<?xml version="1.0" encoding="UTF-8"?><GetPassage xmlns="http://relaxng.org/ns/structure/1.0" xmlns:a="http://relaxng.org/ns/compatibility/annotations/1.0" xmlns:tei="http://www.tei-c.org/ns/1.0">
<request>
<requestName>GetPassage</requestName>
<requestUrn>urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.18.TEIP5:</requestUrn>
</request>
<reply>
<urn>urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.18.TEIP5:</urn>
<passage>العدد ١٨ بتاريخ: ١٥ - ٧ - ١٩٠٧ الهجرة إلى مصر إذا كان أصلي من تراب فكلها بلادي وكل العالمين أقاربي دحا الله الأرض ليعيش البشر عليها ويتناسلوا فيها فيعمروها ويحيوا مواتها ويسيطروا على المخلوقات كلها فالأرض هي المنزل العام يجلس أهله في أي ناحية منه أحبوها وراقتهم وينتقلون في بقاعها وأصقاعها ووهادها ونجادها وحزنها وبحرها وبرها على حسب ما تقضي أحوال الصحة وطبائع الأجسام وخواص النفوس. فقد هاجر الفينيقيون قديماً وأقاموا قي قرطجنة وعمروها كغيرها من شواطئ البحر الرومي وهاجر الغوط من جرمانيا إلى جنوبي أوروبا ودأهموا المملكة الرومانية وهاجر الروم من بلادهم إلى شواطئ البحر المتوسط وجزره وشواطئ البحر الأسود وبلاده وعمروها. وكثير من الأمم أمثالهم غادروا مساقط رؤوسهم وأخذوا لهم بلاداً ثانية استعمروها. وهاجرت في العهد الحديث أمم كثيرة وأمم وقعت هجرة الأوربيين إلى أمريكا عمروها بجنسهم الأبيض بعد أن كانت خربة بالجنس الأسود. وكذلك هجرة الهولنديين إلى جنوبي أفريقية وهجرة الروس إلى سيبيريا وهجرة القاتقاسيين والجراكسة إلى البلاد العثمانية وهجرة الإسرائيليين من بلاد روسيا وهجرة المسلمين الروسيين إلى أمريكا وغيرهم. وللعرب حظ وافر من الهجرة والتنقل في الجاهلية والإسلام بل أن الهجرة من طبيعة جزيرتهم يغمدون إليها للكلأ والمراعي أو للاتجار بنتائج مواشيهم وحأصلاتها. وأول هجرة في الإسلام كانت هجرة عشرة من الصحابة وأربع نسوة وقيل أكثر أمرهم الرسول بالهجرة إلى الحبشة لما رأى ما يصيبهم من البلاء قائلاً لو خرجتم إلى أرض الحبشة فإن فيها ملكاً لا يظلم أحد عنده حتى يجعل الله لكم فرجاً ومخرجاً مما أنتم فيه فخرجوا ثم عادوا بعد سنين. وهكذا هاجرت العرب إلى فارس ومصر والشام وأفريقية والأندلس والسند وكشغر لما فتحت. ولولا أقدامهم على الهجرة ما رأينا الإسلام منتشراً في قلب آسيا وأفريقية. ولا نزال إلى اليوم نشهد أثراً من أثار حب العرب للهجرة وقد زادها اليوم قرب الموأصلات وسهولة السفر. نرى أهل حضرموت في جنوب الجزيرة يهاجرون إلى حيدر أباد الدكن الهندية فيكون معظم جيش البلاد منهم ونرأهم يهاجرون إلى جاوة فيكثر فيها سوادهم ويغتني بعض أفرادهم. ونرى النجديين يهاجرون إلى الهند في التجارة ثم يستوطنوها ويصبحون فيها أصحاب كلمة ونفوذ. ونشهد السوريين يهاجرون إلى أمريكا وأفريقية ونيرتاشون ويتأثلون. وانهيال السوري على هذا القطر خاصة قديم جداً يصعب تعيين زمنه لاتصاله ببلاد الشام براً وبحراً ولم تكن القوافل في الإسلام تنقطع في البر كما أن المراكب لم تكن تنقطع عن السفر في البحر ولم تبرح بلاد الشام مصيف مصر وأحدهما مكملة لعمران جارتها. وقد وصف ابن فضل الله العمري في التعريف بالمصطلح الشريف طريق القوافل بين القطرين كما عقد القلقشندي في صبح الأعشى فضلاً في مراكب الثلج الوأصل من البلاد الشامية إلى الملوك بالديار المصرية. ومصر ما برحت كما وصفها ابن خلدون في القرن الثامن (بستأن العالم ومحشر الأمم ومدرج الذر من البشر). نعم هي محشر الأمم ولاسيما المجاورة من البر أو المناوحة لها من سيف البحر. وذلك لأن عمرانها طبيعي مستبحر في معظم أدوارها فلا عجب إذا كانت مهاجر الأمم من أن تكون نقطة الاتصال بين قارات أوروبا وأفريقية وآسيا بفتح ترعة السويس فما بالك بعد أن تم لها ذلك. فمصر والحالة هذه مقصودة من أقطار الأرض أكثر مما يقصد أهلها سائر الأقطار والأمة التي تكثر في الغالب خيرات بلادها لا يهون عليها مغادرتها. وطلب الحاجيات هو الباعث الأقوى على المهاجرة فإذا كفيها المرء يصاب بالوناء وضعف العزائم. وما فتئ السوريون والرم والترك والمغاربة مذ كانت حكوماتهم تتغلب على مصر ينزلون بلاد النيل. فالروم حكموها زمناً طويلاً وكذلك الترك والعرب والجراكسة فكان من العناصر إن نزلتها بكثرة وأصبح أكثرهم عمالاً وحكاما وقضاة ورؤساء وجند وعلماء وأرباب صنائع وتجارة ولم تكثر هجرة الأوربيين إليها إلا عقيب الاحتلال الفرنسي عند ما بدأ الفرنسيس والطليان والمجر وغيرهم من أمم الغرب يهبطون إليها وقد كثر سوادهم على عهد الخديوي إسماعيل لأنه فتح أمامهم طرق الهجرة وأحسن معاملتهم ووفر لهم المغانم وطرق الكسب. ولما قبض رجال الاحتلال من الإنكليز على أزمة الأعمال أخذ الناس يفدون على مصر من كل فج عميق حتى أنك لتجد فيها الآن من جميع الشعوب واللغات أناساً أسسوا فيها الأعمال التجارية والزراعية والمالية والعلمية وكثير منهم اغتنوا من خيراتها بفضل كدهم. وقد قدرت ثروة السوريين فيها بخمسين مليون جنيه أي بعشر ثروة القطر وهكذا سائر الأمم ولاسيما الروم والطليان ولفرنسيس فإن فيها من هذه الأجناس ألوفاً اغتنموا من خيراتها واتخذوها دار هجرتهم وطناً ثانياً لهم. وحال مصر اليوم مع المهاجرين إليها يختلف عن حالها مع أمثالهم في القرن الماضي لأن ثقة الأمم تزداد بها الحين بعد الآخر ولأن الأساس الذي قامت عليه حضارتها اليوم أساس مالي زراعي. خصوصاً وقد ظهرت الآن نتائج ما تعب القابضون على أزمة سياستها سنين في تأسيسه واشتهر ذلك عند الخاص والعام في الأقطار النائية بما يتصل بهم من أخيارها وأخبار من يغتنمون من المهاجرين إليها ممن توفرت لديهم رؤوس أموال أو كانوا من أرباب العقل والعمل فكانت مصر ميداناً لظهور أثارها. وربما لا يذكر الناس إلا من نجحوا وقلما يذكرون من أخفقوا. عادة في البشر ولعلها من موجبات أقدامهم على الكسب والكدح في هذه الدار. ولقد ساعد على كثرة الهجرة إليها حال بعض البلاد المجاورة لها من حيث اجتماعها ومادتها. فترى سكان جنوبي إيطاليا القاحلة يهاجرون إليها من القاطنين في الشمال منها لأن شمالي إيطاليا مخصب وأهلها مكتفون بما تجود به عليهم أرضهم وسماؤهم. وكذلك تكثر إليها هجرة سكان جزائر البحر الرومي ولاسيما بلاد اليونان وأهل سواحل الشام وجبالها. هذه مصر من حيث هي مهاجر الأرض فهي دولية كما يقول الساسة أو مشتركة بين أجناس وأديان شتى. والتاريخ يشهد أنها كانت رحبة الصدر بالوافدين عليها في كل العصور للين عريكة أهلها ولم يحدث هذا التمييز بين سكانها إلا عندما أراد مهاجروا الإفرنجة أن يستطيلوا على أهلها فأحدثوا لهم ما يقال له الأمتيازات الأجنبية التي تخولهم من الحقوق ما ليس للوطني مثله ثم كثر توارد الأخلاط عليها ولم يكن الوافدون إليها على غرار واحد بل كان منهم المنورون العالمون وهم الأفراد. ومنهم المتعلمون المهذبون وهم أكثر. ومنهم العامة الأميون وهم السواد الأعظم. ومنهم طلاب رزق وسوقة نازعوا ابن البلاد وربما غلبوه لأن من جاء في طلب غرض يحتال للوصول إليه. والغريب في الغالب يكون أجرأ وأنشط من الأصيل لأن الغربة في ذاتها إمارة من إمارات النشاط. وطول مقام المرء في الحي مخلق لديباجتيه فاغترب تتجدد والأمثلة على ذلك كثيرة في هذا الباب من القديم فليس للوافد ما للقاعد من الخمول والاتكال ويكفي أن في لندرا لهذا العهد وهي مهد الصناعات والارتقاء زهاء مائتي ألف رجل من رجال الألمان استولوا على أعمالهم المالية واستأثروا بها دون ابن البلاد المتعلم المنور الذي لا يقل عنه في مواهبه هذا في عاصمة إنكلترا فما الحال بمصر وأكثر الوافدين إليها من الشعوب القوية ومن أهل البلاد الباردة التي تبعث النشاط في قلوب أبنائها وأجسامهم وعقولهم فيتخذون عدتهم استعدادهم وكدهم رأس مالهم وعتادهم وذخرهم قصدهم واقتصادهم على حين قد أتت على الوطني أزمان من الفوضى ضعفت بها قواه فأصبح لا يقوى على العمل إلا عوده زمناً ولقنه بالتعليم والتربية وقد فاجأته الثروة والحرية مفاجأة بهرته وحيرته ثم أن ابن البلاد في الغالب لايسف إلى المكاسب التي يتنازل إليها للغريب فالأول يدل بأرومته ويعتز بأمته والثاني يذل في سد حاجته ونيل بغيته. ولما رأت الحكومة المصرية على عهد الوزارة الرياضية أن الوطني يكاد يفنى في الدخيل سنت لائحة صعبت فيها على النازل في مصر أسباب الحصول على حقوق الوطني إلا بعد مقامه خمس عشر سنة على وأشعاره الحكومة بعزمه على تغيير جنسيته قبل حلول الوقت المعين بخمس سنين فكانت هذه اللائحة غريبة في بابها منعت بعض الطراء على القطر من ولوج باب الاستخدام في دواوين الحكومة وحظرت عليهم تعاطي الأعمال الإدارية والسياسية إلا أنها صرفت وجهتهم إلى اتخاذ الأعمال التجارية والزراعية والمالية والعلمية الحرة فافلحوا أكثر مما لو كانوا حصروا وكدهم في الوظائف الاتكالية ولم تحق عليهم كلمة مصر للمصريين. ومن هنا نشأ بغض النظر كثير من المصريين للغرباء. كان السبب في ذلك أول منافسة هؤلاء لأبناء البلاد في اجتياز الوظائف وهناك أسباب أخرى قواها أرباب الأهواء والغايات المسموعة فإنتقلت بالتقليد إلى العامة ومن نحا منحأهم من الخاصة. وليست الشكوى التي يشكوها بعض الوطنيين من الوافدين في محلها كلها لأن من اغتنى بكده أو بطرق غير شريفة فإنما غنمه له وغرمه عليه. واو تسنى لابن البلاد أن يعمل عمله ما تأخر وياليت خاصة هذه البلاد يسعون إلى نزع هذه الأوهام من عقول العامة حتى لا يبغضوا غيرهم بسبب وبلا سبب ويمتزج بعضهم مع بعض لتحيل بودقة مصر ذاك الدخيل إلى المعدن الذي تريد أن يكونوا كلهم عليه. فقد ثبت أن ثبت أن هذه البودقة المصرية أحالت إليها فيما مضى التركي والجركسي والكردي واليماني والحجازي والعراقي والشامي والمغربي والفارسي فأتى منهم مقامهم قليلاً في هذا الوادي مصريون يغارون على مصلحة مصر وكثير منهم نفعوها وخدموها وأيديهم أكثر من ذلك خدمة أبنائها لها تحت اسم مصريين. وما قط كانت لها بقعة من بقاع الأرض معلومة الحدود والمساحة وفقاً على جنس خاص من البشر لا ينازعها فيه منازع تسرح وتمرح فيها ما شاءت. فالأرض أرض الله والناس عباد الله وما أحلى بيت البحتري في هذا المعنى ولا تقل أمم شتى ولا فرق فلأرض من ترابه والناس من رجل وكل من نظر في نهوض الأمم لا يعتم أن يرى بأن كل أمة ربيت على كره غيرها وتجافت عن الاختلاط به وحسن الانتفاع منه وتجني من الخسارة أكثر من الربح. ولقد كانت بغداد من أكبر أمثلة التسامح في البلاد الإسلامية رفعت مقام الغريب وأحسنت الاستفادة منه فكان يعد بغدادياً كل من دخل بغداد. وتساوى في ذلك عجمها ودي لميها وعربيها وتركيها ونسطوريها وروميها ومجوسيها ومسلمها فجمع العدل من شملهم وآخت الراحة بينهم وعد سواء في النسبة إليها من نزلها اليوم منذ قرن وقد أعان على تكوين هذا المزج انتفاء الجنسية في الإسلام ورفق المسلمين بأهل ذمتهم ولولا ذلك ما قامت تلك الحضارة التي نسبت للمسلمين العرب مع أن أثرهم فيها أقل من أثر غيرهم من الأجناس والأديان. ولكن العمل مشترك وهو منسوب لقائدهم. وأنا لا نزال نقول أن نقول أن من حظ مصر أن تكون البلاد المجاورة لها محتاجة حتى أشبهت فاس في القرون الوسطى لما تواتر عيث العرب على القيروان واضطربت قرطبة باختلاف بني أمية بعد موت محمد بن أبي عأمر وابنه فرحل من قرطبة ومن القيروان من كان فيها من العلماء والفضلاء من كل طبقة فنزل أكثرهم مدينة فاس قال صاحب المعجب في الثلث الأول من المئة السابعة أن فاس اليوم على غاية الحضارة وأهلها في الكيس ونهاية الظرف ولغتهم أفصح اللغات في ذلك في ذلك الأقليم وما زلت أسمع المشايخ يدعونها بغداد المغرب إليها ينسب وبحق ما قالوا ذلك وقال أن القيروان كانت منذ الفتح إلى أن خرابها الأعراب دار الخراب تفرق أهلها في كل وجه فمنهم من قصد مصر ومنهم من قصد صقلية والأندلس وقصدت منهم طائفة عظيمة أقصى المغرب فنزلوا مدينة فاس. قصدوا فاس كما قصد الأندلسيون بلاد مراكش والجزائر وتونس وطرابلس ومصر والشام لما تأذن الله بانقراض دولتهم فعدوا من أهلها بل أهلها بل كما رحل الإيطالي والألماني والإسباني والإنكليزي والفرنسي إلى أمريكا لما ضاقت سبل الرزق في وجوههم فعدوا أميركيين وانشأوا يخدمون أميركا أكثر من خدمتهم لبلادهم حتى إذا تناسلوا فيها جاء أولادهم أمريكيين صرفاً. وكلما ارتقت الأمم تطال إلى إدماج غيرها في مجموعها والأمم الإفرنجية اليوم أكثر تسامحا في هذا المعنى من الأمم الشرقية كما يظهر بالاستقراء. قال ابن حزم الأندلسي: إن جميع المؤرخين من أمتنا السالفين والباقين دون محاشاة أحد بل قد تيقنا إجماعهم على ذلك متفقون على أن ينسبوا الرجل إلى مكان هجرية التي استقر بها ولم يرحل عنها رحيل ترك لسكانها إلى أن مات فإن ذكروا الكوفيين من الصحابة صدروا بعلي وابن مسعود وحذيفة وإنما سكن علي الكوفة خمسة أعوام وأشهراً (قال ابن حجر صوابه أربعة أعوام) وقد بقي ٥٨ عاماً وأشهراً بمكة والمدينة شرفها الله تعالى وكذلك أيضاً أكثر أعمار من ذكرنا وأن البصريين بدأ والعمران بن حصين وأنس ابن مالك وهشام بن عأمر وأبي بكرة وهؤلاء مواليدهم وعامة زمن أكثرهم وأكثر مقامهم بالحجاز وتهامة والطائف وجمهرة أعمارهم خلت هنالك وأن ذكروا الشاميين نوهوا بعبادة بن الصامت وأبي الدر داء وأبي عبيدة بن الجراح ومعاذ ومعاوية والأمر في هؤلاء كالأمر فيمن قبلهم وكذلك في المصريين عمرو بن العاص وخارجة بن حذافة العدوى وفي المكيين عبد الله بن الزبير والحكم في هؤلاء كالحكم فيمن قصصنا فيمن هاجر إلينا من سائر البلاد فنحن أحق به وهو منا بحكم جميع أولي الأمر منا الذين إجماعهم فرض أتباعه وخلافه محرم اقترافه ومن هاجر منا إلى غبرنا فلاحظ لنا فيه والمكان الذي اختاره أسعد به. فضل العربية كتب مستشار معارف مصر فصلاً سلخ فيه اللغة العربية من مزاياها ونشر في أخر تقرير عميد الاحتلال عن السنة الماضية قال فيه: إن تعليم العلوم بالإنكليزية في المدارس الأميرية بمصر لا مناص منه الأن لعدم وجود الكتب اللأزمة والأساتذة الأكفاء ولأن اللغة العربية فقيرة قي تركيب الجمل العلمية وبالنظر لجمودها والتباس تراكيبها لا تستطيع أن تكون لسان حال العلم والتدريس وأنه ليس فيها سئ من روح الأديبات الحديثة وأن أحسن الترجمات لا تتوصل إلى نقل فكر المؤلف إلا مشوهاً إذا أرادت نظارة المعارف أن تعتمد على ما يترجم من أصناف العلوم إلى العربية وقد وقع كلامه موقعاً سيئاً في نفوس العارفين بخصائص العربية ولما كان أكثر ما كتبه مما دخل بسياسة هذا القطر رأينا أن ننقل للقراء زبدة ما ساجلناه به ثم نردف ذلك بفصل في اللغة لأحد علماء المئة الخامسة. فقد قلنا في معاجمها المطبوعة ثمانون ألف مادة وكل مادة يشتق منها عشر ألفاظ هي بلا شك من اللغات الواسعة في العصر الذي لم تكن تعتبر فيه لغة علم أي في عهد المأمون العباسي وبعده فنقلت إليها علوم الفرس واليونان والرومان والهند في أي وقت كانت لغة بدوية فكيف لا يتسع صدرها لهذه العلوم الآن وهي لغة علم منذ ألف سنة هذا مع أن بعض العلوم من اختراع العرب كالجبر مثلاً فإنهم وضعوا قواعده ودونوا كتبه ونقله الأوروبيون عن العرب فاللغة التي اخترع بها ودون بها ودرس بها لا تضيق عنه اليوم وهي هي وهو هو. ولا تزال العلوم الرياضية هي إياها منذ أول نشأتها وأن زادت بعض نظريات أو تمرينات فالكتب المؤلفة كافلة لتدريسها أما العلوم الطبيعية فإن ما يرس في المدارس لا يتجاوز ما وضع له من الكتب بالعربية في القرن الماضي وتسهل زيادة ما زاد منها وتعريب ما يصدر منها الحين بعد الآخر في بلاد الغرب. واستشهدوا له بقول أحد رجال الفرنسيس الذي نصح للمصريين أن يحتفظوا بلغتهم ويتعلموا إحدى اللغات الأجنبية معها كما فعل المجر والتشيك والبولونيون ولا عينة للإنسأن الآن عم تعلم عدة لغات أجنبية هذا فضلاً عن لغة واحدة كالإنكليزية أو الفرنسية أو الألمانية. أما الفصل في فضل اللغة العربية فها هو بنصه: اللغة عبارة عما يتواضع القوم بينهم به من الكلام أو يكون توفيقاً يقال في لغة العرب أن السيف القاطع حسام أي تواضعوا على أن سموه هذا الاسم وتجمع لغة على لغات ولغين ولغون وقد قيل في اشتقاقها أنها مشتقة من قولهم سمعت لواغي إذا أولعت به وأغريت به وقيل بل هي مشتقة من اللغو وهو النطق ومنه فعله (إلى أن يقول في فضيلة اللغة العربية ومزتها): فأما ما نحن بصدده من ذكر اللغة العربية فلا خفاء بميزتها على جميع اللغات وفضلها أما السعة فالأمر فيها واضح. ومن تتبع جميع اللغات لم يجد فيها لغة تضاهي اللغة العربية في كثرة الأسماء المسمى الواحد على أن اللغة الرومية بالضد فإن الاسم الواحد وجد فيها للمسميات المختلفة كثيراً وقد كان بعض اللغو بين في إيصال المعاني في النقل إليها يبين ذلك أنه ليس كلام ينقل إلى اللغة العرب ألا ويجئ الثاني أخصر من الأول مع سلامة المعاني وبقائها على حالها وهذه بلا شك فضيلة مشهورة وميزة كبيرة لأن الغرض في الكلام ووضع اللغات بيأن المعاني وكشفها وإذا كانت لغة تفصح عن المقصود مع الاختصار والاقتصار فهي أولى بالاستعمال وأفضل مما يحتاج فيه إلى الإسهاب والأطالة. وقد خبرني أبو داود المطران وهو عارف باللغتين العربية والسريانية أنه إذا نقل الألفاظ الحسنة إلى السرياني فبحث وإذا نقل الكلام المختار من السرياني إلى العربي ازداد طلاوة وحسناً وهذا الذي ذكره صحيح يخبر به أهل كل لغة عن لغتهم مع العربية. وقد حكي أن بعض ملوك الروم وأظنه تيفور سأل عن شعور المتنبي فأنشد له كان العيش كانت فوق جفني مناخات فلما ثرن سالا وفسر له بالرومية فلم يعجبه وقال كلاماً معناه ما أكذب هذا الرجل كيف يمكن أن يكون جمل على أعين إنسان. وما أحسب أن العلة فيما ذكرته غير النقل إلى اللغة العربية ومنها وتباين ذلك إلا أن لغتنا فيها من الاستعارات والألفاظ الحسنة الموضوعة ما ليس مثله في غيرها من اللغات فإذا نقلت لم يجد النأقل ما يتوصل به إلى نقل تلك الألفاظ المستعارة بعينها وهي على هيئتها لتعذر مثلها في اللغة العربية التي ينقل إليها والمعاني لا تتغير فنقلها ممكن من تبديل وما كان ما ينقل من العربية فتغير حسنه لهذه العلة وما ينقل إليها يمكن الزيادة على طلاوته لأن نأقله يجد ما يعبر به في اللغة العربية أفضل مما يريد وأبلغ مما يحاول وهذا وجه يمكن ذكر مثله ويجب أن يتأمل وينظر فيه لأني لا أعرف لغة سوى العربية إنما ذهبت إليه ظناً وحدساً. وقد تصرف في هذه اللغة ما لم تصرف في غيرها من اللغات فلم توجد إلا طيعة عذبة في كل ما استعملت فيه نظماً ونثراً وهي إلى الأن لا تقف على غاية في ذلك ولا تصل إلى نهاية كما قال أبو تمام في هذا المعنى * إذا انجلت سحائب منه أعقبت بسحائب * وقد بينت فضلها وما فيها من الاختصار في العبارة عن المعاني وذكرت وجه التفصيل عليه موضع الاختصار مما لا شبهة فيه. فأما السعة فالأمر فيها أيضاً واضح لأن الناظم والنأثر إذا حظر عليه موضع إيراد لفظة وكأنت اللغة التي ينسج منها ذات ألفاظ كثيرة تقع موقع تلك اللفظة في المعنى أخذ الأسماء للمسمى الواحد وتلك فائدة حأصلة بلا خاف على أنه ربما عرض في وضع الأسماء المشتركة فائدة في بعض المواضع فلم تجعل اللغة العربية خالية منه بل فيها أسماء مشتركة كقولهم عين وما أشبهها. وها هنا لها فضيلة أخرى وهي أن الواضع لها أن كانت مواضعه تجنب في الأكثر كل ما يثقل على الناطق تكلفة والتلفظ به كالجمع بين الحروف المتقاربة في المخارج وما أشبه ذلك واعتمد مثل هذا في الحركات أيضاً فلم يأت إلا بالسهل الممكن دون غيرها من اللغات من اللغات كذلك كلغة الأرمن الزنج وغيرهم. ومما يدل على فضل اللغة العربية وتقدمها على جميع اللغات أن أربابها وأصحابها وهم العرب الذين لا أمة من الأمم تنازعهم فضائلهم ولا تباريهم في مناقبهم ومحاسنهم وأن كانوا تواضعوا على هذه اللغة فلم تكن تنتج أذهانهم الصقيلة وخواطرهم العجيبة إلا شيئاً خليقاً بالشرف وأمراً جديراً بالتقدم وإن كان توفيقاً من الله تعالى ومنة بها عليهم وقال ابن حزم: لا ننكر اصطلاح الناس على إحداث لغات شتى بعد أن كانت لغة واحدة وقفوا عليها بها علموا الأشياء وكيفيتها وحدودها ولا ندري أي لغة هي التي وقف آدم عليه السلام عليها أولاً إلا أننا نقطع على أنها أتم اللغات كلها وأبينها عبارة وأقلها أشكالا وأشدها اختصاراً وأكثرها وقوع أسماء مختلفة المسميات كلها المختلفة من كل التأكيد يرفع الأشكال ويقطع السغب فيما قلناه وقد قلناه وقد قال قوم السريانية وقال قوم هي العبرانية وقال قوم هي العربية والله أعلم إلا أن الذي وفقنا عليه وعلمناه يقيناً أن السريانية والعبرانية والعربية التي هي لغة مضر وربيعة وليست لغة حمير لغة واحدة تبدلت بتبدل مساكن أهلها فحدث فيها جرش كالذي يحدث من الأندلسي إذا رام نغمة أهل القيروان ومن القيرواني إذا رام نغمة الأندلسي ومن الخراساني إذا رام نغمتها ونحن نجد من سمع لغة أهل فحص البلوط وهي ليلة واحدة من قرطبة كاد أن يقول أنها لغة أخرى غير لغة أهل قرطبة وهكذا في كثير من البلاد فإنه بمجاورة أهل البلدة لأخرى يتبدل لغتها لا يخفى على من تأمله ونحن نجد الكلمة كلغة أخرى ولا فرق فتجدهم يقولون في العنب الغنيب وفي السوط أسطوط وفي ثلاثة دنانير ثلثدا وإذا تعرب البربري فأراد أن يقول الشجرة قال السجرة وإذا تعرب الجليقي أبدل من العين والحاء هاءً فيقول مهمد إذا أراد أن يقول محمد ومثل هذا كثير فمن تدبر العربية والعبرانية والسريانية أيقن أن اختلاف البلدان إنما هو من نحو ما ذكرنا من تبدل ألفاظ الناس على طول الأزمان واختلاف البلدان ومجاورة الأمم وأنها لغة واحدة في الأصل وإذ تيقنا ذلك فالسريانية أصل للعربية وللعبرانية معاً والمستفيض أن أول من تكلم بهذه العربية إسماعيل عليه السلام فهي لغة ولده والعبرانية لغة اسحق ولغة ولده والسريانية بلا شك هي لغة إبرأهيمصلى الله عليه وسلم بنقل الاستفاضة الموجب نصحة العلم والسريانية أصل لهما وقد قال قوم أن اليونانية أبسط اللغات ولعل هذا أنما هو الأن فإن اللغة يسقط أكثرها وتبطل بسقوط دولة أهلها ودخول غيرهم عليهم في مساكنهم أو بنقلهم عن ديارهم واختلاطهم بغيرهم فإنما يقيد لغة الأمة وعلومها وأخبارها قوة دولتها ونشاط أهلها وفراغهم وأما من تلفت دولتهم وغلب عليهم عدوهم واستغلوا بالخوف والحاجة والذل وخدمة أعدائهم فمضمون منهم موت الخواطر وربما كان سبباً لذهاب لغتهم ونسيان أنسابهم وأخبارهم وبيود علومهم هذا موجود بالمشاهدة ومعلوم ضرورة ولدولة السريانيين مذ ذهبت وبادت آلاف من الأعوام في أقل منها ينسى فكيف تفلت أكثرها والله أعلم. أصل لفظ كعبة ومكة وكربلاء نشر أحد المكاتبين في أحد المجلات العلمية ما صورته: سألتكم عن أصل كعبة ومكة فأجبتم أن الاسم كعبة محرفة من الكلمة كابلا (كذا) التي معناها مسجد. فأرى أنكم مصيبون (كذا) لأن كلمة كابلا كانت تطلق على بعض المعابد المسيحية ككعبة نجران. وبعد البحث وجدت أن الكلمة كابلا مشتقة من كار بالا أي العمل الصلوي (كذا) وكاربلا كانت اسم كذا. يريد اسماً) لمعبد عظيم وهو مشهد النبي تموز المذكور في التوراة في سفر حزقيال ص ١٤ : ٨ . والمذكور في تواريخ الشرق عن النبي تموز هو أنه ولد في مدينة الأهواز وهجر الأهواز إلى كربلاء وهناك قتل هو وبنوه وأنصاره وبعد قتله آمنت به قبائل تلك النواحي وبنت على قبره قبة عظيمة وكانوا يأتون من جميع النواحي لأجل زيارته. وكانوا في هذه الزيارات ينشدون المراثي ويلبسون الثياب السوداء ويبكون عليه. وغالباً لا تكون هذه الزيارات إلا في شهر تموز. أما أتباعه فقليلون الأن البعض منهم في سوك شيخ (؟) والآخر في البصرة. واسمهم الأن الصابئون وأكثر عملهم في الصياغة ولا يزالون للآن يجرون شعائرهم الدينية بالتطواف حول كربلاء وليس الثياب السوداء وإنشاد المراثي. ويظن بعض الشيعيين أنهم يبكون على الحسين رضي الله عنه. وذلك من الاتفاقيات الغربية. أي أن يكون مشهد الأمام الحسين هو ذات مشهد تموز وقد تبين لي أن الكاتب المذكور قد أخطأ المرمى فأقول:  ١ - لا يمكن أن تكون لفظة كعبة مأخوذة من كابلاً لأن هذا الحرف بهذا المعنى حديث الوضع بالإفرنجية بالنسبة إلى مثله بالعربية.  ٢ - إن بين اللفظتين كعبة وكابلا بونا عظيماً  ٣ - إن كابلا فرنساوية الأصل لا لاتينية. ومن تلك اللغة نقلت إلى هذه. والحال لا يمكن أن يعقل أمر أخذ العرب لفظة عن محدثي الفرنسيس.  ٤ - ولو فرضنا أن اللاتينية سبقت الفرنساوية في هذا المعنى فالعرب لم يأخذوا عن اللاتين لفظة تتعلق بأمور الديانة. إلا ما حدث منها في العصور الأخيرة  ٥ - وأما أن كلمة كابلا أطلقت على بعض المعابد المسيحية ككعبة نجران. فالتاريخ يخالف هذا التأكيد الزائغ عن الغرض. وأما أن كابلا مشتقة من كار بالا فهذا أمر يخالف كل معقول ومنقول. لأن وكاربلا فارسية وكابلا فرنساوية أو لاتينية على رأي ضعيف ونصارى الفرس لم يعيروا الإفرنج لفظة واحدة دينية لتكون هذه اللفظة الثانية. أما كابلا فمشتقة من الحبرية أو الغفارة ويراد بها ثوب يشتمل به الكاهنة كالرداء عند القيام بشعائر الدين والظاهر أن اسم الكابلا وهي المصلى مأخوذ عند الإفرنج من غفارة أو حبرية وضعت في مصلى وتلك الحبرية كانت لأحد القديسين بمنزلة الذخيرة فسمي المصلى بها. هذا الذي ذهب إليه لتره وهو أرجح من كلام مكاتب تلك المجلة. أما أن كابلا لا يراد به المسجد ولاسيما كعبة نجرأن فلأن المصلى أو الكابلا لا يكون فيه إلا مذبح واحد وأكثر ما يكون لأهل بيت أو قصر خاص. ولا يمكن أن يقال فيه القداس إلا بأذن أسقف الأبرشية والكعبة معبد عام. وتفسير كار بلا بالعمل الصلوي غريب فلفظة كار فارسية ومعناها العمل أو الشغل وبالا يعني لأعلى فيكون محصل المعنى: العمل الأعلىلا العمل الصلوي. أما كون كار بلا مشهد النبي المذكور في التوراة في سفر ص ١٤ : ٨ فالذكور في هذا الموطن أن هناك كانت نساء جالسات يبكين على تموز ولم يقل صاحب السفر الكريم أنه نبي. والمشهور عن تموز أنه من معبودات أفينيقية وكأن يسمى أيضاً أدو نيس ومن الأخبار الشائعة عنه أنه قتل وهو شاب في قرية غينية من الأصقاع المذكورة فناحت عليه أمه الزهرة أو عشتا روت. وهذه هي خرافة لا حقيقة لها وإنما كانوا يرمزون بها إلى الشمس وتقابلتها من حالة النور إلى الظلام في بعض فصول السنة. فكانوا إذا قدم الخريف يحتفلون بأعياد يدعونها جنازة تموز. فقول الكاتب أن تموز ولد في مدينة الأهواز فليس له من الحقيقة أدنى نصيب وأما أنه قتل هو وبنوه وأنصاره في كربلاء فحديث خرافة لا ذكر له في تواريخ الشرق. والمكاتب لم يذكر اسم هذه التواريخ ولا أصحابها الذين نطقوا بها. وأما قوله: (وأتباعه قليلون اليوم. . . واسمهم اليوم الصابئون). فليس لهذا المعبود أتباع في بلاد العراق. والمتعبدون له كانوا في فينيقية لا غير. وحكاية قتلة موضوعه فكيف يقال بعد هذا أنه دفن هو وأتباعه في كربلاء. والصابئون لا يعبدون تموز قط. وهم لا يوجدون في سوق الشيوخ (لا سوك شيخ) ولا في البصرة بل كانوا هناك في سابق الزمان وهم الأن في الناصرية والعمارة وما جاورهما مكن القرى الصغيرة. والصابئون لا يترددون إلى كربلاء أبداً ولا يبكون أحداً في مواطنهم. وعندي أن كربلاء منحوتة من كلمتين آشوريتين وهما: (كرب) و (إيلا) ومعنى الكرب: الحرم وأيلا: الإله. فيكون محصل المعنى: حرم الله أو حرم الإله كان لهم هناك وهذا يدل على أن هذا الموضع كان في سابق الزمن حرماً لإله من آلهة الآشوريين أو الكلدانيين أو ما ضاهأهم من أمم تلك البلاد المنقرضة الممحوقة. ووجود الإحرام (جمع حرم) عند تلك القرون أمر مشهور لا يحتاج إلى تنبيه الأفكار إليه. وعليه فكانت كربلاء في سابق العهد إما بمنزلة الحرم لأحد الهتهم. وإما إنه كان فيه محراب أو هيكل يعبد فيه. لأن لفظة (حرم) عند الآشوريين (وكذا عند الوشيين والحبش) تعني كلا الأمرين يعني الحرم والمحراب. والظاهر أن (الكرب) مبدلة من لفظة (الحرم) أو هذه من تلك. فقال بعضهم فيه (الحرب) على لغة مازن أي ممن يبدل الميم باءً كما قالوا: البوباء والموماة. والصرم والصرب ورجل بجباج ومجماع الخ. ومن بقايا الحرب بالعربية المحراب وهو بمعناه أو يكاد. ولا جرم أن (الكرب) بمعنى (الحرم) كان معروفاً عند بادية العرب ثم أميتت اللفظة بعد أن ولد من عقبها لفظ محراب فعاش إلى يومنا هذا بعد أن قتل ذاك ولما صارت الكلمة بلفظ الحرب تلقاها عرب آخرون من مجاوري الأشوريين أو تلقى الأشوريين اللفظة عن العرب أو لما اختلط الأشوريون بالعرب وكان يصعب على الأشوريين النطق بالحاء إذ هي غير موجودة في لسانهم أبدلوها بالكاف وفي بعض الأحيان بالخاء فإنتقلت اللفظة من صورة (حرب) إلى صورة (كرب). بل أن بعض العرب كانت تبدل أيضاً الحاء كافاً. فقد قالوا الحثحث والكثكث. وأكثر النخل وأحثر الكأبي والحأبي. ووقوع حرفين مبدلين في الكلمة الواحدة غير منكر عند العرب فقد قالوا: السبت والشبت ولغنك ولعلك وفلان منسرح من الكرم ومنسلخ. إلى أخر ما هناك وعندنا غير هذ ١ هـ الأمثلة تربي على المئات. وأما من ذهب إلى أن كربلاء منحوتة من (كرب) و (بلاء) فمن الأقوال السخيفة الواهنة التي لا تحتاج إلى إظهار ما فيها من بعد التأويل واسم الموضع معروف قبل وجود العرب فيه. فتأمل. وأسخف من هذا كله قول أن كربلاء سميت بهذا الاسم أخذاً من الكربلة مصدر كربل. وكربل الشئ خلطه لأن ترابها مخلوط برمل. وقيل من كربل الحنطة غربلها لأن ثراها يشبه أن يكون مغربلاً وقيل من كربل الرجل: مشى في الطين وكربل فلان: ة خاض في الماء وذلك أن الأمطار إذا كثرت في كربلاء لا يوجد للرجل وسيلة سوى المشي في الطين أو الخوض في الماء. وفي كل ذلك من التعسف في التأويل ما يكفينا مئونة في الخوض في تفنيد هذه الأقاويل. فأحفظه وأما أصل لفظة الكعبة فعندي أنه عربي محض لأن الكعبة عندهم الغرفة وكل بيت مربع وهذا يشير إلى أصل وضع الكعبة في سابق العهد. هذا فضلاً عن أن مادة (ك - ع - ب) تدل على التجمع والأمتلاء ومنه كعبت الجارية نهد ثديها. وكعب فلأن الإناء: ملأه وهذا يشير إلى أن هذا البيت كان يجتمع إليه الناس من كل حوب وصوب والظاهر أن هذا الأصل أن هذا الأصل الثلاثي من أرومة ثنائية الجرف يعين) ك - ب) ومنه كب الشئ: ثقل (وبثقل عند تجمع جواهره أو دقائقه) والغزل: جعله كبباً. والكباب: الكثير من الإبل والغنم والتراب والطين اللازب والثرى وما تجمد من الرمل. والكبة الجماعة من الخيل والجروهق من الغزل والإبل العظيمة والثقيل. . . إلى آخر المادة فإن معنى التجمع لا يزال معقوداً بناصيتها وقل مثل هذا القول إذا بدلت الكاف حرفاً يقاربها ويكثر التبادل بينها. يعني (ق - ب) تقول قب النبات: يبس (اليبس لا يخلو من تجمع في أجزائه) والقب: الرئيس والملك والخليفة (أي الذي تجتمع عنده لغرض من الأغراض) إلى أخر ما هناك من مثل القبة. وهو بناء سقفه مستدير مقعر معقود الحجارة على هيئة الخيمة. . . وكذلك إذا أقحمت العين بين القاف والباء فإنه ينهض ناهض بين يديك هو القعب والقعبة. فقعب الحافر كان مقبباً كالعقب. والقعب: القدح الضخم الجافي (الذي يجمع السوائل) والقعبة: شبه حقة للمرأة (تجمع فيها أدواتها) والقعبة: النقرة في الجبل (يجتمع فيها الماء) والقعيب: العدد الكثير (المجتمع بعضه إلى بعض). . . الخ وإذا استقريت مبدلات الحرفين وما يقحم بينهما لا تقع إلا على مثل ما مر بك. وهذا كله يدل على أن الكعبة من أصل عربي قح معناه التجمع تتجمع الناس فيها كما تتجمع دقائق السوائل ونحوها في الإناء. ولقد اتخذ العرب والعجم في السابق وفي هذه الأزمان معنى لفظ الإناء وما جاء من هذا القبيل لمعنى محل التجمع فهكذا قالوا في معنى الكنيس والكنيسة وهكذا قالوا في بعض الألفاظ التي تدل على السفن. ولا تظن أن مادة (ك - ب. أو ق - ب. أو - ك - ع - ب. أوق - ع - ب) خاصة بالعربية بل قد وردت أيضا بهذا المعنى في اليونانية. فإن اللغة العربية يقولون (قنبي) كما تقول العرب: قنب وذلك في بعض معانيها. وقالت اليونان (كوبي) كما قالت العرب (كوب) وقالت اليونان (قوبس) كما قالت العرب: كعب وكعبة ومكعب. ومن ثم فإذا أراد بعضهم أن تكون الكعبة من أصل أعجمي فلا تكون إلا من أحد هذه الألفاظ اليونانية الثلاثة المذكورة إلا أننا نقول ونقول دائما أنها عربية العمومة والخونة أما لفظة (مكة) فالذي يظهر لنا في أصلها أنها آشورية من (مكا) ومعناه (البيت) من باب التغليب. كما أن الكعبة معناها: البيت المربع. ووجود الأشوريين في بلاد العرب أمر لا شبهة فيه. والدلائل كثيرة بهذا الخصوص نكتفي بإيراد واحد منها وهو قول علي حين سأله أعرأبي عن أصل قريش: (أننا نبط من كوثى) وقد اتفق أغلب المفسرين وأثبتهم قدماً في العلم أن المراد بكوثى العراق وسكانها كانوا أشوريين فإنتقال الأشوريين الكلدانيين إلى مكة في سابق أمر لا ينكر ولاسيما بعد الاكتشاف العادية التي حسرت اللثام عن أسرار جمة كانت خفية عن عيون الأنام وربك أعلم بحوادث الأيام والأقوام. أحد قراء المقتبس بني الأرض بني الأرض هل من سامع فابثه حديث بصير بالحقيقة جبلنا على حب الحياة وأنها مخيفة أحلام أطافت بحالم سعى الناس والأقدار مخبوءة لهم وناموا وما ليل الخطوب بنائم جرت سفن الأيام مشحونة بنا على بحر عيش بالردى متلاطم تأملت في الأحياء طراً فلم أجد بهم باسماً إلا على ألف واجم ورب سعيد واحد تم سعده بألف شقي في المعيشة راغم وما المرء إلا دوحة في تنوفة ملوحة أغصانها بالسمائم لها ورق قد جف إلا أقله وعيدانها بين النيوب العواجم ولا بد أن تجثث يوماً جذورها وتقلعها إحدى الرياح الهوا جم أرى العمر مهما ازداد يزداد ينقصه إذا نحن في نقص من العمر دائم ولولا أنهدام في بناء جسومنا لما احتيج في تعميرها للمطاعم لحى الله بأساء الحياة كاننا نكيل من حاجاتها بالا دأهم نروح كما نغدو نجاهد دونها أموراً دعتنا لارتكاب الجرائم فلو كنت في هذا الوجود مخيراً وفي عدمي لاختراعه غير نادم هل الموت إلا سالك وحياتنا إليه سبيل مسلبين المعالم وما زال هذا الدهر غضبان أخذاً على الناس من سيف المنون بقائم تبصر تجد هذى البسيطة منزلاً كثير اليتامى عأمراً بالمآثم وليس الذي آسي له فقد هالك ولكن ضياع المفجعات الكرائم أرامل تستذري الدموع وحولها يتامى كأفراخ القطا والحمائم وكأين ترى مخدومة في جلالها سعت حيث أبكاها الردى سعى خادم فليت المنايا حين قوضن بيتها بدان بها من قبل هدم الدعائم أرى الخير في الأحياء ومض سحابة بدا خلبا والشر ضربة لازم إذا ما رأينا واحدا قام بانيا هناك رأينا خلفه ألف هادم وما جاء فيهم من عادل يستميلهم إلى الحق إلا صده ألف ظالم جهات كجهل الناس حكمة خالق على الخلق طراً بالتعاسة حاكم وغاية جهدي أنني قد علمته حكيماً تعالى عن ركوب المظالم دأبت لنفسي في الحياة كانني من العيش ملقى في شدوق الضراغم يخاصمني منها على غير طائل أناس فابدي الصفح غير مخاصم واقنع بالقوت الزهيد لطيبه حذار وقوعي في خبيث المطاعم واترك ما قد تشتهي النفس نيله لما تشتهيه قلة دراهمي وكم لي في بغداد من ذي عداوة وما أنا في شيء عليه بجارم إذا جئت بالقلب السليم يجيبني بقلب له من كثرة الحقد وارم الأمم والأفراد أن للسوريين عامة ولاسيما المتهذبين منهم أن يعلموا جميع الوسائل التي رقت بالأمم في الأدبيات والماديات ويعرفوا كيفية التذرع بها إلى مجاورة الغير في الرقي وأن ما بلغه الناس في هذا العصر من العلوم والمعارف وما أدركوه من الآداب والفضائل وما استنارت به أذهانهم وارتقت عقولهم واتسعت مداركهم وهذب أخلاقهم وما بلغوه من التفنن والمهارة والإتقأن في الزراعة والصناعة والتجارة وما اعتمدوا عليه من القوانين في السياسة والرئاسة والقضاء والإدارة وما أحرزوه من أسباب التمدن والعمران وما أتوه من جليل الأعمال وعظيم الحسنات ليس جميعه نتيجة الاتفاق وابن الرفاهية والكسل والاختبار ابن الأفراد والنابغين فما نراه اليوم من ترقي المعاصرين وتمتعهم بوسائل التقدم والنجاح إنما أتى على يد تلاميذ خمسة وسبعين قرناً حسب رواية التوراة وأكثر من ذلك على رأي العلماء الطبيعيين والمؤرخين وما مر بهم من الأدوار كاف لتعليمهم والأخذ بأيديهم إلى هذا المقام. فقد توإلى على الجنس البشري أزمان بين الشدة والرخاء والبؤس والنعيم وأحاطت بأبنائه المضرات والمنافع أحاطة الهالة بالقمر واكتنفتهم العبر من جميع الجهات فكانوا تارة يعتبرون بها وينتفعون وتارة أخرى يتلاهون عنها فيفوتهم النفع ويتضررون. وعلى هذا المنوال كانوا يتراوحون في التقدم والازدهار والتقدم والتأخر والصعود والهبوط وكانت تتفاوت مراكز الأمم في مراتب العمران تفاوتاً عظيماً لم يزل بيناً صريحاً حتى الآن غنياً عن الدليل والبرهان. وذلك لعدم اعتدادها بالأسباب والمسببات والمقدمات والنتائج بنسبة واحدة. موضوع خطأبي - الأمم بأفرادها - وأريد بالأفراد ها النوابغ والشاذين الممتازين والمتفردين بأعمالهم ومآتيهم مجددين مخترعين مبتكرين وأعني المحررين من رق العادات المستقلين في الاعتقادات الذين لا يكتفون بتحصيل الرزق والاهتمام بالأكل والشرب واللباس وما أشبه من شؤونهم الخاصة فقط ولا يقلدون التافه المبتذل من الموضوعات والشؤون ولا تصدهم العقبات وتثنيهم المعاكسات الذين يخلدون ذكرهم بفعالهم ويعد الواحد منهم بمقام الألوف والملايين. هؤلاء هم الأفراد الذين أعنيهم بكلامي الآن وهم الذين يجمعون شتات الأمم ويؤلفونها أو يقسمونها ويبعثرونها. يشيدون أركان مجدها ويرفعون أعلام عزها أو يزعزون دعائمها ويهدمون أسوارها. يقيمونها أو يقعدونها. يغنونها أو يذلونها. ينشطونها أو يخملونها. وبعبارة واحدة يؤثرون حسب أميالهم ومبادئهم وغاياتهم. وهم نافع قلما يضر أو ينفع ومتوسط بين النفع والضر أي مفيد ومؤذ معاً. فالأول من هبات الله للخلق والثاني من تلاميذ إبليس والثالث من الجبلتين بدليل ما نراه من التباين والتناقض والاختلاف في نتائج أعمالهم الخاصة والعامة مما يؤيد القول بأن الأمم بأفرادها وتوضح ما لهم فيها من المأثر والأعمال بنسبة استعدادهم وقوأهم وتقر بأنها شاكرة لهم ممتنة أو ناقمة منهم حاقدة عليهم ولا تنكر أنها تنادي على رؤوس الأشهاد أنها مدينة لهم بما تتمتع به من الحسنات أو تصيح أو تتأوه وتتنهد مما حملوها عليه ورغبوها فيه وعودوها إياه من السيئات. وقلما ذكر التاريخ غير الأفراد في كل جيل وأمة ودولة. وقلما عدد مناقبهم ونوه بغير فعالهم من التأثير في الأمم. فمهما اشتغل العاديون أي العامة وكدوا واجتهدوا مهما قلدوا وتشبهوا ومهروا وأتقنوا مهما تعددوا وتكأثروا وتناطروا وتزاحموا فلا يؤثرون في ذويهم تأثير الأفراد في الخير أو في الشر ولا يرقون صنائعهم وفنونهم ترقية الأفراد لها ولو مر عليهم قرن من برمتها ومهما بلغ عديد الأمة في أي زمن كانت مهما ساعدتها طبيعة البلاد ودرت عليها أخلاف الرزق والثروة مهما سعت في سبل العمران ورغبت في نيل الأدبيات والماديات لا قيام لها إلا بأفراد يحثونها على النهوض في والثبات ويرشدونها إلى أقوام السبل ويتولون زعامتها لها ويقودونها في سبل الخير العام وبراعة وتفنن. ويختلف تأثير الأفراد باختلاف مراكزهم في هيئة الاجتماع ويتباين بنيانها فكلما علا مركز الفرد ازدياد تأثيره واشتد نفعه أو ضره. والويل لأمة لا تعبأ بأفرادها ولا تعمل على تنشيط النافعين منهم ومعاونتهم وترقيتهم جهدهم فإنها لا محالة خاسرة لأن ترقي الفرد لا يتوقف على سعيه الشخصي واعتماده على نفسه فقط واقتحامه واجتيازه العقبات بل ارتقاءه مناط بالأحوال المحيطة به ولها تأثير فيه لا ينكره غير المكابر أن للأفراد يداً في إيجاد الأمم. وحيثما عرفت قيم الأفراد وجلت أقدارهم فنشطوا وأخذ بأيديهم ووثق بهم وركن إليهم وتعددوا وأفادوا لأن الوسائل المعاونة لهم تسهل سبل نجاحهم فيبلغ معظمهم أو كلهم مبلغ النفع الحقيقي بدلاً من أن بلوغ الربع أو الثلث أو النصف فقط. أي فرد يستطيع اليوم أشغال العالم بما شغله به الأسكندر وتيمور لنك ونابليون وأمثالهم قديماً. في مكنة مستعد أن يصير أعظم من روسو وباستور وبرتلو ولكنه يندر جداً أو يستحيل أن يوجد نيرون ثان على الأرض اليوم أو فيما بعد وما ذلك إلا لأن الأمم أمست قادرة على تكييف أفرادها بما بثه فيها الأفراد من المبادئ والآراء وبإمكانها جعلهم فضلاء مجردين إلى النفع ولو بإكراه. والفرق عظيم بين الفرد المفيد المخلص الغيري وبين النصر المرائي الأناني. ذاك يسعد أمته وهذا يشقيها والأمم الحية تتطلب العادة من جميع أبوابها بكل ما فيها من القوى. سطوة الأفراد عظيمة على العقول وليس بمستغرب فإن من طبائع الناس تقليد كبارهم ونوابغهم كل بحسب مهنته وحرفته وميله فالغني يقتدي بالأغنى منه والعالم بالأكثر علماً والأديب بالأوفر أدباً والفاضل بالأفضل منه وهلم جرا. كل ما تتمتع الأمم من الحسنات قد جنته بواسطة الأفراد. العلم والأدب المعرفة والفضيلة الثروة والرفاهية المجد والشهرة جميع ذلك من نتائج أتعابهم وتفردهم. ارتقى الطب بأفراد لا يعدون جزءاً من مليون من الأطباء الذين نشأوا في الأرض محققين ودجالين والناهضون يعدون على الأصابع وهم أبيوقراط وهرفي وجنر وتروسو وبريتونو وباستور وباهرنغ ويزس وككوخ ورو والكيمياء قد تنكر نفسها فضل لافوا زيه وبرتلو. والزراعة لا يمكنها نسيأن النتائج الآتية من تجارب السر جون لوز ورفيقه الدكتور غلبرت. والفلسفة مقرة بخدم أرسطو وابن رشد وتوما وأغسطينوس وديكارت وباكون وكانت وسبنسر والاجتماعيات تردد بالشكر والأمتنان ذكر فولتير وروسو وسيمون وتولستوي. والشعر يترنم بأميروس ودانت والمتنبي وشكسبير وهو كو وكل فن مقر بأفضال أفراده عليه وتأثيرهم فيه. ولا عجب إذا غير الفرد من حالات أمته أو حرفته ما لا يغيره الألوف الملايين من العاديين. هدم باكون وديكارت أسوار الفلسفة القديمة وأسسا الحديثة وأوضح دروين مذهب النشوء والارتقاء. وعم مكس ملر الأوروبيين والمشارقة كثيراً مما لم يكونوا يعلمونه من تاريخ لغاتهم ومعتقداتهم. وبطرس الأكبر الروسي وكرم ويل الإنكليزي وفرن كلين الأمريكي وبسمارك الألماني والميكادو الياباني الحالي وأمثالهم كثيرون ممن قد نهضوا ببلادهم بتفردهم دع عنك المصلحين والمشرعين كما أن كثيرين من الأفراد قد أساؤوا إلى أممهم إساءات قلما يغفرها لهم التاريخ ككارلوس الثاني عشر ملك الأسوجيين ونابليون الثالث إمبراطور الفرنسيس وأشباههما. كولمبوس ومجلان وفاسكودي غاما أغنوا العالم باكتشافاتهم أدباً ومادة. فكتور وهو كو وكمال بك غير طرائق الإنشاء في الفرنسية والتركية. بهرام ما لا باري وأحمد خان أفاد الهنود أكثر مما استفاد وه من أنفسهم وهم عشرات الملايين. بوكر واشنطون يعمل على ترقية السود أعمالا لم يأت بمثلها ملايين منهم. فإنديك وبلس والبستانيون واليازجيان أفادونا أكثر مما استفدنا من مجموعنا برمته. عرف الغربيون أن الأمم بأفرادها نشطوا الأفراد وعزروهم ورفعوا أقدرهم ولم يضنوا بعزيز وغال في سبيل هذا السبيل. وأول ما وجهوا أنظارهم إليه تكثير الوسائل العامة التي يسهل وصول الأفراد إليها واستخدامها في ما يقدمهم ويرقيهم فأكثروا المدارس وجعلوا التعليم إلزامياً وأنشئوا المكاتب للمطالعة وأسسوا المنتديات للمباحثة غير جأهلين أن وجود الأفراد غير متوقف على هذه الأمور وإنا حجتهم تسهيل الوسائل لظهورهم ومعاونتهم على الاستفادة والإفادة إذ لا يعلم غير الله من أي فئة ينبغ الأفراد في حين كل من الفقراء أم من الأواسط أم من الأغنياء. ولكن الرأي المعول عليه أن الأفراد كثيراً ما يرون نور الوجود في الأكواخ والبيوت المتوسطة لا في القصور والمنازل الفخمة. وبهذا تتضح غاية إنشاء المدارس المجانية والمكاتب والمنتديات العمومية. ولم نعد نحن في بلادنا أفاضل منا ومن محبينا أدركوا هذا الأمر الجليل فعملوا على إيجاده وتعزيزه. كثير من الناس لا يعبأون بغرف القراءة ولا يرون فيها غير غرف التسلية وصرف أوقات الفراغ لغرض أسمي وأعم ولا يقتصر نفعها على استمالة الشبان عن القهاوي والحانات وترقية عقولهم بالمطالعة وتهذيب نفوسهم بها بل هي مورد عذب للأفراد يستفيدون منها ما يضن به الدهر عليهم. وإذا لم يكن لها غير هذا النفع لكفاها فضلاً وفخراً. الميكروب تولده وعلة الاختمار انقسم العلماء نظرياً بناء على اكتشاف شوان السابق بيانها في علة الاختمار إلى ثلاثة أقسام. أولهم القائلون أن الاختمار عارض يطرأ على بعض الجوامد في أحوال مخصوصة لا ينتج ولا يتوقف حصوله على الخلايا أو الميكروب التي لا يكون لها فعل أو مدخل في الاختمار إذا وجدت في شيء من تلك المواد بل تصادف أحياناً فيها لأنها تتكون منها بنوع طارئ بلا علة أو والد. سمي أهل العلم (أصحاب التولد الذاتي أو الطر آني). والقسم الثاني هم القائلون أن الاختمار فعل حيوي قائم بالخلايا وملازم لحياتها وهي تنمو وتتكأثر وتتخلد طبيعياً بالتناسل وهؤلاء هم (الحيويين). والقسم الثالث هم الذين ينسبون الاختمار إلى فعل كيماوي. وكان الرأي الأول مرجحاً ومقبولاً عند جميع الذين ينسبون لما لم يكن قائماً على أساس وقاعدة علمية وليس في تعليلاته النظرية ما يشفي غليل المنتقد المتوغل ويقنع النبيه المتبصر كان يقوم الحين بعد الآخر من يخطئ القائلين به ويحاول اكتشاف سبب حقيقي وتعليل تركن إليه العقول ويقبله الحدس السليم. وكان كثيرون قد وقعوا على الحدس وقرروا وجود سبب خفي عن الأبصار يكون علة الاختمار والأمراض ولكنهم كانوا قاصرين عن إثباته ببرهان تستند قضاياه على الإدراك حسياً ومنطقياً. ففي سنة ١٧٧٦ حاول (سيلنزاني) الإيطالي إثبات وجود الخلايا وبيان تولدها وفعلها في الاختمار مستنداً على التجارب فأخذ بعض السوائل الاختمارية ووضعها في أكواب من الزجاج أحكم سدها ثم غلاها في الماء قاصداً إتلاف ما فيها من الخلايا أو الميكروب ومنع دخول الهواء إليها بعد الغليأن فنجحت تلك. لأن بعض الأكواب دامت معقمة لم يفسد ما فيها ولم يتخمر. وذاع خبرها فبينت عليها كيفية حفظ بعض المأكولات من الفساد بوضعها في علب تغطى ويحكم سدها ليمتنع دخول الهواء إليها. إن نجاح هذا المسعى وأن لم يكن غير كاف لإقناع الكافة فقد كفاه فضلاً إدخاله الشك على المذهب القديم وفتحه باباً للدخول علمياً وعملياً في الموضوع. وبعد ذلك قام كثيرون وتفرعوا للبحث والتوغل في المسألة وخصوا أنفسهم لها ويذلوا النفس والنفيس في استقصاء الحقيقة فتركوا المناقشات النظرية والحدسية واقتصروا على التجربة والعمل وإذ كانت سوق العلوم وقتئذ رابحة ناجحة لم يتركوا واسطة أملوا منها بعض النجاح لأي علم أو فن نسبت ولم يستعينوا بها في البحث عن الحقيقة. وأفضل الوسائط والآلات لهم خدمة هو كما سبق القول المجهر الذي كان وقتئذ قد أيقنت صناعته واستكملت فتوصلوا به إلى رؤية أدق الميكروب عيناً وعياناً. ولما كان مجرد وجود الأجرام الحية في مادة مختمرة أو متعفنة لا يكفي للتصديق بأنها المسبب الوحيد لذلك اقتضى أن يتبين أيضاً بالتجربة بأن ظواهر الاختمار لا يمكن حصولها في مادة ما جردت من تلك الإجرام وحجبت عنها. وعليه فإنهم كانوا يصنعون المواد التي يقصدون التجربة عليها في زجاجات فيغلونها في الماء لكي تموت بالحرارة الأجرام الحية من السائل والزجاجة وذلك إما بسد الزجاجات أثناء الغليان أو بتعرية الهواء الداخل إليها من الأجرام الحية. قلت فيما سبق أن هذا الأمتحان كان سبق إليه وجرب منذ سنين عديدة. فكان العالم منثار قد اختبر بأنه يقي من الفساد جميع المواد التي يغليها ثم يغمرها في الزيت يحجرها عن الهواء أو إنه كان ينقي ويصفي الهواء من أجرامه بالحوامض قبل أن يمس تلك المواد المغلية. وفي سنة ١٨٣٧ أعاد شوأن الموما إليه تلك التجارب عينها وكان زيادة على ذلك إذا هلك الأجرام الموجودة في الهواء بأمراره في أنبوب حام قبل وصوله إلى المواد المعروفة للتجربة لم تفسد. إن تنقية الهواء من الأجرام الحية سواء كانت بوسائط كيماوية أو بحرارة النار لم تغير تركيبه الطبيعي. على أن المخالفين للرأي الحيوي تشبثوا بها محتجين بأن الهواء بتلك الوسائط يطرأ عليه تبدلات جوهرية فلا يعود صالحا للحياة. فرداً لهذا الاعتراض عاود شريدر وفوندش سنة ١٨٥٤ تلك التجارب ولكنهما جعلا ذلك في زجاجات ذوات عنق أو أنبوب طويل منحن على زاوية قائمة. والغرض من ذلك هو تسريح البخار والهواء الخارج من الزجاجة عند الغليان وبعد تصفية الداخل إليها بقطعة قطن مندوف نقي توضع في فوهة الأنبوب فصحت التجربة وأفحم المعترضون. ولكن حاول بوشه في سنة ١٨٥٨ أيضاً إثبات حدوث الاختمار من دون هواء ومن بعد تعقيم المواد المجرب عليها ثم أخذ الزجاجة وسد فمها سداً محكماً فكبه في إناء مملوء الزئبق. فبعد أن برد في الزجاجة أدخل إليها من تحت الزئبق كمية من الأوكسجين وبضعة غرامات من حشيش يابس معقم فما لبث الماء أن فسد والزجاجة في الزئبق لم يدخلها الهواء فاستنتج المعلم الموما إليه بأن هذه قد حصلت من ذاتها ولم تأت لا من المواد التي كانت قد عقمت ولا من الهواء الذي لم يدخل الزجاجة. فرد عليه وباستور بأن جراثيم التي ظهرت بماء الزجاجة إنما وصلت إليه بواسطة الزئبق الذي لم يعقم قبل التجربة وكان معرضاً للهواء تتساقط عليه الجراثيم المنثورة في الهباء ثم أخذ وباستور بالاتفاق مع شفر ويل في إعادته جميع التجارب التي تثبت رأي الحيويين وذلك بأسلوب جلي بسيط تراه العيون وتدركه العقول فصنعا زجاجة ذات عنق كالأنبوب طولها نحو متر أو أكثر منحنية على زاوية قائمة عند أصلها وذات تعرجات كثيرة أشبه بالحية الزاحفة تنتهي فوهتها منحنية نحو الأرض. والغرض من ذلك أن الهواء الداخل إلى الزجاجة بمروره في الأنبوب يترك في تعرجاته جميع ما يحمله من الهباء حتى ينتقي إذا وصل إلى داخل الزجاجة واختلط بالسائل. فيكون بهذه الواسطة غنياً عن جميع الوسائل التي اتخذها المجربون من قبل لتنقية الهواء فكانت هذه التجربة الأخيرة لأنها أكدت جميع ما قبلها وقطعت قول كل معترض. وناهيك بأن وباستور لم يكن يكتف بتجاربه العديدة على ملاحظة زجاجة واحدة لا اختلاف بينها البتة. فكان يعقم الزجاجات وما فيها ويتركها في مكان خاص تصلح درجة حرارته لحدوث الاختمار فلم يظهر ذلك في شيء منها. فكان السائل يختلط ببعض الجراثيم المتساقطة في الأنبوب فيختمر لا محالة. وقصارى القول فإن الزجاجات المعقمة كانت تبقى كذلك أبداً ما لم يدخل إليها عمداً للاختبار بعض جراثيم الاختمار. فاشتهرت تلك التجارب وعرفت قواعدها وشروطها في العالمين حتى صارت دستور العمل لحفظ المأكولات والمشروبات ووقايتها من الفساد وسميت باسم واضعها ومكتشفها وباستور. وعندما كثر المجربون واختلفت مآربهم ودرجة معلوماتهم في فن الميكروب تهاون بعضهم في الدقة واستكمال الشروط التي لا بد منها للنجاح حبطت بعض تجاربهم فاعتمدوا على القواعد الموضوعة وغالطوها وادعوا بأنهم اتخذوا جميع الوسائط المقررة فلم يتمكنوا من منع الفساد والاختمار ولما كأن ذلك نتيجة خطأهم وقلة دقتهم وقصر باعهم فاعتراضهم لم تزعزع القواعد التي تقرر حكمها أبداً. جراثيم الميكروب وصئبانه لم يفتر وباستور من تحصين اكتشافه واستكمال الفوائد والشروط للاحتراز فيها من الفشل. من ذلك أنه عندما أطلع بأن بعض الميكروب لم تهلكه حرارة الماء التي تغلي والقدر مكشوفة بل كان يبقى بعضه حياً من بعد الغليان أما على الزجاجات أو فيها فيفسده أخذ يسخنها والزجاجات إلى درجة ١١٠ = ١٢٥ من الحرارة في القدر المعروفة باسم مخترعها بابن. وعرف شريدر أيضاً ذلك فصار إما يسخن المواد الآلية بالقدر المذكور أو يتركها تغلي على العادة القديمة بضع ساعات. ولا يخفى أن من الميكروب الذي لم تممته حرارة الماء الغالي هي جراثيمه أو وصئبانه. واكتشف وباستور سنة ١٨٦٥ جراثيم أو بيضات ونسجها صئباناً لكل من أنواع الميكروب تخلفها هي فيتكون منها النسل. وأشهر من توغل في البحث عنها المعلم كوخ الألماني ونشر فيه كتاباً سنة ١٨٧٦ وأظهر بأن جميع الميكروب وهو في إبان نشوئه ونموه يهلكه الماء المغلي بل أقل حرارة من درجتها إنما جراثيمها تحتمل بطراً شديد الأجاج وأظهر أيضاً بأن الحرارة الرطبة أنجع منها يابسة لأهلاك تلك الجراثيم فجعل بعض أنواعها في حمام جاف حرارته ١٢٠ مدة أربع ساعات فلم تهلك ولكن تم ذلك بمدة ساعتين في حمام درجة حرارته ١٤٠ وأما الحرارة الرطبة أعني في حمام فيه بخار الماء فمائة درجة من الحرارة تكفي غالباً لأهلاكها تماماً بمدة قصيرة. ولأجل الحصول على الأمنية التامة في ذلك علمنا كوخ بان نكرر عملية التسخين في حمام البخار المذكورة بضع دفعات بين بعضها عدة ساعات ريثما يبرد السائل. فالجراثيم التي لم تهلكها الحرارة تنتعش وتنمو حينئذ فقبل أن يدرك وقت تخليفها وضع السائل من جديد في حمام البخار فيهلك الميكروب الناشئ فيه. فإذا أعيد ذلك مرة أخرى أو أكثر تتحول الصئبان كلها إلى خلايا ناضجة فتهلك ويحصل كذلك التعقيم التام. اليونان غارات على أرضهم ورحلات إليها تاريخ اليونان - لم يسكن جميع شعوب يونان منذ الزمن الأطول البلاد التي كانوا فيها في القرن السابع أي في العصر الذي أخذ أهل العلم يعرفون عنهم شيئاً يوثق به. وقد حفظ كثير من هذه الشعوب ذكرى نزولهم في تلك البلاد وامتازوا عن الشعوب العريقة في القدم النازلة في تلك البلاد. جاءت أمم كثيرة فاحتلت أرض يونان بقوائم سيوفها وتشتت شمل غيرهم أمام المغيرين عليهم. ويقول اليونان أن بدء هذه الغارات الشعواء والرحلات كانت من القدم بحيث لم تصلنا أخبارها مسطورة ونقلت وشاع ذكرها تقليداً ويقولون أنها كانت في القرن الثاني عشر (أي بعد أخذ طروادة بثمانين سنة) ولا عبرة على أن هذا التاريخ أخذ قضية مسلمة بدون جدال ولا نزاع فيه. دعي أقدم سكان يونان بالبيلاسج (ولعل معناه القدماء) ولم يعرف عنهم شيء ولا فيما إذا كانوا من جنس يوناني أو من جنس آخر. ومن هؤلاء السكان غير اليونان ولا يعلم أيضاً كيف أبدل اسم بيلاسج بالهيلانين إذ لم يرد أشعار هوميروس أيضاً ذكر لهذا الاسم. ومن المقرر أن بضعة بلاد حفظت أثراً من أثار فاتحيها وغزاتها. فقد جاء قوم برابرة من البلاد المشهورة ببلاد المهاجمين عصابة من الفرسأن الإشراف وأمسى سكان البلاد الأصليون عملة يزرعون ويحرثون ليس إلا. وقد رحل وأمسى الذي سمي باسم (بيوسيا) كل من لم تخضع لهذا الحكم. وبعد ردح من الدهر خرج الدور يون من جبال البند واجتازوا برزخ كورنت وأغاروا على بلاد المورة واستوطنوا من أقاليمها ما أمرعت تربته وغنيت رباعه وبقاعه مثل لا كونيا ومسينيا وارغوليديا وسيكيونيا وكورنت ومي كار. ويروى أن قدماء ملوكهم دعوهم الهيراكليديين (أي نسل المعبود وهيراكليس) ليغلبوا رعايأهم الثائرين ويعيدوهم إلى عروشهم وكان ملوك إسبارطة يرون أنهم من نسل قدماء السكان لا من الدور يين وقد استحال الشعب الذي احتل البلاد التي أغار عليها الدور يون إلى زراع وأهل فلاحة. واستولت عصابة من الأيتوليين الذي صحبوا الدوريين في تلك الحملة على مقاطعة إيلديا في الغرب. وأنهال الأشياتيون ممن أبت نفوسهم الخضوع على شاطئ شبه جزيرة المورة. الشمالي وطردوا منها الأيونيين وأسسوا الأثنتي عشرة مدينة الآشيانية فلجأ الأيونيين المطرودون إلى مقاطعة اتيكيا وامتزجوا بسكانها الأقدمين ومن ذاك العهد عرف الأثينيون أي سكان اتيكيا شعباً أيونياً. ثم انفصلت عصابات من عدة شعوب وراحوا يؤسسون مستعمرات في السيف الآخر من البحر. والأيوليون أقدم هذه العصابات النازلة في آسيا ثم سكنوا بعد ذاك الشاطئ بعينه. واحتل الدور يون جزيرة أقر يطش (كريت) وبعد زمن استعمر اليونان صقلية وإيطاليا الجنوبية. الدور يون - يراد بالدور يين نسل سكان الجبال النازلين من الشمال ممن طردوا أو أخضعوا سكان السهول شاطئ بلاد اليونأن الجنوبية المعروف ببلاد المورة ويذكر هؤلاء المغيرون أن ملوكاً من إسبارطة من نسل البطل هيرا كليس قد طردهم رعايأهم فجاءوا يبحثون عنهم في جبالهم فتبع الدور يون أخلاف هذا البطل حباً به ونصبوهم على عروشهم ثم أغاروا على السكان واستضعفوا أرضهم وديارهم. وكان هذا العنصر جيلاً من الناس اشتهر بجماله وقوته وصحة أجسامه وتعود البرد وشظف العيش وحياة الفقر والفاقة فترى رجالهم ونساؤهم يلبسون ثياباً قصيرة ى تصل إلى ركبهم. والدور يون أمة حربية دعاها الاضطرار إلى أن تكون أبداً على قدم الدفاع تحمل عدتها وعتادها وهم أقسى أهل يونأن لبعد أقليمهم عن سكان البحر ولذلك احتفظوا الأمصار لأنهم كانوا على وحدتهم لا يستطيعون الأمتزاج بالغرباء ولا تقليدهم في منازع أخلاقهم. الأيونيون - يدعى شعوب اتيكيا والجزائر وشاطئ آسيا بالأمة الأيونية. ولا يعلم من أين جاءتهم هذه التسمية وهم على عكس الدور يين جنس من البحارة أو التجار. ومن أكثر شعوب اليونانية تهذيباً لأنهم استفادوا من الاحتكاك بأمم مشارقه أعرق منهم في الحضارة واقتبسوا من النظر إليهم وهم ضعاف في صبغتهم اليونانية لامتزاجهم بالآسيويين ولأنهم نحوا نحو هؤلاء في عاداتهم إلا قليلاً يميلون إلى السلم ويولعون بالصناعات ويعيشون عيش الترف يمضون الكلام ويرققونه ويلبسون ثياباًًً ضافية الأذيال على مثال المشارقة. الهيلانيون - هذان العنصران أو الجنسأن المتباينأن المعروفإن بالدور يين والأيونيين هما عناصر اليونان وأقدرها. فأقليم إسبارطة للدور يين وأقليم أثينية للأيونيين وليس السواد الأعظم من اليونان والدور يين ولا أيونيين ويعرفون بالأيوليون وهو اسم مجهول يطلق على شعوب مختلفة في تلك الأصقاع من أيوليين واكرنا نيين وفوسيديين وبيوسيين من أهل البلاد اليونانية الوسطى والأشانيين من أهل المورة. وكل من تقدم ذكرهم يسمون باسم الهيلانيين الذين عرفوا به منذ ذاك العهد وهم لا يعرفون تسميتهم هذه كما نجهل نحن ذلك على أنهم يقولون أن دور وس وعولس كانا هيلانة وأيون حفيدهما. مستعمرات اليونان الاستعمار اليوناني - لم يقتصر الهيلانيون على سكنى بلاد اليونأن فقط بل قام منهم طوارئ من أهل المدن أنشؤا بلداناً في جميع الأنحاء المجاورة وكانت عدة من هذه الممالك الصغيرة اليونانية في جميع جزائر الأرخبيل وعلى شاطئ آسيا الصغرى وأقر يطش وقبرص وفي كل ما أحاط بالبحر الأسود إلى بلاد القاف قاس والقريم على طول البلاد العثمانية في أوروبا (المعروفة إذ ذاك بتراسيا) وعلى شاطئ أفريقية وفي صقلية وإيطاليا إلى شواطئ فرنسا وأسبانيا. أخلاق هذه المستعمرات - يبدأ تاريخ المستعمرات اليونانية منقرون كثيرة أي من القرن الثاني عشر إلى القرن الخامس وهذه المستعمرات اشتقت من كل المدن ونتجت عن كل جنس دورياً كان أو أيونياً أو أبولياً. ولطالما قامت المستعمرات في أماكن قفرة تارة وفي بلاد مأهولة أخرى أسست حيناً بالفتح وآونة بالإتحاد مع السكان وأنشأها بحارة أو تجار أو منفيون أو متشردون. وتمتاز هذه المستعمرات على اختلاف زمانها ومكانها وجنسها وأصلها بخلق عام وأنها نشأت دفعة واحدة بمقتضى قواعد ثابتة. وما كان الطوارئ أو المستعمرون من اليونان يحلون في بلد واحد بعد واحد عصابات صغيرة ولم ينزلوا بقعة عرضاً فيقيمون لهم مساكن تصبح بالتدريج مدينة على نحو ما يفعل الطوارئ من الأوروبيين في أمريكا اليوم بل أن الطوارئ منهم يسافرون قضهم وقضيضهم دفعة واحدة ورئيسهم واحد فتؤسس المؤسس لها سواراً مقدساً ويجعل بيتاً مباركاً يوقد فيه ناراً مقدسة. تقاليد المستعمرات - يتضح مما نقل من القصص القديمة في تأسيس بعض هذه المستعمرات وجه الاختلاف بينها وبين المستعمرات الحديثة. وإليك كيفية استعمار مرسيليا والبداءة به فقد جاء إلى بلاد الغال (فرنسا اليوم) أوكس نيس أحد أهالي مدينة فوسي في آسيا الصغرى على سفينة تجارية فدعاه أحد زعماء الغاليين إلى عرس ابنته ومن عادة هذا الشعب أن تدخل العروس بعد الطعام حاملة كأساً تقدمها لرجل تختاره من الجماعة فوقفت أمام اليوناني ومدت الكأس نحوه. فظهر للقوم أن هذا العمل كان بإلهام من السماء إذا لم يكن متوقعاً. فما كان من الزعيم الغالي إلا أن تزوج أوكسينس من ابنته وسمح له بأن يؤسس ورفاقه مدينة على خليج مرسيليا ثم رأى أهل فوسي أن الجيش الفارسي يحاصر مدينتهم فقاموا يعدون لهم سفناً تقل عيالهم وأثقالهم وأصنامهم وحلي معابدهم وغادروا بلدهم ماخرين في سفنهم وأقسموا عند منصرفهم أن لا يعودوا إليها إلا إذا عامت على وجه الماء الحديدة المحماة التي ألقوها في البحر. وقد نكث كثير منهم بالعهد وعادوا إلى مسقط رؤوسهم أما الباقون فظلوا يشقون العباب بعد العباب حتى وصلوا إلى مرسيليا بعد أن تجشموا أهولاً كثيرة. وأسس الأيونيون مدينة ميلت تاركين نساؤهم وراءهم واستولوا على بلد يقطنها ناس من آسيا فذبحوا الرجال وتزوجوا النساء وبناتهم قسراً. ويقال أن هؤلاء النساء أقسمن أن لا يتنأولن الطعام مع أزواجهن وأن لا ينادينهم بيا أزواجنا. عادة بقيت قروناً يعمل بها نساء ميلت. أما مستعمرة برقة في أفريقية فقد أسست بأمر صريح من المعبود أبولون ووحي منه. فلم يكن سكان مدينة تيرا الذين أمروا بذلك يحاذرون من نزول بلد مجهول ولم يعملوا بهذا الأمر إلا بعد سبع سنين وكانت جزيرتهم عرضة للجفاف فاعتقدوا أن أبولون ساقهم إلى تلك الجزيرة عقاباً منه لهم. وحاول الطوارئ الذين أنقذوهم أن يرجعوا فدأهمهم مواطنوهم وأكرهوهم على السفر. وبعد عامين في إحدى الجزر وقد خانتهم فيها أسباب النجاح انتهى بهم الحال أن يستوطنوا أبد الدهر مدينة برقة فكان منها مدينة عأمرة راقية. خطورة المستعمرات - شأن هذه الطوارئ أن تؤسس حكومة جديدة في كل مكان تنزله ولا تخضع لأم القرى التي انفصلت عنها بتة. وهكذا بلغت الحال بأن كان البحر المتوسط محاطاً بمدن يونانية كل منها مستقلة تمام الاستقلال. فأصبح كثير من هذه المدن آية في غناه وقوته لم تضاهه بهما المدن التي خرجت منها وكان لها أصقاع أوسع وأخصب وسكان أوفر وأكثر. ويقال إنه كان في مدينة سيباريس في إيطاليا ثلاثمائة ألف رجل يحمل السلاح وأن كروتون جيشت جيشاً مؤلفا من مئة وعشرين ألف مقاتل وفاقت سيراكوزة في صقيلة وميلت في آسيا بقوتهما مملكتي إسبارطة وأثينية وكان يدعى جنوب إيطاليا يونأن الكبرى. وما كانت وما كأنت المملكة الأصلية غير بلاد صغرى بالنسبة لتلك المملكة المأهولة كلها بالطوارئ من اليونان. وحدث أن كان الهيلانيون أوفر عدداً في البلاد المجاورة منهم في بلاد اليونان نفسها. ونرى بين رجال تلك المستعمرات طائفة صالحة من المشاهير هوميروس والسيوس وساف وس وطال يس وفيثاغورس وهير أقليطس ودو موقر يطس وانفيد كلس وأرسطوطاليس وأرخميدس وتيو كرينس وغيرهم. المدن - ظل اليونان منقسمين إلى طوائف صغيرة في كل البلاد التي نزلوها كما كانوا على عهد هوميروس. وغير خاف أن أرض اليونان وإيطاليا الجنوبية منقطعة بالبحر والجبال ولذلك انقسمت بالطبع إلى عدد كثير من المقاطعات الصغيرة كل منها منفردة عن جارتها برأس من البحر أو بجدار من الصخر بحيث يسهل الدفاع عنها وتصعب الموأصلات فكانت تتألف من كل مقاطعة حكومة على حدتها تدعى مدينة وقد بلغت أكثر من مئة مدينة وإذا أحصيت المستعمرات بلغت زهاء الألف وليست مملكة اليونانية إلا صورة مصغرة بالنسبة إلنا فإن ايتكيا كلها لا تساوي نصف أصغر مقاطعات فرنسا لهذا العهد أما أراضي كورنت أو ميكار فقد صارت ريفاً ومزارع. ومن العادة أن تكون ما يعبرون عنه بمملكة الواحدة قلعة المملكة الثانية وجبالها أو مرفأ المملكة المجاورة وكثير من هذه الممالك لا يسكنه أكثر من بضعة ألوف من الناس وأعظمها لا يكاد يكون فيه مائتانا أو ثلاثمائة ألف نسمة. وبعد فلم يؤلف الهيلانيون أو اليونانيين أمة برأسها ولا أنفكوا من التقاتل والتقاطع على أنهم تكلموا لغة واحدة على حد سواء وعبدوا آلهة واحدة عاشوا عيشة واحدة منذ شطوط أسبانيا إلى طرف البحر الأسود. فكانوا بهذه العلامات يتعارفون كما تعارف أبناء نبعة واحدة ويمتازون عن سائر الأمم التي يدعونها البرابرة فينظرون إليها نظر الأستخاف والأمتهان. الديانة اليونانية تعدد الأرباب - اعتقد اليونان اعتقاد سائر قدماء الآريين بأرباب كثيرة ولم يكن لهم شعور باللأنهاية ولا بالأزلية ولم يؤمنوا برب واحد تكون السماء سرادقه والأرض سلمه ومرتقاه. واعتقد اليونان أن كل قوة في الطبيعة من هائها وشمسها وبحرها هي قوة إلهية ونسبوا كلا من هذه القوى إلى رب خاص إذ لم يدركوا أن علة واحدة تنتج كل هذه الأكوان ولذا عبدوا عدداً من هذه الآلهة فكانوا وثنيين على هذا النحو. نسبة الشهوات البشرية ودعوى تجسد الرب - كل رب هو قوة من الطبيعة وله اسم خاص به ولشدة تصور اليونانيين وسعة خيالهم مثلت لهم أذهانهم تحت الاسم كائناً حياً في أبهى المظاهر من الصور البشرية وكانوا يتمثلون المعبود أو المعبودة على صورة رجلاً جميل الطلعة وامرأة وسيمة المحيى وعند ما كان عولس أو تيليماك يصادفإن رجلاً عظيماً وسيماً يبدان بسؤاله عما إذا كان رباً من الأرباب. وقد صور على ترس البطل أشيل صورة جيش. قال هوميرس في وصفه له: أن أريس واتنييه كانا يقودان الجيش وكلأهما متشح بالذهب وكانا من الجمال والاعتدال على صورة تليق بالأرباب إذ البشر أقزام فصار القامات وكان الأرباب اليونانيين بشراً يلبسون ثياباً ولهم قصور وأجساد كأجسادنا وهم أن لم يموتوا يجرحون. وذكر الشاعر هوميرس كيف أن أحد المحاربين جرح الرب أريس فراح يصرخ من الألم. وهذا الضرب من اختيار الأرباب على مثال البشر هو ما يدعى انترومورفيسم أي تجسيد الأرباب. علم الميثولوجيا - للأرباب أقرباء وأولاد ورهط وأسرات لأنهم ناس كالآراميين فأمهم ربة وأخوتهم أرباب غيرهم أو ناس هم نصف أرباب. وتدعى أنساب هذه الأرباب تيوغونيا. وللأرباب تاريخ وحوادث ولهم قصص في مواليدهم وأخبار شبيبتهم وأعمالهم. فالرب أبولون مثلاً ولد في جزيرة ديلوس وكأنت اليها أمة لاتون وقتل غيلاناً كان قد خرب تلك البلاد في سفح جبل البار ناس. وهكذا كان لكل مقاطعة يونانية أخبار تعزوها لأربابها سموها الخرافات ومن تتألف الميثولوجيا أي تاريخ الأرباب. الأرباب المحليون - بقي الأرباب وهم اليونانيون وهم على صفتهم البشرية على ما كانت عليه أولا كواثن طبيعية فكان القوم يتخيلونها كما يتخيلون البشر وقوى الطبيعة فقد كأنت الناياد فتاة جميلة ونبعاً في آن واحد. وتخيل هوميرس الشاعر أن نهر جزيرة الزانت هو رب وقال فيه (لقد تدفق نهر الزانت على البطل أشيل وهو يزيد غيظا ويرغي حنقاً ويخر طافحاً بالزبد والجثث) وظلت الأمة تقول أن الرب زيوس ينزل المطر ويرسل الرعد. وكان اليوناني يعتقد أن الرب عبارة عن مطر وسيل وسماء أو شمس لا السماء والشمس والأرض على الجملة. وكان ربه مسامتاً للسماء التي تظله والأرض التي تقله والنهر الذي يعله. فمن ثم كان لكل فمن ثم لكل مدينة أرباب ومعبودات كثيرة فمن رب الشمس إلى أباب الأرض إلى رب البحر وكانت تلك الأرباب منفصلة عن شمس البلد المجاورة وأرضها وبحرها بمعنى إنه كان لأهل كل مقاطعة ربها ومعبوداتها الخاصة بها. فليس لرب إسبارطة زيوس رباً لأثينة زيوس بعينه وربما كان يذكر في قسم واحد ربان تحت اسم أبولون. ذكر أحد من طاف بلاد اليونان من السياح أنه شاهد ألوفاً من الأرباب كانت تدعى أرباب المدينة ولم يكن هناك سيل ماء ولا غابة ولا أكمه شماء إلا وهي مؤلفة ولها صفة لا يشاركها فيها غيرها وربما كان هذا المعبود صغيراً لا يعبده إلا يعبده من أهل الجوار وما مزاره غير مغارة في الصخر. الأرباب الكبيرة - وهم اليونان أن فوق الأرباب الصغيرة المنبثة في كل مقاطعة بضعة أرباب كبيرة كالشمس والسماء والأرض ولبحر المدعوة بهذا الاسم ولها في كل كان معبد خاص أو مزار يتقرب فيه إليها وكانت تمثل كل من هذه الأرباب أهم القوى الطبيعية وما أكثر عدد هذه الأرباب التي اشترك أهل يونان كافة في التقرب إليها فإنك لو أحصيتها لا تكاد تصل في عددها إلى العشرين. ومن سوء عادتنا معاشر الإفرنج أن ندعو هذه الأرباب بأسماء أرباب لاتينية وإليك حقيقة أسمائهم: زيوس (المشتري=هيرا (جونون) =اتينيه (منرفا) =أبولون=رتيمس= (ديان) =هيفر توس (فولكين) =هرميس (عطارد) =هيستيا (فيسا) أريس= (المريخ) =افروديت (الزهرة) بوزيدون (سيريس) =برسيفونه (بروزربين) هاديس (بلوتيون) =ديوينزوس (باخوس). وهذه الزمرة من الأرباب هي التي كانت تعبد في كل المعابد على الجملة ويتوسل إليها في الصلوات. خصائص الأرباب - لكل من هذه الأرباب هيئته وهندامه وأدواته المدعوة خصائص هكذا تصورها المؤمنون من أبناء يونان وهكذا مثلها النقاشون منهم. ولكل خلقه المعروف به بين عابديه ولكل منها عمله الخاص به في العالم ويقوم بوظائف معينة وذلك بمعونة أرباب ثانوية تطيعه في العادة ويتصرف فيها بأمره. فالرب اتنيه مثلاً هو على صورة عذراء ذات عينين براقتين مثلت قائمة وهي تحمل رمحاً وعلى رأسها خوذة وعلى صدرها سلاح لامع وهي عندهم ربة الهواء النقي والحكمة والاختراع وعلى جانب من الهيبة والشراسة. ومثل هيفيزتوس رب النار حاملاً بيده مطرقة على صورة حداد أعرج قبيح الهيئة وزعموا أنه ينزل الصاعقة. وأن الربة أرت يمس كانت عذراء متوحشة تحمل قوساً وكنانة وهي تطوف الغابات تتصيد مع زمرة من الجنيات وهي ربة الغابات والصيد والموت. أما هرميس الذي قتلوه لابساً نعالاً مجنحة فهو رب المطر المخصبة وله أعمال أخرى وهو رب الأسواق والأماكن ورب التجارة ورب السرقة ورب الفصاحة يسري بأرواح الموتى ويمشي في السفارات بين الأرباب ويقوم على تربية الحيوانات. وللرب اليوناني أبداً عدة وظائف في الغالب عي في نظرنا متخالفة غير أن اليونان تخيلوا أن بيتاً تشابهاً ويرتئون لها صلة وعائداً. الأولمب وزيوس - كل من هذه الأرباب أشبه بملك في مقره ومع هذا فقد لاحظ اليونان أن جميع قوى الطبيعة لا تسير بالتصادف وأنها تعمل يداً واحدة فكانوا يطلقون اللفظ الواحد للتعبير عن النظام والعالم ففرضوا أن أرباب أتحدت على تسيير نظام العالم وأنه كلن لهم شرائع وحكومة كما للبشر. وكنت ترى في شمالي اليونان جبلاً ذا قمم مكسوة بالثلج لم يصعد إليه بشر واسمه الأولمب وعلى هذه القمة المستورة عن أعين الناس بما يتراكم عليها من الضباب توهم اليونان أن الأرباب يعقدون جلساتهم فيجتمعون مستنيرين بتنور سماوي يتقاضون في شؤون العالم وعظيمهم زيوس يرأس تلك الجلسات لأنه رب السماء والنور والرب الذي يؤلف فالسحاب ويرسل الصواعق وصوروه على مثال شيخ مهاب ذي لحية بيضاء جالس على عرش من ذهب وهو الذي خص بالزعامة دون سائر الأرباب ولذلك تراها تخضع له فإذا بدرت من أحدها بادرة المقاومة في أمر يتهددها زيوس وإليك ما ذكره هو ميرس على لسانه اعقدوا في السماء سلسلة من ذهب وتعلقوا بها أنتم معاشر الأرباب ذكوراً كنتم أو إناثاً ولو بذلتم الجهد كلكم لا تجرون زيوس إلى الأرض وهو الملك وعلى العكس إذا أردت أن أجذب السلسة إلي فإنا جاذب إلي الأرض والسماء والبحر ثم أعلقه بقمة الأولمب ويبقى العالم كله معلقا مصلوبا ما دمت أعلى منزلة من الأرباب والبشر. آداب الميثولوجيا اليونانية - وهم اليونان أن معظم أربابهم من القسوة والسفك والخداع والسفاهة على جانب فاخترعوا لهم أخباراً سفيهة وأعمالاً نأبية عن طور اللياقة. فكان هرميس بزعمهم لصاً واشتهرت أفروديت بغنجها وخفرها واريس بقسوته وكانوا كلهم من العجب بحيث لا ينفكون عن اضطهاد من تسأهل في تقديم الضحايا لهم. ولما أعجبت نيوبي ملكة ثيبة بكثرة أسرتها لم يصعب عليها أن رأت الرب أبولون يصمي أولادها بالسهام ويمزقهم كل ممزق. وكان من حال تلك الأرباب في الحسد بحيث لا تتمالك من رؤية إنسان بلغ غايات السعادة. فاليونان رأوا السعادة من أعظم الأخطار لأنها تجلب غضب الأرباب حتماً ولذلك ابتدعوا ربة للغضب والانتقام سموها نيميزيس ويذكرون لها قصصاً كالآتية مثلاً: ذلك أن بوليكراتس الظالم من أهل الجزيرة سيسام خاف يوما أن حسد الأرباب إذ غدا ذا طول وحول وكان يملك خاتم ذهب له موقع كبير من نفسه فألقاه في اليم لئلا تكون سعادته مشوبة بالشقاء ثم أن صياداً أحضر لبولكراتس ذات يوم سمكة عظيمة وجد خاتمه في جوفها فكأن ذلك في نظره شؤماً دالاً على وقوع المصيبة الأكيدة، فحوصر بعد في مدينته وأخذ وصلب وعاقبه أرباب يونان على سعادته نالها وحظ من النعم أصابه. عرف بهذا أن الميثولوجيا اليونانية كانت عارية عن الأخلاق إذ كان الأرباب قدوة سيئة للناس قال ذلك فلاسفة اليونان وضيقوا على الشعراء الذين نشروا هذه الحكايات وذكر أحد تلاميذ وفيثاغورس أن معلمه أطلع على الجحيم فرأى فيه روح هوميروس الشاعر مصلوبة في شجرة وروح أزيودس مدلاة في دعامة عقوبة لهما على أهانتهما الأرباب وقال كسينوفإن أن هوميروس وازيودس قد نسبا للأرباب أعمالاً من شأنها أن تكون عاراً بين البشر وشناراً عليهم وهناك إله واحد لا يشبه البشر ولا بعقولها وكان يزيد على ذلك قوله: لو كان للبقر والأسود أيد واستطاعت أن تصور كالناس لصنعوا للأرباب أجساداً تشبه أجسادهم ولجعلت أعين للأرباب أجساداً كالخيل والبقر. والناس يذهبون إلى أن للأرباب إحساساً وصوتاً وجسداً. هذا قول كسينوفإن وهو من الحق والعدل بمكان إذ جعل اليونأن الأول أربابهم على صورهم مثل ما كانوا عليه في ذاك العهد سفاكين غدارين حسودين معجبين وكذلك كان أربابهم. ثم صاروا على نية التحسين في أخلاقهم ينشأ أخلافهم متبرمين من هذه المبادئ كلها عازفين عنها ولكن تاريخ الأرباب وأخلاقهم كانت مقررة بحكايات قديمة أخذها أهل الأجيال الحديثة ولم يجرؤوا على تغيير أرباب أجدادهم الفظة السفيهة بغيرها. بعض تباريح المعنى مأخوذ عن شاعر أمريكاني حمامة هذا الفجر ويحك رفرفي لتلتقطي حب النجوم وطيري لعل الصبا تندي على القلب ندوة تنفس وجدي أو تبل زفيري فلي في الصبا شكوى ولي في الصبا هوى وبعض تباريح وبعض أمور تحك نفسي كلما هفهفت وما تظن بأنفاس وشعلة نور تلاقي إليها الحب من كل مذهب كما استهدفت فيه لكل مصير فكيف انتثت تلق الهوى أو شعاعه لحاظاً وألفاظاً ونور ثغور كثير على نفسي همومي وحسبها على عنت الأيام حمل ضميري تخالجني بالرغم يأس مبرح سواء غيري بعده ويسيري وما أنا مردود إلى الرأي بعد ما تحكم طبعي واستمر مريري شجينا وباتوا قد خلت مهجاتهم على أفق بادي الصفاء منير وما في اكتئاب العشق حزن وإنما لمعنى يرى في اللحظ بعض فتور سير العلم أثار رومانية كان أحد علماء الأثار من الطليان اكتشف منذ بضع سنين في فياسا كرا من جبال مدينة رومية مدافن قديمة جداً يرد عهدها إلى ما قبل تأسيس رومية بقرون فاهتز لذلك العلماء والمؤرخون إذ ثبت لهم إن ما يوجد في عظماء هو ما وجد تلك المدافن من الخزف والحلي والتعاويذ وضروب الزينة التي زينت بها العظام هو مما يدل على أن هناك عنصراً وتمدناً يخالف العنصر الروماني وتمدنه. وقد عثر الأن في جبال بلاتين أي في تلك البقعة عينها على مدافن على شكل آبار مثل قبور الفور وم وربما كان المدفون فيها أناس من سكان تلك البلاد الأصليين وما زال الحفر متتابعاً. أميركا والفينيقيون ما برح علماء الأثار يبحثون عمن سكن أمريكا قبل القرون الوسطى قائلين أنها عرفت قبل مكتشفها كريستوف كولومبس بنحو خمسة وعشرين قرناً لأن الأثار التي وجدت في كثير من أنحائها كالهياكل والأواني النحاسية والكتابات العبرانية تدل على أنه سكنها ناس من العبرانيين أو الفنييقين والأرجح أنهم فينيقيون لأن جميع الهياكل كانت أبوابها متجهة إلى الشرق خاصة بعبادة الشمس على نحو الهياكل الفينيقية ووجد فيها صور بعض الحيوانات الكاسرة والدا جنة منها ما عهد عند الفنييقين ومنها ما أثرت عبادته عن قدماء المصريين ومعظم تلك العاديات أشبه بهياكل سورية وجنوبي أوروبا وشمالي أفريقية وغيرها من البلاد التي نزلها الفنيفييون وأقاموا فيها متاجر فاستنتج من ذلك علماء الأثار ورجحوا أن الفينيقيين نزلوا أمريكا كما نزلوا أيرلندا في أقصى الشمال الغربي من أوروبا وأن أهل أمريكا قبل الاكتشاف كانوا يعرفون ما عند الفينيقيين من الصنائع والدين واللغة وكلما ظهرت عاديات جديدة تجلت حقائق كثيرة ويثبت ثبوتاً لا مجال للشك فيه. المنازل المهلكة وضعت المجلة مقالة وصفت فيها المنازل الفقيرة في باريس بدأت فيها بما جاء في المثل الفارسي القديم يدخل الطبيب أحياناً إلى الدار المحرومة من الهواء والشمس وقالت أن الأمراض المعدية ولاسيما السل لا تنتشر إلا في الأمكنة الندية التي لا تضربها أشعة الشمس وأن جراثيم هذا المرض تعيش أسأبيع بل أشهراً في الظلام فإذا أقام أمرؤ ضعيف الجسم مستعد لهذا المرض الخبيث في غرفة معرضة للشمس يسلم من هذا المرض وعلى العكس تسرع إليه جراثيمه إذا جلس في مكان رطب لا شمس فيه ولا هواء ينفذ إليه حتى قال بعضهم أن السل هو أحد أمراض الظلمة وقد أجمع أطباء الأمم الباحثين في هذا الداء العياء على أن السبب الرئيسي في انتشاره فقدان النور والشمس من أكواخ الفقراء التي يحشر إليها العيال والأطفال وقالوا لا يكفي أن تكون غرفة النوم وردهة الاستقبال وغرفة الطعام معرضة للشمس بل لا بد من أن يكون المطبخ وكل مكان في البيت معرضاً لها أيضاً ولأجل السكنى في بيت ذي ثلاث طبقات ينبغي أن يكون قائماً على شارع عرضه ١٥ إلى ٣٠ متراً بحيث يغدو الهواء والشمس فيه وتروح. وقال كاتب المقالة أنه يؤخذ من الإحصاء الذي جرى مدة عشر سنين في مساكن باريس وهي ٨٠ ألف مسكن أنه قضى بالسل ١٠١٤٩٦ شخصاً في ٢٣١٢٤ مسكناً منها ٥٧٦٣ مسكنا وقع فيها ٣٨ في المئة من مجموع من قضوا بالسل وثبت أن ٣٥٨ مسكناً من هذه المساكن كان فيها ٢٦٢٨ غرفة مسكونة لا هواء فيها ولا نور بالمرة وإن ٨٢٠ مسكناً يجب أن يهدم فوراً لأنها منبعث هذا العقام. وقد قامت عدة جمعيات في فرنسا تدعو إلى تطهير البيوت واختيار أماكن صحية للعمل والنوم والراحة في الليل والنهار. وفي ألمانيا مجالس بلدية تعطي التعليمات يختاره وسيئاته لئلا يصاب وأسرته بمرض عششت فيه جراثيمه وكذلك ترى في كثير من المدن مجالسها البلدية عارفة بالبيوت الملوثة والبيوت السليمة لتتوفر على محاربة جراثيم السل الرئوي. وفي مقالة ثانية أن السل يمكن شفاؤه إذا تدورك أمره وأنه ثبت أن الفقراء هم أكثر الناس عرضة له ففي ألمانيا يموت به ١١٠ آلاف نسمة منهم ٨٠ ألفاً من الطبقات العاملة التي يقل دخلها عن أفي مارك في السنة. عادة الأفيون تعاقب اليابان متعاطي الأفيون بالأشغال الشاقة وتختلف مدة ذلك باختلاف استهتاره واسترساله وقد أصدرت الصين في العهد الأخير أمراً تقضي فيه على جميع بيوت الأفيون العامة أن تصفي أشغالها وتقفل أبوابها وأعطتها أمراً لذلك عشر سنين ولكن عادة الأفيون التي يطاردها أهل الشرق الأقصى التي نشأت بينهم أصبح أهل أوروبا يتسأهلون معها بحيث يجري تنأول الأفيون جهاراً في العواصم والحكومات غافلة عن متعاطيها الذين اعتادوها في رحلته إلى الشرق مثل الإنكليز والفرنسيين وقد ارتأى أحد أطباء الفرنسيين إن خير علاج يعالج به متعاطي هذا المخدر أن يسجن في دار خاصة بأمثاله ويقطع عنه الأفيون دفعة واحدة ففي الأسبوع الأول يشكو كثيراً ثم يخف ألمه لفقد ما كان الفه وتسمم به دمه لا كما يعامل الذين يستخدمون المورفين إذا أريد منعهم من تعاطيه بالتدريج معهم في نزع عادته منهم وهو يرى أن الأفيون كالأوبئة ينبغي مكافحتها بشدة زائدة وأنه خطر اجتماعي لا يقل عن خطر المسكرات يعود بأعظم المضار على الجنس كما يعود على الشخص وعلى المجتمع كما على الأسرة. الرعاد الجديد اخترع أحد رجال الإنكليز رعاداً يقطع في الدقيقة ٣٠٠ متر وهي أعظم سرعة بلغتها السفن البخارية حتى الآن وسيحدث عنه تبديل في الملاحة الحربية وتتضاعف به قوة الغواصات. ذرور اللحى اخترع أحد الإنكليز ذرورا للحى تستغني به بعد الآن عن استعمال المواسي في حلقها وهو ما يجعل معجوناً يمد على اللحية فتزول بالحال ولا يحتاج صاحبها إلا إلى غسلها بعد ذلك وقد جرب هذا الاختراع ونجح ويؤكدون أنه خير ما عرف من نوعه حتى الآن. تأثير الشعراء قالت بعض المجلات العلمية أن الشعراء في بعض أدوار الأمم هم الذين ينشئون لغة بلادهم وعنهم تنبعث وبهم تهتدي فاللغة الألمانية الأدبية الحقيقية نشأت من عهد كيتي وقد جعل دانتي الطلياني لهجة طوسكانيا لغة لإيطاليا عامة وقد تبين لأحد الباحثين أن أشعار هوميروس اليوناني هي التي أحكمت اللهجة الآسية في بلاد اليونان. الطلبة في فرنسا نشرت نظارة المعارف في فرنسا إحصاء بطلاب الكليات والمدارس والجامعة في هذه السنة فكانوا ٥٨ ألفاً منهم ٢٣٠٠ أنثى ونحو ٣٥٠٠ غير وطني ونصف الطلبة يتعلمون الحقوق بينهم نحو مئة طالبة وطلاب الطب أقل من طلاب الحقوق فيهم نحو ألف طالبة وفي كلية باريس نصف طلاب فرنسا ثم تجيء كلية ليون وتولوز وبوردو. موت الأطفال ينقص معدل الوفيات من الأطفال في معظم البلاد المتمدنة ولاسيما في ألمانيا وإنكلترا ففي كل مئة طفل في ألمانيا يبلغ ٧٥ منهم السنة الأولى من أعمارهم. أما فرنسا فإن ٨٧ في المئة يبلغون هذه السن. عقل الأمبراطورة إمبراطورة اليابان من أعقل نساء الأرض وأكثر الملكات والأمبراطورية عناية بالمسائل النسائية فهي محسنة تصرف القسم الأعظم من وقتها في الاختلاف إلى المستشفيات والمدارس وقد أنشأت للبنات كثيراً من المستشفيات الخاصة بهن وهي التي أسست منذ سنة ١٨٧٤ أول مدرسة لتخريج المعلمات في طوكيو إذ أنها علمت بأن المرأة اليابانية ينبغي لها أن تعضد زوجها في عمله لإصلاح حال اليابان. سكر الفاكهة يوصي علماء الصحة باستعمال السكر لمن يصرفون كثيراً من قوأهم العضلية ليعوضهم عما فقدوه وقد رأوا الآن أن استعمال سكر القصب يهيج الغشاء المخاطي المعدي كما ظهر تجارب كثيرة في الجند الألماني وأنه يفضل استعمال السكر المصنوع من الثمار. التآليف في أوروبا يؤخذ من الإحصاءات الأخيرة أنه ظهر في ألمانيا في السنة الماضية ضعفاً ما ظهر في فرنسا من المصنفات الأدبية وأنه حظ إيطاليا من ذلك حظ فرنسا تقريباً أما إنكلترا فصدر قيها نصف ما صدر في فرنسا. وقد صدر في سنة ١٩٠١ نحو ٣٥ ألف مصنف في ألمانيا و ١٠٠٠ في فرنسا ومثلها في إيطاليا و ٦٠٠٠ في إنكلترا. فكم تأليف صدر باللغة العربية ياترى لغة نحو مائتي وخمسين مليوناً من المسلمين ولغة يقدر المتكلمون بها في أفريقية وغربي آسيا بنحو ستين مليونا. الترجمة باليابانية أكد أحد علماء اليابان أن الترجمة من اللغات الأوروبية إلى اللغة اليابانية صعبة جداً ويصعب نقل جميع صور الألفاظ والمعاني كما يسهل نقل العلوم من لغة أوروبية إلى لغة مثلها ولو لم يكن في اللغة المنقول إلها نفس المفردات والأوضاع الموجودة في اللغة المنقول عنها وقال أن اللغة اليابانية اليوم عائقة عن إدخال أساليب الارتقاء الأوروبي وأن لغة اليابان غنية وفيها من الألفاظ والأساليب في الشعر ما لا يوجد مثله في لغة سواها والصعوبة في ذلك أن لغة للكتابة ولغة للتكلم فهي من جهة ترسم التصورات ومن جهة تنطق بها فمن المتعذر والحالة هذه رسم التصورات في مفردات مفهومة فما دامت الألفاظ تحول دون الترجمة الصحيحة يصعب أن تكون يابأن في تمدنها كأهل أوروبا كما تحب وترضى. صحة العيون أثبت الدكتور كوليك مدير التربية الطبيعية في مدارس نيويورك بما قام به من التجارب العديدة أن لاضطراب النظر تأثيراً يلحق بالصحة واستنتج أن إجهاد العيون يضر بمجموع تركيب الإنسان وقال أن العلماء هاكسي وكارلايل وأنييركان سبب هلاكهم سوء حالة عيونهم. ولا يزال هذا المرض بتزايد الحالة الاجتماعية. ومعلوم أن عيون الحضري أعظم من عيون البدوي لما تتعرض له الأولى من القراءة والتحديق في الأمور الدقيقة أو الحروف السوداء على الورق على حين أن الثاني لا يقرأ ولا يكتب ولا يتعب نظره لأنه يسرح بصره في الأبعاد في هواء مطلق بدون أن يهيج أعصاب النظر وأثبت الدكتور المشار إليه أن كثيراً من الأمراض كالأوجاع الطبيعية والشقيقة والأم المعدة مسببة من القراءة فلا تداوى إلا بوضع المناظير على العيون. ومعظم الناس لا يحتاطون في قراءتهم ويجهلون بأنه ينبغي أبداً اجتناب القراءة أو العمل وهم على وضع يدخل النور إلى عيونهم مباشرة على حين أن بؤبؤ العين يتطلب نوراً معكوساً. ومن رأيه من يعنى بعينيه تجود صحته وغسلهما بالماء البارد حسن وأحسن منه عدم تعريضهما لما يضرهما. اكتشاف القطب ستسافر هذه السنة بعثتأن لاكتشاف القطب الشمالي علاوة على البعثتين اللتين سافرتا إليه فبالبعثة الأولى برئاسة رجل دنمركي تتولى البحث عما إذا لم يكن أرض غير معروفة في شمال الأسكا والثانية بزعامة أمير من أمراء وهي ستتم أبحاث القبطان أيرتشين في غروانلاند وترسم صورة جزء من الشاطئ الشمالي الشرقي من هذه الجزيرة. كما تسافر في هذا الصيف بعثة علمية إلى القطب الجنوبي من طريق المحيط الهندي حتى تصل إلى أرض فيكتوريا ومنها تنزل من السفن وتستعمل طريقة أخرى للنقل وربما استعمل الأتومويل في هذه الرحلة. وكان الرحالة روس وصل إلى عرض ٧٨ في القرن الماضي وأعلن أنه يستحيل أن يتقدم المرء إلى الأمام ولكن الرحالة سكوت اكتشف سنة ١٩٠٢ و ١٩٠٣ بأن وراء سد الثلج الذي منع روس من التقدم بقعة يمكن الوصول إليها على مراكب بلا عجل فبلغ بذلك درجة ٨٢ ودعا ذلك المكان باسم ادوارد السابع. نور غير الشمس الاسيتلين مادة من المواد التي تستعمل في إنارة المصأبيح. وقد ارتأى أحدهم في أمريكا بأنه يمكن الاستغناء بها عن نور الشمس في زراعة النباتات ويمكن بواسطة الحصول على توت إفرنجي جيد لطيف قبل موسمه بخمسة عشر يوماً. مطبوعات ومخطوطات مجموع متون أصولية لا يوجد فن من الفنون يتسع فيع مجال النظر مثل فن أصول الفقه ولذلك عني أهل العلم وألفيت فيه الكتب كثيرة ومن غرائب هذا الفن أنه يتيسر هذا الفن أنه يتيسر أن تجمع أهم مسائله في ورقة أو ورقات ويمكن التوسع فيه حتى يكتب فيه في عشرة آلاف ورقة وهو كغيره من الفنون قد وقعت فيه كتب في غاية الجودة وكتب دون ذلك إلا أن أكثر الكتب الجيدة كان يفقد أثرها ومنها رسالة الأمام الشافعي وهو أول من جمع مسائل هذا الفن. وأكثر ما عني به المتأخرون كتب في غاية الإيجاز تعد عبارتها من قبيل الألغاز فكان المبتدئ يبتدئ بها مع أنها لم توضع له البتة فحدث من ذلك أنه هجر هذا الفن حتى أن كثيراً من الحواضر لا يوجد بها من له إلمام به. ولقد حاول بعض أفاضل العلماء أن يبحثوا عن كب جعلت للمبتدئ حتى إذا قرأها أولاً هان عليه الأمر فيما بعد. ومن أعظم من قام بهذا الأمر الشيخ جمال الدين القاسمي من علماء دمشق فقد انتخب أولاً أربع رسائل من أحسن رسائل هذا الفن وكتب عليها حواشي نافعة بحيث تكشف الغطاء في كثير من المواضع ولم يكفه ما فعل أولاً حتى اتبعها ثانيا برسائل أربع في مذاهب الأئمة الأربعة وحشاها كذلك. وقد وصلنا هذا المجموع وهو مشتمل على مختصر المنار لزيد الدين الحلبي الحنفي المتوفى سنة ٨٠٨ والورقات لأمام الحرمين ضياء الدين الجوني المتوفى سنة ٤٧٨ المتوفى سنة ٦٨٤ وقواعد الأصول لصفي الدين البغدادي الحنبلي المتوفى سنة ٧٣٩ طبعت هذه الرسائل على نفقة محمد أفندي هاشم الكتبي وتطلب من مكتبته في دمشق وهي في زهاء ١٥٠ صفحة منصفة القطع. البريد المصري أتانا تقرير مصلحة البريد المصري عن سنة ١٩٠٦ فاستفدنا منه أموراً كثيرة تدل على حياة القطر منها أنه بلغ عدد المراسلات التي أصدرتها إدارة البريد في السنة الماضية ٥٨٠٠٠٠٠٠ رسالة وكانت في السنة التي قبلها ٥٠٧٧٠٠٠٠ رسالة فتكون الزيادة ١٤ في المئة. وكأنت الزيادة عامة لجميع أنواع المراسلات المتبادلة في القطر مع البلدان الخارجية ولاسيما المراسلات المسجلة داخل القطر إذ زادت ٧٠ في المئة والسبب الأكبر في ذلك تخفيض رسوم التسجيل داخل القطر من أول يناير سنة ١٩٠١ من ١٠ إلى ٥ مليمات عن كل مرحلة. وبلغ ما صدر بواسطة البريد من حوالات وصرر نقود داخل القطر ٢٣٣٥٨٠٠٠ ج. م مقابل ٢٢٨٨٠٠٠٠ في سنة ١٩٠٥ وبلغ عدد الحوالات التي تبودلت مع الجهات الخارجية ١٩٧٥٠٠ حوالة بمبلغ ٧٩٦٩٠٠ ج. م وبلغ عدد الطرود المرسلة ٧٥٩٠٠٠ طرد مقابل ٧٥١ ألفاً في السنة التي قبلها وتقدم الطرود المحول عليها من ٧٧ ألفاً سنة ١٩٠٥ إلى ٨٥٨٠٠ سنة ١٩٠٦ وأحدث في القطر ١٦٨ جهة للبريد فصارت إدارات البرد فيه ١٢٤٩ أو زاد عدد مودعي النقود في صندوق التوفير فكان ٥٩٠٨ شخصاً منهم ٤٣٨٧٧ وطنيون و ١٥٢٠٧ أجانب وكان عددهم سنة ١٩٠٥ ( ٢١٤١١ ) من الوطنيين و ( ١٢٠١٣ ) من الأجانب فمعدل الزيادة ٤٠ في المئة وأنشئت صناديق توفير للأحداث فبلغ عدد المفرين فيه منهم ٤٢٢٥ وبلغت إيرادات ديوان البريد ٢٣٧٠٩٧ ج. م وكانت في السنة التي قبلها ٢١٥٩١٧ وبلغت المصروفات ١٨٥١٧٦ ج. م وكانت ١٤٩٦٥٦ في سنة ١٩٠٥ فيكون مقدار زيادة الإيرادات على المصروفات ٥١٩٢١ ج. م فزادت بذلك واردتها أكثر من الضعف في مدة العشرين السنة الماضية على ما أدخل في خلال هذه المدة من تخفيض الرسوم على المراسلات بفضل انتباه مصلح هذه المصلحة يوسف سابا باشا. الإنسانية هي المجلة العلمية التهذيبية الفكاهية الدينية الأدبية التي تصدر في غرة كل شهر لصاحبها الشيخ إبرأهيمالدباغ كان أصدر منها خمسة أجزاء وتوقف مدة عن إصدارها وأمامنا الأن الجزء السادس من سنتها الأولى وفيه كلمة افتتاح لطيفة الأسلوب فيها تصريح محزن بكساد البضاعة الأقلام ومقالة اعتدال في الإنسانية لعبد القادر أفندي المغربي ومقالة مناحي المنشئين للسيد حسين وصفي رضا وغير ذلك من المقالات والشذرات الفكاهية والأدبية التي تدل على سلامة ذوق كاتبها وأدبه وفضل مؤازريه وأنصاره فنرجو للإنسانية الانتشار في جميع الأقطار وقيمة اشتراكها ٦٠ قرشاً في السنة و ٣٠ قرشاً لطلبة العلم وهو قدر إذا قيس بفوائدها. السند هي رسالة لملحم بك إبرأهيماللبناني فيها أهم الملاحظات في أحكام السند والسفتجة والحوالة وصور كثيرة منها الصكوك والاستدعاآت ومعاملة دائرة الإجراء وتعليمات محرري المقأولات وقانون الإفلاس وغير ذلك من المسائل التي تهم من يحب الإطلاع على المسائل العدلية في البلاد العثمانية ولاسيما العربية منها وإن شئت فقل اللبنانية وقد ألقها بجدول بأسماء قرى لبنان مرتب على حروف المعجم مع الإشارة إلى القصبة والمديرية والقضاء التابعة لها كما ألحق بها متن الرحيبة في الفرائض لأبي عبد الله الرحبي المعروف بابن التقية. المترجم المترجم مجلة نصف شهرية لدرس اللغتين الألمانية والفرنسية في سويسرا وفيها كل جملة وترجمتها مقابلها عمود فرنسي وعمود ألماني وموادها عبارة عن قصص وحكم وأمثلة علمية وأدبية وفي كل جزء منها جانب عظيم من الكلمات التي يسهل استخدامها وقد وافتنا الأجزاء العشرة التي صدرت منها وتصفحتاها كلها. وهي ١٦ صفحة وقيمة اشتراكها أربعة فرنكات وخمسة سانتيمات فنحث عشاق اللغتين على اقتنائها ولاسيما الألمانية فإن العارفين بها بيننا قلائل جدا فلو تعلم أحدهم مبادئ قراءتها وكتابتها لسهل عليه أحكامها بواسطة هذه المجلة. وصايا للطبيب من كتاب الأصول لعلي بن رضوأن المتوفى سنة ثلث وخمسين وأربعمائة. الطبيب على رأي بقراط هو الذي اجتمعت فيه سبع خصال (الأولى) أن يكون تام الخلق صحيح الأعضاء حسن الذكاء جيد الرؤية عأقلاً ذكوراً خير الطبع. (الثانية) أن يكون حسن الملبس طيب الرائحة نظيف البدن والثوب. (الثالثة) أن يكون كتوماً لأسرار المرضى لا يبوح بشيء من أمراضهم. (الرابعة) أن تكون رغبته في إبراء المرض أكثر من رغبته فيما يلتمسه من الأجرة ورغبته في علاج الفقراء أكثر من رغيته في علاج الأغنياء. (الخامسة) أن يكون حريصاً على التعليم والمبالغة في منافع الناس. (السادسة) أن يكون سليم القلب عفيف النظر صادق اللهجة لا يخطر بباله شيء منت أمور النساء والأموال التي شاهدها في منازل الأغنياء فضلاً عن التعرض لشيء منها. (السابعة) أن يكون مأموناً ثقة على الأرواح والأموال لا يصف دواء قتلاً ولا يعلمه ولا دواء يعالج الأجنة عدوة بنية صادقة كما يعالج حبيبه. فجائع البائسين تابع ما قبله بعد ما قبرت شهيرة ابنها أنشأت تفكر فيما يؤول إليه أمرها لأنها أدركت انقطاع أجرة الحضانة وزوال العلاقة التي كانت تربطها بسعيد ولم يبق بينهما غير عقد الزوجية فأدركت أيضاً استصدار الحكم عليه بمائة ليرة يمنعه من الطلاق إذا أرادت أن يطلقها فما وجدت انفع من الرجوع إليه والرضا به وكان بلغها أنه يسعى في زواج غيرها فأعربت لأمها عما يخالج ضميرها وقالت لها أنها تود الرجوع إلى زوجها قبل أن يقترن بغيرها فأخذتها على أنكارها وطمأنتها بقولها: أنه لا يقدر على الزواج لأن الناس علموا بما جرى بينكما فيخافون على بناتهم من أن يصرن إلى ما صار إليه أمرك. ثم قالت: وليس مثلنا قليلي العقل والبصيرة. ماذا جرى لي حتى يمتنع الناس عن تزويجه بناتهم أما كنت أنت السبب في تنافرنا ونحن كنا راضين من بعضنا وكان الصفاء ملازمنا والهناء يرأفقنا فأنت التي كدرت صفاءنا بتصوراتك الدنيئة فلو كنت تركتينا وشأننا لما حدث بيننا شيء ولكن طمعك الذي أدى بنا إلى الفراق وبعث فينا روح الشقاق فأسألك بأبيك ماذا تبغين مني؟ ألست بالغة الرشد والكمال؟ فلماذا لا تتركيني حرة في أعمالي أتصرف بها كما أشاء؟ فإن كان قصدك قتلي وهلاكي فبئست الأمهات اللواتي تبدلن سعادة بناتهن بالشقاء وأني لا أدرك غرضك من افتراقنا مع أننا كنا على وئام وسلام يحسدنا من سمع بما قامت عليه قواعد ائتلافنا. ما لي أراك اليوم تشتاقين إلي زوجك الذي هو مطية العار فلا عاش الرجال؟ لم أر سبة بانتسأبي إليه إما أنت التي سعيت في زواجي به؟ وهل كان مجهول الأحوال لديك ولدى أخي الذي رأفقه ثماني سنين وأنا على علم من أنه لا يزال كما كان عليه من قبل وما يخيل لي أن أجد مثله بين الناس فهل رأيت أم سمعت برجل يعامل أمرأته بالمساواة ويسعى فيما يرضيها بكل ما أمكنه في هذه البلاد؟ من لي برجل يعاملني هذه المعاملة الحسن؟ على أني أعجب من أعمالك مع أصهارك. ألست أنت التي كنت السبب في طلاق أختي حتى أصبحت محرومة من الزواج؟ وهي لا تزال في كدر وأسف على زوجها مع أني أعلم ويعلم كل إنسان أن الأمهات تحب أصهارها أكثر من أبنائهن وأنت على العكس تبغضينهم فتنفر ينهم من بناتك حتى تحرميهن منهم. أما سمعت قول بديعة التي طلبت أختي الصغيرة أنها أعجبتها وودت تزويجها بابنها ولكنها خافت على ابنها منك فها أنت قد اشتهرت بين الناس بسوء الخلق ورديء الطباع. لقد تجاوزت حدك يا شهيرة فإنت لا تزالين في سن الطفولية لا تميزين الصالح من الطالح وأنا أخطأت بقبول سعيد زوجاً لك ولكني سأجتهد في التكفير عن خطأي وإصلاحه فلا تأسفين على هذا الرجل الدنيء الأصل الفقير الحال وأيقني بأنه عندما يثبت طلاقك أزوجك وتعيشين معه عيشة لا يشوبها كدر ولا يتخللها شقاء. أو تحسبين أننا في قحط من الرجال؟ أما تتقي الله في سعيك لإثبات طلاق لا أصل له وهب أنك وفقت إلى إثباته بشهادة شهود زور والبهتان وحكم القاضي بتفريقنا وأعطاني إعلاما شرعياً بأني مطلقة فهل يكون الطلاق موافقاً لحقيقة الشرع الشريف. لا! ولكن أخذنا لك مائة ليرة فإذا كنت لا أزال على عصمته كيف يتسنى لي أن أزوج بغيره تتزوجين بإعلام الحاكم وحكم الحاكم أمر مقضي يعمل به ويقوم مقام الطلاق. في أي ديانة وأي شريعة وجدت هذا الجواز وهذا الحكم المعقول أو تحسين أني لا أخاف الله بانتقالي إلى عصمة رجل آخر وأنا على عصمة غيره فإذا كان طمعك بالمائة ليرة التي تودين أخذها زوراً وبهتاناً فلا حاجة لي بها ولا أود أن أعصي أمر الخالق طمعاً في حطام الدنيا أو نسيت أن من يغنمون الدراهم بطرق غير مشروعة لا يصرفونها إلا على أمراضهم ويدفعونها ثمن أدوية وأجرة أطباء وهم يقضون آخر حياتهم في أتعس الأحوال وقد يتمنون الموت فلا يجدونه وإذا تزوج زوجي وهجرني هجراً طويلاً كيف تصير حالي فهل لي حينئذ سوى البكاء والنحيب حتى تستولي علي الأمراض وارزح في فراش الأسقام والعلل فأموت شهيدة سوء تصرفك. أنت تظنين أنه يتزوج ويطيق هجرك. سترين أنه متى يئس من الزواج يتوسط من يرجعك إليه ويدخل تحت حكمنا فنتصرف به كما نشاء. أنت تحسبين أنه لا يتمكن من الزواج وأنا شعرت بأنه سيوفق لأن كثرة البنات وبقاءهن من غير زواج وفساد هذا العصر يدعو العقلاء للتسأهل في زواج بناتهم وأنا على يقين من أنه سيهجرني فإما أن أموت وإما أن أرجع إليه من هذا النشوز فأكون تحت سيطرة امرأة جديدة فإن مت تكونين الجانية علي وإن رجعت إليه تكونين سبب بؤسي وشقائي بعد ما كنت سعيدة. لقد فهمت أنك تودين الرجوع إليه قاتل الله بنات هذا العصر اللواتي لا يطقن الهجر ساعة. فليخطر ببالك ما تشائين فإني أعزه وأحب الرجوع إليه فبل أن يتزوج. ثم قامت وتركت أمها ودخلت حجرتها وأغلقت الباب عليها وأخذت تبكي وتندب حظها وتلوم نفسها على إطاعة أمها. مضت على هذه المحاورة هنيهة وجيزة فدخلت على شهيرة إحدى صويحباتها التي كانت تتنسم الأخبار عن زوجها وتأتها بها فقالت لها أتدرين ماذا جرى؟ فقالت: لا إن سعيد عقد على جميلة خانم ابنة علي باشا فصاحت قائلة: آه. وأغمي عليها. فندمت هذه على أخبارها ثم أتت بالماء والعطريات ورشت على وجهها وجعلت تفرك يديها وتدلكها حتى تنبهت فأخذت تبكي وتلعن أمها التي سببت لها هذه النقمة وتفكر فيما حل بها فأيقنت أنها ستفارقه أبد الدهر وأنه سيحتفظ بعد الآن بود جميلة خانم ولا يسأل عنها وقد دخلت أمها فأخبرتها بواقعة الحال وقالت لها: كنت تظنين أن لا يتزوج فها هو قد اقترن بأحسن ابنة في بلدنا فإنقطع أملي بلقائه وأظن بأنه لا يطلقني ولا يأخذني إليه إلا إذا رقت لحالي زوجته فأكون تحت أمرها وأرادتها فهذه نتيجة أعمالك القبيحة. فأدركت أمها خطأها وأخذت تلطفها بالكلام وتعدها بالأمال ثم دعت ابنها رفيقاً وعزموا على أقامة دعوى الطلاق مرة ثانية وأتوا بشهود غير الأوليين وعينوا يوم الجلسة يوم عرسه لينغصوه وظنوا أنهم يوفقون إلى أخذ الحكم عليه فيكون يوم عرسه يوم نحسه ولم يدر في خلدهم أن يوم عرس المرء في غالب الأحوال يوماً مباركاً ولا يخطر ببال العروسين سوى السعادة ففرح بما أتوه ولم يتنغص وأيقن أنه سينتصر عليهم لأنهم حصروا الدعوى في يوم كان عنده أشرف الأيام وأحسن يوم وصاله ونيل آماله فذهب رحيب الصدر عالي الهمة ودخل المحكمة فأقيمت الدعوى وضبطت الإفادات فشهد الشهود بما تعلموا لا بما علموا فجرح شهادتهم وأقام البراهين فإنتصر عليهم وأخذ الحكم مرة ثانية بوجود الزواج وعاد رابحاً ورجعوا خائبين وكان ما كان. فاستولى الكدر على شهيرة واعتراها الأرق ولازمها الحزن والبكاء فنحل جسمها وتبدلت ألوانها وضعفت قواها فسطت جراثيم السل على كرياتها البيضاء فعطل جهاز التنفس وخرب الرئتين فمنع تطهير الدم من الحامض الكاربونيك فتبدلت حمرة خدها بالأصفرار وأخذت وطأة المرض تزداد عليها يوماً فيوم فماتت شهيدة ضعف الأرادة وسوء التصرف وعلم أخوها خطأه ولكنه حمل الذنب على سعيد وعزم على الانتقام منه بدلً من أمه الجانية. ولما بلغ سعيد موت شهيرة أسف عليها وحزن عليها وبكى بكاءً دعا إلى كدر جميلة ولكن اعتذر لها وأقسم الإيمان على أن بكاءه كان من قبيل الأسف على ما عانته من العذاب والشقاء. ولما تخلص سعيد من كل منغص أيقن أنه لم يبق عنده شك ولا شبهة في السعادة التي كأن يسعى إليها فاتسعت آماله وصار لا يفكر إلا في السعادة وصار لا يرى إلا ضاحكاً مسروراً وقد نسي ما أتى عليه من قبل وظن أنه خلق سعيداً وعاش سعيداً وسيموت سعيدا ولكن فاته قول الشاعر: وسالمتك الليالي فاغتررت بها وعند صفو الليالي يحدث الكدر وذلك أن سعيداً بينما كان راكباً عربته يتجول بها على ساحل البحر في رأس بيروت ويتطلع إلى الأوانس اللواتي تتزين لتسحر الألباب وتطغي الشباب ممن يسابقونهن في الزينة والتبرج وسرعة الانتقال من زي إلى آخر وهما فريقان بين ساحر ومسحور وعاشق ومعشوق أو عاشق محروم وعجوز تفكر في أيام صباها يوم كان الشباب يلتفون من حولها متسابقين في استجلاب قلبها وكان صاحبنا يأسف لذلك العاشق المحروم ويضحك من تلك العجوز الشمطاء التي صبغت شعرها وبيضت وجهها بالذر ور ولونت خدودها بالصباغ الأحمر لترجع فتاة وهل يصلح العطار ما أفسده الدهر ويلوم تلك الغادة الدعجاء التي زين الخالق جمالها بعيون نجل تكاد تفتت الأكباد على ما شوهت به نور وجهها من الذر ور لتجعله أبيض ولو تركته على طبيعته لكان أجمل وقد تؤثر فيها شدة حرارة بيروت فيكللها العرق ويرسم خطوطاً في غصون خدها المبيض بالبز موت فتشعر بذلك أو تنبهها رفيقتها فتخرج من جيبها منديلاً مليء بالذر ور فتمسح وجهها كانها تمسح العرق. ويضحك من الشبأن الذين حرمهم الله من نعمة الجمال عندما يرأهم يرفعون سبلا تهم بشواربهم وينزلون طرأبيشهم ليستعطفوا قلوب الغادات وربما التفت إليهم واحدة من قبيل الصدقة والإحسأن فيظن ذلك أنه أعجبها بطوره وجماله. ويزداد ضحكه عندما يرى ذلك الشاب الذي إذا رأى سيدة أحنت رأسها لحفرة في الأرض رفعت العربة فكان الانحناء اضطرارياً يظن أن ذلك كان للسلام عليه فيحني رأسه فتضحك من جهله ويحسب ذلك تبسماً والتفافاً ويذكر حينئذ قول شوقي نظرة فابتسامة فسلام فكلام فموعد فلقاء ويقول لرفيقه لم يبق بيني وبينها إلا الكلام والكلام يجر ما بعده. ويعجب لذلك الفتى الذي لو رأى الآنسة تصلح شعرها بيدها أو ترفع غرتها عن جبينها لظن ذلك سلاماً له ووضع على رأسه كانه يريد السلام بدون أن يشعر به أحد لحوقاً على مكانتها وهي لا تبالي به ولا تنظر إليه ويبكي أسفاً على المومسات اللواتي خرجن يقلدن كبيرات العقائل يلبسهن ليجلبن قلوب الشبان ويعشن بتمزيق ثوب عفتهن ونقدهن بدلها دراهم معدودة على أنهن يظهرن المحبة لمن لا يطقن أن يراه ولذلك لا يجدر بالعأقل أن ينظر إليهن بعين الكبر والغرور ويهينهن من أجل بيع شرفهن وعفتهن لمن يرنه أو لا يردنه فلو فحص عن الأسباب التي ساقتهن إلى أدنى المتاجر لما تأخر عن العذر ووجه سهام الملام نحو غيرهن. ومما كان يأسف له سعيد ما يراه من الشبأن الذين لو رأيتهم ونظرت إلى لباسهم لحسبتهم من أبناء أغنى الأسر في بيروت على أنهم لا يملكون سوى راتبهم الذي لا يتجاوز ثلاث ليرات يأخذونها من الاستخدام في مخزن أو متجر ولا يجدون حرجاً في التشبه بالأغنياء وترأهم أبداً باكين من قلة الدراهم وقد يتخيلون وقد يتخيلون السعادة ولكنهم لا يجدون لها أثراً إلا في أمريكا فيهاجرون إليها وقد يموت الكثير منهم من الجوع أو يرجعون ملومين مدحورين. بينما كان سعيد يفكر في الهيئة الاجتماعية ويتأمل هذا المعرض البديع أتاه الخادم مسرعاً فقال له أن الباشا أتى من سفره وهو مريض مرضاً شديداً فذعر لهذا الخبر ورجع إلى المنزل مسرعاً وكان الأطباء أتوا ومرضوه فلازم فراشه وأخذ سعيد يستقبل العواد ولكن المرض أخذ في ازدياد حتى قضى الباشا نحبه وانتقل إلى رحمة الله فجهزه وواره التراب واحتفل بمأتمه احتفال الابن البار بوالده الفقيد. وهنا انكشفت شمس آمال سعيد وخاف من رجوعه إلى البؤس والشقاء لأن الباشا كان مستقيم المبدأ فلم يترك لوارثيه سوى الدين وأثاث المنزل. وحسب صاحبنا الراتب الذي ستناله حماته زوجة الباشا فبلغ ألفي قرش فأطمأن بعض الاطمئنان وأدرك أنه لا يزال في عيشة راضية وكانت حملت منه جميلة فصار يفكر في ولده وصار البحث بينه وبينها على ابنهما الذي سيصرفإن في تربيته مزيد العناية ليأتي منه أنموذج الكمال ومثال الأدب ويعلمانه حقائق العلوم في طفولته ليشب على حب العلم ويتعرى من كل خرافة وقررا تلقينه تراجم أحوال أعاظم الرجال وأفعالهم وحقائق الكائنات وأنشآ يربآن به عن سماع القصص والحكايات المشوبة بالأكاذيب والعجائب ولما قرب وقت الوضع أخذ سعيد يستجلب الكتب المدونة في تربية الأطفال فيقرؤها هو وأمرأته ويعينأن الخطة التي يجريان عليها في تربية ثمرة غرامهما حتى وضعت له أنثى حسنة الخلق أشبه بأمها فسمياها (خبرية) لعلها تكون مبشرة بالخير وفرحا كثيراً ولكنه لم تمض هنيهة من الزمن حتى فاجأتهما وفاة الخانم الكبيرة وانقطع الراتب فأصبحت الأسرة حملاً على سعيد ولم يبق لها من إيراد سوى راتبه وهو ألف قرش فصرف ما جمعه واقتصده وباع الحصانين لعجزه عن القيام بنفقتهما ورجع إلى عالم الاقتصاد والإدارة ومع هذا كله كان يعلل نفسه بطهارة بيته من الأدناس ويرى نفسه في راحة من كل عناء. في يوم سكنت نأمة القيظ وهب ريح الصبا اعترى صدر سعيد ضيق ساقه إلى التنزه فبحث عن صديق له ليذهب معه إلى قرية من القرى للنزهة وإذ لم يوفق إلى صاحب يرأفقه ذهب برأسه وأخبر جميلة بذهابه وكان خرج على حصان استأجره فبينما هو يجد في المسير فاجأه رجل كان يعرفه من أقارب رفيق فسلم عليه كانه أخ حميم ثم سأله عن سفره فأجابه بما قصد فطلب رفقته فقبله وشكر له فضله وقال إنه كان يود أن يجد له رفيقاً يتسلى معه فنعمت الصدفة ثم أخذا يقطعا الطريق رويداًَ رويداً وكان الحديث بينهما عن شهيرة فصار ذلك إلى الرفيق يؤأخذ سعيداً وينسب إليه القصور وهذا يعتذر ويرجع بالذنب إلى أمها وإلى رفيق فما كان من هذا الخبيث إلا أن أخرج غدارته وأطلق الرصاص عليه قائلاً خذها جزاء بعملتك بشهيرة فأصاب قلبه فوقع في الأرض يقول: آه قتلتني يا خائن. وكانت هذه العبارة آخر كلامه ثم ذهب ذلك اللعين إلى مدير الناحية وأخبره بأنه حدث قتل في هذا المحل الفلاني ففرح المدير لذلك بمجيء الرزق ولكنه لم يكن عنده من أنفار الدرك أحد لأنهم ذهبوا إلى القرى يستنشقون أخبار الوقوعات التي حدثت بين الأهالي لأنهم أصبحوا بفضل مديرهم يرضون بغدر يقع بينهم واعتداء بعضهم على الآخر لأنه لا يستنكف من أخذ الدراهم من الشاكي والمشتكى عليه وأصبح من أصابه حيف من جاره يغضي على القذى ويحتمل مصابه بالصبر فإنقطعت عنه الواردات فجعل يرسل الدرك والجواسيس ليستطلعوا طلع الوقائع ويأتي بأصحاب الحقوق ويدعوهم إلى أقامة القضايا فينكرون ذلك وهو بين مطمن لهم على حقوقهم ومهدد أن لم يقيموا الدعوى فأرسل يستدعي أنفار الدرك وأخذ يجمع من مر بالقتيل وتكلم معه أو رآه أو سمع به ويحبس من يشاء ويضرب من يشاء ويترك من يدفع له فدية النجاة وكان معظم مساعيه في جمع الدراهم لا في إثبات الجرم ولكن اعترف الجاني بإنه كان أخرج غدارته ليراها سعيد فخرجت خرطوشة من نفسها خطأ وكان سمع (لا علم كان أميالاً يقرأ ولا يكتب) أن المخطئ ينجو من العقاب فلم يسعه إلا إلقاء القبض عليه وإرساله إلى حاضرة الولاية مع محضر التحقيق. ونقل سعيد إلى داره مضرجاً بدمه فلما طرق الباب خرجت الخادمة وفتحت الباب فوجدت سيدها قتيلاً محمولاً في محفة فصاحت ووقعت على الأرض مغمى عليها فسمعت سيدتها صيحتها وشعرت باضطراب وارتعدت فرائضها فهمت لتذهب فما تمكنت لانحلال قواها ولكنها جسرت نفسها فسعت لترى ماذا جرى فوجدت رفيقها محمولاً على الأكتاف في لون أصفر والدم خضب وجهه وصبغ نباسه ولا حركة به فسقطت على الأرض لا حراك بها. وكان الجيران دخلوا البيت فأخذوا ينبهون جميلة من غشيتها وأدخلوا القتيل غرفته ووضعوه على فراشه وبدأ البكاء والنحيب وكان الناس هناك نساء ورجال يبكون دماً على هذا الفتى البائس الذي لم يسمع عنه إلا الفضائل وما عرف إلا بالكمال واللطف وحسن الخلق ولين العريكة وأتى طبيب البلدية والمستنطق ومعاون المدعي العمومي وعاينوه وأمروا بغسله ودفنه فغسلوه وكفنوه وحملوه على الأعناق ليواروه ترابه. لبؤسه حتى يوم مماته لم يكن في المدينة من أصدقائه أحد غير فتى قام بواجباته نحوه ومما ذكره ذلك الصديق أنه رأى وجه خيرية ابنة سعيد على يد الخادم تضحك وتقول (باء باء ئو ئو دح ئو ئو؟) كانها عرفت أن أباها نام نومه أبدية وعلمت أن الكفن لباساً جديداً وأنه دخل في حياة جديدة وانتقل من دار الفناء إلى دار البقاء فلسان حالها يهنئه على خلاصة من البؤس والشقاء وكانها تقول: أنت ذهبت وتركتني أنا وأمي وعمتي وجدتي في عذاب أليم فهنيئاً لك وبؤساً لنا وأسفاً علينا. قال الصديق لما تمثل لي ما حل بهذه الأسرة التعسة ورأيت ابتسامة تلك الفتاة زاد تأثيري وبكائي من مشاهدة هذه الفاجعة المدهشة. فهذا سعيد ولد شقياً فسعد بالخيال والأمال ومات تعساً فسعد بالخلاص من العناء والسقاء فرحمة الله على روحه الطاهرة. أخذت العدلية تنظر في القضية فما وجدت بأوراق المدير ما يدل على ثبوت الجرم فشرعت بالتحقيقات وثبت لديها وجود عداوة وضغائن وعلمت بأن الفعل نتج عن قصد كما أدعت زوجة سعيد أن القاتل الحقيقي هو رفيق وذلك انتصاراًُ لأخته التي قتلها هو وأمه بسوء تصرفه ولكن نتيجة المحاكمة كان الحكم فيها بأكثرية الآراء على القاتل بالحبس ثلاث سنوات. والله يقتص من عباده بأعمالهم وهو العليم الحكيم.</passage>
<license>Distributed under a Creative Commons Attribution-ShareAlike 4.0 International (CC BY-SA 4.0) license</license>
<source>https://github.com/tillgrallert/digital-muqtabas/blob/master/xml/oclc_4770057679-i_18.TEIP5.xml retrieved via Canonical Text Service http://cts.informatik.uni-leipzig.de/muqtabas/cts/ with CTS URN urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.18.TEIP5:</source>
</reply>
</GetPassage>
