على طريقة المتكلمين أربعة كتب كتاب البرهأن لأمام الحرمين والمستفي للغزالي وهما من أهل السنة وكتاب العمد للقاضي عبد الجبار وشرحه المعتمد لأبي الحسين البصري وهما من المعتزلة وما بقي فهو متفرع عن الأربعة وهي قواعد هذا اافن واركانه. وقد أصبحت أكثر هذه الأربعة كالمفقود أن لم تكن مفقودة وتدارك احد اركانها وهو الركن الأهم فيما يبدو لنا كتاب المسصتفى لحجة الإسلام الغزالي الذي هو من آخر مؤلفاته واجودها وكلها جيد السيخ فرج الله زكي الكردي وطبع معه كتابا آخر يسمى فواتح الرحموت في شرح مسلم الثبوت للشيخ محب الله بن عبد الشكور. وكان بودنا لو طبع مع هذا الكتاب كتابا يناسبه مثل المنخول للأمام المشار إليه او لو طبعه مجردا على عادة أرباب المطابع الراقية. وقد طبع في المطبعة الأميرية طبعا جيدا مما يوجب الشكر للطابع وحبذا لو اتبعه بامثاله من أمهات الكتب النافعة في الفنون المختلفة خصوصا مايخشى فقده منها والكتاب في مجلدين وقعا في نحو ثمانمائة صفحة من قطع الربع وثمنه ٤٥ قرشا أميريا من الورق الجيد و ٣٥ قرشا من الورق العادي. الفوائد السمية في شرح النظم السمى بالفرائد السنية في فروع الفقه على مذهب الأمام أبي حنيفة الشيخ محمد الكواكبي المتوفي سنة ١٠٩٦ ويليه منظومة الفرائض للشيخ عبد الله الحنبلي وبهامشة إرشاد الطالب إلى منظومة الكواكب في علم الأصول للكواكبي ايضا طبع الجزء الأول منه بالمطبعة الأميرية الشيخ فرج الله زكي وهذا الجزء في ٣٧٦ صفحة ويطلب من طابعه ب ٣٥ قرشا من جيد الورق من عاديه وسينجز الجزء الثاني قريبا. تقريب المرام تهذيب الكلام كتاب مشهور لسعد الدين التفتازاني وهو من اخصر مألف في هذا الفن واجمعه ولما كان يحتاج إلى شرح يبن مقاصده ويشيد قواعده تصدى لذلك الشيخ عبد القادر السنندجي من علماء الاكراد وطبعه الشيخ فرج الله زكي ويطلب منه وثمنه ١٢ قرشا. رسائل وكتب منوعة كتاب العقد الثمين في بيان مسائل الدين تأليف الشيخ علي السويدي من أهل القرن الثالث عشر للهجرة طبع طبعا متقنا بمطبعة مصطفى أفندي وعيسى أفندي وبكري أفندي البأبي الحلبي وهو في ٢٢٣ صفحة ويباع في مكتبهم بستة قروش ونصف مجلد ا. ويطلب منها ايضا كتاب كشف الظلمة لحسين أفندي قلي الداغستاني وهو بثلاثة قروش. والرحلة الشنقيطية لفقيد الرواية واللغة الشيخ محمد محمود الشنقيطي تباع بمكتبتهم بثلاثة قروش. واهدينا الكتاب المفيد الكافي للتعليم الجغرافي تأليف محمود أفندي عابدين في مائة صفحة صغيرة. ورسالة في التنويم المغناطيسي لمحمد أفندي مختار البأجوري وثمنها قرشان. ومنظومة في الإنسان والسلم والحرب لناظمها الشيخ سليمان ظاهر. ونبذة من شعر الشيخ عبد السلام الشطي نشرها حفيده جميل أفندي. والتقرير الرابع عن أعمال مشيخة علماء الأسكندرية سنة ١٣٢٤ وفيه أن عدد الطلاب إلى نهاية العام الماضي ٥٧٦ والذين استمروا على الدراسة منهم ٣٢٤ وتقدم للمشيخة هذا العام ٤٨٥ استمر منهم على الطلب ٢٩٣ وفي التقرير فوائد كثيرة تدل على سلوك هذا المعهد العلمي سبيل النجاح. سير العلم العلم في مصر مما يسجل بالحمد ويدعو إلى توسيع الأمال في مستقبل مصران نظارة معارفها وفرت العناية هذه السنة بالتعليم باللغة العربية في المدارس الأميرية وارسلت ثمانية عشر تلميذا من نبهاء المصريين إلى بعض مدارس إنكلترا يتعلمون فيها كما كأنت العادة جارية منذ زمن محمد علي إلى عهد قريب بإرسال طائفة من التلاميذ الأذكياء إلى مدارس الغرب ليعودوا منها فينفعوا بلادهم بفضل علمهم وقد انشأت المعارف بقوة أرادة ناظرها تتوسع بالتعليم المجاني وانشأت مدرسة القضاء الشرعي وشرع في التدريس فيها منذ أول السنة المدرسية والرجاء أن يأتي من هذه المدرسة من المنافع مثل ماأتى من مدرسة دار العلوم ومدرسة الألسن. ومما يدعو إلى الرجاء في اعتماد الأهلين على أنفسهم لتعليم أولادهم أنه زادت العناية بإنشاء الكتاتيب الأهلية في ارجاء القطر ولاسيما في مديرية الدقهلية حيث بلغ عددها ازهاء ثلثمائة كتاب صرف على بنائها نحو مائة وخمسين الف جنيه ووقف عليها من الاطيان والعقارت مايبلغ إيراده السنوي ثلاثة آلاف جنيه والقطر في أشد الحاجة إلى الاستكثار من امثال هذه الكتاتيب المنظمة المتقنة ولو كأنت البلاد مستعدة لإنشاء مدرسة جامعة لرأينا الأمة تقوم قومة رجل واحد للبذل في السبيل ويقال أن عدم مد الايدي بالاعانة لإنشاء مدرسة جامعة ناتج من الضائقة الماليةالتي اهتزت لها اعصاب القطر هذه السنة ولم تتجاوز الاعانة التي جمعت حتى الأن السبعة والعشرين الف جنيه ماعدا المئة فدان التي وقفها عليها احد أغنياء الغربية. ومما ييذكر في باب ارتقاء مصر الاجتماعي قيام عدة أحزاب سياسية فيها من أهلها. وفي ذلك دليل بأن القوم بدأوا يعرفون الاجتماع وأن قوى الفرد ضائعة إذا لم تكن مجموعة كما أنشأ المتخرجون من دار العلوم ناديا في القاهرة واختاروا أناسا ومن غيرهم من الافاضل ليتولوا من الأعمال مايرقي اللغة العربية فيكون مجمعهم هذا نسخة مصغرة من المجامع العلمية في أوروبا فالرجاء أن تكون الفائدة من اجتماعهم لمجموع الأمة أكثر من نادي المدارس العليا الذي أسس في القاهرة منذ ثلاث سنين ولم بأت بفائدة عامة حتى الان. ومن هذا القبيل مجيء اسماعيل بك غصبرنسكي صاحب جريدة ترجمأن التركية في باغجة سراي من بلاد القريم ومن رجال النهضة التترية إلى القاهرة وخطبته في نزل كنتننتال أمام مئات من العلماء والكتاب والاعيان يدعو مسلمين في مشارق الأرض ومغاربها إلى عقدمؤتمر إسلامي عام ينظر فيما طرأ على المسلمين من الأمراض الاجتماعية فجعلهم في مؤخرة الأمم على استعداد فيهم ومالهم من التاريخ المجيد. ومما يعد خسارة على الآداب العربية هذه السنة وفاة حسن باشا عاصم والمطران يوسف الدبس ورشيد أفندي الشرتوني والسيد محمد ابن الخوجة والشيخ طه محمود خليل أفندي الخوري ونجيب أفندي حبيقة وكانوا اخلف الله علينا من يقوم مقامهم أعضاء نافعة في جسم المجتمع خدموه جهد طاقتهم بعقولهم. أما البلاد العربية الأخرى فلم يحدث فيها هذه السنة ماهو جدير بالدوين هنا. العلم في ألمانيا ساعد على ارتقاء ألمانيا في أواخر القرن التاسع عشر أن التعليم العام فيها انتشر انتشارا لايكاد يتصوره العقل فبعد أن كان فيها سنة ١٨٨٢ - ٢٠٤٤٠ مدرسة ابتدائية تحتوي على ١٤٢٧٠٤٥ تلميذا أصبح فيها سنة ١٩٠١ في المدن ٤٤١٣ مدرسة فيها ٣٥٧٣٣ فرقةوفي القرى ٣٢٣٣٢ مدرسة فيها ٦٨٣٤٩ فرقة وفي مجموعها كلهازهاء ٥٦٨٠٠٠٠ تلميذا وهكذا الحال في التعليم الثانوي فقد كان فيها سنة ١٨٣٥ - ١٣٦ مدرسة عالية فغدا فيها سنة ١٩٠٥ - ٣٦٣ مدرسة يضاف إليها ٣٣٥ مدرسة يسمونها المدارس الحقيقية المجردة وزاد عدد طلاب الكليات فكان فيها سنة ١٨٣٠ - ١٥٨٧٠ طالبا فصار عددهم سنة ١٩٠٥ - ٣٧٦٧٧ وبعد أن كانت نظارة المعارف والأديأن في بروسيا تنفق في سنة ١٨٥٠ عشرة ملايين مارك أصبحت تنفق سنة ١٩٠٥ - ١٨٥ مليون مارك ماعدا مانشيء فيها من المدارس العالية الفنية والزراعية والتجارية ومدارس الكبار وكليات الشعب وقاعات الخطب والمحاورات المجانية والمكاتب المجانية والمتاحف وغيرها فإن ألمانيا أكثر البلاد اصداراللكتب وتجارتها عندهم رائجة إلى التي لابعدها فلم يكن في أوائل القرن الماضي عدد المصنفات الجديدة التي تصدر في ألمانيا سوى ٣٩٠٠ - ٢٤٧٩٢ وسنة ١٩٠٤ - ٢٨٨٨٦ على حين لم يصدر سوى ١٢١٣٩ مصنفا وإذا فرضنا أنه يطبع من كل كتاب في ألمانيا الف نسخة فيصيب كل اثنين من سكانها مجلد واحد هذا على أقل تعديل وكان في ألمانيا سنة ١٩٠٥ - ٧١٥٢ محلا لتصريف الكتب اصدرت إلى البلاد الخارجية كتبا بمائتين وتسعين مليون مارك والكتب والصحف والمجلات في ألمانيا كثيرة جدا ففي أواخر الربع الأول من القرن التاسع عشر كان في ألمانيا ٨٤٥ جريدة فارتفعت سنة ١٨٦٩ إلى ٢١٢٧ جريدة وفي سنة ١٨٩١ صارت ٧٠٨٢ جريدة يزيد ماتطبعه شهرا عن شهر وبعد أن كان الاشخاص الذين يعيشون من التمثيل والموسيقى والمعارض الصناعية سنة ١٨٨٢ - ٤٦٥٠٨ اشخاص أصبح سنة ١٨٩٩ - ٦٥٥٦٥ استحالة الطماطم بلغ من تفنن بوربانك مؤلف كتاب الفواكه أن اخرج من الطماطم (البندورة) عنبا واجاصا وكمثرى وتفاحا ودراقا وغيرها من الفواكه مما إذا رأيته ظننته أصليا. وكان من اجود اختراعته في ذلك الطماطم بالعنب والطماطم بالكمثرى ومنها الأصفروالأحمر ويستخدم الأصفر في المربيات لجودة رائحته وكأنت الطماطم بهذه الأنواع من الفاكهة تخرج كل نبتة منه من مئة إلى مائتينيوخمسين وتعطي أرباحا عظيمة وهي تنبت من شهر يوليو إلى اكتوبر بعد أن تزرع من ابريل إلى مايو. الاستصباح الصناعي نشر احد مهندسي الأمريكان بحثا في هذا المعنى قال فيه أن الاستصباح بالاضواء الصناعية المتعارفة يجب أن يكون إلى الانوار الطبيعية اقرب وأن يجمع بين الفائدة والجمال وأن الطريقة المتبعة الأن في تنوير المساكن والمحال العامة في الليل سواء كان بالاضواء الكهربائية أو الغازية أو الزيتية أو غيرها ليست من الاضواء الطبيعية في شئ وينبغي أن يستعمل من مواد الإنارة مايقربها من الطبيعي لئلا تتضرر العيون ورأى أن الاجدر بالنور الصناعي أن يكون مستورا او معتدلا وبذلك يجب التخلي عن المصابيح الشائعة بالاستعمال الآن وإن اضواء المسكن يجب أن تكون متناسبة مع أثاثه وفرشه كما تكون متوأفقة مع عدد الاشخاص الساكنين فيه وهو يحاول ابدال الطريقة المستعملة في الإنارة بغيرها. طول العمر نصح أحد الأطباء لمن أراد أن يطول عمره مئة سنة أن يقوي حواس جسمه وانسجته برياضات يومية في الهواء الطلق وذلك باستعمال الالعاب الجسدية أو التنفسية وأن يعتدل في اكله وشربه ولذائذ الطبيعة وأن يهوي المساكن ويقيم ماامكن في العراء وأن يقاوم الأمراض والاستعداد لما ورثه من آبائه وأن يباكر النوم ويباكر اليقظة ولاينام أقل من ست ساعات ولاأكثر من ثماني وأن يعزز القوى العقلية بعمل منظم وأن يحتفظ بأسباب الصلاح والسرور وسكون الروح والأمل في الحياة وأن ينبه في نفسه الشعور بالواجب كل وقت من أوقات الحياة ويقوي العزيمة في مجاهدة المصائب وينشطها على فعل الخير واتقاء الصبر. قال أحد الظرفاء وعندي شرط عاشر لطول الحياء وهو أن لايشتغل المرء بالسياسة فإن الاشتغال بها يقصر الاعمار. دواء الكلب اخترع احد أطباء نيويورك دواء جديد للكلب. وقد زاد عدد المصأبين بهذا الداء الذي ينسب انتشاره لرداءة الأسباب الصحية التي تعيش فيها الكلاب في العادة فيحبس بعضها في الدور ويغذى باخبث المآكل. ولاحظ بعضهم أن الكلاب تعيش ستين ايسلاند وهي جزيرة واقعة بين لون ايسلاند وجون راريتأن في المحيط الاتلانتيكي اهنأ عيشة ويعنى بأمرها من وراء الغابة ومع هذا فهي تصاب بالكلب. ورد بعضهم على هذه الحجة قائلا أن الكلب ينتقل إلى تلك الكلاب المرفهة بالعدوى. ويقول الأميركيون أن الدواء الذي اخترعه باستور الفرتسوي لمعالجة الكلب يطول به الشفاء ولايهتدى لمعالجة المصاب لأول أصابته به أما الطبيب النيويوركي فإنه يفحص رأس الحيوأن لأقل شبهة تقع في النفس من ناحيته فحصا ميكوسكوبيا ليعرف بذلك فيما إذا كان فيه بعض الأجسام النيجرية نسبة للبكتريا ومتى وجدت هذه الأجسام في الكلب فهو مصاب بالكلب لامحالة وبذلك لايعتمد إلى استعمال الطريقة المتبعة الأن في كشف حال الكلب يحقن عين ارنب والانتظار خمسة عشر يوما لتحقيق إلأصابة بل أن المصاب يعرف في اليوم الذي يشتبه فيه. دواء للصمم منذ خمسة عشر سنة اكتشف دواء يعين بعض الشيء على الشفاء من الصمم سموه التيوزينامين ولم يثبت نفعه الافي هذه السنة بفضل محلول مائي منه اخترع حديثا ويؤكدون أن هذا الدواء يسكن بعض التسكين ولايفيد كل الفائدة. أعظم ضوء هو الذي ينبعث من الكرة المعلقة في أعلى برج من المحطة الجديدة في مدينة لاكاوانا في ولاية نيوجرسي من أعمال الولايات المتحدة فقد جعل داخل هذه الكرة التي يبلغ قطرها مترين ٤٩ مصباحا ذا اقواس يكون منها نور يعادل مليون ونصف مليون من الشموع وينير الضواحي والاقاصي. مكتبة العميان اغتنت مكتبة العميأن في نيويورك المؤسسة من اعانات المحسنين بقائمة جديدة من كتبهم مؤلفة من ثلاثة آلاف كتاب جعلت في جرار خاصة يكفي الأعمى أن يمر يده على احدها حتى يفهم موضوعه وهذه الكتب تساعد الاكمة كثيراً على التعلم وعدد العميأن في الولايات المتحدة نحو سبعين الفا. نبوغ الكاتبات قالت إحدى المجلات الفرنسوية من الصعوبة أبداً أن يبدأ المرء في عمل ويبرز فيه والبداءة بالأدب من جملة الأمور المتعذرة وقد كان شأن القصصية هانري كريفيل شأن غيرها من الكاتبات والكاتبين في ذلك فطافت لأول عهدها إدارات تحرير الجرائد والمجلات فلم تقبل لها شيئا من رواياتها فاضطرت أن تعيش في مسكنة وتسكن مسكنا حقيرا وقد قبلت (مجلة العالمين) وهي من أهم مجلات فرنسا ذات يوم من هذه الكاتبة أن تنشر لها إحدى قصصها بعد أن فحصتها وماهي الاعشية او ضحاها حتى اختلف إلى المؤلفة الطابعون في باريز يسألونها أن تخصهم بشيء من مؤلفاتها وإذ كانت هي على ثقة من نفسها ويقين من جودة منثورها خطر لها أن تشترط على أولئك الطابعين بان تتقاضى منهم ضعف ما اتفقت معهم عليه عند ما يتجاوز المطبوع من قصصها الطبعة العاشرة وكأن ذلك كما خطر لها إذ أنها لم تمت حتى رأت معظم ما كتبت وقد طبع أربعين مرة فاتاها بثروة عاشت فيها في خفض وسعة. الراحة الأسبوعية نشرت جريدة الاقتصاديين مقالة في فضل الراحة يوماً في الأسبوع وشيء من تاريخها وأوردت صورة المحضر الذي وقع عليه في لندن سنة ١٨٥١ بقلم ٦٤٠ طبيباً وما كتبته الفلاسفة في هذا الشأن مثل روسو علماء الاجتماع مثل ما كولي ولنكلن والاقتصاديون مثل برودون ورجال السياسة مثل بالمرستون وروبرت بيل وكلهم يثبتون ضرورة راحة يوم في الأسبوع ومنافعها الطبيعية والأخلاقية وحسناتها الاقتصادية والاجتماعية. نساء أميركيا بحثت إحدى المجلات الألمانية في حالة النساء في الولايات المتحدة فقالت أن عددهن فيها بالنسبة لعدد الرجال يقل نحو مليون نسمة أما التعليم فإن عدد المتعلمات منهن هو ضعفا عدد الرجال ولذلك يقوى الميل كل يوم في تلك البلاد في تقليل تربية البنات مع الصبيان وإنشاء مدارس للبنات خاصة. حب الوطن أسف أحد المفكرين المجلات الألمانية من أن محبة الوطن لا تلقن الناس إلا بتجميد أبطال الحروب فيعلم التلميذ الإعجاب بالغالب في ساحة الوغى وما المجد الحقيقي إلا لتلك الأجيال من الفلاحين والعملة ممن عملوا بسلام على إغناء بلادهم وراحة أفرادها ولاسيما أولئك العلماء ممن تجردت نفوسهم عن الأغراض فنفعوا بما أتوا من أعمالهم الجليلة أبناء البشر عامة ولا يحتفظ بحب الوطن الحقيقي إلا بإلقاء النظر على أعمال السواد الأعظم من الأمة. وقد قال الاشتراكي فولمار منذ أيام: أن محبة الإنسانية لا تمنعا مطلقاً من أن تكون من أحسن الألمان عراقة في الوطنية. استعارة الكتب نشرت مجلة التعليم الدولية مقالة ف نظام إعارة الكتب من مكاتب باريز وجميع أنحاء فرنسا وكلياتها وبلدتها سواء كان لأبناء البلاد أو لمن يطلبها من العلماء في الخارج لقاء رهن وشروط تشترط نظارة معارف فرنسا على المستعير وعلى دولته المتوسطة في الأمر فقالت أن الحكومة هناك بذلت ومازالت تبذل منذ ثلاثين سنة كل ما يساعد المؤلفين والعالمين على الانتفاع بالكتب أيا كانت جنسيتهم وبلادهم والقيود التي وضعتها سهلة ولم تستثن إلا بعض المخطوطات التي كتبت على الورق قبل اختراع الطباعة وقال أن في مكتبة الأمة بباريز من المخطوطات ١٠٨٥٠٠ وذلك عدا ما في الولايات المتحدة وخزائن الكليات والبلديات وأن الفرنسيس مقصرون في الاستعارة من مكاتب الأمم الأخرى مع أن مكاتب الأمم المتمدنة مفتحة أبوابها لهم ماخلا مكاتب إنكلترا واسبانيا فإن هاتين الحكومتين لم تريا من العقل أن تخرجا الكتب الثمينة وتعرضها لخطر الضياع والحوادث باعارتها. أما الأمم الغربية فتستفير من فرنسا أكثر مما يستعير علماء الفرنسيس من غيرهم وقد كان عدد الكتب التي أعارتها مكاتب باريز والولايات سنة ١٩٠٦ - ٤٨٨ وما اعارته فرنسا للخارج ١٢١ اما عدد ما استعارته من الخارج فهو ١١ كتاباً. الشعر والثورة ألف احد علماء الفرنسيس مجلداً ضخماً أثبت فيه بالبرهأن التاريخي تأثير الثورة الفرنسوية الأولى في عقول بعض الشعراء الإنكليز المعاصرين لها حتى صارت روحها تظهر على أسلات أقلامهم وتتجلى في إبداعهم ونظامهم ولاسيما ورتسورت وسوتني وكولريج وقال أن الاضطرابات والشعور الذي نالهم من ذاك الحادث قد ساعدهم على تجليد حياة الشعر الإنكليزي المعروف بالرومانتك أي الجديد الخالي من التقليد. وبين المؤلف تأثير الثورة الفلسفي أي الأفكار الأدبية والاجتماعية التي نتجت منها ورددها أولئك الشعراء وتغنوا بها بين قومهم. محصول السكر كان محصول السكر في العالم سنة ١٨٧٠ - ٢ . ٦٠٠ . طن فبلغ سنة ١٩٠٥ ١٠ . ٠٨٦ . طن. مسكرات العالم في إحصاء أخير إنه كان مجموع الوارد من المشروبات على أوروبا سنة ١٩٠٦ ٦٣٣٥٦٦ هيكتولتر منها ٤٧٦٤ على البلاد العثمانية في أوروبا و ٩٧٩ على بلادها في آسيا والهيكتولتر مئة ليتر. مدارس الأجانب بلغ عدد التلاميذ الذين يدرسون اللغة الفرنسوية في مدارس فرنسوية ٩٠ ألفا في البلاد العثمانية و ١٦٧٥٣ في مصر. وإيطاليا وألمانيا تحأولان أن تتقدما على فرنسا في هذا الباب ولاسيما بعد فصل فرنسا الدين عن السياسة وإعلانها الحرب على الدين وأهله فقد بلغ ما خصصته إيطاليا سنة ١٩٠٤ لإنشاء مدارس لها في اسكوب واشقودرة والاستانه وسلانيك وازمير ١١١٢٠٠٠ لير واللير معاملة طليانية قدرها فرنك وبلغ ما خصصته ألمانيا ٦٥٠ ألف مارك للانفاق على مدارسها في فلسطين وغيرها والمارك فرنك وربع. الخطوط الحديدية بلغ ما مد إلى الآن من السكك الحديدية في السلطنة العثمانية ٦١٠٠ كيلو متر وبلغ طول السكك الحديدية في الديار المصرية ٥٢٥٢ كيلو متراً. شاعر مضحك عثروا في إحدى القرى التي غابت عن الأنظار في ضفة النيل على أربع قطع للشاعر اليوناني الهزلي مياندر المتوفي قبل ٢٢٠٠ سنة وقد فرح أهل الأدب بهذا الاكتشاف لأنهم لم يروا مما خلفه مياندر حتى الأن الا محاورات طفيفة والمأثور عنه أنه ألف ثمانمائة رواية ويقول مؤرخو الأدب إن مياندر جاء العالم بقصائده المضحكة قبل ترأس الشاعر الهزلي وقبل شعراء اللاتين. التلغراف اللاسكي من أهم ما وفق إليه العلم في الأيام الأخيرة ربط أوروبا بأميركا بالتلغراف اللاسكي الذي اخترعه ماركوني الإيطالي وبه ينقل الكلام بأسرع مما كان ينقل بواسطة الأسلاك البحرية وبه يمكن إرسال رسالتين في آن واحد ومعنى مختلف وهذا الاختراع سيغير أحوال المخابرات بعض التغيير.</passage>
<license>Distributed under a Creative Commons Attribution-ShareAlike 4.0 International (CC BY-SA 4.0) license</license>
<source>https://github.com/tillgrallert/digital-muqtabas/blob/master/xml/oclc_4770057679-i_24.TEIP5.xml retrieved via Canonical Text Service http://cts.informatik.uni-leipzig.de/muqtabas/cts/ with CTS URN urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.24.TEIP5:</source>
</reply>
</GetPassage>
