<?xml version="1.0" encoding="UTF-8"?><GetPassage xmlns="http://relaxng.org/ns/structure/1.0" xmlns:a="http://relaxng.org/ns/compatibility/annotations/1.0" xmlns:tei="http://www.tei-c.org/ns/1.0">
<request>
<requestName>GetPassage</requestName>
<requestUrn>urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.20.TEIP5:</requestUrn>
</request>
<reply>
<urn>urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.20.TEIP5:</urn>
<passage>العدد ٢٠ بتاريخ: ١٥ - ٩ - ١٩٠٧ صدور المشارقة والمغاربة تولستوي ما خلت كل أمة ولا كل عصر من وجود مصلح أو مجدد يقوم بين قومه بالوعظ والإرشاد ويأخذ بيدها في مهيع السداد. تساوت في ذلك الأمم المنحطة والناهضة قديمها وحديثها شرقيها وغربيها. وتولستوي هو رجل روسيا اليوم ومجدد حياتها الاجتماعية سعى إلى الإصلاح فأثرت حكمته في عقول مئات ممن استعدت نفوسهم لقبول الخير فما عتموا أن بثوا أفكاره في مئات وأشربت القلوب محبته وأكبرت الأمم دعوته. ولا يزال على ما أصاب بلاده من رفع وخفض يمتع النظر بما يجري في القرب والبعد فهو اليوم في التاسعة والسبعين من عمره قتل الدهر علماً ونحر الأيام فهما كانت جملة ما استفادة من تجارب وعلم وما ورثه من آبائه من مال وضياع وفقاً على أمته وما ينهضها من عثرتها. من العادة أن يترجم كبار العلماء أنفسهم في كل أمة. وقد طلب من الحكيم الروسي أحد أصدقائه منذ مدة أن يوافيه بترجمة حياته أو يدله على طريقة يتسنى له بها أن يجمع موادها فكتب إليه شيئاً من أحواله صبياً ويافعاً وذكر له بيته ومنشأه وهما أساس في تربية ملكات الرجال. قال ما نعربه عن إحدى المجلات الإفرنجية: فكرت في أجابة طلبتك فرايتني في تيهاء من الحيرة يتنازعني عاملان عامل شر وعامل أشر منه. وأعني بالأول إعجاب المرء بنفسه والإغضاء عما أتاه من المفاسد في حياته وأريد بالثاني الانطلاق في الحرية المفرطة وإيراد مظالم بأسرها. إن خلصت في وصف نذالتي وغفلتي ومفاسدي وانطلقت وتجوزت في إبدائه على نحو ما أنطلق الفيلسوف روسو في هذا المعنى يأتي ذلك كتاب أو مقال يخلب الألباب. فهل نلام نحن ضعاف الفطرة من البشر إذا كنا أنذلاً مثله وأني لا أنكر عندما بدأت أذكر حياتي وقد تمثلت أمامي غفلتي ولؤمي وذهبت بي الهواجس كل مذهب ورحت أقول في نفسي أنا ذاك الرجل الذي يطريني كثيرون على ما بي من شقاء وبلاهة. ولك أن تفسر قولي هذا بأني أكثر احتيالا من غيري - أقول لك هذا القول بحرية ولا أقوله لأجمل به إنشائي. من أجل هذا إلى تسطير ترجمتي لأني رأيت من اللازم اللازب أن للملأ لؤم حياتي بأسره إلى أن تنبهت من غفلتي وأن أذكر محاسنها بعد أنتباهي. ذكرت بادئ بدء الحسنات في حياتي ولكني لما فكرت في الحوادث المكررة التي انتابتني في غضونها رأيت أن مثل هذا هذه الترجمة أن لم تكن كلها كذباً لم تكن كلها مكتوبة بإخلاص لأني مثلت فيها المناحي الحسنة وأسدلت حجاب السكوت على المناحي السيئة وعندما فكرت في كتابه الحقيقة على بابها دون أكتم منها شيئاً من السيئات التي تخللت حياتي ذعرت مما يكون لهذه الترجمة من التأثير في الأذهان وفي ذلك مرضت وعاودني الفكر خلال هذه العطلة التي ساقني إليها حكم الاضطرار وبقي يتردد في خاطري ذكرى ولكنها كانت مفزعة. وكنت أشعر لا توصف بما قاله بوشكين الشاعر في قصيدتهالذكرى ذاقت نفسي عذاب الجحيم لما ذكرت لؤم حياتي الماضية ولم أعد أفارق تلك الذكرى بتة فإنها سمعت حياتي وكدرت سربي وشربي. جرت العادة أن يأسف الناس على نسيان ما جرى لهم بعد موتهم فيا ما أسعد ذلك من حال. ولبيت شعري أي أوصاب كانت تنالني في هذه الحياة لو ذكرت كل ما تعذب به وجداني وكل ما ارتكبه من أثم في حياتي السالفة ومن ذكر الخير كان عليه أن يذكر الشر. فيا سعدي أن نسيت ذكرى ما شقيت به بعد موتي من ذات نفسي غير الوجدان ذاك الوجدان الذي يمثل الخير والشر والصغير والكبير والسلبي والإيجأبي. نعم إذا غربت الذكرى عن الذهن عد ذلك نعمة كبرى وما دمت تتردد في الخاطر لا يتأتي أن يعيش المرء مسروراً ولكن إذا غابت صورتها ندخل ميدان الحياة وصحيفتنا بيضاء نقية فيكتب عليها ما جد لنا من الخير والشر. وبعد فلم تكن حياتي كلها منحطة المقام في خبثها بل كان منها عشرون سنة كذلك ومعلوم أيضاً أن حياتي في ذلك الدور لم تكن شراً دائما كما تمثلت في عيني في غضون مرضي إذ قد تنبهت في ذلك أميال نحو الخير لم تطل كثيراً بل أطفئت شعلتها للحال بما دهمني من الشهوات التي لم يضبطها عنان. على أن اشتعال الفكر على هذا النحو في خلال مرضي دلني في دلالة صريحة على أن ترجمة الإنسان نفسه على ما تكتب في العادة التراجم إذا أغضيت فيها عن نذالتي وجريمتي في حياتي تكون ولا جرم كذباً وإن خير الأساليب التي يتوخاها الكاتب في ترجمته أن ينطق بالحقيقة على جليتها. وأمثال هذه التراجم هي التي تمثل الحقيقة على بابها للقارئ وإن أورثت كاتبها الخجل. فلما ذكرت ماضي حياتي على النحو أي ذكرت ما أتيت من خير وما تم على يدي من شرر أيتني أقسم أدوار حياتي الطويلة إلى أربعة أدوار: أولها ذاك الدور العجيب وخصوصاً إذا قيس بالدور الذي يليه - البار البهيج الشعري وأعني به دور الطفولية. ثم الدور الثاني وهو العشرون سنة كان فيه من الفساد الغليظ والخدمة والطمع بالمعالي وخصوصاً في المكاسب ما كان. ثم جاء الدور الثالث وهو الثماني عشرة سنة أي منذ تزوجت إلى نشوري الروحي وهو الدور الذي يحق له أن يدعى في نظر العالم دور الأخلاق بمعنى أني عشت في هذه الثماني عشرة سنة كما تعيش الأسر بالحشمة والنظام غير مستسلم لمفسدة ينبذها الناس ولكن جميع مصالحي كانت مقصورة على عنايتي بأسرتي عناية مقرونة بحب الذات ممزوجة بالأنانية وعلى زيادة ثروتي وعلى نجاحي الأدبي وعلى مختلف حظوظ تنالها نفسي والدور الرابع يرد إلى العشرين سنة التي فيها أنا الآن وأود أن أموت عليها وبها يتمثل لي في الحياة الماضية من عظيم الخطر وهو الدور الذي لا أبغي سواه ما خلا اعتيادي الشر الذي اندمج في روحي في الأدوار الأخيرة. وأرى كتابة حياتي على هذا النحو أنفع من هذر بدر من القلم في أثني عشر مجلداً من مصنفاتي وتنأولها الناس في عهدنا ونسبوا إليها من التأثير ما لا تستحقه. كانت جدتي ابنة الأمير نقولا ايفإنوفيش غورتشاكوف الأعمى وكان غنياً تأثل وأرتاش وجمع حطام الدنيا شيئاً كثيراً. وكل ما أتصوره فيها أنها كانت قليلة التعلم كثيرة الذكاء وكانت مثل كثيراًت من أبناء وطنها على ذاك العهد تحسن الفرنسية أكثر من الروسية وكأن تعلمها عبارة عن معرفة هذه اللغة فقط فدللها والدها أولاً ثم زوجها وكانت عنواناً على الأسرة بأجمعها لأنها كانت بكرها وموضوع احترامهم أجمعين. وكان جدي على ما ظهر لي أيضاً على شاكلة جدتي محدود المعرفة ولكنه كان من اللطف والأنس على جانب وقد أدى به الكرم إلى الإسراف الذي بلغ حد الحمق. وكان بثقة يخلص وكانت في مقاطعة بيليف في بولياني ميدان الولائم وتمثيل الروايات والمراقص والمأدب ويضاف إلى ما يقتضي ذلك من النفقات ولوع جدي بالمقأمرة على ضعف معرفته فيها مع ما كان مني من إقراض كل من يقصده دراهم ما كان يرجعها إليه. هذا إلى الأعمال الكثيرة التي باشرها فإنتهت كلها بخراب بيته وإفلاسه حتى باع أملاك زوجه واضطر إلى التوظف فصار للحال والياً لقازان. ذكروا لي أن جدي لم يكن يقبل الرشى ما خلا رشوات من عملة الأكحول وهي الرشوة التي ما كانت تستنكر إذ ذاك في كل ناحية من أنحاء الأمبراطورية الروسية ولكن قيل لي أن جدتي كانت تقبل الرشوة بدون اطلاع جدي وهكذا دامت الحال حتى زوجت ابنتها الثانية في قازان والبكر في بطرسبرج من أحد الإشراف وبعد أن قضى زوجها نحبه سكنت جدتي لدى والدي في اياسنيا بوليانا وهناك أدركتها شيخه عجوزة وكانت تحب والدي وأولاده وتتلهى بنا كما تتلهى بخالاتي. وظهرانها لم تكن تحب والدتي لأنها كانت تحب جدتي دون قدر والدي وتحسدها على حب والدي لها. وأذكر أن جدتي ساحتنا معها إلى موسكو وأهم ما يخالج فكري من ذلك ثلاثة مشاهد. المشهد الأول عندما كانت جدتي تغسل يدها بالصابون فتخرج منها فقاقيع كنت أدهش وأسر بمرآها وأذكر يديها البيضاويين ووجها الناصع الباسم. والمشهد الثاني أيام كنا نذهب إلى غابة البندق ونجنيه في صحبة مؤدبنا وكانت جدتي تصطحبنا في عجلتها والخادم يجر إليها الأغصأن الميلاء لتقطف بندقها وتضعه في كيس أمامها وأذكر قوة معلمنا في جره الأغصأن الكبيرة من أدواح البندق وتلك الظلال الوارفة والحر الشديد وسط الغابة والهواء البليل في الظل وتناوح أشجار الغاب ورائحتها وكيف تأكل الفتيات اللاتي كن معنا البندق على طراوته فلا نبقي منه ولا نذر ونملأ به جيوبنا وأردن ثيابنا وعجلتنا. وكنت يخيل لي أن تلك الفقاقيع لا يتيسر إحداثها إلا على يد جدتي وذاك الريح البليل في غابة البندق لا يهب إلا إذا رأفقتنا إليها جدتي. والمنظر الثالث وهو أعظمها وأعني به (ليون ستبانيش) الأعمى القصاص الذي كان في بيتنا من بقايا مجد جدي الغابر يسكن دارنا ولا همل له إلا سرد الأقاصيص في الليل وذلك لأن عماه كأن يساعده على حفظ الحكايات بألفاظها بمجرد تلاوتها عليه مرتين وكان يتلو على مسامع الحضور حكاية قمر الزمان المعروفة في قصة ألف ليلة وليلة وكنت اقترب من القصاص استمع إليه ولكنني ما كنت أفهم شيئاً مما يقول ثم أنام ولا أعود أحس بما يجري في دارنا إلى الغد. وما أعرفه عن جدي والد أمي أنه بعد أن صار قائداً على عهد الأمبراطورة كاترينا عزل دفعة واحدة عن منصبه لأنه لم يرض أن يتزوج ابنة أخت المشير يونمكين نديم كاترينا الثانية فنحاه عن منصبه لأنه رفض الزواج منها لأسباب لم عرفها فيها رداً غير جميل. ولما نحي عن منصبه تزوج بفتاة من أهل الصور رزق منها لبنة. وكان جدي هذا مشهوراً بجبروته وأنه من الرؤساء البغاة. بيد أني لم ينقل لي شيء عن قسوته ولا عن عقوباته المعتادة في عهده وأظن أن ذلك كان يقع منه على التحقيق لكنه لم يجسر أحد من حاشيته وفلاحيه أن يطلعني على ذلك مع إلحاحي في السؤال وذلك تشريفاً لقدره وإعظاماً لحكمته فلم أكن اسمع عنه غير عبارات الثناء على بعد غوره وسداد نظره واعتداده بفلاحيه وخدامه على كثرتهم. وقد أسس بناية عظيمة لخدمته وكان لا يقصر عنايته على إطعامهم فقط بل يعنى بكسوتهم أحسن كسوة وبإدخال السرور على قلوبهم وكان يقيم لهم الألعاب المختلفة في أيام الأعياد والمواسم. وكان من أتباعه وخاصته آمنين بما له من النفوذ من ظلم الظالمين من الحاكمين فمن ثم كان جدي في جميع أعماله يميل إلى المتانة والراحة والإحسان والظرف يعشق الطرب والموسيقى ويجلس إلى سماعها من والدتي في أماكن أعدها لذلك في حديقة الدار. لا أتذكر والدتي قط فقد كنت ابن سنة ونصف لما قضت نحبها فإنا لا أتمثلها أصلاً ولا أعرف شيئاً يدلني على جسم إنسان بل أعرفها بالروح وكل ما بلغني من أمرها كان حسناً جميلا. سألت أهلي عنها فحدثوني بأطيب الحديث لا لكونها أمي بل لإنه كان فيها من صفات عالية من الخير والإحسان. وكنت أجدني في طفولتي بين ظهراني قوم حفهم الصلاح والفضل أرى ذلك خاصة فيهم من والدي إلى سائق العجلة كما يرى أصفياء القلوب غالياً كل حسن في الناس ولا تتمثل لهم إلا الصفات الطاهرة. وعندي أن ما تمثل لي فيمن نشأت بينهم من الصفات كان إلى الصحة أقرب. ولذلك أعجبت به في صغري. لم تكن والدتي من الجمال بحيث تسبي الألباب بل على جانب من الذكاء بالنسبة لعصرها فكانت تحسن الروسية قراءة وكتابة خلافاً لمعاصراتها إذ ذاك وتعرف الفرنسية والألمانية والإنكليزية والإيطالية ولها ميل إلى الفنون وتجيد الضرب على البيانو. ولقد ذكر لي عشيرتها بأنها كانت تحسن إلقاء الحكايات فتستدعي إعجاب الحضور وترتجل الكلام ارتجالا وكانت تمتاز بكظم غيظها على ما روى لي الخدام. فإذا عرض لها ما يهيجها يحمر وجهها وربما بكت على ما نقلت لي وصيفتها ولكنها ما قط فاهت بكلمة قبيحة إذ أنها لم تكن تعرف من ألفاظ الهجر ولا كلمة. لدي رسائل كتبتها والدتي وإلى خالاتي وجريدة تصف فيها سلوك أخي البكر (نيكلولانكا) الذي كلن عمره ست سنين عندما توفيت وكان أشبه منا كلنا بصورتها. وكانت ما استنتجت ذلك من كتاباتها ولحظت ذلك من أخي وعلمته علم اليقين عدم الاحتفال بآراء الغير والأتضاع بحيث كانا يحأولان أن يكتما فوائد التعليم والذكاء والفضيلة التي امتاز بها دون سائر من العيوب اللأزمة ليعد صاحبها من كبار الكتاب ولقد شاهدت ذات يوم أحد الأغنياء الساقطين وهو حارس والي وكان يصطاد معه أخذ يهز به أمامي واذكر كيف أن أخي لما حد جني ببصره مسروراً رأى في هذه الأهانة مسرة عظمى. ومثل هذا الخلق كان في والدتي في أخلاقها أرقى من والدي وأسرته اللهم إلا (تانيانا ألكسندر كولسكي) التي قضت معها نصف حياتها وكانت أمرأته مشهورة بأخلاقها المهذبة. ولم يكن أخي وأمي ممن يقولأن الا خيراً عن الناس وكنت أرى شقيقي إذا كان له ما يقال في سيرة أحد أن يبتسم ويبدي حسن الخلق وكذلك كانت أمي كما فهمت من رسائلها. وكنت قرأت في حياة القديسين قطعة من كلامه تأثرت بها نفسي. ذلك راهباً كان معروفاً عند الناس بكثرة خطاياه فرآه ذات ليلة في عداد الأخيار يسرح ويمرح في أعلى عليين فسأله عن أمره فقيل له أنه لم يغتب أحداً في حياته. قلت فإن كان في عداد الآخرة يشبه هذا فوالدتي وأخي لاشك أحرز هذا الجزاء. وامتازت والدتي عن محيطها بحرية وجدانها وسذاجة لهجتها في رسائلها فكان القوم إذ ذاك يغالون في إظهار حاساتهم. عادة لهم كانت مألوفة غير مستنكرة فيقول القريب لقريب يكتب إليه أنت منقطع القرين وأني عبدك وأنت بهجة حياتي وكلما كأنت التبجيلات في الاخوانيات قليلة دل ذلك على قلة إخلاص الكاتب للمكتوب إليه. وقد شهدت هذه العادة في رسائل ولكنها كانت معتدلة في إظهارها عباراتها تدل على الاعتدال والإخلاص. قيل لي أن والدتي كانت تحبني حباً جما وتدعونني بتيامني الصغير وقد كانت غنية وكان والدي نشيطاً بهجاً واسع الصيت والصلات وأظن أن والدتي كانت تحب والدي لأنه والد بنيها وزوجها ولم تكن تحبه حب العاشق المستهام وكان حبها لخطيبها الأول الذي اختطفته المنية حب الفتيات الذي لا يشعرن به إلا لمرة واحدة وإن ما أعلمه عم اليقين هو أن أمي كانت تحب ثلاثة حباً حقيقياً وهم خطيبها الأول والآنسة اينيس الفرنسية إحدى صويحباتها وابنها البكر وكانت تنشئ له جريدة ذكر لرغبتها الشديدة في تربيته ما أمكن وهناك دليل على أنها كانت ضعيفة في هذا المعنى لا تدري ما تعمله. مثال ذلك أنها كانت تؤنبه عندما يشتد فيه شعور الإحساس فيبكي مثلاً عندما يشاهد الحيوانات تتألم أمامه لأن على المرء برأيها أن يكون قاسي القلب وكانت تعاتبه على الصغائر كان يقول لجدته أشكرك عوضاً عن أن يقول لها أسعد الله صباحك ومساءك. وأكدت لي خالتي أن أمي كانت تحبني وأني كنت أحد من يحبه قلبها وخلفت والدتي خمسة أولاد كانت آخرهم ابنة ماتت في نفاسها. وظلت مع والدي تسع سنين كانت أيام سعد ورخاء فكانت على علو منزلتها ولطافة أخلاقها وآدابها تحب من حولها ويحبونها وكانت أميل إلى العزلة تصرف وقتها بأولادها ومطالعة الروايات أمام جدتي في الليل بصوت عال والاشتغال بمطالعات نافعة مثل كتاب أميل للفيلسوف روسو والمذاكرة فيما قرأته ويقضين شيئاً من الوقت في الضرب على آلة طرب ثم يتدارسن اللغة الإيطالية وتتنزه وترى أعمال المنزل. لبعض الأسرات أوقات من الصفاء لا يزعجها موت أحدهم ولا مرض أفرادهم فيعيشون سعداء وهذا الدور صادفته والدتي إلى حين وفاتها فكان والدي يدخل البهجة على قلوب أهل البيت بما يوفره على ذكره من الأضاحيك الملهية والأحاديث المسلية. هذا ما عرفته من مطالعة المفكرات والرسائل عن والدتي وحياتي في بيتنا على ذاك العهد في الطفولية وهاأنا ذا وصلت إلى وقت ألم فيه بما أذكره بنفسي فأرويه مقروناً بأشخاصه وأماكنه. أما والدي فقد كان عمره سنة ١٨١٢ سبع عشر سنة انخرط في سلك الجيش على كثرة توسل أهله به ليرجع عما قصده له خوفهم عليه وكان إذ ذاك أحد أنسائنا قائد الجيش العامل فعينه له حاجباً واشترك في حرب سنة ١٨١٣ - ١٨١٤ وأسره الفرنسيين ولم يخلص من الأسر إلا سنة ١٨١٥ عندما دخل جيشنا باريس. بلغ العشرين من عمره ولم يكن على شيء من العفاف حتى أن أهله زوجوه بخادمة وكان عمره ست عشر سنة تفادياً من أن تسوء صحته على نحو ما كان القوم يذهبون إليه إذ ذاك فولد له منها ابن دعوة ميشانكا عاش في حياة والدي عيشة حسنة ثم ساءت حاله فكأن كثيراً ما يلجأ إلينا لنعينه وأني لا أذكر شعور التعجب الغريب الذي شعرت به عندما أمسي أخي هذا شحإذا يستو كف الأكف وهو شبيه في خلقته بأبي بل أشدنا به شبهاً ثم يجيء ويطلب منا أن نحسن إليه بشيء من المال ويسر بما ندفعه إليه من عشرة روبلات أو خمسة عشر. ثم تنحى والدي عن الخدمة ونال راتب العزل ولحق بجدي في قازان وكان حاكمها وبعد قليل ذهب جدي إلى سبيله وأصبح والدي رب أسرته مع جدتي المعتادة على البذخ والديون مثقلة كأهل بيتنا وعندئذ تزوج والدي بوالدتي على نحو ما شرحته آنفا من أمرها. كان والدي دموياً ربعة القوام مقبول الوجه كثيب النظر يعنى بأمور زراعته ولم يكن معروفاً بالقسوة بل كان إلى الضعف أقرب بحيث أني لم أسمع إنه كان يضرب فلاحيه على أجسادهم على نحو العادة المتبعة في هذه الديار على أنه لم يبلغني إنه كان في بيتنا أثر لهذه العقوبات إلا بعد موته. وحدث ما شئت أن تحدث عن مبلغ استغرأبي يوم كنت آتياً من نزهة لي مع مؤدبي وسأل أحدنا وكيلنا وكان مع سائس الخيل عن المكان الذي يقصده فقال له أنه ذاهب إلى الأنبار ليضرب السائس على بدنه ورحت من ساعتي أسأل خالتي عن سر ذلك وكانت هي تكرر العقوبة بالضرب فلامتني على أني لم أوقف ذاك الوكيل عن عمله ولكن بعد أن سبق السيف العذل. كان أبي مصروفاً إلى الزراعة وفض القضايا التي خلفها له والده وكان يذهب إلى الصيد ويحب المطالعة كثيراً وقد اقتنى مكتبة فيها كتب آداب الفرنسيس وبعض كتب العلم وإلى على نفسه أن لا يبتاع كتاباً جديداً حتى يأتي على ما لديه من الأسفار ويطالعها برمتها ولم يكن به ميل إلى العلوم. بيد إنه كان في علمه يعادل المتعلمين من أهل عصره ولا يصح أن يسمى من الأحرار في دهره بل كأن يكره كل تغيير شيء من حاله فلا يخضع للكبراء ولا يزور الموظفين بل ولا يزورنا واحد منهم لما كان بينه وبين أهل الحكم في ذاك الوقت من التباين الضمني في المبادئ والغايات. وأني لا أذكر والدي وهو جالس على ديوانه يدخن بغليونه وأذكر صيوده وأذكر أيامه واجتماعنا به وتحفيظي شيئاً من شعر بوشيكن وكيف أعجب بتلاوتي له. نعم أذكر رحلاته وغدواته ما كان يفيضه علي من حسناته وإحسانه وأذكر حبه وحبي ذلك الذي شعرت به بعد موته أكثر من شعوري به من قبل. وهنا استطرد إلى ذكر شيء مما علق بذهني من أمور طفولتي أذكرها وأنا لا أثتثبت بعضها حقيقة أم خيالية. ولقد كنت في القماط وأريد أن أفلت يدي ولا أستطيع ذلك وأصرخ وأبكي وصوتي كان منكراً حتى في عيني ولكن ما كنت أتمالك نفسي من البكاء وأرى أحدهم في قربي يحنو علي ولا أذكر شخصه وأرى ذلك كانه ظلم أو يكاد يكون ظلماً ولكني أذكر إنهما كانتا اثنتين وكان صوتي يؤثر فيهما فكانتا تسمعان صوتي ولكنهما لا تنقذاني مما أشكو منه ثم أصرخ بشدة أيضاً فيريان أنه من اللازم أن أكون مقيداً في قماطي وأنا أرى أنه ليس كذلك وأريد أن أثبت لهما ذلك وأصرخ صوتاً حاداً كانت نفسي تنكره ولكن لم أكن أتمالك منه وأشعر بالظلم والقسوة لا من الناس فقط بال من الأقدار إذ كنت أشهد الناس يرثون لحالي وكنت أشفق على نفسي ولا أعرف ذلك ما هو ولن أعرفه عندما كانت سني تزيد على السنة. وعلى الجملة فقد كأن ذلك من المؤكد أول تأثر بل أشده شهدته في حياتي ولا أذكر صوتي والأمي فقط بل أذكر مزاجي واختلاف تأثراتي. أطلب الحرية وهي لا يتضرر بها إنسان وأنا على حاجتي إلى القوة ضعيف وهم الأقوياء وكذلك أذكر عندما كانوا يغطسونني في القادوس وقد جعلت فيه رائحة زكية جديدة يمسحون بها جسدي واستلذ جلوسي في القادوس وهو صقيل لطيف والماء فاتر خفيف ويد مربيتي تروح وتجيء تدلك بدني. وهاتأن الذكريتان هما اللتان أذكرهما منذ ولادت إلى الثالثة من عمري بل إلى الخامسة لا أكاد أذكر السماء ولا الشمس ولا الورق ولا العشب. بحيث ساغ لي أن أقول أني عشت عيش البهيم أيام كنت أتعلم وأنظر وأنصت وأحاول أن أتكلم وأنام وأرضع وأضحك وأسر والدتي في ذاك العهد حصلت ما أعيش به الآن حصلت به في مدة وجيزة بأقصى ما يمكن من الكثرة بحيث أني لم أستطع أن أزد وأحداً في المئة على هذه المعرفة. وليس بيني وبين ابن الخامسة سوى مسافة لا تصدق وليس بين الجنين والولادة سوى هوة وليس بين العدم والجنين سوى شيء صعب تعليله ومعرفته. وهنا يقال أن الوقت والسبب هما صور الفكر وأن الوقت والسبب هما من الفكر وأن معنى الحياة خارج عن تلك الصور بيد أن حياتنا كلها سوى الخضوع المتواتر لهذه الصور أو الخلاص. أما تذكاراتي القصية فإنها ترجع إلى السنة الرابعة أو الخامسة من عمري وكلها قليلة لا تتعدى حد البيت والعيش المنزلي وما أنس لا أنس في طفولتي وأنا على سروري فرح مبتهج ووصيفتي أو اللائي عهد الهين تربيتي تقص علي قصة ايرميفتا (كما تخوف عامة النساء في الشرق الأدنى الأولاد بالعفريت والبع بع) فكانت تنقبض نفسي لسماعها وأتبدل البهجة بالفزع والفرح بالترح وأذكر شقيقتي بجانبي وأذكر مؤدبنا الألماني تيودور ايفا نو فبتش وأن لم أكن في تلك السن تحت وصايته وأذكر دارنا وأنها كانت شاهقة وأذكر ما ألقاه فيها من النساء وربما كن الغسالات وكيف كنت أقفز ويقفز معنا مؤدبنا ولكن قفزة خفيفة. هذا ما يتردد في خاطري من ذكرى الحوادث التي طرأت علي قبل الخامسة أما بعدها فإن ما أذكره ولا أنساه هو أخذهم بيدي إلى المؤدب ايفإنوفيش واستعاضتي عن اللعب والقفز وغيرهما بالدراسة وتبديل ما كنت ألفته بعادات أخرى ومنازع جديدة. وهنا ذكر الحكيم خالته تاتيانا الكسندر وفنا وما أثرته بأعماله في حياته وكانت من النساء المتهذبات فعلمته الحب والميل إلى الوحدة والتأثر من المظالم. الولايات المتحدة يقسم تاريخ الولايات المتحدة إلى خمسة أدوار: الأول دور السكان الأصليين وهم الهنود والثاني دور السفر والاكتشاف وهو من سنة ٩٨٦ إلى سنة ١٦٠٧ م والثالث دور الاستعمار وهو من سنة ١٦٠٧ إلى سنة ١٧٧٥ م والرابع دور الثورة من أجل الاستقلال وهو من سنة ١٧٧٥ إلى سنة ١٧٨٩ والخامس دور الجمهورية وهو من سنة ١٧٨٩ إلى ١٩٠٧ م اكتشف غريستفورس كولمبوس أمريكا سنة ١٤٩٢ ب. م فأخذ بعض الأوروبيين بادئ بدء يهاجرون إليها بقصد امتلاك ديارها وجمع لجينها ونضارها. ولما ذاع صيت هذه الديار في أقطار أوروبا واشتهر أمر غناها واتساع بقاعها وخصب أراضيها وغباوة هنودها أخذ يتقاطر إليها الأوربيين زرافات وجماعات وذلك من سنة ١٦٠٧ م فصاعداً. وكأنت الأمة الإنكليزية أكثر الأمم الأوروبية اهتماماً بالمهاجرة إلى أمريكا. ثم لما كثر عدد الأوربيين فيها اغتصبوا أملاكاً واسعة من الهنود واشتروا بعضها بأثمان بخسة واستوطنوا بعض مقاطعات الولايات المتحدة. وفي ١٨ نيسأن سنة ١٧٧٥ م أعلن الأمريكيون الحرب على بريطانيا العظمى. وفي ٧ حزيرأن سنة ١٧٧٦ م نهضوا لطلب الاستقلال من سلطة تلك الدولة لاستبدادها بهم وتضيقها على أملاكهم حينئذ فتابعوا الحرب. وبعد سبع سنين جرت فيها الدماء أنهاراً استقلوا في ٤ تموز سنة ١٧٨٣ م ويرجع معظم الفضل لذلك إلى ديكا رد هنري لي وتامس جفرسن من فرجينيا ويوحنا أدامس من ماسثوست وبنيامين فرنكلن من بنسلفإنيا وروجر شيرمان من كنتكت وروبرت لنكستن من نيويورك فهم الستة المشهورون الذين اجتمعوا في ١١ حزيرأن سنة ١٧٧٦ م وقد قرروا أن ينزعوا رقبة الاستبداد عن رقاب الشعب. وسنة ١٧٨٩ جدد الأمريكيون المعاهدة بعضهم مع بعض ودونوا فيها نظامات وشرائع في مدينة فيلادلفيا. وكان عدد الولايات التي دخلت في المعاهدة إذ ذاك ثلاث عشرة ولاية وهي نيو همبشير وفر مونت ومسشوست ونيويورك وكنتكت ونيوجرسي وبنسلفإنيا ودالوار ورودايلندا ومريلا ند وفرجينيا وكرولينا الشمالية والجنوبية. وفي ٤ حزيرأن سنة ١٧٨٩ م أعلنت الولايات المتحدة الحرب أيضاً على بريطانيا العظمى وكان في عهد مادسن الرئيس الرابع للولايات المتحدة وكانت نتيجة تلك الحرب ازدياد العمران وتعزيز قوة السكان. وفي ٢٦ نيسأن سنة ١٨٤٥ م أخذت الولايات المتحدة تحارب الأسبأن فأظهر الأمريكيون قوة الاتحاد والاستقلال ولم تزدهم تلك الحرب إلا مجداً وعزاً وعمراناً. ونشأت الحرب المذكورة في عهد بولك الرئيس الثاني عشر للبلاد. وفي ١٢ نيسأن سنة ١٨٦١ م بدأ حرب تحرير العبيد بين الشمال والجنوب في الولايات المتحدة وانتهت في ٩ نيسأن سنة ١٨٦٥ وكان رئيس البلاد إذ ذاك إبرأهيملنكن الشهير. وسنة ١٨٩٨ م حاربت الولايات المتحدة اسبانيا وفازت عليها ووسعت دائرة نفوذها واشتد ساعدها وذاعت سطوتها واتسع نطاق بقاعها وارتفع شأن تمدنها وعمرانها وكأن ذلك في عهد مكنلي الرئيس الخامس والعشرين للبلاد. أول رجل عظيم رأس الولايات الأمريكية هو جورج واشنطن. ولد في ٢٢ شباط سنة ١٧٣٢ م في وست فرجينيا وشب على الآداب الرائعة والهمة الرافعة والمبادئ النافعة وفي نيسان عام ١٧٨٩ م رأس الولايات المتحدة وظل في منصبه الخطير ٨ سنوات وقضى نحبه في ١٢ كانون الأول سنة ١٧٩٧ م. وأقل ما يقال عنه إنه كان رجلاً فاضلاً ورئيساً عاملاً غير مدافع رقى بلاده إلى درجة سامية تحسد عليها. والشعب الأمريكي يجله كثيراً ويعيد له كل سنة ويدعوه أب الأمة. وتولى أريكة الرئاسة بعد واشنطن يوحنا أدامس. ولد في برينتري من أعمال ماسشوست في ١٩ تشرين الأول عام ١٧٣٥ م وانتخب رئيساً للولايات المتحدة في ٤ إذار سنة ١٧٩٧ م وأتم مدة الرئاسة التي هي أربع سنوات. وقد نمت البلاد في أيامه وانتهت مدته بختام القرن الثامن عشر. وخلف الرئيس أدامس تامس جفرسن أحد الستة الأشخاص المصلحين الذين مر ذكرهم وهو الرئيس الثالث. ولد في البيمارلي من أعمال فرجينيا في ٢ نيسان عام ١٧٤٣ م وانتخب رئيساً للبلاد في غرة القرن التاسع عشر سنة ١٨٠١ م ورأسها دورين أي ثمان سنوات وكان غيوراً على الإصلاح ومصلحة الوطن والأمة كفؤاً للقيام بالعظائم والأمة الأمريكية تحسبه من أعظم المصلحين وأفضل رؤساء البلاد توفي في ٤ تموز سنة ١٨٤٦ م. وقام بعد جفرسن جيمس ماديسن وهو الرئيس الرابع على البلاد ولد في كن جورجيا من أعمال فرجينيا في ٦ إذار عام ١٧٥١ م وتوفي في ٢٨ كانون الثاني عام ١٨٣٦ م في مونتيار من أعمال فرجينيا. كان ماديسن ناظر الداخلية في عهد الرئيس جفرسن وفي ٤ إذار عام ١٨٠٩ م انتخب رئيساً للولايات المتحدة ورأسها مرتين وللرئيس ماديسن أفضال على الجمهورية يذكروها الأمريكيون ويغالون بها وقام بعد جفرسن جيمس منرو وهو الرئيس الخامس ولد في ٢٩ نيسأن سنة ١٧٥٨ في ويستمورلاند من أعمال فرجينيا ومات في ٤ تموز عام ١٨٣١ وانتخب رئيساً للبلاد في ٤ إذار عام ١٨١٧ م ورأس البلاد مدتين أي ٨ سنوات. ومونرو وهو الرئيس المشهور بشريعته التي سنها وهي أن أمريكا للأمريكيين وقد أفادت هذه الشريعة الجمهورية الأمريكية فوائد عظيمة. وكان منرو أحد المتصفين بالغيرة والمروءة والشهامة وخدمة الدولة والأمة خدمة صادقة. وخلف مونرو يوحنا كونيكي أدامس وهو الرئيس السادس. ولد في شهر تموز عام ١٧٦٧ وقضى نحبه في ٢٣ كانون الثاني عام ١٨٤٨ وكان من أقدر رجال الجمهورية في السياسة الخارجية والداخلية. تولى نظارة الداخلية في عهد الرئيس مونرو وانتخب رئيساً للبلاد في ٤ إذار عام ١٨٢٥ م وبعد أن أكمل مدته عين نائباً لولاية ماسشوست في واشنطن العاصمة وقام بعد يوحنا أدامس أندرا وس جاكسن وهو الرئيس السابع. ولد في أكسم من أعمال ساتلمنت في ٥ إذار عام ١٧٦٧ م ورأس البلاد مرتين وكان ديمقراطياً وخلف جكسن مارتن بيورن وهو الرئيس الثامن ولد في كندر هوك من أعمال نيويورك ونائباً للرئيس جكسن ٤ سنوات وفي ٤ إذار عام ١٨٣٧ انتخبه الحزب الديمقراطي رئيساً للبلاد وكانت مدته أربعة أعوام. وقام وليم هنري هرسن وهو الرئيس التاسع والبطل الشهير. ولد في بيركلي من أعمال فرجينيا سنة ١٧٧٣ م وانتخب للرئاسة في ٤ إذار عام ١٨٤١ م وكانت مدته شهراً وأحداً وذلك بسبب وفاته. وأقيم بعده يوحنا تيلر وهو الرئيس العاشر. ولد في مدينة تشارلس من أعمال فرجينيا في ٢٩ إذار عام ١٧٩٠ وتوفي في ١٧ كانون الثاني عام ١٨٦٢ م وانتخب للرئاسة في ٤ نيسان سنو ١٨٣٧ وكانت مدته أربع سنوات إلا ثلاثين يوماً. وخلف الرئيس تيلر نوكس بولك. ولد في وكرولينا الشمالية عام ١٧٩٥ م ومات في تانسي عام ١٨٤٩ م. وتولى رئاسة البلاد في ٤ إذار عام ١٨٤٥ م وكانت مدته أربعة أعوام وهو الرئيس الحادي عشر للبلاد. وقام بعد بولك زكريا تيلر. ولد في ٢٤ تشرين الثاني عام ١٧٨٤ م وقضى نحبه في ٩ تموز وتولى كرسي الرئاسة في ٤ إذار عام ١٨٤٩ م وكانت مدته أربعة شهور وأربعة أيام. ومما يذكر عنه إنه كان محبباً إلى النفوس وذا شهرة عظيمة حازها بدربته وحنكته وبسالته التي أبداها أيام كان قائد العام في حزب الولايات المتحدة مع المكسيك وهو الرئيس الثاني عشر. وظهر بعد تيلر ميلا رد فيليور وهو الرئيس الثالث عشر. ولد في كيفونيورك في ٧ كانون الثاني عام ١٨٠٠ م ومات في ٨ إذار في بفلو نيورك. وانتخب للرئاسة في ٨ أيار سنة ١٨٠٤ م وكانت مدته ثلاثة أعوام وثلاثة أشهر و ٣٧ يوماً وخلف فيلمور فرنكلن بايري وهو الرئيس الرابع عشر. ولد في ٢٣ تشرين الثاني عام ١٨٠٤ وقضى نحبه في ٨ تشرين الأول في نيوهمشير عام ١٧٦٩ م وانتخب رئيساً للبلاد في إذار سنة ١٨٥٣ م وكانت مدته أربع سنوات. وفي أثناء رئاسته فتحت أبواب التجارة للولايات المتحدة في مملكة اليابان وكان بايري ديمقراطياً. وقام بعد الرئيس بايري جيمس بوتشانن رئيساً للولايات وهو الرئيس الخامس ولد في ١٢ نيسان عام ١٧٩١ م في بلدة الرئيس فرنكلن من أعمال بنسلفإنيا. وتوفي في أول حزيرأن سنة ١٨٦٢ م كان الرئيس بوتشانن قبل أن يتولى رئاسة البلاد ناظر الداخلية في عهد الرئاسة بولك وانتخب رئيساً للبلاد في ٤ إذار عام ١٨٥٧ م وكانت مدته أربع سنوات وكان ديمقراطياً أما إبرأهيملنكن فقد ولد في ١٢ شباط سنة ١٨٠٩ م في ولاية كنتكي وقتل في ١٥ نيسأن سنة ١٨٦٥ م وذلك في أول عهد رئاسته للمدة الثانية وانتخب رئيساً للولايات في ٤ إذار عام ١٨٦١ م وكانت مدته أربع سنوات و ٤٢ يوماً وهو الرئيس السادس عشر المشهور بفضائله والمحبوب جداً من شعبه. وتحتفل الأمة الأميركية في مولده سنوياً اعتباراً لخدمه الجليلة في سبيل الإنسانية والوطنية وتقديراً لمقامه السامي في قلوب الأمريكيين خصوصاً وعالم الحضر عموماً. والرئيس السابع عشر هو أنداوس جانسن. ولد في وكرولينا الشمالية عام ١٨٠٨ م ومات في ٣١ تموز عام ١٨٧٥ وتولى الرئاسة في ١٥ نيسأن سنة ١٨٦٥ وكانت مدته ثلاثة أعوام وعشرة أشهر و ١٥ يوماً. والرئيس الثامن عشر يوليس غرانت. ولد في ولاية أهايو في ١٧ نيسان ١٨٨٥ تولى الرئاسة في ٤ إذار عام ١٨٦٩ وكانت مدته ثماني سنوات. والرئيس التاسع عشر هو أرتر فورد هايس. ولد في أهايو عام ١٨١٧ وكان من إشراف البلاد وأكابر أغنيائها. رأس البلاد في ٥ إذار عام ١٨٧٧ وذلك بعد أن تقلب في وظائف سامية كثيرة وكانت مدته ٤ أعوام. والرئيس العشرون هو جيمس غارفيلد. ولد في ١٩ تشرين الثاني عام ١٨٣١ في كويهفو أهايو وأطلق عليه الرصاص في ٢ تموز عام ١٨٨١ ومات من جراء ذلك في ١٩ أيلول عام ١٨٨١ م وتولى الرئاسة في ٤ إذار عام ١٨٨١ وكانت مدته خمسة أشهر. والرئيس الحادي والعشرون هو تشتر أرثور. ولد في فرنكلين من أعمال فرمونت في ٥ تشرين الأول سنة ١٨٣٠ وحاز شهادة محام سنة ١٨٥٠ ثم انتخب نائياً للرئاسة عام ١٨٨٠ ثم تولاها في ١٨٨١ بداعي اغتيال الرئيس غارفيلد وكانت مدته ثلاثة أعوام و ٧ أشهر إلا يومين. والرئيس الثاني والعشرون هو غرو فيلد كليفلنلد. ولد في كالداوي من أعمال نيوجرسي في إذار عام ١٨٣٧ وبعد أنتعلم قبل في مجمع العلماء في نيويورك ثم درس الشريعة في بفلونيورد عام ١٨٥٥ ونال الشهادة عام ١٨٥٩ م ثم نصب مدعياً لبفلو عام ١٨٦٣ م ثم مأموراً للأحكام عام ١٨٦٩ نم ثم حاكماً على مدينة بفلو عام ١٨٧١ وسنة ١٨٨٣ أقيم حاكماً على مدينة نيويورك وسنة ١٨٨٤ م انتخب رئيساً للولايات وكانت مدته ٤ أعوام وكان ديمقراطياً. والرئيس الثالث والعشرون هو هاريسن وكانت مدته من سنة ١٨٨٨ إلى سنة ١٨٩٢ والرابع والعشرون هو كليفلند المتقدم الذكر وكانت مدته من سنة ١٨٩٢ م إلى سنة ١٨٩٦ والخامس والعشرون هو مكنلي وكانت مدته من سنة ١٨٠٦ إلى سنة ١٩٠١ م والسادس والعشرون هو تيودور روزفلت الرئيس الحالي. ما برحت الولايات المتحدة بعد استقلالها في حاجة ماسة لإلى من يعمر ديارها ويحرث أرضيها ويستغل خيراتها ويستخرج معادنها ويساعدها على تنظيم مدينتها وتوسيع نطاق عمرانها وترقبها في مراقي الارتقاء ففتحت حكوماتها أبواب المهاجرة لجميع الأمم على اختلاف هيئاتها ولغاتها فوافاها الأوروبي من إنكلترا وجرمانيا والنمسا وإيطاليا وروسيا وأسوج ونروج واليونان وبرتغال وسويسرا وهولندا والبلجيك والآسيوي من الصين واليابان والهند والبلاد العثمانية وجاءها الأفريقي من ديار النيل ومراكش والسودان. ومما يلي يعلم القارئ نمو سكان الولايات المتحدة وعمرانها الغربيين. عدد سكان الولايات المتحدة عام ١٧٩٠ ٣٩٢٩٢١٤ ١٨٠٠ ٥٣٠٨٤٨٣ ١٨١٠٧٢٣٩٨٨١ ١٨٢٠ ٩٦٣٨٤٥٣ ١٨٣٠ ١٢٨٦٦٠٢٠ ١٨٤٠ ١٧٠٦٩٤٥٣ ١٨٥٠ ٢٣١٩١٨٧٦ ١٨٦٠ ٣١٤٤٣٣٢١ ١٨٧٠ ٣٨٥٥٨٣٧١ ١٨٨٠ ٥٠١٥٥٧٨٣ ١٨٩٠ ٥٢٦٢٢٢٥٠ ١٩٠٠ ٧٥٩٩٤٥٧٥ ١٩٠٧ أما عدد الولايات المتحدة فكأن سنة ١٧٨٩ م ثلاث عشرة ولاية واليوم صارت ٤٨ ولاية. وتقع سبع عشرة ولاية في الجهة الشرقية على الأوقيانس الاتلانتيكي وهي نيويورك ونيوجرسي ونيو همشير ورود ايلندا وماين وبنسلفإنيا وكولومبيا وكنتكت ومر مونت ومسشوست ومريلا ند وفرجينيا وكرولينا الشمالية والجنوبية وجيورجيا ودولار. وخمس ولايات تقع على بحر المكسيك وهي تكساس ولويزيانا ومسيسي والأباما وفلوريدا وسبع عشرة ولاية تقع في وسط البلاد وهي ايلنيين ومشغن وويسكنس وأهايو وأيوي ونبرا سكا وميسوري وأكوتا الشمالية والجنوبية وكنس وأركسنس وكنتكي وتنسي ومينسوتا وفرجينا الغربية. وإحدى عشرة ولاية غربية تقع على الأوقيانس الباسيفيكي وهي كاليفورنيا وأور يكون ونيفادا زبوتاه ومونتانا وأيد هو وواشنطن وكولور يدو ونيو مكسيكو وارزونا وأويوما. ولا يزال باب المهاجرة إلى الولايات المتحدة مفتوحاً لجميع الشعوب ما خلا الصينيين فإن حكومة الولايات سنت شريعة لمنع دخولهم إلى بلادهم سنة ١٨٨٤ م. وفي ٢٨ شباط سنة ١٩٠٧ صادق المجلس التشريعي في ولاية كاليفورنيا على لائحة تمنع الأجنبي من التملك في تلك الولاية. هذا إذا لم يكن متجنساً بالجنسية الأمريكية. وغاية المجلس القصوى منع اليابانيين والصينيين من دخول كاليفورنيا والتملك فيها فهم لا يستطيعون التجنس بالجنسية الأمريكية. ويظهر من تشديد العم سام على المهاجرين في هذا العهد الأخير أنه لا بد من إيصاد باب المهاجرة في وجه الأسيويين أن لم يكن عاجلاً فآجلاً. ودعوى حكومة العم سام أن الشعب الأسيويين سواء كان من الصين أم اليابان أم الدولة العلية فهو لا ينفع البلاد. فما يرمي إليه الأسيوي هو جمع المال وإنفاذه إلى وطنه خل عنك أنه ربما ضاقت الولايات على رحبها بأهإليها بعد مضي قرن. ومن جدول عدد سكان الولايات الآنف يتبين أن زيادة السكان بلغت في مدة ١١٧ سنة نحو اثنين وثمانين مليوناً من النفوس فإذا استمرت الزيادة على هذا المعدل فلا شك أن حكومة واشنطن تضطر إلى إقفال باب الهجرة وربما قفلته فبل انقضاء تلك المدة. مما تقدم يعلم المطالع أن النصر كان حليف الولايات المتحدة في الخمس حروب التي ذكرتها وأن نمو السكان والعمران كان اليفها وأنها أي الولايات صارت في مدة ٣٢ سنة في طليعة الممالك المتمدنة بالقوة والسطوة والجاه والثروة بل أن المدينة والحضارة والعمران وهذا لعمري من بعض الأدلة على نشاط الشعب الأمريكي واتحاده وارتقاء شخصيات أفراده وعلى بذله ومروءته وشهامته وغيرته وصدق وطنيته وعلى سهر حكوماته على مصلحة البلاد والأنام وقيامها بواجباتها نحو أمتها ووطنها خير قيام. فإنعم بكل أمة تحذو حذو الأمة الأمريكية وتقفو أثر مصلحيها العظام ورؤسائها الكرام وأنعم بكل دولة تسهر على مصلحة رعاياها وتبذل ما في وسعها لإسعادها وأنهاضها. وما أحرى الشعوب الأسيوية المنحطة أن تقتدي بنهضة الأمة الأميركية وتنهض بذلك الشرق الهازل النازل فتخلد لملوكها وحكايات طيب الذكر ولبلادها ولها الشكر والفخر. أوماها نبرا سكاالولايات المتحدة يوسف جرجس زخم الكنى والألقاب رأيت بحثاً في الكنى والألقاب لأحد قراء المقتبس ذكر فيه القاعدة المصطلح عليها في الكنى كقولهم أبو اسحق لمن أسمه إبرأهيموأبو إبرأهيملمن اسمه إسماعيل وأبو داود لمن اسمه سليمان وأبو محمد لمن اسمه عبد الله وأبو العباس لمن اسمه أحمد وهلم جرا وذكر أيضاً شغف العرب بالكنى وضعها إياها للطير والوحش بل للجماد والمعاني مثل قولهم أبو الحصين للثعلب وأبو الطاهر للبرغوث وأبو صابر للحمار وقولهم من باب المعاني للهرم أبو مالك وللفقر أبو عمرة إلى ما أخر ما ورد في ذلك البحث. ولما كان يحمل بالبحث الجميل أن يحيط بأطراف الموضوع بحيث لا يترك منه شاردة ولا تهمل فيه فائدة فقد قصدت أن أضم إليه اصطلاح أهالي جبل لبنان بل وأكثر البلاد التي تجاوره في أمر الكنى فإنه قد يختلف عن الاصطلاح الأول فإنهم يقولون هكذا: أبو ملحم لمن اسمه إبرأهيموقد يقولون له أبو خليل وأبو داود لمن اسمه ملحم وأبو سليمأن لمن اسمه داود وأبو علي لمن اسمه سليمان وقد يقال أبو محمد وأبو شاهين لمن اسمه محمد وقد يقال أبو سليمان ويقال أبو قاسم وأبو علم الدين لمن اسمه قاسم وأبو حسين لمن اسمه علي ويقال أيضاً أبو خطار وأبو نجم لمن اسمه خطار وأبو نجم لمن اسمه خطار وأبو أحمد لمن اسمه شاهين وأبو محمد لمن اسمه إسماعيل وأبو يوسف لمن اسمه أمين وأبو علي لمن اسمه أحمد وأبو عباس لمن اسمه حسين هذا أشهر كناة وقد يقال أبو قاسم لمن اسمه مصطفى وأبو مرعي لمن اسمه حسن وأبو حسن لمن اسمه عبد الله ويقال أيضاً أبو زين الدين وأبو حسين لمن اسمه يوسف ولمن اسمه محمود أيضاً وأما الأسماء المضافة إلى الدين مثل نصر الدين وزين الدين وبدر الدين فأكثرها أبو محمد ومنها يكنى بأبي يوسف مثل عز الدين وعلم الدين وبأبي داود مثل حسام الدين. ويقولون أيضاً أبو ناصيف الياس وأبو عساف جرجس وأبو شبل ناصيف وأبو قبلان أسعد وأبو منصور وغير ذلك. ومن كنأهم للوحش أبو فارس للنمر. ومن الكنى الجمادية ما ينسب إلى قرية عين دارة وهو قولهم أبو حسن طقطق وللتين المطبوخ بالدبس وأبو نجم الدين محني ذقنه. وللإبريق أبو يوسف علم الدين ولذلك قالوا إذا حضر أبو نجم الدين محني ذقنه قام يرقص أبو يوسف علم الدين أي إذا حضر التين المطبوخ بالدبس فلا بد من دورأن الإبريق للشرب وهذا يحاكي اصطلاح القدماء الذي ذكره كاتب بحث الكنى والألقاب من جهة تكنية الجوامد. ومما أهمله مكاتبكم من الكنى الحيوانية أبو حجأدب للحرباء وأبو الحسل وأبو السيل للضب وأبو عسلة وأبو مذقة للذئب وأبو سليمأن لضرب من الجعلان وأبو الأبد للنسر وأبو روح للهدهد وأبو الأخذ للباشق وأبو الأخطل للبرذون وأبو الأشعب للبازي وأبو الأشيم وأبو حسأن للعقاب وأبو ثقل للضبع وأبو جاعرة للغداف من الغربان وأبو حكيم للذئاب ومثله أبو جعفر وأبو برائل للديك وأبو زيد للعقعق وأبو الجراح وأبو حذر للغراب ومثلهما أبو زاجر وأبو جهينة للدب وأبو الجيش للشاهين وأبو حاتم للكلب ومثله أبو خالد أبو دغفل للفيل وأبو الحسن للطاووس وأبو الحسين للغزال وأبو رأشد للقرد وأبو زرعه للخنزير وأبو العرمض للجاموس وأبو عكرمة للحمام وأبو النعيم للكركي وأبو يعقوب للعصفور وأبو زفير للإوز وأبو زياد للحمار مثل أبو صابر وأبو طالب الفرس مثل أبو شجاع وغير ذلك. ومن المعاني أبو مالك للسغب وأبو دراس وأبو جابر للخبز ويقال له أيضاً تسمية بدون تكنية جابر بن حبة وأبو عاصم للسويق وأبو الأبيض للبن وكما كثرت أسماء الأسد فقد كثرت كناه فيقال له عدا أبا الحارث أبو الأبطال وأبو الأخياش وأبو شبل وأبو الوليد وأبو ليث وأبو العباس وأبو النحس وأبو رزاح وأبو حفص وأبو الوليد وأبو الهيصم وأبو محراب وأبو التأمور وأبو الحذر وأبو محطم وللنمر جملة كنى منها أبو خلعة وأبو الخطاب وأبو جهل وأبو رقاش وأبو الأسود وأبو الأبرد. ولا ندخل الأن الأمهات والأبناء والبنات والأخوة والأخوات والأذواء والذوات فإنه يطول بذلك الشرح وإنما نقول على وجه الإجمال أن اتساع هذا الباب في اللغة العربية هو من جملة الدلائل على ثروة اللغة وفخامتها وبلاغة عباراتها وأن الكنى خصوصاً ما أطلق على الجمادات والمجردات مما يدل على شدة تخيل الناطقين بها وإنزالهم الصامت منزلة الناطق وتجسيمهم المجرد إلى حد أن يتمثل ولا يخفى أن أبلغ البلاغة هو ما قوى لك الخيال ومثل لك صورة المعنى حتى كانك تراها بالعين وتلمسها بالكف فالبليغ إذا أجزل خيل لك المعنى جسماً وإذا أراد الرقة هلهل لديك المادة حتى حسبتها هباء أو ظننتها وهماً وأن إطلاق الكنى في الجوامد والمعاني وإجراءها مجرى ما به الحياة لما يجسم المعاني ويحرك الجوامد عند من كان يشعر بالبلاغة. سوء المنقلب بغداد حسبك رقدة وثبات أو ما تمضك هذه النكبات ولعت بك الأحداث حتى أصبحت أدواء خطبك ما لهن أساة قلب الزمان اليك ظهر مجنه أفكان عندك للزمان ترات ومن العجائب أن يمسك ضره من حيث ينفع لو رعتك رعاة إذ من ديالة والفرات ودجلة أمست تحل بأهلك الكربات أن الحياة لفي ثلاثة أنهر تجري وأرضك حولهن موات قد ضل أهلك رشدهم وهل اهتدى قوم أجأهلهم هم السر وات قوم أضاعوا مجدهم وتفرقوا فترأهم جمعاً وهم أشتات لقد استهانوا العيش حتى أهملوا سعياً مغبة تركة الأعنات يا صابرين على الأمور تسومهم خسفاً على حين الرجال أباة لا تهملوا الضرر اليسير فإنه أن دام ضاقت دونه الفلوات فالنار تلهب من سقوط شرارة والماء تجمع سيله القطرات لا تستنيموا للزمان توكلاً فالدهر نزاء له وثبات فإلى متى تستهلكون حياتكم فوضى وفيكم غفلة وأناة تالله أن أفعالكم بخلافه نزل الكتاب وجاءت الآيات أفتزعمون بأن ترك السعي في هذي الحياة توكل وتقاة إن صح نقلكم بذاك فبينوا أو قام عندكم الدليل فهاتوا لم تلق عندكم الحياة كرامة في حالة فكانكم أموات شقيت بكم لما شقيتم أرضكم فلها بكم ولكم بها غمرات وجهلتم النهج السوي إلى العلى فترادفت منكم بها العثرات بالعلم تنتظم البلاد فإنه لرقي كل مدينة مرقاة أن البلاد إذا تخال أهلها كانت منافعها هي الآفات تلك الرصافة والمياه تجفها والكرخ قد ماجت به الأزمات سالت مياه الواديين جوارفاً فطفحن والأسداد مؤتكلات فتهاجم الماآن من ضفتيهما فتناطحا وتوالت الهجمات حتى إذا اتصل الفرات بدجلة وتساوت الوهدات والربوات زحفت جيوش السيل حتى أصبحت بالكرخ نازلة لها ضوضاء فسقت بيوت الكرخ شر مقيئ منها فقاءت أهلها الأبيات واستنفعت منها المياه فطحلبت بالمكث ترغو تحتها الحمآت حتى استحال الكرخ مشهدا بؤس تبكي به الفتيان والفتيات طرقاته مسدودة ودياره مهدودة وعرا صه قذرات ياكرخ عز على المروءة أنه لجج المياه عليك مزحمات فلئن أماتتك السيول فإنما أمواجهن عليك ملتطمات من مبلغ المنصور عن بغداده خبراً تفيض لمثله العبرات أمست تناديه وتندب أربعاً طمست رسوم جمالها الهبوات وتقول يالأبي الخلائف لو ترى أركان مجدي وهي منهدمات لغدوت تنكرني وتبرح قائلا بتعجب ما هذه الحربات أين البروج بنيتهن مشيدةً أين القصور علت بها الشرفات أين الجنان بحيث تجري تحته االأنهار يانعة بها الثمرات أترى أبو الأمناء يعلم بعده بغداد كيف تروعها النكبات يا دجلة يا للرزية دجلة بعد الرشيد ولا الفرات فرات كان الفرات يمد دجلة ماؤه بجدأول تسقي بها الجنات إذ بين دجلة والفرات مصانع تفتر عن شتب السنوات يا نهر عيسى أين منك موارد عذبت وأين رياضك الخضلات ماذا دهى نهر الرفيل من البل حيث المجاري منه مندرسات إذا قصر عيسى كان عنده مصبه وعليه منه أطلت الغرفات أم أين بركة زلزل وزلزاله االسلسال تسرح حوله الظبيات يا نهر طابق لا عدمتك منهلاً أين الصراة تحفها الروضات أم أين كرخايا تمد مياهه نهر الدجاج فتكثر الغلات أم أين نهر الملك حيث تسلسلت فيه المياه وهن مطردات قد كان تزدرع الحبوب بأرضه فتسح فيه بفيضها البركات أم أين بطا طيا تأتيه من نهر الدجيل مياهه المجراة وله فروع أصلهن لشار ع الكبش المجاري منه منتهيات تنمو الزروع بسقيه فغلاله كل العراق ببعضها يقتات لهفي على نهر المعلى إذ غدت لا تستبين جنانه النضرات نهر هو الفردوس تدخل منه في قصر الخلافة شعبة وقناة كالسيف منصلتاً تضاحك وجه هـ الأنوار وهي عليه ملتمعات إذ نهر بين عند كلواذى به ملد الغصون تهزها النسمات وبقربه من نهر بوق دارة تنفي الهموم مروجها الخضرات يا قصر باب التبر كنت مقرناً والنفي يصدر منك والإثبات أيام تطلعك العدالة شمسها وترف فوقك للهدى رايات أيام تنشدك العلوم نشيدها فتعود منك على العلوم صلات أيام تقصدك الأفاضل بالرجا فتفيض منك لهم جداً وهبات أيام يأتيك الشكي بأمره فيروح عنك وما لديه شكاة تمضي الشهور عليك وهي أنيسة وتمر باسمة بك الساعات ماذا دهاك من الهوأن فأصبحت أثار عزك وهي منطمسات قد ضيعت بغداد سابق عزها وغدت تجيش بصدرها الحسرات كم قد سقاها السيل من أنهارها ضراً وهن منافع وحياة واليوم قلت بجانبيها أرخوا دفق السيول فماجت الأزمات اليونان أثينة الشعب الأثيني اتيكيا - فاخر الأثينيون لسكنأهم أبداً بلاداً واحدة وأدعى أجدادهم أنهم ولدوا من الرمل كالزيزان. وقد اجتاز الفاتحون من سكان الجبال بالقرب من بلادهم ولم يهاجموها وقلما دعتهم اتيكيا إلى قتالها. هذه المقاطعة مؤلفة من جبال شاهقة صخرية ناتئة في البحر على شكل مثلث الأضلاع. وهذه الصخور المشهورة بقطع رخامها وبعسل نحلها جرداء مرداء بينها وبين البحر ثلاثة سهول صغيرة قاحلة لا تروى (الجفاف سواقيها في الصيف) ولا تقوم بتغذية أمة كبيرة. أثينة - على فرسخ من البحر في أعظم تلك السهول قامت صخرة عظيمة وحيدة منتصبة وقد أنشئت أثينة في سفحها. أما المدينة القديمة التي كانت تدعى الأكروبول (المدينة الغالية) فإنها كانت في قمة الجبل. وقد أخذ سكان اتيكيا يتفرقون إلى ممالك عديدة فكانت كل قرية تحكم نفسها بنفسها ولها ملك فجمع جميعها تحت زعامته وهو ملك أثينة فيتألفون بذلك مدينة واحدة وليس معنى ذلك أنهم كلهم يحطون رحالهم في المدينة. بل يظل كل معبودة أثينة وخضعوا بأجمعهم لملك واحد. ثورات أثينة - قد رجعت أثينة فنزعت السلطة الملكية واستعاضت عنها بتسعة زعماء (أركون) يتبدلون كل عام. وأنا لنجهل هذا التاريخ كل الجهل إذ لم يبلغنا عن ذاك الوقت أقل كتابة نستند إليها. ويروى أن الأثينيين عاشوا قروناً في شقاق يضطهد إشراف أصحاب الأملاك (أوبا تريد) العملة من أصحاب المياومات في أرضيهم وببيع الدائنون مدينيهم بيع الأرقاء. ولقد عهد الأثينيون حباً بتوطيد الراحة إلى صولون أحد حكمائهم أن يسن لهم قوانين يسيرون عليها فقام بثلاث إصلاحات: أولاً تقليل قيمة السكة وهو مما سهل على المدينون أن يوفوا ما عليهم من أهون سبب. ثانياً جعل الفلاحين ملاكاً للأراضي التي يزرعونها ومن ذاك الحين صار في اتيكيا كثير من صغار أصحاب الأملاك مما لم يعهد مثله في بلاد يونانية. ثالثاً قسم السكان العامة إلى أربع طبقات يحسب مداخليهم وقضى على كل منهم أن يؤدي الضرائب ويقوم بالخدمة العسكرية على نسبة ثروته. أما الفقراء فأعفأهم من الضرائب والخدمة. ولقد خضع الأثينيون بعد صولون إلى بيزيستراس أحد أبنائهم العالمين العارفين ثم بدأ الاضطراب سنة ٥١٠ إصلاح كليستين - استفاد كليستين أحد زعماء الأحزاب من هذه الاضطرابات فقام بثورة عظيمة. ولقد سكن كثير من الغرباء في اتيكيا وكان معظمهم ملاحين وتجاراً يقطنون مدينة بيرا بالقرب من المرفأ. فأعطأهم كليستين حقوق الوطنيين وساوأهم بالسكان الأقدمين فصار من ثم في تلك المقاطعة شعبان مختلفإن سكان اتيكيا وسكان بيرا وكانا يتميزان إحداهما عن الآخر بعد ثلاثة قرون من هذا الاختلاط باختلاف سحناتهم فيشبه أهل اتيكيا سائر اليونانيين ويشبه أهل بيرا الأسيويين. وهكذا زاد الشعب الأثيني فأصبح أمة جديدة ومن أكثر سكان بلاد اليونان حركة ونشاطاً حتى إذا كان القرن الخامس تألفت الهيئة الاجتماعية في أثينة تأليفها الأخير فكان ثلاث طبقات يقطنون اتيكيا ألا وهم الموالي والأجانب والوطنيون. الموالي - الموالي هم السواد الأعظم من أهل البلاد فلم يكن ثمة رجل مهما بلغ من الفقر المدقع إلا ويملك مولى أما الأغنياء فيملكون منهم كتيبة وملك بعضهم نحو خمسمائة مولى وكان من شأن هؤلاء الموالي أن يبقوا في الدور وشغلهم في الطحن والعجن وحياكة الثياب ونسجها وطبخ الطعام وخدمة سادتهم. ويعمل بعضهم في المعامل حدادين وصباغين أو يشتغلون في المقالع والمناجم الفضية. ويقوم سيدهم بأودهم ولكنه يبيع لنفسه كل ما تنتجه أيديهم ويأتي ثمرة أعمالهم ولا يعطيهم من جميع ذلك إلا الطعام. فكان عامة الخدمة والعاملين في المناجم ومعظم الصناع عبيداً وأرقاء. يعيشون في المجتمع دون أن يعدوا منه بل لا يتصرفون بأنفسهم وهم ملك موإليهم جسماً ومادةً. ولم يعتبروا إلا اعتبار عروض تملك وربما دعوهم أجساداً وليس لهم من شريعة غير أرادة سيدهم. ولسيدهم عليهم كل حق وسيطرة فإن شاء شغلهم وإن شاء حبسهم وإن شاء حرمهم من طعامهم وإن شاء ضربهم وإذا نشأت لأحد الوطنيين قضية يتأتى لخصمه أن يطلب تعذيب موإليه ليقروا بما يعملون. وقد امتدح عدة خطباء أثينيين هذه العادة وعدوها ضرباً من ضروب الحذق لأخذ شهادة صحيحة. قال الخطيب ايزيه أن التعذيب أحسن واسطة لنيل البراهين إلى كشف القناع عن محيا الحقيقة بجعل العبدان في العذاب الشديد. الأجانب - هم ناس من أصول مختلفة يقيمون في اتيكيا وهم الذين يدعون الميتيكيين (أي المتساكنين) ولم يكف الرجل كما هو الحال عندنا أن يولد في أرض أثينة ليعد وطنياً بل يجب أن يكون ابن وطني. وعبثاً استوطن الطراء في اتيكيا أجيالاً كثيرة وما عدت قط أسراتهم أثينية. فالميتيكيون والحالة هذه لم يكن لهم أن يشتركوا في الحكومة ولا أن يتزوجوا وطنية ولا أن يقتنوا ملكاً على حين كانوا أحراراً في أشخاصهم ولهم حق السفر في البحر وأن يكونوا صيارف وتجاراً على شرط أن يتخذوا لهم زعيماً ومولى يمثلهم أمام القضاء. وكان في أثينة زهاء عشرة آلاف أسرة من الميتيكيين ومعظمهم صيارف وتجار. الوطنيون - اقتضت الحال أن يكون الإنسان ابن وطني أو وطنية ليكون وطنياً أثينياً ومتى بلغ الفتى الثامنة عشرة من عمره يعد عندهم رأشداً فيقف أمام جموع الشعب ويدفع إليه السلاح الذي يقضي عليه حمله ويقسم يميناً فيقول: أقسم أنني لا أهين هذا السلاح المقدس ولا أغادر موقفي في صفوف الأعداء وأن أخضع للحكام والقوانين وأشرف دين وطني. فيكون بهذا الحلف وطنياً وجندياً معاً ويقضي عليه بعد أن يخدم الجندية إلى سن الستين وله لقاء ذلك حق الجلوس في مجلس الأمة والقيام بوظائف الحكومة وربما رضي الشعب الأثيني بجعل رجل وطنياً على حين ليس هو ابن وطني ولكنه يرضى بذلك على صفة استثنائية وتوسعاً في المكرمة العظيمة. فيوأفق المجلس على قبول الغريب وينبغي أن ينتخبه على الأقل ستة آلاف وطني بعد تسعة أيام من هذا الاقتراع وفي جلسة ثانية وذلك في انتخاب سري. والشعب الأثيني هو كدائرة مطبقة لا يدخل فيه أعضاء جدد إلا إذا رضي الأعضاء القدماء على أنهم لا يقبلون غير أبنائهم. المجلس - يلقب الأثينيون حكومتهم بالحكومة الديمقراطية (أي حكومة الشغب) وليس هذا الشعب ما نعني به عندنا من جمهور السكان بل هو جماعة الوطنيين وخلصاء الإشراف وعددهم بين خمسة آلاف إلى عشرون ألف رجل وهم زعماء الأمة بأسرها. ولهؤلاء الجماعة سلطة مطلقة وكلمة عليا وهم في التحقيق ملوك أثينة فإن مجلسهم يلتئم ثلاث مرات في الشهر للمفاوضة والاقتراع. يجتمعون في الهواء الطلق في ساحة البينكس فيجلس الوطنيون على مقاعد من حجر ذات درجات ويقعد الحكام بإزائهم على مصطبة ويفتحون الجلسة باحتفال ديني وصلاة يصلونها ثم يعلن المنادي بصوت جهوري بالمسألة التي يتناقش فيها المجلس قائلاً من منكم يشرع بالكلام أولاً. ولكل وطني الحق أن يطلب ذلك. وعندها يصعد الخطباء المنبر بحسب تفاوت أعمارهم ومتى تكلموا كافة يضع الرئيس المسألة المطلوبة على بساط البحث فيقترع المجلس بأن يرفع أعضاؤه أيديهم ثم ينصرفون. المحاكم - لما كان الشعب حاكماً فهو يقضي في القضايا لذاته وبذاته ولكل وطني بلغ الثلاثين من عمره أن يكون من أعضاء مجلس فيجتمع الحكام في القاعات الكبرى فرقاً كل فرقة مؤلفة من خمسمائة نسوة. وفي كثير من القضايا يلتئم فرقتان أو ثلاث فرق من الحكام فتتألف المحكمة من جمهور يبلغون ألفاً أو الفاً وخمسمائة قاض ولم يكن للأثينيين حكام كما هو الحال عندنا لرفع القضايا بل كانت هذه المهمة من وظيفة الوطني الذي يعهد إليه تجريم المجرمين. فيمتثل المدعي والمدعى عليه أمام المحكمة ويخطب كل منهما خطبة تزيد على وقت حدد بساعة دقاقة مائية. ثم يبدأ القضاة بالموافقة على وضع حصاة بيضاء أو سوداء فإذا توفر للمدعي بضعة آراء (أصوات) زيادة على خصمه يحكم عليه ويجرم. الحكام - كان الشعب الحاكم في حاجة إلى مجلس لوضع المسائل موضعها من البحث وإلى حكام ينفذون ما يقرره ويتألف المجلس من خمسمائة وطني تصيبهم القرعة حولاً كاملاً. وإذا كثر عدد الحكام خص عشرة منهم لتعبئة الجيش وقيادته وثلاثون لإدارة الشؤون المالية وستون منهم يعهد إليهم خطة الحسبة من النظر في الشوارع ونظافتها والأسواق وبياعاتها والأوزان والقياسات وما يتبعها. متعة هذه الحكومة - لم تكن السلطة في أثينة في أيدي الأغنياء والشرفاء كما كانت في إسبارطة بل كانت تقرر كل مسألة بأكثرية الآراء وتتعادل الآراء فيجري انتخاب الحكام وأعضاء المجلس والعمال بالقرعة. إلا القواد فإنهم لا ينتخبون كذلك. والوطنيون يتساوون لا من حيث الأمور النظرية بل من حيث الأمور العملية. ولقد قال الحكيم سقراط لأحد أهالي أثينة المنورين وكان لا يجرأ على الكلام أمام الشعب يا هذا ممن تخاف؟ أمن القصارين أم من السكافين أو من المعمارين أو الحرأثين أم من السوقة والمرتزقين فمن هاته الطبقات يتألف المجلس وكثيرون من هؤلاء الحكام مضطرون إلى الاحتراف ليعيشوا ولم يكن في وسعهم أن يخدموا الحكومة بالمجان ولذلك عينت لهم مشاهرات وأجوراً سانتيماً من سكنتا وهو القدر الذي يتأتى لرجل أن يعيشوا به ذاك العصر. من أجل هذا العصر الأعضاء الفقراء في هذه المجالس وجلسوا على دكات المحاكم مع الأغنياء كتفاً إلى كتف ووجهاً إلى وجه. الفوضويون من الشعب_لما كانت تفصل المسائل برمتها في المجلس أو المحاكم بالمناقشة فيها وإلقاء الخطب في مضامينها كان فصحاء القوم هم أرباب المكانة المكينة في الأمة. فاعتادت هذه أن تسمع لأصوات الخطباء وأن تعمل بنصائحهم وتعهد إليهم في السفارات وأن تعينهم قواداً وزعماء. ويدعى هؤلاء الرجال الفوضويينأو زعماء العصاة. أما حزب الأغنياء فيضحك منهم. وقد مثل أريستوفإن الشعب في إحدى الروايات الهزلية في صورة شيخ سخيف فقال: أنت غبي تصدق كل ما تسمع تستسلم لأهل النفاق والدسائس يتلاعبون بك على هوأهم وتغتبط بالسعادة متى خطبوا فيك. وقال أحدهم خطاباً لا حد نزاع الآفاق. أنت يا هذا شقي فظ غليظ وصوتك شديد وفي بلاغتك من القحة وفي حركاتك من السرعة ما يؤهلك على ما رأى إلى كل ما يلزمك لحكم أثينة. الحياة المنزلية اخترع الأثينيون وظائف كثيرة عهد القيام بها إلى فئتين من الوطنيين. فكان الوطني الأثيني كالموظف والجندي في أيامنا مهتماً بالانصراف إلى الأعمال العامة يصرف أيام حياته في إشهار الحرب والحكم على الشعب يقضي أيامه في المجلس أو في المحكمة أو في الجيش وفي محال الرياضة أو في السوق وكان له أبداً امرأة وأولاد لأن الدين يأمره بذلك ولكنه ما كان يعيش البيوت. الأولاد_يحق للوالد عندما يولد له مولود أن يطرحه ويطرده خارج بيته فيموت طريحاً إذا لم يلتقطه أحد أبناء السبيل ويربيه ليجعله مولى له. وأنت ترى أن أثينة اتبعت في هذا خطة جماع الشعوب اليونانية. والبنات كن ينبذن في العراء ويطرحن خارج المنازل أكثر من البنين قال أحد الخطباء الهزليين أن الابن يربى في الغالب ولو كان ذووه في أقصى دركات الفاقة أما الابنة فتهمل ولو كان أهلها من الغنى على جانب. فإن قبل الوالد الولد يعد من الأسرة ويترك أولاً في مساكن النساء بالقرب من الأم حيث يظل البنات إلى أن يتزوجن أما البنين فينفصلون عن تلك البيوت في السابعة من عمرهم فيسلم الطفل الأثيني إلى المربي الذي يعهد إليه تعليمه وتحسين هيئته والخضوع والطاعة وكثيراً ما يكون المعلم من طبقة الموالي إلا أن والد الطفل جعله في حل من ضرب ابنه. وهذه كانت عادة عامة في القدم. ثم يذهب الولد إلى الكتاب يتعلم القراءة والكتابة والحساب وإنشاد الأشعار والتغني مع جماعة الموسيقيين على نغمات المزمار ثم يأخذ في سبيل تعلم الألعاب الرياضية وهذه غاية ما يتعلمه الولد فيجيء من هذا التعليم من أبناء الأثينيين رجال صحيحة أجسامهم هادئة أفكارهم يدعوهم اليونانيين أهل الصلاح والجمال. أما الفتاة فتظل بالقرب من أمها لا تتعلم شيئاً. ويذهبون إلى أنه يكفي الابنة الأثينية أن تحسن الخضوع وتتشبث بأهداب الطاعة. وقد مثل كسينوفإن أحد أغنياء الأثينيين المهذبين وهو يخاطب الحكيم سقراط في شأن زوجه قال: لم تكد تبلغ الخامسة عشرة حتى تزوجتها وقد كان ذووها جعلوها إلى ذاك العهد تحت المراقبة الشديدة وأرادوا أن لا تبقى وتعيش ولا تسمع شيئاً على التقريب مما أهلها لأن تكون امرأة تحسن نسيج الصوف وتصنع منها ثياباً ورأت بأي الطرق يستخدم الأماء والخادمات. ولما اقترح عليها زوجها أن تكون شريكة في حياته أجابته مدهوشة: على أي أمر أعينك وهل أنا قادرة على شيء؟ فلطالما قالت لي أمي إن شأني الخاص بي أن أكون عأقلة. فمعنى كون المرأة عأقلة أن تخضع وهذه هي الفضيلة التي تطلب إلى المرأة اليونانية. الزواج - تتزوج الفتاة في الخامسة عشرة من سنها وأهلها يختارون لها زوجها فيكون تارة شاباً من أسرة قريبة أو رجلاً طاعنا في السن من أصدقاء والدها ولا يعدو أبداً أن يكون وطنياً أثينياً وقد تعرفه الفتاة من قبل في بعض الأحوال وما قط أخذ رأيها في معنى زواجها. ولما تكلم المؤرخ هيرودتس عن أحد أبناء يونان قال: إن كالياس هذا جدير بأن يتكلم المتكلمون في أمره للخطة التي يسلكها مع بناته فإنهن متى صلحن للزواج ينحلهن من المال شيئاً كثيراً ويسمح لهن باختيار أزواج لهن من أبناء الأمة ويزوجهن بمن ينتخبنهم. النساء - كان في داخل كل بيت أثيني مسكن منعزل بالنساء يدعى الحرم ولا يختلف إلى هذا المسكن غير الزوج والأنسباء وتبقى فيه ربة البيت دائماً مع صويحباتها وإمائها تراقب أعمالهن وتلقنهن أصول تدبير المنازل وتوزع بينهن الصوف ليحكنه وهي تشغل نفسها بحياكة الثياب أيضاً. وقلما كانت تخرج من دارها إلا في الأعياد الدينية ولا تظهر في مجتمعات الرجال قط. قال الخطيب أزيس: حقاً أنه لم يكن لأحد أن يجرأ على الغداء عند امرأة مزوجة فإن النساء المزوجات لا يخرجن لتنأول الطعام مع الرجال ولا يسمحن لأنفسهن أن يأكلن مع الغرباء وغير المحارم. وما كنت لتنأول المرأة التي تخالط الرجال معدودة في جملة النساء المحتشمات المهذبات. وهكذا لم تكن المرأة وهي على حالها من الاعتزال والجهل ذات عشرة مقبولة فيتزوج بها الرجل لا لتكون شريكة حياته بل لتقوم بأمر بيته وتلد له أولاداً ولأن العادة والدين عند اليونانيين يقضيان بأن يكون للمرء حليلة. وقال أفلاطون إذا تزوج المتزوج فليس برضاه وذوقه السليم بل لأن شريعة تقضي عليه بذلك. وقال مياندر الشاعر الهزلي هذه العبارة: إذا شئت التحقيق فقل أن الزواج شر ولكنه شر لا مناص منه. ولذا كان أبداً للنساء في أثينة كما في معظم المدن اليونانية مقام وضيع في المجتمع. الحروب المادية بينما كان اليونان أخذين في تنظيم مدنهم كان الفرس يجمع شتات بلاد الشرق كافة تحت لواء واحد. ولقد تقابل اليونان والمشارقة وكان المصاف بينهم لأول الأمر في آسيا الصغرى. وكان على شاطئ آسيا مستعمرات يونانية غنية مأهولة فطمح قورش ملك فارس في ضمها إلى بلاده فبعثت تلك المستعمرات تستنجد بالإسبارطيين وقد اشتهروا بأنهم أجرأ أبناء اليونان وأنذروا بذلك قورش فأجابهم بقوله: أنني ما خشيت قط هذا الضرب من الناس الذين يجتمعون في ساحة وسط مدنهم ليخدع بعضهم بعضاً بالإيمان والعهود (كلامه على ساحة السوق) فغلب أبناء اليونأن في آسيا وأصبحوا رعايا ذاك الخاقان الأعظم. وبعد ثلاثين سنة تقابل الملك ادوارد مع يونان أوروبا ولكنهم ظهروا عليه هذه المرة فأرسل الأثينيون عشرين سفينة على الأيونيين العصاة فدخل جندهم في ليديا واستولوا عنوة على مدينة ساردس عاصمة ليديا وأحرقوها. فإنتقم دارا عن ذلك بأن خرب المدن اليونانية في آسيا ولم يبق على يونان أوروبا. وقيل أنه أمر أن يتمثل لديه ضابط في كل مأدبة على مسامعه قوله: مولاي تذكر الأثينيين. وقد بعث إلى المدن اليونانية يطلب تراباً وماءً. وهذه الإشارة الشائعة عند الفرس كانت دلالة على أن شعباً يخضع بلاده لسلطة الخاقان الأعظم فأوجس معظم اليونانيين خيفة واستسلموا خاضعين باخعين فطرح الإسبارطيون المندوبين من الفرس في بئر قائلين لهم أن يأخذوا منها ماءً وتراباً يحملونهم إلى ملكهم. وهذه كانت فاتحة الحروب المادية. مبادلة الخصمين - أن التباين بين هذين العالمين المتحاربين قد أشار إليه هيرودتس أحسن إشارة في صورة محاورة بين كسيركيس ملك الملوك وديمارات أحد المنفيين من الإسبارطيين فقال هذا: أتجاسر أن أؤكد لك أن الإسبارطيين يعلنون عليك حرباً حتى ولو انحاز سائر أبناء اليونان كافة إلى حزبك ولو لم يبلغ جيشهم ألف رجل. فأجاب كسيركيس ضاحكاً وليت شعري هل في وسع ألف رجل أن يشهروا حرباً على هذا الجيش الكثير العدد والعدد وأني لا أخشى أن يكون في كلامك تحذلق كثير. وهب أن عددهم خمسة آلاف فنحن زهاء ألف لقاء واحد. فلو كان لهم زعيم مثلنا فإن الخوف يحمسهم ويزيد نفوسهم مضاء فيزحفون يضرب السياط على جيوش أكثر مما خصتهم به الفطرة. يقول ديمارات أن ليس الإسبارطيون دون غيرهم في حرب يتلاقى فيه المتحاربون جسداً لجسد حتى إذا انضموا بعضهم إلى بعض صاروا جيشاً برأسه ومن أشجع الناس وإمضأهم. وقصارى القول فإنهم وإن كانوا أحراراً في الظاهر ليسوا كذلك في سائر شؤونهم فلهم حاكم مطلق ألا وهو القانون فهم يخافونه كثيراً ويرهبون بأسه أكثر من رهبة رعايانا لك. يطيعونه والقانون يأمرهم أن يثبتوا في مصافهم أبداً إلى أن يغلبوا أو يموتوا - إليك حال هذين الحزبين أحدهما مع الآخر فترى من جهة عدداً عديداً من الرعايا تضمهم القوة بزعامة رئيس ذي هوى وشهوات. ومن جهة ثانية جمهوريات صغرى محاربة يحكم أبناؤها أنفسهم بأنفسهم بقوانين يحتفظون بها ويرعونها. الحرب المادية الأولى - نشبت حربان ماديتان كأنت الأولى بمثابة حملة على أثينة فأرسل داراً ستمائة سفينة أنزلت جيشاً فارسياً في سهل ماراتون الصغير على سبع ساعات من أثينة. ولقد كان دين الإسبارطيين يحظر عليهم أن يسيروا قبل أن يكون الهلال بدراً وكان القمر إذ ذاك في الربع الأول فقضي على الأثينيين أن يحاربوا وحدهم فجاء عشرة آلاف من الوطنيين مسلحين سلاح الأبطال وأقاموا لهم معسكراً أمام صفوف الفرس بقيادة عشرة قواد يتناوبها كل منهم يوماً حتى إذا كانت نوبة القيادة لملتيادس عبى جيشه للحرب فهاجم الأثينيون صفوف الأعداء على صفوف مشتبكة فلما رأهم الفرس اقتربوا منهم ولم يجعلوا في مقدمتهم فرساناً ولا دارعين فظنوهم جنوا وأضاعوا رشدهم. وهذه هي المرة الأولى التي جسر فيها اليونان صفوف الفرس في حرب منظمة. فطفق الأثينيون يحملون على جناحي الجيش ويمزقونه كل ممزق ثم رجعوا إلى القلب وحملوا الفرس على الهزيمة نحو البحر واضطرابهم إلى معاودة ركوب البحر وكان من نصرة اليونأن في حرب الماراتون أن أنقذتهم وأطارت صيتهم في أرض يونان كلها. حرب مادية ثانية - نشبت الحرب بعد عشر سنين بغارة فجمع كسيركيس بن دارا شعوب بلاده كلهم ويقال أن جيشه البري بلغ مليوناً وسبعمائة ألف مقاتل مؤلفاً من ماديين وفرس لابسين قمصاناً ذات أكمام مسلحين بدبأبيس محددة الرؤوس ومن هنود يلبسون ثياباً قطنية يحملون أقواساً ونبالاً من خيزران ومن زنوج يلبسون جلد النمور ومن قبائل رحالة ليس لهم سلاح إلا ما كان من حبل ذي أنشوطه ومن فرنجين مسلحين بحراب قصيرة وأتراس صغيرة ومن ليديين مجهزين على الطريقة اليونانية ومن تراكسيين يحملون حراباً ومدى وقد شغل تعداد صفات الجيش عشرين فصلاً في تاريخ هيرودتس. وكان هؤلاء المحاربون يجرون وراءهم جموعاً توازي الجموع المدربة على القتال من خدمة للجيش وموالي من النساء وكثير من البغال والخيل والجمال والعجلات المشحونة بالأثقال ولقد اجتاز هؤلاء الأخلاط هيلسبون على جسر قام من مراكب في ربيع سنة ٤٨١ وظلوا يتابعون سيرهم سبعة أيام بليإليها تحت ضرب السياط ثم اجتازوا تراكسيا وساروا على بلاد يونان يجرون بالقوة وراءهم من يصادفونه من الشعوب فكان الأسطول الفارسي وهو مؤلف من ألف ومائتي سفينة حربية يمشي على شواطئ تراكسيا مجتازاً ترعة جبل أتوس الذي خرقه كسيركيس عمداً. فدخل الرعب في قلوب اليونانيين وخضع معظمهم لخاقأن الفرس فضموا جندهم إلى الجيش الفارسي. وراح الأثينيون يستشيرون هاتف دلفيس فأجابهم أولا أن أثينة تخرب ويكون عإليها سافلها حتى إذا تضرعوا إليه أن يجيبهم بجواب يبعث على الطمأنينة رد عليهم بقوله: إن زيوس يمنح بالاس (حامية أثينة) جداراً من خشب لا يتأتى الاستيلاء عليه وحده وأنكم لتجدون فيه سلامتكم أنتم وبنوكم. ولقد حث العرافون الذين طلبوا إليهم أن يفسروا كلام هذا الهاتف جماعة الأثينيين على مغادرة اتيكيا وأن يذهبوا ليستوطنوا مكاناً آخر. وفسر تمستوكلس جدار الخشب بالمراكب. فقضت الحال إذا أن يرجعوا على الأسطول ويحاربوا الفرس في البحر. وإذ قد عزم أهل أثينة وإسبارطة على المقاومة أخذوا يبحثون في تأليف عصابة اليونأن للحكم على الفرس فاجترأت بعض المدن على الدخول في هذه العصبة وانضموا تحت قيادة إسبارطة ولما نشبت أربع حروب في عام واحد قرروا القتال فسحق الفرس ليونيداس ملك إسبارطة في الترموبيل وكان معسكراً لسد فم أحد المضايق وضرب الأسطول اليوناني الأسطول الفارسي في سلامينة وكان مجتمعاً في خليج يزحم بعضه بعضاً وبدد أبطال اليونأن في بلاتيه الجيش الفارسي الذي بقي في بلاد اليونان ولم ينج من ثلاثمائة ألف رجل سوى أربعين ألفاً ونزل في ذاك اليوم جيش يوناني في ميكال على شاطئ آسيا وهزم الفرس وهكذا غلب اليونأن الخاقان الأعظم صاحب فارس. صحف منسية كتاب الأشربة - لابن قتيبة عني بنشره المسيو أرتوركي أحد علماء المشرقيات وحدثني محمد بن داود عن نضير عن سنان عن جعفر قال: سمعت مالك بن دينار وسئل عن النبيذ فقال: انظر ثمن التمر من أين هو. أراد مالك أنه يجب على المستفتي عن النبيذ حلال أم حرام أن يتنزه عما لا اختلاف فيه من اكتساب الحرام الذي هو ثمن التمر ثم يسأل بعد ذلك عن النبيذ المختلف فيه. قالوا: فلو كان عند خمر ما توقف هذا التوقف. وقد يحتمل أن يكون أراد: إن كان ثمن التمر حلالاً كان النبيذ الذي اتخذ منه حلالاً وإن كان ثمن التمر حراماً كان النبيذ الذي اتخذ منه حراماً. فإن كان ذهب هذا المذهب فالخبز واللباس والإدام على هذا السبيل عنده تحل إن طابت المكسبة وتحرم إن خبثت. وعوتب شعيب بن يزيد في النبيذ فقال: أما أنا فلا أدعه حتى يكون شر عملي. يريد أنه قد يأتي ما هو شربه وأن الواجب على من أراد إصلاح نفسه والانتقال إلى طهارة التوبة أن يبدأ بالأخبث فالأخبث من عمله والأعظم فالأعظم من ذنوبه فينزع عنه فإما أن يدع التزوج بالأماء لما كره منه وهو يزني أو يترك الشرب في آنية الذهب لما نهي عنه من ذلك وهو يشرب الخمر في العساس فهذا من السخف وإفراط الجهل وقال أبو الغالية الرياحي اشرب النبيذ ولا تمزز والتمزز أن يشرب قليلاً قليلاً وهو مثل التمزز. وأراد أبو الغالية أن يشربه دفعة واحدة للري ولا ينأقل الأقداح ويتابعها ليسكر وقيل لمحمد بن واسع: أتشرب النبيذ؟ قال نعم. قيل: وكيف تشربه؟ قال على غداي وعشاي وعند ظمائي. قيل فما تركت منه؟ قال التكاءة ومحادثة الرجال. قال المأمون اشرب النبيذ ما استبشعته فإذا سهل فاتركه. فأراد أنه يسهل على شاربه إذا أخذ في الأسكار. وقيل لسعيد بن سالم: أتشرب النبيذ؟ قال لا. وقيل لم: قال تركت كثيره لله وقليله للناس. حدثني محمد بن عبيد عن إبرأهيمبن أبي بكر بن عياش قال: صام عمي الحسن بن عياش خمسين حولاً متتابعة فكان لا يفطر في السنة إلا خمسة أيام كان أبي يصنع أيام التشريق طعاماً بكثرة وتجودة ويدعو الفقهاء ومشائخنا فيتغذون مع أبي ويسقيهم أو قال من أراد منهم النبيذ الصلب؟ وكان سفيأن الثوري يشرب النبيذ الصلب الذي تحمر منه وجنتاه واحتجوا من جهة النظر بأن الأشياء كلها حلال إلا ما حرمه الله. قالوا فلا نزيل يقين الحلال بالاختلاف ولو كان المحللون فرقة من الناس فكيف وهم أكثر الفرق؟ وأهل الكوفة جميعاً على التخليل لايختلفون. حدثني اسحق بن راهويه قال سمعت وكيعاً يقول: النبيذ أحل من الماء ولم يكن أحد من الكوفيين يحرمه غير ابن ادريس وكان بذلك عندنا معيباً وقيل لابن ادريس: من خيار أهل الكوفة؟ فقال ذلك مبلغهم من العلم. وقال لنا اسحق: عيب وكيع بقوله: هو أحل من الماء لأنه إن كان حلالاً فهو بمنزلة الماء فكيف أحل منه عتب ونحن نقول إنهليس يلحق وكيعاً في هذا الموضوع عيب ولا يرجع عليه منه عتب لان كلمته خرجت مخرج كلام العرب في مبالغتهم في الوصف واستقصائهم بالمدح والذم يقولون هو أشهر من الصبح واسرع من البرق وابعد من النجم. وليس ذلك بكذب لأن السامع له يعرف مذهب القائل فيه وكلهم متواطئون عليه كذلك قوله هو احل من الماء يريد المبالغة في وصفه بالتحليل. وإنما عاب أهل الكوفة ابن ادريس بمخالفته أهل بلده وتغليظه ما ترخصوا فيه. وحدثني محمد بن عبد الله عن إبرأهيمابن أبي بكر بن عياش قال: قلت لابن مبارك: من اين جئت بهذا القول في كراهتك النبيذ ومخالفتك المشائج وأهل المصر؟ فقال: هو شئ اخترته لنفسي. قلت: فتعيب من شربه؟ قال لا. قلت وما اخترت لنفسك وقال عاصم بن أبي النجو: لقد أدركت قوماً يجعلون هذا الليل جملاً يشربون النبيذ ويلبسون المعصفر فهؤلاء أهل الكوفة وأكثر أهل البصرة على مثل مذهبهم. وكان عبد الله بن داوود يقول: ماهو عندي وماء البركة الا سواء. وقال القطمي: قال لي عبد الله بن داوود: لا بأس أن يشربه الرجل على أثر الطعام كما يشرب الماء. وقال: اكره ادارة القدح واكره نقيع الزبيب واكره المعتق واكره نبيذ السقاية. وقال: من ادار القدح لم تجز شهادته. قالوا: وكأن كثيراً من الحجازين بين يترخص فيه حتى غلط فيه مالك وحد في الرائحة والرائحة قد تلتبس وتشتبه بغيرها وكيف يخرق ظهور المسلمين على الظهور وظهر المسلم حمى لا يباح الا بيقين وقد يأكل الرجل الكمثرى والتفاح والسفرجل ويشرب المشبه النبيذ فيوجد منه رائحة النبيذ وكان الا قيشر اخد وقد شرق وأستنكه فوجدوا منه رائحة النبيذ ظاهرة فقال يقولون لي انكه قد شربت مدامة فقلت لهم لا بل أكلت سفرجلا وقالوا: وجدنا الناس ثلاثة اصناف أصحاب الرأي وهم جميعاً مجمعون على تحليله أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وكل من سلك سبيلهم وأصحاب الحديث وأكثرهم على التحليل. وأصحاب الكلام هم أيضاً على ذلك وكيف نزيل يقين التحليل بطائفة من الناس؟ قالوا: ومثل النبيذ مثل نهر طالوت. حدثني شبابة قال: حدثنا غسان بن أبي الصلاح الكوفي عن أبي سلمة يحيى بن دينار عن أبي المطهر الوراق قال: بينما زيد بن علي على بغلة له بصر برجل من أصحابه محجل الأزار على قميصه ردع من زعفرأن فقال له مهيم فقال له يا ابن رسول الله إني اعرست وقد أحببت أن تكرمني بدخول منزلي. فثنى رجله ونزل فأخذ صاحب المنزل بيده واقعده على الحجلة فما استكبر ذلك واتي بطعام. وبلغ الشيعة مكانه فازدحموا على مائدته فطعم وطعم القوم ثم إنه عطش واستسقى فأتى بعس فيه نبيذ فكر فيه ثم قطب ثم دعا بماء فكسره ثم شرب ونأولني وكنت عن يمينه فشربت ونأولت الذي عن يميني ودار العس على القوم جميعاً فقلت له: يا ابن رسول الله حدثنا بحديث سمعته من آبائك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: تنزل متى منازل بني إسرائيل حذو القذة بالقذة والنعل بالنعل حتى لو أن رجلاً من بني إسرائيل نكحت نساؤها في الأسواق لكان في أمتي من يفعل ذلك. إلا وأن الله ابتلى بني إسرائيل بنهر طالوت أحل منه الغرفة وحرم منه الري ألا وأن الله جعل فيكم النبيذ احل منه الري وحرم منه السكر. وقالوا: لم يحرم الله شيئاً إلا وقد جعل منه عوضاً في مثل معناه فلو كان النبيذ خمراً ما كان العوض من الخمر وإنما خلق الله الأقوات والثمرات قدراً لحاجة الناس إليها فلو كان النبيذ خمراً ما كان يصنع بالتمر والزبيب والدوشاب وأشباه ذلك مما لو ترك الناس اتخاذ الشراب منه لبار وفضل أكثره من مآكل الناس وحاجتهم وقالوا: والله لا يحرم شيئاً إلا لعلة الاستعباد ولو كان تحريم الخمر للسكر لم يطلقها الله تعالى للأنبياء والأمم فقد شربها نوح عليه السلام حين خرج من السفينة واغترس الحبلة حتى سكر منها وبدت فخده وشربها لوط عليه السلام ليلة رفع وشربها المسلمون في صدر الإسلام. وقالوا: اما قرلهم أن الخمر ما خمر والمسكر مخمر فهو خمر مثله فإن الأشياء قد نتشاكل في بعض المعاني فيسمى بعضها بعلة فيه وهي في آخر ولا يطلق ذلك الاسم على الآخر الا ترى أن اللبن يخمر يروبة تلقى فيه ويترك حتى يروب ولا يسمى اللبن خمراً وإن خمير العجين يسمى خميراً ولا يسمى هو ولا ما خمر به من العجين خمراً وإن نقيع التمر يسمى سكراً لا سكاره ولا يسمى غيره سكراً وإن كأن يسكر وهذا أكثر في كلام العرب من أن يحيط به. وقالوا: واما قولهم للرجل مخمور وبه خمار إذا أصابه الصداع والارعاش عقب الشراب فأن ذلك قد يقال لمن أصابه مثله في النبيذ فيقال: به خمار ولا يقال: به نباذ فإن الخمر اسم قديم وكأنت الجاهلية تعرفه وتلفظ به من الخمر والنبيذ محدث إسلامي لم تكن العرب في الجاهلية تعرفه وكان شربة النبيذ من السلف لا يبلغون السكر ولا يقاربونه فيصيبهم عليه ما كان يصيب شرتة الخمر من الخمار وإنما كانوا ينالون منه اليسير على الغداء والعشاء ثم خلف من بعدهم خلف يشربون الخمر ولم يتهيبوا من المسكر فقيل: بهم خمار على ما سبق من الاسم المتقدم ولو كان الله حين احل النبيذ احل من السكر الذي يكون منه الخمار وكان شربة النبيذ من الصحابة والتابعين سكروا فأصابهم ذلك للزمنا أن يقال به نباذ او لا يقال فيجيب ما ذهبوا إليه. وقد فرقت الشعراء بين النبيذ والخمر. قال الاقيشر وكان مغرماً بالشراب: وصهباء جرجانية لم يطف بها حنيف ولم تنع ربها ساعة قدر أتاني بها يحيى وقد نمت نومة وقد غادرت الشعرى وقد خفق النسر فقلت اصطحبها او لغيري فاهدها فما أنا بعد الشيب ويلك والخمر فاعلم كان الخمر هي التي لم تغل بها القدور. وقال ابو زيد في الوليد بن عقبة حين عزله عثمان عن الكوفة بشهادة أهلها عليه بشرب الخمر قولهم شربك الحرام وقد كا ن شراب سوى الحرام حلال يريد انهم زعموا انك تشرب الخمر وقد كان هناك شراب حلال من النبيذ ويروي (وقد كان حلالاً سوى الحرام فمالوا). يريد كان شراب النبيذ حلال فمالوا عنه وقذفوك بشرب الخمر. ولم نحتج بأبي زبيد وهو نصراني رأيناه حجة في تحليل أو تحريم وإنما أردنا أنه اعتذر له إلى عثمان وإلى الناس بهذا القول ولم يكن ليعتذر إلا بما ينكر الناس. قال جميل بن معمر: فظللنا بنعمة واتكانا وشربنا الحلال من قلله اتكانا - طعمنا. ومنه قول الله تعالى: {واعتدنا لهن متكا} وشربنا الحلال يعني النبيذ والقلل جمع قلة وهي جرار يكون فيها النبيذ. قال الشاعر: وقد كأن يسقى من قلال وحنتم ولما دخل على الوليد ليقتل قال لهم: ما تنكرون مني؟ الم افعل؟ وجعل يعدد إحسانه إليهم. قالوا: ننكر منك شرب الخمر ونكاح أمهات أولاد أبيك. فقال: قد جعل الله فيما احل سعة عما تذكرون. وقال: دعوا لي سلمى والنبيذ وقينة وكأساً ألا حسبي بذلك مالا خذوا ملككم لا ثبت الله ملككم ثباتاً يساوي ما حييت عقالا إذا ما صفا عيشي برملة عالج وعانقت سلمى لا اريد بدالا فما تراه حين اعتذر فرق بين الخمر والنبيذ وقال: قد جعل الله لي فيما احل من النبيذ سعة عن شرب الخمر وفيما احل من النساء سعة عن نكاح الأمهات. وكان أبو الهندي الشاعر مغرماً بالخمر فعاتبته ابنته على ذلك ووعظته فاعلمها أنه غير صابر وأنه إن تركه اعتل فقالت له: اشرب نبيذ التمر فشربه ثم عاد إلى الخمر وقال: أأشرب تمراً ينفخ البطن منتناً واتركها صهباء طيبة النشر وقالٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍ بعض الإشراف وكان ركبه الدين وخفت حاله أن يك يا جناح علي دين فعمران بن موسى يستدين تلم بنا الخصاصة ثم تعفي على اقتارنا حسب ودين فما يعدمك لا يعدمك منا نبيذ التمر واللحم السمين أما تراه وصف نفسه بالحسب والدين ثم قرن ذلك بشرب الخمر. وأراد عمران بن موسى بن طلحة بن عبيد الله وقال يحيى بن نوفل اليماني ويغتبقأن الشراب الذي يحل به الخلد للجالد شراب يوأفق فهر اليهود ويكره للمسلم العابد يريد إنهما يغتبقأن الخمر الذي يوجب شربه الحد ثم تنبه فقال يوأفق فهر اليهود ويكره للمسلم العابد فهذا يدل على أن غيره لا يكره له ولا يوجب الحد. وفهر اليهود هو موضع مدارسهم الذي يجتمعون فيه ومنه حديث أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه رأى قوماً يصلون قد سدلوا ثيابهم فقال: كانهم اليهود خرجوا من فهرهم. وهذا أبو النواس شاهد الناس على شيء فقال: يا ابنة القوم اصحبينا ما الذي تنتظرينا قد جرى في عودة الما ء فأجري الخمر فينا إنما نشرب منها فاعلمي ذاك يقينا كل ما كان حلالا لشراب الصالحينا قال: وأما قولهم الخمر رجس فقد صدقوا في اللفظ وغلطوا في المعنى أن كانوا أرادوا أنها نتن لأن الخمر ليست منتنة ولا قذرة إلا بالتحريم فإنه اوجب النفور منها. قال الأخطل وذكر الخمر كانما المسك نهباً بين أرحلنا مما تضوع من ناجودها الجاري وقال آخر: فتنفست في البيت إذ مزجت كتنفس الريحان في الأنف. مطبوعات ومخطوطات الدليل في موارد أعالي النيل ألف هذا الكتاب السير وليم جارستن مستشار نظارة الأشغال العمومية في مصر وعربه إبرأهيممصور بك رئيس الترجمة في هذه النظارة. وقد جمع فأوعى في وصف كل ماله علاقة بالنيلين الأبيض والأزرق من منطقة البحيرات في أواسط القارة الأفريقية حتى بلاد السودان. صرف المؤلف سنين في الرحلة إلى تلك البلاد ووصف أحوالها الطبيعية والجيولوجية وأمدته الكومة بالنفقات الطائلة التي لا تقوى عليها إلا الدول العظمى وساعده في مهمته بعض رجال الري والعلماء المخصين في هذا الفن فجاء ما كتب دليلاً على جودة البحث والاستقراء. والكتاب في ٦٣٦ صفحة كبيرة من أجود الطبع والورق وفيه ما عدا الملحقات وذكر ما يمكن القيام به في المستقبل من الأعمال في سبيل زيادة الانتفاع بمياه النيل رسوم شمسية في الأماكن والجبال والجدأول والأنهار التي يمر بها هذا النيل وهي ٤٦ رسماً متقناً. ومن تلاه بالأمعأن الذي يستحقه يدرك غاية الإفرنج في إشباع مصنفاتهم وصرف أقصى الهمة إلى تحسينها وإتقانها ويدرك مبلغ اهتمام المترجم بنقل هذا الكتاب الفني الذي يهم العربية نقل أمثاله من اللغات الإفرنجية. هذا السفر المفيد شاهد عدل على اتساع صدر العربية لترجمة عامة العلوم والفنون بلغة بليغة لا تشوبها شائبة العجمة وتنطبق على الأصل المنقول عنه ولا نغالي إذا قلنا أن لغة الدليل هي من أصبح الإنشاء بلاغة وتحريراً فإن كان ابن النيل لا يجد مندوحة من تنأول هذا الكتاب ليعرف سر ماء يرويه فإن ابن غير هذا الوادي يجب عليه أن يتنأوله ليتخذه أنموذجاً في التعريب الصحيح كما يستفيد منه الفوائد العلمية والفنية التي تكثر في كل صفحة من صفحاته. ولو نقل كل شهر إلى هذا اللسان كتاب استوفى شروط التأليف على الصورة التي ذكرناها في فرع من فروع العلم التي لا عهد بها للعربية لما اتت عليها بضع سنين ألا وهي تحاكي أرقى اللغات العلمية الأوروبية. ومن تصفح كتاب الدليل ممن عانى صناعة التعريب يتجلى له ما عاناه معربه في نقله وخصوصاً بعض المصطلحات التي عمد إلى بحر اللغة واغترف منه ألفاظاً عربية قابل بها المفردات الإفرنجي وهي تربو على مئة لفظة ومعظمها مما لم يدر على السن الكتاب والمعربين. تاريخ الأستاذ الأمام هو اسم تاريخ فقيد الشرق الشيخ محمد جمعه له مريده السيد محمد رشيد رضا صاحب المنار الاغر في ثلاث مجلدات كبيرة الأول في سيرته وهو لا يزال تحت الطبع والثاني في منشآته وهو يحتوي على بعض رسائله ومقالاته التي نشرت في الجرائد والمجلات ولوائحه في إصلاح التربية والتعليم الديني ورسائله إلى العلماء والأدباء وحكمه المنثورة وهو في ٥٦٠ صفحة من قطع الثمن وقد قدم له مؤلفة مقدمة بين فيها منزلة المرحوم المفتي من العلم والعمل ثم أخذ في نقل بعض ما خطته يراعته في خلال حياته على اختلاف اطوارها ومن تلاه يدرك قدر الفقيد العزيز. والجزء الثالث وهو في ٤٣٨ صفحة من قطع الثمن أيضاً يحتوي على تأبين الجرائد وبعض الكبراء والفضلاء ونموذج من التعازي ومراثي الشعراء وفيه شي كثير من ذكر العواطف يدل على مكانته من وضع التاريخ له في قلوب مريديه واحبابه على اختلاف الأمصار والأفكار وفي هذا الجزء مثال من شعر العصر ونثره في موضوع واحد وهو الرثاء وتقييد المناقب والأثار. وثمن الجزء الثاني خمسة عشر قرشاً صحيحاً في مصر وأجرة البريد ثلاثة قروش وفي الخارج ستة فرنكات وثمن الجزء الثالث عشرة قروش صحيحة وثلاثة اجرة البريد وأربعة فرنكات في سائر الاقطار ويبأعان بمكتبة المنار في شارع درب الجماميز وهما من جيد الطبع والورق. فنثني الثناء الاطيب على حسن وفاء رصيفنا جامع هذا التاريخ وعلى ما بذله من الهمة العالية في وضعه وجودة تنسيقه حتى جاء كتاب أدب وحكمة وكنا نود الاقتباس منه لنفع القراء لولا معرفتنا بانه سينشر انتشاراً عظيماً في عامة الاقطار والأمصار. لوائح الانوار البهية كتاب للشيخ محمد بن احمد السفاريني الأثري الحنبلي من أهل القرن الثاني عشر يتضمن شرح منظومته التي ضمنها أمهات مسائل عقائد السلف وهو في مجلدين الأول في ٣٨٨ صفحة والثاني في ٤٨٨ صفحة طبعها على نفقته طبعاً متقناً بعض الراغبين باتحاف الخلف بأثار السلف وذلك في مطبعة المنار وبملاحظة صاحبها الفاضل وقد وشحه بفهرست مرتب على الحروف يتيسر به الوقوف على محتويات الكتاب فنحت الأثريين على اقتنائه ونشكر لطابعة ومصححة عنايتهما. مؤلفات السيد البكري سماحة السيد محمد توفيق البكري نقيب الإشراف هو من بيت مذكور بالشرف في مصر وهو معروف باشتغاله بالعلم والأدب وقد طبع في هذه الأيام خمسة كتب مهمة في بابها احدها سماه صهاريج اللؤلؤ وهو سفر وقع في ٣٨٨ صفحة بقطع الثمن جيد الطبعة جمع فيه كثيراً من نثره ونظمه الرائق وسلك فيه مسلكاً جديداً في الوصف جمع إلى فخامة اللفظ براعة المعنى وشرحه الشيخ احمد الشنقيطي والشيخ محمد المصري شرحاً صافياً. الثاني كتاب التعليم والإرشاد جمعه بعض رجال الصوفية في عصرنا بأمره وهو في ٦٧٧ صفحة وفيه ما لا يسع الصوفية جهله من المسائل. والثالث كتاب بيت السادة الوفائية تأليف سماحته واسمه يدل على مسماه ذكر فيه تراجم ما اشتهر من هذا البيت ومناقبهم. والرابع كتاب بيت الصديق تأليفه أيضاً يظم منثورة من أسفار عديدة استقصى فيه تاريخ هذا البيت الظاهر مكانه في الإسلام وهو في ٤١١ صفحة من قطع الثمن. والخامس كتاب المستقبل للإسلام وهو من قلم المؤلف أيضاً ذكر فيه ما يتعلق بهذا الشأن فنثني على همة المؤلف ونرجو أن يوأصل اتحاف القراء بمثل ما اتحفهم به من هذه الأثار الرائعة. مجموعة هي مجموعة مشتملة على الرسالة التدمرية لشيخ الإسلام ابن تيمية وعلى كتاب الحيدة للأمام عبد العزيز الكناني وعلى عقيدة السلف لابن سهيل الصابوني وهذه الرسائل الثلاث مهمة في بابها ولاسيما رسالة الحيدة فإنها صورة مناظرة جرت في حضرة أمير المؤمنين المأمون في مسألة خلق القرآن بين عبد العزيز الكناني وبشر المريسي وكان المأمون هو الحكم قابان عن فضل جم وإنه كان يقصد بمسألة خلق القرآن التي شغلت بعض العلماء في آخر عهده تحقيق حقيقة علمية لا الانتصار لنفسه او لما وقع في ذهنه وهذه الرسالة أعظم مثال في الحرية العربية. طبعها الحاج مقبل الذكير وجعلها وفقاً لا يباع ولا يشرى يمعرفة فرج الله أفندي زكي الكردي الكتبي المعروف في القاهرة فجاءت في ٢٤٩ صفحة جيدة الشكل. الجامعة الإسلامية وأوروبا الجامعة الإسلامية وأوروبا هي رسالة تأليف رفيق بك العظم صاحب كتاب أشهر مشاهير الإسلام وغيره من المصنفات الاجتماعية بحث فيها بحثاً تاريخياً في الجامعة الإسلامية وذكر فيها للمتعصبين من ساسة الاوربيين تحاملهم على بلاد الإسلام بالبراهين التاريخية الدامغة ونصح فيها للشرقيين والغربيين نصيحة من خبر الأمور الحاضرة وقاسها بالغابرة وهي ٥٨ صفحة جيدة الطبع والوضع. الإنسان ابن التربية الإنسان ابن التربية كتاب أدبي أخلاقي انتقادي لجرجي أفندي نقولا باز المعروف بمقالاته الاجتماعية والأخلاقية وفيه مباحث مفيدة مثل محاسن العصر ومساوئ الحضارة وسوء التربية والوالدين والتربية البيتية والاجتماعية وغير ذلك مما ينفع أرباب البيوت ويؤثر في عقول الناشئة وهو في مئة صفحة أهداه لرصيفنا صاحب الهلال جرجي أفندي زيدان وصدره يرسمه وطبعته جمعية شمس البر في بيروت وخصصت ريعه لأعمالها الأدبية. عبد القادر الجيلاني هي نبذة في تر جمة هذا العالم نشرها بالعربية والإنكليزية الأستاذ مرجليوث مدرس العربية في كلية اكسفورد جمعت فأوعت في هذا الباب وقد نشرت ملحقة في المجلة الآسياوية الإنكليزية. التقيه في الإسلام رسالة من قلم الأستاذ غولد سهير مدرس اللغة العربية في كلية بودابست كتبها بالألمانية ونشرب ملحقاًُ للمجلة الألمانية المشرقية أهدانا إياها مؤلفها عقيب أن طلع على مقالة التقيه في الجزء الثالث من هذه السنة وسنعود إلى الاقتباس منها ما لم نحصل عليه من النقول. مقالات قصر الدوبارة كتاب في ١١٠ صفحات طبعه عبد الله أفندي حسين وصالح أفندي شكري حوى مقالات كتبتها جريدة المؤيد في اللورد كرومر وسياسته وخطابه الوداعي ورد المؤيد عليه وغير ذلك مما له صلة بهذا البحث وقد أحسن طابعاه في نشره على هذا الشكل الجميل فإن هذه المقالات من خير ما خطته يراعة كاتب سياسي في معنى الدفاع عن امته وبلاده وهو يطلب من طابعيه في دار المؤيد. لبنان في خمس سنين هو كتاب وقائع في ١٤٠ صفحة شرح فيه كاتبه ما حدث من الحوادث والأخبار في جبل لبنأن في عهده الأخير شرحاً ضافياً يستعان به في المستقبل على وضع تاريخ مفصل لهذا الجبل فجاء ما كتبه الكاتب أشبه بالأخبار اليومية لابن بدير في القرن الثاني عشر في دمشق والجبرتي في القرن الثالث عشر في مصر هذا مع سلاسة في التعبير وتلاعب بالألفاظ والمعاني يدل على بعد غور الكاتب وحسن بيانه. أطباق الذهب لشرف الدين عبد المؤمن بن هبة الله المغربي الأصفهاني مائتا مقالة ومقالة في الحكم والمواعظ على طريقة السجع البديع شرحها الشيخ محمد منير المقدم في الأزهر وضبطها بالشكل الكامل وطبعها طبعاً جيداً فجاءت في زهاء ١٥٠ صفحة صغيرة. رواية الخادعين هي إحدى روايات احمد مدحت أفندي الكاتب التركي عربها حقي بك العظم صاحب كتابي دفاع بلفنا وحرب اليونان وهي تمثل صورة من المدنية الإسلامية في القرن الأول نشرت ملحقة لجريدة الكلمة الحرة وتباع بأربعة قروش في مكتبة القاهرة. الدقائق في الحقائق (أفكاري عن النفس والروح ثم القدرة الإلهية والأديان تأليف يعقوب أفندي جبرائيل مراد) وهو في ١٢٦ صفحة جيدة الورق. نسمات الصباح هذه نبذة من شعر حلمي أفندي مصري صدرها بنبذة بالشعر والعرب وضمنها مقاطيع وتخاميس وقصائد عرب بعضها عن الإفرنسية ونظم بعضها في أغراض عصرية لطيفة فجاءت في ٦٤ صفحة صغيرة. اكاذيب السياسة كراسة في الرد على خطبة اللورد كرومر التي القاها في حفلة وداعه التي اقيمت بأمره في دار التمثيل الكبرى بالقاهرة مساء ٤ مايو سنة ١٩٠٧ تأليف (ابنة النيل) وهي فتاة مصرية لم تصرح باسمها وعدد صفحاتها ٧٨ صفحة صغيرة. سير العلم سكة حديد جديدة اخترع مهندس ايرلاندي اسمه لوي برنان بعد أن صرف سنين طويلة في النظر والبحث طريقة جديدة لتسيير مركبات السكك الحديدية إذا سلمت له من كل وجه فإنها تقلب أصول النقل المتبعة الأن في اقطار الأرض واختراعه عبارة عن تطبيق ناموس الجير وسكوب (وهي آلة اخترعها فوكول سنة ١٨٥٢ ليستدل بها على دورأن الأرض) على مركبات السكك الحديد بل على جميع المركبات كمركبات الاتوموييل وغيرها. فالسكة الجديدة تسير إذا على خط واحد فتوفر نفقات كثيرة وليس فيها ادنى خطر وتسير بالكهربائية لا بالبخار. التصوير بالألوان منذ أربعين سنة اخترعت طريقة التصوير بالألوان وما برحت تتعاور بالعناية لتبلغ كمالها وقد وفق رجل فرنساوي هذه الأيام اسمه لوميير فاخترع طريقة جديدة اقتصادية لرسم الألوأن الطبيعية كلها على أجمل وجه يتصوره العقل. الانتفاع بالفطر الميكولوجيا هي فرع من فروع علم النبات خاص بمعرفة أنواع الفطر. وتقسم ضروب الفطر إلى نوعين وهما النوع المرئ الجيد والنوع السام الضار. ولما كان الفطر يكثر في تارار من أقليم الرون في فرنسا رأت جمعية تعليم العامة أن تنشئ لها في تارار مكتباً لمعرفة الجيد من هذا النبات من رديئه وكل من جنى فطراً وأتى به ذاك المكتب بفحصه له ويعطيه ورقة باسمه فكان الفطر بذلك لاهالي ذاك الأقليم الجبلي منذ ثلاث سنين أعظم مورد لهم يقتاتون منه ويبيعون لاما فضل منه وتساوت في معرفة جيده من رديئه الطفلة والشيخ الكبير ولم يعد احد يتسمم ببعض أنواعه. سم الغضب ثبت للأستاذ غاتس من واشنطن أن للغضب الذي يثور في رؤوس الناس سماً كما أن للحزن سماً خاصاً به وللخوف كذلك. ذلك لأن التغييرات الباطنية مهما كانت فجائية او زائلة يكون منها رد فعل على المجموع العصبي فنفس السخص الغضبان أو السوداوي يختلف بلونه عن نفس السوداوي الكئيب ولكي يثبت ذلك جعل بعضهم يتنفسون في أنبوب برد بالجليد لينحل النفس المستنشق فيه فجاء منه سائل لا لون عند ما كان المتنفس في الانبوب ساكناً غير مضطرب. وسائل اسفع إذا كان المستنشق غضوباً وسائل اسود إذا كان حزيناً وسائل وردي إذا كان وجدانه يتألم. وقال أن نفس الغضب إذا سال على الطريقة التي ابتدعها يكون فيه كمية من القوة الحيوية ومواد كيماوية إذا ابتلعها المرء تورده حتفه وإن هذا السم هو أشد سم عرفه العلم حتى الآن. كتب الأرض قدروا عدد المطبوعات الأدبية في العالم بخمسين مليون مجلد. ولم يكن حتى الأن لغير خزائن الكتب العظمى قوائم مطبوعة بالكتب التي لديها فكان مما يهم المشتغلين بالأمور العلمية وباعة الكتب أن ينظروا في المجلات التي تعنى بذكر الأسفار القديمة والحديثة. وقد جرت العادة في ألمانيا أن يرسل كل طابع إلى مكتب العلوم الاجتماعية في برلين بنسخة مما يطبع وإن يرسل الطابعون مطبوعاتهم في إنكلترا إلى مكتب العلوم الطبيعية. وفي كلتا العاصمتين توضع فهارس كل سنة. وقد ارتأى احد علماء الأوطان أن تضاف فهارس مكتبة الأمة في باريز وهي ثالث مكتبة من مكاتب العالم بكثرة كتبها وتسقط منها المكررات وهكذا يعمل بالأحدى عشرة مكتبة من المكاتب الكبرى في العالم فيأتي من ذلك فهرس عام لجميع الأسفار في الأرض. السيارات صنعت الولايات المتحدة سنة ١٩٠٦ - ٥٨ ألف سيارة (اتوموبيل) وصنعت فرنسا ٥٥ ألفاً وصنعت إنكلترا ٢٧ ألفاً وصنعت ألمانيا وإيطاليا ٢٠ ألفاً. التوفير كان فيما مضي يمدح أهل الطبقة الوسطى في فرنسا لاقتصادهم ولكن ثبت أن الألمانيين من أهل طبقتهم أكثر منهم اقتصاداً فإن ما وضع في صناديق التوفير في فرنسا في سنة ١٩٠٤ قد بلغ أربعة ملايين ونصفاً من الفرنكات وسكان فرنسا ٣٩ مليوناً على حين بلغ ما وضعه الألمانيون وعددهم ٣٧ مليوناً تسعة ملايين ونصفاً وقد زاد المودع في صناديق التوفير في فرنسا من سنة ١٩٠٠ إلى سنة ١٩٠٤ مائتي مليون اما في بروسيا فقد بلغ مليارين من الفرنكات. غلاء الحاجيات غلت أسعار الحاجيات في العالم المتمدن مع أن ما يستخرج سنوياً من الذهب قد بلغ ضعفي ما كان عليه منذ عشر سنين. ويؤخذ من إحصاء التجارة العام أن تجارة العالم ارتفعت من ٥٤ مليار فرنك سنة ١٨٦٧ إلى ١٣٦ ملياراً سنة ١٩٠١ أي أن مجموع النقود المتعامل بها قد بلغت ثلاثة أضعاف ما كانت في ٣٤ سنة على أن محصولات العالم لم ترتق ثلاثة أضعاف ما كانت عليه ولا تنسب الزيادة لارتفاع أسعار البضائع بل لبخس أثمأن الذهب لكثرة المستخرج منه. عمال المخازن كتب احد كبار البيوت التجارية التي تبيع بالجملة في شيكاغو نصيحة لمستخدميه وهي: لا تحتقر أصلاً زبوناً ولو كان رث الثياب. ولا تقلم أظافرك على ملاء من الناس ولجعل في جيبك أبداً قلم رصاص ولا تعره لأحد ولا ترتكب غلطة واحدة سبق لك ارتكابها. طواف العالم آخر ما اهتدى إليه البشر من السرعة في الأسفار أن يقطع المرء الأرض في خمسين يوماً بإنفاق ١٤٦ جنيهاً فيسير السائح من باريز إلى موسكو ففلاديفوستك فكويه فيوكوهاما فسيتيل فنيويورك فشربورغ ففرنسا. اتقاء الغش من أحسن الطرق التي سارت عليها الولايات المتحدة في اتقاء الغش في الإعلانات أنه إذا نشرت جريدة إعلاناً ضاراً تنذرها دار البريد بأنها تحرمها من الأمتيازات التي خصتها بها إذا ظلت تنشر هذا الإعلان وترجع جميع الرسائل الواردة باسم المعلن إلى من صدرت عنهم وتكتب عليها (مزورة) وفي ألمانيا وروسيا يتداخل الأطباء في الأمور الضارة بالصحة التي تنشر الجرائد عنها الإعلانات. التربية في يابان كتب احد نبلاء يابان مقالة في إحدى المجلات الإنكليزية ذكر فيها ما توفر الميكادو عليه من العناية منذ خمس وعشرين سنة لإنهاض الآداب في بلاده. قال أنه شرع سنة ١٨٨٠ بمنع بعض الكتب المدرسية والدساتير وفي سنة ١٨٩٠ جعل بناء التعليم على أسس جديدة وأمر الأمبراطور أن تكون مبادئ التربية مأخوذة عن تربية البيوت وعواطف المربين وعطفهم على من يربون وأن يسعى كل أمرئ إلى توسيع مداركه العقلية بان يتأهل للدفاع عن المصلحة العامة. وصية عالم ترك ادوارد دي هارتمأن الفيلسوف العظيم كتاباً عظيماً سينشر بعده في ثماني مجلدات وهو خلاصة الفلسفة كلها وشرح مبادئها وقد خص كل مجلد بفرع من فروعها كعلم النفس والعلوم الطبيعية والمادية والمبادئ الأولية والأخلاقية وهذه هي وصيته. معونة على العلم كان احد محسني الفرنسيس المسيو كاهن وقف على كلية فرنسا ألوفاً من الفرنكات لتصرفها كل سنة في إعانة أهل العلم والأدب يسيحون في الأرض ليزدادوا علماً ويؤبوا إلى بلادهم لينفعوها بفضل علمهم وقد وفق الآن خمسة عشر الف فرنك تصرف لأمرأتين او فتاتين كل سنة لتطوفا بها إلى أوروبا والولايات المتحدة واشترط أن تكونا معلمتين في المدارس الثانوية وأن تكونا عارفتين بلغة أجنبية. عنصر الفقراء كان الرأي الشائع أن أولاد الفقراء أصبح أجسأما من أولاد الأغنياء وإن هؤلاء دون أولئك بذكاء عقولهم وصحة أحلامهم ولكن العالم نيسفور احد أساتذة كلية لوزأن في سويسرا بما احدثه من الفن الجديد وهو علم تعريف طبقات الفقراء قد أثبت أن الأولاد الأغنياء أرقى فطرة وسحنة عقلاً مما كانوا يوصفون به ففتح بذلك سبيلاً نافعاً في مستقبل الإنسانية وكان بعلمه الجديد القائم على البحث في أحوال الفقراء لا البحث في الفقر أشبه بعلم البحث في الجانين لا البحث في الجنايات قال من بحث له في المجلة الإفرنسية: ويعرف الاختلاف الظاهر في أشكال طبقات أهل السعة وأهل الفاقة من الناس وما بينهما من الفروق التي تكاد تجعلهما المتينيمتباينتين مع إنهما يعيشأن في ارض واحدة ويتكلمان بلغة واحدة بالبحث في أشكال الطبقات النازلة وتأثيرهما الطبيعية والفسيولوجية. قال توكفيل الكاتب السياسي الفرنسوي ( ١٨٠٥ - ١٨٥٩ ) تتألف أمم مختلفة كثيرة من طبقات المجتمع الواحد وقالوا أن كل امة تنقسم إلى المتينيوهو قول صحيح لأننا لو بحثنا في حياة الفقير وحياة الغني لرأينا أن مبدأ التناقض بينهما على اتمة بيد أن هذا الرأي يعد من غريب الآراء. قامات الفقراء من أرباب الأعسار أصغر من قامات الموسع عليهم من أهل اليسار. فطول بن الفقير في الرابعة عشرة من عمره متر وستة وأربعون سنتيمراً وطول ابن الغني في مثل هذه السن متر ونصف وطول قامات الرجال الفقراء متر وأربعة وستون سنتيمتراً في الغالب وطول الأغنياء في سنهم متر وثمانية وستون سنتيمتراً ووزن جسم الموسرين من الأولاد وهم في الثالثة عشرة ٣٥ كيلو وزنة جسم ابن الفقير في مثل تلك السن ٣٣ كيلو. ومحيط رأس ابن الفقير في الحادية عشرة أصغر من محيط رأس ابن الغني فهو في الأول ٥٢٤ في الثاني ٥٣٣ وابن الغني وهو في سن العشرين ٥٥١ . ٩ وابن الفقير ٥٤٧ . ٠ وهكذا ارتفاع الجبهة وقوة الجمجمة والدماغ والجمجمة الداخلية وزاوية الوجه كلها في قياسها في الفقراء أصغر مما هي في الأغنياء وسعة الحنك في الفقراء أكثر مماهي في الأغنياء. وإذا قيست قوة أبناء الفقراء بقوة أبناء الأغنياء بمقياس القوة (ديناموتر) نجد أن الغني في السابعة يحمل عشرة كيلو على حين لايقدر ابن الفقير أن يحمل أكثر من ثمانية. والفتاة من بنات اليسار تحمل ١٢ كيلو وهي في الثانية عشرة ومثلها من الفقيرات لا تقوى على حمل أكثر من ٧ كيلو. وأولاد الأغنياء أقل صبراً على التعب من أولاد الفقراء فقد دلت التجارب الكثيرة أن أبناء الأغنياء في الثانية عشرة من اعمارهم تنقص من ١٨ إلى ٧ كيلو. وكذلك الصدر فإنه في أولاد الموسرين أكثر سعة من أبناء المعسرين اللهم إلا فيمن يعملون أعمالاً صناعية من أبناء الفقراء يكبر بها محيط صدورهم. وحركة النمو في أولاد الفقراء أبطأ مما هي في أولاد الأغنياء. وبنات الفقراء لا يبلغن الا بعد سنة او سنتين من السن التي يبلغ فيها امثالهن من بنات الأغنياء. وأثبت كثير من الأطباء أن المولودين حديثاً من أولاد الفقراء أقل وزناً من امثالهم من أبناء الأغنياء والأم المستريحة تلد أولاداً أثقل وزناً من الأم المتعبة إلى آخر يوم من حملها وليس لها غذاء جيد. ومن المؤثرات في صحة المولود سن الأم وزمن بلوغها وتعاقب ولادتها وصحة حالتها وكل هذه الأمور تؤثر في طول الطفل ووزنه. ويخطئ من يقول أن الجمال وتناسب الأعضاء موجدان في أولاد الفقراء لأن الجمال والقوة والنشاط تابعة لسعة العيش أبداً ولاسيما لحالة الأم وإن وجد جمال في أبناء الفقيرات وبناتهن فإنه عرض زائل يذبل لأول نضارته وأقل تعب ينالهم. وتكثر الأسقام والموت في الفقراء أكثر من كثرتها بين الأغنياء وذلك لأن الفقير عرضة للأمراض أكثر بالنظر لتركيبه فلا يقوى على مقاومتها ولان معيشته شاقة. وخالف من يقول بان تشويه وجوه الفقراء وسحناتهم ناتج من تعاطيهم بعض الصنائع وأثبت بأن ذلك خلقي فيهم وأن للفقر والانحطاط الطبيعي وما يلحق بذلك من التبدلات والاضطرابات في التغذية يداً كبيرة في التأثير في الطفل قبل أن يحيا. وتكلم على الأخلاق النفسية من الإحساس على اختلاف أنواعه والعواطف الأدبية والتأثرات والذكاء فقال أنها في الفقراء أقل مما هي في الأغنياء واذ يتأخر ابن الفقير في نموه فهو لا يبلغ أشده بدون مساعدة شروط كثيرة من التعليم والمحيط المرتقي والرفاهية الطبيعية والاقتصادية وهو مما لا يحلم أن يراه من كانوا في أدنى سلم الاجتماع. ولئن نشأ من الطبقة النازلة أناس يكذبون هذه القضية كانوا من خيرة العقلاء والأذكياء ولكنهم قلائل جداً لأن الأسباب الصحية والاقتصادية تؤثر في بنية الإنسان وعواطفه وعقله ولاسيما في ذكائه ونبوغه وليس الذكاء والنبوغ مما يستفيد من المحيط بل هما خلقة في المرء. ومما لا ريب فيه أنه كلما كثر في عنصر الانحطاط العقلي والانحطاط المعاشي لا ينشأ وسطه إلا أناس ضعيفة عقولهم منحطون عن غيرهم من أهل السعة. بحث الباحثون في خصائص الشعوب والأجناس والقبائل ولم يبحثوا كثيراً في خصائص الطبقات الاجتماعية في امة واحدة. وما الخصائص التي تميز طبقتين من طبقات شعب واحد غنية وفقير إلا بأكثر تبايناً حتى بين أهل البلد مما هي بين امة في القاصية وامة في الدانية وثبت للباحث بالبراهين المدققة أن الاختلاف في الولادة والموت وسن الزواج والأمراض وغيرها بين البارزين الفقراء وبين أهل طبقتهم من سكان فينا أقل مما هو بين سكان مملكتي إيطاليا ونروج مثلاً وأن الاختلاف يكثر بين طبقتي الفقراء والأغنياء من أهل البلد الواحد ولا يكثر على تلك النسبة بين شعبين متباينين بلغتيهما وأصلهما بعيدين أحدهما عن الآخر مئات من المراحل. والتمدن يبدو في الطبقات النازلة مهما ارتقت بلادهم كما يبدو عند الطبقات النازلة في البلاد المنحطة أي أن فقراء بلاد التمدن ينتشر فيهم الجهل ويقل النسل ويكثر الموت والجرائم كما هو الحال بين فقراء البلاد الساقطة. ولا يفوتنا النظر أن التمدن لا ينتشر في الآفاق المنوعة من ارض واحدة على معدل واحد بل أنه يستنير كل الإنارة في أفق ويظلم في آخر أو يكون ذا نور ضئيل ورسم محيل. وهم قوم أن الطوتمية وعبادة الظلام والحيوانات والأحجار والأشجار والمياه والنيران والظواهر الجوية والسحر وغيرها من أنواع التعبد هي من خصائص الأمم المتوحشة القديمة والحقيقة أن هذه العبادات لا تزال حية نامية بين الطبقات النازلة عند أكثر الأمم عراقة في الحضارة على أنك تجد مثل هذه العادات والاوهام والأخلاق شائعة أيضاً عند أرقى الطبقات المتحضرة لهذا العهد وذلك لأن للاموات تأثيراً شديداً في نفوسنا وهي الحاكمة المتحكمة فينا ولكم يحاول المتمدن منا أن ينزع عنه ما كان الفه اسلافه من العادات والعبادات وماهو يبالغ ما أراد لا تحكم ذلك منه وغلبة العادة ولكن ذلك يقل في الطبقات العالية ويكثر في الطبقات النازلة. نقد المقتبس كان معظم النقد الذي ورد على هذه المجلة في عامها الأول مقصوراً على الألفاظ والوضع اما نقد هذه السنة فأكثره على المعاني والمقاصد. وقد كتب إلينا احد أهل العلم في القاهرة يقول (كنت آليت على نفسك أن لا تتعرض في المقتبس للمباحث المتعلقة بالدين أو السياسة لئلا يظهر منك ما يشتم منه رائحة التعصب للملة أو الدولة ثم رأيتك كانك نسيت عهدك حتى نبهك احد أدباء بغداد على ذلك. وقد رأيتك عدت إلى مثل ذلك فأكبرت الأمر في مثل مسألة بسيطة لا توجب شدة ولا حدة كمسألة التقية ورحت بنحي فيها على الشيعة وإن كان ما أوردته منقولاً عن غيرك حتى أحرجت بذلك صدورنا دع عنك صدورهم. وكذلك فعلت في مسألة السموأل فإنها مسألة طفيفة فما بالك أعظمت الأمر فيها ولعلك تقول أن المقصد بذلك تنقيح البحث في التاريخ وهو من مباحث العلم على أن الاعتراض جاء من غيري فنشرته. أقول نعم كان الخطب سهلاً لو لم يكن في المقالة شدة. وصاحب المجلة مسؤول عما يكتب في مجلته. والمأمول أن لا تعود إلى مثل ذلك او تبين عذرك المقبول في هذا الشأن والسلام عليك) هذا ما تناولناه بيد المنة لكاتبه وكنا نود أن نكتفي بنشره ونترك الحكم فيه للقراء كما فعلنا حتى الآن في جميع ما جاءنا من هذا القبيل لولا أن كثر مثل هذا النقد علينا وجاءنا شيء من نوعه من مصر والشام والعراق فأصبح السكوت عن الأجابة ضرباً من ضروب الأهمال. وبعد فالمجلة لا تزال جارية على الخطة التي رسمتها في أول جزء صدر من التمحص للعلم المحض والانطلاق في الفكر والتجوز في الاقتباس والنشر. وما يبدر منافي بعض الموضوعات مما قد يحمله بعضهم على نزعة دينية أو سياسية فإنما يكون في الغالب من مؤزاري المجلة الكرام أو مما نقتبسه من غيرنا أو يقع لنا بالعرض لا بالقصد ولا نبرئ النفس من الذهول في بعض الأحيان فالإنسان محل النسيان. ليس معنى نشرنا في السنة الماضية لمقالتين في حريق الأسكندرية أحدهما معربة عن التركية والأخرى عن الإنكليزية مما يستدل منه على أننا نريد الغض من الرفع لآخر فالمسألة تاريخية صرفة تعاورتها الأقلام ولا تزال تتعاورها من أهل كل نحلة وجنس. وكذلك درجنا بحث (شعراء النصرانية في الجاهلية) وهو من المباحث التي لامنا بعضهم على القبول بنشرها ولو علم اللائمون بأن الناقد والمنتقد عليه متحدان في النحلة والمشرب لخففوا من اللائمة. وهكذا قل في نشرنا مقالة التقية فإنا لم نقصد إلى الحط من فرقة معينة فيما كتبنا وعذرنا إلى من تألموا مما نقلناه في التقية عند الشيعة أن ليس لدينا كتاب من كتب محققيهم ننقل عنه ما يتم به البحث. ولو تفضل أولئك الناقدون فوافونا بما أثر عن أهل العلم من الشيعة لكانوا أحسنوا صنعاً. وقد كان وعدنا احد أفاضلهم أن يوافينا بما قاله علماؤهم ثم عاد فاعتذر بان شواغل شغلته عن ذلك أهم من هذه المسألة. ولايفوتنا النظر بان تعلق العلوم بعضها ببعض يقضي علينا في الأحايين أن ندخل في مبحث اجتماعي أو علمي شيئاً من مسائل الدين تيمماً للبحث كما وقع لنا في بحث البقية وما كان في وسعنا أن نصور للقارئ هذا الموضوع لو لم نعتمد إلى كتب التفسير والكلام ونقتبس منها ماله اتصال بالبحث. اما قول المنتقد المشار إليه بان صاحب المجلة مسؤول عما ينشر ولا يعذر فكلام لا يخلو على اطلاقه من نظر. ذلك لأنه لا يتيسر تقييد حرية المكاتبين إذا كانوا مخلصين فيما يكتبون ما لم يتجاوز قلمهم الحد في التنكيت والتبكيت فأن ذلك مما يلام فيه الكاتب والناشر على أننا كثيراً ما نعدل مثل هذه السقطات مالم نذهل او نجد الأمر فيه غير جلل على أنا قد اشرنا إلى العذر في مثل ذلك في نبذة نشرناها منذ شهرين تحت عنوان المترجمات وحكم المترجم فيها. فهل فيما أوردناه مقنع؟ اقترحنا منذ مدة على احد أصدقائنا أن يعرب لنا عن الإنكليزية شيئاً من مقالات القاضي أمير علي الهندي نظراً لشهرة المؤلف في بلاد الإنكليز فعرب لنا مقالة المرأة في الإسلام فنشرنا نصفها في الجزء الخامس من هذه السنة وقد وردت علينا من احد فضلاء سورية رسالة شديدة الوطأة ينقد فيها مقال القاضي الهندي وبنى نقده على أمرين أحدهما ضعف الأخبار التي نقلها وأنها لا تعرف في كتب الثقات من علماء الأثر والثاني تعليله بعلل لا تعقل فأن كثيراً من علماء الإسلام بل وغيرهم من المحامين عنه قد أوردوا في ذلك عللاً محكمة فيها مقنع للناظر. ولما كان نشرها برمتها يوجب الدخول في تفصيل قضايا يباين ما أنشئت له المجلة من الأبحاث رأينا أن نكتفي بالإشارة إلى تلك الرسالة شاكرين للمنتقد عنايته منبهين على أن المنتقد عليه حسن النية فيما كتب وكثيراً ما يكبو الجواد.</passage>
<license>Distributed under a Creative Commons Attribution-ShareAlike 4.0 International (CC BY-SA 4.0) license</license>
<source>https://github.com/tillgrallert/digital-muqtabas/blob/master/xml/oclc_4770057679-i_20.TEIP5.xml retrieved via Canonical Text Service http://cts.informatik.uni-leipzig.de/muqtabas/cts/ with CTS URN urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.20.TEIP5:</source>
</reply>
</GetPassage>
