<?xml version="1.0" encoding="UTF-8"?><GetPassage xmlns="http://relaxng.org/ns/structure/1.0" xmlns:a="http://relaxng.org/ns/compatibility/annotations/1.0" xmlns:tei="http://www.tei-c.org/ns/1.0">
<request>
<requestName>GetPassage</requestName>
<requestUrn>urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.2.TEIP5:</requestUrn>
</request>
<reply>
<urn>urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.2.TEIP5:</urn>
<passage>صدور المشارقة والمغاربة كارلايل ولد سنة ١٧٩٥ م وتوفي سنة ١٨٨١ هو أحد فلاسفة القرن الماضي في بلاد الإنكليز وأوحد رجال القلم وأرباب التاريخ منهم. كان أهله من صغار المزارعين فبعثوا به إلى كلية ادمبرغ المشهورة فامتاز فيها بالرياضيات وبذَّ فيها أترابه ولما أتم سني الدراسة عين معلماً في إحدى المدارس إلا أن صناعة التعليم لم ترقه فاقتصد شيئاً من الدراهم يستعين بها على درس الحقوق واللاهوت في الكلية المشار إليها. ثم تخلى عنهما وأخذ بأهداب الآداب والانكباب على خدمتها. وكان يقول إن الآداب هي البيعة الوحيدة التي تحشر في حجرها جماعة المؤمنين في القرون الحديثة. ويعني بذلك تشبيه الكاتب بواعظ يبشر بأفكاره ويبثها في كل مكان وزمان. أخذ كارلايل يؤازر من أول أمره في إنشاء إحدى الموسوعات وينشر المباحث النافعة في بعض المجلات ويدرس الألمانية وآدابها وقد نقل عنها شيئاً إلى الإنكليزية ثم اضطر إلى معاودة صناعة التعليم قياماً بأود عياله. وكان في خلال ذلك ترجم شعر شيلر الألماني فلم يحز قبول العلماء وأهل الأدب. تزوج كارلايل بفتاة ايكوسية عرفت بعقلها وجمالها بيد أنها كانت تشكو كل الشكوى من سكوته وأثرته. ولم يكن زواج العالم سعيداً لضيق ذات اليد وعموم الحاجة وأشياء داخلية هو الأصل فيها. ولقد كتب سنة ١٨٣٥ أن الأدب لم يأته بفلس منذ ثلاثة وعشرين شهراً ومع هذا كان من الثبات والانكماش آية الآيات، وغاية الغايات. وفي تلك السنة أتم الجزء الأول من كتابه الثورة الفرنسية وبعث بمسودته إلى ستوارت ميل الكاتب المشهور ينظر فيها فما هو إلا أن جاءه كتاب منه يقول فيه: إن خادمة له خرقاء ألقت بكتابه إلى النار فأصبح رماداً تذروه الرياح. فكاد كارلايل يجن بهذا النبأ حتى أنه ظل ثلاثة أيام لم يأكل ولم يشرب وطاش عقله حتى هام على وجهه في الفلاة وبقي ثلاثة أشهر لا يعي على شيء إلا ما كان من تصفحه بعض الروايات على سبيل الفكاهة. ثم عاود كتابة ما سلف له في هذا الموضوع معزياً نفسه بقوله: لعل الأقدار أرادت أن تعاملني في كتابي كما يعامل الأستاذ تلميذه إذا فرض عليه فرضاً ولم يجد فيه فيقول: عد إلى كتابته ثانية لأنه لا يصلح. ولما أتم موضوعه كان الطابعون يخطبون ما كتب من كل صوب وارب يريد كل منهم أن يستأثر بما كانوا لا يرتاحون إلى النظر فيه منذ سنين لقلة شهرة صاحبه. وكتب المترجم به مقالات في انتقاد المجتمع الإنكليزي تحزب في بعضها للألمان. وكان بعد عودته إلى لندن يخطب في الأدب والتاريخ ويقيم الحفلات لذلك. ونقد ما حصل من ارتقاء التمدن المزعوم وصنف عدة كتب منها تاريخ فردريك الثاني الألماني وفيه يدرس تلامذة المدارس الجندية الألمانية تاريخ فردريك. ويقول أميرسون الفيلسوف الأميركاني أن كتابه هذا هو أبدع ما كتب من الأسفار التي تشف عن عقل وفضل. أبدع كارلايل في كتابة التاريخ على طريقة حديثة على عكس سائر الكتاب فهو يضم شتاته على نسق مقدمات العلوم وطريقته أن يعول على من ساعدتهم العناية الربانية فكانوا خيرة قومهم وخاصة بني جلدتهم. ومن رأيه أن لكل عصر مزاياه وأهواؤه وحاجاته ومفاسده تتجسد في بطل من الأبطال. وأن للرجال الحق وحدهم أن يحكموا العالم ويصرفوه تحت أمرهم. فللقائد كرومفل ونابليون أن يكونا وحدهما مثال الرجولية الحقيقية. قال وإن كل مجتمع يرأسه ضعاف العقول ينتهي بالانحلال. وعلى هذا الفكر بنى طريقته في الفلسفة التاريخية — هذه زبدة ما ورد في دائرة المعارف الفرنسية الكبرى وغيرها في ترجمة هذا الرجل العظيم. الصحافة العربية مضت نحو ثمانية عقود من السنين منذ أنشئت أول صحيفة عربية أنشأها محمد علي الكبير في هذه العاصمة وسماها الوقائع المصرية وأنشأ رفاعة الطهطاوي أول مجلة علمية سماها روضة المدارس. دامت الوقائع إلى اليوم وانقطع نشر الثانية بعد أن صدرت أربع عشرة سنة. وما لبثت الصحافة أن ولدت ونمت في أرض سورية ثم انتقلت إلى مصر في أواخر القرن الماضي وأوائل هذا القرن ودبت فيها ودرجت. فكأن الله خص مصر بأن تزكو تحت سمائها الأعمال العلمية كما تزكو تربتها بالأعمال الزراعية. وما برحت الآمال معقودة بأن تبلغ الصحافة عما قليل أشدها ورشدها لتضاهي صحافة الأمم الراقية في موضوعاتها وتأثيراتها إذ أن العقلاء يذهبون إلى أن صحافتنا مازالت حالها على ما انتهت إليه غير متناسبة مع عمرها الطويل. والمعمر في الأعم من حالاته يشتد ساعده وزنده وتقوى ملكة عقله وعلمه بكثرة تجاربه وأسباب رويته. ولا خير في أمة لا يقوم بشؤونها شيوخ تفاخر بأعمالهم مفاخرتها بعقولهم وطول أعمارهم. لا جرم أن تخلف الصحافة عن بلوغ مراقي الفلاح الحقيقي لأول أمرها ناجم عن كونها نشأت وسط أمة لا تعترف بالعلم إلا لرؤساء الأديان وهؤلاء لا يعدون من العلم في شيء إلا ما بحث في الأخرويات أو الزهديات أو الجدليات. وبين ظهراني أدباء يزعمون أن الأدب عبارة عما ألفوه من مد إطناب الإطناب في إطراء الكبراء والأسخياء وأرباب المظاهر والاغتراف من بحر المديح بالطويل العريض. وبين كتاب لا يعتقدون الكتابة إلا فيما اصطلحوا عليه من كتابة الصكوك والعقود والمواثيق. وبين عظماء موقنين بأن رؤساء الدين والعلم والأدب اتباع لهم. هكذا كان العلم والأدب في دور الصحافة الأول. ولا يفوتك العلم بأن من تنبهوا لها كانوا يشاكلون قومهم بعض المشاكلة في أدبهم وأخلاقهم لأنهم أبناء ذاك الوسط الذي هم بعض أفراده وسلالة تلك الطينة الشرقية التي جبلت بيد الضعة وصهرت بقطران المسكنة. ويعلم الباحثون في عقول الفصائل البشرية أن الشرقي ذكي مفطور على حب التقليد خصوصاً إذا تهيأت له الأسباب فقد نجد المصري أو السوري يتعلم شيئاً من لغات الغربيين فلا يعتم أن يقلدهم في مناحيهم وأطوارهم أما من ذهب إلى بلادهم ودخل مدارسهم فإنه يكون مثلهم إلا القليل. غير أن تقليدنا الغربيين في صحافتهم قد أبطأ وكان من حقه أن يتقدم كل تقليد. ذلك أن المجلات الدورية على ما في أكثرها من المحاسن والفوائد لا يزال بعضها يعرف بالتقليد ويكتب بلسان التقية على أن العالم لا دين له ولا نزعة. أما الجرائد السياسية فتكاد تكون نمطاً واحداً في إنشائها وأخبارها. ناهيك بما في بعضها من التضارب في الآراء والمذاهب. ولو خلت من هذه الشائبة وكان لها مواد وافرة تستعيض بها عن تجسيم الأخبار وبناء قبة من حبة لكان فيها خير ذخر ينفع العقول ويقودها إلى مهيع السداد وجواد الأسعار. وليس العلم كالسياسة في مسائل المغالطة والسفسطة فإن جوزهما فريق في السياسة حباً بالمصلحة فإنهما لا يسوغان في العلم بحال من الأحوال. يعيب المغاربة على المشارقة تقلبهم في مآربهم وحركاتهم. وهذا التقلب محسوس في بعض جرائدنا فإنها كدوارة الهواء في الأفكار تنتسب اليوم إلى حزب وتستميت في الدفاع عنه حتى إذا لم تصادف من ورائه مغنماً أو تؤنس من أهله فتوراً تنقلب عليه وتنسى اليوم ما ذكرته أمس. وليس معنى هذا أني لا أقول بالأحزاب فإن الاختلاف بين الناس ضروري على شريطة أن يخلص صاحب المبدأ في أقواله وأفعاله ويعتقد صحته ويتفانى في نصرته دون أن يغمط حق خصمه ويغض منه. وحبذا لو طرحت مسائل التشيع للأحزاب جانباً واشتغل أرباب الجرائد السياسية في بث أدب وفضيلة وتأييد كلمة حق نافعة. وما التحزب للأحزاب لو أنصفنا إلا ضربٌ من ضروب الخراب وكل بيت ينشق على نفسه يخرب. وما أشبه بأهل البصيرة أن يخففوا من هذه النغمة فقد ضربوا على وترها أعواماً والحال ما استحالت، والأقوال ما نجعت، بلى ازدادت النفوس اشمئزازاً والصدور إيغاراً. ومن سوء طالع هذه البلاد أن معظم بنيها لا يرون الأمور بل لا يريدون أن يرونها إلا من جهة واحدة. ومن الغريب دعوى بعضهم في أن غير هذه البضاعة في العلم والسياسة لا تنفق في سوق الأمة لأنها ما فتئت في الجهالة غارقة والصحيح أن التاجر الماهر يصرف ضروب السلع في معرض بضاعته إذا أجاد مصنوعاته وأحسن بياعاته. ألا ترى إلى رواج أنواع من الصحف ما كان يحلم برواجها. تهيأ لها الرواج عندما صحت عزائم القائمين بها وأخلصوا القصد في نشرها ولا يضر العمل الصالح إذا تصدى بعض ضعاف العقول إلى التزهيد في خطته فما قط اجتمعت كلمة العامة والخاصة على استحسان شيء وكذلك لا يضر الصحف ويحول دون انتشارها وما يوعز به بعض أنصار التقليد في العلم إلى اليوم من الرغبة عن مطالعتها لأنها مفسدة منقصة فإن أمثال هؤلاء المثبطين عن كل جديد نافع هم الحلمة الطفيلية في العمران، وكل من حال دون أسباب العلم والعرفان، هو العضو المؤوف في جسم الإنسان. زار صديق لي من كتاب الصحف منذ سنين رجلاً ذا شهرة طائلة موسوماً بشعار العلم في إحدى المدن الكبرى وله من التلامذة والمريدين صنوف فعرفه إليه بعضهم وقال له: هذا فلان منشئ الجريدة الفلانية. فقال وما هي الجريدة. فأنشأوا يشرحونها له حتى فهمها ولكن بعد أن بحّ صوت الشارح في شرحه لمحدثه عن معنى الجريدة وهو يستغرب وجود شيء في العالم يعرف بهذا الاسم. فانقلب صاحبنا من لدن ذاك الرجل مغرباً في الضحك متعجباً من أناس في مثل هذا العصر جاهلين بأحوال العالم إلى هذا الحد بعيدين عن حوادث الأيام. وعندي أن أمثال هذا الرجل لا يفيد الصحف تنشيطه وتثبيطه. والمعارف اليوم كسيل جارف تودي بمن لا يجاري الدهر ويمشي مع الأيام والجامدون كثار في كل جيل وقبيل وليسوا هم المطالبين برواج بضاعة القلم أو المقصودين بالنفع من المكتوب. ولئن يهدي الله بهذا صعلوكاً صغيراً خير من إضاعة الوقت في ممارسة شيوخ الجمود وكهوله وشبانه. وكلما تأملت الصحف وآراء طبقات الناس فيها استنتج أن من توفروا على نشرها أول النهضة كان معظمهم من العامة الذين لا يحبون من الجرائد غير ما تأتي به من الربح المادي وبعبارة أخرى كانوا تجاراً لا أصحاب دعوة إلى إصلاح أو إرادة في بث علم وفضيلة، وسماسرة أقوال، لا صيارفة عقول، وجهابذة جربذة لا جهابذة أفعال. دع عنك سيد الصحفيين في الدور الأول أحمد فارس الشدياق صاحب الجوائب في الأستانة فإنه أحسن الاضطلاع بوظيفة الصحافي وتمت على يده حسنات كثيرة من خدمة اللغة والأدب والعلم والسياسة لأن غرضه لم يكن مادياً محضاً. وأن ما نراه اليوم من ارتقاء بعض الصحف السياسية فالفضل له فيه لأنه واضع أساسها الحقيقي وما نراه من انحطاط بعضها فمنشأوه أولئك العامة الذين أنشأوا الجرائد في الدور الأول وغرضهم الدنيا من أي الطرق أتت وما نشهده من ارتقاء بعض المجلات فمصدره رفاعة الطهطاوي في مجلته روضة المدارس وما منزلة رفاعة في العلم بخافية على دارس تاريخ النهضة العلمية في هذه الديار. ولقد قامت بعد ذاك العهد مئات من الصحف الإخبارية والعلمية ثم سقطت وانتشرت ثم انتثرت شأن كل نهضة في أولها خصوصاً في بلاد يغلب على أهلها القول حتى إذا حقت كلمة الفعل تضاءلت نفوسها أبنائها وأعوزهم الثبات والصبر. وما عهد في تاريخ الحياة الاجتماعية أن عملاً نجح فيه صاحبه دون التشبث بأهداب عامة أسباب النجاح وتهيئة المعدات الضرورية من علم وعمل ومال ورجال اللهم إلا في الشرق فإن معظم من ينجحون فبالاتفاق هذا وقد نفعت الصحف على قلة نصرائها في تنوير العقول وتحسين ملكة المنثور والمنظوم فانتقل زمرة من العامة بإدمان مطالعتها من طور العامية إلى طور العالمية. ولكم كانت الجرائد والمجلات باعثة على تعلق بعضهم بالمطالعة حتى صارت لهم عادة وجبلة وفتحت لهم طريق البحث والدرس. وسقياً ليوم تتأصل فيه الحرية الحقيقية في أخلاق الأمة فتذكر المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته. ورعياً لعهد نرى فيه لقادة الأفكار من تعليمهم الحر ما يلتزمون به القصد فلا إلى تفريط ينهجون ولا في الإفراط يسترسلون. وقد خطب حاكم الهند منذ مدة متخرجي المدرسة الجامعة بكلكتا فقال أن المبالغة من شأن جرائد تلك البلاد فهلا خطب فينا من يحسن وصف جرائدنا هذه. وبعد فهذا رأي مولع بالصحف على اختلاف ضروبها منذ صغره بل خاطر صحافي خدم الصحافة سنين كثيرة صرح به على جليته غير مدالس ولا مؤالس والله يعلم وأنتم لا تعلمون. تأثير الآداب للآداب معان كثيرة فمعناها اللغوي حسن الأخلاق وفعل المكارم وأطلقه المولدون في الإسلام على علوم العربية وأعني به هنا المنظوم والمنثور من الكلام ومنزلته من الفصاحة والبلاغة ليفعل في الأرواح فعل الراح. ولكل أمة أدب بحسب اصطلاحها ورسوم لغتها يطرب به عامتها فضلاً عن خاصتها وتثار به الأحقاد وتحرك الحفائظ وتدعى به إلى سبل السلام والوئام ويدلها على مواقع السداد والسؤدد ويذكرها بأيامها وأيام النازلين بقربها والقاصين عنها وهو على الجملة مسبر للوقوف على الحاضر والغابر ومهماز يدفع إلى العمل بعد القول ومثار كل فضيلة رافعة ومنار كل نجح عاجل أو آجل. لابد في كل نهضة دينية كانت أو مدنية أن تتقدمها الآداب ويتفانى أبناؤها في حبها شهد بذلك تاريخ الأمم جمعاء. ألا ترى أن أديب القبيلة في الجاهلية كان يتدفق من لسانه معين البلاغة فتفعل كلماته في قبيلته يعقد بها سلمها ويشهر حربها ويعدد مفاخرها ومآثرها ويدون تاريخها وأيامها وإن سوق الأدب عند العرب لما نفقت وكثر تغاليهم في نقلها وإنشادها وأصبحت بينهم للبلاغة دولة، ولجوامع الكلم تأثير وصولة، نزل القرآن فأدهش بإعجازه البلغاء، وأسكت ببيانه مصاقع الخطباء، وتأدب رجال الخطابة والكتابة بآدابه وتبيانه فزاد تأثير الشعراء والخطباء أكثر من ذي قبل حتى كان أهل الحكم يحاذرون فلتات ألسنهم فيوسعون لهم من برهم ما يقطعونها به. ولما أخذت الآداب موقعها من النفوس ونالت حظها من العناية ونضجت ثمرتها حتى كادت تذبل عرف العرب أن كيانهم لا يقوم بالآداب وحدها وسلطتهم لا تأمن البوائق ببنات الأفكار وإن دور الأقوال انقضى حكمه وجاءت النوبة للأفعال ونضبت مادة البيان ومست الحاجة إلى البرهان فأنشأوا إذ ذاك يتوفرون على الأخذ من كل علم يزيد في سعادتهم ويضمن لهم الراحة الدنيوية كما ضمن لهم الدين الراحة الأخروية وكان من أمر علوم الأمم وتناقلها بين ظهرانيهم ما كان من حسن الأثر وخدمة الحضارة والغضارة. وهكذا لو بحثت في تاريخ كل أمة لألفيت الآداب روادها، إلى مسالك إسعادها، وقوادها، إلى ذرى رقيها وإصعادها، كان هذا شأن الفرس واليونان والرومان في القرون الماضية بل وشأن الترك والعرب في القرون الحديثة فإنهم لم ينبغ لهم في التاريخ والسياسة وفنون الحرب والطبيعة والرياضة والفلسفة رجال أحرياء بالاعتبار بالنسبة لمحيطهم وأسبابهم حتى نبغ بينهم أهل آداب أمثال منال وضيا وناجي والأبياري والفاروقي والأسير والأحدب واليازجي وكرامة والجندي والهلالي ومراش والشدياق والبربير وأمثالهم ممن بيضوا الصحف بما سودوه في القرطاس من رائع آدابهم وفيض قرائحهم وخفة أرواحهم. وقر زعماء الأدب في الصدور بما نفثوه من صدرهم أكثر من العلماء والمفننين بما خدموا به العلم والمدنية من نتاج عقولهم المستنيرة وما ذاك والله أعلم إلا لأن الأدباء يكتبون للعامة والخاصة معاً أما العلماء فيكتبون للخاصة فقط. وشأنهم في هذا شأن أهل العلم والاختراع مع أرباب الأموال في الغرب لعهدنا فإن الأول يتعبون في الإبداع فلا يتمتعون بغير جزء طفيف من أعمالهم الشاقة الطويلة ويجيء أرباب المال فيجنون الثمرة غضة يانعة. قال بلونشلي الألماني في كتابه السياسة ما تعريبه: للآداب في أفكار الطبقة المنورة تأثير أعظم من تأثير العلم إذ أن لجمال الشكل والصورة وقعاً كبيراً في النفس أكثر من العلوم التي هي في الغالب قضايا غثة باردة وأن كتب شكسبير وولتير سكوت معروفة أكثر من كتب باكون ونيوتن وأن التمدن الفرنسي ينسب إلى راسين ومولير أو فولتير أكثر منه إلى بوفون ولابلاس ودوبين. وإن كيتي وشيلر قد نورا وحمسا طبقات أكبر من التي نورها كانت والإخوان هومبولد وليسنغ قد أثرا بروايتهما في ناتان أكثر من روايات لاوكون. قال لي أحد ساسة الألمان يوم زار الإمبراطور غليوم الثاني بلاد الشام أندري لم أحب مليكنا السلطان صلاح الدين يوسف حتى قصد دمشق لزبارة لزيارة ضريحه وفاخر بأنه بات في مدينة عاش فيها من كان أعظم أبطال العصور السالفة قلت لا علم لي بذلك قال لأنه قرأ في صباه رواية وأظنه قال لشاعرنا شيلر تضمنت سيرة صلاح الدين ووقائعه فأشرب قلبه حبه وراح ما لقنه في العاشرة يبرز أثراً من آثاره وهو في الأربعين. قلت وهذا ملك عظيم في الحديث أثر فيه شاعر أمته أحسن تأثير على أنه الأدب يلطف الشعور ويحسن العواطف ولقد كان جد هذا الإمبراطور فريدريك الكبير لما عزم على إنهاض أمته من كبوتها يوعز إلى الشعراء بواسطة بعض وزرائه أن ينظموا قصائد حماسة ترقق الإحساس وتكبر النفوس وتدعوها إلى المعالي فكانت هذه القصائد سبباً في إنهاض ألمانيا ووحدتها على ما قيل. وإليك مثالاً من تأثير الآداب في القديم قال معاوية بن أبي سفيان اجعلوا الشعر أكبر همكم وأكثر آدابكم فإن فيه مآثر أسلافكم ومواضع إرشادكم فلقد رأيتني يوم الهزيمة وقد عزمت على الفرار فما ردني إلا قول ابن الإطنابة الأنصاري: أبت لي عفتي وأبى بلائي وأخذي الحمد بالثمن الربيح وإجشامي على المكروه نفسي وضربي هامة البطل المشيح وقولي كلما جشأت وجاشت مكانك تحمدي أو تستريحي لا دفع عن مآثر صالحات واحمي بعد عن عرض صحيح البشر والشعوب علم خصوصيات الشعوب — يعمر الأرض ناس قلما يتشابهون، يختلفون بالطول وهيئة الأعضاء والرأس وسيماء الوجه ولون العيون والشعور ويتباينون باللغات والذكاء والإحساس. وبهذا التمايز ينقسم سكان المعمور إلى عدة أقوام تدعى أجناساً. فالجنس مجموع ناس يتماثلون ويباينون جنساً آخر وما يمتاز به جنس عن غيره من العلامات العامة ويسمى طبائع وأخلاقاً هو الذي يتألف منه مجموع خواصه. فيعرف الجنس الزنجي مثلاً بجلد أسود، وشعور مجعدة، وأسنان بيضاء، وأنف أفطس، وشفاه خنس، وفك ضخم. ويدعى درس أحوال الأجناس وما يتشعب عنها ايتنوغرافيا أي علم خصوصيات الشعوب. وهو علم لم يرتق بعد لحداثة وضعه وما برح مشوشاً منتشراً لكثرة مجموع خواص البشر وصعوبة التمييز بينها أحياناً. الأجناس — أخص الأجناس الجنس الأبيض وهو يسكن أوربا وشمالي إفريقية وغربي آسيا. والجنس الأصفر ينزل في آسيا الشرقية ومنه الصينيون والمغول والترك والمجر. ومن دخل أوربا منهم من الفاتحين فبشرته صفراء وعيونه خرز مقطبة ووجناته ناتئة ولحيته خفيفة. والجنس الأسود يقطن أواسط إفريقية وهم الممتازون بأديم أسود وأنف أفطس ووفرة كالصوف. والجنس الأحمر يستوطن أميركا ومنهم هنود القارة حمر الأديم سبط الشعور. الشعوب المتحضرة — يُعدُّ أهل الجنس الأبيض من المتحضرين إلا قليلاً أما سائر الأجناس فقد زلوا على حالة الهمجية والبربرية كما كان الناس قبل زمن التاريخ. قامت الشعوب المتمدنة على تخوم قارتي آسيا وإفريقية فقام المصريون في وادي النيل والكلدان في سهل الفرات. وكلهم أهل فلح وحرث ألفوا الإقامة وجنحوا للسلم. أديمهم مشبع، وشعرهم قصير أثيث، وشفاههم مبرطمة، ولا يعلم على التحقيق من أين منبعثهم. ولم تتفق آراء العلماء على تسميتهم فيدعونهم تارة كوشيين وأخرى شاميين. وقد انسالت من جبال آسيا بين القرن العشرين والخامس والعشرين ق. م عصابات من الرعاة أهل غارة وزعماء فتنة فانتشروا في أطراف أوربا كافة وفي غرب آسيا. ويقسمهم العلماء إلى قسمين آريين وساميين. الآريون والساميون — ليس بين هذين الجنسين من علامة خارجية جلية فكلاهما من الجنس الأبيض: اهليلجية سحناتهم، متناسبة أعضاؤهم، صافية جلودهم، أثيثة شعورهم، نُجل عيونهم، رقيقة شفاههم، منتصبة أرنبتهم، وهم في الأصل رعاةٌ من سكان الجبال يألفون الارتحال والقتال. ساميّهم من أرمينية، وآريّهم من وراء جبال حملايا وهم يمتازون بالعقل واللسان خاصة امتيازهم بالديانة قديماً. وقد وقع الاتفاق على تسمية الشعوب التي تتكلم لغة آرية بالآريين وهم الهنود والفرس في آسيا. والروم والطليان والأسبان والجرمان والسكنداويون والسلافيون (الروس والبولونيون والصرب) والسلت في أوربا. والساميون هم الشعوب التي تتكلم لغة سامية وهم العرب واليهود والسوريون ومما ينبغي أن يعلم أن بعض الشعوب تتكلم لغة آرية أو سامية وليست من الآريين والساميين في شيء كما أن الزنجي قد يتكلم الإنكليزية وليس فيه عرق من الإنكليز. وربما عددنا كثيراً من الأوربيين في مصاف الآريين وليست أصولهم في الواقع إلا من جنس غلب عليه الآريون فاقتبس لغاتهم على نحو ما اقتبس الفرس لغة العرب أيام غلبوهم على أمرهم. فهذان الاسمان الآري والسامي يطلقان اليوم على فريقين من الشعوب وليسا جنسين حقيقيين. ولا بأس أن يقال بناء على هذا المعنى أن الشعوب المرتقية كانت كلها سامية وآرية فنشأ من الساميين الفينيقيون رجال البحار واليهود رجال الدين والعرب رجال الحرب فسار فريق من الآريين إلى الهند وانصرف آخر إلى أوربا فنشأت منهم تلك الأمم التي كانت ولا تزال في مقدمة العالم. ولقد امتاز الهنود في القديم بآرائهم العالية الفلسفية أو الدينية واليونان بإيجاد الصنائع والعلم والفرس والرومان بتأسيسهم في الشرق والغرب مملكتين عظيمتين من أضخم الممالك التي نشأت في الأيام الخالية. ويبدأ تاريخ الحضارة بالمصريين والكلدانيين حتى إذا كان القرن الخامس والعشرون للميلاد يصير عبارة عن تاريخ الشعوب الآرية والسامية. التاريخ الأساطير — نقلت أساطير الأولين عن روايات متسلسلة طالما تحدث الناس بها قبل أن يدونوها لذلك تراها مشوبة بحكايات وخرافات. فتحدث اليونان أن أقدم أبطالهم أبادوا الغيلان وقاتلوا الجبابرة وكافحوا الآلهة وزعم الرومان أن روملس ربته ذئبة ورفع إلى السماء وقص جماع الشعوب عن طفوليتهم أساطير من هذا القبيل لا ثقة بها عند التمحيص مهما قدم عهدها. التاريخ — يبدأ التاريخ حقيقة لدن وجود أخبار صحيحة دونها أهل ثقة وعلو سماع. وليس هذا الدور واحداً في الكلام على الأمم كلها فتاريخ مصر يبدأ قبل ثلاثة آلاف سنة ق. م وتاريخ اليونان يكاد لا يتعدى الثمانمائة سنة ق. م وليس لألمانيا تاريخ يعرف إلا في القرن الأول للميلاد ويعرف تاريخ روسيا منذ القرن العاشر وليس لبعض القبائل المتوحشة إلى اليوم تاريخ في نشأتها. تقاسيم التاريخ الكبيرة — يبدأ تاريخ الحضارة بأقدم شعب متمدن وينتهي بأيامنا فمعنى القرون الماضية الدور العريق في القدم جداً ومعنى القرون الحديثة الدور الذي نحن فيه. التاريخ القديم — يبدأ التاريخ القديم بالأمم القديمة المعروفة من المصريين والكلدانيين أي من نحو ثلاثة آلاف سنة ق. م ويعم شعوب الشرق من هنود وفرس وفينيقيين ويهود ويونان ورومان وينتهي حوالي القرن الخامس ب. م بسقوط المملكة الرومانية. التاريخ الحديث — يبدأ التاريخ الحديث بأواخر القرن الخامس عشر زمان اختراع الطباعة واكتشاف أميركا وبلاد الهند ونهضة العلوم والصنائع ويلمُّ بذكر شعوب الغرب خاصة من أسبان وطليان وفرنسيين وألمان وروس وأمريكان. القرون الوسطى — هي عبارة عن عشرة قرون مضت بين القرون القديمة والحديثة فلا هي قديمة لما اعتور الحضارة القديمة من الاضمحلال ولا هي حديثة لأن التمدن الحديث لم يتكون بعد. وهذا ما يدعى بالجيل المتوسط. مصادر تاريخ الحضارة القديمة — ليس في الوجود اليوم آشوريون ولا يونان ولا رومان فقد بادت الشعوب القديمة كافة وما خلفوه من العاديات هي فهرست نستفتيه للبحث عن أديانهم وأخلاقهم وصنائعهم. والعاديات هي الكتب والرسوم والآثار واللغات. هذه عدتنا في دراسة الحضارة القديمة وهي تدعى مصادر لأنا نستقي منها معلوماتنا. والتاريخ القديم يتفرع من هذه الأصول. الكتب — وضع القدماء الكتب أيام عرفوا الكتابة فكان لبعضهم مثل الفرس واليهود والهنود كتب مقدسة وخلف الرومان واليونان تواريخ وقصائد وخطباً ومقالات فلسفية. وقلما نجد في الكتب المواد اللازمة لمباحثنا إذ ليس لدينا كتاب آشوري ولا فينيقي أما ما بقي من أسفار الشعوب الأخرى فتافه جداً. ولقد كان القدماء يكتبون ولكن أقل منا ولذلك كانت تآليفهم أندر ولم يكن لهم من كل مصنف إلا نسخ قليلة لما أن الحال كانت تقضي باستنساخها كلها باليد وقد دثر غالب هذه النسخ أو ضاع أو تعذرت قراءة ما بقي منه ويسمى علم حلها باليوغرافيا أي علم الخطوط والكتابات القديمة. المعاهد — أقامت الشعوب القديمة لأنفسها معاهد مثلنا من مثل معابد لأربابها وقصور لملوكها وقبور لموتاها وقلاع وجسور وقنوات وأقواس نصر. ولقد تهدم كثير من هذه المعاهد واستؤصل وتجزأ بيد العدو أو بيد سكان البلاد ومنها ما لم تقوَ الغير على تقويض دعائمه وما فتئت ماثلة للعيان متداعية مثل القصور العتيقة لانقطاع الأيدي عن تعدها. وقد بقيت بقية يعلم منها ما كانت عليه سالفاً. ومازال بعض هذه المعاهد فوق التراب كالأهرام في مصر ومعابد ثيبة وجزيرة فيلا وقصور البرسبوليس في فارس والبارتينون في اليونان والكوليزة في رومية والبيت المربع وجسر الحرس في فرنسا. وإن السائح لعهدنا لينظر إلى هذه الآثار نظره لأثر حديث. وقد ردم أغلب هذه المعاهد على التدريج بتراب أو رمل أو فتاة أرضية وأنقاض فينبغي تخليصها من هذا الساف الكثيف أو حفر أرضها وكثيراً ما تكون عميقة للغاية. ولم يعثر على القصور الآشورية إلا بخرق آكام وتلال. وقد حفرت حفرة عمقها اثنا عشر متراً للوصول إلى قبور ملوك ميسينا. وبعد فإن عفاء هذه الخرائب لم يكن بصنع الدهر وحده فللبشر اليد الطولى في ذلك. ولم يكن القدماء ليتعبون مثلنا في التقدير والقياس لإقامة البناء. وما عنوا بنزع الردم من أماكنه بل كانوا يركمون الأنقاض ويبنون عليها ولا ينزعونها حتى إذا أشرف البناء الجديد على السقوط تنضم أنقاضه إلى أطلال أخواتها القديمة وهكذا تتألف طبقات عديدة من الأنقاض. وقد جاز أحد السياح المدعو شيلمان بحفرة في مكان مدينة طروادة خمس طبقات من الأطلال إذ كان ثمة خمس مدن خربة كلها وأعتقها على عمق خمسة عشر متراً. وما برحوا يعثرون في رومية في الأحايين على ثلاث بنايات منضدة بعضها فوق بعض وقد تراكمت عليها الأطلال فعلا التراب في سفح التلال بضعة أمتار. بقيت مدينة برمتها لم تمسسها طوارق الحدثان وذلك بحادث طبيعي جرى عام ٧٩ للمسيح وهو أن بركان فيزوف في إيطاليا قذف سيلاً من الحمم مائعة أمطرت رماداً فانكشفت للحال مدينتان رومانيتان كانتا مدفونتين وهما هيركولانوم وبومبيه. وكانت الأولى تحت الحمم السائلة والثانية تحت الرماد. وقد أحرقت الحمم المتاع وغشاها الرماد وحفظها من الهواء فبقيت سالمة. وكلما أزيح الرماد تظهر مدينة بومبيه للأعين على نحو ما كانت عليه منذ ثمانية عشر قرناً. وإنك لترى في بلاطها بعد مجرات العجلات وآثار سير المركبات وصوراً خطت بالفحم في الحيطان ونقشاً وأثاثاً وماعوناً وخبزاً وجوزاً وزيتوناً في الدور والمساكن وهياكل عظام من دهمتهم الكارثة مبعثرة مبددة. وبهذا عرف القارئ أن الآثار والمعاهد تفيدنا كثيراً في الوقوف على حالة الشعوب القديمة. ويدعى علم الأزمنة القديمة أركيولوجيا. الرسوم — نعني بالرسوم كل ما يشمل الخطوط عدا الكتب فمعظم الرسوم زبرت على الحجر وحفر بعضها في صفائح من القلز ووجد منها في مدينة بومبيه ما زبر على الجدران بالأصباغ أو بالفحم. وأن بعض هذه الرسوم لتمثل تذكارات وقائع أو رجال كما هو جار الآن عند الإفرنج فيما يقيمونه من تماثيلهم وبناياتهم. وهكذا نرى الإمبراطور أغسطس دوَّن حياته على معهد انسير ومعظم هذه الرسوم عبارة عن كتابات زبرت على القبور ويماثل بعضها الإعلانات لعهدنا فتحتوي على قانون أو نظام تراد إذاعته بين القوم. ويدعى علم الرسوم ابيكرافيا. اللغات — تفيد اللغات التي نطقت بها الشعوب القديمة في بيان تاريخهم فإذا فهم الباحث كلمات من لغتين مختلفتين ينجلي له أحياناً أن أصل هذين اللسانين واحد ويسجل بأن الشعوب التي تتكلم بها خرجت من نبعة واحدة. ويدعى علم اللغات لينكستيك. النواقص — لا يذهبن ذاهب إلى أن الكتب والمعاهد والأطلال واللغات تكفي للإحاطة بتاريخ القرون السالفة فإن فيها تفاصيل جمة يمكن الاستغناء عنها وما ترغب نفوس الباحثين في استبطان حقيقته قد يعز عليها ويفر منها. وما برح العلماء يحفرون ويحلون ويظفرون كل يوم بأطلال ومعاهد لم تعرف من قبل وقد بقيت مع هذا نواقص وسيبقى كذلك أبد الدهر. الأمية في الغرب ليس لدينا ما يركن إليه من الإحصاءات في نسبة عدد الأميين في بلاد الغرب إلى المتعلمين من أبنائهم إذ أن إحصاء اليوم قد لا ينطبق عليه إحصاء غدٍ. والذي علم بالتحقيق أن الممالك الأوربية الصغرى كالدانمرك والبلجيك وهولندا واسوج ونروج وسويسرا هي أكثر أهل أوربا انغماساً في التعليم وأقل أهلها أميين حتى أن عدد هؤلاء بالنسبة إلى المتعلمين يكاد لا يذكر ويكفي أنه لا يوجد في سويسرا غير شخص واحد أمي في كل ألفينيمن السكان ذكورهم وإناثهم. ولئن كان التعليم إجبارياً في بعض الممالك الكبرى بأوربا وأميركا فلا يزال عدد الأميين يذكر فيها وفرنسا هي في مقدمة الدول العظمى بقلة أمييها وكثرة متعلميها ومنوريها. وجميع الدول شاعرة بوجوب التعليم تتفنن كل يوم في بثه على أساليب لم يكن يحلم بها اليونان والرومان ولا العرب ولا غيرهم من الأمم العظيمة التي كان لها شأن في بعض أزمان التاريخ. وقد ارتقت المدارك في الغرب حتى أصبح ما كان يدعو إليه خاصته في أوائل القرن الماضي قضية مسلمة عند الخاصة والعامة في أوائل هذا القرن وصار عليه الفتوى والعمل. كل ذلك بفضل أهل العلم منهم وعلى حسب سنة الترقي قال: بنتام ذهب بعض قادة الأمم إلى أن انتشار المعارف مضر وظنوا بأن قيمة الناس تعلو بمقدار نقصهم في المعارف وأنه كلما نقصت معارفهم غابت عنهم معرفة الأشياء التي تبعثهم على الضرر أو علمهم بوسائل فعله. وهو غلط فإن انتشار المعارف ما كان ولن يكون سبباً في ازدياد الجرائم ولا مسهلاً لارتكابها ولكنه نوع الطرق في اقترافها فاستعملت وسائل أقل ضرراً من التي كانت قبلها. لنفرض أن الأشرار يستفيدون من كل أمر وأنه بقدر معارفهم يسهل عليهم الضرر فهل نتيجة ذلك بقاء الناس جميعاً في ظلمات الجهل ولو كان خيار الناس وشرارهم منقسمين إلى نوعين ممتازين كالأمة البيضاء والأمة السوداء لقصرنا المعارف على الأولى وأبقينا الثانية في الجهل لكن تعذر ذلك وملازمة الخير للشر في الشخص الواحد تدعونا إلى القول بجعل الكل تحت نظام واحد فإما جهل مطبق للجميع وإما علم للجميع ولا وسط بينهما. على أن الدواء في الضرر نفسه لأن المعارف لا تساعد الأشرار على شرورهم إلا إذا اختصوا بها لكن إذا عمت سهل على غيرهم أن يعرفوا حبائلهم فيسقط تأثيرها. ألا ترى أن الأمم في أزمان الجهل ما كانت تعرف من السميات إلا ما تسقي به أسنة رماحها ولكن الأمم المتمدنة عرفت جميع أنواع السميات وعرفت أيضاً كيف تقابلها بما يدفع ضررها. كل إنسان يمكنه أن يفعل جريمة ما وذو المعارف وحده هو الذي يتمكن من وضع قانون لمنعها وكلما قصرت معارف المرء صار ميالاً إلى فصل منفعته عن منافع الغير وكلما ارتفعت مداركه وسمت معارفه علم الجامعة بين المنفعتين. وبعد فإن من نالوا غايتهم حقيقة بجعل أممهم في حضيض الجهل إنما نالوها بنشر الأوهام وإذاعة الأغلاط فيهم ولقد كان أولئك الرؤساء أنفسهم طعمة في هذه السياسة الحرجة إذ صارت الأمم التي استمرت في السقوط تحظر قوانينها عليها أن تصعد في مراقي التقدم فريسة الأمم التي ارتقت معارفها فارتفعت قيمتها عليها. لأن الأولى شبت في الجهل وشابت في الطفولية تحت قيادة قوم أطالوا زمان خمولها ظناً بأنه يسهل عليهم تملكها لذلك سهلت تلك الأمم فتح أبوابها للطالبين إذ لا فرق عندها بين حاكمها والجديد فهي خاضعة وأولئك يحكمون. هذا ما قاله المتشرع الإنكليزي وقال روبرتسون: كان الإفرنج في القرون الوسطى أميين لا يقرؤون ولا يكتبون فكان الأعيان لا يحسنون توقيع الكتب الصادرة عنهم فيكتفون برسم الصليب عليها بدلاً من التوقيع وقد شوهد كثير منها في الأزمنة الأخيرة بعضها صادر عن الملوك وبعضها عن الأعيان كما ذكر دوكنج بل وجد في القرن الرابع عشر أن أعظم أكابر عصرهم وقوادهم مثل دوغسقلين رئيس الجيوش الفرنسية أمياً. وكان معظم القديسين أرباب المناصب الدينية والدنيوية لا يحسنون كتابة أسمائهم على المقررات في المجالس وكان أعظم امتحان يجري على من يروم أن يتقلد وظيفة سؤاله عما إذا كان يحسن قراءة الإنجيل والمكاتبات ويفسر معناها كلمة كلمة. ولطالما كان الملك الفريد الأكبر يشكو من أنه لا يوجد في البلاد الواقعة بين نهري هومبير والتايمس أحد من القديسين يفهم الدعوات القديسية بلغتها الأصلية ويتمكن من ترجمة العبارات السهلة من اللاتينية. وسبب ذلك ندرة الكتب وعدم انتشارها وذلك أن الرومانيين كانوا يكتبون كتبهم على جلود مصقولة أو على رق قشر البردي ويقال له أيضاً ورق النيل لأنه كان يأتي إليهم من مصر ولما كان ورق البردي أرخص كان استعماله عندهم أكثر من الجلود. وبعد أن فتح المسلمون بلاد مصر انقطعت الصلات بين أهل مصر وأهل إيطاليا وغيرهم عن أمم أوربا فاضطر الناس أن يكتبوا جميع الكتب على الجلود فأصبحت نادرة. وقد مضت القرون على أوربا والكتابة والكتب نادرة عزيزة في كل أقطارها حتى أن لويز الحادي عشر لما استعار من جمعية الطب البشري بباريس مؤلفات الفخر الرازي أحد فلاسفة المسلمين اضطر أن يرهن مقداراً جسيماً من أعلاقه. وقصارى القول فقد أصبح الأوربيون بعد أن كان علماء الشرع والتاريخ منهم ينادون بما ينادون به على نحو ما تقدم آنفاً يعلمون اليوم ابن الزارع والتاجر والعامل والعالم والموظف ما لا غنية له عنه في هذه الحياة الدنيا من الكتابة والقراءة والحساب ومبادئ الجغرافية والتاريخ والشريعة البسيطة. وفي فرنسا مثلاً يتعلم الجميع إلا أنه ينقطع ناس تفردوا بالذكاء ومن كان أهلهم في سعة من العيش يستطيعون معها الإنفاق على أولادهم يدرسون الدروس العالية كالطب والصيدلة والمحاماة والهندسة والعلم والأدب وخدمة الحكومة بيد أن علماء الفرنسيين يشكون اليوم — وأي أمة لا تشكو من حالها حباً بالازدياد من الارتقاء — من المتعلمين على هذا النمط وأنهم فائضون عن الحاجة وينادي علماؤهم بأنهم لو ألغوا درس اليونانية واللاتينية القديمتين وكفوا بنيهم مؤونة ترجمة سوفقلس وفيرجيل وأنهم لو استعاضوا عنها بأن ذهبوا مثلاً إلى المستعمرات وزرعوا قصب السكر وباروا الألمان والإنكليز في الشؤون الاقتصادية لكان أنفع لهم وأجدى على مجتمعهم. يقولون أن شهادة العالمية (بكالوريا) التي سماها أحد ظرفاء الفرنسيين جلد حمار قد أخرتهم عن اللحاق بالأمم وقد غشي على بصائر بعض العقلاء منهم فصاروا لا يرون الفضل والعقل إلا فيمن درس هذه الدراسة إلا أن أهل النقد منهم يقولون أن من أسس معملاً توفرت فيه الأعمال وجرت على أتمها وكثرت فيه الاختراعات والتفنن وتاجراً أسس بيتاً تجارياً نجح فيه ليس في نظر المجتمع الإنساني دون ذاك العالم الذي يحمل شهادته في العلم والأدب بل هو فوقه. وما صح منذ نحو ثلاثين سنة للفرنسيين لا يصح لهم أن يتعاطوه اليوم والحياة الاجتماعية في تبدل مستمر والحضارة تصير من يوم إلى يوم حضارة صناعية علمية. وقد قال جول سيمون أحد فلاسفة الفرنسيين ينبغي أن نكون أبناء أحرياء بهذا العصر كما قال العرب خلقوا أولادكم بغير أخلاقكم فإنهم خلقوا لزمان غير زمانكم. الغناء المصري الغناء صوت النفس وهو في كل أمة صورة آدابها وأخلاقها وعاداتها فبينا ترى الوحشيَّ في مفازة تمشي الرياح بها حيرى مولهة وهو يتغنى بذكر الشمس والماء والشراب والعربيَّ تحت القبة الزرقاء يتغنى بذكر البدر والليل والخيل إذا أنت بالحضري وهو آمن في سربه مطمئن في عقر داره لا يخشى زئير الأسد ولا يتطلب الغيث وقد احتفت به الغواني والغيد، والجواري والعبيد، وهو يرتع في خمائل البساتين، يتجرع كؤوس الهناء، ويتغنى بذكر الجمال، والتيه والدلال، والرقيب والعذال، والعتاب والوصال، وترى الجنديَّ يتغنى بذكر الحروب، ويترنم بأغاني الوغى، ويطرب لوقع السيوف على السيوف، كما يطرب الحضري لوقع الصنوج على الصنوج، أو لدق الأنامل على الأوتار والدفوف. والغناء قديم وجد مع النفس لأن الإنسان ما لبث لما أخذه بصره جمال هذه الكائنات وجلال ذلك الخلق البديع أن تحركت عواطف نفسه فحركت عقيرته بأصوات الغناء. ولقد بلغ الغناء العربي شأواً بعيداً فلم يكد يستقر الملك لبني العباس حتى قربوا أهل الشعر وأرباب الغناء. فكانت مجالسه عندهم تفاخر مجالس الحكمة والشعر. وكان للغناء بلابل تغرد فتطرب، وتشدو فترقص. أقام الرشيد ببغداد قصراً على ضفاف دجلة فكان إذا أرقته الهموم يقصد ذلك القصر ويدعو إليه إبراهيم الموصلي ويضاء ذلك القصر البديع ويهب نسيم الليل حاملاً عطر الأزهار فيندفع المغني يحرك الأوتار فترقص الأسماك في أمواه دجلة طرباً وتشاركه البلابل في التغريد. ومن لنا بمجلس من مجالس الأنس بالأندلس وقد ضربت علينا قبة من البلور ينحدر الماء من جانبيها وحولنا الخرد العين وبيننا مائة القد تضم إلى صدرها ابن الطرب وهو يئن من لمس أصابعها تارة ويتأوه آهة المتيم المعمود طوراً وهي تنشد: ما لذَّ لي شرب راح على رياض الأقاح لولا هضيم الوشاح إذا أسى في الصباح أو في الأصيل أضحى يقول ما للشمول لطمت خدي وللشمال هبت فمال غصن اعتدال ضمه بردي مما أباد القلوبا يمشي لنا مستريباً يا لحظه رد ثوباً ويا لماه الشنيا برد غليل صب عليل لا يستميل فيه عن عهدي ولا يزال في كل حال يرجو الوصال وهو في الصد وإعجاب الناس في مصر بالغناء شديد وليس هذا الإعجاب لجمال في الشعر الذي يتغنى به ولكنه لبراعة المغني في التوقيع وحذقه في الضرب على الأوتار فإنه لا يلبث أحدهم أن يرفع صوته حتى تخال أنه يدق على صنج فؤادك أو ينقر على أوتار قلبك. وأهل مصر وغيرهم في الطرب بغنائهم سواء لأنه لا تزال فيه روح الغناء القديم الذي كان يتغنى به الكهنة في الهياكل والمعابد ولا يبعد أن تكون تلك الأنغام أقرب الأنغام إلى النفس وأدناها من الجنان. ولقد يسأم المصري غناء الإفرنج وهم يرفعون أصواتهم حتى تكاد تبلغ عنان السماء ثم يخفضونها حتى توشك أن تكون أخفى من دبيب النمل وهم بين هذا وذاك يلبسونها ثوب الرقة والخشونة فتكون وسطاً بين الصياح والنهيق. ولكنه لا يسأم الغناء المصري وهو يرفل في حلل تلك الأنغام البديعة التي تأخذ بمجامع القلوب وتستهوي الأفئدة قبل الأسماع. وليس المصريون أمة حرب فيتغنون بالشعر الحماسي الذي يستفز النفوس ويهيج العواطف ويحرك الشجاعة الكامنة في الأفئدة ولسنا أمة بحارة فنتغنى بذكر الصرصر العاتية والبرق الخاطف والرعد القاصف والرياح العواصف ولسنا أمة عاملة نتغنى بذكر البخار والكهرباء والنار والماء بل نحن أمة مكسال آمنة مخلدة إلى الراحة خيراتها كثيرة وأمواهها غزيرة، نساؤنا طرب، وحياتنا لهو ولعب فلم لا نتغنى منشدين يعيش ويعشق قلبي رق الدلال والتيه سلطان زمانه حبي يأمر وينهى فيه فتيان يؤلفون تناقلت الصحف الدورية في الغرب هذه الأيام رأياً للمسيو إميل فاغي من رجال العلم في فرنسا وأحد الأعضاء الأربعين في المجمع العلمي الباريسي قال فيه: أنه لا ينبغي للكاتب أن ينشر ما كتب لينفع به الناس قبل أن يبلغ الثلاثين من عمره وما هو قبل هذا السن إلا معلم نفسه وممرن قلمه. وقد أذكرني هذا الرأي بأن في أمتنا من نبغوا قبل بلوغهم تلك المدة المعينة وأفادوا واستفادوا من ثمرات عقولهم. ولا يحضرني الآن من أهل الغرب إلا اسم الشاعرين الإنكليزيين كيت وشيلي اللذين قضيا في نحو الثلاثين من عمرهما وقد راق شعرهما كثيراً من الناقدين. أما في الشرق العربي فقد توفي ابن المقفع صاحب كليلة ودمنة وغيره من الكتب الممتعة وهو في السادسة والثلاثين. وتوفي سيبويه وهو لم يتجاوز الأربعين وقد برز في النحو حتى كان من لا يحفظ كتابه لا يعد بشيء في علم الإعراب. وفي مثل هذا السن توفي بديع الزمان الهمذاني صاحب الرسائل والمقامات البديعة. ولم يستكمل ابن سينا ثماني عشرة سنة من عمره إلا وقد فرغ من تحصيل العلوم بأسرها التي عاناها من أصول الدين والأدب والطبيعي والرياضي والطب وعلم الأوائل ومات في الثالثة والخمسين وقد فاق الأوائل والأواخر. وابتدأ الشريف الرضي يقول الشعر بعد أن جاوز عشر سنين بقليل. وألف ابن سبعين كتاب بدء المعارف وهو ابن خمس عشر سنة. واقرأ ابن الأعلم النحو قبل أن يلتحي. وكتب سليمان ابن وهب للمأمون وهو ابن أربع عشرة سنة ثم لايتاخ ثم لاشناس ثم ولي الوزارة. وقال السلامي الشاعر الشعر وهو ابن عشر سنين وأول شيء قاله وهو في المكتب بدائع الحسن فيه مفترقه وأعين الناس فيه متفقه سهام ألحاظه مفوقة فكل من رام لحظه رشقه قد كتب الحسن فوق وجنته هذا مليح وحق من خلقه واستظهر الوزير أبو القاسم المغربي من أهل القرن الرابع القرآن العزيز والكتب المجردة في النحو واللغة ونحو خمسة عشر ألف بيت من مختار الشعر القديم ونظم الشعر وتصرف في النثر وبلغ من الحظ ما يقصر عنه نظراؤه من حساب المواليد والجبر والمقابلة إلى ما يستقل بدونه الكاتب وذلك كله قبل استكماله أربع عشرة سنة واختصر كتاب إصلاح المنطق فتناهى في اختصاره وأوفى على جميع فوائده حتى لم يفته شيء من ألفاظه وكان ذلك قبل أن يستكمل سبع عشرة سنة. ونظم الوزير إسماعيل بن حبيب النظم الفاتق والنثر الرائق قال في النفح: وأبو جعفر بن الأبار هو الذي صقل مرآته، وأقام قناته، وأطلعه شهاباً ثاقباً، يرسلك به إلى فنون الآداب طريقاً لا حباً، وله كتاب سماه بالبديع في فصل الربيع جمع فيه أشعار أهل الأندلس خاصة أعرب فيه عن أدب غزير، وحظ من الأدب موفور، وتوفي وهو ابن اثنين وعشرين سنة واستوزره داهية الفتنة ورحى المحنة قاضي اشبيلية عباد جد المعتمد ولم يزل يصغي إلى مقاله ويرضى بفعاله وهو ما جاوز العشرين إذ ذاك وأكثر نظمه ونثره في الأزاهر وذلك يدل على رقة نفسه. هذا ومن يستقر التاريخ يجد أمثلة كثيرة للنوابغ قبل السن الذي ضربه الكاتب الفرنسي على أن النفع إذا لم يحصل ممن بلغ الرشد فأحر به أن لا يحصل أصلاً وحصول النفع الحقيقي من ثمرات أعمال الكاتب قد لا يكون في الثلاثين ولا في الأربعين من عمره ولذلك قيل إذا بلغ الفتى عشرين عاماً ولم يفخر فليس له افتخار الجنون بالكتب الغالب أن عشاق الكتب كعشاق الجمال أو هم أضل سبيلاً، فتراهم هائمين خاملين لا يعون على شيء في الأرض ولا يحفلون بعظائم الأمور فضلاً عن صغارها، يحملون الكتب روحهم وراحهم وريحانهم، بل فروضهم ونوافلهم وأحاديثهم وأشغالهم. وكل شيء إذا جاوز الحد انقلب إلى الضد. وكذلك الحال بعاشق الأسفار فربما جوَّز لنفسه السرقة ولكن سرقة الكتب بل وربما أفتى بحل ذلك لمن يستفتيه. ولقد قرأت فصلاً لأحد كتاب الفرنجة فآثرت تلخيصه كما يلي: أقر أحد عشاق الكتب يوماً في إنكلترا عن نفسه واسمه ديبدن ( ١٧٧٦ — ١٨٤٧ ) أنه همّ يوماً أن يسرق وحمد لله على أن خلا بنفسه في خزانة كتب ستراسبورغ ولم تحدثه نفسه بسرقة كتاب منها. وكان خطر على بال رجلين في إنكلترا أن يطبعا لأنفسهما خاصة كتاباً يكون آية في طبعه ووضعه وصوره وورقه وتجليده ولم يطبعا منه غير نسختين. فما كان إلا كلا ولا حتى حدثت أحدهما نفسه بأن يذهب لي دار صاحبه ويستأثر دونه بالنسخة فيسرق بعض صورها حتى تكون نسخته هي التي يرجع إليها فراح في غياب صاحبه إلى زوجه وطلب إليها أن تريه النسخة لغرض بدا له فدفعتها إليه وجعل يقلبها مهتماً بأمرها ثم استغفلها فمزق بعض صور الكتاب وجعلها في جيبه وانصرف فلما عاد صاحبه ارتاب في مجيء صاحبه وقلب أوراق الكتاب فرأى ما فعله فرفع عليه قضية حكمت له فيها جمعية الكتب بألفي جنيه تعويضاً. وقد راودت أحد هؤلاء الغلاة يوماً نفسه أن يحرق مكتبته بعد أن زار مكتبة الدوك دومال ابن لويز فيليب أحد ملوك فرنسا المتوفى سنة ١٨٩٧ إذ مزق الحسد والطمع والغيرة أحشاء ذاك الرجل. بيد أن العريق في محبة الكتب الحقيقي هو محب الآداب أيضاً وعضد المعارف فيغتبط إذا ظفر غيره بكتب لم يسعده الحظ بمثلها ويأمل أن يكون من ورائها مغنم كبير للمطالعين والدارسين. ومن غرائب هؤلاء العشاق غليوم بودي ( ١٤٦٧ — ١٥٤٠ ) قال إنه اغتنم الفرصة يوم عرسه فمر بكتبه قبل أن يبني بعرسه ومع هذا رزق بنين وبنات وهو الذي يروى عنه أن خادمه جاءه يوماً وهو يلهث فقال أن لسان اللهيب أخذ يندلع على البيت وكان أمام كتبه بالطبع فأجابه قل لزوجي وهلا تعرف أنني لا أتداخل في أمور المنزل. وأغرب من هذا ما أجراه أدرين تورنيب من مشاهير اليونان وأحد فلاسفة القرن السادس عشر ( ١٥١٢ — ١٥٦٥ ) فإنه نسي يوم عرسه الذي يقضى عليه بأن يجتمع في يومه بالناس. وكذلك كان أمر فردريك مورل لجون من علماء فرنسا المشتغلين وكان يبحث في أخبار ليبانيوس السفسطائي اليوناني فجاءه رسول يقول له أن زوجته تريد أن تكلمه بضع كلمات وكان يحبها حباً جماً فقال له دعني الآن انظر هاتين الكلمتين لكن المهلة التي طلبها طالت واسبطرت فبعثت إليه برسول آخر قال له إن زوجتك كادت تفارق الحياة فحوقل وامتدح منها وردد بعض مآثرها وسيرتها الصالحة وعاد يغوص في بحر كتبه. ومات القس كوجي ( ١٦٩٧ — ١٧٦٧ ) حزناً لأنه أكره على بيع كتبه. ويروى مثل ذلك عن سكاليجر العالم الطلياني المتوفى سنة ١٥٥٨ وباترو الفقيه الفرنسي المتوفى سنة ١٦٨١ فقد قال الأول إن رمت أن تصاب بأعظم خطوب الأرض فبع كتبك تلق الشقاء ومن رام أن يجمع على رأسه ضروب البلايا صفقة واحدة فما عليه إلا أن يبيعه كتبه. ورأى يعقوب غوبيل ( ١٥٦٤ ) من مشاهير فرنسا مكتبته نهب أيدي الضياع والسلب في فتنة عصابات الكاثوليك فمات يائساً بائساً. وحزن العالم الكتبي كولنه دورافل الفرنسي حزناً ولا حزن يعقوب على يوسف لما رأى كتب الأبرشية تطفو على نهر السين وكان يقدر قيمتها حق قدرها لأنه رتبها وبوبها. واضطرت الحاجة اللغويَّ برونك من ستراسبورغ ( ١٧٢٩ — ١٨٠٣ ) أن يبيع جانباً من مكتبته واشتد حزنه عليها حتى كان إذا ذكر أمامه مؤلف اقتناه وباعه في جملة ما أباعه تنحدر عبراته على خديه طوعاً كرهاً. واضطر الأمير كاميراتا في القرن التاسع عشر أن يبيع أسفاره في المزاد العلني ولم تكد توزع على مبتاعيها حتى انتحر بيده وقال بيدي لا بيد عمرو. ويقرب من ذلك ما فعله الكونت لابيدويير فإنه توهم أن كتبه أتعبته فباعها فما هو إلا يوم وليلة حتى عاد يشتريها ثانية بكل مرتخص وغال فأشبه في حاله ولداً مبذراً غادر بيت أبيه. وحدث أن أحد الأميركيين المستر بريان وهب إحدى المكاتب مجاميع نفيسة من روايات نادرة فلم تمض أيام حتى عاد إلى قيم المكتبة يطلب إليه أن يرى كتبه فأخذ يحدق بها ويصوب في جلودها ويصعد فظن القيم أن صاحبه ينوي أن يسترجع ما وهب ولكن راح المسكين فانتحر بعد يومين وعزَّ عليه أن يفعل فعلته قبل أن يودع محبوباته قديماً ويرعى لهن ذمامهن. ومات المركيز شالابر في القرن التاسع عشر قانطاً مخفقاً لكونه لم يتمكن من ابتياع نسخة من التوراة ثمينة. قيل إنه كان في محفظة جعلت في جلدها أوراق مالية بأربعين ألف فرنك فعثر عليها الكتبي لما اشتراها من صاحبتها فأعادها إليها. وقضى بيترارك ( ١٣٠٤ — ١٣٧٤ ) في مجلسه ولما استبطأه أصحابه أطلوا عليه فوجدوه ميتاً والكتاب في حجره. وكذلك مات الصحافي ارمندبرتين ( ١٨٠١ — ١٨٥٤ ) مدير جريدة الديبا وكان له مجاميع من أجمل القنيات والكنوز ذكروا أنه مات بين كتبه عقيب وفاة حليلته فوجدوه ماسكاً بكتاب كانت هي تحبه في حياتها فجاء الموت وهو على هذه الحال. ومات المؤلف يعقوب برونه ( ١٧٨٠ — ١٨٦٧ ) وهو على كرسيه وبين كتبه بعد أن عمر طويلاً ولا شغل له غير الدرس والتبحر. وقضى الجماعة موبللي منذ نحو نصف قرن وكانت مكتبته تساوي مائة ألف فرنك ولم يوجد عنده من الدراهم ما يكفي نفقات دفنه. ومن عشاق الكتب من سقطوا عن سلالم مكاتبهم فقضوا نحبهم ومنهم اييرت ( ١٧٩١ — ١٨٣٤ ) من غلاة الكتب في درسد والمركيز مورانت ( ١٨٠٨ — ١٨٦٨ ) الإسباني وروفر وغيرهم. والمؤرخ الكاتب تيودور مومسان الألماني ( ١٨١٧ — ١٩٠٣ ) ذهب إلى خزانة كتبه ذات يوم والشمعة بيده فسرى لهيبها إلى لحيته البيضاء وقضى بعد شهر متأثراً. وأعجوبة المولعين بالأسفار انطون ماكليابيشي ( ١٦٣٣ — ١٧١٤ ) من مدينة فلورنسا فقد خدم لأول أمره في دكان فاكهانية وأخذ ينظر في الأوراق التي تصر بها الفاكهة فوقع في نفسه أن يتعلم القراءة فاتصل بكتبي ولم يعدم من يدرسه ويعلمه وكان ذا ذاكرة قوية ما حفظ شيئاً ونسيه وحفظ من أسماء الكتب ومظانها حتى أصبح عبارة عن مكتبة سيارة ثم اتصل بالغراندوق كوسم الثالث وجعله قيماً على كتبه ولم تكن هذه الكتب لتشفي مطامعه بل أخذ يطالع فهارس المكاتب الأوربية مطبوعها ومخطوطها ويسأل كبار العلماء السياح عن نوادرها حتى صار يعرف كل دقيق وجليل من أحوال الكتب وكانت له طريقة غريبة في المطالعة فإذا أخذ كتاباً لم يكن طالعه من قبل ينظر في اسمه وفهرسته ومقدمته وتقدمته ويتصفح أوائل فصوله وبعد دقائق يقول لك رأيه في موضوع الكتاب والمصادر التي أخذ منها مؤلفه ولا ينسى ذلك على الدهر. ولم تكن له عناية بهندامه ونظام معيشته بل كان في ليله ونهاره مستغرقاً في أسفاره لا يخرج إلا إلى مكتبته. وكان أعلى بيته وأسفله ومدخله وحجره ونوافذه كلها ملأى بالكتب. وهو غريب في خموله حتى كان يأكل في الغالب بيضاً وخبزاً وماء — والخبز والماء أكل العلماء كما قيل — ولطالما سرق له خدامه وخدام جيرانه دراهم من خزانة بقربه كان يضع فيها البيض والدراهم معاً وقد أراده البابا والملك أن يتمثل بين أيديهما فتجاهل ما أمرا به وعاش على كسله إحدى وثمانين سنة وأوصى بمكتبته لبلده وكانت تبلغ ثلاثين ألف مجلد وجعل لها مورداً تعيش به ومازالت معروفة به إلى الآن. الميت الحي تكاد عيوني تقرأ الغيب في الدجى وتسمع أذني فيه ما تضمر النمل وما أنا من قوم تهون نفوسهم عليهم إذا خانتهم الصحب والأهل فلي من مضائي رفقة وعشيرة فلا سيد ينأى ولا صاحب يسلو فيا حظ لا تسعد ويا خل لا تزر ويا دهر لا تعدل ويا عيش لا تحل فما هاجني سخط ولا كفني رضا ولا ساءني ظلم زلا سرني عدل وما قتلتني الحادثات وإنما حياة الفتى في غير موطنه قتل وما أبقت الدنيا لنا من جسومنا على بأسنا ما يستقيم به الظل ولولا اختلاف الناس ما قال قائل عجبت لفرع لا يشاكله أصل فهل أرشدت تلك النمال إلى الحجى وهل أرضعت بالشهد في كورها النمل يحار الفتى في عيشه ومماته فأولها جهل وآخرها جهل وقلت وقد سألني (حافظ إبراهيم) لِمَ لم تتزوج يا خليلاً وأنت خير خليل لا تلم راهباً بغير دليل أنا ليل وكل حسناء شمس فاجتماعي بها من المستحيل سيئات القرن الماضي التسمم بالتبغ هو أيضاً من الجراحات الاجتماعية التي صيرها هذا العصر نغارة. فالتبغ هو ذاك المسلي الذي يستعمله الجندي والملاح والزارع والصانع والعامل والعالم. يدفع ببعضهم إلى العمل ويسكن في بعضهم شيئاً من انفعالات النفس. ومن العجيب أن الأوربي الذي ذهب إلى أميركا يبث نور المدينة في عقول برابرتها قد أسفَّ إلى الأخذ عنهم فاقتبس منهم عادة التدخين مع علمه أنهم دونه في الذكاء والعلم. فقد نقل الإسبانيون سنة ١٥٦٠ عادة التبغ من المكسيك إلى لشبونة ومنها انتقلت إلى الديار الأوربية فأولعت النفوس بها. حتى إنه ليصرف على التدخين وما يلحقه من الثقاب (الكبريت) والعلب والغلايين والورق والأنابيب مبالغ جسيمة لو صرفت في تطهير المدن الكبرى وترقية المعارف العمومية وإنشاء دور لعجزة العملة لأتت المجتمع الإنساني بفوائد لا تقدر ولئن كان الضرر المشاهد من التدخين أقل من ضرر المسكر فإن مما لا يختلف فيه اثنان أن إدمان التدخين يحدث اضطرابات في القلب وضعفاً في البصر قلما تشفى إلا بالإقلاع عن هذه العادة السيئة. والأمراض الزهرية إحدى رذائل هذا القرن فإنها هاجمت طبقات المجتمع كله من الفتى اليافع إلى الشيخ الهرم ومن مرضع سليمة إلى طفل ورث عدواه من أبيه وأمه فهواشد فتكاً في إفساد الجنس البشري من عامة الأوبئة التي انتابت المجتمع في أدوار الحقب. ومادام الجهاد في الحياة يتزايد كل آن وطرق العيش تتصعب فإن أسباب الزواج الشرعي تقل ويقل الراغبون فيه بل ومادامت الخدمة العسكرية لا مناص منها في سن مخصوصة من أيام الشباب فإن من العبث منع أسباب الفجور ليضرب دون هذا المرض الوبيل بأسداد منيعة. وزاد انتشار السل الرئوي في الخمسين سنة الأخيرة فأصيبت به طبقات الناس على اختلافهم في البلاد المتمدنة وقد شوهد أنه يفعل في الغالب بالجند في ثكنهم والعاملين في معاملهم والسجناء في حبوسهم لأن الاختلاط الشديد هو من أهم أسباب انتقال العدوى والمصابون بالسل هم بين العشرين والخمسة والعشرين من عامة الوفيات في سائر الأمراض ويصيب الشبان والشيوخ غالباً. ومما يساعد على كثرة فتكه ماعدا انتقاله بالوراثة سوء العناية بالصحة كما هو المشاهد في البلاد الكبيرة فإن الأقدام تزدحم في الأحياء الضيقة والبيوت المظلمة التي لا تنفذ إليها الشمس ولا يتجدد فيها الهواء فتحدث في الأجسام ما تحدث. أضف إلى هذا كمية الغذاء وكيفيته على النحو الذي يتناوله العملة مما لا نسبة بيته وبين الأعمال الشاقة التي يتعاطونها ويقتضي لها من معوضات القوة ما يكفي ويشفي. ومن الأوصاب التي شاعت في النصف الأخير من القرن في بلاد التمدن أمراض من دواعيها الاضطراب في التغذية والإكثار من الطعام وتدعى بلسان الطب ديستروفيك وهي على أشكال فمنها الرثية أو وجع المفاصل وأوجاع تصيب المثانة وتجعل فيها عسراً. وتجد المصابين بها زرافات كل سنة يغتسلون بالمياه المعدنية في فيشي وكارلسباد. وكان القدماء يظنون أن هذا المرض خاص بالأغنياء إلا أنه تبين مؤخراً أنه ما خص طبقة واحدة من الناس. ومما عمت به البلوى من الأمراض في عهدنا وسببه الغذاء سلس البول السكري. مرض وإن اختلفت الأقوال في أسبابه فإنها لا تعدو أن تكون تأثرات أخلاقية مضنية واضطرابات وحصر للذهن عظيم وعمل عقلي مفرط وأوصاب طبيعية طويلة وأرق وقلة إغفاء. وكل ما يضعف الوظائف الدماغية ويصرف كثيراً من قوة الأعصاب. ومعظم من يختلفون إلى المياه المعدنية يستشفون بها هم من العلماء والساسة والماليين وأرباب الصنائع والأشغال والصيارف ممن حملوا أنفسهم فوق طاقتها. وهناك كثير من الأمراض الحديثة التي جاءت مع الحضارة وهي من مفسدت الدم كالخنازير وأنواع الفقر الدموي وغيرها. فكما أن الكوليرا انتقلت إلى أوربا من آسيا فكذلك نقل أهل أوربا إلى أميركا وآسيا وجزء من إفريقية الحمى التيفوئيدية فإنها وإن عرفها القدماء باسم حمى خبيثة عفنية لم تعرف في أوربا إلا في سنة ١٨٢٠ . وقد انتشرت الدفثيريا أو الخناق في هذه السنين انتشاراً وبيلاً حتى صار مرض الدفثيريا إحدى المصائب المهلكة للأطفال يشترك في التلقيح بجراثيمها أبناء القرى والمدن معاً وذلك لما يبذل من القوى العصبية في جهاد الحياة وبفضل تعدد طرق المواصلات واختصار الأبعاد فتنقل جراثيم عدواها بسرعة من البلاد الموبوءة بها إلى البلاد السليمة منها. والنزلات قد اشتدت وطأتها كثيراً وصارت وبائية وافدة تفتك فتكاً ذريعاً. المومياء المصرية لحكمة غابت عن الباحثين حنط قدماء المصريين جثث موتاهم وجعلوها مومياء منذ نحو سبعين قرناً. عثر علماء الآثار المصرية على أكثرها في نواويس ومدافن ووضعوا بعضها في المتاحف ودور العاديات لتشهد لتلك الحضارة القديمة بالرسوخ والارتقاء. ولم يكتف المصريون بتحنيط الملوك والملكات والعظماء والعظيمات والأولاد والنساء والعبيد والإماء بل تناولت أيديهم بالتحنيط ضروباً من الحيوانات تعد بألوف ألوف الألوف كشف أكثرها فاستعمل في تسميد الأرض وتزبيلها. وقد أخذ المسيو ماسبرو مدير مصلحة الآثار المصرية طائفة من هذه الحيوانات والطيور المحنطة ودفعها إلى علماء من أهل الأخصاء فتعاورتها الأيدي بالبحث والعيون بالنظر والأفكار بالتأمل. وألف اليوم عالمان طبيعيان من مدينة ليون كتاباً في الحيوانات الخاصة بهذا القظر فمما قالاه فيه: لقد ظفر في مدافن الحيوانات بأنواع من القرد والكلب وابن آوى والهر والجرذ والضب والثور والظبي والغنم والعنز وغيره وبضروب من الطيور ونحو ثلاثين نوعاً من الجوارح وأكلة الحشرات والثمرات والتماسيح والحيات والأسماك وحيوانات لا فقار لها من ذوات الصدف. ثبت للباحثين الموما إليهما أن حيوانات اليوم لم يختلف شكلها وخلقها عن الحيوانات التي حنطت قبل ستين قرناً إذ ما من مشتغل بالعلوم الطبيعية إلا ويأتيك بأمثلة كثيرة من الحيوانات التي لم تتغير خلقتها منذ مئات من القرون بل منذ ألوف. وهناك ضرب من ضروب الحيوانات يدعى بلسان الحيوان (براشيوبود) يرد عهده إلى أقدم عصور العالم. ومعلوم أنه لا يتأتى حدوث القلب والإبدال في سحنات الإنسان والحيوان إلا بتغيير البيئة والمحيط ولما لم تتغير طبائع هذا القطر منذ ألوف من السنين فلا يعجبن القارئ لما أكده العالمان الفرنسيان من بقاء الحيوان على وتيرة واحدة منذ قرون. كان الهر مقدساً عند قدماء المصريين ولذلك عثر على كثير منه محنطاً وقد تجد بين القططة ما ولد حديثاً وما هي أجنة في بطون أمهاتها. والهر المصري نوعان داجن ووحشي وهذا هو الذي كانوا يحنطونه ويقدسونه. وبعد فقد قدس المصريون اللقلق لأنه يأكل الهوام التي كانت تغير على شواطئ النيل وكان من هذا اللقلق الأبيض والأسود وعثر على كثير من الأسود في المدافن القديمة محنطاً أما الأبيض فانقرض منذ مائة سنة وهو موجود في الحبشة بكثرة ولعل النيل كان يأتي به. وقدس المصريون الغنم وهو نوعان ادعى بعضهم أن أحدهما جاء من آسيا على نحو ما جرت العادة أن ينسب لهذه القارة كل نوع من إنسان وحيوان ونبات وتوصف بأنها مبعث جماع الحضارة ومهد الكائنات. اتفقت الأديان وبعض الفلاسفة وجملة من الأساطير على أن الشرق مقيل أرقى الكائنات الحية. إلا أن العالمين الباحثين أثبتا بالبرهان أن هذه الحيوانات نشأت في قارة إفريقية على أن الملك سنفرون لما خرب النيل الأعلى وأتى من السودان بسبعة آلاف رجل وامرأة ومائتي ألف بقرة وغنمة جاء بالغنم المدعو لونجيب إلى هذه البلاد من السودان. وفي هذا الكتاب بحث في تحنيط البقر — وبقرة بني إسرائيل صفراء فاقع لونها تسر الناظرين — وكان يظن أن بعض البقر المصري جاء من آسيا وبعبارة ثانية من سورية إلا أنه وجد منه هنا ما يماثله ودثر بعضه. ومن رأيهما أن البقر الذي حنطه قدماء المصريين كان من البقر الهندي ذي السنامين الموجود منه إلى الآن بكثرة في سهول مصر العليا. وقصارى القول فإن الباحث في تاريخ الإنسان والمؤرخ والطبيعي يرون في كتاب هذين العالمين مادة لطيفة في الكائنات بهذه البلاد وهذه المباحث طافحة بالفوائد في تاريخ الحضارة خاصة وتاريخ الكائنات عامة. صحف منسية شعر ابن حزم قال الفقيه أبو عبد الله الحميدي قال كان لشيخنا الفقيه أبي محمد بن حزم في الشعر والأدب نفس واسع وباع طويل وما رأيت أسرع بديهة منه وشعره كثير وقد جمعته على حروف المعجم ومنه ما كتبت عنه هل الدهر إلا ما رأينا وأدركنا فجائعه تبقى ولذاته تفنى إذا امكنت فيه مسرة ساعة تولت كمر الطرف واستخلفت حزناً إلى تبعات في المعاد وموقف نود لديه أننا لم نكن كنا حصلنا على هم وإثم وحسرة وفات الذي كنا نقر به عينا حنين لما ولى وشغل بما أتى وغم لما يرجى فعيشك لا يهنا كأن الذي كنا نسر بكونه إذا حققته النفس لفظ بلا معنى قال وله أيضاً من قصيدة خاطب بها قاضي الجماعة بقرطبة عبد الرحمن بن بشير يفخر فيها بالعلم ويذكر أصناف ما علم يقول فيها أنا الشمس في جو العلوم منيرة ولكن عيبي أن مطلعي الغرب ولو أنني من جانب الشرق طالع لجد على ما ضاع من ذكري النهب ولي نحو أكناف العراق صبابة ولا غروان يستوحش الكلف الصب فإن ينزل الرحمن رحلي بينهم فحينئذ يبدو التأسف والكرب فكم قائل أغفلته وهو حاضر وأطلب ما عنه ما تجيء به الكتب هنالك يدرى أن للبعد قصة وأن كساد العلم آفته القرب فوا عجباً من غاب عنهم تشوقوا له ودنو المرء من دارهم ذنب وإن مكاناً ضاق عني لضيق على أنه فيح مذاهبه سهب وإن رجالاً ضيعوني لضيع وإن زماناً لم أنل خصبه سغب ومنها في الاعتذار في مدح نفسه ولكن لي في يوسف خير أسوة وليس على من بالنبي ائتسى ذنب يقول وقال الحق والصدق إنني حفيظ عليم ما على صادق عتب  وأنشدني لنفسه لا يشتمن حاسدي إن نكبة عرضت فالدهر ليس على حال بمترك ذو الفضل كالتبر طوراً تحت ميقعة وتارة في ذرى تاج على ملك وأنشدني أيضاً له لئن أصبحت مرتحلاً بشخصي فروحي عندكم أبداً مقيم ولكن للعيان لطيف معنى له سأل المعاينة الكليم وقد كرر أيضاً هذا المعنى فقال: يقول أخي شجاك رحيل جسم وروحك ما له عنا رحيل فقلت له المعاين مطمئن لذا طلب المعاينة الخليل قال أبو عبد الله الحميدي وقلت له يوماً قال أبو نواس: عرضن للذي تحب بحب ثم دعه يروضه إبليس فقل أنت في طريق التحقيق فقال: أين قول وجه الحق في نفس سامع ودعه فنور الحق يسري ويشرق سيؤنسه رفقاً وينسى نفاره كما نسي القيد الموثق مطلق وأنشدت له (صاحب الذخيرة) أيضاً في ما كان يعتقده من المذهب الظاهر من جملة أبيات يقول فيها: وذي عذل في من سباني حسنه يطيل ملامي في الهوى ويقول أفي حسن وجه لاح لم تر غيره ولم تدر كيف الجسم أنت قتيل فقلت له أسرفت في اللوم ظاهراً وعندي رد لو أردت طويل ألم تر أني ظاهري وأنني على ما بدا حتى يقوم دليل وقال هذا الإمام الشاعر قالوا تحفظ فإن الناس قد كثرت أقوالهم وأقاويل العدى محن فقلت هل عيبهم لي غير أني لا أقول بالرأي إذ في رأيهم فتن وإنني مولع بالنص لست إلى سواه أنحو ولا في نصره أهن لا انثني نحو آراء يقال بها في الدين بل حسبي القرآن والسنن يا برد ذا القول في قلبي وفي كبدي ويا سروري به لو أنهم فطنوا دعهم يعضوا على صم الحصا كمداً من مات من قوله عندي له كفن إني لأعجب من شأني وشأنهم وا حسرتا إنني بالناس ممتحن ما إن قصدت لأمر قط أطلبه إلا وطارت به الإظعان والسفن أما لهم شغل عني فيشغلهم أو كلهم بي مشغول ومرتهن كأن ذكري تسبيح به أمروا فليس يغفل عني منهم لسن إن غبت عن لحظهم ماجوا بغيظهم حتى إذا ما رأوني طالعاً سكنوا دعوا الفضول وهبوا للبيان لكي يدرى مقيم على الحسنى ومفتتن وحسبي الله في بدء وفي عقب بذكره تدفع الغماء والإحن وقال: بلغت من لذة الدنيا ذرى أربي في لذة العيش والسلطان والنشب فأذهبت دول الأيام منزلتي وزاد فقدي للذات في كربي وكان مالي لهذا كله تبعاً بل صار عوناً لأعدائي على طلبي لكن رجعت وقد جد الزمان إلى كنز من العلم والأخلاق والأدب فاعجز الدهر أن يودي بواحدة منها واقصر عني واهي السبب لا اختشى تضع الأيام منزلتي مدى الزمان وعندي أغلب الطلب لا يستطيعون عذلي عن ولايتها إذ كل وال لهم بالعزل في العقب هذا بلا كلفة مني ولا حرس ولا عديد ولا إنفاق مكتسب وكل من كان في دنياي يصحبني ناديته حين خانتني فلم يجب كلام من جرب الأمرين واتضحت له المذاهب من جد ومن لعب أنا ابن من دبر الدنيا بخاتمه عشرين عاماً وعشر بعد لم يرب وإن منزلتي في العلم منزلة في الملك حظ كحظ الصادق النسب مازلت اذخره دهري وانفقة (دأباً) كمثل اللجين المحض والذهب وإنني لبخيل بالسلام إذا بخلت بالعلم من لفظي ومن كتبي لو استطعت منحت الناس كلهم ما قد تجمع في حفظي وفي كتبي أأبذل المال يفني البذل حاصله ولست أبذل ما ينمى على النهب سائل بأي علوم العالمين تجد عندي ينابيع ذاك العلم من كتبي  التعليم والتربية الإسراف وسوء السلوك إن ما اعتاده بعض العملة من إهمال الأعمال ذهاباً مع هوى النفس قد يكون أبداً من ورائه ما يدعى بسوء السلوك. ومن عرف بهذا الميل فقد أطرح حلل الشرف في الإنسان ولبس رداء من الشرور قد يتعذر إطراحه في الغالب. لا يستحق اسم الإنسان إلا من جعل شهواته وأهواءه ورغائبه محكومة بنظام العقل على الدوام موضوعة على محك البصيرة والتدبر. ولا يسعد إلا من جعل هذا الخضوع عادة فيه لا يتكلفها ولا يجهد نفسه من أجلها. فعلى الشهوة أن تكون أبداً مطيعة وعلى العقل أن يأمر ولكن إذا أمرت الشهوة وأذعن العقل فقد المرء العقل والسعادة. وعدم اعتدال العامل في شؤونه دليل سوء تصرفه وبحانفه عن جادة الاستقامة وطرق الكرامة. سهل على العامل من الأسف أن يتخلق بهذا الخلق في شبيبته وقبل زواجه أيام يكون في إبان قوته ونضارة صحته يتناول أجرة تفيض عن حاجته فيفيض منها على هواه ما يكفي رجلاً متزوجاً في إعالة عياله. فإن أجرة أمثال هؤلاء العملة الشببة الفتيان لا يكادون يقبضونها حتى يصرفوها في كل سبيل وينفقوها في لا يرضي. ومهما كثرت فإن لها مصارف تستغرقها برمتها ولا تبقي منها ولا تذر. والسرف متلفة كل شيء يتأصل على العادة في النفس مما يخشى منه بعد أن يتعذر إقلاع العامل عن هذا الخلق فيعيش بعد زواجه كما كان يعيش عزباً. لا أجمع بين الانحراف الموقت وسوء السلوك على أن الثاني يتولد من الأول بسهولة. وما من امرئ لا يدرك إلى أين يؤدي الانحراف عن جادة الفضيلة لأول أمره. ومن الهين اللين أن يسقط الإنسان من الطيش إلى الاضطراب ومن هذا إلى سوء السلوك. وا رحمتاه لمن لا يحسن مقاومة شهواته الأولى فإن الهواء الذي يستنشق في المجتمعات وقد ركب الطيش أجزاءه ليحل في تضاعيفه اضطراباً وبحراناً في الحواس وينتهي بضرب من السكر الأدبي ويصعب تبديد شمله بقدر ما ترتاح النفس إليه. ومع هذا فقد يرجو الطائشون عبثاً إصلاح نفوسهم من هذا السكر وأنه موقت لا يلبث المنغمسون فيه أن يرجعوا عن غيهم. ولكن تجيء الأيام تلو الأيام والأسابيع تلو الأسابيع والشهور عقيب الشهور والنفس لا ترجع عن غيها وغلوائها. ولقد أنشئت في إنكلترا وأميركا جمعيات دعيت جمعيات الاعتدال بغية إنقاذ العامل بل اضطراره إلى عدم إهمال العمل وسوء استعمال أوقات فراغه فأسفرت هذه الجمعيات عن بعض النجاح فيقضى على من يريد الانخراط في سلك هذه الجمعيات أن يقسم إيماناً مؤداه أن يتخلى عن استعمال أي شراب من المسكرات كان. ولكن حظر استعمال شيء حسن في ذاته ليكون المرء على ثقة من سوء استعماله معناه قلة الثقة بنفسه ومن المتعذر أن يكون لامرئ لا يعتبر نفسه ويثق بها من القوة أن يتغلب حيناً من الدهر على سلوكه فيجعله تبعاً لإرادته وإرادته تبعاً لكلامه. ولذلك ترى هذه الجمعيات عرضة للسقوط كثيراً لأنه لو لم يكن للمرء من نفسه وازع يقيه المضال والانغماس في حمأة السفاهة ليس لجمعية أن تناله منه بمجرد حلف يمين والقيام بمظاهر عظيمة. لا تنتهي الأنفس عن غيها ما لك يكن منها لها زاجر ومن استنار عقله بنور العقل الصحيح هيهات أن يحيد عن الجادة المثلى ويتعدى حدود الأدب واللياقة. ومن الشبان من يأتون المنكر فيقولون هذه المرة الأخيرة ونحن لا نأتي منكراً بعد. فهلا قالوا مثل هذا القول من قبل وصرحوا بأنهم لا يأتون المنكر ولا هذه المرة أيضاً فما هو إلا أن تستلب هذه المنكرات من أرباب العقول عقولهم حتى إذا أراد أحد المتلبسين بها أن يرجع عنها بعد أن تكون نفسه مجتها يتعذر عليه ذلك. تعرف هذا من عملة انقطعوا عن أعمالهم أياماً وراحوا يقضون أوقاتهم في القصف والسكر فتراهم بادئ بدءٍ قد وجدوا شيئاً من النشاط إن صح أن يسمى نشاطاً حتى إذا اليوم الثاني تصفر ألوانهم وتنقطع أيديهم عن كل عمل فيصبحون باهتين شاخصين ثم لا يلبثون أن يعربدوا ويصخبوا وربما طالت أيديهم بالتعدي على أبناء السبيل تدفعهم إلى ذلك عوامل الخمار. إلا وأن سوء السلوك لتستوحش منه النفوس ويفسد القلوب بما يصحبه من الإفراط الذي ينهك الصحة فيعجل الهرم ويهيئ السبل للأمراض العضالة. إفراط تتلبس به النفس فيقودها من ضلال إلى آخر حتى يتناسى صاحبها ما يقضي به الشرف ويحيد حياداً ظاهراً عن مهيع الشرائع. وعقاب سوء السلوك بسيط فهو يميت القلب ويقتل في صاحبه التوبة والإنابة وما هو إلا أن يضعف النفس عن الإحساس الطيب والأفكار الصالحة ويميت في نفسه كل شعور حي. يعمل ولكن من دون لذة. بل مكرهاً وما هو إلا كلا ولا حتى تصير البطالة في عينه عبئاً ثقيلاً والعمل عذاباً أليماً فيبلغ حالة لا يبلغها من المرء اعدى أعدائه وهل أشد خطراً من عدو داخلي ينهك القوى ويهدم الأسس. وقد قبل اعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك والانكى من ذلك أن من يألفون الدعارة ويأخذون أنفسهم بالفسق لا يلبثون أن يعاشروا من هم على شاكلتهم على نحو ما جاء في الأمثال أن الطيور على أشكالها تقع وشبيه الشيء منجذب إليه. وهناك حدث ما شئت أن تحدث عمن يلقاهم من سخاف العقول وضعاف الآداب ينشط كل منهم صاحبه ويهيئ له سبيل الرذيلة ويحببها إليه وتراهم أبداً وأحاديثهم تدور على تلاعبهم وخلاعتهم ورقاعتهم في بيوتهم وأسرتهم ومع الناس أجمعين. وهكذا ترى سوء السلوك يفسد القلب وينضب مادة الشعور الطيب الخالص فيصبح صاحبه مكروهاً فلا يعيش عيش الإنسان بل عيش الحيوان فسوء السلوك هو ألد أعداء العامل يبعد به عن النجاح والراحة والسعادة. ويا رب ماذا تكون حال العامل إذا ضعفت قواه وأسلمه سلوكه إلى الشقاء مدى العمر مؤدياً به كل يوم إلى أحقر المساكن. فإما أن يرميه مريضاً على حصير المستشفى أو على حضيض ملجأ الفقراء أو يموت تحت مبضع تلامذة الطب في المستشفيات. ولا تسل عما يجلب هذا الحال من فساد نظام البيوت فإن الزوج أيضاً تحذو حذو زوجها وتنصرف إلى الرذيلة فترضع أبناءها سماً زعافاً من فسادها فما هو إلا أن يضيع عليهم مستقبلهم ويتعذر عليهم التحلي بالأخلاق الصالحة ولا يزال الفساد يدب من جيل إلى آخر ينقله الأب لابنه والأم لابنتها حتى تنحل بيوت أولئك العملة وكانت من قبل يتأتى لها أن تؤسس على التقوى وتعيش في هناء ويمسي أفرادهم وهم حلفاء شقاء وامتهان. وبعد فإني أتقدم إلى من استرسلوا في هوى النفس أن يصلحوها ولا يقولوا الصيف ضيعت اللبن ولكن جئت في الزمن الأخير فإن إصلاح النفس يتأتى في الكبر كما يتأتى في الصغر. ومن لا يضبط نفسه زمان الفتوة وهو عهد العقل وسن الأماني الطاهرة والإخلاص الشريف هيهات أن يجيء منه ما ينفع أمته وينتفع هو به. فإصلاح النفس لازم في الكبر أكثر فإذا استقام أمر المرء شهوراً بل أياماً قبل موته لابد أن ينال اعتبار الجمهور بل الإنابة مطلوبة فيمن أبيض شعره حتى لا يجمع إلى الشيخوخة إهانة الناس وما على من ابتلوا منذ شبيبتهم بهذه المساوئ إلا أن يحاولوا الإقلاع عنها وتصح عزائمهم على ذلك فللإرادة شأن في سلوك الإنسان ومن لا إرادة له لا يعد في البشر. مطبوعات ومخطوطات العربية ولهجاتها وهي رسالة كتبها بالفرنسية حضرة العالم المدقق الكنت دي لاندنبرغ الأسوجي وقدمها إلى علماء المشرقيات في المؤتمر الدولي الرابع عشر المجتمع مؤخراً في الجزائر. والمؤلف من شيوخ العلم في اللغات الشرقية وخصوصاً العربية وله أصحاب كثيرون في بلاد العرب عرفوه في خلال رحلاته العديدة إلى بلادهم ولاسيما في مصر وسورية وجنوبي الجزيرة وله تآليف كثيرة أفادت التمدن وانتفع بها طلاب العلم. افتتح كتابه هذا بالثناء على عالمين فرنسيين مشهورين سلفستر دي ساسي وكاترمير اللذين جعلا العربية بما توفرا عليه من الدراسة والتدريس علماً أوربياً وبواسطتهما انتقل تعلمها إلى ألمانيا وأولع بنوها بتعلمها وخدمتها أحسن خدمة ثم انتشرت في سائر أنحاء أوربا. وقد عني المؤلف منذ خمس وثلاثين سنة بدراسة اللغة المحكية حتى كان بعضهم في مصر والشام — على ما قاله عن نفسه — يصفونه بأنه مجنون لكثرة عنايته بلغة يحتقر أهلها فصيحها فما الحال بعاميها وقال أن شأنه في ذلك بداءة بدء كان شأن الرسول (ص) لما أخذ يدعو وقومه إلى الدين فيقولون أنه مجنون. وبعد الأعوام الطويلة التي قضاها في تتبع لهجات العرب من مظانها ودراسة الشعر قبل الإسلام والاطلاع على ما أبقوا في اليمن وسورية من الآثار التاريخية المزبورة على الصخور في القفار أيقن أن اللغة المحكية اليوم كان لها حظ من الانتشار قبل الإسلام وأن العرب في ذلك العهد لم يكونوا كما أدعى بعض الباحثين جهلاء أميين أو أنهم خلقوا من لا شيء كما خلقت منيرفا من رأس المشتري ويكفي أنهم كانوا على شيء من المعرفة أن رعاة تلول الصفا وغيرهم من جيرانهم خلفوا ألوفاً من الأحجار عليها خطوطهم وربما كتبت قبل الحميرية اليمانية. ومما استدل به على وجود علاقة بين اللغة الفصحى والعامية وأن العامية كان يتكلم بها في بعض أنحاء الجزيرة أن الإعراب والتنوين قد ظهرا كل الظهور في الخط المسند البابلي الذي عثر عليه حديثاً في شريعة حمورابي وأن الإعراب والتنوين معروفان قبل تلك الكتابة ويقول بعض الباحثين في اللغة الآشورية أن عهد ذلك يرد إلى سنة ٢٨٠٠ ق. م ويرده آخرون إلى ٣٧٥٠ ق. م. ومن رأيه أن التنوين والإعراب لو حذفا من العربية لأصبح نحوها عبارة عن مائة صفحة مثل نحو لهجة عربية حديثة ولا تبقى كل تلك التراكيب قال: وبعد فلم يرفع من بناء العربية حجر واحد ولكن ربما أضاف إليه علماء النحو أحجاراً كثيرة على أن العلم قاصر عن الإحاطة بالقديم الذي كان قبل الارتقاء الإسلامي العظيم وبالحديث منه. وإن هذه اللغة لتعيش أيضاً على رقتها وما فيها من قواعد إعرابها في المدارس وبين طبقات الشعراء ويكفي في إقناعك يا هذا فيما أقول أن تحضر إليك معلماً عالماً وتسأله فيها مما هو ولا جرم معجزة للرسول صلوات الله عليه ذاك الجمال المسكين الذي ما خامره ريب بأنه يزين العلم الحديث بمشعل من النور يضيء ضياء يأخذ الأبصار منذ ألوف من السنين. فإن اجتمعنا هنا لنعجب بهذا البناء الخالد فبفضل رسول الله ولولاه لما شغلت العربية فرعاً من مؤتمرنا هذا وما كان ملايين من العرب تكلموا ودرسوا لهجة لطيفة خرجت من برج بابل من بين سائر اللهجات. وبحسب ما وصل إليه المؤلف أن لفظ البدو النازلين في الجنوب من شبه جزيرة العرب أكثر انطباقاً مع قواعد النحو من غيرهم وقال أنه لا يضاد القائلين أن سكان حارب وبيحان هم الذاهبون بهذه المزية. وقد قيل للمؤلف أن قبائل فهم وقحطان في الحجاز يحسنون التكلم من بين عرب الشمال. وذكر ما قاله نولدك في مجمع علماء اللغات من الألمان في ستراسبورغ من إن اللغة العربية هي النقطة المركزية للدروس السامية وزاد بأن اللهجات العربية على اختلاف أقطارها لو أخذت بمجموعها مع ذخائر بلاد بابل وآشور التي تكاد لا تنضب كنز عظيم يعثر فيه على المواد الكافية للوقوف على اللغة السامية أحسن وقوف. وختم الكتاب بأنه يود أن يجاري العلماء ويكاثرهم في البحث فيما بقي عليهم أن يبحثوا فيه من لهجات العرب في الغرب الأقصى لولا أنه وصل إلى سن قال فيه امرؤ القيس أراهنَّ لا يحببن من قلَّ جاهه ولا من رأين الشيب فيه وقوَّسا تدبير الصحة التوقي من البرد جاء زمن الكن والكانون وبرد الجو وتغيرت الأهوية فكثرت بذلك الأدواء ولاسيما النزلات فارتأى أحد أطباء فرنسا أن خير ما يقي الصحة من التداعي في مثل هذا الفصل الامتناع عن شرب الماء المبرد أو المثلج أو المقطر وأن يمتنع عن التوابل (السلطات) والبقول النيئة كالفجل والخرشوف (الأرضي شوكي) وأن تنظف المساكن كل التنظيف ويرش أرضها بكلور والجبر (الكلس) على معدل خمسة في المائة وتدهن حيطان الغرف بخاثر الجير مضافاً إليه كلور وأن لا يفرط الإنسان في استعمال الضروريات على أنواعها. إطالة الحياة كتب أحدهم في إحدى المجلات الباريسية الخطيرة مقالاً في معنى إطالة الحياة قال فيه أن القول بأن الهرم يبدأ في سن التسعين فينقطع المرء لهذا عن أعماله وملاذه استعداداً للموت هو حديث خرافة لا يقره من درس علم منافع الأعضاء. قال وإذا ضعفت وظائف هضمنا أو غيرها من الوظائف أو أقعدت عن عملها فلا تمل يا هذا باللوم على الأيام بل لم نفسك بما أسرفت واستهترت. الهرم هو دور الحياة الذي لا يعود فيه المرء يستمتع إلا بجهاز بال فيموت حتف أنفه بيد أن هذا الأجل هو أطول مما يتوهمه الناس إذ يمكن أن يمتد إلى مائة وخمسين سنة وأحياناً إلى مائتينيوالدليل على ذلك أنك إذا رجعت إلى سجل الوفيات في باريز تلك العاصمة التي فيها من مضنيات الحياة والصحة ما يسوء وينوء تجد الأعمار فيها قد تطول إلى ثمانين أو خمس وثمانين سنة وربما إلى أكثر من ذلك أحياناً. سير العلم مسمعة هذه المسمعة واسمها كوستيكون هي عبارة عن آلة تلفونية تسمع الصم اخترعها أحد الأمريكان وجربها في عدة محال للتمثيل والمعابد في نيويورك وهي مؤلفة من التلفون والميكروفون والميكالوفون وأشبه بآلة تصوير وتسمع كثيرين في آن واحد. حب العلم وهب أحد الأمريكان مليون فرنك لإنشاء منبر للتاريخ والأوضاع الأميركية في كلية برلين الجامعة رجاء نشر العلم الأميركي حتى في أغنى بلاد الله بعلمها. ولا يبعد أن يمنح الأمريكان بعد كليات لندن وباريس وبطرسبرج ورومية وآثينة ومدريد وسائر عواصم أوربا أمثال هذه المنح والعطايا. ولقد كان سسل رودس الغني الإنكليزي الملقب بنابليون إفريقية أوصى بمال لكلية اكسفورد ليدرس به طلاب العلم من المستعمرات الإنكليزية والأميركية في تلك المدرسة الجامعة ويرجعوا إلى بلادهم وقد تشبعوا بالأفكار الإنكليزية فلم تخل وصيته من النقد عند فريق من العلماء بل قالوا أن الموصي لو أوصى بأن يبعث بأساتذة إنكليز إلى المستعمرات والولايات المتحدة لكان بلغ الغرض وأصاب المحز. غاز جديد يعنى الآن أهل العلم في أميركا باكتشاف غاز جديد من خصائصه أن يمتص الرطوبة من جميع المواد العضوية ويحفظ الحاصلات الغذائية وأخشاب العمارة من الفساد بعض الحفظ. وقد جرب فثبت أن الثمار والبقول وجدت به سالمة من البكتريا بعد أربع سنين لم يطرأ عليها انحلال ولا تغيير كيماوي فغمست بالماء قليلاً فعادت إلى نضرتها ولونها وطعمها. وإذا زيد خمسون في المائة على أجرة الشحن تنقل الغلات في هذا الغاز من مملكة إلى أخرى. ولا يسطو عليها سوس ولا فساد وينقل الجندي منه مؤونة أسبوع ويكتفي الفقير به للدفء ويشفي من الأمراض بإهلاكه جراثيم العفن. المجلات الإفرنجية والعربية  الموسيقى العربية ما برحت المجلة الفرنسية تأتيها الآراء بشأن الموسيقى الشرقية وأحسن ما ورد عليها من ذلك رأي يقول فيه صاحبه أن العرب يجهلون الإيقاع وينكرونه ويستغربونه وأقام صاحبه الحجة على ائتلاف الألحان الشرقية إذ ليس في ضرب الصوت الشرقي أدنى مناسبة مع الصوت الغربي.  الشبان المتعلمون في إحدى الجرائد الألمانية بحث في أن الشبيبة المستنيرة يقف سير علمها بعد أن تنال الشهادات المتنوعة بدلاً من أن تزيد مادتها العقلية بالتوفر على دراسة الكتب الجيدة والأبحاث الخاصة الدائمة وقد أوصى الأهل والشبان أيضاً بطريقة في التعليم معقولة عملية وذلك بأن تلاحظ الحياة البشرية ونشوءها.  التبشير الهلال — نشر مذكرات لدكتور فانديك في أعماله وأعمال المرسلين الأمريكان في سورية وصف فيها بيروت وصفاً مجملاً عند دخوله إليها سنة ١٨٤٠ وكانت قليلة السكان والمنازل وقال أن دروز رأس بيروت تنصروا تخلصاً من الجندية وتتجلى في هذه المفكرات روح البحث والتفاني في المصلحة.  تاريخ المورو المقتطف — قرظ كتاب تاريخ المورو أي مسلمي فيليبين الذي وضعه بالإنكليزية حضرة الفاضل الدكتور نجيب صليبي معاون حاكم جزائر فيليبين الأميركية ومن نوابغ سورية بعلمه وتربيته. قال المؤلف أن تاريخ مسلمي فيليبين قبل أن ينتحلوا الإسلام خرافي تناقلوه خلفاً عن سلف ولم يعن أحد بتدوينه ولكن ملا جاء الإسلام إلى تلك الجزائر جاء منه العلم والعمران فانتظمت الأحكام ودونت التواريخ ووضعت التراسيل وهي عندهم كشجرات الأنساب عندنا. والتراسيل بلغة مجندنا ولكنها مكتوبة بحروف عربية. ومعنى مجندنا هو البلاد المروية لأن فيها نهراً يفيض عليها ويرويها فأطلق هذا الاسم على البلاد وعلى سكانها. وكان بدء دخول الإسلام إليها في نحو سنة ١٤٧٥ للميلاد. قال والمورو الموصفون بالقسوة والشمم أرقى جداً من الوثنيين الذين يسكنون سائر البلاد مع أنهم جميعهم من أصل واحد لكن الإسلام علمهم وهذبهم وأوصل بينهم وبين غيرهم من الأمم. والكتاب مله ينبئ عن روح صاحبه الشريفة التي تهذبت وأخذت ترى الحقائق بالعين المجردة وقد كان العامل الأعظم في تهذيب المسلمين في تلك الجزر فابتاع لهم منذ مدة كثيراً من المصاحف وكتب العبادة وأخذ يدرسهم فيها حاثاً لهم على التمسك بالإسلام وأقنع حكومة الولايات المتحدة بذلك من الوجهة السياسية جزاه الله خير الجزاء. نفاضة الجراب تفقه في ساعة من مضحكات الوهراني مقامة في قصة عجوز تزوجت بإسكافي فجعلته بتعليمها فقيهاً وقالت له كن فقيهاً فكان. قال عيسى بن حماد فقلت للراوي مثلك من أفاد، وشفى بحديثه الفؤاد، فكيف تمشي حاله، وتغطي على الفقهاء محاله، فقال أعلم أنه لما أجمعت العجوز على تعليمه، ورده إلى المدرسة وتسليمه، تخوف من ذلك الأمر، وبات ليلته على الجمر، فلما أصبح قال لها: اعلمي يا هذه أني كنت في بلدي إسكافياً. . . فكيف لي بالمدارس، وأنا كالطلل الدارس، ومن أين لي بالتخبيز (كذا) وأنا مثل حما العزيز، والله ما أفرق بين الحروف، وقرن الخروف، فقالت أيا أعلمك العلم كله، إلا أقله، وأعلمك فصلاً في التدريس، تغلب به محمد بن إدريس، فقال لها يا هذه والله ما أرجو من المدرسة نفعاً، وإني أخاف أن يقتلوني صفعاً، فدعيني في. . . فقالت أريد إخراجك من المدابر، وأرفعك على رؤوس المنابر، فاحضر ذهنك، وافتح لهذا الدرس أذنك، والعم أن الألف قائم كالمعول، وهو كتاب المنزل، والباء كالصنارة، أو كرجل المنارة، والهاء كالثقالة، وفيها شيء كالعرقالة، والطاء كالخف، أو كطائرة الدف، وكل مدور ميم، وكل معوج جيم، والصاد تشبه نعالك، والذال تشبه قذالك، وأن القاف والكاف، يشبهان الاكاف، فاحفظ هذا الكلام، وقد أصبحت مفتي العراق والشام، واحذر اعتزالي، والعم أن بهذا الفصل تقدمة الغزالي. فأقبل التيس يكرر لفظه، حتى أجاد حفظه، وعندها خرج في القمة والغمة (كذا) وعزم على مدرسة جمال الأئمة، فخرجت تبخره من العين، وتقرأ عليه المعوذتين، وقالت له إذا جلست فتربع، ولا تتقنع، وانشر أكمامك، واظهر للناس أعلامك، فإن الغريب ابن ثويبة، والمقيم ابن جديبة (؟) فقال لها: أوصيني يرحمك الله. فقالت له إذا حضرت فانفخ حضنك، وبطنك، وانفش بين الفقهاء ذقنك، وباكر المدرسة عند الصباح، وسابقهم في الرواح، وإن غلبوك في العلم فلا يغلبوك عند الصياح، فقال والك، أخاف أن افتل باللوالك ولكن أوصيني فقالت خذ اللفظ بأناملك بين شفتيك، وزاحم الفقهاء بمنكبيك، وازعق في وجه الشيخ ولا جناح عليك. قال فهاتي إذا شيئاً من قماشك، أرد به صفع الشماشك، فقالت اجسر على القوم، فما هو الأبياض اليوم، واعلم أن الفقه ليس هو إلا النفاق والزعاق، وتلويث وجه الخصم بالبزاق، فقال لها إن صدقت، فأنا أكون أمام الوقت، وقام في ذلك الأوان، حتى دخل على الفقهاء في الإيوان، فهايته قلوب الجماعة، وخافوا أن يكون من أهل البراعة، فأنصفوه في السلام، وبسطوه في الكلام، وآنسوه بالمحاضرة، حتى جاء وقت المناظرة. شكر المقتبس نرفع إلى من كاتبونا وشافهونا من رجال الأمة أجمل شكر وحمد لما تكرموا به من عبارات التنشيط على نشر المقتبس سواء كان بالخطاب أو بالكتاب كما نثني أطيب الثناء على الصحف العربية على اختلاف نزعاتها وموضوعاتها التي ذكرت صدور هذه المجلة ونوهت بها ونسأل الله أن يحقق آمالهم وآمالنا ويصلح أحوالهم وأحوالنا. وهنا ننشر تتميماً للفائدة ما تفضل به صاحب المقتطف وصاحب المنار الغراوين من نقد المقتبس عملاً بالتماسنا منهما وهاك ما قاله المقتطف في معنى النقد: وفي باب تدبير الصحة شرح أسلوب الإنكليز في الإكثار من طعام الصباح وحث بعض الفرنسيين قومهم على اقتفاء آثار الإنكليز في ذلك لكن علماء الصحة من الإنكليز يخطئون قومهم ويقولون أن الإكثار من الطعام في الصباح ضرر محض ولنجاح الإنكليز أسباب أخرى ولا علاقة لطعام الصباح به. . . وأما ما ذكره في باب مقالات المجلات الذي قال أنه زبدة ما وقع عليه اختياره من أهم أبحاثها فيدل على أن مقام المجلات العربية ليس في عينيه على ما يرام. وهو أسمح من ذلك وأكرم. هذا محل النقد من مقال المقتطف وإليك محله من مقال المنار: وقد انتقدنا عليه أموراً لا يسلم من مثلها المبتدئ بالعمل منها أنه كتب عن ابن حزم في ثلاثة أبواب وتكلم عن الوهراني في غير ما موضع. ترجم ابن حزم في الباب الأول ثم ذكر شيئاً من نصائحه في باب الصحف المنسية ثم ذكر الكتاب الذي اقتبس منه النصائح في باب المطبوعات وكان يحسن أن يذكر في باب واحد من هذا الجزء وكذلك يقال في تكرار ذكر الوهراني والكلام في العملة. ومنها أن ما ذكره من النصائح لم يعد من الصحف المنسية وقد طبع الكتاب قبل وجود المجلة. فإن أراد بالصحف المنسية ما أهمل الناس العمل به فالباب واسع يدخل فيه كثير من المجلدات العظيمة في التفسير والحديث والرقائق وغير ذلك فالانتقاد على الباب نفسه أولى. ومنها أنه لم يكن يحسن ذكر منشآت الوهراني والتشويق إليها والتصريح بتعمد كتمان مكانها لأن هذا يغري أهل الولوع بأمثال هذه المسائل إلى البحث عنها ومن بحث عن الموجود ظفر به غالباً. ومنها أن بعض المباحث لم توضع في الأبواب التي هي أليق بها فقد أدخل في باب التربية والتعليم الكلام في العملة والصناع وأخرج منه بحث تعليم اللغات. وذكر شيئاً من مقاطيع الشعر في باب النقالات دون باب الصحف المنسية. ومنها أن المقول في بعض المواضع لم يتميز بنسبته إلى الكتب والعلماء تميزاً ظاهراً يعرف أوله وآخره بلا اشتباه كما يرى المدقق في ترجمة ابن حزم وما نقل منها الذخيرة لابن بسام. ومنها الاختصار المخل في بعض المباحث كمبحث الأمية والكتاتيب فالظاهر أنه يريد الكلام على الأمية في الإسلام وكيف انتقلت العرب من بعده منها إلى التعلم حتى إنشاء الكتاتيب قديماً وحديثاً ولكنه جعل نحو ربع ما كتبه في معنى لفظ الأمي وفي تفسير ما ورد في أهل الكتاب من قوله تعالى ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني (وقد ذكر في المقتبس لفظ يقرؤون بدل يعلمون سهواً فليصحح) وكان المناسب أن يذكر تفسير قوله تعالى هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة فقد فسر الكتاب هنا بالكتابة وهما مصدران لكتب. ثم ذكر شأن الكتابة في الجاهلية وذكر أمماً أخرى بالإيجاز ولم يذكر عن الإسلام بعد ذلك إلا سطراً ونصف سطر وقال بعد ذلك هذه زبدة ما يقال في معنى الأمية في الإسلام الخ والسبب في هذا الاختصار المخل رغبة الكاتب في إيداع الجزء مباحث كثيرة. وأمثال هذه الأمور التي انتقدناها مما يسهل تلافيها لاسيما بعد التنبيه إليها ومنها ما تبع فيه اصطلاح مجلات أوربا وإن لم يكن عندنا مألوفاً.</passage>
<license>Distributed under a Creative Commons Attribution-ShareAlike 4.0 International (CC BY-SA 4.0) license</license>
<source>https://github.com/tillgrallert/digital-muqtabas/blob/master/xml/oclc_4770057679-i_2.TEIP5.xml retrieved via Canonical Text Service http://cts.informatik.uni-leipzig.de/muqtabas/cts/ with CTS URN urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.2.TEIP5:</source>
</reply>
</GetPassage>
