<?xml version="1.0" encoding="UTF-8"?><GetPassage xmlns="http://relaxng.org/ns/structure/1.0" xmlns:a="http://relaxng.org/ns/compatibility/annotations/1.0" xmlns:tei="http://www.tei-c.org/ns/1.0">
<request>
<requestName>GetPassage</requestName>
<requestUrn>urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.19.TEIP5:</requestUrn>
</request>
<reply>
<urn>urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.19.TEIP5:</urn>
<passage>العدد ١٩ بتاريخ: ١٥ - ٨ - ١٩٠٧ صدور المشارقة والمغاربة جبرائيل مونو كان ثلاثة من الناس في السابع من تموزيوليوسنة ١٨٠٧ مجتمعين حول منصة سترت بنسيج الدمقس الأخضر في مدينة تيليست من أعمال بروسيا وقد اتشحوا بأفخر ما تقتضيه الكبرياء والفخفخة من الألبسة المذهبة وتقلدوا الأوسمة البراقة. هؤلاء الرجال هم المسيو شارل دوتا ليران وزير الخارجية نابليون الأول إمبراطور فرنسا والبرنس أسكندر كورا كين مستشار القيصر واحد أعضاء مجلس الشورى ومن إشراف الروس والبرنس لوبانوف الفريق في الجند الروسي. دعي أولئك الثلاثة إلى قاعة المذاكرات بواسطة موظف خاص حسب ما تقتضيه قواعد التشريفات التي يظن أنها أبدية ليوقعوا على العهدة التي بدأت مادتها الأولى بهذه الجملة: سيدوم السلام والوئام بين نابليون بونابرت إمبراطور فرنسا وملك إيطاليا وبين قيصر الروسيين أجمعين منذ أول يوم يتم فيه التصديق على هذه العهدة من الجانبين فذهبت هذه المعاهدة ببروسيا والبروسيين إلى أقصى دركات اليأس حتى كانما كانت نذيره بانقراضهم وتأذن سلطانهم أو أن ذاك الوفاق الفرنسي الروسي بناء يقام على أنقاض حكومة هذه البلاد. . . بينما كان منذوبو هاتين الدولتين المتخالفين يجوبون الأرض مسرعين ليبشروا الشعوب الأوروبية بإشراق أفق السياسية عن أزمنة جديدة إذا باستاد بروسي لا ينظر إليه أمراء السياسة والحرب إلا بعين الازدراء يفكر في أسباب فلسفية يسد بها ثلمات القنابل والمعاهدات التي خربت وطنه فأخذ يعقد المؤتمرات ويخطب أفراد قومه بأن يرجع كل إلى قوته ويعمد إلى أدراع بأسه ويسعى في إنهاض بلاده قدر طاقته. هذا هو فيختي الذي أخذه البروسيون أستاذا في جامعة برلين لما رأوا من ذلاقة لسانه وصدق بيانه وسداد جنانه. وكان فيختي يرجو في خطبه أن يرى شعوب الجرمان وحكوماته متحدة ليكون لها من اتحادها قوة. تلك الأمة التي برهنت في حرب السبعين على أنها عملت بنصائح فيختي كما ينبغي للأمم المغلوبة أن تعمل بنصح رجالها إذا كأنت الدعوة إلى الإتحاد روح نصحهم. مضى على معاهدة تيليست أربعة وستون عاماً ثم عادت تلك المنصة الأخضر غطاؤها واجتمع حولها في عاشر مايو ١٨٧١ في مدينة فرانكفورت من أعمال ألمانيا أيضاً أربعة مندوبين كأنت المفاوضات بينهم ذات صخب وهياج تارة وممزوجة باستهزاء مشئوم طوراً. من المندوبين رجل قوي الحجة شديد البأس يدعى بسمارك وهو الرجل الذي لم يكن يعبأ بمراسم التشريفات ولا يهتم بما اعتادت السياسة أن تكنه في مثل هذه المواقف وكان إذا بحث أمامه عن التقارير التي وضعتها الساسة في هذا الباب فك أزرار ملابسه وأنشأ يستغرب في الضحك كثيراً قائلاًأن هذه كلها بما ينشر في رفرف الصحف اليومية من الروايات فبينما يحسب الإنسان أن سيكون من وراء وقائعها حادث إذا به يسبح في خيال ثم أنه يمد رجليه بحذائهما العسكري ويطلب الجعة ليشرب في حضرة المسيو درا نيم الحرج الصدر من حرية بسمارك وأمام المسيو دجولار الذي خجل من هذه الأعمال والمسيو جول فارد الذأهل الحائر. هذا هو بسمارك فلاح براند نبورج الذي انتهى إلى رئاسة الوزارة الألمانية قد اضطر المسيو جول فارد والمسيو جولار إلى أن وقعوا على عهدة تقضي بانفصال ولايتين من ولايات الفرنسيس وإدخالهما في سمظ البلاد الألمانية. وهنا ذكر الفرنسيس - وقد أصبح كل شيء عندهم قرين الانحلال قريب الاضمحلال - ما كان من أمر الأستاذ فيختي وتأثير خطبه في الدعوة إلى الاتحاد ومواعظه الاجتماعية وراحوا يرون مداواة جرحى وطنهم بالأدوية الفكرية وترياق الأخلاق على ما شاهدوا من همز الساسة وغمزهم واستخفافهم. ذلك لأن رجال العلم كانوا على يقين من أن نصر الأمبراطور غليوم المؤزر لم يكن من رصاص البنادق بل أن تربية الألمان الفكرية عملت يومئذ ما لم تعلمه أفواه المدافع. من أجل ذلك أخذ الفرنسيس يبحثون عن مذهب نافع في التربية يذهبون إليه لينهضوا بأمتهم حتى تضارع بلاد جيرانهم. وفي مقدمة من فادوا بأنفسهم في سبيل سعادة فرنسا وسلامتها المسيو جبرائيل مونو الذي رأى الناس من أعماله ما جعله أليق العلماء بهذه الوظيفة المقدسة. تلقى جبرائيل العلم مع لافيس ورامبو ودوري وفيدال دولا بلانش أوجستن فيلا في صف واحد من مدرسة دار المعلمين وكان يطال ببصره إلى ما وراء الأفق باحثاً عن مكان يلجأ إليه للتحقيق والتتبع ثم انجذب دفعة واحدة بما فطر عليه من الاستعداد نحو ألمانيا تلك الأرض التي أجمع هو وأصدقائه وأساتذته على أنها الوطن الثاني للذين يحيون ليفكروا ويدأبوا فكانت حجرة عملة في زقاق (أولم) تردد أصداء نغمات وادي ألب ووادي أردر على جميع الشبأن العاملين الأذكياء الباحثين عن الحقيقة في تلك الديار وهي ملجأ المتخرجين في مدرسة دار المعلمين الفرنسية من أراء الفلسفة القديمة. يسير علم اللغات نحو التكمل والنشوء في بافيرا وسكسونيا وبوم رانيا بجميع فروعه حتى أصبح أفاضل فرنسا مدينين لكليات ليسبيك وبون وهالة وغوتنغن. وأني لار نست رنان أن يضع كتابه حياة المسيح لولا أبحاث استر وس في أصول اللغات وهذا غاستون بوفاسيه أحد أعضاء المجمع العلمي الفرنسي يعترف بأنه تلميذ مومسن المؤرخ الألماني وهؤلاء فو كار وجورج برو وميكائيل بريال والبرد ومن قد بنوا مؤلفاتهم كلها على أفكار علماء ألمانيا شاكرين وكذلك القصصيون في فرنسا قد ساروا وفي مقدمتهم غاستون باري تحت لواء الأستاذ ديبز الشهير. مرت على المسيو مونو في دار الأستاذ وايج أمام كلية غوتنغن ليال حفل وطابها بالفوائد الجمة وهنا يلقي الأستاذ على مونو وعشرة من رفاقه مباحث حافلة وخطابات ممتعة في فقد التاريخ وفلسفته حتى قال مونوكانت هذه الدروس تبث في أفكارنا انتظاماً ووضوحاً وكنا متلذذين بما نشعر به من حب العلم والحقيقة وإبداء صفحة الوجوه لهما. كان وايج ذا فطرة ملكية تلاءم علمه في تربية أفكارهم أكثر من اجتهادي في التأليف وأظنني نجحت. ذلك لأن كتبي ستذهب بها الأيام إلى زوايا النسيان ولكن اسمي ستتلقاه العصور بعضها عن بعض ما دامت أعمال تلاميذي ومباحثهم العلمية باقية فمثل آراء هذا الأستاذ الفاضل تهذب الألمان وأحسوا بوجوب الانتقام من الفرنسيس وبمثل هذا التهذيب تمثلت كوائن بسمارك وحركته السياسية. وبينا كان جبرائيل مونو متطوعاً في خدمة جرحى حرب السبعين تحت قيادة المارشال ما كما هون والجنرال أرول بالادي الفرنساويين حدث أن صادف أكابر لغويي الجرمأن في لباس أفراد الجند البروسي فدهش لذلك ووقف ذأهلاً معجباً. ما أمحت أماني الفرنسيين في البراز الأخير من هذه الشعوب من هذه الحرب الشؤمة حتى ذكر مونو الذي كأن يسعى بين جثث جرحى الحرب يائساً - أنه مؤرخاً وأخذ يؤلف كتابه (الألمان والفرنسيين) نأقلاً فيه مشاهداته منذ بلغ مدينة (راكور) من أعمال اللوريين إلى ذهاب نابليون الثالث وفي هذا الكتاب طبق مونو نظرياته الفلسفية التي كان يعملها تلاميذه. وأنك لتقرأ من خلال سطوره أسلوباً مشبعاً بالجد والتؤدة براء من كل طعن أو تعريض دالاً على أن مونو من المؤرخين الذين يرون أن التصريح بالحقيقة كيفما كانت أنفع الطرق وأسماها. من أجل ذلك كان الكتاب من أثمن ما كتبه المعاصرون عن هذه الحرب. وإن أسباب غلب الفرنسيس يتمثل أمام أنظار القارئ في كل صفحة من صفحاته حتى كانت حرية وجدان المؤلف وصدق لهجته المعزز بالآراء العلمية سبباً لنحت أسئلته على السن مدعي الوطنية الغارقين في لجج الخيال. ومما فطر عليه المترجم به استيلاؤه على غايات التواضع فلا يريد أن يصفق له ولا أن يستحسن عمله مكتفياً بتسليم ما اهتم بجمعه من الخزائن إلى فريق خاص غير طالب لقاء ذلك شهرة أو سمعه وأن المصفي إلى مونو ليحار من أصوله وتبحره الواسع وتدريسه القويم مع قلة اهتمامه بالخطأبيات. وإذا وجد في المجالس التي ترجح التؤدة والكون أنصت حتى إذا سخت له - والقوم في أثناء المناقشة والحوار - سانحة تلألأت جبهته المفكرة وأبرقت عيناه من وراء نظارتيه الذهبيتين وترك قلمه ومذكرته وأخذ يلقي على السامعين ما يظهر له بعواطف شديدة ولسان مبين. وأنك لترى الجهل واللهو والعيون الساهية قد انتبهت كلها مغلوبة لما فتح أمامها من أعماق مناظر الماضي الفسيح. وبعد فإن تأثيرات مؤرخنا الفاضل في التدريس لا تظهر من مؤلفاته لا من تعاليمه في دار المعلمين ولا من كتاباته في المجلة التاريخية التي تولي أدارتها أكثر أيام حياته بل من محاوراته الخاصة مع تلاميذه ورفاقه في التحرير ومع أصدقائه وقد خاطبه صديقه أرنست لافيس في خطبة ألقاها يوم احتفال إحدى الكليات قائلاً: (أنك لتلقي بنفسك إلى التهلكة لتخلص غيرك منها ولا تمنع نصائحك ومعونتك عن أحد وأنك لتسرع إلى مكاتبة المشتغلين بالبحث عن الحقيقة وسلامة البشر مهما كانت نحلتهم وقوميتهم). ومن نتائج أبحاث مونو المثمرة في ألمانيا اجتهاده في تفهيم جميع تلاميذ المدارس معنى (التعاون والاتحاد) وخلاصة الفكر الأساسي الذي يذهب إليه هو وأصدقاؤه: (أن الفرنسيس مستحقون لما نزل بساحتهم من البلايا كما أن الألمان أهل لما نالوه من النصر وما علينا الأن الا أن نسعى إلى اقتطاف ثمرات هذا الدرس المفيد فإنها نافعة لنا ولا تكون الصدمات الاجتماعية وخيمة إلا على أصحاب الغفلة والخمول. ولقد عرفنا منذ الآن ونحن مضطرون لدفع جميع ما يتهدد جامعتنا والسلم العام من الحوادث. وأن الغالبين قد أخذوا المقاطعتين من أرضنا والخمسة مليارات من أموالنا وما علينا إلا أن نقتبس من فضائلهم لقاء ذلك). وبعد فإن من الأبطال الذين ألقوا بأنفسهم إلى ساحة البراز في مسألة در يفوس الاجتماعية من أجل الحقيقة والعدل هو المسيو مونو أيضاً فإنه اجتهد في هذا الدرس العام أن يعلم الإنسان أن من واجباته أن يفادي بنفسه في نصرة الحق ولكنه لم يسلم بدفاعه هذا من تعريض المعرضين وسهام أولئك الذين رأى أن ليس من إهانة لهم غير (السكوت). القسطنطينية محب الدين الخطيب روزفلت وحرب أمريكا الاجتماعية والاقتصادية من راجع تاريخ الأمة الأميركية وراقب نشوءها ونموها وسيرها السريع في مضمار العمران والفلاح ووقف على خدمها للجنس البشري لا يستغرب إذا قلت أن هذه هي أرض الميعاد وأن شعبها هو شعب الله المختار - شعب الله المختار لا ليأكل العسل ويشرب اللبن ويتمتع بالطيبات ويتنعم بالخيرات فقط بل شعب الله الذي اختاره ليحمل للعالمين نبراس الحرية والإنصاف وليمد يد الإخاء للبائس في كل قطر ويغيث المحتاج في كل مصر ولتكون بلاده ملجأ للمظلوم والتعس ويجد فيها طالب الحرية والاستقلال الشخصي والتقدم والارتقاء ما يؤهله لنيل مبتغاه. وليس معنى ذلك أن البلاد بلغت حد الكمال أو إنها حلت جميع مشاكلها الاجتماعية والاقتصادية أو إنها استراحت من الأتعاب فألقت رأسها على مسند الرغد والنعيم وانقطعت عن الجد والعمل والتلذذ بالخيرات لأن البلاد الحية كالفرد الحي لا تطلب الراحة ولا ترتاح إلى الهدوء والسكينة بل تقوى بركوب الأهوال ومصارعة الصعاب. لأمريكا مشاكل عديدة تظهر عسرة الحل لمن لا يعرف نشاط هذا الشعب وإقدامه كان الله عز جلاله يبتغي بقاء هذا الشعب فيقيم له من أبنائه رجالاً يدفعون عنه الأخطار كلما تهددت البلاد المشاكل وسطت عليا الأزمات. أرسل واشنطن القائد الباسل فحل بيده رقبة الأجنبي ثم لما وشكت البلاد أن تنقسم على نفسها بعث لنكن فبدد عوامل الانقسام وربط أجزاء البلاد بعضها ببعض حتى صارت كما كانت قبل حربها الأهلية تحت علم واحد تسعى إلى غاية واحدة وتدفعها إلى السعي نفس القوى والأمال. فاليوم إذ تفاقم شر حربها الاقتصادية وبلغ اعتساف ملوك المال الحد الذي لا يطاق أقام الله بطل الأمة (تيودور روزفلت) ليدافع عم حقوق الشعب ويؤيد سلطة القانون ويعاقب المجرمين سواء كانوا من أرباب الملايين أو من الذين دأبهم السعي لهدى أركان المجتمع الإنساني الحاملين الراية الحمراء لا يحترمون الشرائع ولا يعبئون بنظام الهيئة الاجتماعية. إن سياسة هذا الباسل منذ ابتداء في معاركة المسائل الاجتماعية ومحاربة الاختلال والفساد في الأحكام يتضمنها قوله: (إن حريتي لا تعرف أخاً). فهذه الحرية التي لا تعرف الصديق إذا اعتدى على الحق هي التي جمعت حوإليه قلوب الأمة وألقت الرعب في قلوب أهل البشر والفساد. روزفلت رئيس البلاد اليوم وقائد الحزب الجمهوري كان من أتباع هذا الحزب منذ أنجز دروسه في كلية هارفارد ودخل ميدان الحياة غير أن هذا لا يمنعه من رؤية العيوب التي انتطخ بها رجال حزبه. ما تعين رئيس شرطة مدينة نيويورك حتى شهر سيف الحرب على أعداء الفضيلة والأمن والآداب ولم تعرف حريته أخاً أو صديقاً فتضايق كثيرون من أتباعه وخاف الجمهوريون عاقبة هذه الصرامة فحسبوا أن هذه التدقيق يكثر أعداء حزبهم ويقوي جيوش أضدادهم فهرعوا إليه وقالوا لقد تجاوزت حد الاعتدال والحكمة في تنفيذك القانون فبعض هذه الشرائع مضر بالمدينة إذا صار تنفيذها حسب منطوقها الحرفي. فأجابهم أنني مسئول عن تنفيذ الشرائع كما أجدها فإن تكن غير موافقة فليبادر المشرعون إلى تغييرها. ولما أنتخبته ولاية نيويورك حاكمها كانت أشد حملاته على الفاسدين من رجال حزبه فشعر يومئذ بنفوذ أهل المال وتأثيرهم في نواب الشعب واشترائهم الأمتيازات بالأموال وإدراك أن هذا هو الخطر الذي يسرع بالحكومات النيأبية الديمقراطية إلى الفساد والانحلال فتألمت نفسه الحرة لاسيما وأن أكثر أصحاب الأعمال والأموال هم من حزبه. لما شبت الحرب الاسبانية استقال من منصبه وكان مستشار وزارة البحرية وتطوع لمقاتلة الأسبأن فقاد فرقة من الخيالة المتطوعين وقد سطر التاريخ له البسالة والشجاعة في موقعه (سان جوان) وملكته شجاعته قلوب مواطنيه. فلما اجتمع زعماء الحزب الجمهوري في فيلادلفيا سنة ١٩٠٠ م لترشيح رجلين للرئاسة ولنيابة الرئاسة كان روزفلت يومئذ (أسد الشعب) فظن كثير من الكتاب ورجال السياسة أن مجلس الأمة سيرشح روزفلت للرئاسة ولكن رؤساء الحزب وقد عرفوا استقلال وجدانه وقوة أرادته سعوا إلى إبعاده عن الرئاسة فأشار الداهية بلات مدير الحزب الجمهوري في نيويورك أن يرشحوا روزفلت لنيابة الرئاسة أملا أن يقلدوه ذلك المنصب القليل الخطر من حيث والنفوذ فيرضون بذلك الشعب الذي يحب روزفلت ثم يضعون في هذا منصب الرئاسة رجلاً يصغي إلى أقوالهم ولا يحارب مصالحهم وكان ما كان من ترشيح مكنلي للرئاسة وروزفلت لنيابة الرئاسة وفوز الإثنيين في ذلك المعترك على زعماء الحزب الديمقراطي إلا أن الله بعث لمقاصد سامية فوضوياً أثيماً ليطعن الطيب القلب وليم مكنلي تلك الطعنة التي أرسلت روحه إلى العالم الثاني فارتقى روزفلت إلى كرسي الرئاسة فهلعت قلوب ملوك المال وقالوا في سرهم خلا الجو لروزفلت فإنه سيقيم علينا الحرب التي كنا نتحاشاها وخاف الشعب أيضاً من تغيير السياسة فجأة يضر الأحوال فيوقف حركة الأعمال وتصاب الأشغال بكساد عظيم. غير أن روزفلت أبى أن يجلب الاضطراب إلى البلاد فتعهد للشعب أنه سيسير في سياسته على الخطة التي رسمها مكنلي فهدأ روع أرباب المصانع ورؤساء الشركات الكبيرة وأصحاب السكك الحديدية وبقيت البلاد تتمتع بالنجاح الفلاح. ولما أنتهت مدة رئاسته سنة ١٩٠٤ م رشحه الجمهوريون ثانية للرئاسة لأن صوت الشعب لم يقبل بشخص آخر. وما خمدت نيران تلك المعركة السياسية حتى انجلت عن فوز روزفلت على خصمه باركر فوزاً باهراً لم يسبق في تاريخ الأمة. ما استلم روزفلت أزمة الرئاسة للمرة الثانية حتى جرد سيفه لمقاتلة كل من اعتدى على شرائع البلاد لا يرهب في حربه سطوة عدو ولا يراعي حرمة صديق. أو كما قال أن حريتي لا تعرف أخاً. ارتقت البلاد وتقدمت وزادت ثروتها في السنين الأخيرة زيادة يصعب على العقل أن يدركها فليس من دولة بين دول المتقدمين أو المتأخرين أدركت ما أدركت أمريكا من التقدم. تجارتها سبقت كل تجارة ومصانعها ومعاملها لا مثيل لها في الأرض. زراعتها تدر الخير على البلاد كالسيل الجارف. خطوطها الحديدية لو مدت في خط واحد لبلغ طول ذلك الخط أكثر من المسافة بين الأرض والقمر. صادراتها ووارداتها السنوية تزيد على الثلاثة آلاف مليون ريال وهذه ليست إلا سبعة بالمائة من تجارتها الداخلية وفيها من أصحاب المال من يزيد إيراد الواحد منهم على إيراد بعض دول الأرض. تكأثر المال فيها فزادت قوة الماديات وأصبح تأثير الريال خطراً على المطامع والغايات في بلاد الحق والحرية والمساواة أخذ الممولون يؤلفون الشركات الكبرى ولا هم لهم إلا الكسب وإن تكن طرق تأسيسها مخالفة لشرائع البلاد ونظاماتها ومغايرة للصدق والشهامة والحق. اختلت الآداب في الأشغال الكبيرة فصار من الهين على بعض ملوك المال أن يشتروا الأمتيازات من مجالس التشريع ومنتديات سلع تجارية تباع وتشرى بالمال. ثقلت وطأة هؤلاء الملوك الذين أخذوا يحتكرون الحاجيات والكماليات فصرخ الشعب صراخ المظلوم في أرض الحرية سمع صراخه الأسد الباسل تيودور روزفلت فحمل على العدو الحملة بعد الحملة وها هو الآن لا يزال في ساحة الوغى يرميه أعداؤه وهم أعداء الشعب بسهام العدوان والبغضاء فيبيدوها ترسة المتينيمتحطمة مكسرة لأنه يدافع عن الحق ولأن الشعب والله يشدان أزره في حربه الشريفة. اتفق سراً ملوك السكك الحديدية (هريمن) و (هل) و (مورغن) وغيرهم على جعل شركات الخطوط الحديدية التي تربط شيكاغو ومدن الولايات المتوسطة بالشاطئ الباسيفيكي شركة واحدة. قصدوا من ذلك الاتفاق قتل المناظرة ليتيسر لهم الاستبداد في أجور الشحن والسفر ضموا بذلك الاتفاق شركة (الباسيفيكي الشمالية) وشركة (الباسيفيكي المتحدة) وشركات أخرى صغيرة دعوها شركة التأمين الشمالية. وما انتشر أمر هذا الاتفاق حتى شكا أهل الغرب وتذمروا من استبداد ملوك الخطوط الحديدية. ورفعوا شكوأهم إلى ستة من حكام الولايات الغربية فلم يستطع هؤلاء أن يردوا المعتدين عن سيرهم السيئ وعيشهم بالقانون فعرضوا على الرئيس الحالة فأوعز روزفلت إلى المدعي العمومي أن يستقرئ أمر الشركة الجديدة فبحث المسيو نوكس سراً فوجد أن الشركة العظمى قد تعدت حدود القانون. فلم يتأخر روزفلت يوماً وأحداً عن أقامة الدعوى على هؤلاء الملوك الماليين فحاكمتهم الحكومة أمام مجلس القضاء فوجدتهم معتدين فأجبرتهم على فض الاتفاق ولم يكن بالحسبان أن الحكومة تقدم على مقاتلة شركة أموالها تعد بمئات الملايين ولكن حكومة رئيسها روزفلت لا ترهب (مورغن) ولا تخشى (روكفار) ولا (هيل). لما طلب روزفلت رؤساء الشركة التي أشرت إليها للمحاكمة هرع (مورغن) العظيم إلى واشنطن فدخل القصر الأبيض وهو عالم أن لخصمه حرية لا تعرف أخاً. فقال مورغن: يلزم أيها الرئيس أن نجتمع معاً ونتفق على أمر. يجب أن نحل المسألة بالمسألة. فأجابه الرئيس أخاف يا مستر مورغن أن لا تكون حتى الآن عارفاً منصبي. أنا هنا لأنفذ شرائع الولايات المتحدة. ولكن نحن يا مستر روزفلت لم نخالف القانون إذا لم تخاف من الأذى؟ نعم ولكن يجب أن تتسأهل أيها الرئيس. لا تسأهل في تنفيذ القانون. فآب مورغن ملك المال في أمريكا الذي يرعب (وال ستريت) - شارع الصيارفة في نيويورك - لأقل حركة أو لفظة منه تكسوه الخيبة ويرأفقه الفشل. وبعد أن عاد مرغن خائباً إلى نيويورك ذهب إلى واشنطن غيره من رؤساء السكك الحديدية ممن لهم علاقة بالشركة الكبرى قال أحدهم: كان من الضروري يا حضرة الرئيس قبل أن ترفع علينا الدعوى أمام المحاكم. فأجابه روزفلت بقوله لماذا؟ - لأن أقامة الدعوى بغتة أسقطت أسهم السكك الحديدية فكان يجب أن تفيدنا عن عزمك رحمة بالأرامل والأيتام الذين يملكون أسهماً في هذه الشركات. فأجابه المدعي العام هل أخبرتم الأرامل والأيتام لما احتكرتم أسهم الشركة الباسيفيكي الشمالية؟ وعندئذ تكلم الرئيس بلغة لم يسمعها قبلاً هؤلاء الأغنياء فقال: أن الحكومة لا تعلن عندما تعتقد أنه ارتكب جريمة بل توقفه ثم تخبره عن الجريمة التي ارتكبها. لماذا تطلبون من الحكومة أن تعلن المجرم إذا كان غنياً ولا تعلنه إذا كان فقيراً؟ وهكذا النصر لروزفلت خادم الشعب الأمريكي وخاب هريمن ملك السكك الحديدية الذي يستولي على خطوط تزيد قيمتها على ألف ومائتي مليون ريال. والذي يسعى إليه روزفلت هو أن يضع كل شركات السكك الحديدية تحت مراقبة الحكومة في واشنطن المراقبة الرسمية ويعتقد أن هذه الشركات متى علمت أن عين الحكومة ترى كل مخبآها وتعلم بكل أفعالها فلا تجسر أحد على أحد الأعمال المخالفة للشرائع على أن بعض رجال السياسة يخشى من أن تزيد المراقبة في سلطة الحكومة الزيادة التي ربما تعود بالأخطار على المبادئ الديمقراطية وهؤلاء الساسة يطلبون هذا الحق - حق المراقبة الرسمية الفعالة على السكك الحديدية للولايات المختلفة. أما براين زعيم الحزب الديمقراطي فيرى أن اعتساف شركات الخطوط الحديدية لا تكون عاقبته السيطرة ومراقبة حكومة واشنطن على الخطوط الحديدية فقط بل الاستيلاء التام أيضاً على جميع سكك البارد. ولكن روزفلت لا يرى الآن دافعاً إلى هذا التطرف في محاربة هذه الشركات الهائلة. وآل ستريت يكره روزفلت الكره الشديد لأنه لا يستطيع أن يلين أرادته الحديدية. اتفقت شركات اللحم تحت إدارة شركة واحدة فصارت تستري المواشي من الفلاحين بالأثمأن التي تعينها وتبيع اللحوم بالأسعار التي تلائمها وعدا ذلك فإنها تبيع اللحوم غير الصالحة للصحة فحاربها الرئيس فقهرها أمام المحاكم ثم حمل مجلسي الشيوخ والنواب على سن قانون يعين رقباء من قبل الحكومة يفحصون كل ما يذبح من المواشي وكل ما تقدده الشركات من اللحوم فمن يخالف القانون يعاقب حتى أن الحكومة صارت تجبر هذه الشركات على وضع ختم المراقبة على كل ما تبيعه. اختلت نظامات السكك الحديدية وفسدت مديريها فصاروا يحابون بالأمتيازات التي يعطونها لأرباب المتاجر والمصانع يطلبون من زيد التاجر الغني رسوماً أقل من عمرو المتوسط الحال فإذا كان عمرو الفقير الحال أو المتوسط الحال مناظراً لزيد الغني في بلد واحد يعجز عن مناظرته لأنه يدفع رسوماً باهظة لاستجلاب بضائعه من مصادرها على حين يستجلبها زيد بأجور زهيدة فسنت الحكومة قانوناً يقتضي بموجبه أن تكون الأجور واحدة للغني الكبير والتاجر الفقير. ولكن التجار الكبار وأصحاب السكك الحديدية لجئوا إلى حيلة يدرسون بها القانون ولا يكونون بها تحت سلطته وبذلك أعني نظام الترجيع أي أن شركة الخط الحديدي تأخذ نفس الأجور من كل التجار الذين يشحنون بضائعهم على خطوطها ولكنها ترجع سراً إلى من تشاء مبالغ يتفقون عليها قبل الشحن. فالفقير والمتوسط الحال شكيا أمرهما إلى الحكومة فسنت النظام ضد الإرجاع ولكن الشركات الكبرى استمرت على مخالفة القانون فأقام عليها روزفلت حرباً عواناً. ومن هذه الشركات شركة الزيت العظيمة التي يرأسها كفار أغنى أغنياء العالم وشركة السكر وغيرها. والحرب اليوم قائمة في المحاكم بين الحكومة وبين شركة الزيت الشهيرة وقد أقامت الحكومة الأدلة الراسخة علة ذنوب هذه الشركة ولا شك أنها ستلقي جزاء آثامها العديدة ويقال أنها ستدفع من الغرامات لا أقل نمن ثلاثين مليون ريال فتأمل. حمل الطمع بعض الشركات التي تجيز الأطعمة المقددة على الالتجاء إلى الغش والفساد فتكأثرت أضرار هذه الأطعمة حتى لم يعد يثق الإنسان بسلامة نوع الأنواع استخدموا الكيمياء فصاروا يخلطون المركبات الكيميائية بالأطعمة لكي يطول حفظها في علب الصفيح التنكأو الزجاج بل تعدوا هذا فصاروا يركبون المواد المختلفة ويقلدون الأطعمة الطبيعية كالعسل والدبس والقهوة وما شاكل ذلك حتى لم يعد يعرف الناس بعض الأحيان هل هم يأكلون أطعمة مركبة في معامل كيماوية أم مستخرجة من خيرات الأرض. عقد النية روزفلت أن يضع لهذا الغش والفساد فسعى بكل قواه حتى حمل مجلسي الشيوخ والنواب على سن قانون (الطعام التقي) وفاز بسعيه على الرغم مما أنفقته هذه الشركات من الأموال وما بذلته من المساعي. ومن يغش الطعام الآن يعاقب أشد المعاقبة. ومما يزيد جهاد روزفلت شرفاً في محاربة ملوك المال المفسدين أن هذا المحارب ابن عائلة غنية وصاحب ثروة طائلة فحربه ليست حرب رجل اشتراكي المبادئ أو حرب رجل يروم نقض بنيأن الهيئة الاجتماعية إنما هي حرب رجل تتألم نفسه من الاعتساف والرشوة والفساد والاختلال سواء صدرت هذه المساوئ من هريمن ملك السكك الحديدية أو من أصغر عامل في أحقر معمل في البلاد. فالكل في اعتقاده متساوون أمام القانون من يعصي الشريعة أو يدوس النظام يجب أن يلقى العقاب سواء كان من أصحاب المعامل أو من العمال. فرو كفار يعرف أنه يلقى روزفلت إذا زار القصر الأبيض الأكرام والرقة ولكنه يعرف أيضاً أن جون متشل رئيس جمعيات الفعلة في المناجم يلقي نفس المعاملة وقد سأله مرة أحد أصدقائه وهو على القطار في كاليفورنياأي رسالة تحب أن أحمل منك إلى جمعيات العمال المتحدين فأجابه روزفلت قل لهم أني سأعامل بالعدل والإنصاف الفعلة المتحدين في جمعيات منظمة وسأعامل بنفس العدل والإنصاف الفعلة الذين لا ينتسبون إلى جمعيات منظمة وسأعامل بنفس العدل والإنصاف أرباب المال والأملاك. الجميع سواء أمام الشريعة. لما احتفل نادي كرد ايرن في واشنطن في العام العابر احتفاله السنوي وكان من المدعوين روزفلت وسفراء الدول وأكبر رجال الأعمال والأشغال في البلاد خطب روزفلت خطاباً صريحاً لا يزال صداه يرن في إذان من سمعه. ومن جملة ما قال وقد وجه مقاله وقتئذ إلى كبار الممولين الحاضرين ما معناه أ، الست عدو المال والممولين. أنا لست عدو الأرزاق. أنا أعظم صديق للمال المجموع طبقاً للشريعة والنظام. أنا أخلص صديق ومدافع عن الأملاك. إذا أردتم أن تحرس أملاككم من الرعاع الذين يعتدون على القانون فعلموهم أنتم كيف تكون المحافظة على القانون. الغني المعتدي على القانون أكثر مسئولية من المعتدي الفقير. إذا رمتم سلامة الأملاك والأمان على الأرزاق فحافظوا أنتم على النظام واحترموا الشريعة وإلا فإني أحذركم من الرعاع. الرعاع. الرعاع. صيارفة وال ستريت يسمونه (روزفلت الفضولي) ويوجين دس الفوضوي يدعوه (روزفلت المجرم) والدكتور داي رئيس كلية سيد كيوز الجامعة يسميه (الفوضوي) وبعض أعدائه يدعونه (المحارب). (المهيج). (الساعي إلى القلأقل الاقتصادية). (لذلك لا يجد لذة بغير الحرب والخصام) ولكن الشعب الذي يتكون منه الرأي العام - تلك القوة الفعالة في البلاد الديمقراطية يحبه ويبجله ويثق به. أعداؤه يرون في سياسته خطرا على البلاد أما الشغب فإنه يحثه على القبول أن يرضى بترشيحه للرئاسة سنة ١٩٠٨ لكن روزفلت يرفض الرفض الصريح لأنه لا يحب أن يخالف النظام غير المكتوب الذي لا يستصوب انتخاب رجل لرئاسة البلاد للمرة ثلاث مرات. جورج واشنطن محرر أمريكا هو أول من رفض الانتخاب المرة الثالثة وقد مشى الرؤساء بعده على هذه الخطة الحميدة والمقصود منها أن تبقى القوة قي قبضة رجل واحد لئلا يميل إلى حب الاستبداد والاستئثار بالأحكام. لم يقم رئيس واشنطن أحبه الشعب في حياته كما يحب تيودور روزفلت ففيه تتمثل أسمى آمال الشعب الأمريكي وأرقى عواطفه. فمن أخلاقه الشجاعة وحرية الوجدان ومحبة الإنصاف والعدل والميل إلى مساعدة المظلوم البائس وحب الجد والهمة والإقدام على عظائم الأمور بصبر وثبات فهو أشرف ممثل لصفات الأمة فلذلك هامت به القلوب وتعلقت به الأفئدة. يتهمه أعداؤه بمحبة الحرب والقتال والميل إلى سفك الدماء. ولكن الشعب يعلم أنه هو الوحيد بين عظماء الأرض وملوكها الذي أوقف أفظع حروب الأعصر الحديثة - الحرب الروسية اليابانية - وحقن دماء بني البشر التي كانت تجري كالأنهر في أودية مانش وريا ولذلك يدعونه واضع السلام ولا يستغربون أن وهبته دولة نروج مدالية نوبل التي لا تهبها إلا لمن يخدم السلام أكبر الخدم. ينسب إليه أعداؤه الكبرياء وحب السلطة ولكن الشعب يعلم أنه يرى الفضيلة ويكرمها أينما وجدها فلذلك أضاف في القصر الأبيض الزنجي الأسود بوكر واشنطن لأنه يعلم أن بوكر واشنطن الزنجي رجل فاضل يخدم شعبه ويرقي حالتهم ويساعد بذلك أمريكا على حل أكبر مشاكلها الزنوج. أعداء روزفلت يتهمونه بتحريك الاضطرابات الاقتصادية ولكن الشعب لا ينسى أن روزفلت هو الذي أطفأ نار تلك الحرب الاقتصادية التي قامت بين أصحاب مناجم الفحم والعمال المعتصمين وأنقذ البلاد من أخطار ثورة عظيمة عندما تعاظم الخلاف بين أرباب المال والعمال في المناجم وتوقف عن العمل لا أقل من نصف مليون عامل. ولقد ارتفعت أثمأن الفحم بأبهظ الأثمأن لعدم وجوده عندما دخل الشتاء ببرده وثلجه والخلاف لم يزل مستحكماً فضاقت النفوس وتهيجت الخواطر وخاف العقلاء من شر ما يحدث وسعى كثيرون أن يرجعوا الحالة إلى سابق عهدها ولكن أصحاب المناجم أبوا أن يسلموا بواحد من مطالب المعتصمين. عندئذ عزم روزفلت على حسم الخلاف فاستل سيف الغيرة متخذاً من قوة الرأي ترساً يرد به كيد أصحاب المناجم الذين جاهروا في أول الأمر ليس لروزفلت حق بالمداخلة. فتدخل روزفلت على الرغم من اعتراضاتهم وأجبرهم أن يعرضوا المشكل على مجلس تحكيم يتألف أعضاؤه من رجال اشتهروا بالنزاهة والعدالة والمعرفة. تألف مجلس التحكيم ونظر في الخلاف فوجد أن الحق مع العمال فأبدى حكمه فخضع الفريقان وانتهى ذلك الخلاف العظيم ونجت من شرور ذلك الاغتصاب. ولا يسمح المقام أن أذكر أكثر مما ذكرت من حسنات هذا الرجل العظيم وخدمه للشعب الأمريكي خصوصاً وللعالم عموماً. ولاسيما في هذه الحرب الاقتصادية التي يسعر نارها ويكفيه فخراً أنه بث في الناشئة الأمريكية روحاً ظهر تأثيرها في كل ولاية ومدينة في أمريكا - روح القانون وكره الاختلال والفساد فهو الذي في جهاده وحياته وأقواله وكتاباته يفسر لتبيان كلمة نجاح بمعنى جديد أو قديم ولكن كاد ينزع من الأذهأن فالنجاح الذي يبشر به روزفلت هو النجاح الحقيقي الذي لا يشتريه المرء بالمفاداة بمبادئه وفضائله بل الذي يقوي المبادئ السامية ويكثر الفضائل. المال خير إلا إذا كان الحصول عليه لا يتيسر بغير العبث بالشرائع وقتل الوجدان فإذا ذاك يصير شر ما يتهدد الفرد والأمة. وخلاصة القول أن الخوف على فناء البلدان والممالك واضمحلال الشعوب وتأخرها لا يجب أن يكون من حدوث الاختلال والشرور فهذه ملأزمة للعمران حتى يبلغ درجة الكمال إنما الخوف كل الخوف متى استحكم الفساد ولا من يستأصله متى ضرب الشر أطنابه وليس من يجرد عليه سلاح الحرب والمقاومة فكيف نخاف على حياة أمة لا يظهر فيها فساد حتى تجد من يقاتله بغيره وثبات كيف نخاف على مستقبل هذا الشعب الأمريكي وممثل أسمى صفاته هو تيودور روزفلت الذي إذا نادى ودعا الشعب الأمريكي لمساعدته في خدمة الحق ومحاربة الإثم. سمع الناس نداءه لأنهم أحياء فقاموا يعضدونه في جهاده. وعلى الجملة فإن الحرب قائمة بين الحق والباطل وأن الأمال عظيمة بفوز الحق والعدالة إذ لم ير إلى الآن أن قائد لحق روزفلت خاب في موقعه منذ بدأ في حربه الشريفة لتأييد النظام والعدل. ولله در جون مورلي السياسي الأمريكي الشهير الذي قال بعد أن زالت الولايات المتحدة منذ عهد قريب رأيت في أمريكا مظهرين عظيمين للطبيعة شلالات نياغرا وتيودور وروزفلت برو فيدنس (الولايات المتحدة). الولايلت المتحدة شحادة شحادة اليونان أبطالهم البطل - البطل في بلاد اليونان رجل معروف يغدو بعد موته روحاً ذات سلطان ولا تتم له الربوبية بل ينال منها نصفها فمن ثم لا يسكن الأبطال في الأولمب في سماء الأرباب ولا يدبرون شؤون العالم أجمع ولهم مع هذا أيضاً سلطة فوق كل سلطة بشرية يغيثون بها أحبابهم ويهلكون أعداءهم. ولذا عبدهم للأرباب عبادتهم للأرباب واستغاثوا بهم وتضرعوا إليهم. وما من مدينة أو قبيلة أو أسرة إلا ولها بطل خاص بها وهو عبارة عن أشباح متخيلة تحميها فتعبدها وتتقدم إليها بأنواع القربات. ضروب الأبطأل - ومن هؤلاء الأبطال فئة اشتهرت في الأساطير وعدت من الأعيان مثل أشيل وأوليس أممنون ولا شك في أن بعضهم لا حقيقة لهم قط مثل وهيراكليس وأديب. وليس بعضهم إلا أسماء لا مسميات مثل هيلين ودور وس وعوس. غير أن عبدتهم ينظرون إليهم نظرهم إلى أشخاص قدماء وقد عاش معظم هذه الأرباب وبعضهم من الأعيان قد ذكرهم التاريخ وكانت لعم أعمالهم مثل لبون يداس وليزاندز وكانا من القواد وديمقراط وأرسطو وكانا فيلسوفين وليكورك وصولون زكانا مشرعين. وعبد أهل مدينة كروتون أحد مواطنيهم فليس لأنه أجمل أهل زمانه في بلاد اليونان. وكان الزعيم الذي يقود الطوارئ ويؤسس مدينة يعد بين السكان البطل المؤسس فيقيمون له معبداً ويتقربون إليه كل عام بأنواع النذور والقربان. وهكذا كان مليتاديس الأثيني يعبد في مدينة من أعمال تراسيا وباز يداس الإسبارطي الذي قتل في دفاعه عن امفيبوليس كما يعبد في هذه المدينة إذ اعتبره السكان مؤسساً لبلدهم. حضور الأبطأل - يظل البطل ساكناً في البلد الذي دفن فيها جسده سواء كان في قبره أو في الجوار. وقد وصف هير ودنس هذا المعتقد فكانت مدينة سيسيون تعبد البطل ادراتس فأقامت في الساحة العامة مصلى إكراما له. ولقد ارتأى كليستين جبار سيسيون أن يتخلص من هذا البطل فراح يسأل هاتف دلفيس عما إذا كان يفلح في طرد ادراتس. فأجابه الهاتف بقوله: أن ادراتس كان ملك السيسونيين وأنه لص وقاطع طريق فلما لم يستطع كليستين أن يطرد ذاك البطل عمد إلى الحيلة فبعث إلى ثيبة يبحث عن عظام بطل آخر اسمه ميلا نيبس كان من ألد أعداء ادراتس قتل له صهره وأخاه. ثم جعل تلك الأعياد والنذور تقدم إلى ميلا نيبس بعد أن كانت تقدم إلى ادراتس زمناً وراح يقتنع وسائر اليونانيين أن البطل المغتاط يركن إلى الفرار. مداخلة الأبطأل - للأبطال قوة إلهية ففي وسعهم كما في وسع أرباب أن يفعلوا الخير والشر كما يشاءون. ولقد أخطأ الشاعر ستيز يشور في كلامه على هيلانة المشهورة (تلك التي جيء بها إلى طروادة على نحو ما ورد في الأساطير) فكف بصره حتى إذا رجع عن كلامه عاد بصيراً. ويزعمون أن هيلانة صارت نصف ربة بعد موتها فأرسلت للشاعر بالداء بادئ بدء ثم اتبعه بالدواء. ويدعون أن الأبطال الحامية لبلد تدفع عنها الأدواء والمجاعة وتذب عن حياضها من غارة بالدواء. وقد زعم الجند الأثيني أنهم رأوا بين صفوفهم في حرب ماراتون تيزيه بطل أثينة ومؤسسها وقد تدجج بسلاح لامع في حرب سلامي نية وظهر البطلان أجاكس وتيلا مون اللذان كانا فيما مضى ملكي جزيرة سلامينة في أعلى ذروة منها باسطين ذراعيهما نحو الأسطول اليوناني. قال تيموكلس (وما قهرنا الفرس إذ قهرنأهم ولكن الأرباب والأبطال قهروهم) وفي إحدى روايات سوفقلس (أديب إلى تولون) بينا كان أديب مشرفاً على الموت ملك أثينة وملك ثيبة وأراده كلأهما على الأرض بترك جثته تدفن في أرضهما ليكون بطلاً حامياً لها فأجاب طلبهما في أن يدفع في بلاد الأثينيين وقال لملوكهم: أني لا أكون بعد موتي خالياً من النفع في هذا القطر بل أكون ركناً ركيناً لا تقاويه ألوف الألوف من المحاربين. وكان يرى أن بطلاً وأحداً يساوي جيشاً برمته ويرهب بأس هذا الشيخ ولا رهبة الأحياء أجمعين. العبادة بدء عبادة الأرباب - كان الأرباب والأبطال على ما لهما من الحول والطول ينشرون في الناس جماع الخيرات والسيئات كما يشاءون فكان من الخطر أن يكونوا على المرء ومن العقل أن يكونوا وإياه يداً واحدة. ولقد ذهب القوم إلى أنهم كانوا أشبه بالبشر يسخطون إذا تركوا وشأنهم ويرضون إذا عني بهم. وعلى هذا الفكر نشأت العبادة فكانت عبارة عن إتيان صالح الأعمال مع الأرباب لنيل رضأهم. وقد صرح أفلاطون بالرأي العام كما يلي قال (أن الاضطلاع بالقول والقيام بصالح الأعمال مع الأرباب سواء كان في الصلوات أو في النذور هو من التقوى التي بها نجاح الخاصة والبلاد وعكسها هو الشقاء الذي به تثل عروش الممالك وتندك معالم العمران) يقول كسينوفإن في آخر كتابة الفروسية في بحبوبه النجاح. فالديانة كانت بادئ بدء عهداً وميثاقاً فكان اليوناني يسعى في استرضاء الأرباب وينال من لدنهم مقابلة ذلك ومنافع ومغانم قال أحد الكهنة أبولون لمعبوده أني قد أحرقت ثيراناً سمينة منذ زمن طويل بسهام غضبك أعدائي الأعياد العظيمة - زعم اليونان أن لأربابهم إحساسا وعواطف كعواطف البشر ولذلك عنوا بالقيام بكل ما يسترضى به الإنسأن فكانوا يقدمون لهم لبناً وخمراً وحلواً وفاكهة ولحماً وينشئون لهم قصوراً ويحتفلون إكراماً لهم بأعياد إذ كانت تلك المعبودات أرباباً سعيدة تحب الفرح والمناظر الجميلة. وما كان العيد كما هو الحال عندنا اليوم عبارة عن أفراح بل كان احتفالاً دينياً يضرب في خلاله عن الأعمال وتأخذ الأمة في إبداء مظاهر المسرة على رؤوس الأشهاد أمام المعبود. فمن ثم كان اليوناني يسر بهذه الأعياد ويحتفل بها إجلالاً لأربابه ومعبوداته لا قياماً بأهوائه الخاصة وشهواته. جاء في نشيد قديم إكراماً للمعبود أبولون أن الأيونيين يدخلون السرور عليك بما يقومون به من مطاعنتهم المعهودة وغنأهم ورقصهم. الألعاب الاحتفالية - نشأت الألعاب الاحتفالية من هذه المسليات التي كانت تقام أعظاماً للأرباب فكان لكل مدينة ضرب من ضروبها تكرم بها ومعبوداتها وما كانت في العادة تقبل لمشاركتها بها غير أبناء وطنها ومع هذا فقد بألعاب يشترك بها جماع أبناء يونان ويحضرونها وذلك في أربعة أماكن من البلاد اليونانية. وتدعى الألعاب الأربعة العظيمة وأخص تلك الألعاب ألعاب أولمبيا. يحتفل بها كل أربع سنين إكراماً للمعبود زيوس وتدوم خمسة أيام أو ستة فيأتي دهماء اليونان من أطراف البلاد تغص بهم الملاعب والمشاهد ويأخذون في تقديم الضحايا والتقرير بالصلوات إلى المعبود زيوس (الشمس) وسائر الأرباب ثم يتبأرى القوم في الأعمال الآتية: عدو على الإقدام حول الملعب. قتال يعرف عندهم بالبانتاتل لإنه كان عبارة عن خمسة ألعاب فيقفز المتبارون ويركضون من طرف الملعب إلى طرفه الآخر ويقذفون إلى بعد بطارة من المعدن ويرمون الحراب ويتقاتلون بالأيدي والأبدان. ثم ملاكمة بجمع الأكف يتقاتلون فيها وأذرعهم مستورة بسيور من جلد. ومسابقة عجلات كانت تجري في الميدان والعجلات خفيفة يجرها أربعة جياد ويتصدر القضاة في الألعاب بألبستهم القرمزية وقد توجوا بأكاليل الغار فينادي المنادي بعد القتال باسم الظافر واسم بلده على رؤوس الأشهاد ويكافأ بتاج من الزيتون جزاء ما وفق له ويستقبله مواطنوه استقبال الظافر الفاتح وربما خرقوا خرقاً في الحائط ليمروا به منه فيقبل تقله مركبة تجرها أربعة من الجياد لابساً القرمزي والشعب كله يخفره. وكان يعد هذا النصر الذي نعده اليوم من أعمال المصارعين في المحال العامة من أحسن الأعمال وأولاها على ذاك العهد يحتفل بها أعظم الشعراء ولم يكن هم بيندار أشهر شعراء الأغاني القدماء غير نظم المقاطيع في سباق المركبات. ويروى أن أحدهم واسمه دياكوراس رأى في يوم واحد ولدين له وقد توجا فحملاه على أعين القوم حمل الظافرين فلما شاهد الشعب أن أمثال السعادة عظيمة جداً بالإضافة إلى الميت ناداه: مت بادياكوراس إذ ليس في وسعك أن تكون بعد معبوداً. فضاق ذرع دياكوراس من الاضطراب ومات بين أيدي ولديه وفي نظره ونظر أبناء يونان أن رؤية وأكفهما قوية شثنة وسوقهما سريعة كأن ذلك منتهى السعادة الأرضية. وعلى هذا يحق لليونان أن يعجبوا بالقوة الطبيعية فقد كان أقوى المصارعين من أحسن الجند في الحروب التي يتقاتلون فيها جسداً لجسد. الفأل - كان اليونان يرجون من آلهتهم أعمالاً كبيرة تلك الواجبات والأعياد والاحتفالات فكأنت المعبودات تحمي عبدتها وتسبغ عليهم برود العافية والغنى والنصر وتقيهم المصائب والنوائب التي يتوقعون نزولها ترسل علامة من لدنها يفسرها الناس. وهذا ما كان يدعى بالفأل. قال هير ودنس كان إذا اقتضى لأحدى المدن أن تمتحن ببعض الخطوب يتقدم لها على ذلك علامة في العادة. ولقد تفاءل أهل شيو (صاقز) تفاؤلا دلهم على ما ينالهم من الهزيمة فلم يرجع من مئة فتى بعثوا بهم إلى دلفيس يترنمون وينشدون سوى فتيين وهلك سائرهم بالوباء. وعلى ذاك العهد أنفض سقف مدرسة المدينة على أطفال كانوا يتعلمون القراءة فلم ينج منهم سوى طفل واحد وكان عددهم مئة وعشرين. هذه هي الإمارات التي قدم الأرباب إرسالها على أبناء يونان تنذرهم وتبشرهم. ولقد كان اليونانيين يرون الأحلام والطيور التي ترفرف في السماء وأحشاء الحيوانات التي يتقربون بها لأربابهم بل وكل ما يقع نظرهم عليه من الزلزال والكسوف إلى عطسة يعطسها المرء - يرون كل هذه الأمور الطبيعية إمارات إلهية فيها سعادتهم وشقاؤهم ففي حملة صقلية بينما كان نيسياس القائد الأثيني يركب جيشه المنهزم في السفن أوقفه خسوف القمر فظن أن الأرباب بعثت بهذه العجيبة تنذر الأثينيين أن لا يتموا ما بدؤوا به من الأعمال الحربية فاضطر نيسياس إلى الانتظار سبعة وعشرين يوماً وهو يقدم القرأبين تسكيناً لغضب الأرباب. فسد الأعداء في هذه الفترة ميناء المدينة وحطموا أسطولها وبددوا شمل جيشها. ولم ير الأثينيون لما بلغهم النبأ سوى أمر واحد نجوا من أجله نيسياس وذلك إنه كان عليه أن يعرف أن اختفاء القمر بالنظر إلى جيش منهزم علامة حسنة. وفي غضون العودة المعروفة بعودة العشرة آلاف خطب القائد كسينوفون في جنده فلما أنتهى إلى هذه العبارة لنا الأمل الوطيد أن نرجع والمجد أليفنا بمعونة الأرباب عطس أحد الأجناد على الأثر فأخذ الجيش يهتف ويضرع إلى الرب على أن بعث لهم الفأل فهتف كسينوفون: إلا فلننذر بتقديم ضحايا لزيوس إذ بعث إلينا ما نتفاءل به بيننا نحن نتفاوض في سلامتنا. هاتف الغيب - كان الرب في الأحايين يجيب سؤل من يدعوه ويستشيره من المؤمنين لا بإشارة صماء بل على لسان أحد الملهمين من علية الناس فيأتي القوم مزار رب ينشدون أجوبة يتلقونها ونصائح يستنصحون بها وهذا هو معنى الهاتف بالغيب. وأنك لترى في أماكن كثيرة من بلاد اليونان وآسيا جملة صالحة من الهاتفين بالغيب وأشهرهم في دودون من بلاد أبيروس ودلفيس في سفح جبل البار ناس فكان الرب زيوس في دودون يجيب دعوة المضطرين بدوي أشجار البلوط المقدسة والرب أبولون كلن المستنصح في دلفيس وكأن يسري في مغارة من معبده من شق التراب مجرى نسيم طن اليونان أن الرب بعث به لأنه ما استنشقه إنسأن الا وخرف وجن ولذا وضعوا أثفية على شق الأرض وهي عبارة امرأة فتجلس على تلك الأثفية بعد أن تستحم في حمام مقدس وتقبل الإلهام فما هو إلا أن يأخذها شيء من البحرأن العصبي حتى تبدأ تصرخ أصوات وتتفوه بكلمات متقطعة فيتلقاها منها كهنة حولها فينظمونها شعراً ويقصونها على من جاء يستنصح فكان هتاف الغيب من بيسيا هذه مشوشاً ملتبساً. ولما سألها كريز وس. ولما سألها كريز وس عما إذا كان يجب عليه أن يشهر على الفرس حرباً أجابته بقولها (إن كريز وس يدمر مملكة عظيمة) ثم أن مملكة عظيمة تقوضت أركانها ولكنها كانت مملكة كريز وس. وكان للإسبارطيين ثقة عظمى بالبيسيا ولم يكونوا يسيرون حملة لهم من دون استشارتها وقد اقتدي بهم سائر اليونانيين وهكذا أصبحت دلفيس مبعث الهاتف الوطني. الأمفكتيونيا - ألف اثنا عشر رجلاً من أعيأن الشعوب اليونانية جمعية سموها الأمفكتيونيا حباً بحماية قبر دلفيس فكان يجتمع نواب هذه الشعوب كل سنة في دلفيس للاحتفال بعيد أبولون وللنظر فيما إذا كان المعبد يخشى عليه من مد يد الأذى لإنه كان ثروة عظيمة ربما تدعو اللصوص أن ينبهوه. وقد صادر أهل سيرا وهي المدينة القريبة من دلفيس هذه الكنوز الثمينة في القرن السادس فأعلن عليهم أولئك الأعيأن المشار إليهم حرب من استباح الأمور المحظورة وخرق سياج المقدسات فأخذت سيرا وهدمت من أساسها وبيع سكانها بيع الرقيق وأصبحت أرضها كان لم تغن بالأمس. ومع هذا فلا ينبغي أن يذهب ذاهب إلى أن مجمع الأمفكتيون أشبه في وقت من الأوقات مجلساً يونانياً. بلى أنه لم يعن إلا بمعبد أبولون لا بالشؤون السياسية وما قط ضرب على أيدي شعوب الأمفكتيون حتى لا يثيروا بينهم دواعي الشقاق فالهاتف الغيبي الأمفكتيونيا في دلفيس كان لهما حظ أوفر من سطوة الهاتفين والأمفكتونيين ولكنه ما ضم قط أشتات اليونانيين وجعلهم أمة قائمة برأسها. إسبارطة شعبها لاكونيا - لما هاجم أهل الجبال من الدوريين شبه الجزيرة المورة نزلت أعظم عصابة منهم في مقاطعة إسبارطة ولا كونيا واد ضيق يشقه نهر عظيم يعرف بالاوروتاس يحيط بهما جبلان عظيمان غطيت قممها بالثلوج وقد وصفهما أحد الشعراء بقوله أيتها الأرض الغنية التربة المخصبة الرباع المتعذر استنباتها واستثمارها أيتها البلدة الجوفاء المحصورة بين جبال قائمة الكثيبة في منظرها المنيعة على هجمات المهاجمين وقد عاش الدور يون من الإسبارطيين في هذه البلاد الحصينة بين ظهراني سكانها القدماء فأصبح بعضهم رعايا وفريق عبيدهم وموإليهم وبهذا أنقسم سكان لا كونيا إلى ثلاث طبقات وهم الهيلوتيون والبيريكيون والإسبارطيون. الهيلوتيون - سكنت هذه الطبقة من السكان أكواخاً منتشرة في الفلاة وأقاموا على حرث الأرض وزراعتها وما ملكوا الأراضي التي يعملون فيها ولم يكونوا مطلقين في مغادرتها وما كان حالهم في ذلك إلا حال عبيد القرون الوسطى مستأجرين تابعين للأرض خلفاً عن سلف عاملين لمالكها الإسبارطي وكان يتناول منهم أفضل قسم من غلاتهم. ولطالما احتقرهم الإسبارطيون وحاذروا بأسهم وأسأوا معاملتهم واضطرارهم إلى لبس ثياب غليظة وضربوهم بلا داع ليذكروهم أتهم عبيد وأرقاء. وربما أسكروهم في الآحايين لينفروا أبنائهم من السكر. وقد شبه أحد شعراء إسبارطة الهيلويينبحمر موقورة تكبو وتنوء تحت أعباء الأحمال وإعياء الضرب والبيريكيون - سكنت هذه الفئة مئات من القرى في الجبال أو على الساحل وألفوا الأسفار البحرية واتجروا وصنعوا المواد الضرورية للحياة فكانوا أحراراً يدبرون شؤون مزارعهم بيد أنهم كانوا يؤدون ضريبة لحكام إسبارطة ويخضعون لهم. حالة الإسبارطيين - أبغض الهيلوتيون والبيريكيون سادتهم الإسبارطيين يقول كسينوفون لم يكن لأحدهم عند ما تكلمه في شأن الإسبارطيين أن يكتم مبلغ سروره لو تسنى له أن يأكل الإسبارطيين أحياء. زلزلت إسبارطة ذات يوم وكادت تتداعى أركانها فما كان بأسرع من البرق حتى انهال الهيلوتيون من أطراف الفلاة ليقتلوا الإسبارطيين الناجين من الهلاك. ثم انتقض والبيريكيون وأبوا الخضوع. على أن الإسبارطيين كانوا من سوء السلوك بحيث يستحقون سخطهم. ولقد أمر الإسبارطيون عقيب حرب اشترك فيها كثير من الهيلوتيين في معسكراتهم أن ينتقموا من اشتهر منهم بالشجاعة ووعدهم أن يعتقوهم وكان هذا الوعد منهم حيلة ليعرفوا بها أشجعهم نفوساً وأجرأهم على إبداء نواجذ الثورة فإنتخب ألفإنإمنهم طافوا بهم أرجاء المعبد متوجة رؤوسهم إشارة إلى الحرية ثم أدخلهم الإسبارطيون في خبر كان ولم يعرف أحد كيف هلكوا على حين كان المضطهدون عشرة أضعاف موإليهم وما قط ربا الإسبارطيون على تسعة آلاف رب أسرة يقابلهم مائتا ألف من الهيلوتيين ومائة وعشرون ألفاً من البيريكيين واقتضى أن يعادل واحد من الإسبارطيين عشرة من موإليهم في مسائل القتل وإذ اعتادوا المصارعة قضت الحال بأن يكون أفرادهم أقوياء أشداء فكانت إسبارطة معسكراً لا جدار له وكان شعبها جيشاً على قدم الدفاع أبداً. التربية الأولاد - يؤخذ أطفال هذه الأمة منذ ولادتهم ليكون وأحداً منهم أجناد فكل مولود يؤتى به أمام المجلس فإذا وجد ضعيفاً أشوه يعرضونه على مجلس لأن أحوالهم أوجبت أن لا يكون جيشهم مؤلفاً إلا من أرباب القوة والجلادة فمن يستحيونهم يؤخذون من أهلهم في السابعة من عمرهم ويربون مع أقرانهم كانهم أولاد جماعة فيرحلون عارية أقدامهم وليس على أبدانهم غير رداء واحد هو وقايتهم صيفاً وشتاءً وينامون على كدس من القصب ويغتسلون في المياه الباردة من نهر الأوروتاس ويقللون من الطعام ويزدردون كثيراً وأطعمتهم غليظة ليعتادوا أن لا يملئوا معدهم. ويقسمون إلى سرايا كل سرية مئة رجل ولكل منها زعيم. وكثيراً ما يريدونهم على التطاعن بالأرجل والأكف. ويساطون في عيد أرتيمس حتى تسيل دماؤهم أمام هيكله وربما مات بعضهم متأثراً من الضرب على أنهم قلما يستغيثون فيرون الشرف أن لا يرفعوا أصواتهم يريدون بذلك تدريبهم على أن يقتتلوا ويحتملوا العذاب والألم. وكثيراً ما يمنعون عنهم الطعام بتاتاً فيسرقون ما يقتاتون به فإذا خدعوا يضربون بالسياط ضرباً مبرحاً. وكان من أحد أولاد الإسبارطيين كما قيل وقد سرق ثعلباً وخبأه تحت ثوبه أن أثر جعل بطنه فريسة للثعلب ينهشه على افتضاح أمره وإظهار فعلته. وكان يراد تدريب الأولاد على حسن التخلص في الحروب فيسيرون غاضين أبصارهم ساكتين وأيديهم تحت ثيابهم لا يلتفتون يمنة ولا يسرة كانما على رؤوسهم الطير أمام الهيكل وكان عليهم أن لا يتكلموا على الطعام ويطيعوا كل من يلقونهم وذلك لكي يخضعونهم للنظام. البنات - أما سائر اليونانيين فيحجبن بناتهم في البيوت ويشغلنهم بحياكة الصوف. أراد الإسبارطيون أن يقووا أجسام نسائهم ويجعلنهم من المقدرة بحيث يلدن الأقوياء من الأولاد فمن ثم كانوا يربون البنيين على غرار البنات إلا قليلاً. ولقد كانوا يتمرنون في رياضتهم على الركض والقفز ورمي الأطر والطعن بالحراب وقد وصف الشاعر ألعاباً كانت فيها البنات كالمهارة مسترسلة شعورهن والغبار نأثر وراءهن وقد اشتهر من أمرهن أنهن كن أصح نساء اليونان وأشجعهن. التهذيب - حياة الرجال منظمة أيضاً كحياة الجند إذ قضت الحال عزائمهم أمام جمهور الأعداء فيكون الإسبارطي في السابعة عشرة سنة جندياً ويظل كذلك إلى الستين. فكأنت الأزياء وساعة القيام والمقام والطعام والرياضيات محددة بنظامات كما هو الحال في ثكنة الجند اليوم. فإذا لم يحارب الإسبارطي يستعد للحرب فيمرن نفسه على العدو القفز وحمل السلاح ويروض على كل حين عامة أطراف جسمه من عنقه وذراعيه وكتفيه وساقيه. ولا يحق له أن يتجر ولا يحترف ولا أن يحرث أرضاً فهو جندي وليس عليه أن يحيد عن مهمته بمعطاة أي عمل كان. وليس له أن يعيش في أسرته على هواه فإن الإسبارطيين يتنأولون الطعام زمراً زمراً ولا يخرجون من بلادهم إلا بأذن وهذا يعد من تنظيم جيش في ديار العدو. الإيجاز بالكلام - قاسى هؤلاء المحاربون شظف العيش فكانت سجناتهم صفيفة تقرأ فيها العجب والخيلاء وكانوا يختزلون الكلام اختزالاً. وهذا ما يسمى بالكلام الموجز وبالإفرنجية (لا كونيك نسبة لمقاطعة لا كونيا وقد بقي منها هذا التعبير). فكأنت الحكومة تبعث إلى حامية على خطر من مباغتة العدو لها برسالة لا تكتب فيها سوى كلمة (الحذر) ولقد أخطر ملك الفرس جيشاً إسبارطيا أن يطرح سلاحه فأجابه القائد تعال خذه ولما استولى لزاندار على أثينة لم يكتب سوى هذه الجملة سقطت أثينة الموسيقى والرقص - كأنت الأشغال لإسبارطة صنائع حرية بجيش. حمل الإسبارطيون معهم ضرباً من الموسيقى خاصة بهم كانت على جانب عظيم من الوقار والحماسة والكراهة في الإسماع وهي من ضروب الموسيقى العسكرية. فيروح الإسبارطيون إلى ساحة الوغى على نغمات المزمار ويسيرون على الإيقاع. ورقصهم عبارة عن استعراض قائد لجند فيرقص الراقصون الرقص العسكري المألوف ببلاد يونأن المدعو بالبيريك مسلحين ويتابعون عامة حركات القتال ويشيرون بالضرب والكر والفر والطعن بالحراب. بأس النساء - عرف النساء بتحميس الرجال على القتال واشتهرت أثار شجاعتهن في يونأن فكتب فيها المصنفات. وقد قتلت امرأة إسبارطية ولدها لفراره من الزحف قائلة إن نهر الأوروتاس لا يجري ليشرب منه الوعول ولما علمت إحدى نساء تلك البلاد إن خمسة أولاد لها هلكوا قالت ليس هذا ما أسألكم عنه فهلا كتب النصر لإسبارطة فلما أجيب بالإيجاب قالت إذا فلنحمد الآلهة ولنشكر لهم. التربيات الملوك والمجلس=للإسبارطيين أولاً كما سائر أبناء يونان ملوك ومجلس شيوخ ودار ندوة حفظت كل هذه التربيات ولكن من حيث الصورة فقط. فالملوك وهم من نسل المعبود هيرا كليس يشرفون ويكرمون ولهم حق التصدر في المواضع الأولى في المأدب ويقدم لهم من الطعام ما يكفي اثنين وإذا مات أحدهم يلبس جميع الرعايا عليه الحداد. بيد أنهم لم يتركوا لهم أدنى حكم بل يراقبونهم كل المراقبة. وكان مجلس النواب مؤلفاً من ثمانية وعشرين شيخاً منتخبين من العيال الغنية القديمة يقومون بما ندبوا إليه مدى الحياة ولكنهم لا يحكمون. المفتشون - أن المفتشين (ايفور) هم السادة الحقيقيون في إسبارطة وهم خمسة حكام يتجدد انتخابهم كل عام ويناط بهم تقرير السلم والحرب وفصل القضايا. وهم يرأفقون الملك في قيادة الجيش فيديرون حركة الأعمال الحربية وكثيراً ما يريدونه على الرجعة من الحرب وهم في العادة يستشيرون أعضاء مجلس الشيوخ ويقررون ما ينبغي باتفاق آرائهم ثم يجمعون الإسبارطيون في إحدى الساحات ويطلعونهم على ما تم من القرار ويطلبون إليهم أن يصدقوا عليه أما الأمة فإنها تستحسن ما تم بالهتاف دون أن تناقش في أقل مسألة. ولا نعلم فيما هذه الحكومة حكومة إشراف مؤلفة من عدة أسرات حاكمة. فمن ثم لم تكن إسبارطة بلاد مساواة وكان فيها أناس يدعون أهل المساواة وذلك لأنهم كانوا سواء فيما بينهم أما غيرهم فيدعون المرؤوسين ولم يكن لهم شيء من الحكم البتة. الجيش - بفضل هذه الطريقة في الحكم احتفظ في الإسبارطيون بأخلاقهم الجبلية فلم يكن عندهم نقاشون ولا مهندسون ولا خطباء ولا فلاسفة بل أنهم انصرفوا كلهم إلى الحروب وحذقوا علم الكر الفر أيما حذق وغدوا من المقننين لغيرهم من اليونانيين وأتوا العلم بعملين عظيمين أحسن طريقة في القتال وأحسن طريقة في التدريب. المسلحون - كان اليونان قبلهم يسيرون إلى القتال بغير أنتظام فيمتطي الزعماء صهوات الخيول أو عجلات خفيفة ويتقدمون صفوف الحملات والناس يتبعونهم مشاة وقد تسلح كل منهم كما أراد وقد تفرقوا طرائق قدداً وليس في وسعهم أن يكونوا يداً واحدة في العمل أو في المقاومة. وما هو إلا أن يستحيل القتال إلى مبارزات ثم إلى مذابح. أما في إسبارطة فللمقاتلة بأجمعهم سلاح واحد وكانت وسائل دفاعهم درعاً يغطي النصف الأعلى والخوذة تقي الرأس والمسامي (الطما قات) تقي الساق والتروس تجعل في مقدمة الجسد. أما وسائل هجومهم فسيف قصير ورمح طويل. ويسمى المسلح على هذه الطريقة باسم ايبولت. والمسلحون من الإسبارطيين مقسمون إلى كتائب وسرايا وفرق وشراذم على سبيل مثال ترتيب جيوشنا لهذا العهد إلا قليلا. فكان الضابط يقود إحدى هذه العصابات ويبلغ رجاله أوأمر الرئيس بحيث أنه يتأتى للقائد العام أن يوحد حركة الجيش كله. وهذه الطريقة التي نراها سهلة هي بالنسبة لليونان أبدع عجيب. مصاف الجيش - متى بلغ الجند مقدمة الأعداء يأخذون مصافهم في العادة على ثمانية صفوف متقاربين بعضهم من بعض مؤلفين من جموع متكاثفة تدعى حجافل ومصافاًًً ويقدم الملك وهو قائد الجيش عنزة على سبيل النذر للأرباب وإذا تفاءلوا بأحشاء الذبيحة تفاءلاً حسناً يبدأ جماعة من الجند يرددون لحناً وعندئذ تهتز صفوفهم فيباغتون أعداءهم مسرعين على الإيقاع ونغمات المزمار والرمح يعلو والترس على الجسد فيحملون عليهم وصفوفهم متراصة فينكسون أعلامه بجموعهم ووثوبهم ويهز مونه ويقفون حالاً لئلا يقطع مصافهم وأنه ليتسنى لكل جندي أن يحمي أخاه ما دام سير الجيش كتفاً إلى كتف فيكون بذلك كالبنيأن المرصوص يتعذر على العدو أن يجد إلى حرفة خرقه سبيلا. نعم أن هذه التعبئة كثيفة في ذاتها ولكنها كانت تكفي لغلبة جيش مشوش وقلما يقاوم ناس منفردون مثل تلك الجموع ولقد فهم سائر اليونان هذا الأمر فاقتدوا جميعهم بالإسبارطيين ما ساعدتهم المكنة فكان جندهم حيثما حلوا مدججين بالسلاح وقاتلوا حجافل وكتائب متراصة. الرياضة الجسمية=اقتضى تدريب رجال خفاف ليتسنى مهاجمة العدو مثل تلك الصفوف وتنكيس لأول وقعة فكان على جندي أن يحسن البراز والصراع فمن ثم الإسبارطيون الرياضات البدنية واقتدى بهم سائر اليونانيين فأصبحت الرياضة عملاً من أعمال الأمة كافة. وأكثر أعمالها اعتباراً ما يكلل صاحبه في الأعياد العظيمة. عرفت إحدى المدن في البلاد النائية بين بربراة الغول أو البحر الأسود وثبت أنها يونانية إذ كان لها ملعب للأعمال الرياضية. وكان هذا الملعب قطعة مربعة عظيمة تحيط بها أروقة أو دهاليز وهي على الأغلب على مقربة من نبع وله حمامات وقاعات للتمرين في هذا الملعب عامين على الأقل يختلفون إليه كل يوم يتعلمون القفز والركض ورمي الإطار وضرب الحراب ويتصارعون بوسط الجسد لتقوية العضلات والجلد وينغمسون في البارد ويطلون أبدانهم بالزيت ويتمسحون بمسحة. المصارعون=معظم الإسبارطيين يقضون عامة حياتهم في ممارسة هذه التمرينات إباء ومروءة فلا يعتمون أن يصبحوا مصارعين وقد وفق بعضهم إلى بعضهم إلى أن تمت على أيديهم خوارق ويقال أن ميلون من مدينة كروتون في إيطاليا كان يحمل ثوراً على كتفه ويوقف عجلة وهي راكضة بأن يمسكها من خلفها. ولقد كان هؤلاء المصارعون يخدمون في الحروب خدمة الأجناد وكثيراً ما يقومون بقيادة الزحوف وبهذا صح قولنا أن الرياضات البدنية بمثابة تدريب على الحرب. أعمال الإسبارطيين=تعلم الإسبارطيين من اليونانيين التروض والقتال وجاء منهم مصارعون أقوياء أشداء وجند منظم وعرفوا بهذه الميزة في بلاد اليونان وكانوا من أجل ذلك يحترمون في كل مكان. ولما قضي على سائر الشعوب اليونانية أن تقاتل الفرس مجتمعة تحت راية واحدة لم يستنكفوا من اتخاذ الإسبارطيين زعماءهم. قال خطيب أثيني وكان هذا الأمر بحجة صحيحة واستحقاق تام. ألكني يا ضياء أجدك يا كواكب لا ترينا بياناً منك يخبرنا اليقينا كان العالم العلوي سفر نطالعه ولسنا مفصحينا نحاول منه إعراب المعاني بتأويل فنرجع معجيبنا كواكب في المجرة غائمات حكت في البحر فسحتها السفينا سرت زهر النجوم وما دارها فلاسفة مضت ومنجمونا شموس في السماء علت وجلت فظنوا في حقيقتها الظنونا سوابح في الفضاء لها شؤون ولما يعلموا تلك الشؤونا وما ارتجفت بجنح الليل إلا لتضحك فيه مما يزعمونا لعل لهنا بهذا الجو شأنا سوى ما نحن فيه مرجوما تلوح على الدجى متلألئات فتبهج في تلألوها العيونا وأني يدرك الرائي مداها وأن القي لها نظراً شفونا تود الغانيات إذا رأتها لو انتظمت لها عقداً ثمينا تقلده على اللبات منها وتطرح الدماج والبرينا ألكني يا ضياء إلى الدراري رسالة مسهر فيها الجفونا لعلك راجع منها جوابا يزيل عماية المتحيرينا فقل أني تحير فيك فكري كذلك تحير المتفكرينا فيا أم النجوم وأنت أم أيولد فيك كالأرض البنونا وهل فيك الحياة لها وجود فيمكن للردى بك أن يكونا وهل بك مثل هذه الأرض أرض وفيها مثلنا متخالفونا وهل هم مثلنا خلقا وخلقا هناك فيأكلون ويشربونا وهل هم في الديانة من خلاف نصارى أو يهود ومسلمونا وهل حسبت بك الأيام حتى تألف من تعاقبها السنونا وهل بالموت نحن إذا خرجنا عن الأجساد نحوك مرتقونا فتبقى عندك الأرواح منا تصأن فلا ترى جفناً وهونا فأجيب بالمنون إذا وأحبب بها إن كان علمك المنونا أبيني ما وراءك يا دراري فنحن نخالة بعداً شطونا قد اتسع الفضاء لك اتساعا فهل أبعاده بك ينتهينا وصغرك ابتعادك فيه حتى إليك استشرف المتسوفونا فهل كان ابتعادك من دلال علينا أم بعدت لتخدعينا خوالد في فضائك أنت أم قد يحل بك الفناء فتذهبينا وقالوا ما لعدتك انتهاء فهل صدقوا أو ارتكبوا المجونا وقالوا الأرض بنتك غير مين فهل أبناء بنتك يصدقونا وقالوا أن والدك المفدى أثير في الفضاء أبى السكونا ترصدك الأنام وما أتانا بعلم كيانك المتر صدونا (فهرشل) ما شقى منا غليلا ولا (غاليل) أنبأنا اليقينا و (كلبر) قد هدى أو كاد لما أبانك يا نجوم تجاذبينا إلى كم نحن نلبس فيك لبسا ومن جرارك ندرع الظنونا لعل النجم في إحدى الليالي سيبعث للورى نورا مبينا تقوم له الهواتف قائلات خذوا عني النهي ودعوا الجنونا خرائب مدينة بمبي كان اسم بمبي يطلق في القرون الخالية على مدينة أنشأها الرومأن في سفح جبل يزوف (في إيطاليا) مدينة توفرت فيها دواعي الهناء فأحبها عظماء البلاد وأصحاب الوظائف العليا فكانت مباءتهم في تلك الجنة. شادوا قصورا يختلفون إليها في الأحايين ليسروا عن أنفسهم الهموم ويجددوا ما فقدوا من قومهم في مشاغل السياسة. ومما كان يزيد جمال تلك المدينة أنهم كانوا يزينون جدران بيوتها ومنازلها بأنواع النقوش الملونة بالأنواع السبعة المعروفة وفي آخر كل الشوارع كان نبع يجلس بجانبه المرء وأمامه الحدائق الغناء يشرف على بحر الروم وتتجلى له المناظر البديعة فيخال أنه في جنأن السماء ويتمنى لو يبقى هناك أبد الدهر. إلى هناك كان الناس يتقاطرون فرادى وأزواجا فيفرح المكروب كربته ويتناسى المنكوب نكبته ويزيد عدد المتنزهين يوم تروق السماء فيجتمعون على تباين المشرب وقد تحلى بعضهم بالملابس الأرجوانية وجلس الآخر على مقاعد الرخام يستظلون فكان البيت في تلك المدينة كقصر صغير لا يقل في فخامته عن القصور هذا الزمان أو هياكل أسلافنا الأولين. كانت مساكن عظماء الرومأن في بمبي مثال الرونق والجمال ونموذج الأبهة والكمال على أحد تلك القصور زائر فيجتاز المدخل المزين بالعمد الكثيرة ثم يأتي الردهة العظمى التي كان صاحب المنزل يستقبل الضيوف فيها بالحفاوة والإكرام ويصغي إلى شكاوي المظلومين ويسمع مصانعات المنأفقين وفيها كان يودع ماله يضعه في صناديق الحديد ويكل أمره إلى رب المنزل. ثم يفضي المتفرج إلى غرفة أخرى قد دقت أرضها بالفسيفساء وزخرفت حيطانها بالنقوش وأنواع الصور ورصعت بالفصوص الذهبية والياقوت وسائر أنواع المعادن الثمينة وفيها يحفظون سجلات الأسر وأخبارها لأول أمرهم وكان في المنزل غرف متعددة مهيأة لتنأول الغذاء وحجر للنوم مزوقة مزخرفة وغرف أخرى تجعل فيها العاديات والأحجار الكريمة. ثم ينتهي المتفرج إلى غرفة واسعة أعدت لمحاكمة المذنبين وهذه تفضل سائر الغرف لأنها كانت على حديقة وفيها جميع أنواع المبهجات فمن ثمر يفتن النواظر بألوانه المتفاوتة ومن ينأبيع تنبعث مياهها إلى كل صوب وتلطف الهواء ينشأ عنها أصوات تشنف الإذان ومن أوان خزفية زرعت فيها نادرة الوجود وإلى جانب هذه وضع بعض أنصاب الرجال العظماء وكأنت النقوش على حوائط القصر تمثل بعض المشاهد في أساطير اليونان كالاستيلاء على أوروبا ووقعة لامازون وكثير من هذه المناظر لا يزال محفوظاً في متحف نابولي المشهور. وصوروا على أرباب القصر صورة كلب وكتبوا في أسفلها احترز من الكلب إشارة إلى أسطورة من أساطيرهم. وكانت تلف عمد المحكمة بأكاليل صنعت من الزهور تبدل كل صباح. والموائد كان يعمل أكثرها من شجر الليمون الحامض وتزين بالنقوش العربية وكانوا يهتمون جداً بالأسرة فيصنعونها من النحاس والذهب والجواهر ويضعون فيها المساند الكثيفة ويزوقونها بشغل الإبرة الذي لم يفقهم فيه أحد. وكان صاحب القصر إذا أدب مأدبة لأهل الوجاهة والمكانة لا يألوا جهده في تجهيز كل ما من شأنه إبهاج الزائر فيجلس الضيوف على مقاعد الردهة متكئين على المساند ثم يغسلون أيديهم في الأواني الفضية وينشفونها بالمناشف الملونة بصباغ الأرجوان ثم يتنأولون الأطعمة ويأكلون الفواكه الموضوعة في أوعية ذهبية. وكانوا يأتون في أشد أيام الحر بالثلج ويستعملونه على الأخونة لتبريد الماء وإنعاش الجسم. وكان من يريدون كؤوس الخمر على الحضور في خلال المأدبة يقدمون لهم من أفخر خمور الدنيا وفريق آخر من الخدم يرقصون لأتراب الزائرين وأصحاب الغناء يوقعون الألحان ويغنون شيئا من أغاني هورس أو انقر يون وإذا انتهت الوليمة تنبعث المياه العطرة بغتة من قساطل لا ترى فتؤرخ كل ما تحويه الردهة وتنتعش نفوس الجماعة ثم تبرز موائد أخرى وقد فرشت عليها صنوف الطعام فتعيد قابلية الضيوف ويأكلون ما لذ لهم أكله ثم تختفي هذه الموائد وتبرز بدلا منها موائد أخرى يلعب عليها بعض أعضاء مجلس الأعيان والقنأصل والحكام بالنرد فيخسرون الممالك والمقاطعات بهذه اللعبة أو يربحون. هذا الفساد يقوم به زمرة طرأ على أمة الرومأن في ابتداء هبوطها. ويعقب هذه المشاهد مشهد الرقص يقوم به زمرة من الفتيات يدهشن الناظرين بما يأتينه من التفنن في ضروب الرقص الغريب ويغنين من الأغاني ما يسبي القلوب ويلعب بالعواطف والنفوس. هكذا كانت أحوال بمبي في القرن الأول بعد الميلاد يؤمها المتنزهون من أطراف البلاد ويفضلونها على منازه الدنيا. طرأت عليها نازلة جائحة في الثالث والعشرين من شهر أغسطس عام تسعة وسبعين والناس فيها في الملاهي دهمتهم طوارق الحدثان وثار بركان في ظهيرة ذلك النهار وطفق يقذف الرماد والحمم من جوف الأرض ويدفعها إلى المدينة فطبق الدخان من كل ناحية. دخان كثيف أسود كالقار أحال صفاء المكان ظلمة مدلهمة فعقبه أنين وعويل وشتائم المنكوبين بعضهم بعضا في ساعة أضاع فيها الأخ أخته والعروس عروسه والزوج زوجته والأم ولدها في آن تعذر على الأنام أن ينظروا من الموجودات سوى لمعان كان يلمع من قمة البركان. فمادت الأرض بسكانها من أركانها وبدأت المنازل تهدم وأصحابها يستجيرون ولا مجير فيرحم والبحر يتراجع عن اليابسة كانه ارتعد فرقاً من ثوران بركان يزوف وهيجانه وكشف الهواء بما أنقذف إليه من الغبار ثم تراكمت كل هذه المقذوفات وحملت إلى المدينة فطمرتها ومحتها من هذا الوجود. أدرك أهلها الموت وهم منغمسون في لذائذ الحياة فهلك الضيوف في ردهات القصور وربات الحجال في الخدود والجند في ثكنتهم والسجناء في محابسهم ومطابقهم والأرقاء بقرب الينأبيع حيث كانوا يتنزهون وأصحاب التجارة وهم يبيعون السلع في مخازنهم وطلبة العلم وهم بين المحابر والدفاتر وحاول بعضهم الهرب فقادهم العميأن الذين تعودوا السير في حالك الظلمات فبغتهم البوار وانقلب الناس من المدن المجاورة إلى بمبي بعد تلك النازلة ببضعة أيام فلم يلفوا هنالك سوى بقعة مغطاة بالرماد وفي الأعماق طمر ألوف من البشر ورقدوا رقاداً لم يعقبه قيام. طمروا فطمرت معهم لذائذ هم وعفت من بعدهم الأثار مدينتهم وتقوضت معالمها. وقد تسنى لها في القرن الثامن عشر أشخاص تمحضوا لدراسة الأثار فطفقوا ينقبون في تلك البقعة وبعد أن تكبدوا المشاق وجدوا المدينة في الحالة التي طمرت بها فبعض المنازل لم يزل ثابتاً وبعض النقوش لا تزال ظاهرة وهياكل الموتى موجودة في الأماكن التي أدرك الموت أصحابها فيها منذ عهد سحيق فالسجين لم يزل مغلولاً بالأغلال والعروس لابسة سلاسل الذهب والأساور والشحيح قابضاً على درهمه والكهنة مختبئين في أجواف تماثيل أربابهم المجوفة ليخدعوا أتباعهم إلى ما آخر ما هنالك من المناظر المدهشة والمشاهد المذهلة. هذه أثار دولة الرومأن التي خفق نسرها في كل جو وعقدت رايتها في كل أرض فكانك في دراستك أثار بمبي تستطلع أخبار الرومان أيام كانوا في أعلى ذرى رقيهم وسيطرتهم وتتجلى لك مظاهر حضارتهم منذ ظهورهم مضافة إليها مظاهر التمدن اليوناني التي نقلها الرومان عن اليونان والمظاهر التي اقتبسها هؤلاء عن أمم المشرق التي كان في القدم الكعب الأعلى في العمران وقد انقرضت كانها لم تكن تلك سنة الكون تغير دائم تصدق على جميع العوالم ولا تزال تفعل في هذه الموجودات حتى ترجع بها إلى العدم كما كان عليه الحال في غابر الأزمان. قصيدة مجهولة للسموأل نشرت بعض المجلات والجرائد العربية منذ بضعة أشهر قصيدة نسبها الناشر الأول وهو الأستاذ مر جليوث الإنكليزي إلى السمو أل الشهير ثم وجدت منها نسخة ثانية في الموصل أصح رواية من الأولى. ثم وجدت منها نسخة ثالثة أصح من السابقتين في بغداد. وذلك بينما أنا أبحث في كتبي على أحد شعراء بغداد في القرن المنصرم ورد ذكره في مخطوط نفيس عندي فعثرت على قصيدة السمو أل ولما أنعمت النظر فيها وجدتها قليلة الضرائر الشعرية والأغلاط النحوية وألفيتها تختلف الرواية عن النسختين المذكورتين فجئت أتحف بها قراء المقتبس واصفاً لهم المخطوط مع بعض الانتقاد لهذه المنظومة. وردت القصيدة في الصفحة ١٧٤ من مخطوطنا وقد ترجمت بهذا العنوان. هذه القصيدة للسمو أل من بني قريظة لا للسمو أل من بني غسان وإليك الآن نصها: ألا أيها الضيف الذي عاب سادتي ألا أسمع جوأبي لست عنك بغافل ألا أسمع لفخر يترك القلب مولهاً وينشب ناراً في الضلوع الدواخل فأحصي مزايا سادة بشواهد قد اختارهم رحمانهم للدلائل قد اختارهم عقماً عواقر للورى ومن ثم ولأهم سنام القبائل من النار والقربان والمحن التي لها استسلموا حب العلا المتكامل فهذا خليل صير النار حوله رياحين جنات الغصون الذوابل وهذا ذبيح قد فداه بكبشه يراه بديها لا نتاج الثياتل وهذا رئيس مجتبى تم صفوه وسماه إسرائيل بكر الأوائل ومن نسله السامي أبو الفضل يوسف ال ذي أشبع الأسباط قمح السنابل وصار بمصر بعد فرعون أمره بتعبير أحلام لحل المشاكل ومن بعد أحقاب نسوا ما أتي لهم من الخير والنصر العظيم الفوأصل ألسنا بني مصر المنكة التي لنا ضربت مصر بعشر مناكل ألسنا بني البحر المفرق والتي لنا غرق الفرعون يوم التحامل وأخرجه المبدي إلى الشعب كي يرى أعاجيبه مع جودة المتوأصل وكيما يفوزوا بالغنيمة أهلها من الذهب الإبريز فوق الحمائل ألسنا بني القدس الذي نصبت لهم غمام تقيهم في جميع المراحل من الشمس والأمطار كانت صيانة تجير نواديهم نزول الغوائل ألسنا بني السلوى مع المن والذي لهم فجر الصوان عذب المنأهل على عدد الأسباط تجري عيونها فراتاً زلالا طعمه غير حائل وقد مكثوا في البر عمراً مجدداً يغديهم العالي بخير المآكل فلم يبل ثوب من لباس عليهم ولم يحوجوا للنعل كل المنازل وأرسل نوراً كالعمود أمامهم ينير الدجى كالصبح غير مزايل ألسنا بني الطور المقدس والذي تدخدخ للجبار يوم الزلازل ومن هيبته الرحمان دك تذللاً فشرفه الباري على كل طائل وناجي عليه عبده وكليمه فقد سنا للرب يوم التبأهل آه فمن قابل بين هذه الراوية الروايتين الأوليين اللتين يحكم أن أصبح من تينك. وأن هذه نقلت عن أصل أصدق رواية من النسختين اللتين أخذت عنهما الروايتأن الإفرنجية والموصلية. يظهر ذلك من مقابلة بعض الألفاظ مثلاً قد ورد في القصيدتين الأوليين هذا البيت: فهذا خليل صير الناس حوله رياحين جنات الغصون الذوابل فهذا لا معنى له وهو محرف والأصح ما في نسختنا أيصير النار حوله وورد أيضاً في النسختين: بتعبير تدبير لحل المشاكل والتدبير لا يعبر وإنما تعبر الرؤى والأحلام ومنه ما أنشده المبرد في الكامل لبعض الأعراب: رأيت رؤيا ثم عبرتها وكنت للأحلام عبارا وعليه فإن روايتنا أصح أيضاً في هذا البيت وقول النسختين: ومن الشمس والأمطار كانت صيانة تجيز عسا كرهم لهوف الغوائل فهذا مكسور البيت فضلاً عن اضطراب معناه في قولهلهوف الغوائل والأصح ما جاء في روايتنا تجيز (بالراء المهملة) نواديهم نزول الغوائل لأن الغوائل تنزل بالمرء وبهذا المبنى والمعنى ورد أغلب كلام العرب كما هو مشهور وجاء في النسختين: وأرسل نوراً كالعمود أمامهم ينير الرجا كالصبح لا غير مزائل فهذا البيت لا يخلو من المعنى. لكن من لا يرى أن هذا البيت مصحف الرواية وأن الصحيح ينير الدجى بالدال المهملة لا بالراء كما يتضح لأدنى تأمل. وأما البيت الأول على أن النسختين فلا يخلو من معنى بقوله: ألا أيها الصنف لكن نوع التصحيف فيه باد لكل ذي عينين والأصح ألا أيها الضيف أما ناظم هذه القصيدة قط أنها للسمو أل بن عاديا فأين هذا الشعر من قوله: تغيرنا أنا قليل عديدنا فقلت لها أن الكرام قليل. . . الخ ففي هذا النظم من محكم المبني ومتانة المعنى ما لا يرى أثر في القصيدة ولعل سبب وهم الناس في نسبتها إلى السمو أل بن عاديا. توأفق في اسم ناظم آخر عرف باسم السمو أل لأن هذا الاسم يوأفق شموئيل وشموئيل أو شيمل ورد لألوف من اليهود ففي نسبتها إلى واحد من بني قريظة أمكان لأن هؤلاء محقوا بعد الإسلام بقليل أما لأنهم دانوا بالإسلام أو لأنهم هجروا وطنهم ولحقوا بإخوانهم خارج بلاد العرب فلم يصل إلينا من شعرهم إلا النزر القليل وعلى كل فليس هذا من نظمهم أو نظم بعضهم لأن تعبير النصرانية الحديثظاهر من خلال النظم يشف عن حداثة وضعه لأن ورود كي وكيما في الشعر الجاهلي قليل نادر وهاتأن اللفظتان قد وردتا تباعاً في هذين البيتين: وأخرجه المبدي إلى الشعب كي برى أعاجيبه مع جودة المتوأصل وكيما يفوزوا بالغنيمة أهلها من الدهر الإبريز فوق الحمائل ثم انظر ماذا قوله: ألا اسمع لفخر يترك القلب مولهاً=وينشب ناراً في الضلوع الدواخل فهل من ضلوع تكون خوارج حتى تنشب النار في الدواخل منها. فلا غرو أن في هذا التعبير لغواً وتكلفاً ولا تأتيهما واحد من أهل الجاهلية ولو أردنا أن نقبل الروايتين الأوليين فلا يمكننا إلا أن نضرب بهذا النظم عرض الحائط إذ فيهما من الأغلاط الفظيعة ما لا يرتكبه أضعف طلبة المدارس في يومنا هذا فكيف يعزى إلى ناظم بليغ كالسمو أل ابن عاديا الغساني. ومما يشهد أن يداً غريبة تصرفت بهذه الأبيات البيت الأخير الذي ورد في القصيدة الموصلية ولم يرد في الرواية الإفرنجية ولا في الرواية البغدادية وهو هذا: وفي آخر الأزمان جاء مسيحنا فأهدى بني الدنيا التكامل فما معنى سلام التكامل ثم أننا إذا قررنا بنسبة هذه الأبيات إلى السمو أل المشهور وهو يهودي فح كما تشهد عليه جميع كتب العرب فلا يمكن أن يقول مثل هذا الكلام وكذلك إذا نسبناه إلى يهودي أخر. فلا جرم أن ناظم هذا البيت الأخير مسيحي النحلة لإقراره بمجيء المسيح ولأنه زاد هذا البيت بدون أن ينظر إلى التسلسل التشأبيه والرموز فجاء به تهجماً بدون أدنى مراعاة لما ورد قبله ولو قيل لنا أن السمو أل بن عاديا كان من غسان وغسان كلها نصارى قلنا أن السمو أل كان مسيحياً فجميع مؤرخي العرب وكتبهم وأديارهم فضلاً عن أن غسأن لم تكن كلها على النصرانية مخالفون لها فقد كان فيهم من يعبد الأصنام ومن أوثانهم مناة. قال ياقوت في معجمه: هذا الاسم اسم صنم في جهة البحر مما يلي قديداً بالمشلل على سبعة أميال من المدينة. وكأنت الأزد وغسان يهللون له من جهة البحر ويحجون إليه وكان أول من نصبه عمرو بن لحي الخزاعي. . . ومنهم من كان على دين دهماء العرب كسطيح بن ذئب الكاهن فلم يكن نصرانياً البتة. وقد جاء في تاريخ اليعقوبي ١ : ٢٩٧ - (كانت تلبية غسان عند قومهم وقوفها أمام صنمها لبيك رب غسان راجلها والفرسان) وقال في ص ٢٩٨ (وتهود قوم غسان) وقال في ص ٢٩٩ (وتنصر. . . غسان وهذا كلام يدل على النصرانية واليهودية كانتا في غسأن لا النصرانية وحدها) وقال الطبري في تاريخه ١ : ١٧٦ (وكان الحارث بن أبي شمر الغساني نذر سيفين وثنياً مشركاًُ وكل من وقف على النسختين السابقتين وعلى نسختنا يعرف بنفسه يعرف بنفسه ما في نسبة هذه القصيدة إلى السمو أل من الشطط. أما اسم مخطوطنا فهونيل السعود في ترجمة الوزير داود كتب في سنة ١٢٣٢ وعدد صفحاته المكتوبة والبيضاء ٣١٤ وطول الصفحة ٢١ سنتيمتراً في عرض ١٣ وهو مصحف أحمر ومزين بخطين أحمرين مزدوجين وفي الوسط خطان متآزران على بعد سنتمتر والقرطاس المخطوط من النوع المسمى بالترمذي المشهور عند العامة بالترمة. وتبتدئ الصفحة الثالثة بقصيدة لناظمها في مديحه الملا جواد البصير يمدح بها والي بغداد والبصرة وشهر زور داود باشا ثم تليها عدة قصائد في مديحه أيضاً بخط حسن وهي لعدة شعراء عراقيين مجهولين اليوم لا نعرفهم إلا مما بقي مدوناً من قريضهم في هذه المجموعة وهذا وحده كاف لأن يعرفك منزلة هذا الديوان النفيس إذ بواسطته نعرف عدة شعراء عراقيين من بصريين وحلين وبغداديين وغيرهم. وقد بلغت عدة القصائد في مديح الوزير ستاً وسبعين ثم يتلوها قصائد أخرى مختارة من نظم الأقدمين والمولدين ومعاصري الكاتب ثم يتلو ذلك منتجات من كتب الحديث والأدب والأقوال المشهورة مختلفة الموضوعات والأغراض وكلها من أنيق النثر والنظم ومما يزري ضياء حسنة ببهاء النجم وأغلب ما جاء في هذا الديوان لم أعثر عليه في الكتب المطبوعة. جمعه مؤلفه من عدة كتب مخطوطة عزيزة المنال. ومما فيه أبواب الأحاديات والثنائيات والثلاثيات ثم ديوان مرتب القوافي على حروف المعجم لعدة شعراء وكلها قصائد غراء آخر قصيدة منها دالية لأبن حجة. ومن الغريب ما هذا الديوان بيت شعر لبديع الزمان وهو يقرأ من أحد عشر وجهاً وهو من أغرب ما جاء في هذا الصدد ونحن نورده هنا لما فيه من الغرابة. ودونك إياه بنصه ومواقع الحبر الأحمر منه. (كفى) نا بأنا في زمان مذمم يذاد عن الحق المبين ويدفع (حزناً) أنا نزور معاشراً فنهمل فيما بينهم ونضيع (أني) أقول مقالة فيمنعني منها اللئيم ويقمع (بدار) أرذال قلوبهم غيظاً علي تقطع (مذلة) وليس بها حراً من الناس ينفع (أرى) كل من فيها عن الحق يدفع (الذل) فيها دائماً ليس يقطع (من) إرجائها يتنوع (أ) كنافها يتسرع (ملاكها) يتفرع (يتوقع) وفي الوجه الثاني من هذا الديوان صور لبعض الرسائل التي دارت بين خأن الحويرة ورستم أغا بشأن معركة البصرة سنة ١١٥٦ وهي من الأثار التاريخية التي يحرص عليها الباحث كل الحرص لأنها لا توجد في غير هذا الكتاب النفيس وتقع في أربع قوائم ونيف مشتبكة السطور محبوكة الحروف وفي الصفحة ٣١٣ قصيدة للسيد عبد الغفار الموصلي مكتوبة بقلمه على ورقة طيارة فأخذها وهو من مشاهير شعراء القرن الماضي. وهذه القصيدة هي الدرة الثمينة لأنها هي وحدها محفوظة بخطه فلا يحفظ من خطه غيرها وبها يختم الكتاب الضخم وليس في صفحة من صفحاتها ذكر اسم جامعه. صحف منسية كتاب الاشربة - لابن قتيبة عني بنشره المسيو أرتوركي أحد علماء المشرقيات قال العتيبي شعراً ذكر فيه كثيراً من مقابح السكر: (بسيط) دع النبيذ عدلاً وإن كثرت فيك العيوب وقل ما شئت هو المشيد بأسرار الرجال فما يخفى على الناس ما قالوا وما فعلوا كم زلة من كريم ظل يشهرها من دونها تستر الأبواب والكلل أضحت كنار على علياء موقدة ما يستسر لها ولا جبل والعقل علق مصون لو يباع لقد الفيت يباعه يعطون ما سألوا فأعجب لقوم منأهم في عقولهم و أن يذهبوها بعل بعده نهل قد عقدت لخمار السكر ألسنهم عن الصواب ولم يصبح بها علل وأزرت بستأن النوم أعينهم كان أحداقها حول وما حولوا تخال رائحهم من بعد غدوته حبلى أضر بها في مشيها الحبل فإن تكلم لم يقصد لحاجته وإن مشى قلت مجنون به خيل قالوا وإنما قيل لمشارب الرجل نديمه من الندامة لأن معاقر الكأس إذا سكر تكلم بما يندم عليه وفعل فقيل لمن شاربه نادمه لأنه فعل مثل فعله والمفعلة تكون من اثنين كما تقول ضاربه وشاتمه ثم اشتق من ذلك نديم كما يقال جالسه وهو جليس وقاعده فهو قعيد ويدل على قول هذا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في وصف الجنة: فيها أنهار من كأس ما بها صداع ولا ندامة. وحدثنا عبد المنعم عن أبيه عن وهب بن منبه أنه قرأ فيما قرأ من الكتب أن الله تعالى لما لعن إبليس وأخرجه من الجنة قال: يا رب لعنتني وجعلتني شيطاناً رجيماً وأنزلت الكتب وعثت الرسل فما رسلي؟ قال: رسلك الكهنة. قال: فما كتأبي؟ قال: الوشم. قال: فما حديثي؟ قال: حديثك الكذب. قال: فما قراءتي؟ قال: قراءتك الشعر. قال: فما مؤذني؟ قال: مؤذنك المزأمير. قال: فما مسجدي؟ قال: مسجدك السوق. قال: فما بيتي؟ قال: بيتك الحمام. قال: فما طعامي؟ قال: طعامك كل ما لم اسمي عليه. قال: فما شرأبي؟ قال: شرابك كل مسكر. قال: فما مصائدي؟ قال مصائدي؟ قال: مصائدك النساء. وكتب عمر بن عبد العزيز إلى عدي بن ارطاة حين تتابعت الأخبار عليه تتابع الناس في الاشربة المسكرة على التأويل: أما بعد فإنه قد كان من أمر هذا الشراب أمر ساءت فيه رغبة الناس حتى بلغت بهم الدم الحرام والمال الحرام والفرج الحرام وهم يقولون شربنا شراباً لا بأس به وإن شارباً حمل الناس على هذا لبأس شديد وأثم عظيم وقد جعل الله عنه مندوحة وسعة من أشربة كثيرة ليس في الأنفس منها حاجة: الماء العذب واللبن والعسل والسويق وأشربه كثيرة من نبيذ التمر والزبيب في أسقيه الأدم التي لا زفت فيها فإنه بلغني عن الرسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن النبيذ الظروف المز فتة وعن الدنان والجرار وكان يقول: كل مسكر حرام. فاستغنوا بما أحل الله عما حرم فإنه من شرب بعد من شرب بعد تقدمنا إليه أوجعناه عقوبة ومن استحق ومن استخفى فالله أشد بأساً وأشد تنكيلاً. وحدثني القطعي عن الحجاج عن حماد بن سلمه عن حميد عن الحسن: قال إذا دخلت على أخيك فكل ما أطعمك وأشرب مما سقاك. قال: يا أبا سعيد أنهم ينتبذ ون في الجرم فقال: أو يفعلون؟ قال وقد شهر المتعاشرون على الشراب بسوء العهد وقلة الحفاظ وأنهم أصدقاؤك ما استغنيت حتى تفتقر وما عوفيت حتى تنكب وما غلت دنانك حتى تنزف وما رأوك بعيونهم حتى يفقدوك قال الشاعر أرى كل قوم يحفظون حريمهم وليس لأصحاب النبيذ حريم إذا جئتهم حيوك ألفاً ورحبوا وإن غبت عنهم ساعة فذميم إخاؤهمو ما دارت الكأس بينهم وكلهمو رث الوصال سؤوم فهذا ثباتي لم أقل بجهالة ولكنني بالفاسقين عليم وقال آخر بلوت النبيذ يين في كل بلدة فليس لأصحاب النبيذ حفاظ إذا أخذوها ثم أغنوك بالمنى وأن فقدوها فالوجوه غلاظ مواعيدهم ريح لمن يعدونه بها قطعوا برد الشتاء وقاظوا بطان إذا ما الليل ألقى رواقه وقد أخذوها فالبطون كظاظ يراع إذا ما كان يوم كريهة وأسد إذا أكل التريد فظاظ وربما بلغت جناية الكأس إلى عقب الرجل ونجله. وقال المأمون لقوم: يا نظف الخمار ومرابع الصؤور وأشباه الخول وقال مسلم بن قتيبة: أن ال فلان أعلاج أو باش لئام غدر شاربون بانقع ثم هذا يعد في نفسه نظفه خمار في رحم طاحد وربما بلغت جناية الكأس زوال النعمة وسقوط المرتبة وتلف النفس فإن الرجل ربما استخلصه السلطان لمنادمته وأدخله موضع آنسة فيزين له الكأس غمزة القينة والعبث بالخادم والتعرض للحرمة وقال المأمون: الملوك تحتمل كل شيء إلا ثلاثة أشياء إفشاء السر والقدح في الملك والتعرض للحرم. وقد بلغك من ذلك ما لا أحتاج إلى ذكره وقديماً بلي المعاقرون بمثل هذا من جرائر الكأس. وقد كان عمرو بن هند طرفة الذي استخلص طرفة بن العبد لندامته فبينما هو يوماً يشرب أشرفت أخته عليهما فرأى طرفة ظلها في الجام الذي في يده فقال (هزج) ألا (يا) أيها الظبي الذي يرق شنفاه ولولا الملك الق د قد ألثمني فاه سمعه عمرو بن هند فكتب له كتأبا إلى عامله بالبحرين وأوهمه أنه أمر له فيه بجائزة وأمر العامل بقتله فلما ورد على العامل سقاه من الرياح حتى أمله ثم فصد أكحله حتى نزف فمات فقبره هناك مشهور يشرب عنده الأحداث ويصبون فضل كؤوسهم عليه. وروي رجلاً من طي نزل من شيبأن يقال له المكاء فذبح له الطائي شاة وسقاه من الخمر فلما سكر الطائي قال للشيباني هلم أفاخرك أطيء أكرم أم شيبان؟ فقال له الشيباني: حديث حسن المدامة ومنادمة كريمة أحب إلينا من الفخار. فقال الطائي: لا والله ما مد رجل يداً أطول من يدي! ومد يده. فقال له الشيباني: أما والله لئن أعدتها لأخضبنها من كوعها! فأعاد فضربه الشيباني فقتله أبو زبيد في ذلك لبني شيبان (خفيف) خبرتنا الركبان أن قد فخرتم أفرحتم بضربة المكاء ولعمري لعارها كان أدنى لكم من تقى وحق وفاء ظل ضيفاً أخوكم لأخينا في صبوح ونعمة وشواء ثم لما رآه به الخم ر إلا تربية باتقاء لم يهب حرمة النديم وحفت يا لقوم بالسوأة السواء قال: وربما طمس الخمار على العقل وربما بالبيان وغير الخلقة فعظم أنف الرجل وحمر وترهل. قال جرير في الأخطل وشربت بعد أبي ظهير وابنه سكر الدنان كان أنفك دمل شبهه بالدمل لحمرته وورمه. وقال أخر في حماد الرواية نعم الفتى لو كان يعرف ربه ويقيم وقت صلوته حماد هدلت مشافره الدنان وجهه فبياضه يوم الحساب سواد وأبيض من شرب المدامة وجهه=فبياضه يوم الحساب سواد قالوا: ومن شربة نبيذ الشطار والخلعاء والمجأن فحملهم الكأس على المجون ويحملهم المجون على ركوب الكبائر معلنين وإتيأن الفواحش مجاهرين ويرون أتم ذلك لذة أظهره وأنقصه مسرة أستره فقال قائلهم فيج باسم ما تأتي من الكنى فلا خير في اللذات من دونها ستر وربما كفروا بالله مجوناً وكذبوا الرسل وجحدوا بالنشور والبعث في حال شربهم. قال الوليد قربا مني خليلي عبدلا دون الشعار واسقياني وابن حرب واسترانا بالإزار فلقد أيقنت أني غير مبعوث لنار سأروض الناس حتى يركبوا دين الحمار واتركا من طلب الج نة يسعى في خسار وهذا الشعر مما استحل به دمه وقال روح المعروف بابن همام (خفيف) اسقني يا أسامة من رحيق مدامة اسقنيها فإني كافر بالقيامة وهو القائل: وإنما الموت بيضة العقر وقال أبو نواس تعلل بالمنى إذ أنت حي وبعد الموت من لبن وخمر حياة ثم موت ثم بعث حديث خرافة يا أم عمرو وقال قائل أيضاً (خفيف) فدعاني وما ألذ وأهوى واقذفإني في بحر يوم الحساب وهو القائل أيضاً يصف الخمر عتقت في الدن حتى هي في رقة ديني وحدثنا دعبل الشاعر أنه اجتمع هو ومسلم وأبو الشيص وأبو نواس في مجلس لهم فقال لهم أبو نواس: إن مجلسنا هذا قد شهر باجتماعنا فيه ولهذا اليوم ما بعد فليأت كل أمرئ منكم بأحسن ما قال فأنشدناه فأنشد أبو الشيص وقف الهوى بي حيث أنت فليس لي متأخر عنه ولا متقدم أجد الملامة في هواك لذيذة حباً لذكرك فليلمني اللوم أشبهت أعدائي فصرت أحبهم إذ كان حظي منك حظي منهم وأهنتني فأهنت نفسي طائعاً يا من يهون عليك ممن يكرم قال فجعل أبو نواس يعجب من حسن الشعر حتى ما يكاد يقضي عجبه وأنشد مسلم أبياتاً من شعره الذي يقول فيه (بسيط) موف على مهج في يوم ذي رهج كانه أجل يسعى إلى أمل قال: فقال لي أبو نواس هات يا أبا علي وكانني بك وقد جئتنا بأم القلادة لا تعجني يا سلم من رجل ضحك المشيب برأسه فبكى فقلت: كانك كنت في نفسي ثم سألوه أن ينشدهم فأنشدهم (بسيط) لا تبك ليلى وتطرب إلى هند واشرب على الورد من حمراء كالورد فلما بلغ إلى قوله تسقيك من عينها خمراً ومن يدها خمراً فمالك من سكرين من بد قاموا فسجدوا له فقال: افعملتوها أعجمية لا كلمتكم ثلاثاً ولا ثلاثاً ولا ثلاثاً. ثم قال: تسعة في هجرة الإخوان كثير وفي هجرة بعض يوم استصلاح للفاسد وعقوبة على الهفوة. ثم التفت إلينا فقال: علمتم أن رجلاً عتب على أخ له في بعض المودة فكتب إليه المعتوب عليه: أن أيام العمر أقل من أن تحتمل الهجر. فهذه جرائر السكر قد ذكرنا منها ما حضرنا وهي أكثر من أن نحيط بها. قالوا: وشاهدنا على أن اسكر والخمر شيء واحد من اللغة أن الخمر ما خمر والمسكر يخمر فاسم الخمر يلزمه ووجدنأهم يقولون لمن أعتقب الصداع وغلث النفس والإرعاش من شرب الخمر مخمور وبه خمار ويقولون لمن أصابه مثل ذلك من المسكر الذي يسمونه نبيذاً مخمور وبه الخمار مأخوذ من الخمر وهو اسم للداء الذي يصيب منها والأدواء كثير تأتي على فعال نحو كباد لوجع الكبد والقلاب لوجع القلب والصفار والصداع والبوال ولا عطاس ولم نسمعهم يقولون لمن أصابه ذلك منبوذ أو نباذ. فهذا ما للمغلظين فيه من القول والحجج. ونذكر ما للمطلقين له من الحجج والقول. حجج المحلين لما دون السكر قال المطلقون: إنما حرمت الخمر التي أجمع الناس على صفتها وكيفيتها بعينها وما سوى ذلك كائناً ما كان نبيذ ما دون المسكر منه حلال فسووا بين النقيع والطبيخ والحديث والعتيق والتمر والزبيب والمفرد والخليطين والسهل والشديد وما اتخذ من عصير العنب إذا ذهب بالثلثين - لأنه جاء في الحديث أن الثلثين حظ الشيطان - ورد عليه الماء واحتجوا بحديث ابن عباس: حدثنا زيد بن اخزم قال حدثنا أبو داود عن شعبة عن مسعر ابن كدام عن أبي عون الثقفي عن عبد الله بن شداد عن ابن عباس أنه قال: حزمت الخمر بعينها قليلها وكثيرها والمسكر من كل شراب. وبحديث رواه يحيى بن اليماني عن الثوري عن المنصور عن خالد عن أبي مسعود الأنصاري أن النبي صلى الله عليه وسلم عطش وهو يطوف في البيت فأتى نبيذ من السقاية فقطب فدعا بذنوب من ماء زمزم فصب عليه فشرب فقال له رجل أخر أمر هو يا رسول الله؟ قال: لا. وحديث رواه عبد الرحمن بن سليمان عن يزيد بن أبي زياد عن عكرمة عن أبي عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم طاف وهو شاك وهو راكب معه محجن كلما مر بالحجر استلمه بالمحجن حتى إذا قضى طوافه نزل فصلى ركعتين ثم أتى السقاية فقال: اسقوني من هذا فقال له العباس: ألا نسقيك مما نصنع في البيوت؟ قال: لا ولكن أسقوني مما يشرب الناس. فأتى بقدح من نبيذ فذاقه فقطب فقال: هلموا فصبوا فيه ماء ثم قال: زد فيه! مرتين أو ثلاثاً ثم قال: إذا صنعأحد منكم هكذا فاصنعوا به هكذا. وبحديث يرويه وكيع عن ابن أبي خالد عن قرة العجلي عن عبد الملك بن أبي أخي القعقاع بن شوز عن ابن عمر أنه قال: كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فأتى بقدح فيه شراب فقربه إلى فيه ثم رده فقال بعض جلسائه أحرام هو يا رسول الله؟ فقال ردوه. فرده ثم دعا بماء فصبه عليه ثم شرب وقال: انظروا هذه الاشربة إذا اغتلمت عليكم فاقطعوا متونها بالماء. وبحديث رواه عبد الله ابن الفضل عن أبي غالب الضبيعي حابس بن محمد عن أبي جرير عن عطاء أن عمر وقف على السقاية فوضع يده على بطنه فقال: هل من شراب فإني أجد في بطني غمزا. فأتى بشربة من السقاية فسربها ثم قال: أخرى. فأتي بها ثم ثالثة فشرب منها ثم دعا بسجل - وربما قال: بذنوب - فشج الإناء بالماء حتى فاض نواحيه ثم قال: عباد الله كل شراب استخرج ماؤه بمائة فهو حرام لا تشربوه وكل شراب استخرج ماؤه بغير مائه فهو حل اشربوه. مع أحاديث كثيرة واحتجوا بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: كل مسكر خمر وكل مسكر حرام وما أسكر الفرق منه فملء الكف منه حرام. فإن هذا منسوخ نسخة شربة الصلب يوم حجة الوداع. قالوا: ومن الدليل على إنه كان نهى وفد عبد القيس عن شرب المسكر ثم وفدوا إليه بعد فرأهم مصفرة ألوانهم سيئة أحوالهم فسألهم عن قصتهم فأعلموه أن ذلك لائتمارهم بما أمرهم به من ترك شرابهم فأذن لهم في شربه. وبأن ابن مسعود قال: شهدت التحريم وشهدتم التحليل وغبتم بإنه كان يشرب الصلب من نبيذ الكوفيون وجعلوه أعظم حججهم. قال بعض الشعراء (بسيط) من ذا يحرم ماء المزن خالطه في جوف خأبية ماء العناقيد أني لإكراه تشديد الرواة لنا فيه ويعجبني قول ابن مسعود وإنما عنى الطلا وهو ما طبخ من عصير العنب حتى يذهب ثلثاه ويرد عليه الماء وكان كثير من الكوفيين يشربونه. وحدثني محمد بن خالد بن خداش عن مسلم بن قتيبة. قال: حدثنا حمزة بن الزيات قال: رأيت الحكم بشرب الخمر طلا جعلت أعجب من رقته وكان يهدي لإبرأهيمبختج خأثر فكان نبيذه ويلقي فيه العطر وبأن عمر كان يشرب على طعامه الصلب ويقول هذا اللحم في بطوننا وشرب نبيذاً كاد يصير خلاً وماء التمر وماء الزبيب لا يكاد أن يكون خلاً حتى يكون خلاً حتى يكون نبيذاً ثم يدخلهما شيء من الفساد من غير أن يصير خلاً لأن كاد في كلام العرب هم أن يفعل ولم يفعل وقد قال قوم أنه شرب خلاً والخل لا يسمى نبيذاً ولا يسمى شراباً لأنه ليس مما يشرب ومن ذا شرب الخل من الناس للذة أو منفعة فيشربه عمر؟ وقال الشعبي شرب إعرأبي من أدواة عمر فإنتشى فحده عمر وإنما على السكر لا على الشرب ودخل على قوم يشربون ويوقدون في الاختصاص فأوقدتم. فقال لهم: نهيتكم عن معاقرة الشراب فعاقرتم ونهيتكم عن الإيقاد في الاختصاص فأوقدتم. وهم بتأديبهم فقالوا مهلاً: هاتان بهاتين. وانصرف عنهم. وإنما نهأهم عن المعاقرة وهي إدمأن الشرب. حتى يسكروا ولم ينههم عن الشرب. وأصل المعاقرة وهي إدمأن الشرب حتى الشرب. وأصل المعاقرة من عقر الحوض وهو الشاربة وكذلك قال الأشج لبنيه: لا تبسروا ولا تبخلوا ولا تعاقروا فتسكروا ولو كلن ما شربوا عنده خمراً لحدهم كما حد ابنه في الخمر. وبلغه عن عامله بد ستميسان أنه قال الأهل أتى الحسناء أن خليلها بميسأن يسقى في زجاج وحنتم إذا شئت غنتني دهاقين قرية وصناجة تحدو على كل منسم فإن كنت ندماني فبالأكبر اسقني ولا تسقني بالأصغر المتألم لعل أمير المؤمنين يسوءه تنادمنا بالجو سق المتهدم فقال أنه والله ليسوءني ذلك والله لا عملت لي عملا! وعزله. وقالوا: فإنما أنكر عليه الندامة وشربه بالكبير والصنج والرقص وشغله باللهو عما يشغله إليه ولو كان ما شرب عنده خمراً لحده. سير العلم التغذية بالفاكهة كاد أكلة الفاكهة ينازعون بمذهبهم في الغرب أكلة البقول فهم يعتمدون على الفواكه والثمار ويحرجون كل الحرج في استعمال غذاء غيرها وقد نشر المسيو كوليو بحثاً في هذا الشأن أثبت فيه أن الاكتفاء بالثمار يكفي البنية الإنسانية. قالت المجلة المنقول عنها ومعلوم أن الأمر في التغذية معلق على كمية الكالوري الموجودة في الطعام فإن المرء الذي يتغذى تغذية حسنة على أوسط تعديل ١١٠ غرامات من الألبومين و ٦٠ غرأما من الدهن و ٤٢٢ غراماً من هيدروات الكربون وإلى ٢٠٠ من الكالوري. ويرى الباحث المشار إليه أن الإغتذاء بالثمار يقوم مقام هذه المواد المغذية فالثمار ذات البزور والنوى والحب والثمار الناشفة والمائية والسكرية كلها نافعة واختلاف أنواعها يعوض عن اختلاف الأطعمة والثمار الحامضة تفتح القابلية وما في تلك الثمار من المائية يقوم مقام المياه المعدنية ولم تعلم إلى الآن تأثيرات الثمار في مداواة الأمراض اللهم إلا العنب فقد ثبت نفعه في كثير منها وكيف كأنت الحال فإن الاعتدال في تنأول الثمار نافع والمرء إذا اقتصر على الأجاص والتفاح يأمن الجراثيم والعدوى من كثير من الأمراض. ورق جديد لم يكن ينتفع بسوق جمع الساق القطن انتفاعاً يذكر من قبل وقد اكتشف الآن طريقة لتحليلها والانتفاع بها كالانتفاع بحملها فاستخرج ورق منها كالورق الذي يستخرج من القطن نفسه ومن لحاء الشجر. وقد فرح أهل العلم بهذا الاكتشاف لما أن ورق مهدد بارتفاع الأسعار لأن الولايات المتحدة وكندا أخذتا تشددان في منع قطع الغابات فلا يتيسر بعد مدة الانتفاع بلحائها الذي كأن يستخدم في صنع الورق ويقدرون أن سوق شجيرات القطن تبلغ من عشرة إلى أثني عشر مليون طن في العالم كل سنة ولعله يكون وراء ذلك رخص الورق الذي يكون أعون على نشر العلم كما كأنت الطباعة بعد النسخ. السعال في المعابد من دخل المعابد والمساجد في ساعات الوعظ والخطب وقد غصت بالمستمعين لا يلبث أن يسمع شخصاً يسعل حتى يتبعه غيره كانما عداء وكثيراً ما شوهد أن بعض الخطباء والوعاظ اضطروا إلى السكوت ريثما يفرغ الحضور من سعالهم وهذه العدوى التي تصيب المصلين والمستمعين كالتثاوب الذي يعزو ركاب الحوافل والسكك الحديدية. وقد بحث أحد علماء الأميركيأن في علة السعال فرأى أن الضغط إذا اشتد على الأذن من كثرة الكلام يؤثر في الحنجرة فيكون منه السعال إلا أن الباحثين لم يقنعهم هذا التعليل وظلوا ينكرونه ويتابعون النظر في علته. مركبات كهربائية ستنشأ قريباً كهربائية سنة ١٩٠٦ ٥٨٩٧٥٠٠٠ طن منها ٢٥٥٠٠٠٠٠ من الولايات المتحدة ١٢٤٩٠٠٠٠ من ألمانيا و ١٠٤٥٠٠٠٠ من إنكلترا و ٣٢٢٧٠٠٠٠ من فرنسا و ٢٣٤٠٠٠٠ من البلجيك و ٦٢٨٠٠٠ من كندا و ٥٣٤٠٠٠٠ من الممالك الأخرى وقد كان ما استخرج في العالم سنة ١٨٧٠ - ١٢ مليون وما استخرج سنة ١٨٨٠ ١٨ مليون طن وسنة ١٨٩٠ - ٢٧ مليون طن. علائم السل اختلفت الأفكار في معرفة هذا المرض المصاب بهذا الداء وذلك بشق الجلد شقاً سطحياً صغيراً وفركه بسدادة مغطسة ببضع نقاط من مصل كوخ المضاد للسل فإذا لم يكن المرء مصاباً بهذا المرض يلتحم الشق بدون أن يصاب بشيء وإذا كان به مرض تخرج على سطح الجلد دمله صغيرة تصير بعد بضعة أيام بثرة تشبه التطعيم. وقد جرب هذا الاكتشاف فظهرت صحته. إدبار الكتاب يشكو الكتاب الإنكليز منذ حين من عدم إقبال الناس على ما يكتبون إقبالهم عليه قديماً وقالوا أن تأثير المؤلفين أخذ في التناقض وقد نسبوا ذلك لانتشار الأدبيات العامية في الناس حيناً بعد آخر فأفسدوا الذوق العام ولكن النقاد يرون أن الذنب على الكتاب فإنهم إذا لم يجدوا من يستحسن مكتو بهم فذلك إما لأنهم تصقلوا في كتاباتهم أو لأنهم رفعوها بحيث علت عن مفهوم القراء ثم الشعراء والقصصيين أنشئوا يحيدون عن الحياة العادية الطبيعية وراحوا يتشبثون بأذيال الجمال في مسطورهم فخرجوا بذلك عن مطلق الأدب إلى مطلق التفنن وقد كان الإقبال يتم لكارلايل وأمير سون ورو سكين وجورج اليوت قديماً لأن من الناس من وأفقوهم ومنهم من خالفوهم أما المؤلفون المحدثون فلم يتبعوا تلك الطريقة ولذلك آن أن يتكلم العلماء لغة تدخل الإذان بلا استئذان وتفعل في القلوب الفعل المطلوب. تبادل التعليم نمت جمعية تبادل الأطفال والشبان من أمم مختلفة نمواً عدة علماء الاجتماع الخطوة الأولى نحو السلام العام. ويرجع الفضل في أصل تأسيس هذه الجمعية للأستاذ توني ماتيو من أهل باريس فأته رأى أن اختلاط أطفال أمة بأمة أخرى مما ينزع العداوات من الصدور ويقرب بين الأجناس المختلفة فقد أرسلت جمعية لأول عهد تأسيسها منذ أربع سنين ٢٥ ولداً فرنسياً يتلقون العلم في البلدان الأجنبية وزاد عدد من أرسلتهم في السنة الماضية إلى ١١٦ طفلاً وقد ذهب أربعة أخماسهم إلى ألمانيا ليعودوا منها وقد أشربت قلوبهم محبة أقرانهم الذين يدرسون وإيأهم في مدارسها حتى إذا شبوا وشابوا يعملون على ما فيه نفع الأمتين. التعليم في الريف ابتاعت مدينة أركاشون في فرنسا ٣٤ فداناً في غابة على ضفة البحر تبني بها مدرسة تجهيزية يدخلها من يريدون من الأولاد أن يتعلموا في هواء نقي لا تشوبه شوائب المدن ومفاسدها. قالت المجلة التي عربنا عنها: وأنشأ هذه المدرسة هو في الحقيقة بدء عهد في تطبيق مبدأ في الفلاة التي يرجى أن يكثر عددها في أرجاء فرنسا الأربعة. الهواء والعاملات عرف أناس من أهل الإحسأن في مدينة كمبري الفرنسية بأن الهواء للأبدإن خير دواء فأسسوا جميعه لإرسال النساء والفتيات ممن يحتجن إلى الراحة والاستمتاع بالهواء الطلق إلى الخلايا وأخذوا يرسلون منهن إلى جبال سافوا ولا تدفع الواحدة ثمن طعامها وإيوائها في اليوم سوى قرشين وهو مما لا يصعب على النساء العاملات أن تدفعه. الزمنى والشواذ فتحت في إحدى مدارس باريس صفوف خاصة بالأولاد الزمنى وشواذ الخلق إذ تبين أن في فرنسا ١٢٠ ألف طفل وفتى كانوا يحرمون من التعليم لعاهات طرأت على أجسامهم فجعلتهم من شواذ الخلق وأنهم إذا لم يكن لهم صفوف خاصة بهم يحرمون من نعمة العلم. الأسنان الصناعية كان أطباء الأسنان قبلاً يتولون صنع الأسنأن الصناعية بأنفسهم لتجيء متناسبة مع الأسنأن الطبيعية الباقية محفوظة في شكلها وحجمها أما الأن فقد تولت المعامل ذلك فأخذت تصنع بمئات الألوف ما يلائم كل أضراس والثنايا والأنياب فخفت بذلك مئونة التعب على أطباء الأسنان وأعظم معمل للأسنأن الصناعية في العالم معمل فيلادلفيا فإنه يرسل في السنة إلى أقطار الولايات المتحدة وسائر أنحاء العالم من أسنانه بالملايين وقد عهد إلى النساء خاصة في صنع الأسنأن فيدرين على عملها منذ نعومة أظفارهن وأجورهن حسنة ولكن تعلم صناعتهن صعب ولاسيما فيما يتعلق بوضع الألوان. نبات الأحجار الكريمة ذكرت إحدى المجلات العلمية أن من خصائص نباتات جزائر الفيليبين أن يوجد فيها أحجار كريمة ومن جملة النباتات التي يستخرج منها نوع من الخيزران يعرف بالربا سهير ففيه ضرب من الأحجار الثمينة يشبه الأحجار المعروفة ولكنه أغلى منها قيمة لأنه أندر وليس في جميع جذوع هذا النبات أحجار بل أنك قد تبحث في ألوف منها حتى تظفر بذاك الحجر ولونه وردي يضرب إلى الخضرة ويوجد منه في بعض أنواع النارجيل في سيلان ولا يكون كبيراً في العادة بل هو صغير يختلف حجمه رأس دبوس إلى حجم الحمصة. وفي حكومة الفلبين وفي بعض المتاحف بأوروبا بضعة أحجار من هذا النوع وهي تفاخر وتحرص عليها كما تحرص حكومة الفلبين الآف على أمثالها من الخيزور. واقية من البرد معلوم أن بعضهم يعمد إلى إطلاق مدفع أو بندقية أو قذيفة لوقاية أشجاره ومزروعاته من البرد وقد أدعى أحدهم الآن أنه اخترع مناطيد صغيرة تشبه المناطيد المستعملة في رصد الأحداث الجوية للتحليق في الجو وإطلاق قذائف منها ذكر صورة لاستعمالها ولا يزال الأمل قوياً في نتيجة هذا الاختراع ولعله يكون منه ما ينفع كما ينفع الشاري قضيب الصاعقة في اتقاء الصواعق. بريد كهربائي شرعوا في برلين ينشئون طريقاً كهربائياً تحت الأرض لتربط مكاتب البريد بمحطات السكك الحديد مباشرة فيمد بين المحطات والمكاتب مجاز ضيق عرضه ٥ سنتيمتراً وعوه متر ونصف تسير فيه قاطرات كهربائية صغيرة لحمل البريد فيها من ست إلى سبع قطارات بحيث لا يتعذر عليها أن تجتاز الخطوط المستديرة. وستطلى جوانب هذا المجاز بالملاط منعاً للرطوبة. وبهذه الطريقة يرسل البريد بسرعة زائدة على وجه مضمون أكثر مما كان يرسل. الأرمن في أميركا كتبت مجلة المجلات الإنكليزية مقالة ذكرت قيها ما بلغه الأرمن من الارتقاء في الولايات المتحدة بفضل كدهم وإقدامهم فقالت أنهم اتخذوها ميداناً لبضائعهم وأعمالهم وقد أفلحوا بحيث أصبح في وسعهم أن يرسلوا إلى أخوانهم في البلاد العثمانية خمسمائة ألف فرنك اعانة لهم وفي الولايات المتحدة خمس جرائد أسبوعية تصدر بالأرمينية وخمسة وخمسون منهم يدعون إلى دينهم وفي كلية بال الجامعة خمسون تلميذاً منهم يتعلمون على اختلاف ضروبها وقد نزل الأرمن في معظم تلك البلاد فهم في كليفرنيا يعنون بزراعة الأشجار المثمرة وفي نيويورك يتعاطون أعمال اليد على اختلاف أنواعها. نفقات التعليم قدروا أنه بلغ مجموع النفقات على التعليم العام في ميزانية إنكلترا عشرة في المئة وستة في المئة في فرنسا وألمانيا اثنين بالمائة وفي روسيا قال أحد الروسيين وإذا أسقطنا من نفقات التعليم في روسيا ما يصرف منها على التعليم العالي والثانوي لا يبقى إلا ستة بالألف يصرف على التعليم الابتدائي وليس في روسيا سوى مائتي ألف مدرسة لتعليم الفلاحين وهي بإدارة الرهبان وذلك عدا المدارس الوزارية القليلة وهناك مدارس تابعة لنظارة الداخلية أو الحربية خاصة بأولاد الممتازين وكل هذه المدارس تكلف الأمة مائة ونصفاً في المئة من مجموع الميزانية وفي روسيا مئة مليون من الرجال والنساء لا يقرؤون ولا يكتبون وقد طلب إلى الندوة الروسية أن تزيد ميزانية المعارف سبعة ملايين روبل. المجرمات ذكرت إحدى المجلات اللندية أن عدد المجرمين في فرنسا هو أربعة أضعاف عدد المجرمات. وإن نسبة المجرمين إلى المجرمات في الولايات المتحدة كنسبة ١ إلى ١٢ . أما في إنكلترا فإن المجرمات كثيرات ولاسيما اللائي يرتكبن الجرائم الكبرى وسبب ذلك قلة الاعتدال وتعاطي المسكرات فقد بلغ عدد الأحكام الصادرة على النساء في إنكلترا سنة ١٨٧٨ م ٥٤٣٤٧ حكما من أجل تعاطيهن المسكر فارتفع سنة ١٩٠٤ م إلى ٦٠٢١١ حكماً وحكم على كثيراًت لأنهن ضربن سكة زائفة. المطالبات بحق الانتخاب قالت المجلة أن المطالبات بحقوقهن في الانتخاب من النساء - كما ينتخب الرجال - يعملن في ألمانيا والسويد ونروج والدينمارك وإيطاليا على نحو ما يعمل بنات جنسهن في بريطانيا وأن فرنسا متقهقرة في هذا المعنى وليس فيها منتخبات وقد ألفت الجمعيات النسائية الكثيرة تحألفاً عاماً يجمع بين المطالبات بهذا الحق على اختلاف الدول وذلك بزعامة عقيلة أميركية اسمها كات وللنساء الهولنديات المطالبات بهذا الحق مجلة شهرية لهذا الغرض.</passage>
<license>Distributed under a Creative Commons Attribution-ShareAlike 4.0 International (CC BY-SA 4.0) license</license>
<source>https://github.com/tillgrallert/digital-muqtabas/blob/master/xml/oclc_4770057679-i_19.TEIP5.xml retrieved via Canonical Text Service http://cts.informatik.uni-leipzig.de/muqtabas/cts/ with CTS URN urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.19.TEIP5:</source>
</reply>
</GetPassage>
