<?xml version="1.0" encoding="UTF-8"?><GetPassage xmlns="http://relaxng.org/ns/structure/1.0" xmlns:a="http://relaxng.org/ns/compatibility/annotations/1.0" xmlns:tei="http://www.tei-c.org/ns/1.0">
<request>
<requestName>GetPassage</requestName>
<requestUrn>urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.21.TEIP5:</requestUrn>
</request>
<reply>
<urn>urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.21.TEIP5:</urn>
<passage>العدد ٢١ بتاريخ: ١٥ - ١٠ - ١٩٠٧ صدور المشارقة والمغاربة ابن زيدون إذا انتشرت الآداب والعلوم في أمة وكادت تعم أفرادها كافة يأتي من بين أولئك المتعلمين الكثار صفوة من الرجال منهم ينشأ النوابغ لان ارتقاء العلوم في الخصوص يكون على نسبة ارتقائها في العموم. وصاحب الترجمة هو احد أفراد الأندلس المعدودين زكا أصله وسما عقله ورجح بيانه وانفتق لسانه وبعد صيته بين حملة رايات القريض وصواغ عقود الإنشاء جمع إلى تليد مجده طريفاً وإلى آدابه الوهبية آداباً كسبية وقد عد في الطبقة العالية بين شعراء الأندلس ونال من المنثور حظاً كبيراً فهو على التحقيق كما وصفه احد الأدباء (بحتري المغرب) لحسن ديباجته وسهولة معانيه ومتانة تراكيبه تقرأ في منظومة العواطف في أبهى مظاهرها وتتجلى لك أغراضه في أسمى معانيها فشعره جعبة الأدب البارع ودرج الذهب الرائع ومثال الظرف والرقة وعنوان الانسجام والإجادة حتى قال أحدهم فيه: من لبس البياض وتختم بالعقيق وقرأ لأبي عمرو وتفقه للشافعي وروى شعر ابن زيدون فقد استكمل الظرف كله. وصفه صاحب القلائد بقوله: زعيم الفئة القرطبية ونشأة الدولة الجهورية الذي بهر بنظامه وظهر كالبدر ليلة تمامه فجاء من القول بسحر وقلده أبهى نحر لم يصرفه إلا بين ريحان وراح ولم يطلعه إلا في سماء مؤانسات وأفراح ولا تعدى به الرؤساء والملوك ولا تروى منه إلا حظوة كالشمس عند الدلوك فشرف بضائعه وأرهف بدائعه وروائعه وكلفت به تلك الدولة حتى صار ملهج نسانيها وحل من عينها مكان إنسانها. وفي بعض المجاميع أن الوزير آبا بكر بن عمار وأبا الوليد بن زيدون كانا في حسن الشعر فرسي رهان ورضيعي لبان وقد ذكرا أكثر الأدباء بالأندلس إنهما اشعر أهل عصرهما هذا ما ذكره العماد الكاتب وذكر له القصيدة التي أولها (أما في نسيم الريح عرف يعرف) والرسالة التي كتبها لأستاذه ابن جهور يستعطفه بها وقد اعتقله لما سمع أنه مال إلى المعتضد عباد وذكر لابن عمار الرائية التي استوزره لسببها ابن عباد وهي ادر الزجاجة الخ. ولقد كان ابن زيدون آية في طلاقة لسانه كما كان غاية في حسن بيانه ويحكى أن ابنته توفيت وبعد الفراغ من دفنها وقف للناس عند منصرفهم من الجنازة ليتشكر لهم فقيل إنه ما أعاد في ذلك الوقت عبارة قالها لأحد الصفدي وهذا من التوسع في العبارة والقدرة على التفنين في أساليب الكلام وهو أمر صعب إلى الغاية وأرى أنه اشق مما يحكى عن علماء وأصل بن عطاءاته ما سمعت منه راء لإنه كان يلثغ بحرف الراء لثغة قبيحة والسبب في تهوين هذا الأمر وعدم تهوينه أن وأصل بن عطاء كان يعدل إلى ما يرادف تلك الكلمة مما ليس فيه راء وهذا كثير في كلام العرب فإذا أراد العدول عن لفظ فرس قال جواد أو ساع أو صافن أو العدول عن رمح قال قناة أو صعدة أو يزنى أو غير ذلك أو العدول عن لفظ صارم قال حسام أو لهدم أو غير ذلك وأما ابن زيدون فأقول في حقه أقل ما كان في تلك الجنازة وهو وزير ألف رئيس ممن يتعين عليه أن يتشكر له ويضطر إلى ذلك فيحتاج في هذا المقام إلى ألف عبارة مضمونها الشكر وهذا كثير إلى الغاية لاسيما من محزون فقد قطعة من كبده ولكنه صوب العقول إذا انبرت سحائب منه أعقبت بسحاب وقال ابن بسام في الذخيرة في ترجمة ذي الوزارتين الكاتب أبي الوليد ابن زيدون وصاحب الذخيرة خير من يصور الرجال ومناشئهم وأحوالهم: كان أبو الوليد غاية منثور ومنظوم. وخاتمة شعراء مخزوم. احد من جر الأيام جرا. وفات الأنام طرا. وصرف السلطان نفعاً وضراً. ووسع البيان نظماً ونثراً. إلى أدب ليس للجدول تدفقه. ولا للبدر تألقه. وشعر ليس للسحر بيانه. ولا النجوم الزهر اقترانه. وحظ من النثر غريب المباني. شعري الألفاظ والمعاني. اخبرني غير واحد من وزراء إشبيلية قال: لما خلص ابن عبد البر من يد عباد. خلوص الفرزدق من يد زياد. بقيت حضرته من أهل هذا الشان. أعرى من ظهر الأفعوان. وأخلى من صدر الجبان. فهم باستخلاف أبي محمد ابن الباجي المشهور أمره الآتي في القسم الثاني من هذا الديوان ذكره فكان أبا الوليد غص بذلك ووطأ أبا محمد بن الجد على الإشارة بالاستغناء عما هنالك فكأنت الكتب تنفذ من إنشاء أبي الوليد إلى شرق الأندلس فيقال: تأتي من إشبيلية كتب هي بالنظم أشبه منه بالنثر. وقد أجرى ذكره أبو مروان بن حيان في وصف من كان اصطنع ابن جهور من رجال دولته فقال: ونوه بفتى الأدب وعميد الظرف الشاعر البديع الوصف أبي الوليد احمد بن زيدون ذي الابوة النبيهة بقرطبة والوسامة والدراية وحلاوة المنظوم والسلاطة وقوة العارضة والافتنان في المعرفة وقدمه إلى النظر على أهل الذمة لبعض الأمور المعترضة وقصره بعد على مكانه من الخاصة والسفارة بينه وبين الرؤساء فأحسن التصرف في ذلك وغلب على قلوب الملوك. وقال ابو مروان وكان أبو الوليد من أبناء وجوه الفقهاء بقرطبة في أيام الجماعة والفتنة وبرع أدبه وجاد شعره وعلا شأنه وانطلق لسانه فذهب به العجب كل مذهب وهون عنده كل مطلب وكان علقه من عبد الله بن احمد احد حكام قرطبة ما اداه إلى السجن فالقى نفسه يومئذ على أبي الوليد بن جهور في حياة والده أبي الحزم فشفع له وانتشله من نكبته وصيره في صنائعه ولما ولي الأمر بعد والده نوّه به واسنى خطته وقدمه في الدين اصطنع لدولته واوسع رايته وجلله كرامته ولم يقنعه ذلك فيما زعموا فاتفق أن عن له مطلب بحضرة ادريس الحسني بمالقة فأطال الثواء هنالك واقترب من ادريس وخف على نفسه واحضره مجالس أنسه فعنف عليه ابن جهور وصرفه في السفارة بينه وبين أمراء الأندلس فيما يجري بينهم من التراسل والمداخلة فاستقل بذلك بفضل ما أوتيه من العارضة بالنسب والجاه والمنفعة ولم يغنه ذلك عن التهافت في الترقي لبعد الهمة فهوى عما قليل إلى عباد صاحب إشبيلية فهاجر عن وطنه إليه ونزل في كنفه وصار من خواصه وصحابته يجالسه في خلواته ويسفر له في مهم رسائله على حال من التوسعة وكان ذهابه لعباد سنة إحدى وأربعين وأربعمائة. قال أبو الحسن: فاما سعة ذرعه وتدفق طبعه وغزارة بيانه ورقة حاشية لسانه فالصبح الذي لا ينكر ولا يرد والرمل الذي لا يحصر ولا يعد اخبرني من لا ادفع خبره من وزراء إشبيلية قال: لعهدي بأبي الوليد قائماً على جنازة بعض حرمه والناس يعزونه على اختلاف طبقاتهم فما سمع يجيب أحداً بمثل ما أجاب به غيره لسعة ميدانه وحضور جنانه. وقد اخرجت من أشعاره التي هي حجول وغزر ونوادر أخباره التي هي مأثر وأثر ورسائله التي اخرست السنة الحفل (ما ستتلوه) ثم ذكر له ما يتعلق بذكر وفاة ذي الوزارتين فصل من تاريخ الشيخ أبي مروان ابن حيان رأيت اثباته لنبل مساقه وحسن اتساقه يقول فيه: وفي يوم الاثنين لثلاث عشرة ليلة خلت من ذي الحجة سنة اثنتين وستين وأربعمائة سار الحاجب سراج الدولة عباد بن محمد إلى إشبيلية الحضرة الاثيرة لمطالعتها وتأنيس أهلها من وحشة خأمرت عامتهم من أجل عدوان رجل منهم على يهودي زعم أنه سب الشريعة فبطش به المسلم وسط السوق وجرحه وحرك عليه العامة فقبض عليه صاحب المدينة عبد الله بن سلام واعتقله فكان لعامة الناس في إنكار حبسه كلام وإكثار فخاطب السلطان بقرطبة بما كان منه ويستأمره في شأنه فعجل انفاذ ولده الحاجب سراج الدولة إلى إشبيلية في جيش كثيف من نخبة غلمانه ووجوه رجاله لمشارقة القصة والاحتياط على العامة وانفذ معه ذا الوزارتين أبا الوليد بن زيدون أحد الثلاثة كابري وزرائه المثناة وزارتهم مع الحاجب على بقية وعك كان متألماً منه ولم يعذره في التوقف من اجلها فمضى لطيته مسوقاً إلى منيته وخلف ولده ابا بكر الفذ الوزارة المرتسم بالكتابة وراء ساداً مكانه بالحضرة فأقر فيها أياماً ثم أمر بالمسير وراء والده لأمر كلفه فعجل بالانطلاق له فمضى غداة يوم السبت من ثمان خلون من المحرم سنة ثلاث وستين فخلت منهم منازلهم بقرطبة وصيرت على سواهم فتحدث الناس بيبو مكان الأديب ابن زيدون لدى السلطان وبما جرى من الحظيين لديه ابن مرتين وابن عمار في ابعاده وابعاد ابنه واحتوائهما على خاصة السلطان وتدبير دولته ولم يطل الأمد بابن زيدون بعد لحاق ابنه به ووجدانه إياه متزايداً في مرضه نازحاً عن ألافه على جهد في استدعائها على أنتهاء المدة وانتهاك القوة فاستقر به وجعه إلى أن قضى نحبه وهلك بدار هجرته إشبيلية صدر رجب سنة ثلاث وستين فدفن فيها مشهوداً مفتقداً واحتوى تربها عليه فيا بعد ما بين قبره وقبر ابنه لدينا رحمة الله عليهما. ولقد اتصل خبر هلكه بعشيرته أهل قرطبة فتنازعوه وسيئوا لفقده وحزنوا عليه إذ كان منهم متعصباً لهم هاوياً إليهم حدباً عليهم والبقاء لمن تفرد به وحده. وقد عزى اخوانه عنه امتداد بقاء فتاه الندب أبي بكر ولده بعده ساداً ثلمه سامياً مسماه غائطاً عداه عاطياً منتهاه مع شماخة ودماثة وحصافة ونزاهة ومعرفة ووفور حظ من أدب بلاغة وكتابة وشركة في التعاليم المعلية واشتداد في رعاية متقادمي الذمة لم يفقد اخوان أبيه معها الا عينه هو. اما شعره فمعروف سائر على الألسن. وقد افضنا في الكلام على ديوانه في غير هذا الموضع من هذا الجزء. واما نثره فقليل في الايدي لم يشتهر منه غير رسالتين مفردتين لم ينسج ناسج على منوالهما إحداهما رسالته في التنكيت على احد وزراء عصره وهي التي شرحها الأديب المشهور ابن نباته السعدي. والثانية رسالته التي كتبها وهو في الحبس يستعطف بها أمير مصره وقد شرحها صلاح الدين الصفدي (وطبع هذان الشرحان في الديار الأوروبية) ومتى ساعدنا الوقت نشرناهما لكثرة ما فيهما من التلميح للأمور التاريخية التي يجدر بكل أديب الوقوف عليها وقد أحببنا أن ننشر له بعض الرسائل التي ذكرها صاحب الذخيرة نقرأوها في باب الصحف المنسية. ثروة العرب قد يظن من يطالع تاريخ الإسلام بدون أن يعمل نظره معمله أن مايراه في تضاعيف سطوره من أخبار الثروة وطول ارقامها وتفإني الباحثين عنها والمتفإنين في نيلها ضرباً من ضروب الغلو ساق إليه تسرع المؤلف او اختلاق منه ليجعل لمن يتكلم عنه وقعاً في النفوس ويحبب إليها مطالعة كتابه خصوصاً والبشر في كل دور من ادوارهم كادوا يجعلون الدينار معبودهم. لو لم يرد إحصاء الثروة الإسلامية في كتب الثقات ما كان كلام بعضهم عنها بحيث يصبح نقله. فقد لقي الرسول عليه الصلاة والسلام ربه وحاله من الزهد في المال والرفاهية حاله واستن معظم أصحابه بسنته وكان من أمر أبي بكر وعمر وعلي من الزهد في المال ماشاع ذكره وظهر أثره وتحدث به السمار في الامصار. قال معاوية وقد ذكر المال (اما ابو بكر فلم يرد الدنيا ولم ترده واما عمر فأرادته الدنيا ولم يردها واما عثمأن فأصاب منها واما نحن فتمرغنا فيها ظهراً لبطن) على هذا النحو كان التأثل والارتياش راح الخليفة الأول وأسباب الفتوح معدودة ولم يصل قواده إلى أقصى جزيرة العرب ليفتحوا بلاداً عأمرة كفارس ومصر والشام كانت خزانة الثروة والأموال بما كان فيها من حضارة قديمة وإنما تهيأت الفتوحات وكثرت الغنائم أيام الخليفة الثاني ففتح الله للمسلمين تلك البلاد الغنية فعف عنها هو معظم أصحابه وكان يصادر من عماله من يجمع مالاًُ من غير حله. أما الخليفة الثالث فأخذ نصيباً من الدنيا هو وعماله وربما اغرق هؤلاء في نيلها بطرق لم تعهد زمن الخليفتين السالفين لان معظمهم من انسبائه وخاصته لا يحاسبون فيما هم فاعلون حتى إذا جاء الخليفة الرابع أراد إرجاع الخلافة إلى طورها اللائق وقتر على نفسه وعلى خاصته وذويه ولم يتسع له الوقت حتى تظهر فيها أخلاقه بالقول والفعل لاشتغاله بدفع غوائل الفتن. جاء معاوية فإنقلبت الخلافة إلى ملك عضوض وبدأ يستكثر من المال فيعطيه الأديب والطبيب والخطيب والفقيه والكاتب والقائد والعامل ومن ماثلهم يجعلهم عدته في توطيد الملك له ولذريته فكثرت الأموال والناس على دين ملوكهم. ولم يكن الا قليل حتى ابدى عبدة الدرهم نواجذهم من غير نكير وكاد ينسى ما كان عليه أهل الصدر الأول الا قليلاً ففي حوادث سنة اثنتين وثلاثين (أن الدنيا اتسعت على الصحابة حتى كان الفرس يشترى بمائة الف وحتى كان البستان يباع بالمدينة بأربعمائة الف وكأنت المدينة عأمرة كثيرة الخيرات والأموال والناس يجبى إليها خراج الممالك وهي دار الأمارة وقبة الإسلام فبطر الناس بكثرة الأموال والخيل والنعم وفتحوا اقاليم الدنيا واطمأنوا وتفرغوا) (وكان عبد الرحمن بن عوف الزهري أحد الثمانية الذين سبقوا الخلق إلى الإسلام تاجراً كثير الأموال بعد أن كان فقيراً باع سرة أرضاً له بأربعين ألف دينار فتصدق بها كلها وتصدق مرة بسبعمائة جمل باحمالها قدمت من الشام وأعان في سبيل بخمسمائة فرس عربية) (ومات أبو طلحة الانصاري احد من شهد بدراً في سنة أربع وثلاثين وكان أكثر الانصار مالاً) (وكان الزبير بن العوام ابن عمة النبي صلى الله عليه وسلم وأحد العشرة كثير المتاجر والأموال قيل كان له الف مملوك يؤدون إليه الخراج فربما تصدق بذلك في مجلسه وقد خلف أملاكاً أبيعت بنحو أربعين ألف الف درهم وهذا لم يسمع بمثله قط) (وكان طلحة بن عبيد التميمي أحد العشرة من الأجواد يقال له طلحة الفياض وطلحة الجود ويقال أنه فرق في يوم واحد سبعمائة الف ويروى أن إعرابياً من أقاربه قصده وتوسل إليه فوصله بثمانمائة الف درهم ويروى عن عمرو بن دينار عن مولى طلحة أن دخل طلحة كان كل يوم الف درهم ويقال أنه خلف من المال الفي الف درهم ومائتي ألف دينار وقال ابن الجوزي خلف طلحة ثلاثمائة حمل ذهباً وروى ابن سعد باسناد له قومت أصول طلحة وعقاره بثلاثين الف الف درهم) وخلف عمرو بن العاص نائب معاوية على مصر (أموالا عظيمة من ذلك سبعون رقبة بعير مملوءة ذهباً وكان معاوية قد أطلق له خراج الديار المصرية ست سنين شارطه على ذلك لما أعانه على وقعة صفين). جمع ابن العاص ما جمع لا من الخراج الذي كأن يستأثر به وحده وإنما من تلونه في أساليب استخراج المال من أهل مصر ولذا صادره عمر بن الخطاب لما كان عاملاً له عليها. روى الديري في كتاب الحبس على التهمة عن أبي القاسم بن سلام في كتاب الأموال في اسناد له عن هشام بن أبي رقية وكان ممن افتح مصر قال افتتحها عمرو بن العاص فقال: من كان عنده مال فلينتابه قال: فأبي بمال كثير قال: وبعد ذلك بعث إلى عظيم أهل الصعيد فقال: المال فقال: ما عندي مال فسجنه قال: وكان عمرو يسأل من يدخل عليه هل تسمعونه بذكر أحداً قالوا: نعم يذكر راهباً بالطور فبعث به مع رسول من قبله إلى الراهب فأتي بقلة من نحاس مختومة برصاص فإذا فيها كتاب وإذا فيه يا بني إن ارتم مالكم فاحفروا تحت الفسقية فبعث عمرو الأمناء إلى الفسقية فحفروا فيها فاستخرجوا منها خمسين اردباً دنانير قال فضرب عنق القبطي وصلبه. ومصر هي أم المدن الإسلامية بثروتها وتربتها ذهب كما وصفها احد حكامها ولم يزل أمراؤها يستنزفون أموالها ففي سنة خمس وثمانين (مات متولي مصر والمغرب عبد العزيز بن مروان الأموي اخو الخليفة وقد ولي الديار المصرية عشرين سنة وخلف أموالاً لا تحصى) وسنة ٥١٥ مات بمصر الأفضل أمير الجيوش شاه نشاه احمد بن أمير الجيوش بدر الأرمني وكانت ولايته ثمانياً وعشرين سنة على الديار المصرية (واستولى الأمر على حواصله كلها ولم يسمع في الدنيا بمثلها كثرة كانت دوابه باثني عشر ألف ألف دينار وكان لبن المواشي التي له يغل في العام ثلاثين ألف دينار وأما بن خلكان فنقل عن صاحب الدول المنقطعة قال: خلف الأفضل وزير الديار المصرية وأمير جيوشها ستمائة ألف ألف دينار ومائتينيوخمسين إردب دراهم وخمسة وسبعين ألف ثوب ديباج) وكانت أسباب الثروة في البلاد الشرقية كثيرة وخصوصاً لمن ولي شيئاً من أمر الأمة في دور الانحطاط وارتفاع المراقبة وفساد التربية فإن المصادرات والرشوات وأنواع الهدايا والقربات وقلة النفقات ورخص البياعات كانت كلها من الأسباب التي تهيء الأمير متى رفع خوف الله من قلبه أن يكون صاحب القناطير المقنطرة من الذهب والفضة يسلبها ألوفاً من الضعفاء لينعم بها باله وبال عياله وأولاده من بعده. وإلا فكيف كان يتأتى للأمراء أن يخلفوا الأموال الطائلة في خزائنهم ويسرفوا إسرافاً لا يكاد يصدق لولا صحة ما رواه المحققون من أهل النظر. قيل أن جملة ما أنفقه عبد الله محمد بن أبي يوسف احد ملوك الأندلس في سفرة له مائة وعشرون حملاً ذهباً فكم كان في خزائنه يا ترى؟ ولا يخفى على ذي بصر أن أحوال العرب الاجتماعية لم تكن في الدرجة التي نتصورها ولو حفظت لنا كتبهم وسجلاتهم من الضياع لكان حكمنا على مدنيتهم من هذا القبيل صحيحاً لا شوب فيه ولا تخليط ولاشك إن كان للقوم عناية بالمال وطرق استثماره وأخبار أصحابه عنايتهم بالشؤون التي قلما يخطر بالبال إن كتاب العرب دونوا فيها وصنفوا. وما تعب يعانيه من يود الخوض في ذكر أحوال العرب على جليتها إلا ناتج من قلة الظفر بكل ما كتبوه وقد صام القوم عن العلوم الاجتماعية قرابة خمسمائة سنة لم يكن لهم فيها بعد ابن خلدون فيما احسب كتابة ولا رسالة يصح الرجوع إليها في المعضلات. رغب كثير من أهل الإسلام في الدنيا على أصولها ونشدوها من أبوابها وادخروا الأصفر والأبيض بعرق الجبين والكدح المشروع والطرق المعقولة والارتياض والاستنفاض والصناعات والتجارات والزراعات. وإن قل من جمعوا المال من حله وأنفقوه كذلك قلتهم في كل امة بحيث يتأتى للباحث في تراجم كبار الأغنياء في العالم أن يرجع طبقاتهم إلى ثلاث أما سارق بطرق تجارية أو صناعية كما في الغرب اليوم أو سارق برشوة ومظلمة كما في الشرق قديماً وحديثاً أو وارث ترك له أهله مالاً جنوه بتلك الأسباب وقليل منهم بالعمل واتخاذ أسباب الرزق. ولا يعقل أن يكسب المرء من حلال صرف ويسير على قانون مشروع أو معقول ويتسنى له أن يكون من رجال الخزائن والصناديق. كان أمام أهل مصر الليث بن سعد الفهمي المتوفي سنة ١٧٥ (من بحور العلم له حشمة وافرة وكان نظير ملك قيل كان دخل الليث في السنة ثمانين ألف دينار وما وجبت عليه زكاة مال قط وكان نواب مصر من تحت اوأمره) وسنة ٣٠٢ صادر المقتدر بالله العباسي حسين ابن الجصاص الجوهري وسجنه قال ابن الجوزي: وأخذوا منه ما قيمته ستة عشر الف ألف دينار قال بعضهم: رأيت ابن الجصاص يقبن بين يديه بالقبان سبائك الذهب قال الكتبي في ذيل الوفيات: كان ابن الجصاص من اعيأن التجار ذوي الثروة الواسعة ولما بويع لعبد الله ابن المعتز وانحل أمره وتفرق جمعه وطلبه المقتدر اختفى عند ابن الجصاص هذا فوشى به خادم صغير لابن الجصاص فصادره المقتدر على ستة آلاف ألف دينار قال ابن الجوزي: أخذوا منه ما مقداره ستة عشر الف ألف دينار عيناً وورقاً وقماشاً وخيلاً وبقي له بعد المصادرة شيء كثير إلى الغاية من دور وقماش وأموال وبضائع وضياع. قال ابن الجصاص في سبب ثروته: إنه كان في دهليز أبي الجيش خمارويه بن احمد ابن طولون وكان وكيله في ابتياع الجوهر وغيره مما يحتاجون إليه وما كان يفارق الدهليز لاختصاصه به فخرجت إليه قهرمانة لهم في بعض الأيام ومعها عقد جوهر فيه مائة حبة لم ير قبله ولا بعده افخر ولا أحسن منه كل حبة منه تساوي مئة ألف دينار عنده وقالت: يحتاج أن يخرط حتى تصغر فتجعل في إذأن اللعب وفي قلائده قال: فكدت اطير وأخذتها وقد قلتٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍ السمع والطاعة وخرجت في الحال مسروراً وجمعت مائة حبة أشكإلا في النوع الذي طلبته واردته وجئت عشياً وقلت إن خرط هذا يحتاج إلى انتظار زمان وقد خرطت اليوم ما قدرنا عليه وهو هذا ودفعت إليها المجتمع وقلت الباقي يخرط في أيام فقنعت بذلك واعجبيها الحب فخرجت وما زلت أياماً في طلب الباقي حتى اجتمع ف حملته إليها وقامت علي المائة حبة بدون المائة الف درهم وأخذت منهم جوهراً بمائتي الف الف دينار ثم لزمت دهليزهم وأخذت لي غرفة كانت فيه فجعلتها مسكني وكان يلحقني من هذا كثر مما يحصى حتى كثرت النعمة وانتهيت إلى ما استفاض خبره. هكذا اغتنى ابن الجصاص المتوفي بعد العشرين والثلثمائة تقريباً وله أخبار ونوادر لا تصدر الا عن النوكي كان يتظاهر بها ليرى الوزراء منه هذا التغفل فيأمنوه على انفسهم إذا خلا بالخلفاء. ومما يدل على مقدار الثروة الإسلامية النظر في مصادرات الملوك لأمرائهم وقوادهم فقد صادر المنصور سنة ثمان وخمسين ومائة خالد بن برمك (وأخذ منه ثلاثة آلاف الف ثم رضي عنه). (وفي سنة ٢١٩ غضب المعتصم على وزيره الفضل بن مروان وأخذ بي أبي دؤاد القاضي وصادره وأخذ منه ستة عشر الف الف درهم) وفي سنة تسع عزل القاضي القضاة يحيى بن اكثم وأخذ منه مائة ألف دينار. وكان الوزير ابن الفرات ذا جبروت وفتك وزر مرات للعباسين ثم صودر وقتل قيل كان دخله من ملكه في السنة الفي ألف دينار وكان له من الخيل والمماليك والتجمل مالا يكون مثله لسلطان. ولما جرت المحنة على الوزير أبي علي بن مقلة صاحب الخط المشهور في زمن الراضي بالله في سنة ٣٢٤ أخذ خطة بالف ألف دينار (ومات ايتاخ التركي الأمير مقدم جيوش الواثق سنة أربع وثلاثين ومائتينيخافه المتوكل فقبض عليه وأميت عطشاً وأخذوا له الف ألف دينار. جاء في ذيل الدول وسنة ٧٥٣ قبض السلطان على الوزير علم الدين بن زنبور وصودر بعد الضرب والعذاب فكان المأخوذ منه من النقد ما يزيد على الفي ألف دينار ومن أواني الذهب والفضة نحو ستين قنطاراً ومن اللؤلؤ نحو أربعين ومن الحياصات الذهب ستة آلاف ومن القماش المفصل نحو ألفينيوستمائة قطعة وخمسة وعشرين معصرة سكر ومائتي بستان وألف وأربعمائة ساقية ومن الخيل والبغال ألف ومن الجواري سبعمائة ومن العبيد مائة ومن الطواشية سبعون إلى غير ذلك. وكان دخل القاسم بن عبيد الله وزير المعتضد العباسي من املاكه في السنة سبعمائة ألف دينار (ومات سنة ٣٠١ أمير جند يسابور علي بن احمد الراسبي وخلف تركة عظيمة منها ألف ألف دينار وألف فرس). وخلف احمد ابن يونس الحراني من أطباء الأندلس ما قيمته أزيد من مائة ألف دينار نال أكثرها من الطب. وكان أبو عبد الله بن الكتاني من أطباء الأندلس وفلاسفتها ذا ثروة وغنى واسع وفي عيون التاريخ أن عبد الله بن محمد الأسدي المعروف بابن الاكفإني قاضي قضاة بغداد المتوفي سنة ٤٠٥ أنفق على ماقيل مائة ألف دينار على طلب العلم. وخلف خاسر الشاعر أيام الرشيد ستة وثلاثين ألف دينار وليس هذا بعجيب على من نظم بيتين مدح محمد بن زبيدة لما بايعه الرشيد فخشت فاه دراً باعه بعشرين ألف دينار. وذكر أن السلطان سنجر بن ملكشاه المتوفي سنة ٥٥٢ صاحب خراسان وغزنة وما وراء النهر الذي خطب له بالعراقين واذربيجان واران وارمينية والشام والموصل وديار بكر وربيعة وضربت السكة باسمه في الخافقين - اصطبح خمسة أيام متوالية ذهب في الجود بها كل مذهب فبلغ ما وهبه من العين ستمائة ألف دينار غير ما أنعم به من الخيل والخلع والأثاث وغير ذلك وقال خازنه اجتمع في خزائنه من الأموال ما لم اسمع أنه اجتمع في خزائن احد من الملوك إلا كاسرة وقلت له يوماً حصل في خزائنك ألف ثوب ديباج أطلس وأحب انب يصرها فسكت وظننت أنه رضي بذلك فأبرزت جميعها وقلت أما تنظر إلى مالك أما تحمد الله تعالى على ما أعطاك وانعم عليك فحمد الله تعالى ثم قال يقبح بمثلي أن يقال ما ل إلى المال وأمر الأمراء بالأذن في الدخول عليه ففرق عليهم الثياب الأطلس وانصرفوا واجتمع عنده من الجوهر ألف وثلاثون رطلاً ولم يسمع عند احد من الملوك بمثل هذا ولا بما يقاربه قاله ابن خلكان. قال صاحب الدول: خلف الملك الأفضل ستمائة ألف ألف ديناراً عيناً ومائتينيوخمسين اردباً دراهم نقد مصر وخمسة وسبعين ألف ثوب ديباج أطلس وثلاثين راحلة إحقاق ذهب عراقي ودواة ذهب فيها جوهر قيمته اثنا عشر ألف دينار ومائة مسمار من ذهب وزن كل مسمار مائة مثقال في عشرة مسامير على كل مسمار منديل مسرود مذهب بلون من الألوان ايما احب منهالبسه وخمسمائة صندوق كسوة لخاصته من دق تنيس ودمياط وخلف من الخيل والرقيق والبغال والمراكب والطيب والحلي والتجمل مالا يعلم قدرة إلا الله تعالى وخلف خارجاً عن ذلك من البقر والغنم والجواميس ما يستحي الإنسان من ذكر عدده وبلغ ضمان البانها في سنة وفاته ثلاثين ألف دينار ووجد في تركته صندوقان كبيران فيهما ابر ذهب برسم الجواري والنساء. ذكر الطبري في سنة ثلاث عشرة ومائتينيأن المأمون ولي أخاه المعتصم الشام ومصر وابنه العباس بن المأمون الجزيرة والثغور والعواصم وأعطى كل واحد منهما ومن عبد الله بن طاهر الخمسمائة ألف دينار وقيل إنه لم يفرق في يوم واحد من المال مثل ذلك. وكان أبو محمد عبد الله بن احمد الطالبي المصري صاحب رباع وضياع ويغم ظاهرة وعبيد وحاشية كثير التنعم كان بدهليزيه رجل يكسر اللوز كل يوم من أول النهار إلى أخره برسم الحلوى التي ينفذها لأهل مصر من الأستاذ كافور الاخشيدي إلى من دونه فمن المناس من كان يرسل له الحلوى كل يوم ومنهم لك جمعة ومنهما كل شهر وكان يرسل إلى كافور في كل يومين جامين حلوى ورغيفاً في منديل مختوم قال ابن خالكان: ودفع أبو محمد عبد الله ين عبد الحكم والد أبي عبد الله محمد صاحب الأمام الشافعي لهذا الإلمام عند قدومه إلى مصر ألف دينار من ماله وأخذ له من ابن عسامة التاجر ألف دينار ومن رجلين آخرين ألف دينار وكان أبو محمد من ذوي الأموال والرباع وله جاه عظيم وقدر كبير. هذه أمثلة مما عثرنا عليه تصور للقارئ حالة الثروة عند العرب بعد التثوير والله اعلم بالصواب. اليونان سبب نصرة اليونان - لم تكن حرب مادي حرباً وطنية بين يونان وبرابرة بل كان يونان آسيا ونصف يونان أوروبا يقاتلون في الجيش الفارسي ولم يجسر كثيرون من أبناء جنسهم على ابداء أقل حركة. وكان الخاقان الأعظم ورعاياه هم الذين حاربوا اسبارطة وأثينة ومن حالفهما في الحقيقة. فكان من خوارق العادات أن يغلب هذان الشعبان الصغيران ذاك الخليط العظيم من الفرس. وزعم اليونانيون أن الآلهة قاتلوا عنهم ومتى درست أحوال الخصمين عن أمم بطل عجبك. فقد كان الجيش الفارسي جسيماً فظن كسيركس على سذاجة قلبه أن النصر معقد اللواء بكثرة العدد بيد أن هذه الجموع كانت مرتبكة من نفسها ولم تدر من أين تأخذ ذخيرتها وتتقدم تقدم بطيئاً ويضيق ذرعها من أول يوم الحرب حتى أن السفن المزدحمة كانت تغرز طرف مقدمها في السفن المحيطة بها وتحطم لها مجاذيفها ثم أن في ذلك الجماء الغفير كما يقول هيرودتس كثيراً من الناس وقليلاً من الجند. ولم يكن غير الفرس والماديين وهم خيرة الجيش يقاتلون بشدة أما غيرهم فلم يكونوا يزحفون إلى العدو إلا إذا انهالت السياط عليهم وقد جاؤوا بسيف القوة والقهر إلى حرب لا يهمهم أمرها ولا سلاح لديهم ولا نظام في مصافهم فهم لا يلبثون أن يركنوا إلى الفرار بمجرد أن تغيب أعين الحراس عنهم. وتقاتل الماديون والفرس وحدهم في بلاتيه وميكال ونجا الرعايا. وكان الجند الفارسي سيء النظام والعدة يلبس ثياباً طويلة وقد وقيت رؤوسهم بقلنسوة من لباد وحفظت أجسامهم أتراس من شجر الصفصاف والخلاف وسلاحهم قوس ومدية قصيرة جداً ولم يكونوا يستطيعون القتال إلا بعيدين ويقاتل الرجل رجلاً مثله. أما الاسبارطيون والمتحدون معهم بعقد المحالفة فكانوا على عكس ذلك تقيهم التروس العظيمة والخوذ ووقايات السوق ويسيرون جموعاً مشتبكة لا تقاوم يخرقون صفوف العدو بحرابهم الطويلة وما هو بأسرع من رد الطرف حتى تصير الحرب ملحمة كبرى ومذبحة تباع فيها الارواح بيع السماح. نتائج الحروب المادية - فادت اسبارطة الجيوش ولكن كما قال هيرودتس كانت آثنية هي التي انقدت اليونانية بان كانت لها مثإلا في المقاومة. فالفت اسطول سلامينة وقد استفادت آثنية من هذه النصرة أما المدن الايونية من الجزر وشاطئ آسيا جملة واحدة فقد ثارت ومردت والفت عصابة تبايعت فيها على الموت في سبيل الذود عن اوطانها من مهاجمة الفرس. وأما الاسبارطيون وهم شعوب جبلية فلما لم يستطيعوا أن يدبروا حرباً انصرفوا راجعين ادراجهم فأصبح الأثينيون إذ ذاك زعماء العصابة. وفي عام ٤٧٦ جمع اريستدس قائد اسطولهم نواب المدن المتحالفة فقر رأيهم على متابعة حرب الخاقان الأعظم وتأمروا بينهم على تقدم سفن ومحاربين وإن يؤيدوا كل سنة قطيعة من المال قدرها ٤٦٠ تالاناً (أي مليوناً وسبعمائة الف فرنك) وجعلت الخزانة بمدينة ديلوس في معبد ابولون معبود الايونين وكان عهد إلى أثينة أن تقود الجيوش وتجبي القطائع. وقد القى اريستدس في البحر قطعة من الحديد والحصى واقسموا كلهم أن يحتفظوا جميعاً بالعهود إلى يوم تطفو هذه الحديدة على سطح الماء وذلك حباً بتأكيد العهد وتفادياً من نقض يمين الاخلاص. وقد حدث مع هذا أن الحرب وقفت وعقد اليونان - وكان النصر اليف الويتهم أبداً - معاهدة سليمة او هدنة مع الخاقان الأعظم فأبى الملك أن يعد يونان آسيا من رعاياه (نحو سنة ٤٤٩ ). وهنا سؤال يورد في هذا الباب وهو كيف انتهت معاهدة اريستدس وهل كان على المدن المتحدة أن تؤدي القطائع على حين ليس عليها أن تقاتل بعد فابى بعضها ذلك حتى قيل أن أطفئت نار الحرب. وزعمت آثنية أن المدن كانت أخذت على أنفسها العهد على الدهر فاضطرتها إلى أن تؤدي ما يطلب إليها. حتى إذا وضعت الحرب أوزارها لم يجد خزانة ديلوس فتيلاً ولذلك نقلها الأثينيون إلى مدينتهم واستخدمها في ابتناء المصانع والمعاهد. ولطالما كانوا يقولون أن المتحدين يؤيدون ما يتقاضونه من الضرائب للخلاص من ايدي الفرس فمن ثم لم يكن لهم ما يطالبون به بتة ما دامت أثينة تدفع عنهم عادية الخاقان الأعظم. وهذا مما غير حالة المتحالفين فصاروا ملزمين بدفع الضرائب لأثينة وما عتموا إن امسوا رعاياها فزادت أثينة في قطائعهم واكرهت مواطنيهم على المثول أمام المحاكم الأثينية بل قد انفذت بطواريء من قبلها ليستعمروا جانباًَ من ارضهم وبهذا النظر أصبحت أثينة ام القرى تحكم زهاء ثلثمائة مدينة متفرقة في الجزر وشواطئ الارخبيل وتجبي قطيعة قدرها ستمائة تالأن في كل سنة. الصنائع في بلاد اليونان أثينة على عهد الأمبراطور بيركليس بيركليس - كانت أثينة في منتصف القرن الخامس من اقدر المدن اليونانية يدير أمرها بيركليس احد أبناء الاسرات العظيمة وكان مقلاً من الكلام غير مبتذل في شخصه ولم يكن يتوقع في أعماله رضي الأمة بل كان الأثينيون يحترمونه ولا يجرون الا على نصائحه وهو معروف بانه متمكن من شؤون الادارة ومعرفة البلاد ولذلك دخلوا تحت سيطرته وحكمه فأدار سياسة أثينة كلها أربعين سنة كما قال معاصره توسيديس المؤرخ: أن الحكومة الديمقراطية كانت موجودة بالاسم بل كانت تلك الحكومة حكومة الوطني الأولى على التحقيق أثينة ومصالحها - كانت منازل القوم الخاصة في أثينة كما معظم المدن اليونانية ضيقة واطئة متراكمة بعضها على بعض يكون منها ازقة ضيقة منعطفة سيئة التبليط. وقد جعل الأثينون عظمتهم في معالهم الهامة. فمنذ أخذوا يجبون من محالفيهم قطائع لتصرف في سبيل الحروب كانوا ينفقون النفقات الطائلة في أقامة أبينة جميلة فعمروا في ساحة أحد الشوارع رواقاً مزيناً بالصور (الفيسيل) وانشؤا في المدينة دار تمثيل ومعبداً اكراماً لبيزيس احد أبطألهم واوديون معهد الشعر والموسيقى وذلك للمسابقة في هذا العلم. ولكن قامت أجمل المباني على صخرة الاكروبول كانها على قاعدة هائلة وهما معبدان (أحدهما وهو البارتينون جعل قربى للمعبودة أثينة حامية مدينة أثينة) وهيكلاً ضخماً من القلز يمثل أثينة وسلماً من الأثار الجليلة يصل إلى البروبيلي ورواق الرخام في أثينة. ومن ذاك العهد كانت أثينة عظيمة أثينة - ومع ما خصت به أثينة من الصفات المشار إليها كانت أيضاً مدينة أهل الصنائع فقد حشر إليها الشعراء والخطباء والمهندسون والمصورون والنقاشون وكان بعضهم من أهل أثينة ووجهائها وجاءها البعض الاخر من أطراف ارض يونان يحملون إلى تلك المدينة العظيمة نتائج صناعاتهم وطرف طرائفهم. لا جرم أنه نبغ كثير من أرباب الصنائع اليونأن لم يكونوا من أهل المدينة أثينة وذلك قبل القرن الخامس وبعده بكثير من الزمن ولكن قل إن اجتمع هذا القدر العظيم من أرباب الصنائع في مدينة واحدة ولقد كان معظم اليونانيون من اكيس أرباب المعارف في الصناعات وموادها بيد أن الأثينيين فاقوا غيرهم بحسن ذوقهم وصنع ايديهم وامتازوا بعقول مثقفة ورغبة في الطرف وأثار الظرف واللطف. ولئن جاء من أبناء يونان امة رفيعة القدر عالية المكانة في تاريخ الحضارة فذلك لأنها امة تحسن ملكة الصناعات فلا جيوشهم القليلة ولا بلادهم الصغيرة الرقعة خدمت العالم والعمران خدمة أعظم من خدمة صناعهم لهما. فاليك السبب الذي من أجله كان القرن الخامس أجمل عهد في تاريخ يونان والداعي إلى أن جعل أثينة تستأثر بفضل الشهرة أكثر من غيرها من المدن اليونانية. الآداب الخطباء - امتازت أثينة أولاً ببلاغة خطبائها فكانت حقاً بلد الأدب وحسن الإلقاء فبالخطب في مجلس الأمة يقرر إشهار الحروب وعقد السلم ووضع القطائع والضرائب وكل الشؤون العظيمة وبالخطب التي تلقى في المحاكم يحكم على الوطنين والرعايا أو يبرؤون فللخطباء السلطة وعلى الأمة أن تعمل بنصائحهم ومواعظهم وربما عهدت إليهم بإدارة شؤون المملكة فقد عين كليون قائداً ورأس ديموستين الخطيب حرب فليب. وللخطباء نفوذ وكثيراً ما يلجؤون إلى بلاغة القول للنيل من عداتهم في سياستهم وربما اغتنموا لأنهم ينالون من أرباب الغايات ما يرضيهم من المال ليعضدوا أحد الأحزاب. فقد أخذ اشيل مالاً من ملك مكدونيا وقبض ديموستين دراهم من ملك الفرس. ثم أن بعض الخطباء ينشؤون خطباً ليلقيها غيرهم. ولا يسوغ لمن كانت له قضية أن يرفعها بواسطة محام كما هو الحال عندنا بل تقضي شريعة البلاد أن يتكلم صاحب القضية في قضيته بالذات. فمن ثم كان عليه أن يروح إلى أحد الخطباء يلتمس منه تأليف خطاب له يستظهره ليتلوه أمام المحكمة. ولطالما جاب بعض الخطباء بلاد اليونان وتكلموا في موضوعات توحيها إليهم المخيلة فأقاموا لهم كما نقول مقامات وعقدوا اندية ومؤتمرات وكان قدماء الخطباء يتكلمون بدون مقتصرين على أن يقصوا على المنابر الكوائن بدون أن يعمدوا إلى أساليب خطأبيو فيقفون في المنبر لا حراك لهم دون أن يصرخوا او يتحركوا وكان الملك بيركليس يخطب خطبه على طريقة هادئة دون أن يحرك اهداب ردائه وعندما كان يقف في منبر الخطابة وقد تكلل رأسه حسب العادة باوراق الشجر يزعم الشعب أنه يتخذه رباً من أرباب الأولمبيا ولكن الخطباء الذين جاؤوا بعد ذلك طمعوا في أثارة الأمة وتحريك احساسها والنفوذ إلى شعورها واصطلحوا على الإنشاء المتينييروحون في المنبر ويغدون منشدين متحركين. وما عتمت الأمة أن اعتادت هذا الاسلوب في الفصاحة. ولما أخذ ديموستين يتكلم في منبر الخطابة للمرة الأولى طفق الحضور يقهقهون ويضحكون من اسلوبه اذ لم يكن يحسن التلفظ ولا الوقوف ثم ما لبث أن مرن على الالقاء وإحسأن الحركات المطلوبة حتى صار نديم الشعب وعزيزه. دبت الأيام ودرجت الليالي وديموستين خطيب في امته. وقد سئل ثالثة فقال العمل. ومعنى العمل طريقة الالقاء فإنها كانت تهم اليونان أكثر من الخطبة. الحكماء - كان منذ قرون عند يونان آسيا خاصة أناس يراقبون المادة ويفكرون في أمرها لقبوا بالحكماء والعلماء في آن واحد وقد عنوا بالطبيعات والفلك والتاريخ الطبيعي اذ لم يكن العلم قد انفصل بعد عن الفلسفة وهكذا كان حال المشاهير الحكماء السبعة ببلاد يونأن في القرن السابع. السفسطائيون - جاء ناس على قرب عصر بيركليس إلى أثينة فاتخذوا تعليم الحكمة صناعة واجتمع لهم كثير من التلاميذ انشؤا يتقاضونهم أجور الدروس التي يلقونها. وجعلوا ديدهم الإنكار على الدين والعادات وأصول ادارة المدن اليونانية يوهمون انها غير مبنية على العقل. ويأخذون من ذلك أن المرء لا يعرف شيئاً صحيحاً (مما كان قريباً من الصواب في عهدهم) وليس في طاقته أن يعرف أمراً صدقاً كان او زوراً قال أحدهم: لا وجود لا مر ومتى وجد صعبت معرفته. ويدعى هؤلاء العلماء المعلمون للتشكيك بالسفسطائيين. وقد خص بعضهم بملكة الخطابة. سقراط والفلاسفة - حاول سقراط احد شيوخ أثينة أن ينكر على السفسطائين ويوقفهم عند حدهم على فقر حاله وبشاعة منظره ولكنه لسانه ولم تكن له دروس يلقيها كأولئك السفسطائين بل يكتفي بالرواح إلى المدينة يخاطب من يصادفهم من جماعتهم بكثرة ويحملهم بكثرة الأسئلة على أن يفكروا فيما ينكر فيه نفسه. وكان بحثه مع الفتيان خاصة يعلمهم وينصح لهم. ولم يكن يظهر سقراط أنه شدا سيئاً من العلم بل كان يقول إن غاية علمي أنني ادري بأنني لا ادري. وود لو دعي فيلسوفاً أي محباً للحكمة لا حكيماً كسائر بلك الزمر. ولم يتدبر شيئاً من طبيعة الكون أو مسألة من مسائل العالم بل كان همه دراسة أحوال الإنسان. وكانت حكمته في قوله: أعرف نفسك. فكان من ثم مبشراً بالفضيلة. وإذ أنه كثيراً ما كان يخوض في الموضوعات الأخلاقية والدينية عده الأثينيون سفسطائياً. في سنة ٣٩٩ مثل أمام المحكمة متهماًً بأنه يتجافى عن عبادة أرباب المدينة وانه يحاول إدخال أرباب جديدة إليها ويفسد على الشبان عقائدهم فلم يحاول أن يدافع عن نفسه بل حكم عليه بالموت وكانت سنة إذ ذاك سبعين سنة فإنتصر له كسينوفون احد تلاميذه وألف أفلاطون من الفلاسفة محاورات أقام فيها سقراط زعيم المتحاورين فاعتبر من ذاك العهد أبا للفلسفة أما أفلاطون فقد كان صاحب مذهب معروف ( ٤٢٩ - ٣٤٨ ) ولخص أرسطو تلميذ أفلاطون ( ٣٨٤ - ٣٢٢ ) علوم عصره كافة في كتبه وقد انقسم الفلاسفة الذين أتوا بعد المعلمين أرسطو وأفلاطون قسمين دعيت شيعة أفلاطون بالرواقيين وشيعة أرسطو بالمشائين (لان أرسطو كان يعلم وهو يروح ويغدو). الموسيقيون - كان من العادات القديمة أن يرقص القوم في الحفلات الدينية فيمن جمهور من الفتيان حول مذبح المعبود ثم يرجعون واقفين كالإشراف وقفة ذات معان وإشارات. إذ كان القدماء يرقصون بأجسادهم كلها ويختلف رقصهم كثيراً عن رقصنا وهو ضرب من التطواف الحماسي أو أشبه برواية ذات إيماء وكان هذا الرقص الديني أبداً مشفوعاً بأغان تعظيماً للأرباب ويسمى جمهور الراقصين والمغنين جماعة الموسيقيين. للمدن كلها جماعة من الموسيقيين ومنهم أبناء أشرف العيال يعدون كذلك بعد أن يستعدوا زمناً. ومن فرط العناية أن يكون خدمة الرب جديرين بخدمته. الروايات الفاجعات والهزليات - كان يحتفل الفتيان في الأرياف المجاورة لأثينة كل عام بإقامة المراقص الدينية إكراماً للرب ديونيزوس اله الكرمة وكان بعض هذا الرقص متثأقلاً يمثل أعمال العبود فيضرب رئيس جماعة الموسيقيين على وتر أغنية ديونيزوس ويصور جوقة رفاقه وهم أناس لهم أرجل تيوس يسكنون الغابات ثم يأخذون في تمثيل عيش أرباب أخر وأبطال قدماء. ثم خطر لأحدهم أن ينصب مصطبة يجيء ممثل يلعب عليها عندما ينقطع جوق الموسيقى عن الضرب بأنغامه. وهكذا تم المشهد ونقل إلى المدينة بالقرب من شجر الحور الفارسي أو مجتمع السوقة فنشأت من ذلك الروايات الفاجعات. أما الرقص الآخر فكان مضحكاً فينكر الراقصون وجوههم ويتغنون بمدائح الرب ديونيزوس وقد شابوها باضاحيك يسلون بها الحضور أو بتصورات هزلية في حوادث حدثت ذاك اليوم. وقد صنع في الجوق الهزلي ما صنع في الجوق المفجع من إدخال ممثلين ومحاورات ونقل المشهد إلى أثينة وهكذا نشأت الروايات الهزلية من اجل هذا واحتفظت الفاجعات والهزليات ببعض أصلها وظلت تمثل أمام هيكل الرب وإن تكن فاجعة ولئن غدا الممثلون وهم جلوس على المصطبة أصحاب موقع في المشهد فقد ظل جوق التمثيل يرقص ويتغنى وهو يطوف حول المذبح وكان جماعة الموسيقيين في الروايات الهزلية كما كان يجيء المتنكرون يبدون ملاحظاتهم على السياسة بغلظة. الملاهي - جعل في منحدر قلعة الاكروبول ملعب للرب ديونيزوس اله الكرمة يسع ثلاثين ألف متفرج وذلك ليحضر اللأثينيون كافة هذه المشاهد. وكان هذا الملعب كسائر الملاعب اليونانية مكشوفاً تحت السماء ومؤلفاً من دريجات من الحجر مصفوفة على شكل نصف دائرة بإزاء جماعة الموسيقى حيث كان يطوف المنشدون وأمام المشهد الذي تمثل فيه الرواية. ولا تقام المشاهد فيه إلا في أوقات أعياد الأرباب بيد أن المشاهد كانت تدوم إذ ذاك عدة أيام متوالية يبدأون في الصباح عند بزوغ الغزالة ويمثلون للحال ثلاث فاجعات وقصة هجوية تنتهي على ضوء المشاعل من الليل والفاجعات الثلاث يؤلفها واحد وتمثل فاجعات أخرى في الأيام التالية وهكذا كان المشهد ميدان مسابقة بين الشعراء والأمة تعطيهم جوائز الاستحسان وأشهر هؤلاء المتبارين اشيل وسوفقلس واربيدس. وقد عهدت المسابقة أيضاً بين مؤلفي الروايات الهزلية ولم يؤثر من كل ما الفوه من الروايات غير قطعة واحدة الفها أريستوفإن الشاعر الهزلي. المقامات اللزومية مازال الزمان يرينا من أثار الأندلسيين كل سفر جليل ويكشف لنا عن عنايتهم بجميع العلوم مايدل على عظيم اقتدارهم وسموا أفكارهم لاسيما في العلوم الأدبية التي هي عنوان رقة الشعور وصفاء الذوق فقد تفننوا في طرق الإنشاء وأساليب البلاغة بما لا يدخل تحت الحصر. اسعدني الحظ في الاستانة بالوقوف على المقامات اللزومية وهي عبارة عن خمسين مقامة في مكتبة (جامع لاله لي) للوزير الكاتب الأمام أبي الطاهر محمد بن يوسف التميمي السر قسطي الأندلسي انشأها عند ما وقف على ما أنشأه الرئيس أبو محمد الحريري بالبصرة وبناها على أحسن اسلوب والتزم في نثرها ونظمها مالا يلزم وقد وجدت على ظهر الكتاب ما نصه (المقامات الخمسون) المحتوية على معاني الأدب للوزير الكاتب الأمام أبي الطاهر محمد يوسف بن عبد الله بن يوسف بن عبد الله بن إبرأهيمالتميمي المازني السرقسطي ويعرف بابن الاشتركوني أبو الطاهر. قال ابن الزبير: كان أديباً لغوياً شاعراً كاتباً معتمداً في الأدب فرداً متقدماً في ذلك في وقته روى عن أبي علي الصفدي وأبي محمد بن السيد وابن البادش وابن الاخضر وأخذ عنه أبو العباس بن ضا قال: وعليه اعتمدت في تفسير كامل المبرد لرسوخه في اللغة العربية وله المقامات اللزومية الشهيرة وشعره كثير مات بقرطبة يوم الثلاثاء الحادي والعشرين من جمادي الأولى سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة ومن شعره ومنعم الاعطاف معسول اللمى ما شئت من بدع المحاسن فيه لما ظفرت بليلة من وصله والصب غير الوصل لا يشفيه انصجت وردة خده بتنفسي وظللت اشرب ماءها من فيه وهاءنذا اذكر المقامة الأولى تفكهة للقراء ورجاء أن يطلع عليها من لهم عناية بنشر أثار السلف فيمثلها للطبعة فيفيد ويستفيد وهي هذه: المقامة الأولى القفرية قال: حدثنا المنذر بن حمام قال: حدث السائب بن تمام قال: اني لفي بعض البلادوقد اقبلت من الطريف والتلاد استاف الأرض واذرع الطول والعرض افتل الدهر في الذروة والغارب وارقب منه كل شارق وغارب قد أفردني حتى الأمل ونابذني حتى السعي والعمل عبر سفار ونضو مهامه وفقار ولا صاحب على طول الاغتراب الا رقراق آل وسراب اذ دفعت إلى اباطح واجارع ومسارح ومشارع فاجلت الطرف في نور وزهر واحلت العيش على جدول او نهر وإذا بلمة كالنجوم يترامون من الكؤس بالرجوم يتهللون طلاقة ويتبذلون خلافة قد نبذوا الوقار واستحلوا العقار واستنفذوا العين والعقار وعوضوا من المسك الدن والقار تنم عن شمائلهم الرياض وتخجل من إيمانهم الحياض قد غفلوا عن العواقب ولم يشعروا بالزمان المراقب (يحيون بالريحان يوم السباسب) وينتمون إلى اكرم المناصب والمناسب قد لفهم الشباب في برودة وروأهم من سلسله وبروده يتنقلون جنيات اللحم ويجرون فضول الريط واللحم والكاس قد تمشت في المفأصل فما ترى غير مساعد اوموأصل قد نزلوا من الأرض وهادا وافترشوا الروض مهادا وإذا أمامهم شيخ رائع السبلات ضخم العضلات يصغون إلى حديثه ويفتنون بقديمه وحديثه فهو يعللهم من خبره بطرف ويهدي اليهم منه اندي تحف وطرف يحبب إليهم البطالة فما يملون منه اسهاباً ولا أطالة فملت إلى منتدأهم وكنت الذي حيأهم وفدأهم فقالوا: كرم رائع ومجد ضائع ونضو هازل وضيف نازل وابتدر الشيخ فقال: خبر ذائع وحديث شائع وخب هازل وعود نازل من اين بالشعث ويا استعب كلا أمريك أشد واصعب لقد اجترأت على الملوك وتخللت نظم السلوك وركبت المهالك وتوغلت المسالك هل عندك من معزية ياهذيل فإنك ما شئت من عذيق او حذيل أنى وانت اخو الصعاليك سموت إلى ذوي الرتب والمماليك فقلت: مهلاً ايها الشيخ مهلاً وهلا مرحباً بك وأهلا أن ترني وقد نفذ زادي وصفر مزادي وطفيء شهأبي واخلق اهأبي وخشن اديمي ونفر عني صاحبي ونديمي فلقد فتنت الكواعب وذللت المصاعب وارضيت الأمال وتسوغت الأمال وبذلت الخطير ووصلت الشطير واكرمت النزيل ووهبت الجزيل وسحبت فضل الذيل وارسلت طرفي بين الخول والخيل وقدت الجياد ومتعت القياد ثم لم يكن إلا أن تقلبت أحوال وتعاقبت سنون وأحوال ذهبت بالحديث والقديم وأثرت في الصميم والاديم فبدلت من النعيم البوس ومن البشر القطوب والعبوس وعوضت من العذب المجاج بالملح الاجاج ومن الأعزاز بالاذلال ومن الإكثار بالأقلال فابتدر الشيخ يفديني بأبنائه ويهديني بهنائه ويقول: إنه لكما قال ومن اين لعاثر أن يقال أنا أعرف آباءه وأجداده وشهدت جموعه وأعداده طالما ركب السرير ولبس الحرير وصبت إليه الكعاب وانقضت دونه الكعاب وخضعت لجده الأملاك وكان به القوام والملاك لقد أطاعت الانداد وأجابته الأعداد ودوخ البلدان فذل كل له ودان فيالك من دهر لايبقى على احد ولا ينقى على مستأنس وخد يعنى بالقريب والبعيد ويولع بالشقي والسعيد ومن حق ذلك الفضل أن توصل أسبابه وترفع قبابه ويصان مذاله ويحلى جيده وقذاله وانتم يابني الا كارم وذوي الهمم والمكارم رفوا للافاضل واعطفوا بالفواضل وارحموا عزيزاً ذل وكثيراً قل ومترياً ادقع وحائماً على موردكم وقع فكل خلع ما عليه والقى بما عنده إليه وخلع عني تلك الاسمال وجاء بما شاء وشئت من كسوة ومال فملأ اليمين والشمال واستقبل الجنوب والشمال ثم قال اللهم يارافع الإعدام وجامع الندام وعالم الخفيات وميسر الحقيات وملطف الأسباب ومؤلف الاحباب متعهم بالمسرات والحبرات والحفهم بالمروط والحبرات وافض عليهم جدواك وزحزح عنهم بلواك واحرسهم عن الغير ولا تجعلهم عظة الأمثال والسير وارسل عليهم من سترك مديدا وخذ بهم من أمرك شديدا وقال لي: خذها اليك. وإذا كنت معك فلا عليك. فسرنا وقد ظل العشا وسقط عليه العشا يقودني زعم إلى اسرته ويحادثني عن يسره وعسرته وجعل يومي ويشير ويقول هناك العدد والعشير كل له خول طاعته ولك علي أمرة مطاعة فسرت حتى دنا بي إلى خيام ومعشر نيام فقال: امكث هاهنا قليلاً حتى اريك جليلاً واكشف لك من أمري عجيباً واقو دلك سابحاً او نجيباً تحل من متن هذا في انيق وتسمو من ذروة ذاك على نيق تم تتبوأ القصر المشيد وتخلف المأمون والرشيد فتخلل تلك الخيام وايقظ النيام فما شعرت الا بالقوم وقد أخذوني باللوم من المنتاب والطارق ولعله الخائن البارحة والسارق والا كف ولا تكف واليمين تصفع والشمال لا ترفع ولا قول لي يسمع ولا أنا في الحياة أطمع حتى طردوني عن حمأهم ورموا بي إلى مرمأهم لا أقلب طرفاً ولا أقرر خوفاً والشيخ مع ذلك يرميني بسهامي ويعجب من صبيه وجهامي ويذكرني بالعهد ويقول ما احوجك إلى المهد ثم انصلت عني انصلاتا وولى انسراباً وانفلاتا وهو ينشد: دعا بي الدهر لو تجيب ياحبذا السامع المجيب كم تصحب الدهر بالأماني يغرك الطرف والنجيب من خادع الدهر والبرايا فذلك السيد النجيب المجد فوز الفتى بحظ فما تميم وما تجيب يارب خدن تركت يوماً وحظه الوجد والوجيب مجدلاً في التراب يدعى منه سميع فلا يجيب فعلمت أنه الشيخ ابو حبيب فقلت مالداء كيده من طبيب دمشق محمد علي المرأة في الإسلام ومن اوضح أوصاف النصرانية في عصورها الأولى حطها من قدر الزواج فكانت تعد هذا الارتباط من الأحوال المنحطة وتحسب البنين جناية وشراً وكأنت الأديار والصوامع حجبت عن العالم اصح العقول فكان خدمة الدين اما أن يمنعوا من الزواج بتاتاً او لم يؤذن لهم أن يتزوجوا غير مرة واحدة. وقد نشأ بعض هذا الانحراف عن التشبه بالمعلم نفسه وبعضه عن أحوال متنوعة حملت النصارى الأول على تنظيم سلكهم. وشدة تعلق نبي الناصرة بأهل المذهب الاسنى وانتظاره حلول الساعة في العاجل حين تنتهي جميع الارتباطات المدنية وانقضاء بعثته وهو في مقتبل العمر كلها أمور تجلو لنا أسباب حطة من قدر الزواج وكيف أنه (لم يجن على احد) واجتماعه بالتعمديين وهو اسني يرشدنا إلى طرف من حياته القصيرة التي تثير العواطف وشدة بغض بولس للنساء مع ما يعضده من كلام المعلم قوى في الكنيسة الاعتقاد الاسني بأن الارتباط الزوجي وهو اقدس العقود انما هو إثم يحب تجنبه ما امكن وكان يحسب المقصود من الزواج ايلاد الأولاد وقضاء الشهوة البهيمية ليس إلا. ولا تزالعقود الزواج في أكثر الكنائس مصبوغة بهذه الصبغةالخالية إلى يومنا هذا ولا يزال هذا التصور الدخيل على النصرانية يذهب بالناس حيث لا توجد العلوم الكونية إلى أن الرجل الذي لم يدخل دنيا قط هوأفضل كثيراً ممن تدنس بالزواج. ويوجيس الهند المعفر بالرماد ونساك الشرق مسبلو الشعور واحبار بوذا هم من اهل التبتل وعندهم أن إدراك العلم لا يتم الا بحل الروابط الأهلية وأن الوصول إلى الازل لا يمكن الا بعيش التوحد وقد أخذت النصرانية الاعتقاد بالتبتل عن مشككي المشرق وزهاده. ومن الناس من اتخذ عصمة المسيح من الاثم برهاناً على الوهيته ومنهم من اتخذها حجة على شدة فضله على غيره من المتشرعين وعندنا أن مقابلة فاسدة الأساس كهذه بين المسيح والنبي هي من الموهومات بتاتاً وأساسها خطاء في تقدير المقاييس الأخلاقية. وإن صح أن التبتل مما يجعل صاحبه كاملا فالمتصوفون والنساك والدراويش هم إذا الكاملون والحياة الكاملة تكون حينئذ بترك الروابط الأهلية وإن من المحقق أن نظرية مثل هذه لا تعد إلا أنحرافاً عن الفطرة وما نتيجتها الا الدمار. إذا لم ياترى هذا الحظ من قدر النبي وهو الذي اكمل بعثه المسيح الأنه تزوج بغير واحدة وقد بينا الحكمة في زواجه المتعدد وسعينا على الأقل في بيان أن هذه الأعمال التي اتخذت للحط من قدره انما هي من باب ايثار الغير. ولننظر الأن في أمر زواجه بالنظر المطلق ولنسأل انفسنا لم تزوج موسى بغير واحدة أكان في عمله هذا من أهل الفضيلة ام من أهل الرذيلة؟ ولم تمتع داوود بزواج لا حد له ومكانته عند الله معلومة؟ والجواب بسيط وهو أن لكل زمان مقياساً خاصاً ومعياراً مقدراً وما يوأفق زمناً وأحداً لا يوأفق غيره. ومن الواجب أن لا يقيس الماضي بالحاضر. وإن امثلة الفضيلة من أهل الكمال لا يخسرون شيئاً من عظمتهم إذا عملوا بمقتضى زمنهم وكانوا في عملهم امناء شرفاء. أيجوز أن ندعو المسيح طامعاً خيالياً يحاول العبث اوإن ندعو موسى وداوود شهوانين يسفكان الدماء لأن عقل الأول كان مفعماً بتخيلات ملك منتظر وسلوك الاثنين الأخيرين هو مما ينتقد في القرن التاسع عشر. إننا لو فعلنا ذلك لاخطأنا في كلا الحالين لأن اماني المسيح وأعمال موسى وداوود هي من الحقائق التاريخية التي مشت على مقتضى الزمن. ومن اوضح ميزات النبي أنه وهو في أسمى حالاته لم يتعدم عن الاحياء منتظراً جيلاً لم يولد بعد وهو يمثل في نموه نمو البشر. وأن المسيح ومحمداً لم يقدرا على تغيير الجمعية البشرية دفعة او محو كل ترتيباتها السياسةالملية. وهو كالمسيح اكتفى أن يغير المقتضات الحالية بزرع مبادئ تلاشي هذه المقتضيات متى حان الوقت المناسب ولصحت في قلوب أتباعه. أما القول بأن النبي ميز نفسه بمنافع حرمها على أتباعه فهو من الوهم الناشئ عن الجهل لان حد تعدد الزوجات لم يوضع إلا في المدينة بعد الهجرة بسنين وما أبيح له كان عبئاً وضع قصداً على ذي وجدان يحاسب نفسه في أعمالها بدلاً من أن يكون لذة لكل متهتك. وحدث كل زواجه قبل نزول الحد ومما نزل مع هذا الوحي التحديدي وحي آخر نزع من النبي كل امتياز فأصحابه أبيح لهم إذا راعوا حدود الشرع زواج مثنى وثلاث ورباع وكان لهم أن يكرروا زواجهم بقوة الطلاق الذي كأن يكرهه اما هو فقد حرم عليه طلاق اية من زوجاته وأن يضيف إليهن زوجة أخرى، أيعد هذا امتيازاً انتفاعياً ام عملا أنسانياً يراد به القيام باود من احتمى به وايثاره. وسبب موضوع الطلاق في الإسلام اغاليط وجدلاً إلا أنه مما لا شك فيه أن أحكام الطلاق القرآنية هي أعدل من أحكام الطلاق في سائر الكتب. وقد حسب حق الطلاق في الأمم الخالية كافة نتيجة لأزمة لسنة الزواج إلا أن هذا الحق كان محصوراً في يد الجنس الأقوى إلا في النادر ولم تخوله الزوجة في حال من الأحوال. وأن تقدم المدينة وترقي الأفكار حسنا من حال المرأة بعض التحسين فالنسالة ايضا حصلن على نوع من هذا الحق الذي لم يقصرن في استعماله حتى صارت سهولة عقد الزواج وحله في الأمبراطورية الرومانية من باب الاكتفاء باللفظ. وللزوج في شريعة العبرانين أن يطلق زوجته لاي سبب بقبحها في عينه. وكاد لا يوجد عندهم مايحدد سلطته هذه وهواه ولم يجوزوا للزوجة المطالبة بالطلاق بحال من الأحوال. وعدل الشمعيون عادة الطلاق بعد ذلك نوعاً من التعديل بوضع بعض الشروط إلا أن الهلاليين حافظوا على الناموس وأبقوه على صورته الأصلية. وعند ظهور النبي كانت سنة الهلاليين هذه هي الجارية بين يهود جزيرة العرب وكان الطلاق منتشراً عندهم كما كان منتشراً عند جيرانهم الوثنين. أما الطلاق عند الاثنيين فكان بيد الرجل كما كان عندالاسرائليين. وقد أباحت الأحكام الرومانية الطلاق منض ابتدائها وكذلك الالواح الاثنا عشر. وإذا صح مايثقول المعجبون بالرومانين من انهم لن يتمتعوابهذه العادة الا بعد الن مضى على تأسيس رومية خمسمائة سنة فليس ذلك من دواعي فضلهم على غيرهم لأنه أبيح للزوج عنده أن يقتل زوجته لأسباب معينة كالسم والخمر الخ ولم يجز للمرأة أن تطالب بالطلاق وإذا التمست مفارقته فإن تهورها يجعلها أهلاً للقصاص. إلا أن كثرة الطلاق في الجمهورية اللاحقة كانت علامة ظاهرة على أنحطاط الآداب وسبباً وتنجيه له في آن واحد. ذكرنا هاتين الأمتين لإنهما أشهر الأمم الخالية ولان أفكارهما أثرت في الأفكار المعاصرة أشد التأثير. ولا ينكر أن صيغة أحكام الطلاق عند الرومانين صبغة ارتقائية ونتيجتها رفعة المرأة ومساومتها بالرجل وهذا ناشئ عن تقدم الأفكار كما هو ناشئ عن غيره من الأسباب الخارجية. (وكلمة المسيح التي تتضمن أمره في الطلاق مرنه تقبل أي تفسير تتطلبه حكمة المقنن) ولنا أن نقول أن المسيح لما قال: (فالذي جمعه الله لا يفرقه إنسان) لم يكن في تصوره الا اقتلاع حطة الأخلاق وانه لم يفكر في نتائج كلامه ويدل الحكم الملحق القاضي يجعل الزنا السبب الوحيد لجواز الطلاق على تنبيه المسيح لمقتضى الحال إلا أن حكمة المقننين التالين لم تقف عند التمسك الأعمى بحكم وضع في الغالب بجمعية في طفولتها. ويمكن أن تحسب قاعدة المسيح مبدأ يدل على شعور سامي لا أن تحسب نموذجاً ففي حكم الطلاق هو مماترده الإصلاحات التي اضيفت إلى هذه القاعدة في الاعصر التالية في البلاد النصرانية ولم يقيد حق الطلاق في الجاهلية والجاهليون لم يراعوا في نسائهم عدل وشفقة إلا أن النبي انظر إلى هذه العادة بعين السوء وعلى استعمالها مما يهز اركان الاجتماع وكثيراً ماصرح بأن لا شيئاً يرضي الله أكثر من عتق الرقاب ولا شي يغضبه أكثر من الطلاق ولكن كان أمن المستحيل عليه اقتلاع هذه العادة بتاتاُ من بين الاعراب وهم على ما كانوا عليه. فمن ثم تحتم عليه أن يهذب جمعية ساذجة على جانب عظيم من التوحش ويعدها لحالة أسمى حتى إذا حان الوقت ونضجت الأفكار تنمو مبادئه وتزهر أخلاقه في قلوت البشر ولم تكن تلك العادة شراً محضاً لدلك أباحها للرجل على شروط معلومة فأجاز للزوجين مدداً ثلاثاً يمكن لهما في غضونها إصلاح ذاب البين فإذا لم يتم ذلك جرى الطلاق. ووضع قاعدة التوسط فيما إذاحدث نزاع بينهما. قال المسيوسيرو وهوممن لم يفضله احد في تحليل الأحكام الإسلامية: (اجيز الطلاق ولكن وضعت له رسوم تفضل إلغاء طلاق مستعجل لم يترو فيه. ولكي يكون الطلاق مما لايقبل الرجعة تلزم ثلاث طلقات متعاقبة يفصل مأبينها شهر واحد) ولقد احدثت إصلاحات النبي تغيراً جديداً في الشرائع المشرقية فهو وضع حداً للطلاق ومنح النساء حق الفارقة لأسباب معقولة وفي أواخر أيامه بلغ به الحال أنه حرم الطلاق إذا لم يوجد حكم (أن ابغض الحلال إلى الله الطلاق) لأنه يمنع السعادة ويضر في تربية البنين. لذلك نرى من اللازم أن لا تفسر إباحة الطلاق في القرآن التي لهاصورت العادات الخالية الا بعبارات الشارع نفسه ومتى عرفنا امتزاج القانون والدين في الإسلام يسهل علينا فهم مقاصد الشارع في حكم الطلاق. ومن المنتظر اختلاف المذاهب في إباحة الطلاق للزوج من غير مداخلة القاضي وقسم مهم من الفقهاء عد الطلاق الصادرعن الزوج محرما الا لضرورة كالزنا وجماعة اخر وأكثرهم من المعتزلة لا يبحيون الطلاق مالم يجيزه حاكم الشرع وهم يذهبون إلى أن إباحة الطلاق تتوقف على حكم قاضي عدل لا يميل مع أحد الخصمين ويستندون في ذلك على كلام الشارع الذي ذكرناه وعلى قاعدته وفي وجوب انتخابات حكم فصل الخلاف بين الزوجين ويذهب الاحناف والشافعيون والمالكيون وأكثر الشيعة الا إباحة الطلاق لا لغير سبب وبعد أن اعترض صاحب (رد المحتار) على القائلين بتحريم الطلاق قال (وأما الطلاق فإن الأصل فيه الحظر بمعنى أنه محظور الا لعارض يبيحه وهو معنى قوله الأصل فيه الحظر ومع أن الفقهاء اتخذوا الإباحة المؤقتة قاعدة دائمة وجهلوا كثيراً من قواعد العدل الذي وضعها الشارع فإن الأحكام التي سنوها أعدل كثيراً وارحم بالنساء من اكمل الشرائع اليونانية التي نمت في حجر الكنيسة. وجوز الفقهاء للمرأة طلب الفراق لسوء الاستعمال وسوء المعيشة وغيرها من الأسباب لكنها إذا لم تأت بحجة مقبولة في طلبها هذا تخسر صداقها وعلى كل فمتى صدر الطلاق عن الزوج وجب عليه أن يعطيها صداقها الذي كانا عيناه وقت الزواج. وتكرار نصح القرآن للزوجين أن لا يفترقا وتتحريضه على حسم المنازعات بالتسوية المناسبة يدلان على احترام الشارع لعقد الزواج وفي سورة النساء (وإن امرأة خافت من بعلها نشوزاً أو أعراضاً فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحاً والصلح خير وأحظرت الأنفس الشح وإن تحسنوا وتتقوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا. ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة وإن تصلحوا وتتقوا فإن الله كان غفورا رحيماً) وجاء فيها أيضاً (وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكماً من أهله وحكماً من أهلها أن يريدا إصلاحاً يوفق الله بينهما أن الله كان عليماً خبيرا) والأجانب أما أنهم لم يدركوا احترام الزواج في الفقه الإسلامي أو لم يقدروه قدره. جاء في الأشباه والنظائر وهو كتاب إسلامي مشهور ما خلاصته: أن الزواج سنة وضعت لحفظ الهيئة الاجتماعية ولكي يحفظوا الناس أنفسهم من الفحش ويخلصوا أعراضهم من الدنس وهو مقدس وضعه الله بأمره لأنه عبادة تحفظ البشر من اختلاط النسل ومتى عومل معاملة الشركات والاتفاقات يكون ارتباطاً دائماً بني على اتفاق اثنين رجل وامرأة لم يكن بينهما ما يمنعهما من اتفاق مشروع وكثيراً ما قيل أن النبي أباح لأتباعه التسري فضلاً عما أباحه لهم من الزوجات الأربع الشرعيات إلا أن ذكر الحكم المختص لهذه المسألة يكفي لبيان بعد ذلك عن روح الإسلام. جاء في سورة النساء (ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت إيمانكم من فتياتكم المؤمنات. . . . ذلك لمن خشي العنت منكم وإن تصبروا خيراً لكم والله غفور رحيم) وقد بنى الفقهاء إباحة التسري بالجواري على هذا الأساس الضعيف وعلى أحوال خاصة حدثت في ابتداء ظهور الإسلام. وهذه المسألة مع مناقضتها لروح الشريعة سببت بعض الحملات الشديدة على الدين الإسلامي. والتسري هو ارتباط السيد بالأمة من غير جواز زواجي كان معروفاً عند العرب والنصارى وجميع الأمم المجاورة ولم يحرمه النبي في أول الأمر إلا أنه في أواخر أيامه منعه صراحة جاء في سورة المائدة (اليوم احل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم إذا أتيتموهن أجورهن محصنين غير مسافحين ولا متخذي اخدان) قابل القسم الأول من هذا الأمر بتعصب الكنيسة التي منعت زواج النصراني بغير النصرانية وكثيراً ما كان الحرق نصيب الكافر الذي يتزوج النصرانية ومن هنا يظهر الفرق بين هذه القاعدة والقاعدة الإسلامية التي هي ترق ظاهر في المعيشة والمدنية أما تحريم زواج المسلمات بغير المسلمين فأسبابه مقتضيات سياسية حدثت في أول تأسيس الجمعية الإسلامية. وغير نكير أن كثيراً من العادات التي أخذها المسلمون عن الجاهليين والتي بقيت ككثير من بقايا نشوء سالف مالت الأمم الإسلامية نحو الانحطاط ومن هذه العادات عادة الحجاب فقد كانت منتشرة بين الأمم الخالية منذ أقدم العصور والجينكونيتس كانت من السنن المعروفة عند الأثينيين ونساؤهم كن محجوبات عن الأنظار العامة كالفارسيات والهنديات اليوم والجينكونو في هم مثل زملائهم من المشارقة حرس البيت يراقبون النساء بدقة شديدة. ونشأت من احتجاب المرأة بالطبع طبقة الهتري التي كان لبعض أعضائها أثر مهم في التاريخ الأثيني. لولا المظهر الخارق للعادة التي ظهرت به الدولة البيزنبية والدول الأوروبية والأمريكية لقلنا أن منشأ الطبقة البائسة التي تظهر في كل هيئة اجتماعية تقدمت ولو قليلاً في الصناعات المدنية والتي هي خطر على البشر وعار على المدينة هو انسحاب المرأة وحرمانها من حقها المشروع في تهذيب العقول وتمحيصها وترقية عواطفها. ومن خواص العقل البشري أنه متى لم يدرك النقي يسعى في إدراك المشوب. وخير مثال لقولنا هذا في الأزمنة الخالية البابليون والاترسكانيون والأثينيون والجاهليون من أهل مكة. ومنشأ الفساد العمراني الذي ينسل إلى كل قلب ويسمم دماء الأمم المعاصرة هو انتشار عبادة المادة ومغطاة بغشاء من ن الدين سواء كان نصرانياً وإسلامياً أو غير ذلك. وقد تألم النبي منذ صباه من انتشار فساد الآداب المخيف بين أهل مكة واتخذ أقوى وسيلة موافقة لاقتلاع جرثومته قال بسورت سميث (ولقوانين النبي الشديدة في أول الأمر ثم بالتنبه الأدبي الذي حدث من هذه القوانين بعد ذلك نجح حتى يومنا هذا وكان نجاحه أشد من عيره في تخليص البلاد الإسلامية) حيث لم تطفح بالأجانب (من هؤلاء المتشردين الذين يعيشون بشقائهم وهم بجودهم طبقة معروفة يخجلون كل فردمن الهيئة التي ينتمون إليها) ومن المحقق أن سنة الحجاب لها منافع كثيرة في الهيئات الساذجة التي لم يستتب عمرانها بل أن الحجاب لا يستقبح بتاتاً في بلاد تختلف فيها طرق التهذيب وتتباين الأخلاق تبايناً كلياً. وهي منتشرة اليوم بين اقوام يبعدون كثيراً عن التأثير الإسلامي الذي يظنه بعضهم السبب في حجاب المرأة في بلاد الهند وغيرها من البلاد الشرقية ففي بلاد كوريا بلغ حجاب المرأة درجة الهزء والسخرية وفي الصين وفي المستعمرات الاسبانية في جنوبي القارة الأفريقية لا تزال عادة الستر محافظاً عليها. ولما قام النبي كانت منتشرة بين الفرس وغيرهم من الأمم الشرقية فأدرك منافعها وربما استحب للنساء العزلة والتفرد لانتشار فساد الأخلاق بين جميع الطبقات ولكن لا يقال أنه أراد أن يكون انفرادها على هذه الصورة الجامدة المعروفة اليوم او أنه أذن بالحجاب هو جزء من هذا الدين. جاء في سورة الأحزاب (يا ايها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك ادنى أن يعرفن فلا يؤذين وكان الله غفوراً رحيماً). وفي سورة النور (وقل للمؤمنات يغضضن من ابصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهم الا ما ظهر منها وليضربن بخمورهن على جيوبهن الآية). إرشادات سهلة الفهم في وسط ذاك الاضطراب الذي كان النبي يسعى في اخراج الترتيب منه بهداية الله - إرشادات حكيمة يقصد منها نشر الحشمة والأدب بين النساء وتحسين لباسهن وسلوكهن ووفايتهن من الاهانة. فمن الخطأ إذا أن نعتقدن في الدين ما يثبت هذه العادة ومما يفسر استحسان النبي العزلة للنساء تفسيراً ظاهراً تمتع أفراد بيته تمتعاً لا مانع فيه ولا حجاب. وهذه عائشة أم المؤمنين وزوج النبي بعد وفاة خديجة دبرت الحملة على علي وهي قادت عساكرها في وقعة الجمل وكثيراً ما دخلت فاطمة ابنة النبي في مبحث الخلافة وإن زينب سبط النبي وأخت الحسين حمت ابن أخيها من الأمويين بعد كربلاء وصلابة أخلاقها هالت عبيد الله بن زياد القاسي ويزيد القليل الرحمة. وكان انحطاط الأخلاق الذي اجتث أصول العمران في الجاهلية وعند الإسرائيليين والمسيحيين في أشد الحاجة للإصلاح. ومما لاشك فيه أن استحسان النبي العزلة للنساء قصد به استئصال جذور الفساد ومنع عادة تعدد الأزواج المخيفة التي كانت شائعة في الجاهلية إلى زمن البعثة. قال فن همر (أن الحريم بيت مقدس يمنع منه الأجانب لا لأن النساء ليست حرية بالثقة بل لما ألبستهن العادات من ثياب التقديس وشدة احترام النساء في أعالي القارة الآسياوية والأوروبية (في البلاد الإسلامية مما يظهر للعيان) واتخاذ النساء مثالاً كمالياً ميزة طبيعة تمتاز بها ارق الشعوب إلا أن العجب القومي والتعصب الديني احدثا نظريتين لرفعة المرأة بين الطبقات المهذبة في البلاد النصرانية اليوم. إحداهما ترجع هذه الرفعة لما يسمى عند النصارى بالماريولترى أو تألية العذراء وعبادتها والثانية للفروسية في القرون الوسطى المزعوم أنها من نتائج المبادئ التيوتونية أما من حيث النصرانية وعلاقتها بالنساء فكلما عضضنا الطرف وأوجزنا في المقال نحسن لها لأننا نرى الكنيسة في العصور الأولى حينما كان دين القوم من جميع الطبقات عبادة أم المسيح جردت المرأة من أوصاف الفضيلة وألبستها رداء من شتم وحرمان وكتب آباء الكنيسة الواحد تلو الآخر فصولاً طوالاً في قبح النساء وميلهن للشر وتأصلهن في الخبث. وقد مثل ترتليان أفكار معاصريه في المرأة في كتاب يقول فيه (أنها باب الشيطان وفاتحة الشجرة المعلقة تاركة الأوامر الإلهية مهلكة الصورة الرحمانية وهي الإنسان). وذكر كاتب آخر باستخفاف أنه فتش عن العفة في النساء فلم يجد لها أثراً. ومثل كريزستوم وهو من كبار القديسين رأي الكنيسة في المرأة بقوله أنها شر ضروري ومحنة طبيعية ومصيبة ملأزمة وخطر مبين وسحر مميت وضرر مزين وقد حرمت الكنيسة على النساء القيام بالوظائف الدينية كلها إلا ما كان منها وضيعاً ومنعتهن من حضور الجمعيات الخاصة والعامة ومن الذهاب إلى الحفلات والأعياد وأمرتهن أن يعتزلن الناس أن يصمتن ويطعن رجالهن وينصرفن إلى النسيج والغزل والطبخ وأن يحتجبن من فروقهن إلى أقدامهن إن خرجن من بيوتهن - هكذا كان حال المرأة أيام كأنت الماريولتري سائدة بين الناس. وفي الأيام التالية وفي المدة التي انقضت بين انقراض الدولة الغربية واستتباب العمران الأوربي الحاضر وهي مدة وصفت بأنها (زمن الاغتصاب والمداهنة والاستبداد والشهوة والعنف) حسنت النصرانية من حال المرأة بعض التحسين بإدخال مسألة الأديار للرهبان والراهبات وهذا التحسين المشكوك فيه لا يصلح إلا لعصر كان اختطاف المرأة فيه من الأمور المعتادة وبلغ فساد الأخلاق فيه درجة لا توصف. ولم تكن الأديار معاهد الفضيلة أبداً وكذلك لم تكن الرهبانية أشد حفاظ لطهارة الذيل والعفاف. وفي يومية ريكو المذكور فيها زياراته الدينية ما يوضح خاصة حال الأخلاق ومقام المرأة في أبهى دور (من عصر الإيمان) ولم يؤثر قيام الإنجيليين شيئاً في أحوال المرأة أو في أفكار المشرعين المختصة بها. والخلاصة أن المسيح اكرم المرأة أما أتباعه فحرموها من العدل والإنسانية. والنظرية الثانية التي اشرنا إليها وهي الشائعة بين طبقة كتاب الروايات في أوروبا فهم يحسبون أن كل من قام في الأعصر المتوسطة هو بيرد او كريشتن. والمظنون أن عصر الفروسية يمتد من ابتداء القرن الثامن إلى انتهاء القرن الرابع عشر (وهي المدة المعاصرة لحكم الأمويين في الأندلس). إلا أن المرأة في هذه المدة وإن أحاطت بها هالة من الشعر والروايات فكثيراً ما كانت موضع الشر والأذى وكأنت القوة والخداع أوصافاً مميزة للعصر الذهبي عصر الفروسية النصرانية. وكان أولند وآرثر حديث خرافة حتى التقى الغرب بمدينة الشرق. ولم تكن الفروسية ابنة المجاهل الأسكندناوية والحراج الجرمانية لان النبوة والفروسية كلتاهما من نتاج الصحراء. فمن الصحراء قام موسى وعيسى ومحمد ومن الصحراء أتى عنترة وحمزة وعلي. وكأنت المرأة عند الحضر من العرب وهم ممن انتحلوا المبادئ الشائعة بين السوريين والفرس والرومانيين على غاية من الانحطاط كما ذكرنا لكنها كان لها عند بعض الرحل حرية حسنة وتأثير قوي في أحوال القبيلة قال برون (ولم تكن كاليونانية موضع البؤس والشقاء) فكانت ترافق الرجال إلى الحرب وتبث فيهم روح الحماسة والنخوة وكان الكماة يخوضون عباب الحرب متغنين بمديح الأخت أو الزوجة أو المحبوبة وعندهم أن ما يكافئ به الحبيب هو خير مكافأة لهم عن صولتهم وبطشهم. وكأنت الشجاعة والكرم خير خصال الرجال والعفة خير خصال النساء. وربما لو أصابت امرأة في القبيلة سبة أو لحقها عار استعرت لها لظى الحرب بين قبائل الجزيرة كلها. وما أسباب حروب الفجار التي استعرت نارها أربعين سنة حتى أطفأ النبي ثائرتها إلا سبة لحقت ابنة فتية في سوق عكاظ. وقد حول النبي عادة حسنة إلى اعتقاد ثابت فأصبح احترام المرأة باباً من أبواب الإسلام ونرى في كثير من الأحوال التي تعكس لنا صورة عصره الساذج أن سننه تبعث على الشهامة والمروءة في معاملة المرأة أكثر من سنن سائر المعلمين السابقين ويختلف الإسلام كالنصرانية باختلاف الأفراد والعصور لكن المروءة الخالصة كانت في الإجمال أكثر مصاحبة للإسلام منها لغيره. وكما كان بطل الإسلام وابن مؤسس حلف الفضول على أهبة لمحاربة أعداء الله بسيفه ورمحه كذلك كان على أهبة للأخذ بناصر الضعيف والمظلوم ولم يعدم الداعي الملوح المستجير سواء كان في سهول العراق أو ما هو اقرب للجزيرة فارساً يأتي للأخذ بناصره وجبر كسره. وكانت أعمال هؤلاء الفرسان تدون في الأخبار وتنتقل من الخيمة إلى القصور فتؤثر في صولة الأجيال التالية وأن الخليفة ألقى من يده يوماً قدح الشراب في دار ضيافته لما بلغه أن فتاة عربية قالت في اسر الرومانيين لم لا يأتي عبد الملك لتخليصي وعاهد نفسه على أن لا يذوق شراباً أو ماء حتى يخلص الفتاة من الأسر فسار من وقته بجيش عرم على الرومانيين الأنذال وما بر بيمنه حتى ملكت تلك الفتاة أمرها. وإن أحد الملوك المغوليين وهو الملك همايون بينا كأن يسير إلى كابل والأفغانيون يطاردونه وصله سوار ملكة مؤاخية وهو علامة على الصداقة وطلب المساعدة فترك شؤونه الخاصة وأعاد كرته وكسر أعداءها ثم عاد إلى سيره السابق. وسمى عنترة أبا الفروسية وكان علي مثالها الكمالي جمع الشهامة والشجاعة والكرم وكان نقي القلب رقيق الخصال عالماً لا يخاف ولا يوبخ فوضع أمام الناس أشرف مثال لمتانة الأخلاق والشجاعة والمروءة وقد ظللت مبادئه - وهي صورة مبادئ معلمه - البلاد الإسلامية وكأنت الروح المحرك المحيي لكثير من الأجيال التالية. وكان من أمر الحروب الصليبية أنها جمعت الغرب البربري بمدينة الشرق الإسلامي فنبهته إلى عظمة المسلمين وترفهم. وكان تأثير مسلمي الأندلس خاصة في جيرانهم النصارى هو الباعث على إدخال الفروسية في الغرب ولم يكن التروبادور والتروفور الذين قاموا في جنوب فرنسا والمنسنجر الذين قاموا في البلاد الجزمانية والذين تغنوا في الحرب بأناشيد العشق والشهامة إلا تلاميذ رومنسور قرطبة وغرناطة ومالقة وقد استمد بتررك وبكاشيو بل تايو وتسوشر من الينبوع الإسلامي إلا أن خشونة البرابرة الغربيين في عاداتهم وتصوراتهم كست الفروسية ثوبا حشنا. وبقيت المرأة في الأعصر الإسلامية الأولى حتى سقوط الدولة العربية في المشرق تشغل مكاناً علياً كمكان المرأة المعاصرة فزبيدة امرأة الرشيد قامت بعمل عظيم في عصرها وتركت بحكمها وأدبها اسماً يفتخر به المتأخرون. وإن حميدة امرأة الفاروق أدبت ابنها في غياب زوجها حتى صار من أشهر علماء عصره وكان اسمه ربيعة الرأي. وكانت سكينة ابنة الحسين وسبط علي أذكى أهل زمانها وأكثرهم فضيلة وتهذيباً وقد سماها برون (سيدة سيدات زمانها) ووصفها بأنها (أجملهن وارقهن وأوضحهن أخلاقاً) وجمعت إلى علمها حسن استماعها لحديث العلماء والصالحين. ولقد عرف نساء بيت النبوة بعلمهن وفضيلتهن وتصلب أخلاقهن. وكانت بوران امرأة المأمون وأخته أم الفضل امرأة الأمام الثامن العلوي وابنته ام الحبيب كلهن مشهورات بالعلم. وقامت في القرن الخامس من الهجرة السيدة سكينة الملقبة بفخر النساء وألقت دروساً عامة في مسجد بغداد الجامع موضوعها الأدب والبيان والشعر ولما في تاريخ الإسلام شأن يساوي شأن أشهر العلماء. وماذا كان يصيبها يا ترى لو انها نشأت بين اخوأن القديس سرل والجواب يظهر مما أصاب هيباتيا وكان من الممكن أن لا يمزقها أولئك المتحمسون ولكن من المحقق انها كانت تحرق كالساحرات وكانت ذات الهمة (المحرقة في اللغات الأوروبية الحأزمة) قلب الأسد وصاحبة كثير من الوقائع تحارب مع أشهر الفرسان جنباً لجنب. وقد اعترف كل من لم يتعصب من الكتاب بإصلاح المرأة الذي أتى به النبي. على أن المتعصبين لا يزال ديدنهم القول بأن الإسلام حط من مقام المرأة - تهمة إلا اكذب منها - وان تسعة عشر قرناً من قرون النشوء والترقي عملت مع ما أورثته مدنية سابقة وأحوال مناسبة على جعل المرأة في أكثر البلاد النصرانية أعلى درجة من الرجل بالنظر الاجتماعي أي ولدت آداباً تعترف على الأقل بحق المرأة بالأفضلية الاجتماعية. ولكن ماهو حقها الشرعي ياترى حتى في أعظم البلاد النصرانية. وإن المرأة المتزوجة كانت في البلاد الإنكليزية حتى في عصر متأخر جداً لا يعترف لها وحدها بحق من الحقوق دون زوجها. والآن إذا لم تبلغ المرأة المسلمة في مئة سنة آتية مقام أتى في عصر لم تعترف فيه امة من الأمم اودين منالأديان او جمعية من الجمعيات بحق المرأة سواء كانت بكراً او متزوجة وعاش في بلاد تعد ولادة الابنة مصيبة ومع ذلك خول النساء حقوقاً لا تخولهن اياها الحكومات المتمدنة اليوم إلا كرهاً - أن معلماً كبيراً مثل هذا حري بثناء الخلق واعترافهم له بالجميل ولو لم يفعل غير هذا لصدق في دعواه أنه ارسل رحمة للعالمين. وإن حقوق المرأة المسلمة كما هي مدونة في كتب الفقهاء لا تقل عن حقوق المرأة الأوروبية اليوم واننا لا نتعرض هنا لغير الضمانات التي تضمن حقوقها في الشريعة الإسلامية وهي أن المرأة مادامت غير متزوجة تبقى في بيت أبيها ومادامت دون سن البلوغ فابوها يسوسها ومتى بلغت أشدها فإن الشريعة تمنحها بيدها ما يخصها من الحقوق من غير أن يشركها شريك في ذلك. ولها حصة معلومة في ميراث ابويها كاخواتها وإذا اختلفت النسبة فذلك لاختلاف المقام. ولا يمكن إجبار البالغة على زواج واحد حتى السلطان في حال من الأحوال ولا تخسر المتزوجة حقوقها الخاصة وللزوجة على الزوج صداق مقدم فإذا لم يدفعه تحكم الشريعه لها بصداق يناسب درجتها. والزواج الإسلامي عمل مدني لا يحتاج إلى قسيس أو رسوم معلومة وأن عقود الزواج الإسلامية لا تخول الرجل سلطة على الزوجة وراء ما عينته الشريعة له عليها ولا تعطيه حقاً من الحقوق بالتسلط على امتعتها أو ثروتها. فحقوقها من حيث انها ام لايتوقف الاعتراف بها على وساوس القضاة المختلفي المشرب والتربية. وما كسبته بيدها لا يتمكن من إتلافه زوج مبذر وإن زوجاً شرساً لا يقدر على الإساءة إلى زوجته من غير عقاب وهي تدير أمرها بيدها متى كانت بالغة من غير مداخلة زوجها او أبيها. وتداعي غرماءها في المجالس العلنية من غير أن تضطر إلى الانضمام إلى رفيق ثان أو تحت اسم زوجها وبعد ما تترك بيت أبيها بتقى لها الحقوق التي يخولها الرجل. وإن امتازاتها من حيث أنها ام وزوجة لا تضمنها المجاملات المتقلبة ولكن تضمنها الأحكام المسطرة في كتاب الشرع. ونقول إجمالاً أن حالتها لاتقل عن حالة كثير من نساء الغرب ومن المحقق أنها في كثير من الشؤون أرفع منهن مقاماً وتأخرها بالنسبة إلى الغربيات ناتج عن قلة التهذيب بين الطبقات عامة لا عن شيء خاص في أحكام الفقهاء. بيروت عبد الرحمن شهبندر يوجد نقص من فقرة الأزمة المصرية صفحة ٤٨٠ إلى فقرة صحف منسية صفحة ٤٨٤ (مقتبس ٢ ) صحف منسية نثر ابن زيدون كتب ابن زيدون من قرطبة إلى ابن مسلمة بإشبيلية قبل تحوله إليها ياسيدي وأرفع عددي. وأول الذخائر في عددي. واخطر علق ملأت من اقتنائه يدي. ومن ابقاه الله في عيشة باردة الظلال. ونعمة سابغة الاذيال. قد تناصر الثناء عليك. وتوالي الحديث الحسن عنك. حتى حللت محل الأمانة. وكنت موضع تقليد الوطر واثبات الطوية. والله يمتعك بما حازه لك من الخير. ووفره عليك من طيب الذكر. في علمك أعزك الله ما تقتضيه العطلة من اظلام الخاطر وصداء النفس ويجنبه طول المقام من أخلاق الديباجة وارخاص القدر وقد رأيت أن اجتني ثمرة من الآداب أطلت الاعتناء بها. وأخلاق ادمت رياضة الأنفس عليها. ولما فحصت الملوك وجدت عميدهم الذي انسى السالف قبله. وتقدم الراهق معه. وأتعب العابر بعده. الحاجب فخر الدولة مولاي. ومن أطال الله بقاءه. وكبت أعداءه. بما خصه الله به من سناء الهمم. وشماخة الشيم، وانتظام أسباب الرياسة. وكمال آلات السياسة. واجتماع المناقب التي أفردته من النظراء. وأعلته عن مراتب الاكفاء. فرأيت قبل أن أحمل لغيره نعمة. واوسم ممن سواه بصنعة. أن أعرض نفسي مملوكته عليه عرض من لا يؤهلها لاجازته لا بالاستخارة ولا يطمع لها في قبوله الا مع المسامحة فو كنت الوليد بن عبيد براعة نظم وجعفر بن يحيى بلاغة نثر وإبراهيم بن المهدي طيب مجالسة وإمتاع مشاهدة ثم حضرت بساطة العالي لما كنت مع سعة أحاطته إلا في جانب التقصير وتحت عهدة النقصان غير أنه الا يعدم مني لنجابة غرس اليد وأصابة طريق المصنع من ولاية أخلصها ونصيحة أمحضها وشكر اجنيه الغض من زهراته وثناء اهدي إليه العطر من نفحاته ففوضت اليك هذه السفارة واعتمدتك بتكليف النيابة لوجوه منها حظوتك لديه ومكانتك منه سوغك الله الموهبة في ذلك وانهضك باعباء الشكر لها ومنها سرو مذهبك وكرم سجيتك وصحة مشاركتك لمن لم يستوجبها استيجابي ولا استدعاها بمثل أسبابي من تداني الجوار وتصافي السلف والانتماء إلى آسرة الأدب. فإن وأفقت السانحة الاراة فحظ أقبل. وعبد بلغ من سيده ما امل. ولم أقل عمرك الله كما قيل في النجمين. بل قلت وقد يجمع الله الشتيتين. وإن عاق حرمان عادته أن يعوق عن الظفر ويعترض دون الأمل فأعلمه أيده الله اني في حال العطلة مع غيره والتصرف. ويومي الايطان والتطوف. كالمهتدي بالنجم حين عدم ذكاء ومتيم الصعيد إذا لم يجد الماء فإن اغش قوماً غيره او ازرهم فكالوحش يدنيه من الأنس المحل والله يتولاه بالفسحة في عمره. والإعلاء لأمره. ويصرف الاقدار مع ايثاره. ويصرف وجوه التوفيق إلى اختياره. ولك سيدي في انتدابك كما ندبتك له ما للساعي المنجح من الشكر. أوللمجتهد البالغ من العذر. وملاك الأمر تقديم المراجعة للايجاب فأسكن إليه. والجواب فاعتمد عليه. وأهدي اليك ندى الغض الناضر من سلامي والارج العطر من تحفتي. وله رسالة خاطب بها ابا مروان بن حيان المؤرخ المشهور قال في فصل منها وقد أهداه احمالاً من الزيت والبر في سنة ممحلة: وللذي أسكن إليه من حسن قبولك. وجميل تأويلك. اقابل بالحقير. واواجه بالتافه اليسير. ويعلم الله تعالى إني لو تاحفتك عمري ما رأيت أن ذلك كفوء لقدرك. ولا وفاء ببرك. فكيف ما دونه فلك المنزلة التي لا تسامى. والجلالة التي لا توازي. وما شيء وإن جل الا محتقر لك مستصغر عند محلك. ويصل مع موصل كتابي هذا ما ثبت ذكره في المدرجة طيه وانت بمعاليك تتفضل بقبوله وتصل أجمل صلة بالتغاضي عن رتاحته. والاستجازة لنزارته. مقتضياً بذلك شكري وحمدي ومستبداً منهما بجميع ما عندي. وقد راجعه ابن حيان برقعة يقول فيها: أن لفجأة المسرات الباعثة لآمال النفوس الحائمة صدمات تذهل الجنان وتعقل اللسأن فمن فرح النفس ما يقتل ومن باهر الصنع ما يذهل. ولا كمثل ما فاجأتني به من فضلك المبتدر ميقانه على وفاض من الازودة وخمود من المصأبيح وضغطة من الظنون المخوفة لنكد السنا لم يشغلك عن وجودك شاغل حتى قضيت يذرك في لأول وقته ولم ترض بعادتك المتكلفة لي بشأن الدين حتى تحملت عن ثقل القوت فطرقني قطار هديتك الفاجئة غداة أصبحت فيها منصفاً من الزاد مستوفزاً للارتياد فسكنت دهشاً فرحاً واستحال بياني بلها حتى نولت كتابك الكريم. نظرت في لإليه فنالني به اهتزاز لذكرك وارتياح لقولك فجوزيت جزاء المحسنين بما لرحت من فكري لكشفك في اديم يوم هم عام مع انك قبلت شكري فلا فضل فيه لمقابلة معروفك الا بامحاض الدعاء لك في حراسة مهجتك ودوام نعمتك واستبصار الملك الأعلى عميد الورى مستكفيك في حسن رأيه فيك اعاذك من عين الكمال ووقاك طوارق الأيام والليال وحفظ على زماننا مافيك من كرم الخلال وانهضك بما التزمته من احناث من اقسم في عصرنا أن الجود عدم لا ينال بمنة. وقد طوينا في هذه الرسالة بعض ألفاظ لسقم النسخة المنقول عنها. شعر ابن زيدون في دار الكتب الخديوية بالقاهرة نسخة خطية من ديوان بحتري المغرب ابن زيدون وقع في ١٠٧ ورقات صغيرة تغلب عليه الصحة في الغالب ولم يذكر فيه تايخ ليعرف به الزمن الذي كتبت فيه وقد كتب في آخره مانصه: تم شعر ذي الوزارتين أبي الوليد احمد ابن زيدون وشعر الملكين والحمد لله وحده. وإن خير ما يقرظ به ديوان صاحب قصيدة (أضحى التناحي بديلاً من تجافينا) التي بعث بها إلى ولادة بنت المستكفي بالله أن يكتفي بنقل شذرات منه تدل على مبلغ ذاك الشعر من العراقة في الحضارة والرقة. وقد اتصل بنا أن أديباً من دمشق قد مثل هذا الديوان البديع للطبع او كاد ولا شك أن أصحاب القريض سيسرون بنشره بينهم. قال ابن زيدون يمدح أبا الوليد بن جهور احد ملوك الطوائف وهي أول ديوانه هذا الصباح على سراك رقيبا فصلي بفرعك ليلك الغربيبا ولديك امثال النجوم قلائد الفت سماءك لبة وتريبا لينب عن الجوزاء قرطك كلما جنحت تحت جناحها تغريبا وإذا الوشاح تعرضت اثناؤه طلعت ثريا لم تكن ليغيبا ولطالما ايديت اذ حييتنا كفاً هي الكف الخضيب خضيباً اطنينة دعوى البراءة شأنها أنت العدو فلم دعيت حبيبا ما بال خدك لا يزال مضرجاً بدم ولحظك لا يزال مريبا لو شئت ما عذبت مهجةعاشق مستعذب في حبك التعذيبا ولزرته بل عدته أن الهوى مرض يكون له الوصال طبيبا ما الهجر الا البين لولا أنه لم يشح فاه به الغراب نعيبا ولقد قضى فيك التجلد نحبه فثوى وأعقب زفرة ونحيبا وأرى دموع العين ليس لفيضها غيض إذا ما القلب كان قليبا مالي وللأيام لجّ مع الصبي عدوانها فكسى العذار مشيبا وقال مع تفاح أهداه إلى الوزير الأجل محمد بن جهور اتتك بلون الحبيب الخجل مخالط لون المحب الوجل ثمار يضمن إدراكها هواء أحاط بها معتدل تأتي لا لطاف تدريجها فمن حر شمس إلى برد ظل إلى أن تناهت شفاء العليل وانس المشوق ولهوالغزل فلو تجمد الراح لم تعدها وان هي ذابت فخمر تحل لها منظر حسن في العيون لدنياك لكنه منتقل وطعم يلذ لمن ذاقه كلذة ذكراك لو لم يمل يمثل ملمسها للاكف لين زمانك او يمتثل صفوت فادللت في عرضها ومن يصف منه الهوى فليدل قبولكها نعمة غضة وفضل بما قبله متصل ولو كنت اهديت نفسي اخ تصرت على أنها غاية المحتفل وكتب إلى الأديب أبي بكر مسلم بن احمد رسالة يتنصل بها شحطنا وماللدار نأي ولا شحط وشط بمن نهوى المزار وماشطوا اءاحبابنا الون بحادث عهدنا حوادث لاعقد عليها ولا شرط لعمركم أن الزمان الذي قضى يشت جميع الشمل منا لمشتط وأما الكرى مذ لم ازركم فهاجر زيارته غب والمامة فرط إلى أن يقول وهو مما ذكر له القلائد عدا سمعه عني واصغى إلى عدي لهم في اديمي كلما استمكنوا عط بلغت المدى اذ قصروا فقلوبهم مكامن اضغان اساودها رقط يولونني عرض الكراهة والقلى ومادهرهم الا النفاسة والغبط وقد وسموني بالتي لست أهلها ولم يمن امثالي بامثالها قط فررت فإن قالوا الفرار ارابه فقد فرّ موسى حين همّ به القبط وقال وهو السحر الحلال ساحب اعدائي لانك منهم يامن يصح بمقلتيه ويسقم أصبحت تسخطني وأمنحك الرضى محضاً ونظلمني فلا اتظلم يامن تألف ليله ونهاره فالحسن بينهما مضيء مظلم قد كان في شكوى الصبابة راحة لو انني اشك وإلى من يرحم سقى الغيث اطلال الاحبة بالحمى وحاك عليها ثوب وشي منمنا واطلع فيها للازاهير انجما فكم رفلت فيها الخرائد كالدما اذ العيش غض والزمان غلام أهيم بجبار يعز وأخضع إذا المسك من اردانه يتضوع إذا جئت أشكوه الهوى ليس يسمع فما أنا في شيء من الوصل أطمع ولا أن يزور المقلتين منام قضيب من الريحان أثمر بالبدر لواحظ عينيه ملين من السحر وديباج خديه حكى رونق الخمر وألفاظه في النطق كاللؤلؤ النثر وريقته في الارتشاف مدام سقى جنبات القصر صوب الغمائم وغنى على الاغصان ورق الحمائم بقرطبة الغراء دار الأكارم بلاد بها عق الشباب تمائمي وانجبني قوم هناك كرام فكم لي فيها من مساء واصباح بكل غزال مشرف الوجه وضاح يقدم أفواه الكؤوس بتفاح إذا طلعت في راحة انجم الراح فإنا لإعظام المدام قيام ويوم لدى النبي في شاطئ النهر تدار علينا الراح في فتية زهر وليس لنا فرش سوى يانع الزهر يدور بها عذب اللما اهيف الخصر بفيه من الثغر الشيب نظام ويوم بحوحي الرصافة مبهج مررنا بروض الاقحوأن المديح وقابلنا فيه نسيم البنفسج ولاح لنا ورد يخد مضرج تراه أمام النور وهو أمام واكرم بأيام العفاف السوالف ولهو أثرناه بتلك المعاطف بسود اثيث الشعر بيض السواف إذا رفلوا في وشي تلك المطارف فليس على خلع العذار ملام وكم مشهد عند العقيق وجره قعدنا على حمر النبات وصفره وظبي يساقينا سلافة خمره=حكى جسدي في السقم رقة خصره لواحظه عند الدنو سهام فقل لزمان قد تولى نعيمه ورثت على مر الليالي رسومه وكم رق فيه بالعشي نسيمه ولاحت لساري الليل فيه نجومه عليك من الصب المشوق سلام وله وقد قال فيها صاحب الذخيرة أنه كتب بها من بطليوس أيام تكدره عليها وهي من غرر نظامة ودرر كلامه يادمع صب ماشئت أن تصوبا ويافؤادي إن ان تذوبا أن الرزايا أصبحت ضروبا لم ار لي في أهلها ضريبا قد ملأ الشوق الحشا ندوبا في الغرب اذ رحت به غريبا عليل دهر سامني تعذيبا ادنى الضنا اذ ابعد الطبيبا ليت القبول احدثت هبوبا ريح يروح عهدها قريبا بالأفق المهدي الينا طيبا تعطرت منه الصبا جنونا يبرد حر الكبد المشبوبا يامتبعاً إساءة التأويبا مشرقاً قد سئم التغريبا اما سمعت المثل المضروبا ارسل حكيماً واستشر لبيبا إذا اتيت الوطن الحبيبا والجانب المستوضح العجيبا والحاضر المنفشج الرحيبا فحي منه ما رأى الجنوبا مصانع بجاذب القلوبا حيث الفت الرشأ الربيبا مخالساً في وصله الرقيبا كم تات ليلي بدره الغريبا لما أنثنى في سكره قضيبا تشدو حمام حليه تطريبا هصرته حلو الجنى رطيبا ارشف منه المبسم الشنيبا حتى إذا ما اعتن لي مريبا شباب أفق هم أن يشيبا بادرت سعياً هل رأيت الذيبا اهاجري ام موسعي تأنيبا من لم أسع من بعده مشروباً ما ضره لو قال لا تتريبا ولا ملام يلحق القلوبا فلا ملام لحق المغلوبا قد طال ما تجرم الذنوبا ولم يدع في العذر لي نصيبا ان قرت العين بان اؤبا لم آل أن استرضى الغضوبا حسبي أن احرم المغيبا قد ينفع المذنب أن يتوبا وقال: ولما التقينا للوداع غدية وقد خفقت في ساحة القصر رايات وقربت الجرد العتاق وصفقت طبول ولاحت للفراق علامات بكينا دماً حتى كان عيوننا بجري الدموع الحمر منها جراحات وكنا نرجي الأوب بعد ثلاثة فكيف وقد كانت عليها زيادات مطبوعات ومخطوطات صدر هذا الكتاب النفيس في الشهور الأخيرة باللغة الإفرنسية من قلم المسيو هنري ليشتنبرجي من أساتذة كلية السوربون في باريز وهو في نحو أربعمائة صفحة تلونا في مسطورة أثار عظمة الأمة الجرمانية وارتقائها في أدابها وعلومها وصنائعها وأخلاقها واوضاعها السياسية والاجتماعية ولاقتصادية والدينية في خلال القرن التاسع عشر كل ذلك مكتوب بلسان الانصاف البحت اوحاه العلم الذي لا ينطبق صاحبه من جانب القلب بعامل هوى النفس واملاه التمحيص الذي يتوفر عليه علماء الغرب إذا اخصوا في فن من الفنون وأرادوا أن يضعوا فيه المصنفات الممتعة النافعة. وقد عددنا الطفر بهذا الكتاب نعمة لانا كنا نعرف درجة ارتقاء الألمان معرفة سطحية وذلك لان من أخلاق هذه الأمة بل من أخلاق الأمم السكسونية كالإنكليز والأميركان أن لا يهمها التظاهر بعظمتها الحقيقية الا بعد إيراد الدلائل الحسية على ذلك وظهور نتائج الأعمال بالطبع. ومما استفدناه منه أن الألمان لم يكتفوا بنزول بلادهم بل هم منتشرون في جميع بلاد أوروبا ولاسيما فيما وراء تخومها من الجهات الأربع فقد كأن سنة ١٩٠٠ في بلاد النمسا ٩١٧١٠٠٠ ألماني أي ٣٦ بالمائة من مجموع السكان يحيون فيها لغتهم وحضارتهم ونفوذهم وفي الأكثر في بوهيميا على كثرة مناضلة عنصر الصقالبة لهم. وعلى الرغم من معاكسة العنصر المجري للعنصر الجرماني لايزال في بلاد المجر ٢١٣٥٠٠٠ ألماني أي نحو ٣٣ في المئة من عامة السكان يحافظون على حالتهم وإن شئت فقل يفلحون في الأعمال وينتشرون كما هم في أقليم كرواسياسلافونيا من ديار المجر فإنهم زادوا فيها أربعة أضعاف ما كانوا في النصف الثاني من القرن الأخير. وعدد الألمان في شرق ألمانيا من ولايات البلطيق من أعمال روسيا نحو ربع مليون وهم العنصر المتمدن المتعلم الفني. وفي جنوبي ألمانيا أي في بلاد سويسرا الألمانية يتراجع عنصرهم قليلاً بالنسبة لعنصر الولش وفي غربي ألمانيا ٣٢ الفا أي في هولاندا والبلجيك الفلامندية و ٦٨ ألفاً في البلجيك ولوكسمبرغ. وماعدا هؤلاء فإن هناك ملايين من الألمانيين غادروا ألمانيا على أن يعودوا إليها او هاجروا منها هجرة قطعية فمنهم جنود يخدمون الأجانب ودعاة دين للكثلكة أو إلبرتستانتية ورواد في آسيا وأفريقيا يكتشفون المجاهل والمعالم ومهاجرون مدفوعون بعامل الفقر نزلوا وراء البحر المحيط أي في أمريكيا يبحثون عن الثروة وكل هؤلاء الألمان الذين طرحتهم النوى مطارحاً والقتهم الاقدار في اطراق المعمور كله هم عنصر قوي في جسم القوة الجرمانية ذو شأن عظيم قال المؤلف ومعلوم أن هجرة الألمان كانت متصلة بعد سنة ١٨٣٠ حتى أنه يقدر عدد الألمانيين الذين غادروا ألمانيا في خلال القرن التاسع عشر بخمسة ملايين ومعظمهم بين سنة ١٨٨١ و ١٨٩٠ هكذا أسست منذ ذاك العهد مستعمرات ألمانية كثيرة وأهمها مستعمرة الألمان في الولايات المحدة ويقدر عدد الأميركيين الذين هم من أصل الماني بخمسة وعشرين مليوناً وتعشرة إلى اثني عشر مليوناً تقرأ في جبهتهم ألمانيتهم وهم اما أنهم يتكلون بالألمانية او هم مولدون من آباء ألمان او انهم احتفظوا بعاداتهم وتهذيبهم بما قوى الرابطة بينهم وبين بلادهم الأصلية وكان هذا العدد الدثر من أعظم القوى الألمانية اذ لم يتشبه على ايسر وجه بمن نزل بين ظهرهم من الأميركان وينزع عنه أخلاقه وأداب جنسه في الجيل الثاني أو الثالث واحياناً في الجيل الأول. ويبلغ الألمان في أميركيا الجنوبية نصف مليون نسمة وهم فيها أكثر احتفاظاً بلغتهم وآدابهم وأغنياء من الطراز الأول وفي استراليا نتشبهون بالعنصر الإنكليزي السنكسوني لأول أمرهم وعلى العكس في النازحين منهم إلى الشرق من جهات الأملاك العثمانية والروسية كقافقاسيا وتركستان وسبيريا من جهة وفلسطين من جهة أخرى فمنهم احتفظوا بأصولهم ولغاتهم وهم على قاب قوسين من النجاح والتقدم وهكذا الحال في سائر البلاد التي نزلوها في آسيا ولاسيما في المستعمرات الهولاندية وكذلك في أفريقية ولاسيما في مستعمرة الرأس ويقدرون عدد الألمان في أوروبا بستة وسبعين مليوناً ونصف يضاف إليهم نحو اثني عشر مليوناً منتشرين في أطراف القارات الأربع الأخرى منهم عشرة ملايين في الولايات المتحدة وأربعمائة الف في أمريكيا الشمالية وخمسمائة الف في أمريكيا الجنوبية وثمانية عشر ألفاً في أمريكيا الوسطى و ٦٢٣ الفا في أفريقيا و ١١٠ ألاف في جزائر المحيط و ٨٨ ألفاً في آسيا وسنعرب من هذا الكتاب بعض فصوله لفائدة القراء محمد علي هي قصة تاريخية غرامية تشتمل على سيرة محمد علي باشا مؤسس العائلة الخديوية من أول نشأته حتة قبض على أزمة الحكومة المصرية عربها عن الإنكليزية نسيب أفندي المشعلاني المشهور في تعريب القصص والفكاهات ونشرتها مجلة الهلال الغراء ملحقاً لها تعويضاً لقرائها عن شهري الصيف وهما اللذان تحتجب فيهما هذه المجلة النافعة وقد جعلتها هدية يدفعون في الاغلب إلا إذا حفزهم حافز ورغبهم كان ما يتنأولونه كل يوم او كل أسبوع او كل شهر من الأفكار والأبحاث لا يساوي وحده في نظرهم أن يقابل بثمن طفيف. وقد أحسن رصيفنا صاحب الهلال بهذه القاعدة الملذة وهي في زهاء ثلاثمائة صفحة من قطع الثمن فنحت عشاق الفكاهات على مطالعتها ونثني على نأقلها وناشرها بما يستحق فضلها. ديوان صريع الغواني صريع الغواني او مسلم بن الوليد شاعر متقدم من شعراء الدولة العباسية وهو فيما زعموا أول من قال الشعر المعروف بالبديع وهو الذي لقب هذا الجنس البديع واللطيف وتبعه فيه جماعة وأشهرهم ابو تمام الطائي وكان حسن النمط جيد القول في الشراب وكثير من الرواة يقرنه بأبي نواس في هذا المعنى توفي سنة ٢٠٨ وقد كان طبع ديوانه في أوروبا والهند واعاد طبعه الأن فئة من انصار الأدب ببور سعيد فأحسنت ونعما فعلت وحبذا لو تتبعه بغيره من الكتب المطبوعة في أوروبا وهي تعد كالمخطوطة في ديارنا لندرتها. قال مسلم في الحكم: شكا الزمان بما امضى به قدرا أن الزمان لمحمود على الابد لن يبطئ الأمر ما املت اوبته وان اعانك فيه رفق متئد والدهر أخذ ما اعطى مكدر ما اصفى ومفسد ما اهوى له بيد فلا يغرنك من دهر عطيته فليس يترك ما اعطى على احد وقال من هذا النوع كم رأينا من أناس هلكوا فبكى احبابهم ثم بكوا تركوا الدنيا لمن بعدهم وردهم لو قدموا ما تركوا كم رأينا من ملوك سوقة ورأينا سوقة قد ملكوا قلب الله عليهم وركا فاستداروا حيث دار الفلك مرآة الزمان جرت عادة كثير من طباع الغربيين أن يطبعوا بالزنكو غراف كثيراً من الكتب القديمة الخطية لاسيما إذا كان خطها بديعاً يغلب عليه الضبط والصحة وفي ذلك فوائد لا تحصى لأن الممالك نسخة من كتاب او رسالة طبع على هذه الصورة كانه ملك النسخة الأصلية الفريدة في بابها وربما طبع الكتاب بهذه الطريقة لا لما ذكر بل لصعوبة النسخ أو الطبع على الطريقة المألوفة ومن ذلك ما فعله الدكتور ريكارد جوت أستاذ العربية في جامعة شيكاغو فإنه طبع في الأيام الأخيرة الجزء الثامن من مرآة الزمان للعلامة يوسف سبط ابن الجوزي وهذا الجزء يحتوي على نهم الأحداث من سنة ٤٩٥ إلى سنة ٦٥٤ ولعل بعض الطابعين في المشرق يقتنعون هذا الأثر وإن كان يحتاج إلى عناء وكلفة فإن في دور الكتب هنا وعند كثير من المولعين بها كثيراً من الكتب التي يجد ران تطبع على هذه الطريقة لا على الطريقة الأخرى. الفضيلة والرذيلة جورج اونه من مشاهير كتاب فرنسا المعاصرين له عشرات من المؤلفات في التمثيل والقصص وكلها منتشرة بين الفرنسين وهو من الناقمين على أرباب المجد والمال ولذلك ترى معظم كتاباته تدور على هذا المحور. وقد عرب منشيء هذه المجلة في هذه الآونة رواية من سلسة روايات له كثيرة سماها جهاد الحياة نشرتها مجلة مسأمرات الشعب في ٢٦٧ صفحة منصفة القطع وسميت (الفضيلة والرذيلة) وهي تمثل رجلاً من أهل الأدب والقريض اتصل بقتاة أدبية وامرأة متأدبة فحاول أن يحل من الأولى محلاً دفعته عنه بفضل أدبها وتربيثها مع أن امها كانت معروفة بالخلاعة والتبذل وحل من الثانية وهي غنية من ربات القصور محلاً لا يليق بمن كتب وصفت أن يحله فأخذت ترفع مقامه بين خاصتها وتبره ليصلح لها كتاباتها المنثورة والمنظومة لأنها كانت مولعة بالشهرة أدبية ولما تستعد لها على أصولها وقد تخلل ذلك كلام في النقد على أرباب الرفاهية والمجد وطلاب الشهرة الباطلة مثال من تغفل بعض أرباب المطابع والجرائد والمجلات والمجامع العلمية في فرنسا مما تحتاج كل صفحة من صفحاته إلى شرح طويل. وهذه الرواية تلذ مطالعتها الخاصة أكثر من العامة وهي تطلب من مجلة مسأمرات الشعب وثمنها خمسة عشر قرشاً وتهدى لمن يشترك بالمجلة المذكورة. المجرم البريء نشرت مجلة مسأمرات الشعب القصصية هذه الرواية معربة بقلم كاتب هذه السطور أيضاً وهي رواية بلذ مطالعتها جمهور الناس تمثل صورة من صور التهور في الغرام الحرام وعواقبه المدمرة وذلك أن صاحب معمل في باريز كان في حالة حسنة من دنياه يعيش في غبطة مع زوجته وفتاته فساقة الغرور إلى الاتصال بامرأة احد كبار المحامين استلت منه آدابه وماله ثم جمعته الاقدار في حرب السبعين مع زوجها وكان يعرفه من قبل معرفة بسيطة فتصادقا على الرغم منه وانقذ كل منهما حياة صاحبه في بعض المواقع فعاد صاحبه وقد قطعت ساقاه فلم ير صاحب المعمل أن يعود إلى سالف عهده مع زوجة صاحبه بعد تلك الحقوق التي بينهما وراح يوبخ نفسه على ما قدمت يداه اما هي فكتمت الأمر وأخذت تدبر له مكيدة للانتقام منه بواسطة رجل كان قبض عليه صاحب المعمل في دار الحرب وهو يتجسس للعدو وسجنه ريثما ينفذ عليه حكم الإعدام ففر في الليل وعادإلى باريز وتعرف إلى تلك المرأة وكان مطلعاً من قبل على شيء مما يدور بينها وبينه قبل الحرب. وصادف أن وقع صاحب المعمل في ضائقة عقيب وقوف الحركة المالية في فرنسا وكان مديناً لرجل عجوز بمبلغ من المال فأراده أن ينظر إلى ميسرة فالح هذا في تقاضي دينه فلم يسعه إلا أن يدفع إليه ما أراد وعندها دمر ذاك الجاسوس إلى دار الشيخ وذبحه وأخذ اوراقه المالية التي كانت فيها إشارة إلى انها صادرة عن صاحب المعمل ودفع القسم الأعظم منها إلى عشيقة صاحب المعمل القديمة لتؤديها إليه وفاء عن مبلغ كانت اقترضته منه أيام اتصالها به فأخذها هذا فرحاً وصادف أن كانت دار صاحب المعمل في ضاحية باريز مناوحة لدار الشيخ القتيل الذي كان دائن الأول مديناً له وإن صاحب المعمل تأخر ليلة القتل مضظرباً من الأزمةا لمالية التي تهدده بالخراب وإن زوجته وابنته رأتا شخصاً شبه لهما به فظنتا انه هو الذي دخل دار ذاك الجار العجوز قبيل منتصف الليل واتفق وجود شبه في الصورة بين صاحب المعمل وبين الجاسوس القاتل ووقعت للابنة وامها امارات قوية تدل على أن صاحب المعمل هو القاتل لا محالة ولما استنطقتهما النيابة من الغد ظهر عليهما تردد لم يشك القضاة معه بأن القاتل هو صاحب المعمل قتل غريمه بعد أن دفع إليه المبلغ كما علم من كتأبين كان بعث بهما إليه قبل يومين من مقتله يهدده فيهما ضمنا أن لم يمهله في الدفع ولما سجن صاحب المعمل بما قامت عليه من الإمارات وهو ينادي بانه بريء تقدم صديقة في دار الحرب ذاك المحامي على عجزه ليتولى الدفاع عنه وفاء بحقوق الصداقة فابى أن يطلعه على سر قضيته ليحسن انقاذه من ايدي القضاة لكن صديقة المحامي عرف بأن في المسألة سراً له اتصال بأمور نسائية ابت مروءة صاحبه أن يبوح به إليه لأنه ربما ادى إلى خراب بيت وتشتيت شمل أسرة عظيمة وبينا هو في المحكمة يدافع عنه يوم صدور الحكم عليه وقد ايقن الناس بانه كاد يؤثر بطلاقة لسانه في عقول القضاة فيبرؤن صاحبه او يحكمون عليه بعقوبة خفيفة جداً ألقيت إليه بطاقة فلما قرأها دهش وتلعثم ثم نقلوه إلى غرفة وجاء الطبيب وقد فارق المحامي الحياة وعندها حكمت المحكمة على الذي تبين لها أنه القاتل بالاشغال الشاقة مؤبداً. وفي خلال ذلك هلكت امرأة صاحب المعمل حزناً وخلفت ابنتها وهي في السابعة يتيمة عجية فكفلها خال أبيها وباع المعمل والمصيف وجميع ما يملكه ابن اخته ووفى ما كان عليه من الديون. اما صاحب المعمل فتمكن بعد سنة من الفرار ومن محبسه في خمسة من المجرمين السياسيين وانقلب إلى نيويورك فقيراً وقيراً فدخل في أحد المعامل وكان يحسن صناعة الحديد قوي العضل عارفاً بالميكانيكيات فظهرت كفاءته ووفق إلى أن جمع مبلغاً من المال عاد به بعد سنتين إلى فرنسا متخفياً وأخذ ابنته من خاله ورجع إلى أمريكيا فزوده بمبلغ منالمال يستعين به على تربية ابنته وكان خاله عقيماًُ فإنشأ ذاك المحكوم عليه بتوسع عمله وذهب إلى كندا فاغتنى كثيراً بفضل كده وعمله وسعة معارفه في الميكانيكيات والطبيعيات وعلم ابنته التعليم العالي وبدل اسمه واسم اسرته وبعد أن قضى هناك نحو عشر سنين حدثته نفسه بالرجوع إلى وطنه ليكشف سر قضيته ويعاد النظر فيها ليعرف من اين أبى فرجع واتخذ له داراً في ظاهر باريز. ومن غريب المصادفات أن القصر الذي اكتراه كان بالقرب من مزرعة انتقلت بالارث الشرعي لزوجة صديقه الذي هلك في خلال الدفاع عنها وعشيقته القديمة وكانت اوت إليها بعد وفاة زوجها مع ولديها فاتصل أهل البيتين بواسطة ابنة صاحب المعمل وعقدت بينهما صلات التعارف ومازال الغني المحكوم عليه يبحث حتى توصل إلى معرفة القاتل الحقيقي ودخل معه في شركة ثم بعث إلى البورصة من قبله بمن سعى إلى اسقاط اسهمها فافلس شريكه او كاد ولم يجد ملجأ الا شريكه صاحب المعمل فوعده باعطائه شيئاً من المال إلا أن القاتل القديم اضمر أن يقتله وراح من الليل إلى داره وكان نصب له تمثالاً من الخشب وضعه على المنضدة فشبه له وظنه هو فإنشأ يضربه بخنجره وكان صاحبنا كامناً له مع اثنين من رجال الشرطة وقاضين كان لهم يد في الحكم عليه سابقاً فأمسكوه واعترف بفعلته وهو متلبس بالجريمة إلا أنه طعن نفسه في الحال بخنجره وسألوه أسئلة فاعترف بانه هو قاتل ذاك الشيخ العجوز الذي كان صاحب المعمل مديناً له وأن له شريكاً في قتله وحشرجت روحه فلم يسم ذاك الشريك وعندها صدر عفو الحكومة عن صاحب المعمل وعقد لابنته على احد ولدي صديقة المحامي وكان محامياً أيضاً وماتت في خلال ذلك أمهما أي عشيقة صاحب المعمل وقد اقرت بما جنته وسقطت من عيني ابنيها وراح الزوجان الجديدان تحالفهما السعادة بعد أن شقي أبواهما وأماهما هذا الشقاء الذي قاد ليه الغرور وطيش الصبا والصبوة. وقد وقعت القصة في ثمانمائة صفحة صغيرة صدرت في أربعة أجزاء وهي تطلب من مكتبة المسامرات وثمنها ثمانية قروش وفيها كثير من الحوادث التي بلذ العامة وبعض الخاصة. سير العلم حروب العالم ألف أحد علماء الفرنسيس كتاباً جليلاً سماه ماضي الحرب ومستقبل السلم ذكر فيه ما احدثته الحروب من الويلات قي القرن التاسع عشر قرن العلم والنور فقال أن القوانين حكمت في خلاله على عشرة آلاف مجرم بالإعدام في العالم على حين أن الحروب ازهقت ارواح خمسة عشر مليون شاب شجاع وعلى هذا فقد كفر مجرم واحد عن فعلته بالموت وفضى الفإنإمن الابرياء في ميادين الوغى فكان الماضي حقاًُ مجزرة عقيمة وإذا ظلت هذه المجازر تجري على مرأى ومسمع من العالم فإن عارها تحمر منه الخدود وذكراها تقشعر منه الجلود. قال ومن ادعى بأن فرنسا إذا سعت إلى أبطال الحرب ولم تعد إلى مااتته من حوادث الجنون في إهراق الدماء على عهد فرنسيس الأول ولويس الرابع عشر ونابليون الأول تسعى إلى حتفها بظلفها فهو في غرور وإذا فعلت فرنسا فإنها بذلك تعمل على ما فيه مجدها وإعلاء شأنها. قال واما أولئك الألوف من الضباط ومئات الألوف من العملة في دور الصناعات الذين يعملون الآن فإنهم ينصرفون إلى أعمال غير أعمالهم الأن فبدلاً من إنشاء الدوارع الحربية ينشئون البواخر التجارية وبدلاً من صنع الخرطوش يعملون على استنبات الحنطة وقال ينبغي أن تكون معاهدات التحكيم إجبارية بين الأمم وبذلك تمتنع الحروب من العالم. الدخان الضار يحدث من دخان المعامل في المدن الصناعية الكبرى كلندن وباريز ما يضر بالسكان والمكان فقد قدر الحامض الكبريتي الذي يتكون منها كل سنة في لندن وحدها بنصف مليون طن تدخل في رئة الناس فتقرضها كما تفرض الحجر الجيري والرضم والقرميد وتحيل هذه المواد إلى سلفات الجير وتتفتت ويخشى منها على المصانع الكبيرة والمعاهد والمعابد. وقد جربوا عدة مواد لملافاة ضرر هذا الدخان ورأوا أن أحسن واسطة طلي البنايات بمحلول الباريت لأنه كلاملاط يحكم الربط بين أجزاء الحجارة فاسفرت تجربته عن تقوية الحجارة كانها الآن خارجة من المقلع وكانت من قبل تتفتت باليد. ولكن إذا اغتبطت الجمادات بانها لا تتضرر بعد الآن بهذا الدخان فإن الإنسان والنبات مازالا يتضرران منها والعلماء يبحثون عن طريق تقي منها البشر. أقزام جدد صادف أحد رجال البعثة الإنكليزية التي عهد إليها صعود جبال القمر في خلال سياحتها في أفريقيا جيلاً من الأفريقيين الأقزام لم يكن معروفاً من قبل في بقعة كاد يظن أنها أمنع من جبهة الأسد تمتد من جنوبي بحيرة إلبرت ادوارد وهي جبلية ذات وهاد ونجاد وعقاب وشعاب وفيها فوهات بركانية خامدة وهذه الجبال مغطاة بأشجار الخيزران الجيد وقد نزل أولئك الأقزام في ادغال هناك وهم يعيشون بشن الغارات على من في جوارهم ونهب السكان المنتشرين في الجبال. وهم اقصر قامات من أقزام الكونغو ولم يعرف العلماء الباحثون في أصول الأمم عنهم شيئاً. فهم لا يعرفون الصنائع ولا الصيد ولا يحسنون غير السلب والنهب وعندهم خلايا يقتاتون بعسلها مع اللبن وقد أتى المكتشف معه إلى أوروبا باقزمين مثالاً من أولئك القزم المجهولين. اللغة العربية قال الدكتور براون احد أساتذة جامعة كامبردج في مأدبة أقامتها اللجنة المصرية في دار الندور الإنكليزية لجماعة المصريين: أن لغة مصر الآن تهبط وهي اللغة العربية الفصحى لأن الازهر قد بقى في خلال هاتيك القرون المظلمة حصناً منيعاً للغة العربية والآداب الإسلامية. وقال: يقولون أن اللغة العربية غير صالحة للعلوم العصرية. يقولون هذا وهم من الضياع. اللغة التي نقلت لنا آداب الفرس والهنود القرون البائدة. اللغة التي كتبت بها جميع المؤلفات العلمية الثمنية كيف يمكن أن يقال أنها لا توسع صدرها لتلقين مبادئ علوم عصرية؟ ألفت الكتب في علم الجغرافيا وتخطيط البلدان على طريقة لم يؤلف مثلها وكتبهم العربية في التاريخ اوسع الكتب وادقها بل في نظري أن التاريخ في بعض المؤلفات العربية لم يكتب على نسقة في أوروبا وذكر ابن خلدون وابن الاثير والطبري والفخري وغيرهم ثم قال: وفي باب العلم والفلسفة والأخلاق نجد من المؤلفات ما لا يوجد له مثيل. ما ظنكم بجماعة من كبار أهل العلم يجتمعون في القرون التي كنا فيها في دور الهمجية والوحشية يؤلفون دائرة علوم اسمها (اخوأن الصفاء) ونحن من الآن نفتخر بكتاب دائرة العلوم الإنكليزية في القرن العشرين ونقول أن اللغة العربية لا تصلح لتلقين العلوم. هذا الشهر ستاني في كتابة (الملل والنحل) قد جمع في مؤلف صغير خلاصة الآراء الدينية والفلسفية التي كانت تعتقد فيها الأمم الغابرة والحاضرة وهذه دوائر العلوم العربية في مكاتب اسبانيا وفي مكاتب أوروبا وكيفما كأنت الحجة في عدم تعليم العلوم باللغة العربية في مصر فلا مراء مطلقاً في أن تعليم امة بغير لغتها صد لها عن التقدم وعقبة كبرى في سبيل نهضتها بل أقول أنه لا تعليم البته لامة بغير لغتها. ورق الخيزور ذكرنا ما كان من اتخاذ بعضهم الورق من شجيرات الاريقي وما كان من اتخاذه من سوق القطن وعيدانه. وقد قرأنا في الأخبار العلمية الآن انهم أخذوا يصنعون الورق من الخيزور في برمانيا من أعمال الهند الصينية فمنحت حكومتها عدة امتيازات للانتفاع بالخيزران وقد كان الصينيون منذ الزمن الأطول يعرفون ألياف الخيزور وانه يصنع به الورق وأن لم يستعمل في الصناعة بالفعل ولكن أحد الإنكليز المقيمين في جزائر الجاماييك عن له هذا الخاطر فأخذ منذ عام ١٩٠٠ يضاعف الهمة في زرع الخيزران في ذاك الارخبيل ولكن أعماله لم تأت بفائدة لنزع أليافه من الصمغ الذي يلصقها بالجذوع وقد توصلوا الأن إلى صنع ورق جميل جداً من ألياف الخيزور وهو من الطراز الأول في الجودة والمتانة وأخذت الحكومة الإنكليزية في ذاك الصقع تنشيط زراعة الخيزران لرخص أسعاره وجودة ورقه وسيعمل من أليافه بعد سبع سنين كل سنة عشرة آلاف طن وبعد خمس عشرة سنة عشرون ألف طن فيأتي بأرباح عظيمة. البيض قدم أحد العارفين إلى كلية باريز بحثاً في منافع بيض الدجاج وبيض الفسيخ (البطارخ) قابل فيه بين تغذية هذا البيض وتغذية اللحوم فقال أن البيض ولاسيما بيض الفسيخ تكثر فيه مادة الألبومين أكثر من اللحم وانه حسن الرأي الاعتماد على هذا البيض في التغذية على شرط أن لا يتعدى معدله من الجنسين من خمسين إلى مائة غرام في اليوم وقال أنه من حيث الثمن ارخص من اللحم وسالم من العيوب وفيه غذاء نافع فوسفوري. المطاط كتب أحدهم في مجلة المجلات الأمريكية مقالاً تكلم فيه عن المطاط وذكلا شيئاً من تاريخ معرفة الناس فوائده واكتشافهم الجهات التي تنمو فيها أشجاره واستخراجهم له قال: في المنطقة الحارة التي هي المنبت الحقيقي لأشجار المطاط نحو الثلاثمائة أو الأربعمائة شجيرة وغرسة يخرج منها سائل يضرب لونه إلى البياض فيه خواص المطاط وأهم مورد له الآن وادي الأمازون والكونغو ومن المحتمل الحصول عليه أيضاً في المستقبل من جزيرة سيلان ومستعمرة سنغافورة بكميات وافرة. وفي هذا الوقت تزرع ملايين من أشجار بالهند مع أنواع منها جديدة يرجى أن يكون مطاطها رائجاً جداًُ في جميع الأنحاء. المطاط مادة يستخرج من لحاء الأشجار ولتلك المادة لون يشبه لون اللبن وهي في عرف علماء الكيمياء من قسم الجوامد التي تعرف بالمواد الغروية غير أنهم يجهلون كل الجهل المنشأ الحقيقي لخاصتها الغروية. وقد وفق شارلش ماكنتوش عام ١٨٣٣ إلى تذويب المطاط في البينزين وفي سنة ١٨٣٩ اكتشف شارلس جدبير من نيويورك أنه إذا مزجت كمية من المطاط مع أخرى تعادلها من الكبريت لم يكن الناتج لينحل إذا استلطت عليه حرارة خفيفة او لنزلج إذا كانت درجة الحرارة عالية. لم يكن المطاط في ذاك الوقت مستعملاً بكثرة في الولايات المتحدة أما اليوم فإنها تستعمل زهاء نصف ما يستخرج من المطاط في الكرة الأرضية ويصح أن نقول أن المطاط يكون غداً من الزم ضروريات الحياة وأصبح عظيم الخطر والقدر وقد جاء وافياً بما كنا ننشده من متمات معينات التنقل. فلولاه لكان من المستحيل عمل مركبات السكك الحديدية الهوائية (مركبات تسير على قضبان من حديد بواسطة الهواء المضغوط) ولولاه لماتمكنا من نقل الكهرباء وتسييرها في الاسلاك. من الممكن للناس أن يستغنوا عن المطاط في صنع الاحذية والجوارب مثلاً ولكنهم لا يمكنهم أن يتخلوا عن استعماله - اذ لايوجد ما يغني عنه - في عمل وسائل التنقل الجديدة كعربات السكك الحديدية والسيارات وفي المفاوضات بالكهرباء والإنارة بها وكذلك يحتاج إليه في عمل الجراحات وفي الادوية ويبلغ مجموع ثمن ما يباع منه في أنحاء العالم ١٦ مليون درهم إنكليزي وزنه هذا المحصول ١٢٥ مليون رطل إنكليزي والمدن التي فيها أكبر سواقي المطاط والتي يصدر منها إلى سائر الأمم وهي: نيويورك وليفربول ولندرة ولشبونة والهافر ولا يزيد ما يؤخذ سنوياً من المطاط من الأشجار التي زرعت حديثاً عن مائة طن. والاشتغال بجمع المطاط في جهات الأمازون والكونغو صعب جداً ولا يقدر على المعيشة والعمل هناك غير الوطنين. وجميع الاحذية والنعال والملابس المصنوعة منه بالولايات المتحدة - ما عدا مدينة بوسطن - تحتكرها شركة واحدة تدعى (شركة مطاط الولايات المتحدة) ويفيدك أن تعلم أنه يمكن إصلاح ما يخرب مما يصنع من المطاط إذا تقادم عليه العهد وإرجاعه إلى سابق حاله. السكك الحديدية تكثر الاعشاب والجميم في ممر الخطوط الحديدية حتى تكاد تكون احياناً من عوائق القطارات وقد استعملت عدة ذرائع لأهلاكها فلم تأت بنتيجة وقد اخترعت الآن شركة سكك حديد المحيط الهادي في أمريكيا مركبة كهربائية ذات دواليب تحرق الاعشاب على طول الخط الحديدي فتزيل في النهار الواحد الحشيش والعشب من ثلاثين إلى أربعين كيلو متراًُ وهذه المركبة تسير كما يسير القطار العادي وإذا اجتازت مرتين ثلاثاً في مكان فبشره بعدها بانه لا ينبت فيه عرق أخضر. اللبن النباتي يستعمل هذا اللبن في الصين ويستعاض به في أحوال عن لبن البقر وهو يصنع من بزور الفأصوليا الزيتية فتطبخ وتعصر جيداً بحيث يأتي منها نوع من العصيدة إذا حلت في الماء يكون منها مشروب يسمى اللبن النباتي ويصنع من جبن طري ويمكن جفظه بوضعه في الملح فيشبه جبن (الروكفور) وجبي العنز المعروف بالشيبيشو وجبن (الجرافيرا) اللغات الأوروبية يقول احد علماء السكسونيين أنه سيكون عدد المتكلمين باللغة الإنكليزية في أواخر القرن العشرين ٦٥٠ مليوناً من البشر وعدد المتكلمين بالروسية ٢٣٥ مليوناً وعدد المتكلمين بالألمانية ٢١٥ وعدد المتكلمين بالإفرنسية ٩٠ مليوناً وعدد المتكلمين بالايطالية ٧٩ مليوناً وبالاسبانية ٧٥ وقد اوقع بعض الفرنسيس الشك في هذا التخمين. قاموس المجمع العلمي ذكروا أن عدد المفردات التي شرحها قاموس المجمع العلمي الفرنسوي اثنان وثلاثون ألفاً فيها عشرون ألفاً من أصل علمي او غريب. وقد قدروا عدد المفردات البسيطة المستعملة بالإفرنسية في الحاجيات اليومية بأربعة آلاف كلمة. ويقول اللغوي ماكس موللر في كتابة علم اللغات أن غاية ما يستعمله المتعلم من الإنكليز في شؤونه هو أربعة آلاف كلمة أيضا. ونحن لا نظن أن المألوف من الألفاظ في معظم اللغات يتجاوز هذا القدر او أكثر منه بقليل مهما كأنت اللغة متسعة. أثر لأرخميدس عثر المؤرخ هبرج الدانيمركي مؤخراً على نسخة خطية كتبت على ورق صادرمن مدينة القدس وهي عبارة عن رسالة في الحساب غير معروفة من أرخميدس أعظم مهندس يوناني وهذه الرسالة تكاد تصور حساب التكامل الذي عرف في العصور المتأخرة وبهذا الا كتشاف يكون أرخميدس أعظم رياضي قام في العالم. التربية المتحدة انشأ أحدهم مجلة بالإنكليزية في إنكلترا سماها مجلة (كليتي اكسفورد وكمبردج) وهما أشهر مدارس إنكلترا يتوخى فيها الجمع بين المدرستين ليتحدا في التعليم وقد كتب أحدهم فيها مقالة بين طريقة الولايات المتحدة في توحيد التربية فقال أنه لم يكن في أميركا سنة ١٨٧٠ - في المئة من المدارس المختلطة من الصبيان والبنات وما بقي منها كان يختلف إليه الصبيان فقط. وفي سنة ١٨٩٨ أصبحت المدارس المشترك ٧٠ في المائة من مجموع مدارسها وربما أنشئت هناك كلية عظمى خاصة بالبنات فقط. تنزيه المستخدمين يتنافس كثير من المحال التجارية الكبرى في فرنسا في إرسال مستخدميهم لاسيما مستخدمانهم إلى الضواحي والجبال خلال الشهر الصيف ليروحن نفوسهن بأجور طفيفة جداً وقد أنشئت في باريز جمعيات لإرسال الأولاد إلى الجبال مدة القيظ وبمثل هذه الأعمال الأفرادية تنحل المشاكل الاجتماعية أحسن حل. مدارس النساء قالت المجلة يجدر بنا بمناسبة مرور السنة الخامسة والعشرين على تأسيس مدارس البنات العالية أن نقول أن فرنسا ٥٦ مدرسة وسطى و ٤٧ مدرسة عالية للبنات. العاملات في فرنسا في فرنسا ستة ملايين امرأة مستخدمة في الصناعة ومليون امرأة تخدم في البيوت والحوانيت ومائة وخمسون ألفاً انصرفن إلى الأعمال الحرة ومئة ألف في خدمة الحكومة في العاصمة والولايات المهاجرون إلى أمريكيا يؤخذ من التقرير السنوي الذي نشره مكتب المهاجرين إلى أميركا إنه كان عدد المهاجرين إلى الولايات المتحدة سنة ١٩٠٦ زهاء مليون نسمة ولم يهاجر إليها في سنة واحدة أكثر من هذا العدد حتى الآن ومعظم المهاجرين هم الطليان فقد بلغوا ٢٨٧ ألفاً ويليهم البولونيون والألمان واليابانيون والفرنسيس. المتعلمون في العالم احصى احد أساتذة كلية كولومبيا الجامعة عدد الأولاد الذين يتعلمون في المدارس فكان عددهم ٢٣ في المئة من مجموع الأمة في الولايات المتحدة و ١٩ في المئة في ألمانيا و ١٥ في إنكلترا وفرنسا وثلاثة ونصفاً في المئة في روسيا سبعة ملايين ولد ليس لهم مدرسة يتعلمون فيها. سياح الأميركان تشاءمت صحف أميركا من كثرة إقبال الأميركان على السياحة في أوروبا فقد زاد عددهم في هذه السنة زيادة عظيمة فقدر الراحلون منهم بمئة ألف سائح فإذا كان معدل ما ينفقه الواحد منهم خمسة آلاف فرنك فيكون ما تخسره أميركا من ذلك خمسمائة مليون فرنك. الاحتكار في أمريكا بدأت الولايات المتحدة تدرك مضار الاحتكار فقد قدر بأن معامل السكر التي أغلقت بمنافسة كبار المحتكرين لها سنة ١٩٠٥ في تلك البلاد بلغت ثلثمائة معمل ومثل هذا العدد من المدابغ ومعامل الاحذية كما أغلق مائتا معمل للقطن وقد زادت أثمأن هذه المصنوعات ثلث ما كانت عليه كما زاد المصنوع منها ثلاثين في المئة. ثروة أميركيا كتب أحدهم في مجلة العالمين الباريزية فصلاً في ثروة الولايات المتحدة قال فيه أن نجاحها في زراعتها هو بيت قصيد فلاحها فإن صادراتها الزراعية بلغت أربعة مليارات فرنك وهي تزيد عن وارداتها الزراعية ملياراً او خمسمائة مليون. فالثروة الزراعية تساوي نصف ثروة الأمة باسرها والزراع الأميركي يمثل ٣٥ في المئة من مجموع الشعب العامل وأكثر رؤوس تصرف في الزراعة وما ينهضها وتصريف المياه والتنقل والمهاجرة وتسهيل الموأصلات وأسباب النقل. وما نظارة الزراعة في تلك البلاد العظيمة الا مستودع عظيم للبذور (التقاوي) على اختلاف أنواعها توزعها على المدارس العامة او يوزعها نواب البلاد بايديهم على الفلاحين يناولونهم اياها باليمين كما يناولونهم بالشمال كراسة تطبع منها تلك النظارة ملايين من النسخ فيها كل ما ينفع الزراع في زراعته. طعام الفرد قالت مجلة العلم في القرن العشرين أن الاعتماد على البقول في الغذاء نافع على شرط أن يطبق على حاجة كل فرد ولا يكفي أن يحرم المرء نفسه من اللحم ويجشو معدته بالبقول الخضراء والمواد النشوية ولا أن يمتنع من تنأولها بل ينبغي أن ينظر في ذلك إلى القوى الهاضمة التي تختلف في كل إنسان بحسب الشهوة والجنس والسن وثقل الجسم وغير ذلك فالفرد الذي يبلغ وزنه من ٦٥ إلى ٧٠ كيلو غراماً مثلاً يكتفي بالفين او بالفين وخمسمائة جزء من الكالوري إذا اجاد مضغ الأطمعة تماماً. قانون الأمية اقترح على الولايات المتحدة وضع قانون من شأنه أن لا يرخص بالدخول للعامي الأمي من المهاجرين إليها فلا يدخل الولايات المتحدة الا من تعلم التعليم الابتدائي وإذ كان أهل إيطاليا أكثر الأمم هجرة إلى أمريكا فسيقضى عليهم أن يتعلموا كلهم ما يخرجهم عن الأمية لان قانون التعليم الإجباري لم يسر في إيطاليا إلا في سنة ١٨٨٢ ومع هذا فقد دل الإحصاء الأخير أن على ٦٠ في المئة من اهالي أقليم كالابر وهي واقعة إلى الجنوب الغربي من شبه الجزيرة إيطاليا لا يعرفون أن يوقعوا على صك زواجهم وفي مقاطعة نابولي ٣٠ في المائة من المتزوجين ما برحوا أميين اما في رومية فإن عدد الأميين ١٢ في المئة ونصف من هاجروا في السنة الماضية من إيطاليا إلى أميركيا أمييون. دائرة المعارف الألمانية صدر الجزء الثامن من هذه الموسوعات التي دعوها (العلوم العصرية وانتشارها وغاياتها) التي ينشرها الأستاذ بولس هيتبرغ تحت حماية امبراطور الألمان ويساعده في وضعها مئات من أهل الاخصاء في العلوم والفنون المنوعة ومن المقالات التي فيها ما يعد بين كبار أهل العلم من الأثار النادرة والكتابات الباهرة وهي كسائر دوائر المعارف على حروف المعجم ولكنها تقسم إلى أربعة اقسام فالقسمين الأوليين يتناولان البحث في العلوم العقلية كالدين والفلسفة والأدب والفنون الجميلة والحكومة والمجتمع والحقوق والاقتصاد السياسي والقسم الثالث مخصص للعلوم الطبيعية والقسم الرابع يبحث في العلوم الاصطلاحية وهو من أهم الأسفار التي الفت في هذا القرن لأنه خلاصة علوم البشر وزبدة ابحاث الألمان المعروفين بصبرهم وانكماشهم. الجرذان الجرذان من أشد المصائب على العالم ولم تعرف إلى الان واسطة لابادتها. نادت بذلك نظارة الزراعة في الولايات المتحدة وحق لها أن تنادي لأن الجرذان قد قامت منذ قرون باضرار لا تحصى في أميركيا وهي آمنة مطمئنة وراحت تنتقل إلى العالم الجديد من العالم القديم وتنتاسل وتتكأثر وكأنت الأسباب المتخذة لابادتها عقيمة بلا جدوى. والجرذان ثلاثة أنواع الاسود وهو المنتشر في أمريكيا منذ ثلاثة قرون والاسمر وأصله من نروج وصل إلى هناك منذ سنة ١٧٧٥ وأثار حرباً عواناً على الاسود والنوعة الثالث جرذ انتقل إلى أميريكا من مصر على البواخر التجارية وانتشر على الشواطئ ولاسيم في الجنوب وباض فيها وفرخ الجرذ الاسمر أشد هذه الأنواع فتكاً وأكثرها تخريباً ويقدرون ما تقضمه الجرذأن في الولايات المتحدة كل سنة من الحبوب بما لا يقل عن نصف مليار فرنك وهو لايكتفي بتنأول الحبوب فقط بل يقرض الاقمشة والحرائر والأمتعة ولا يتحامى قضم الاسلاك الكهربائية وكثيراً ما كان يحدث عن فعله حرائق. وقد قدرت الخسائر التي تنجم عن الحريق في السنة بخمسة وسبعين مليوناً من الفرنكات بأميركيا الجرذان هو السبب الأعظم في أكثرها. خل عنك سطو الجرذانعلى غيره من الحيوأن الذاجن والحمام والاطفال في سررهم. هذا وهو واسطة لنقل الجراثيم المعدية من بيت إلى آخر ومن مدينة إلى أخرى. والسبب في كثرته أنه تناسل تناسلاً غربياً فتلد الفأرة في كل شهرين او ثلاثة من عشر إلى أربع عشرة فأرة ثلاث سنين يلد منه ويولد له زهاء عشرين مليون جرذ يموت أكثرها ولكن مايبقى منها كاف لان يقرض الطري واليابس. والحكومة الأميركية ساعية لابادة الجرذان ووضع نشره بمضاره وخبث أثاره وستشاركها الدول كلها في إعلأن الحرب على تلك القراصنة.</passage>
<license>Distributed under a Creative Commons Attribution-ShareAlike 4.0 International (CC BY-SA 4.0) license</license>
<source>https://github.com/tillgrallert/digital-muqtabas/blob/master/xml/oclc_4770057679-i_21.TEIP5.xml retrieved via Canonical Text Service http://cts.informatik.uni-leipzig.de/muqtabas/cts/ with CTS URN urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.21.TEIP5:</source>
</reply>
</GetPassage>
