<?xml version="1.0" encoding="UTF-8"?><GetPassage xmlns="http://relaxng.org/ns/structure/1.0" xmlns:a="http://relaxng.org/ns/compatibility/annotations/1.0" xmlns:tei="http://www.tei-c.org/ns/1.0">
<request>
<requestName>GetPassage</requestName>
<requestUrn>urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.17.TEIP5:</requestUrn>
</request>
<reply>
<urn>urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.17.TEIP5:</urn>
<passage>العدد ١٧ بتاريخ: ١٥ - ٦ - ١٩٠٧ غلو الشرقيين عرف العلماء البيأن المبالغة بأنها وصف شيء بما لا يزيد على الواقع واختلفوا في جوازها وأباحتها فجعلوا منها المقبول ومنها المردود وهو الرأي الراجح وقسموا المبالغة إلى أقسام ثلاثة الأول التبليغ وهو وصف الشيء بالممكن البعيد وقوعه في العادة والثاني الإغراق وهو وصف الشيء بالممكن في العقل دون العادة والثالث الغلو وهو الوصف الذي لا يمكن عقل ولا عادة. ولقد درجت سوق الغلو ولا تزال رائجة في الشرق بما سرى إليه من ضعف العقول بضعف العلوم التي تنفع في التميز بين ما يقع وما يمتنع. والغلو موجود عند كل أمة ولكنك تراه على أشد عند المشارقة فإن المفهوم من تاريخ المغاربة وآدابهم بأنهم دوننا في المبالغات والسبب في ذلك والله أعلم أن فلسفة أبناء الغرب فلسفة حسية مبنية على الحس وفلسفتنا فلسفة خيالية. الشرقي يبالغ ويفحش في الغلو بالدقيق والجليل من شؤونه الدنيوية والأخروية فقد بالغ في تصوير الأمور الروحية حتى صار كثير من أممه يؤلهون المخلوقات ويسجدون للجمادات والعجماوات أو يثبتون لما يحترمون من الآداميين من ضروب الصفات ما تضل في تكييفه العقول ويعتريها الذهول. جاءت الأديأن السماوية لنزع هذا الغلو من العقول فسلمت بتعاليمها العقول في بعض أصقاع الشرق حيناً من الدهر حتى عادت بالتدريج إلى سابق أعراقها وإفراطها في وصف البشر وتاليههمإلى حد الهزل فدل ذلك على عموم الجهل وضعف العقل. الشرقي يبالغ في تصوير الصفات فإذا وصف أحد بالعفة اختلق له النعوت ما تمليه المخيلة وتساعد عليه محفوظاته من ألفاظ اللغة وأقل ما يصف به من يريد وصفه أن يثبت له من الصفات ما لا يليق بعضه إلا بأكبر دعاء من أفراد العالم. الشرقي يبالغ إذا وصف أحداً بالسخاء والشجاعة والمروءة والشمم وكل ما يرفع النفوس إلى المقامات السامية. وفي دواوين الشعر وكتب المحاضرات أمثلة أكثر من أن تحصى أو يشهد بها فأقرأها يتجلى لك كيف تضيق الأحلام بالأوهام وأنى تسطو الخرافات على المخلوقات. نعوذ بالله من شعرائنا الجاهلين والمخضرمين والمولدين إذا أنشأوا ينشئون القصائد ويشدون بالمناقب والمحامد. تأملها ملياً وضعها على محك النقد الصحيح وأنصف في تطبيق مفأصلها على وأنظر إذا كنت لا توجب عليهم الكفارات لفرط ما غلوا في المبالغات وإذا غاليت أيضاً فأحكم عليهم بالجلد مئين واسجنهم لئلا يعلموا الناس هذا الخلق المشين ويحملوا إليهم ذاك الرأي الدفين. وقل معي أن أمة تقول أعذب الشعر أكذبه وأشعر الناس من استجيد كذبه هي أمة المبالغة والغلو. ومع أن الحساب من اخترع الشرقيين وكان له فيما مضى بين ظهرانيهم شأن عظيم ترى خاصتنا في القديم والحديث إذا عدوا وقاسوا نسوا الحساب والمساحة وإذا قدروا وغلوا في عالم الخيال عن طور الحس وتناسوا التدقيق فكالوك أو وزنوك بالألوف وربما كانت في العشرات. ترى قومنا هدأهم الله إذا سألت أكثر الطبقة العالية منهم كم قوة الدولة الفلانية أجابوك لساعتهم كذا وكذا بتحديد الأرقام مع أنك لو سألت كبار رجال تلك الدولة لتمهلوا في الجواب واضطروا أن يرجعوا إلى حساب وربما في نفوسهم بعد ذلك من صحة ما قالوا أشياء كما مات الفراء وفي نفسه شيء من حتى. ترى كثيرين من خاصتنا إذا سألتهم عن الثروة لا يسعك إلا أن تقف شاخصاً تستعيذ بالله من غلو المشارقة وتجويزهم الكذب وإيغالهم في الباطل وضعف استقرائهم واستنتاجهم وغفلتهم عن القياس. قف وأسأل الله السلامة وهم يصورن لك صاحب المئة من الألوف وصاحب مئات الألوف وهكذا إلى ما شاء الله وشاء اتساع عقولهم. ولقد كان بعض الظرفاء يقول: إذا ذكرت أموال في صاحب الثروة في الشرق وقدر ما تملك يمينه فأحذف صفرين من اليمين الأرقام فإذا قالوا لك فلاناً يملك عشرة آلاف فأعرف أنه يملك مئة وإذا قيل لك مئة ألف فأعرف أنه يملك عشرة آلاف وهكذا افرض أقل تعديل لعلك تسقط على الحقيقة وكان يقول إذا لم تصدق فأسأل العابدين ممن يقدرون ثروات الأفراد إلى آخر درهم مما عندهم على حين أنك لو سألت أصحابها عما يملكون لما عرفوا أن يقدروا لك إلا بالتخمين والتقريب هذا إذا لم يكونوا من أهل الغلو والإغراق. أجارك الله من شرقي يتشدق بذكر عالم عرفه أو سمع به أو جد نسب إليه ولاسيما إذا كان ذاك العالم في عالم الأموات والشرقي يرى المبالغات بالأموات من أقرب القربات ولعله يحيل على بعيد عن قصد لأن الحكم على الأحياء القريبة يستلزم منه أن يأخذ المتكلم من لسانه وبيانه. ساعدت الجرائد والمطابع والمدارس على تخفيف الشرقيين من المبالغات ولكنها لم تتمكن إلى اليوم من نزع هذا الخلق المتأصل في السواد الأعظم وبعض الناس في الغالب مسوقون إلى المبالغة بحكم العادة والبيئة. ولقد وقعت من ذلك حادثتان كانتا من أكبر الأدلة على أن هذا الخلق فينا لا ينزع إلا إذا أكثر الكتاب من التنديد فيه وعملنا كلنا على قلب أوضاع مجتمعنا وعاداته. فالحادثة الأولى جرت في مصر إبأن العقبة في السنة الماضية فقالت إحدى الجرائد المتحمسة أن الدولة حشدت في عريش مصر ثمانمائة ألف جمدي كتبت ذلك برقم غليظ ولما سئلت من الغد في معنى هذه المبالغة قالت أن المحشود من الجنود هو ثمانون ألفاً وأن الصفر زائد وبعد التحقيق تبين أن ما كان جمع هناك من الجند لم يتجاوز الألفينيفتأمل مبالغة تقولها جريدة كبرى في مدينة كالقاهرة في مثل هذا العصر عصر الإحصاء والتقدير في قطر اتصل جنوبه بشماله وشرقه بغربه بالخطوط الحديدية والأسلاك البرقية والتلفونية بحيث لا يحتاج تحقيق هذا الغلو إلا لشيء من البحث. والحادثة الثانية جرت لصاحب هذه المجلة أذكرها للقارئ على سبيل التمثيل والفكاهة فإني ما ذكرتها إلا وذكرت معها غلو الشرقي. ذلك أني كنت منذ تسع سنين أكتب جريدة الشام فنعى الناعي ذات يوم رجلاً من وجهاء إلا طراد في صالحية دمشق كان معروفاً بين أهل جيله وحيه بأنه من المعمرين المتمتعين فقال لي الناعي وكان من أكابر الفضلاء: أكتب أنه مات عن خمس وثلاثين سنة بعد المئة. فقلت له: أن العدد عظيم فهل لك أن تنزله فنهرني وقال: أكتب والحق أقول أن المرحوم كان أطول عمراً مما قلت لك يعرف الناس حتى أن فلاناً قال لي ذلك وأكده أفلا يسعك ما يسع العارفين به وعندها كتبت: ومات عن عمر جاوز الخامسة والثلاثين بعد المئة. ولم يكشف الناعي بذلك بل قال أن المتوفى خلف خمسمائة نفس ذكوراً وإناثاً فكتبت بعد تأبينه والغلو في ذكر عاداته وصحته طول حياته: ومما يجدر بالذكر أن له من الولد وولد ما ينوف عن خمسمائة نفس ذكوراً وإناثاً. كتبت هذا وأنا بين الشك واليقين في صحته لكني كنت والحق يقال إلى اليقين أقرب لأن النأقل ممن اعتقد فيهم سعة العقل وصحة القياس. فأعجب الناس بما كتب وتحدثوا به وربما زاد بعضهم فقال: أن عمر المرحوم كان أكثر مما ذكر وأن الجريدة أخطأت في تقدير عمره ولعل سنه لا تقل عن مئة وخمسين وأولاده وأحفاده أكثر مما ذكر وأن الجريدة أخطأت في تقدير سنه لا تقل عن مئة وخمسين وأولاده وأحفاده أكثر من ذلك بمئين. ولما انتشرت الصحيفة في البلاد تنأقلت الخبر عنها بعض المجلات العلمية وأكثر الجرائد السيارة في البلاد العثمانية وربما لم تغفل زميلاتها في مصر أيضاً عن نقل هذا النبأ الغريب فدهشت من هول ما رأيت ونبهني أحد العقلاء إلى هذا التسرع في الحكم على عمر الميت وأولاده فلم يستغني إلا أن أخذت في تحقيق فتبين أن الرجل لم يتجاوز المئة وأن أبناؤه وأبناء أبناؤه هم دون الخمسين بيقين. ون ظل بعض أحباب المبالغة يقولون أن الرجل مسن جداً وقد حارب في جيش إبرأهيمباشا المصري ولكن لم يسعهم أن يكثروا في عداد أولاده لأن الإغراق في عددهم يكذبه العيان وأما عمر والدهم فليس فيه مستند تاريخي صحيح يعول عليه ما دام الشرقي يأخذ تاريخ رجاله وأكثر ساسته في الأكثر من أفواه الشيوخ والعجائز. وبعد مدة ظهر لي أن المتوفى ومن صحته ونشاطه وقالت أن عمره مئة وخمس وعشرون سنة. فكان مل جرى من المبالغة في تقدير عمر الرجل وأولاده وأحفاده أشبه بما تأتيه الجرائد الصفراء في أميركا من الغلو في تجسيم الأخبار لإلفات الأنظار. وأحسن تعليل للمبالغة ما ذكره ابن خلدون بقوله: وقد نجد الكافة من أهل العصر إذا أفاضوا في الحديث عن عساكر الدول التي لعهدهم أو قريباً منه. وتفاوضوا في الأخبار عن الجيوش المسلمين والنصارى أو أخذوا في إحصاء أموال الجبايات وخراج السلطان ونفقات المترفين وبضائع الأغنياء والموسرين توغلوا وطاعوا وساوس الأغراب فإذا استكشف أصحاب الدواوين عن عساكرهم واستنبطت أحوال أهل الثروة في بضائعهم وفوائدهم واستجليت عوائد المترفين في نفقاتهم لم تجد معشار ما يعدونه وما ذلك إلا لولوع النفس بالغرائب وسهولة التجاوز على اللسان والغفلة على المتعقب والمنتقد حتى لا يحاسب نفسه على خطأ ولا عمد ولا يطالبها في الخبر بتوسط ولا عدالة ولا يرجعها إلى بحث وتفتيش فيرسل عنانه ويسيم في مراتع الكذب لسانه ويتخذ آيات الله هزواً ويشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله وحسبك بها صفقة خاسرة. المرأة في الإسلام تعدد الزوجات حالة لأزمة لبعض درجات النشوء العمراني لا مناص منها فكثرة الحروب بين القبائل وما ينشأ عنها من نقص الرجال مع حفظ عدد النساء واستبداد الأمراء أمور توجب أمور كلها توجب هذه العادة التي نستقبحها في عصرنا هذا ونراها ضرراً عظيماً. ولقد عرف تعدد الزوجات في القديم بين الأمم الشرقية كافة واستعمال الملوك لها وهم مظنة الاتصال بالله تعالى حللها للرعية وحببها إليهم وقد انتشرت في الهندوس وهم مجوس الهند منذ ابتداء أمرهم والظاهر أنهم كانوا كالماديين والآشوريين والبابليين والفرس لا حد لهم في التزوج من النساء وأن برأهمة الصف الأول إلى يومنا هذا يباح لهم من تعدد الزوجات ما تشتهي نفوسهم. وانتشرت هذه العادة أيضاً في بني إسرائيل قبل ظهور موسى وهو رضي بها من غيره أن يضع حداً لها إلا أن التلمود في الأعصر المتأخرة علق العدد على كفاءة الرجل ومع أن الربانيين وهم أحبار اليهود نصحوا للناس بأن لا يتزوجوا بأكثر من أربع فقد خالفهم القراء ون في ذلك ولم يجوزوا وضع حد ما. ودين الفرس الأقدمين يكافئ الرجل على تعدد زوجاته وقد انحطت هذه العادة عند الفينيقيين والسوريين الأقدمين إلى الخروج عن الأطوار البشرية وبلغت عند التراسيين والليديين والبلاسجيين الذين نزلوا القارة الأوروبية وغربي آسيا ما لم تبلغه ويوصي به بعد الموت. وأبيح لهم من التعدد ما شاؤوا. أما رومية فإن الأحوال الخاصة التي بنيت عليها أدارتها منعت تعدد الزوجات غالباً. ومهما يكن من صحة ما ورد من اغتصاب الصابنيات فإن وجود هذا في الأساطير الرومانية الخاصة بالزواج. أما في الأقطار المجاورة وخصوصاً عند الأترسكانيين فإن تعدد الزوجات من العادات الممتازة أصحابها. ومجاورة الرومانيين لغيرهم من الأمم سكان إيطاليا أحقاباً متوالية وحروبهم وانتصاراتهم قروناً عديدة مع ما ينشأ عن ذلك من عادات البذخ كل ذلك منه أخيراً أن الارتباط الأخلاقي في الزواج أصبح سبيهاً بالألفاظ المرددة ليس إلا. وإذا كان تعدد الزوجات ممنوعاً في صريح القانون الروماني فإن السيدات الرومانيات بعد الغلبة على قرطا جنة تطالب نفوسهن للانتفاع من منافع جمهورية حرة ضخمة كالجمهورية الرومانية فلم يروهن غير العاشقين وأصبح الزواج حينئذ تسرباً مختلطاً. وتشير حرية النساء وضعف ارتباطهن بالرجال وكثرة تغيير الزوجات وإفراغهن على الغير - إلى أن انتشار تعدد الزوجات تحت اسم مستعار. وفي غضون ذلك ابتدأت تعليم النصرانية الأولى تنتشر على شطوط الجليل وتنير العالم الروماني كله. وتأثير الاسينيين الظاهر في تعاليم المسيح وما يضاف إليه من الاعتقاد بقرب صراحة. وهكذا بقي حال تعدد الزوجات حتى منعه يستيانس إلا أن هذا المنع القانوني لم يغير شيئاً في آداب الأمة وبقي حال تعدد الزوجات كما كان عليه حتى مجته أذواق أهل القرون المتأخرة وكأنت الزوجات ما عدا الزوجة الأولى تئن تحت أعباء ثقيلة لا حقوق لهن ولا ضامن بل كن عبيد أوهام أزواجهن وتصوراتهم وأولادهن لا يورثون بل كانوا يدعون نغولاً ويعاملون معاملة المتشردين ولم يكن هذا النوع من الزواج محصورا في الطبقة العالية فقط لأن خدمة الدين كثيراً ما نسوا عهد الرهبانية وارتبطوا بغير واحدة من النساء سواء كان ارتباطا مشروعا أو غير مشروع. ومن المحققات التاريخية التي لا تقبل الشك أن تعدد الزوجات لم يستنكر إلا في الأعصر المتأخرة. والظاهر أن القديس اغسطينس نفسه لم ير فيه سقوطاً في الآداب أو إثماً وحرجاً بل صرح أن تعدد الزوجات لا يعد جريمة لأن قوانين البلاد تبيحه. وأننا نرى المصلحين الجرمانيين وهم في عصر متأخر كالعصر السادس عشر أباحوا الزواج مثنى وثلاث لأسباب العقر أو ما أشبهه. ويقول بعض الباحثين وهم لا يرون إثماً في تعدد الزوجات أن المسيح لم يصرح بمنع هذه العادة ويذهبون إلى أن الاقتصار على زوجة واحدة هو من العوائد الداخلة على النصرانية من الجرمانيين أو اليونانيين والرمانيين. أما الاحتمال الثاني فهو يخالف الحقائق التاريخية مخالفة ظاهرة ولا يجدر بالذكر. وأما الاحتمال الأول وهو القول بالأصل الجرماني فإنه يتوقف على شهادة ضعيفة لواحد أو اثنين من الرومانيين الذين هم أكذب الناس في شهادات ينتفعون من التلاعب بها ولو فرضنا صحة شهادة تأستس فبماذا نعلل تعدد الزوجات بين سراة الجرمانيين حتى القرن التاسع عشر؟ ومهما يكن من عوائد الرومانيين في العصور الأولى فمن الواضح أن تعدد الزوجات في أواخر أيام الجمهورية وابتداء الأمبراطورية كأن سنة مقررة أو على الأقل لم يحسب مخألفاً للقانون. والأمر الصادر بمنع نشر تعدد الزوجات يشير إلى وجوده واستعماله ونجاح هذا الأمر البريتوري في إصلاح الخلل ودفع الضرر يظهر لمن طالع جواب الأمبراطور هونور يس والأمبراطور أركاديس في أواخر القرن الرابع وعرف سلوك قسطنطين وابنه اللذين كانت لهما زوجات متعددة. وأن الأمبراطور فالينتيأن الثاني أذن علناً لأفراد رعيته أن يتخذوا من الزوجات ما شاؤا. أما الكنيسة استاؤا أو أطهروا على الأقل اعتراض على القانون بل أننا نرى ملوك رومية كانوا على العكس وتزوجوا بعدة نساء وكذلك عامة الناس لم يقصروا عنهم فقلدوهم. وهكذا بقي حال الشرائع الرومانية حتى أيام يستيانس حين تجمعت حكمة ثلاثة عشر قرناً من قرون النشوء في تدبير المعيشة فسنت تلك الشرائع الجديدة التي لم يكن للنصرانية فيها أثر يذكر وأعظم مشيري يستيانس كان ملحداً وثنياً. على أن منع تعدد الزوجات في قوانين يستيانس لم ينجح في أبطألها وإيقاف أميال العصر. وهذا القانون يدل على ترق في الفكر واختص تأثيره ببعض الأفراد أرباب العقل وأما العامة فكان عندهم حبراً على ورق. أما في مقاطعة غربي أوروبا فاختلط البرابرة بالسكان الأصليين وامتزج آدابهم بآدابهم حط من علاقة الرجل بالمرأة. ولا ينكر أن بعض القوانين البربرية سعى في إصلاح تعدد الزوجات إلا أن المثال أقوى من الكلام فكان اعتياد الملوك هذه العادة قدوة للعامة لا يقوى عليها النظام حتى أن خدمة الدين والرهبانية الدائمة مما يستحب لهم حباً بطاعة الكنيسة قد رووا أنفسهم من عادة تعدد الزوجات بحصولهم على رخصة بسيطة من المطارنة أو غيرهم من رؤساء الدين. وأعظم خطأ ارتكبه كتاب النصارى اعتقادهم أن النبي العربي تمتع بتعدد الزوجات أو شرعه وما كأن يقال قديماً من أنه هو الذي أحدث هذه العادة هو علامة على جهل القائلين به وقد ظهر فساده ورده الأعداء ولأصدقاء. وأما القول بأن النبي انتحل هذه العادة أو شرعها فلا يزال تقول به عامة النصرانية وكثير من خاصتها من أهل العام ولكن لا أرى أفسد من ذلك وأن النبي لم يجد عادة تعدد الزوجات في أمته فقط فقد وجدها شائعة عند جميع الأمم المجاورة حيث اتخذت بعض أقبح صورها. نعم أن المملكة النصرانية سعت في دفع هذا الضرر إلا أنها حاولت عبثاً فتعدد الزوجات بقي على ما كان عليه غير وازع المرأة البائسة ما عدا الزوجة الأولى بقيت تئن أنيناً. وقد كانت بلاد فارس أيام منبعث الفساد ولم يكن لها قانون للزواج معترف به وإذا فرضنا وجوده فإنه كان مجهولاً منبوذاً ولم يحدد الزند فستا عدد الزوجات التي يمكن التزوج بها أرخى الفرس لأنفسهم عنأن التمتع بزوجات متعددة شرعيات وسراري. وزواج المتعة كان مألوفاً عند الجاهلين واليهود مع عادة تعدد الزوجات فأثرت هذه النصورات الأخلاقية الدنيئة في الجزيرة العربية أسوأ تأثير. حسنت الإصلاحات التي قام بها النبي العربي حال المرأة تحسيناً ظاهراً ورفعت مقامها لأن المرأة كانت في الجاهلية وعند اليهود من أهل الجزيرة العربية على أحط ما يكون فكأنت الفتاة اليهودية تعامل معاملة كالخادمة في بيت أبيها وكان له أن يبيعها إذا كان مقلاً من المال ولأولاده من بعده أن يتصرفوا بها كيفما شاؤا وهي وأبيها لا ترث شيئاً من مال أبيها أن لو يمت أبتر لا ذكور له وكأنت المرأة عند الحضر من العرب مالا وتحسب جزءاً صحيحاً من ثروة والدها أو زوجها والأرملة تصبح بعد وفاة زوجها مما يرثه الأولاد لذلك كثيراً ما تزوج الأبناء بزوجات أبائهم من بعدهم وهو زواج حرمه الإسلام وسماه المسلمون زواج المقت. ومما استعملها أهل اليمن. وبلغ بغض الجاهليين للنساء أنهم يئدون بناتهم وهي عادة فظيعة كانت منتشرة بين قريش وكندة. وقد استقبحها النبي جداً وأنكرها بعبارات كالصواعق بل هي أشد وجعل لها ولعادة تقديم الأطفال للأرباب أشد العقاب. أما المرأة في المملكتين الفارسية والبيزنطية فكانت منحطة وبعض أهل الطيش ممن دعأهم النصارى بعد زمن قديسين كان ديدنهم أن يحطوا من قدر المرأة ناسين أن الشر الذي رأوه فيها إنما هو صورتهم المعكوسة. وعلى هذا الحال من الانحطاط العمراني والانحلال الأدبي ونداء الناس أن الشرائع القديمة بعد وزنها بميزأن التجربة ناقصة أدخل النبي إصلاحاته فجعل احترام المرأة من أركان دينه ودعي أتباعه ابنته خاتون الجنة حباً بها واحتراماً لها وهي عندهم مثال لنوعهاوسيدتنا الزهراء تمثل الأخلاق الفاضلة وعفة الإزار في المرأة وهي أسرف كمال أدركه الإنسان وقد خلفتها سلسلة من النساء طويلة كرمت هذا الجنس بفضائلها حتى قل من لم يسمع بالسيدة رابعة وبألف من اضرابها. وقد منع النبي في شريعته عادة الزواج المشروط ومع أنه أباح المتعة في أول الأمر لكنه حرمها في السنة الثامنة من الهجرة. وأعطى المرأة من الحقوق ما لم يكن لها من فبل وخولها امتيازات سوف تقدر قدرها كلما تقدم الزمن فساواها بالرجل كل المساواة من حيث استعمال القوى الشرعية ووضع لتعدد الزوجات حداً أعلى وشرط العدل بينهن ومما هو حري بالنظر أن الآية القرآنية التي تبيح التزوج بأربع يتبعها ما يرجع العدد إلى الحد الطبيعي والآية هيوأن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فإنكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة. والتشديد في هذا الشرط مع النظر إلى معنى كلمة العدل في التعاليم القرآنية لم يخف على عقلاء الأمة الإسلامية وليس المقصود من العدل المساواة في المسن والملبس وغيرهما من الحاجات الأهلية بل المقصود منه أيضاً المساواة في المحبة والميل وهذا لم يخف على التزوج بواحدة فقط. ومع أن اضطهاد المتوكل الطائش منع مبادئهم فإن الاعتقاد يسري في أركان البلاد الإسلامية الراقية بأن تعدد الزوجات مخالف الشريعة الإسلامية الغراء كما ينافي تقدم العلم والتمدن. ومما يجب النظر إليه أن تعدد الزوجات ينشأ عن أحوال خاصة ففي بعض الأزمنة وفي بعض انتقال الهيئة الاجتماعية من حال إلى حال يكون من الضروريات الأساسية لحفظ المرأة من الهلاك وإذا صحت الأخبار والإحصائيات فأكثر الفظائع المنتشرة في منبعث المدينة الغربية ناشئ عن الحاجة الشديدة وقد أشار أب هك والسيدة دف غوردن إلى أن تعدد الزوجات في الشرق هو في الغالب مما تؤدي إليه ضرورة الحال. ولما تقدمت الأفكار وتحولت الأحوال ذهبت ضرورة تعدد الزوجات وأصبح استعمالها إما مهجوراً مسكوتاً عنه أو ممنوعاً صراحة. ولذلك أصبحت البلاد الإسلامية التي تغيرت فيها الأحوال الداعية إلى تعدد الزوجات تعد هذه العادة ضرراً عمرانياً ومبدأ يخالف روح الإسلام التي لم تتغير فيها هذه الأحوال حيث لا توجد الوسائط والمعاشية التي تعتمد عليها النساء في البلاد المتمدنة. ولمعترض أن يقول أن الإباحة الكلامية تترك محلا للتمتع المشبوه والتلذذ المستكره لذلك يكون تعدد الزوجات من الأعمال الشاقة ونحن نسلم بقوة هذا الاعتراض وهو حري بألفات نظر من يريد تخليص التعاليم الإسلامية من المذمة الملتصقة بها ويريد التقدم مع الزمن. ومما يجب ذكره أن مرونة الشرائع هي أعظم محك نعرف به قيمة تلك الشرائع ومنافعها وهي سر القرآن لأنه تقبله أرقى الشعوب وهو يسد عوز أحطها ولا يتعامى عن الاقتصار على زوجة واحدة ضرراً شديداً. أما القيام بأبطال تعدد الزوجات فليس الصعوبة بالمكان الذي يتوهمه بعضهم. والمصيبة التي أصابت المسلمين وهي أصل ما هم عليه اليوم منعهم الاجتهاد وتمسكهم بالتقليد. وليس بالبعيد يوم يرجع فيه الفقهاء إلى كلام النبي في حل مسألتهم وهي هل يقلدون النبي أم يقلدون الذين استعملوا اسمه الكريم في أغراضهم أو أغراض الأمراء الذين عاشوا في أكنافهم. وقد مرت أوروبا في مثل هذا الطريق وكلن الأولى بها أن تراقب نهضة الإسلام وإصلاحه بالصبر والحنو لا أن تسلقه بالسنة حداد. ومتى تم التخلص من شرك الأفكار القديمة يصير من السهل على مشتر عي البلاد الإسلامية نسخ تعدد الزوجات إلا أن سداداً كهذا لا يتأتى إلا بعد ترق عام في إدراك الحقائق وأحاطة بروح الإسلام. وإن موافقة التعاليم الإسلامية لكل درجة من درجات الترقي تدل على حكمة المعلم. وليس تعدد الزوجات بين أقوام متدنية وله من الشروط ما وضعه النبي مما يؤسف له وهو على الأقل خير من عادة تعدد الأزواج وخير وازع أدبي. وكلما انتشر العلم وكثر التهذيب قدرت أضرار تعدد الزوجات قدرها وصار الناس أكثر علماً بوسائط منعها. ولا نقول الآن أن مسلمي الهند استفادوا كثيراً من اختلاطهم بالبرأهمة الذين يحل لهم في مذهبهم الفجور جهاراً بل نقول أن هؤلاء المسلمين فسدت أخلاقهم وانحطت تصوراتهم التي من شأنها رفعة الإنسان وتشريفه ونقاء قلبه وانتشرت طبقة الهتري بينهم كما هي بين جيرانهم الوثنيين ومع ذلك فثمة دلائل محسوسة يضيء قلوبهم ويخرجهم من ظلماتهم. وقد أدى المعتزلي اجتهاده إلى الاقتصار على زوجة واحدة لأن الشريعة تمنعه من ارتباط ثأن في خلال وجود ارتباط سابق. والخلاصة أن الزواج في عرف المعتزلة هوأن يكون ارتباطاً اختيارياً حتى آخر رمق بين رجل وامرأة واحدة وهو اليوم حد الاقتصار على زوجة واحدة. وقد سرى كره تعدد الزوجات وصار من المسلمات العمرانية أن لم يكن من المسلمات الأخلاقية وهو مع كثير من العوامل الخارجية يقتلع هذه العادة من بين الهنود المسلمين حتى صار من المعتاد بينهم أن يضعوا في عقد الزواج جملة تمنع الزوج صراحة من حق التزوج بثانية ما دامت الأولى موجودة. وفي كل مئة منهم اليوم خمسة وتسعون مقتصرون على زوجة واحدة وهذا إما لاقتناعهم بفائدة ذلك أو لاضطرارهم إليه. وتستقبح عادة تعدد الزوجات بين الطبقات المهذبة العالمة بتاريخ أسلافها والقادرة على مقابلته بتاريخ بقية الأمم إما في بلاد فارس فقسم صغير من السكان يتمتع بهذه العادة المشكوك بلذتها والمأمول أن يقوم قريباً جماعة من حكماء المسلمين يفتون بأن تعدد الزوجات كالرق مكروه في شريعة الإسلام. ولنرجع الأن إلى موضوع زواج النبي المتعدد وهو يظهر لكثيرين ممن يجهلون الحقيقة أو يتجأهلون موضع انتقاد ومحل لوم. ومنتقدوه من النصارى يذهبون إلى أنه باتخاذه زوجات متعددة ميز نفسه بما لم يجوزه الشرع فأظهر ضعفاً في الأخلاق يصعب اتفاقه مع النبوة. إلا أن التعمق في التاريخ وتقدير الحقائق بدلاً من أن يبرهن أن النبي كان مفرطاً في الشهوات يدل دلالة صريحة على إنه كان يفادي بالعزيز في سبيل الغير باتخاذه بحسب شرع أمته عدة زوجات فقيرات وسد حاجتهن وهو فقير لا مال له ولا عقار. وأننا إذا درسنا عواطفه درساً مدققاً ونظرنا إليها من الجهة الإنسانية يظهر لنا تخرص المعترضين عليه. ولما تزوج خديجة كان في الخامسة والعشرين من العمر وكانت هي أسن منه كثيراً وقد قضيا سوية نحو ربع قرن رافلين في أثواب السعادة والإخلاص وكانت كل هذه المدة رفيقه الوحيد ومساعده الأمين على تخفيف ما كان يصيبه من أذى قريش واضطهادهم وعند حلول أجلها كان في الحادية والخمسين ولا يمكن لأعدائه أن ينكروا أنهم لا يرون في حياته كل هذه المدة ثلمة في أخلاقه أو نقطة سوداء في صحيفته البيضاء. وهو لم يتزوج بغيرها في حياتها على أن الرأي العام في عشيرته يجّوز له ذلك لوشاء. وعند رجوعه من الطائف بعد بضعة أشهر من وفاتها وهو ضعيف مضطهد تزوج بسودة أرملة السكران وهو ممن كان أسلم وهاجر إلى بلاد الحبشة فراراً بدينه وبنفسه من قريش وقد توفي في منفاه وأبقى من بعده أمرأته في أشد البؤس والشقاء. وعوائد البلاد لا تمكنه من مساعدة هذه المسكينة الفقيرة أن لم يتزوج بها لذلك نرى أن مبادئ الإنسانية والشفقة تحتم عليه اتخاذها زوجاً له على إنه كان حينئذ في أضيق الحالات. وكان عبد الله بن عثمان بن أبي قحافة المعروف بعد ذلك في التاريخ (بأبي بكر) من أتقى الأتباع وأشدهم تعلقاً بالنبي وأسبقهم للإسلام وهو أشبه بعلي بن أبي طالب من حيث حبه للنبي وكانت له ابنة صغيرة اسمها عائشة فكإن جل قصده أن يمكن علاقته بالنبي بتزويجه ابنته وكانت في السابعة من العمر إلا أن عوائد البلاد تسمح بذلك الزواج وبعد الإلحاح صارت تلك الآنسة الصغيرة في مصاف الزوجات الطاهرات. وبعد مدة من وصول المهاجرين إلى المدينة حدثت مسألة تدل على حال المعيشة العربية في ذاك الزمن وكل من عرف العرب وعرف أنهم أهل أنفة وحرب وأثار يتيسر له أن يدرك سر هذه الحادثة وهي أن عمر بن الخطاب الخليفة الثاني كانت له ابنة اسمها حفصة فقدت زوجها في غزوة بدر وكانت صعبة المراس وصعبة المزاج كأبيها لذلك كان يتجنبها الصحابة ويكرهون التزوج بها فكان هذا كاللوم والتوبيخ عند أبيها وليدفع عن نفسه ذلك عرضها زوجة على أبي بكر فأبى ثم عرضها على عثمأن فأبى فذهب مغضباً إلى النبي ليشكو إليه ما لحقه من العار فكان لا بد من إرضائه وتستكين غضبه بحل هذا النزاع وأسبابه الواهية من المضحكات لكنه كان كافياً في ذلك الزمن لإشعال نار الفتنة بين المؤمنين وهم في أول أمرهم فتدارك النبي ذلك وسكن غضبة عمر بتزوجه ابنته وهكذا أرضى أصحابه وأصلح ذات البين. ومن زوجاته هند أم سلمة وأم حبيبة وزينب أم المساكين وهن أيضاً كن أرامل ذهبت عداوة قريش بمن يعيلهن وامتنع قرابتهن عن مساعدتهن أو لم يكونوا أكفاء قادرين. وكان النبي زوّج صديقه ومولاه زيداً سيدة اسمها زينب تنتسب لبيتين من أشرف بيوت العرب فلفخرها ونسبها وربما بجمالها أيضاً كانت تغتاظ من زواجها بمولى من الموالي وربما زاد الطين بلة تكرار زينب في حال مناسبة كليمات كان قالها النبي وقد زار زيداً ورآها مكشوفة الوجه وهي (سبحان الله العظيم سبحان الله مصرف القلوب) - جملة يقولها اليوم كل مسلم يرى صورة جميلة - وكانت زينب كثيراً ما تكرر أمام زوجها هذه الكلمات التي قيلت في الإعجاب الطبيعية لتريه أن جمالها أعجب الناس حتى النبي. ولما عيل صبر زوجها زيد عزم أخيراً أن يطلقها فذهب إلى النبي ليظهر له فقال له النبي (مالك أرابك منها شيء؟) قال (لا والله ما رابني منها شيء يا رسول الله ولا رأيت إلا خيراً) فقال له النبي (أمسك عليك زوجك واتق الله) إلا أن زيداً لم يطع الأمر الشريف فطلقها فأغتاظ النبي من عمله خصوصاً وهو الذي خطبه عليه وزجه بها وبعد نجاح زينب في الخلاص من عصمة زيد قامت تلح في التزوج بالنبي ولم ترجع حتى تشرفت بأن تكون في عداد زوجاته. وللنبي امرأة أخرى تدعى جويرية ابنة الحارث سيد بني المصطلق كان في غزوة لإخماد ثورة قامت بها عشيرتها ورضي منها من أسرها أن تفتدي نفسها بفدية تقدمها له فسألت النبي هذا المال فأعطاها اياه حالاً فاعترافاً بفضله عليها وشكراً له عرضت نفسها عليه فرضيها زوجة وحالما عرف المسلمون هذا الارتباط الجديد قالوا فيما بينهم أن بني المصطفق صاروا من ذوي قرابة النبي فيجب علينا أن نكرمهم ونعاملهم بما هم أهله وهكذا عفوا عن الأسرى حتى بارك هذا الزواج السعيد مئة أسرة أطلقت من الوثاق. وكانت صفية اليهودية ممن أسره المسلمون في غزوة خيبر فأعتقها النبي وكرمها بالتزوج بها. ومن زوجاته ميمونة وهي من ذوي قرابته تزوجها في مكة وكانت فوق الخمسين من العمر وهذا الزواج أكسب الإسلام رجلين مشهورين هما العباس وخالد بن الوليد قائد قريش في وقعة وقاهر الروم. وهكذا كان حال زواج النبي ومن الممكن أنه تزوج بعض الأحيان ليرزق ولداً لأنه لم يكن من الآلهة وربما شعر بالميل الطبيعي إلى ترك وارث من بعده وقد يكون أحب التخلص من اللقب الذي لقبه به أعداؤه ولكن إذا نظرنا إلى الحقائق كما هي نرى أن الزواج المتعدد نشأ عنه من المنافع زيادة على ما ذكرنا ميل لائتلاف القبائل المتعادية واجتماع كلمتها. ومما يجب ذكره أن عادة الأخذ بالثأر كانت شائعة في الجاهلية وهي أضعف القبائل ولم يكن إذ ذاك بيت ليس له ثارات أو عليه ثارات تقتل فيها رجال وتستحي النساء. ولما قام موسى وجد هذه العادة شائعة في قومه أيضاً (كما تشيع في الأمم إذا كانت على درجة من العمران مخصوصة) ولما ينجح في أبطألها أباحها إلا أن النبي محمداً كان أشد إدراكا للدواء الذي يجب استعماله فربط القبائل المتنازعة بعضها ببعض كما ربطها برباط الزواج وعند حلول أجل البعثة وقف على عرفات وصرح بأبطال هذه العادة الجاهلية. إلا أن خبث أعداء يجورون في أحكامهم ويتعصبون لأوهامهم شوه عواطف حملت محمداً على تعدد زوجات كن أرامل ومستضعفات لولاه لنبا بهن المربع ولجفت قلوبهن من حرارة الجوع على أن هذه العواطف أباحها الأنبياء السابقون. وربما عد الغربيون اليوم عادة تعدد الزوجات شراً محضاً وليست هي بالمحرمة فقط بل نتيجة شه وفساد وكاني بهم قد نسوا أن هذ ١ هـ العوائد كلها هي نتيجة المحيط وابنة الحاجة وإن كبار الأنبياء من اليهود وهم مثال الكمال في المذاهب السامية أجازوا تعدد الزوجات واستعملوه إلى حد يعد في نظر المعاصرين نهاية الفساد. والغالب أن يقال أن الواجب على النبي لا يخضع لأي ضرورة تضطره إلى مدح عادة سيئة كهذه أو لأباحتها وأن الواجب عليه تحريمها بتاتاً فالمسيح غض الطرف عنها ولم يتعرض لها. لكن من أمعن النظر يرى أن هذه العادة مثل كثير غيرها من العوائد ليست شراً محضاً والشر كلمة نسبية لأنه قد تكون عادة من العادات مباحة في أول الأمر تقبلها مبادئ الأفراد والجماعات إلا تقدماً في أفكار الأمة تغيراً في أحوالها ربما يجعل هذه العادة مضرة حتى تمنعها الحكومة بعد حين. أما أن الأفكار تترقى فهو من المسلمات وإما أن العوائد والأعمال تتوقف على ترقي الأفكار وأنها إما أن تكون حسنة أو سيئة بحسب الأحوال و (روح العصر) فهي حقيقة يجهلها أهل الأفكار السطحية كثيراً. بيروت عبد الرحمن شهبندر الكنى والألقاب جرى الاصطلاح في الأسماء على تقسيمها إلى علم وهو ما علق على سيء بعينه غير متنأول ما أشبهه ولقب وهو ما أشعر بمدح أو ذم وكنية وهو ما صدر بأب أو أم. وقد ولع العرب بالكنى والألقاب ولعاً غريباً حتى صاروا يكنون الطفل والعقيم بل الوحش والطير بل الجماد والمعاني كما ستراه. من أعظم مقاصد الكنى في الأناسي خشية مبادرة اللقب السيئ على لسان عدو أو ماجن فيلصق بالمرء لصوق الجرثومة في المنيب الوبيء وفي أثر (بادروا أولادكم بالكنى أن تغلبهم الألقاب). ومن مقاصدها فيها تعظيم المكنى وتوقيره فقد فطرت الأنفس على كراهة خطابها باسمها ومشافهتها به. وأما في غير الأناسي فلقصد التوسع في باب الأعلام والتفنن في الأوضاع والازدياد من المعاني. ولم تك كنأهم تخلو عن نكتة وسر في وضعها أي ملاحظة معنى بإزائه يكون الوضع كما قالوا في أبي لهب كني به لجماله لأن اللهبة البياض الناصع وأوثر في التنزيل الكريم أما لشهرته أو للتعريض بكونه جهنمياً وكما قالوا للضبع أم لأنها ترسم الطريق لا تفارقه وأم المثوى لصاحبه المنزل والأمثلة يطول تعدادها ويسهل تعرف أسرارها من معاجم اللغة المطولة. وما برحت الكنى والألقاب أخذة في الأعلام دوراً هاماً في الجاهلية والإسلام سيما في قرونه الوسطى فقد نسيت بسببها كثير من الأعلام لغلبتها عليها ولقد رأيت من يخفى عليه مثلاً اسم الأمام أبو يوسف أو القاضي أبي الطيب ونحوهما ممن اشتهر بكنيته فنسي اسمه لذا سنح لي أن أبين قاعدة للمتقدمين نوع الكنى والألقاب تنكشف بها معرفة الأعلام مما اصطلح عليه أولئك وجرى على المؤرخون. فمن الكنى أبو اسحق كنية لمن اسمه إبرأهيمتأسياً باسمي الخليل وابنه عليهما السلام أبو إبرأهيملمن اسمه إسماعيل. أبو الحرث لليث وأرسلان. أبو الحسن لعلي. أبو داود لسليمان. أبو الدر لياقوت. أبو زكريا ليحيى. أبو سليمأن لداود. أبو الشكر لأيوب. أبو الصبر له أيضاً. أبو الطيب لطاهر. أبو العباس لأحمد وخضر. أبو علي للحسن والحسين. أبو عمرأن لموسى. أبو الفضل لجعفر وللربيع وليحيى. أبو الفتح لنصر. أبو القاسم لعلي ومحمود. أبو محمد لعبد الله. أبو محفوظ لمعرف. أبو المعالي لعبد الملك. أبو مروان له أيضاً. أبو المسك لكافور. أبو الميمون لمبارك. أبو المنصور لظافر. أبو الوقت لعبد الأول. أبو هريرة لعبد الرحمن. أبو يحيى لزكريا. أبو يوسف ليعقوب. ومن الألقاب للمتأخرين. سيف الدين لغازي. شمس الدين لمحمد. شهاب الدين لأحمد. صلاح الدين ليوسف. عماد الدين لإسماعيل. هذا ما غلب من الكنى والألقاب واشتهر في تلك الأسماء وقد يكون لها كنى وألقاب أخرى. وقد يكون للمرء عدة كنى كما تراه في قولهم ذو الكنى وقد يشتق للمرء من معنى اسمه له إشارته أو حاله (أبو الطيب) لمن اسمه طاهر لما بين الطيب والطهر من التناسب وكذا (أبو السرور) لمن اسمه عيد. وأبو الجود للسخي. وأبو مطاع للأمير. وأبو الغارات للمجاهد. وذو القرنين لعظيم الملك. وقد لا يكون لشيء من ذلك كما حدث في عهد منح الألقاب المضافة لذوي السيطرة من أجيال والمضافة للدين وقد أشار للثاني الأديب الخليع عبد الرحمن المسجف الملقب ببدر الدين من رجال فوات الوفيات (مدفون في بستانه بدمشق قرب المزة وأمام قبره المحجر قبة يجري عندها نهر تظن أهل القرى هناك أنه من الأولياء وليس تحت القبة مزار) في قوله: قالوا تلقب بدر الدين مفتخراً نجل الجنوبي من قد زين الأمنا فقلت لا تعجبوا منه فذا لقب وقف على كل نجس والدليل أنا وقد يكنى الرجل بأكبر أولاده أو بأشهرهم أو بأحبهم إليه وقد يكنى بابن أخيه كما كنيت السيدة عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها بأم عبد الله وقد يكنى الرجل بما يقوم عليه ويعرف به كأبي الرجال لمن تربى عنده النجباء مجازاً ولمن له عدة أولاد حقيقة وبما ظهر فيه من اليمن والخير كأبي البركات وقد وضع كثير من الألقاب والكنى علماً برأسه في العصور الأخيرة كبهاء الدين وصلاح الدين وأبي الخير وأبي بكر ولا حجر في ذلك إلا أن القرون الأولى كان لأسمائها نوع نظام سهل به وضع نظام بإزائها لألقابها وكناها مع ما شف عن أدب مع الأئمة الأعلام فإن من رعاية الكبير وقدره قدره وضع لقب له يعرف به. نعم لكل عصر مظهر ولكل دور طور ولكن باب الأدب مع الأعلام لا يغلق على الدوام. قلنا قد بلغ من شغف العرب بالكنى أن وضعتها للطير والوحش والجماد والمعاني لما ملئت به أسفار اللغة من ذلك فمن ذلك أبو الحباحب لدويبة تظهر ليلاً صغيرة يخيل أنها نار. وأبو الحصين للثعلب. وأبو جعده للذئب. وأبو براقش لطائر فيه ألوان. وأبو فراس للأسد. وأبو حفص له أيضاً. وأبو قبيس لجبل بمكة. وأبو الأبيض للبن. وأبو الأثقال (الحملات) للبغل. وأبو الأخضر للريحان. وأبو حيان للفهد. وأبو أيوب للجمل. وأبو بحير للتيس. وأبو حماد للديك. وأبو حميد للدب. وأبو حيان للفهد. وأبو خداش للنسور. وأبو صابر للحمار. وأبو شجاع للفرس. وأبو طالب له أيضاً. وأبو طأمر للبرغوث. وأبو عاصم للزنبور. وأبو العوام للسمك. ومن المعاني أبو مالك للهرم. وأبو أسعد له أيضاً. أبو مرحب للظل. أبو زيد للكبر. أبو عمرة للفقر وسوء الحال والجوع. قيل لأعرأبي أتعرف أبا عمرة قال كيف لا وهو متربع في كبدي. ومن الأمهات أم القرى لمكة المكرمة. أم قشعم للمنية. أم الرأس لأعلى الهامة. أم الدماغ لجلدة الرأس. أم جابر للخبز. أم سويد للأست. أم الهدير للشقشقة. أم الطعام للمعدة. أم النجوم للثريا. أم خداش للهرة. أم شبل للبوه. وقد ألف في معرفة الكنى عدة مؤلفات منها كتاب أبي العباس الأحوال ولم يتقدمه أحد في هذا الفن وألف ابن السكيت كتاب المثنى والمكنى والمؤاخى ولابن الأثير كتاب سماه المرصع. وعني المحدثون بهذا الفن وصنفوا فيه أيضاً منهم الأمام ابن المديني ثم الأمام مسلم ثم النسائي ثم الحاكم أبو أحمد - غير صاحب المستدرك على الصحيحين - وأبي الفضل الفلكي وأبي الوليد الدباغ وأبي الفرج بن الجوزي وآخرهم الحافظ ابن حجر وليت وأحداً منهم مثل للطبع ويالله ما نسي من العلوم وأسفارها. وللمحدثين تقسيم غريب باب الكنى أوصلها بعضهم إلى تسعة من سمي بالكنية ولا اسم له غيرها كأبي أبكر بن عبد الرحمن أحد الفقهاء السبعة بالمدينة من عرف بكنيته ولم يعرف له اسم كأبي مويهبة مولى النبي صلوات الله عليه من لقب بمنيته وله اسم وكنيته كأبي تراب علي رضي الله عنه اسما وأبي الحسن من لقب كنيتان أو أكثر كمنصور الفراري أبي وأبي الفتح وأبي القاسم من اختلف في كنيته كأسامة رضي الله عنه أبي زيد وقيل أبو محمد غيرهما من عرفت منيته واختلف في اسمه كأبي بصرة هو حميل (بالحاء مصغراً) وقيل جميل (بالجيم مكبراً) وكأبي هريرة قال القطب الحلبي في اسمه واسم أبيه نحو أربعين وأصحها عبد الرحمن بن صخر من اختلف فيهما كسفينة مولى النبي عليه حكي في اسمه وكنيته اثنان وعشرون قولاً من عرف بالاثنين كأبي عبد الله سفيأن الثوري ونحوه مما لا يختلف فيهما من اشتهر بها مع العلم باسمه كأبي إدريس الخولاني عائذ الله دمشق أحد قراء المقتبس تأثير العقائد والمقاصد في الأخلاق أن العلماء الذين وضعوا المطولة والمختصرة في تهذيب الأخلاق لم ينظروا إلى هذا البحث إلا من عرض فلا يعثر لهم على كلام يكشف القناع عن حقيقته ويجمع أطرافه وإنما ذلك لأن الحوادث والأحوال لم تتجه بهم إلى الدخول من هذا الباب ولقد رأيت العصر يستصرخ الحراص على أنتظام الأحوال ويتقاضى الكتاب القائمين على هداية الناشئة إلى سبيل النهضة أن يقبلوا عليه إقبال المغرم بالدنيا على استخراج الكنوز المدفونة وأن يبذلوا الجهد في إظهار ما خفي من أسراره ويسنفذوا الوسع في ما حجب من ذخائره. ولما رأيت أن الكلام فيه من جلائل الخدم التي يسع المنشئ أن يقوم بها لأهل العصر هزني الغرام بهذه المحمدية أن أتوفر ليلة على أنشاء مقالة أكلف المقتبس أن يحملها إلى قرائه المنبثين في الآفاق مع ما يحمل إليهم من أزاهره العاطرة وثماره الطبية الناضجة آملا أن تلاقي عند الشبأن الأدباء والناشئة النجباء ما يلاقي الزائر الكريم من الهشاشة وإكرام الوفادة في منازل الكرام وبيوت الكبراء وذلك بأن يكرموها بالمطالعة وتدقيق النظر فيما يترتب عليها من النتائج المفيدة بل من الأدوية الناجعة في شفاء أدواء الأخلاق إذا اندفعت النفوس لأتباعها وأحبت عليها. تعريف الخلق الخلق بضم فسكون والخليقة والفطرة والطبع والطبيعة والغريزة وما هو في معناها صفة باطنية تشبه الصورة الظاهرة فالكرم الذي طبعت عليه نفس زيد خلق يشبه ما ترى من الحمال في محياه والشجاعة التي فطرت عليها نفس عمرو بمنزلة ما ترى من طول قامته وامتلاء أعضائه. وقد اختلف أصحاب الحكمة الخلقية في قبول الأخلاق للتغير فمن قائل أن الأخلاق لا تقبل التغيير إلا متى صار الذئب حملاً والجمل برغوثاً ودليلهم أن الخلق الباطن مثل الصورة الظاهرة وهذه لا تقبل التغيير فهو كذلك لا يقبل التغيير ومن قائل أن الأخلاق تقبل التغيير فمن طبع على الشح تصيره بعض الأحوال أكرم من حاتم ومن فطر على الجبن فقد يقوم في خياله ما يحبب إليه الموت حتى أن الصورة الظاهرة في الإنسان تتغير تبعاً لحالة النفس كما يرى في وجه الغضوب والمنفعل والمسرور والكمد والخائف والمطمئن والخالي القلب والمهموم وإلا فأين هيئة من يتوقع العزل عن منصب عال من هيئة من يبشر بالارتقاء إليه وأين صورة من يرزأ ظهيره من صورة من يلقى نصيره وهل من فر من بيته وقد تداعت جدرانه كمن دخل صرحه وقد كمل وتزويقه فإذا علمت ذلك تبينت أن الرأي إنما هو رأي القائل بقبول الأخلاق للتغيير وإلا فمن أين تعلم الدب الرقص وأي الرأي أن لم تحدث تغييراً في الطبائع تبدلاً في الغرائز. فإن كنت تريد أن تتعرف تصاريف الطبائع وأحوالها فلا بد من أمرين الأول أن تراقب ذلك في الناس وفي نفسك. والثاني أن تنظر إلى اختلاف العقائد وتبدل المقاصد في النفس البشرية حتى ينقلب الراغب زاهداً والزاهد راغباً والشجاع جباناً والجبان شجاعاً. تأثير العقائد العقائد مبادئ تقرر في ذهن صاحبها أنه يسعد بطاعتها ويشقى بعصيانها وأنه يهلك إذا خالقها وينجو أن أتبعها وترسم على لوح قلبه أن حفظها يكفل له خاتمة سعيدة وآخره حميدة وأن نبذها يدفعه إلى عاقبة شؤم ونهاية عذاب فهذه العقائد باطلها وحقها سواء من حيث التأثير في نفس المعتقد فمن استحكمت العقيدة في روحه هان عليه كل عزيز وغال في سبيلها فتحلو له نفس المرائر وتطيب له المكاره حتى إذا دعته إلى فراق الحياة لبى دعاءها فهذه أقاصيص الشهداء وأحاديث الأولياء تبسط أمامك من أثار العقائد الحية في الصدور ما تريك أفإنينه أن الأهواء البشرية أماء خواضع طوائع لملك الاعتقاد المتسلط على النفس وكم لك في سير الرسل الكرام من خطيب بأن لا سطوة في الكون على النفس إلا دون سطوة العقائد. وإذا ذكرت في النار كراماً لتمثال مولوك الذي أخذوه معبوداً يلجأون إليه. والهنود الأولى يرمون بأولادهم في النهر. أو أخطرت على بالك الشيوخ والعجائز الذين يأتون من أقاصي الأرض إلى أورشليم تبركاً بزيادة قبر المسيح غير مباليين بما يقامون من السفر ومكاره الغربة مع ما يستلزمه بعد الشقة من وفرة النفقة قطعت أن لا سيد للنفس البشرية إلا سيادة دون سيادة الاعتقاد. تأثير المقاصد وإذا راقبت الناس وعوامهم وخواصهم رأيتهم إلا قليلاً منهم يجورون على عقولهم ويغالطون حسهم ويكذبون عيونهم في سبيل مقاصد تحيك في نفوسهم فإذا كلفت أنفسهم بشيء أو مقتته يخال من يسمع كلامهم فيه أنهم قد فارقوا ألبابهم أو أن البابهم قد فارقتهم فإن أحب أحدهم بلدة جعل الحسن مقصوراً عليها وقال سعادة الحياة لا تعرف إلا تحت جوها والتنزه لا يطيب إلا في كرومها وبساتينها وأن الظماء لا يسقى إلا بورد مائها وأن كرم الخلال لا يتعدى سكانها والتبحر في العلم لم يعهد إلا لعلمائها وأن الفصاحة لم تظهر بدائعها ولم تبد روائعها إلا على السنة خطبائها وشعرائها وإن رئاسة الصنائع قد انتهت إليها وأن الجود لم يضرب خيامه إلا في أرضها وبالجملة فإنها المخصوصة من بين بلاد الله كلها بأنها مجتمع المحاسن الطبيعية والصناعية وأنها الحرية بأن تستبد بمجد التفوق على كل بلدة في الأرض وإذا كره بلدة قال نسيمها يحمل نسم الأمراض وثمارها تورث الأسقام وحرها يذيب الأجسام وأهلها خبثاء لئام وعلماؤها أقل من صغار الطلاب علماً وخطباؤها أقل الناس عقلاً وأضعفهم تصوراً ليس لهم من مقتضيات الخطابة إلا الجراءة يبيع الخرز بسعر الدرر وينادي على النحاس كما ينادي على الذهب بل استغرب أمر من يعرض القطن ويقول هذا حريراً ثم والنحاس ذهباً. وأعلم أن تساوي البلدتين هواء وماء وأدباً وعلماً وتجارةً وزراعةً عند جميع الناس لا يرده عن قصر المحاسن عليها دون الأخرى إذا كان له من وراء مدحها غاية كما لا يردعه عن سلب كل حسن عن البلدة الأخرى وهكذا يفعل بهم الكلف والمقت في سائر الأشياء وأنل لترى أثر هذا الأمر في تلاميذ المدارس فقد يقوى قصد أحدهم تارة فتشد رغبته ويكثر تحصيله وقد يضعف تارة فتضعف رغبته في الطلب ويقل تحصيله وقد نرى في الطلبة من رسخ في نفسه فضل العلم فذلك لا يعتريه في طلبه ملل ولا يأخذه ضجر ولا يستطيل زمأن التحصيل وإن طال ويحسب الكتب مغاوض اللؤلؤ ومعادن الذهب. الخلاصة قصارى القول أن من أراد حمل الناس على محمدة فلا مندوحة له أن يزرع في نفوسهم يزور الانتفاع بها واكتساب الفائدة بتحصيلها حتى إذا تمكن تصور ذلك في أذهانهم أقبلوا عليها إقبال الناس لهذا العهد على ما يحب من الأزياء وعلي سبيل الاستطراد أقول أن من أراد الاقتدار على الترغيب وبلوغ الأرب فليقف أثار مخترعي الأزياء فهؤلاء هم أئمته العظام وشراحه الكرام وكل ما كتب الخطباء من التنبيهات لا يعدل بجزء مما يجري على ألسنتهم أو يصور في دفاتر أزيائهم فهؤلاء قد عرفوا الطباع البشرية وخبروا الأهواء الإنسانية وقبضوا على مفاتيح القلوب وعرفوا طرق الوصول إلى امتلاكها فمثلهم مثل واعظ كلف أن ينهى النساء عن إتيأن المعابد بالزينة والروائح الطيبة فقال لقد شكا إلي واعظ البلدة انكن تأتين المعبد متطيبات وعلى رؤوسكن أنواع الزينة وأنه طال ما نهى عن ذلك فزادكن النهي تمادياً في الأمر فاجنبه أن لاحق لك في ذلك. فتعجب واستغرب وقال ما السبب قلت إلا أن الأدب يقضي على كل من تعلم أن رائحة فمها خبيثة أن تتعطر وتتزين حتى لا تؤذي جاراتها فما سمعت النساء هذا الكلام حتى صفقت كل واحدة تنزل ما على رأسها من أنواع الزينة حذر أن يظن أن رائحة فمها خبيثة ومن هجرن التزين والتخلق والتعطر واقتصرن على الذهاب إلى المعبد بالأثواب النظيفة فقط. فلو لم يكن هذا الواعظ فظنا ذا علم بما ركب في الطباع لذهب كلامه بلا فائدة كما ذهب كلام واعظ البلدة من قبل. الميكروب الميكروب أصغر ما خلق عالم الأحياء جرماً وجسماً وأعظمها قوة وفعلاً. كان أولا يعيش ويتنفس على سطح المعمور منسابا بين المخلوقات دأبه دأب كل حي من إيجاد القوت والمكافحة للحياة والبقاء. ذلك أنه لا يترك جامداً يحتوي على بعض ما يصلح لغذائه إلا ويحلله مبدلاً حاله تبديلاً أو يمحوه فيجعله أثراً بعد عين وليس في الأرض حي من حيوان ونبات إلا وهو يتصدى له منازعاً إياه قوته وحياته. على أنه في ذلك يخدم بأنواع منه الحيوان ويقوم بوظيفية عظيمة الخطر كتحويل المواد الجامدة إلى غذاء يعيش به وكإصلاح أنفس المأكولات والمشروبات للإنسان بواسطة الاختمار وبأنواع أخرى منه يكون مفسداً ومخرباً. فإن أكثر آفات الزروع وضربات الأشجار وأمراض الحيوانات والبشر يكون الميكروب مسببها والفاعل الوحيد فيها. فهو لنا في الحياة رقيق غير مفارق ومجاور جابر أو جائر. وعلى هذه السنة مرت السنون والأجيال والإنسان تناله من الميكروب الضربات والنكبات ويتجرع السموم بصبر جميل من دون أن تتجلى له يد الجائر بل لم يخطر له ببال أو خيال بأن هناك عدواً خفياً يحمل إلى داء دوياً. وذلك بالنظر إلى الحيوان والإنسان خاصة. إما إذا أمعنا النظر وسما بنا الفكر ونظرنا في وظيفة الميكروب على وجه البسيطة نظراً عاماً بعد أن نكون قد اختبرنا وتوغلنا في الأحاطة بمنافع كل من أنواعه واحدة فواحدة تحار عقولنا لا محالة من حكمة مبدع الكون الذي جعل أصغر مخلوقاته وأنحفها يقوم بأعظم لتغذية وظيفة وخدمة في العالم. وناهيك بتحول جثث الموتى مثلاً إلى تراب وهذا إلى ما يصلح لتغذية النباتات وغيرها وكذلك إصلاح مياه البحور والأنهر من ازدياد الأملاح والأوساخ فيها التي تنافي حينئذ وجود الأسماك والحياة مطلقاً يتوقف كله على الميكروب. فلولاه لما حصل التعديل والموازنة بين الجامد والحي وتعطلت بينهما الدورة فتعذر خلود بل وجود بل وجود عالم الأحياء. والميكروب في فعله ذلك إنما يسعى لنفسه وبطلب الغذاء لحفظ حياته وخلود نسله. آراء الأقدمين في تولد بعض الحيوانات من دون والد لم يعرف الميكروب أناس قلائل من القدماء عرفوه بالظن والحدس فكان يخبطون خبط عشواء في أمر تولد الذباب والحشرات والدقيق من كل حيوان ونبات. وما كأن ذلك عن في إدراكهم بل لأنهم لم يدخلوا المسألة من بابها ولقلة إطلاعهم فيها وقلة ما لديهم من الآلات والوسائط التي ساعدت المتأخرين على حلها. فيجدر بنا قبل أن نبحث عن هذه أن نذكر بعض آراء الأقدمين في تولد بعض الحيوانات والنباتات من دون والد. قيل أن أرسطو كتب في بعض ما دون كل جسم يابس ابتل وكل مبتل منه جف يولد الحيوانات الدقيقة. وينسبون إليه أيضاً الزعم بأن الديدان التي تظهر على بعض البقول في مزارعها لا تتكون إلا من تعفن الأقذار والأوساخ وتخمرها أعني السرجين الذي تصلح به الحقول والسماد الذي يخصب التربة. وكذلك تتكون البراغيث في التراب. وقرر الشاعر فرجيل بأنه قد يتولد النحل من أمعاء ثور جافة. وقال فلوطر خس بأن أرض مصر الكثيرة المستنقعات تتولد فيها الفيران والجرذان من دون والد. وفي القرن السابع عشر فإن هلمونتسا بأن الروائح الكريهة التي تنبعث من قعر المستنقعات تتولد منها الضفادع والبزاق والعلق وبعض الحشائش إلى غير ذلك من الحشرات والذباب التي فيها وكان على يقين في قوله فيزعم أنه إذا أخذ جرة وملأها قمحاً وسد فمها بخلق وسخ لم يمر على ذلك القمح أكثر من واحد وعشرين يوماً حتى بتحول إلى فيران. وهذه يكون منها ذكور وإناث تتزاوج وتتكأثر. ومن هذا القبيل كيفية تولد العقارب من الحبق فإن العالم المذكور كان يشير على أن من أراد التجربة أن يأخذ أجرة ينقر على إحدى جوانبها حفرة يملأ وها بمسحوق نبات الحبق ثم يأخذ أخرى يضمها إلى الثانية مغطياً بها حفرة الحبق فلا يلبث هذا مدة حتى يتحول إلى عقارب حقيقية. وقيل أن برز السماق يتحول إلى قراد الكلاب ودودة القز بزرها نباتي إلى غير ذلك من الآراء الواهية التي لم تبن على ملاحظات حقيقية. وهو مما يستغرب حقيقة من رجال كانوا أفراد زمانهم على حين هم من السذاجة والجهل على جانب ويتعرضون لحل أعظم المسائل الطبيعية كالتولد والحياة بنوع من القول لا يقبله العقل السليم. وكان ريدي الايطالي أول عالم فتح باب الملاحظة المدققة في مسألة تولد الديدان من والد وذلك سنة ١٦٣٨ فإنه قال بأن الدود الذي يشاهد في اللحوم الفاسدة بنسج رقيق يمنع عنه الذباب فلا يعود يتولد فيه البتة. نعم إن هذا الرأي صحيح ولكن ريدي المشار إليه لم يتمكن من إقناع جمهور العلماء ولم يظفر بشرف الاكتشاف. لأن الفضل ليس لمن عرف الحقيقة بل لمن اكتشف أحسن أسلوب وأعظم واسطة لإثباتها وإقناع العموم بها منطقياً حسياً فلم ينتج أدنى منفعة للعلم من هذا الاكتشاف ولم يتصد أو يتحزب له أحد بل دامت المجالات في مسألة التولد نحو مائتي سنة وهي في طور الحدس ولم يتقدم أكثر مما فعل ريدي. تغلب رأي التولد الطبيعي أو الحيوي عندما اخترعت النظارة المعروفة بالميكروسكوب أي نظارة الإجرام الدقيقة وسميت عندنا بالمجهر فتحت طريقاً جديدة للبحث في مسألة التولد المذكور وللحكم فيها حاسياً من بعد التحقق بالنظر بالعيأن فجرى التخالف والجدال بين القائلين بتولد الدقيق من الحيوان من دون والد أو طرائياًَ والذين لا يقبلون إلا بالتولد الحيوي الطبيعي مطلقاً فادتهم خاتمة كل بيضة من بيضة. فمن بعد اختراع المجهر طرحت المسألة هكذا: هل التولد الذاتي ممكن ومن أين تتولد الديدان والذباب وبقية الحشرات من الدقيق من الحيوان. فقال ندهام الإنكليزي: أن الرأي المشهور بأن الديدان حتى الفيران والعقارب وغيرها قابل للتولد من ذاتها طرائياً في المواد الآلية الخأمرة قد تبين غلطة واضمحل على أنه من انحلال تلك المواد وفسادها بتولد حقيقة ألوف من الحيوانات الدقيقة التي لا ترى إلا بالمجهر. فلا يقتضي أن ننكر أو نشك في هذه الحقيقة من أجل غلطنا وجهلنا في تلك. ثم قام بفون الشهير وتحزب لندهام المذكور وحامى عن آرائه فتغلب وقتئذ على الحيويين لأنه لم يكن بينهم كفوء لمقاومته. وفي سنة ١٨٢٨ اكتشف اهرنبرغ نوعاً من الحيوانات في الماء والتراب لا ترى إلا بالميكروسكوب ما سماه بالانفروار وهي خلايا متفردة ومنفردة عن بعضها كل منها قائم بذاته وله جميع الخواص الحيوية أعني الإغتذاء والنمو والتولد. ومن بعده بثمان سنوات سنة ١٨٣٧ أظهر شوان الألماني وكانيارد لاتور الفرنسوي كل من قبله ومن تعاط بينهما ولكن الأول أسبق - بأن الاختمار الذي يصل حيث توجد المواد الآلية هو فعل حيوي مختص بالخلايا أو الحيوانات الدقيقة لا يصل إلا بها ملازم لها ومتوقف عليها البسيطة التي الأوكسجين الذي يكون بمنزلة الغذاء للخلايا. فداع هذا الاكتشاف وصار قاعدة عليها بني رأي الحيويين فعلاً وطرحت القضية هكذا. هل أن الاختمار والتعفن وبعض الأمراض تفعلها الخملايا فعلاً حيوياً ناتجاً عن اغتذائها بشيء مما تتركب منه المواد القابلة للاختمار. فأثبت شوان أحد المكتشفين المذكورين بأن جميع المواد المختمرة لا تخلو أبداً من الإجرام والخلايا الحية. ولدى الأمتحان صادق عليه أكثر العلماء. وأما المعارضون فإنهم لما يرون سبيلاً إلى انكسار الواقع سلموا بالقضية ولكنهم حأولوا وجود اختمار من دون الخلايا عندما زاحمتهم النتيجة كما سنبينه. دمشق سليمان غزالة علو الهمة أبى الله أن يسوم إلى قنن المجد ويعطى زمام الفخر إلا فتى الجد فتى لا يبالي بالنوائب والنوى ولو طوحته في حزون من الجهد فتى أن يكن بالشرق أمسى مقامه وفي الغرب مقباس بغاه على البعد وأطلق للشوق العنأن فأوجفت صوافنه في السهل والغور والنجد تجوب الفيافي معنقات كانها قطار بخار هاج من سورة الحقد فسار يباري الريح يبغي عدوه وفي قلبه نار الضغينة في وقد فلما رأى عجز الجياد وهاجه لواعج في الأحشاء من قبس الوجد دعا قائد الشمس اتئد وأروم زورقاً إلي فآتيها ورهطي أو وحدي فهذى الجياد الصافنات أكلها سراها على الآكام والحزن والوهد لعلي أقضي ما أورم من المني فارجع كالسيف الجزار إلى التغمد كذا فليكن هم الرجال وحزمهم وإلا فموت أو رجوع إلى المهد فليس ينال المجد إلا بهمة أشد مضاء من شبا الصارم الهندي ومن لم يرو النفس من آجن المنى ويقذف بها في هوة الجهد والكد فما هو يوماً للمعالي بصاحب ولا مالكاً ماما عاش ناصية المجد ولا نائلاً من دهره ما يرومه ولا لحياض المكرمات بذي ورد وما المجد إلا همة إن تمثلت تزلزلت الأفلاك منثوة العقد فلا أن تبغ أن ترقى إلى ذروة العلى ولم تركب الأهوال نصاً على وخد فترجع عنها كاسف البال مخفقاً تمر بك الأطيار تحسناً بلا سعد وهل يخطب الحسناء من ليس قادراً على مهرها ما ذاك من عادة الجعد فمن شاء أن يولى السعادة فلتكن له الهمة القعساء رائدة القصد ويتخذ التقوى شعاراً ومذهباً إلى مورد الرضوان والمسرح الرعد فمن يجعل التقوى صوى لفعاله فما يوماً بالمزيغ عن الرشد ومن عدم التقوى أناحت بصدره كوارث أشجان من الصلد وليس التقى ثوباً تقادم عهده وما لبسه زاهدا يعد من الزهد ولا أن يرى بين المصلين ساجداً ومذهبه إلا ضرار دأب الفتى الوغد ولكنما التقوى فؤاد مطهر سليم من الآفات أشهى من الزند به قد رعى سرح الوئام وبددت كتائبه سرح الشقاق هن الورد فإن رمت أن تحيى برغد من المنى بدنياك والأخرى مطيراً من الرفد فجد لخير وأجهد النفس حقبة من الدهر تبلغ منتهى شعف الحمد بيروت صطفى سليم الغلاني اليونان معربة من كتاب تاريخ الحضارة العناصر اليونانية صورة هذه البلاد - أرض يونان من الأقاليم الضيقة (هي ٥٧٠٠٠ كيلو متر مربع) لا تكاد مساحتها تزيد عن مساحة سويسرا ولكنها بما فيها من اختلاف الأهوية وما يتخللها من الجبال ويتقسمها من الخلجان أقليم غريب في شكله خلق ليؤثر تأثيراً كبيراً في أخلاق ساكنيه. وتقطع أرض اليونان من وسطها سلسلة من الجبال (البند) فيناوح الجبل فيها جبلا مثله ويقوم الصخر إلى جانب الصخر حتى يعلو عن سطح البحر ستمائة متر كانه حصن أحاطت به سلاسل عالية وعرة مثلجة تنزل في البحر على خط قائم وتمتد الجزر على طول الشاطئ وما هي إلا جبال مغمورة يمر رأسها فوق الماء. وتقل في الأرض ذات الوهاد والنجاد التربة الزراعية وتكاد لا ترى حيثما ألقيت ناظرك غير صخور جرداء مرداء أما الأنهار فتشبه سيولاً ليس فيها غير طريدة ضيقة من التربة المنبتة بين مجراها ونصفه جاف وبين صخور الجبال الجرداء. وكان في هذه البلاد الجميلة بعض غابات وأشجار سرو وغار ونخيل وكروم غرست في مواضع من التلال ولكن قلما أتت بغلات جيدة أو بمراعي خصبة. فبلاد هذا شأن طبيعتها ينشأ أبناؤها ممشوقة قدودهم قوية أجسادهم قانعة نفوسهم. البحر - تعد بلاد يونان من البلاد الساحلية وهي أصغر من إلبرتغال وشواطئها تكاد تقرب من شواطئ اسبانيا بكثرتها ينساب فيها البحر من عدة خلجان ووقائع وتخاريم. ومن العادة أن يحيط باليم صخور تتقدم أو جزر تتقارب يتألف مرفأ طبيعي وهذا البحر أشبه ببحر لا مد فيها ولا جزر ولذلك سلمت شواطئه من الضرر وليس لونه كالبحر المحيط أبيض كامداً كثيباً وهو في العادة هادئ صاف ولونه كالبنفسج كما يقول هوميروس ولا أكثر استعداداً من البحر للسفر فيه سفراً قصيراً. ولقد نهب ريح الشمال صبيحة كل يوم فتسير بها قوارب مدينة أثينة نحو آسيا الصغرى قائمة مثل صخور الكمين وإذا صحت السماء تقطع السفينة المسافة وهي بقربة من اليابسة تراها كل حين. ولذلك كان لسكأن هذه البلاد من سكون بحرهم ومتشردين على نحو ما كان الفينيقيون فإنتشروا في العالم القديم أجمع وجلبوا إلى بلادهم سلع مصر وبلاد الكلدان وآسيا واختراعاتها. هواؤها - لطف هواء بلاد اليونان حتى أن الجليد في أثينة لا يحدث إلا في كل عشرين سنة والحر معتدل في الصيف بما يهب عليها نسيم البحر وإلى اليوم لا يزال الشعب فيها ينام في الطرقات منذ شهر مايوأيارإلى أواخر سبتمبر أيلول والهواء فاتر جاف وكان يرى على بضعة فراسخ في القلعة المطلة على أثينة ريش تمثال بالاس وليست دوائر الجبال القاصية مستورة بالضباب كما هو الحال عندنا معاشر الفرنسيس بل أنها تنحل بأسرها في السماء الصافية. هذه البلاد بجمالها تدفع المرء أن يتخذ الحياة عيداً فيرى كل شيء يبسم حوإليه فمن نزهة في الحدائق بالليل واستماع أصوات الصراصير ومن الجلوس في ضوء القمر والضرب بالشباب وقصد الجبال للشرب من مائها واستصحاب أنراح وشربه على النغمات والأغاني وقضاء الأيام في الأيام في الرقص هذه هي ملاذ اليونان وما هي إلا ملاذ جيل من الناس فقير مقتصد فتي لا يعرف الهرم أبداً. بساطة العيشة اليونانية - لا يتعب المرء من حرارة هذه البلاد ولا يشقى ببردها بل يعيش في الهواء الطلق مسروراً قليل النفقة ولا تقتضيه البلاد غذاء غريزاً ولا ثياباً ثقيلة ولا داراً مرفهة. فقد كان اليوناني بتبلغ بحفنة من الزيتون وسمك السردين ويلبس نعلاً وقميصاً ورداء كبيراً. وكثيراً ما يخرج حافياً مكشوف الرأس وداره بناية منيعة ليست من المتانة بحيث يدفع اللصوص عن دخولها بثقب حائطها ولا له الأثاث غير وبعض لحف وبضع أوان جميلة ومصباح وكأنت الجدران خالية من الزينة مبيضة بالجيرالكلس ولا يأوي إلى الدار إلا آونة النوم فقط. بلاد اليونأن الأصلية أصل اليونان - كان أصل الشعب الساكن في هذه البلاد الجميلة الضيقة النطاق من الجنس الآري أنسباء الهنود والفرس جاؤا مثلهم من أجيال آسيا. ولقد نسي اليونان تطواف أجدادهم الطويل فكانوا يقولون أنهم ولدوا من التراب كالصراصير. بيد أن لغتهم وأسماء أربابهم لم تترك مجالاً للشك في أصلهم. وكلن اليونأن الأول كسائر الآريين يقتاتون باللبن ولحوم القطعان ويسيرون مدججين بأسلحتهم وهم أبداً على قدم القتال ينضمون قبائل وفصائل تحت أمرة بطاركتهم. أساطير - جهل اليونان أصولهم كسائر الشعوب القديمة فلم يكن لهم علم بمنشأ أسلافهم ولا بالزمن الذي توطنوا فيه أرض يونان ولا بشيء من أخبارهم وأعمالهم فيها. وإن حفظ ذكر الحادثات الطارئة كما وقعت ليتوقف على أعداد الأسباب لها ومن أسبابها الكتابة. غير أن اليونأن لم يعرفوها إلا حوالي القرن الثامن (ق. م) ولم يكن لهم واسطة لحساب السنين ثم اتخذوا بعد طريقة حساب السنين اعتباراً من المهرجأن العظيم الذي كانوا يختلفون به في أولمبياد كل أربع سنين وتدعى هذه المدة الفترة الأولمبية وقد وضعت الأولمبية الأولى عام ٧٧٦ فتسلسل تاريخ اليونان منذ ذاك الحين ولم يتصل بما وراء ذلك. ومع هذا فقد نقلت أساطير كثيرة عن هذه المدة الأولى في البلاد اليونانية وخصوصاً قصص قدماء الملوك والأبطال الذين كانوا يعبدونهم كانهم نصف أرباب وهذه الأقاصيص مشوبة بحكايات يتعذر الإلمام بما فيها من حق وصدق فقد ذكروا في أثينة أن الملك الأول المدعو سكر وبس كان نصفه ملكاً ونصفه حية وذكروا في ثيبة أن كاد موس مؤسس المدينة جاء من فينيقية للبحث عن أخت أوروبا التي خطفها ثور وكان قبل تنيناً وزرع أضراسه فنبت منها مقاتلة ومنهم تناسلت الأسرات الشريفة في ثيبة وزعموا في مدينة أرغوس أنه أصل الأسرة المالكة من بيلوبس وكان أعطاها المعبود زيوس كتفاً من العاج للاستعاضة عن كتفه التي أكلتها إحدى الأرباب. وهكذا كان لكل بلد أساطير يتلونها ويتنأقلونها وظل أبناء يونان يذكرونها إلى ما بعد ويثبتون لأبطألهم القدماء نصيباً من روح الربوبية مثل أبطألهم برسي وبيليروفون وهيراكليس وتيزي ومينوس وكاستورس وبول وكسي وميلميا كرس وأد نيس ومعظم اليونانيين بل أن الطبقة المنؤرة منهم اتخذوا هذه التقاليد حقائق لا نزاع فيها إلا قليلاً. تلقوها على نحو ما تؤخذ الحادثات التاريخية أخبار الحرب بين ابني أديبس ملك ثيبة وحملة الأرغون وت التي سافرت في طلب جزه الكبش التي قام بحراثتها ثورأن لهما أرجل من قلز تقذف النار من أفواهها. حرب طروادة - أشهر هذه الأقاصيص كلها حروب طروادة وهي أوسعها بياناً وتفصيلا فيرون إنه كان نحو القرن الثاني عشر مدينة غنية ذات سطوة اسمها طروادة وكأنت الحاكمة المتحكمة على شاطئ القارة الآسيوية فجاء أحد أمراء هذه المدينة واسمه باريس إلى أرض يونان وسبى هيلانة حليلة منيلاس ملك إسبارطة فاتفق اغاممنون ملك أرغوس مع سائر ملوك وأنقذوا لحصار طروادة جيشاً يونانياً على أسطول مؤلف من ألف ومائتي سفينة فدام الحصار عشر سنين إذا كان الرب زيوس راضياً عن الطرواديين عاقداً النصر بألويتهم. ولقد اشترك مقاتلة اليونان كافة في هذا الحصار فقتل هكتور رئيس المدافعين عن حياض طروادة بيد أشيل وكان أجمل اليونانيين خلقة وأشجعهم نفساً وجر جثته حول المدينة. قاتل أشيل بسلاح ألهي وهبته إياه أمه ربة البحر ثم هلك بسهم أصابه في عقبه. حتى إذا يئس اليونان من الاستيلاء على المدينة بالقوة عمدوا إلى الحيلة فأهموا أنهم أزمعوا أنهم الرحيل وتركوا ورائهم حصاناً من خشب اختبأ فيه الجيش فأخذوا الطرواديون هذا الحصان وأدخلوه مدينتهم فلما جن الليل خرج القواد منه وفتحوا أبواب المدينة لليونأن فحرقت طروادة هذا الحصان وأدخلوه مدينتهم فلما جن الليل خرج القواد منه وفتحوا أبواب المدينة لليونأن فحرقت طروادة وذبح الرجال واستبعد النساء. ولما قفل زعماء اليونان من غزاتهم هبت عليهم العاصفة فغرق بعضهم في البحر وقذفت الأنواء بفريق منهم إلى شواطئ بعيدة وكان من حظ عولس أكثر هؤلاء الزعماء جربزة ودهاء وأطولهم يداً في كيد المكايد أن قضى عشر سنين تتقاذف به البلاد حتى أدت به الحال أن فقد سفنه جمعاء ونجا من العراق برأسه. وبعد فقد كان الاعتقاد بحرب طروادة شائعاً في القرون القديمة شيوع الأخبار الثابتة. فزعم القوم أن غاية الحصار كانت سنة ١١٨٤ وحددوا مركز المدينة. وقد خطر للمسيو شيلمان من علماء الأثار سنة ١٨٧٤ أن يحفر محل هذه المدينة فاقتضى له أن يزيل أنقاض عدة مدائن منضدة بعضها فوق بعض فعثر على عمق خمسة عشر متراً في أعماق طبقة من تلك الأنقاض على أثار مدينة حصينة استحالت رماداً وظفر في خرائب أهم تلك من تلك البنية بصندوق ملئ بالحلي من ذهب سماه كنز بريام. وكان ثمة نقش وكانت تلك المدينة التي ظهر سورها كله صغيرة وحقيرة وعثروا فيها على كثير من الأصنام الصغيرة الرديئة الصنع والوضع وهي تمثل ربة لها رأس بومة (وعلى هذه الصورة كان اليونان يمثلون الربة بالأس) ومع كل هذا ثمة دليل يقوم على أن هذه المدينة الصغيرة دعيت باسم طروادة قديما. ميسينيا - ورد في الأساطير اليونانية أن تملك اغاممنون الذي كان قائد الحملة اليونانية على مدينة طروادة كانت عاصمته مدينة طروادة وأن زوجته قتلته عند عودته من هذه الغزاة بالقرب من قصره. ولقد عرف اليونان مكان ميسينيا لأنها كانت مأهولة إلى القرن الخامس قبل المسيح ولا يزال إلى اليوم حول الجبل سور من الصخور الضخمة مصفوفة بعضها فوق بعض بدون ملاط يلحم بين أجزائها وتحتها خمسة أمتار وكان اليونان يدعون هذا السور الحيطأن السيكلونية اعتقاداً منهم بأن الجبابرة سيكلون قد أقاموا بنيانها ورفعوا قواعدها. ويدخل إلى هذا السور باب علوه زهاء ثلاثة أمتار مؤلف من ثلاثة صخور هائلة وفوقها عمود بين أسدين منقوشين وهذا هو باب الأسود. ولما اكتشف شيلمأن سنة ١٨٧٦ مدينة طروادة عزم أن يبحث عن قبر اغاممنون في ميسينيا وكان الحفر قد جرى فيها غير بعيد عن سطح الأرض فحفر شيلمأن في التراب حتى وصل إلى الصخر فلما كان على عشرة أمتار من العمق عثر على ستة قبور فيها سبع عشرة جثة مع كمية كبيرة من الحلي الذهبية وأساور وعقود ودبأبيس وتيجان وسبعمائة سفيقة ورقة ذهب وزهاء مائتي سيف وخنجر مع نضال مموهة بالذهب والفضة. وكان على وجوه بعض الجثث برقع من السفيقة وكانت هذه القبور على ما ظهر مدافن أمراء ميسينيا. ومنذ ذاك العهد اكتشف الباحثون في كثير من أنحاء اليونان أشياء كثيرة ومنها أواني خزفية وحلي تشبه خزف ميسينيا وحليها وقد عثر في بعض الأحيان بين هذه الدفائن على حلي مصرية من عهد الدولة التاسعة عشر فاستنتجوا من ذلك بإنه كان في يونان منذ الزمن العريق في القدم (بين القرن الثامن عشر والخامس عشر ق. م) ملوك أصحاب شوكة ويستصنعوا الأثار النفيسة وهذا ما دعي بالتمدن الميسيني. أشعار هوميروس - أن القصيدتين المنسوبتين للشاعر هوميروس وهما الإلياذة التي ذكرت فيها حروب اليونان ورجولية أشبيل أمام طروادة والأوذيسية التي جاءت فيها حوادث عولس بعد سقوط طروادة. هاتأن القصيدتان هما اللتان إذاعتا في أطراف العالم أجمع سقوط مدينة طروادة. وقد حفظتا قروناً دون أن يكتبا فكان المغنون الذين ألفوا الترحل يستظهرون أبياتاً طويلة منهما وينشدونها في الأعياد. وفي القرن السادس أمر أحد أمراء أثينة واسمه بيزيستران أن تجمع القصيدتان وتكتبا فأصبحتا بعد وما زالتا أبداً أجمل الآداب اليونانية المعجبة المطربة. يقول اليونان أن مؤلفهما هوميروس كان أحد أبناء يونان من مدينة أيونية وعاش نحو القرن التاسع أو العاشر ويمثلونه على صفة شيخ ضرير فقير يهبط أرضاً ويصعد أرضاً وتنازعت سبع مدن شرف نسبته إليها تدعى كل منها أنها مسقط رأسه وقد وقع التسليم بذلك تقليداً بدون مناقشة فيه. وفي أواخر القرن الثامن عشر قام أحد علماء الألمان واسمه فولف وأبان بعض تناقض في هاتين القصيدتين أداه أن يجزم بإنهما ليستا من نظم شاعر واحد ولكنهما كتاب مؤلف من مقاطيع لشعراء مختلفين وقد حمل أهل العلم على هذه القضية حملات وهم بين مثبت لها ومنكر لها تماماً وظلوا مدة نصف قرن يتنازعون في وجود هوميروس أو عدمه وما زال فريق أهل العلم إلى اليوم على أن المسألة متعذر حلها. ومن المؤكد أن هذه القصائد قديمة العهد جداً وربما كانت من القرن التاسع. ألفت الإلياذة في آسيا الصغرى وربما تألفت من مجموع قصيدتين خصت أحدهما بحروب الطروادة وثانيتهما بحوادث أشيل أما الإذويسية فإنها على مجموع الإلياذة بعينه. اليونان على عهد هوميروس - يتعذر علينا أن نوغل في نوغل في تاريخ اليونأن إلى قرون بعيدة. وأشعار هوميروس أقدم مستند بشأنهم. ولما نظم الشاعر منظومته نحو القرن التاسع قبل المسيح لم يكن لبلاد اليونان إذ ذاك اسم يطلق على سكان اليونانية قاطبة فسمأهم هوميروس باسم قبائلهم الأصلية ويظهر أنهم كما وصفهم قد نجحوا منذ غادروا إلى آسيا فعرفوا حرث الأرض وبناء المدن الحصينة وتألفوا شعوباً صغيرة. وأطاعوا ملوكاً لهم وكان لهم مجلس شيوخ ودار ندوة وقد فاخر اليونان بحكومتهم واحتقروا الشعوب النازلة بقربهم لأنهم كانوا دونهم فدعوهم البرابرة. ولقد صرخ عولس بخشونة السيكوليس بقوله: (ليس لهم قواعد في العدل ولا أندية يتشاورون فيها وأفرادهم يحكمون نساءهم وأولادهم بالذات ولم يعرفوا الكتابة ولا النقود ولا تطريق الحديد وقلما كانوا يجرؤون على ركوب البحر وتجشم أخطاره ويزعمون أن الغول سكن جزيرة صقيلة. المترجمات وحكم المترجم فيها يتوقف النقل من لغة عربية شرقية على أمور منها أحاطة المترجم بالموضوع أحاطة تامة ومنها تمكنه من اللغتين التي يترجم إليهما أكثر من اللغة التي ينقل عنها وقد جرت العادة النقلة والمترجمتين في هذا اللسان قديماً وحديثاً أن ينقلوا بالمعاني كما ينقلون بالألفاظ والنقل بالمعنى أعذب وأسلس لأن المترجم ينشئ جملة على مناحيه ويؤلف كلامه بحسب تسلسل أفكاره والترجمة باللفظ أي نقل كل كلمة بما يرادفها في اللغة المنقول إليها هي من أشق الأعمال وقلما يجيد فيها إلا أفراد. ولذلك رأينا أكثر النأقلين يختارون طريقة النقل بالمعنى ولكن المرء يضطر في بعض الموضوعات إلى النقل بالحرف الواحد خصوصاً إذا كان المنقول عنه عالما كبيراً أو صاحب رأي ونحلة يحب النأقل أن يطلع من ينقل إليهم على فكر المنقول عنه على علاته بدون زيادة أو نقصان منه مخافة أن يصدق عليه المثل الطلياني القائل (المترجم خائن) وأي خيانة أكبر من نقل أقوال صاحب نزعة أو مذهب محرفة مهزعة وأن ينسب إليه ما لم يقله أو ينقص من أقواله ما له بذكره مأرب وربما لا تتشدد مرامي كلامه إلا بتلك الجمل أو المعاني التي لا يحفل المترجم بنقلها ولا يتعنى تصويرها من أجل هذا ترى أهل الأمانة من المعانين لصناعة القلم قد يحتفظون بما يكتب غيرهم وينقلونه لمجرد الإطلاع ولو أدى بهم إلى الخروج عن سنن البلاغة وخالف ما في اعتقادهم فكل ما يأتي به المترجم والحالة هذه لا يورده وهو مؤول عن مكانه من الصحة. ولو قصد النأقل ولاسيما في الصحف الدورية العلمية أو اليومية السياسية أن يعلق على كل فكر ينقله عن غيره أو يحذف كل جملة لا توأفق ما وقع في نفسه لضاع الغرض المقصود والوقت الثمين. وإذا فعل فيكون كمن حاول أن يحيل كل فكر إلى فكره وأن يبعث بأكثر المقاصد ينسخها على طريقته ويقضي على القارئ إذ ذاك أن يسمع نغمة واحدة تملها أذنه مهما كانت جيدة التوقع والتلحين ومن ثم ترجمت إلى العربية في زمن الخلفاء الذين كان لهم ولوع بالعلوم مؤلفات كثيرة كان الغرض من نقلها مجرد معرفة آراء أربابها ككتب النحل والملل والسحر والطلاسم فإن هذا مما لا يقول به أحد من أهل العلم. ولقد رأينا كثيراً من فحول العلماء ألفوا في الملل والنحل وذكروا رأي كل فريق مشفوعاً بأدلته ولم يتصدوا لنقد ذلك مع مباينتهم له اعتماداً على أن لرد تلك الشبه كتباً خاصة يرجع إليها من يعنى بذلك. سير العلم تربية الازدهار كان اختراع أحد الباحثين في كوبنهاغ طريقة لتربية الأزهار بواسطة المواد المخدرة فتنأول اختراعه هذا جماعة من أرباب الزراعة في فرنسا وأكملوه وطريقتهم أن توضع النباتات وهي جافة على طبقة من الرمل الناشف في صندوق يمكن إغلاقه إغلاقاً محكماً وعلق على غشاء الصندوق يلقي فيه الأثير من ثقب ليسد بسرعة وكلما تبخر الأثير ينزل إلى أسفل الصندوق ويغشي النباتات الموجودة فيه وبعد ٤٨ ساعة ترفع النباتات وتجعل في بيت آخر في هواء بليل وتربى كالعادة فتزهر أكمامها وأزهارها بسرعة أكثر من سرعة النبات التي لا تربى على هذه الصفة يزهر ويورق في ثلاثة عشر يوماً على حين يقتضي لزرعه المعتاد سبعون يوماً ولا يأتي مثله وهكذا قل في سائر الأزهار. إعارة الكتب منذ سبع سنين أنشأ جماعة من الألمان في برلين خزانة كتب وغرفة للقراءة وهي تعير ليأخذوها إلى بيته ومحل عمله فكان مجموع ما أعارته في السنة الماضية ثمانين ألف مجلد استعاراً أكثرها الرجال وكان عدد القارئات واحدة في كل خمسة وعشرين مستعيراً ونصف أرباب الاستعارة عملة وربعهم من المستخدمين على اختلاف الطبقات وثلثا الكتب المعارة أدبية ونحو ربعها علمية ولم يفقد من هذه الكتب سوى تسعة. قالت المجلة الإفرنسية ومن الغريب أن هذه المكتبة تستجلب ٥٢٩ جريدة ومجلة لفائدة قرائها على أنك لا نرى في مكتبة الأمة بباريز سوى خمسين من نوعها. الطالبات في إنكلترا أنشئت سنة ١٨٦٨ في كلية كمبردج في إنكلترا مجالس يجتمع فيها النساء خاصة ليستمعن ما يلقي فيها من أصناف العلوم إذ تكأثر عدد المستمعات قضت الحال بأن ينشأ لهن بيوت يأوون إليها وكان حضورهن أولاً على سبل التسلية والشغف فأصبحن الآن كالرجال يتعلمن ويزاحمنهم في الحضور إلى تلك المدارس وصفوفها ويشتغلن في مكتبها التي فيها أربعمائة ألف مجلد وهي ثالث مكتبة في إنكلترا بضخامتها وأصبح القسم الخاص بهن من هذه الكلية الآن ينقسم إلى ثلاث جمعيات الأولى دينية والثانية أدبية والثالثة سياسية وأعضاؤها من البنات وقد وصفت إحدى المجلات صورة اجتماعهن ومناقشاتهن وما يصرفن فيه من مفيد الأعمال كالرقص والسباق والألعاب المحللة وتمرين بعضهن على استعمال مضخات الحريق الحين تلو الآخر حتى إذا كبرن وصرن ربات بيوت وحدث أن همت النار لهن يستطعن إطفاء الحريق من أيسر السبل. الصحة في يابان قال رئيس أطباء الجيش الياباني في تقرير له أن يابان بلغت أرقى درجات التقدم فإن ثمانمائة ألف جندي الذين عادوا مؤخراً إلى بلادهم من ديار الحرب قد جرى على تطهيرهم على الأصول الصحية فكان الجندي ينزع ثيابه كلها ويضعها في كيس ويستحم في خأبية مملوءة بالماء الحار ثم يلبس قميصاً ويمشي قليلا في الشمس ريثما تدخل ألبسته في المستحم الخاص بها وكذلك تطهر أسلحته بأمرار بخار فور مول عليها وقد طهرت حتى الخواتم التي يلبسها الجنود وأعطوا أوراقاً مالية جديدة بدل الأوراق التي كانوا يقبضونها زمن الحرب مشاهرات لهم. وقد دامت هذه العملية ٧٥ دقيقة لكل جندي وبهذا لم يجلب الجيش الياباني معه إلى بلاده أمراضاً وبيلة وأوبئة قاشرة كان يأتي بها الجنود معهم من ديار الحرب أيام كأنت الأمم لا تعتقد بالجراثيم والنسم. حياة العميأن الطبيعية ألف أحد العلماء براغ كتابا درس فيه أحوال العميان وحواسهم فقال أن حاستي اللمس والسمع تفيدان العميأن فائدة كلية لا كما يظن على وجه عام وليس ذلك لأن هاتين الحاستين قويتأن فيهما بل لأنهم يحسنون استعمالها والانتفاع بهما وحاسة الشم تهديهم لأمور لايهتدون إليها باللمس أما حاسة الذوق فيهم فلا تختلف عما هي عليه عند المبصرين وللأعمى حاسة سادسة وهي شعوره بالمصاعب والحوائل وهي حاسة مؤلفة من السمع واللمس وهو ذو ذاكرة قوية لأنه يقضى عليه أن يمرن نفسه منذ صغره على حفظ ما ينقل إليه يستظهر ما يسمعه في ليله ونهاره وهذا التمرين الدائم لذاكرته يمكنه من إتقأن الموسيقى. وقد ترى ذاكرته في الغالب من أعجب الذاكرات في البشر. الصدأ تبين من الكشف الأخير أن الصدأ يفعل فعلاً شديداً لم يكن من قبل معهوداً ففي إنكلترا يخرب في اليوم ثمانية عشر طناً على طول خط حديدي واحد وفي أميركا يأتي بضرر أكثر من ذلك على السكك وقد كانوا يعالجون الصدأ بطلاء الحديد ولكن الباحثين الآن بحثوا في طريقة تقي الحديد من الصدأ فلا تفعل فيه المياه ولا غيرها من الرطوبات وقد وقفوا إلى إتقانها. الصلع اختلفت الآراء في الصلع فقال بعضهم بأنه حلمة طفيلية معدية وقال غيرهم أنه نتيجة بعض أمراض وأوجاع وارتأى آخرون بأنه نتيجة السهر في إجهاد العقل بأمور صعبة وعاقبة من عواقب الهموم والاضطرابات. وقد تبين لأحد أساتذة مدرسة الطب في دتروا من ولاية ميشيغأن الأميركية بأن الصلع يحدث من فساد استنشاق الهواء ولا يمكن التخلص منه إلا بإحسان استنشاق الهواء الجيد فإن الهواء الفاسد في الرئتين إذا لم يستنشق كما ينبغي يسري كما يسري السم في الدم ولا تكون تغذية بصلات الشعر إلا قليلة أو فاسدة. وقد جرب الدكتور المشار إليه هذه القضية في ألوف من الأشخاص فثبت له رأيه بالاختبار وقد جرب أن ينشق هواء نقياً لجماعة من الصلع أو المعترضين له فبعد أسبوع من استنشاقهم له من أعلى الصدر نشطت بصلات الشعر وأخذت في النمو ولم تأت على هذه العملية عشرة أسأبيع حتى صارت لهم شعور أثيثة. قالت المجلة التي نقلت هذا الخبر أنه انشق الكلاب والدجاج والحمام هواء فاسد ففقدت ريشها وشعرها. أندية الإنكليز زار أحد المفكرين أندية لندن فكتب عنها مقالة إضافية في إحدى مجلاتها كانت في الحقيقة وصف الحياة الإنكليزية واختلاف تغييراتها المتتابعة فمما قاله: الأندية مرآة صادقة تقرأ فيها عنوان القلب والإبدال الذي طرأ على الهيئة الاجتماعية والأخلاق على توالي القرون ولطالما مرت فيها أجيال من الناس ذكروها فذكرتهم وأقدم أندية لندرا النادي البحري الملوكي أسر سنة ١٦٧٤ وأنشئ غيره في النصف الأول من القرن السادس عشر وأسس نادي طرف الغار سنة ١٨٠٥ إلى غير ذلك من الأندية التي كان ولا يزال يختلف إلها العالم والمفكر والموظف والسياسي والبحري وأهل جميع الطبقات. بلاد الزنج كتب المسيولوسين بوفا في مجلة العالم الإسلامي بحثاً وصف فيه سكان البلاد الساحلية من أفريقية ولغتهم وعاداتهم وذكر لمعة من تاريخهم وجغرافيتهم فمما قاله أن الشاطئ الشرقي من أفريقية كان معروفاً عند الملاحيين الفنييقين واليونانيين في البحر الأحمر وأن قد كانت له صلات تجارية مع الخليج الفارسي وعمان والشاطئ الغربي من الهند قبل الهجرة بزمان وقد ذكر بطليموس الجغرافي في القرن الثاني للميلاد جزءا من البلاد في جنوبي الحبشة سماه زانجير ثم دعي الزنوج النازحون منها بالزنج وهم يختلفون عن بقية الشعوب الأفريقية كالنوبيين والحبش بشفاههم المقلصة وأفواههم المفلطحة ثم كثر ذكرهم في تاريخ الإسلام في القرن الثاني بعد أن انتشر الإسلام بينهم ولم تكن العلائق بين بلاد الزنج والممالك الإسلامية مقصورة على جلب الرقيق منها بل إنه كان من تأثيرها دخول الإسلام إليهم ولم يكن انتحال العرب للإسلام ليغير شيئاً من نوع الصلات التجارية التي كانت بينهم وبين الزنج فبل البعثة المحمدية فدخل الإسلام إليهم على يد حمزة أخي الخليفة عبد الملك سنة ٨٦ واستنتج الكاتب بأن عمان والخليج الفارسي كان لهما شأن عظيم في الاستعمار الإسلامي منذ القديم قال وقد تعاقبت الأسماء الكثيرة على هذه البلاد ومنذ عهد ابن بطوطة أخذ يزول عنها اسم بلاد الزنج ففي شمإليها شاطئ الصومال ثم السواحل وتعاقب الحكم عليها الترك فإلبرتغال فجماعة من أهلها مثل سلاطين مسقط وزنجبار وسنة ١٨٩٠ تقاسمت كل من إنكلترا وألمانيا هذه البلاد فأخذت الأولى الساحل الشمالي والثانية الجنوبي فصارت زنجبار والجزائر الملاصقة لها في منطقة نفوذ إنكلترا. ويقدر نفوس هذه البلاد بزهاء مليون وخمسمائة ألف نسمة منهم مليون وأربعمائة ألف من الوثنيين والباقون عرب وإيرانيون وزنوج وأوربيون وقد أصبحت اللغة العربية والفارسية وبعض الألفاظ الإفرنجية وأصل لغتهم لغة البانتو وقد أرجعها الباحثون في اللغات إلى تقاسيم كثيرة فقالوا أنها ١٦٨ لغة و ٥٥ لهجة واللغة الساحلية مستعملة بين المسلمين خاصة بحيث أصبحت لغة التجارة في أفريقية الشرقية والوسطى. وختم هذا الفصل بقوله أن جوهانستون قال منذ عشر سنين أن اللغة العربية تضمحل في داخلية بلاد الزنج من زامبير إلى النيل الأبيض وأن اللغة الساحلية تقوم مقامها ولاسيما البادية منها. مداواة المسلولين في إحدى مجلات كوبنهاغ بحث في معاملة ألمانيا والدينمارك للمسلولين قال كاتبه أن الألمان في مقدمة الأمم التي أشأت المستشفيات الكثيرة لمحاربة هذا الداء وتليها الدينمارك. ويقيم المسلولين في المصاح بالدينمارك. من عشر شهراً أما في ألمانيا فيقيمون ثلاثة أشهر ولكن المصأبين بهذا الداء في الدينمارك يشتغلون في المصاح أو المستشفيات أشغالا يستطيعونها وتدفع الحكومة تلك البلاد ثلاثة أرباع النفقات التي تنفقها هذه المستشفيات والربع الآخر تدفعه العمالات والولايات. علم الجراثيم كان من نتيجة البحث عن الجراثيم في الممالك الغربية أن أحدث فيها خوفاً من عاديتها على اختلاف أنواعها وسرى من ذلك إلى بلاد الشرق عدوى التخوف كما هو الأن في الغرب. وما يرح الأطباء يحذرون الناس من أخطار الميكروب على اختلاف أنواعه والحق معهم في ذلك فمن الضرورة تحذير الخلق من الأخطار التي تلحقهم من قلة العناية الصحية فإذا انتشر مرض الجدري لا بد للطبيب من أن ينصح بإعادة التلقيح ولكن ينبغي أن يلاحظ أن المسافة تختلف بين ما يقال له احتياط وبين ما يقال له خوف فالاعتدال مطلوب على كل حال وإنا لنرى أرباب المزاج العصبي يعيشون الأن في هلع دائم على حين كان الواجب عليهم أن يكتفوا بالحذر والاحتياط فبعضهم يقول ابتعدوا عن التقبيل وعقموا اللبن وغيره من المشروبات مخافة أن ينقل جراثيم السل إلى متنأولها وأن يبتعد المرء في مصافحة غيره لئلا يأخذ الجراثيم التي تكون نازلة على الجلد ويوصون أن لا ينزل المرء في سياحته في إحدى الفنادق لئلا يأخذ جراثيم مرض ينتقل إليه بواسطة الفراش واللحاف وعلى من اضطر أن يركب القطار أن لا يمس المخدات والمتكآت والستائر. وقد كثر التخوف من الميكروب حتى قام أحدهم في نيويورك واخترع آلة صغيرة وهي عبارة عن أنبوب صغير يحمله المرء تحت طرف ثيابه ويملأه بسائل مطهر فتمر بالعروة عقدة تناط بالأنبوب الصغير فتتألف منها آلة مبخرة فإذا تنهد قليلاً يبدأ التبخر فيستعمل المرء هذه الآلة على هذه الصورة كلما اجتمع في الشارع مع شخص كما يستعملها لتبخير كل ستار أو قطار أو دثار أو شعار أو جدار يشتبه في أمره. قالت الجلة الباريسية ولا يبعد أن يأتي يوم يبني فيه المهندسون بيوتاً ومساكن تكون بمأمن من الجراثيم الضارة وقد بدأ القوم في أميركا يجربون تجربات من هذا القبيل بإنشاء غرف كلها من الزجاج ولا ينبغي الاستهزاء بهذه الفكرة فإن الطلبات متوالية في ذلك. مطبوعات ومخطوطات دائرة المعارف الإسلامية ستصدر عما قريب دائرة المعارف الإسلامية التي ألفها هوت سما من أساتذة كلية ليدن بمعاونة جماعة من علماء المشرقيات مثل هوار وفو لرس وبرتولد وزترتستين وهور وفيس وبكير ومارسي وباسي وغيرهم من الهولنديين والفرنسيون والألمانيين والنمساويين والسويديين وقد ذيلت كل مقالة بتوقيع كاتبها على الأوروبيين في موسوعات العلوم عندهم وقرأنا في مجلات العلوم الشرقية ثناء كثيراً على هذا العمل النافع وتدقيق كتابها في المسائل التاريخية والاجتماعية والإسلامية. وإنا نعرف بعض من اشتركوا فب تأليف هذه الدائرة النافعة وهم متمكنون من آداب العرب وتاريخهم مطلعون على ماضي الإسلام وحاضره وما منهم إلا من طاف كثيراً من أقطار المسلمين وعاشر أهلها وأطلع على أحوالها. فلا جرم أن يجئ مما تخطه أناملهم مثال التحقيق وأنموذج الرواية والبعد عن الغرض. عرب سورية فقبل الإسلام المسيو دوسو عالم من أهل الإحصاء في سورية عرفناه منذ بضع سنين أيام رحلته الأخيرة إلى بلاد الصفا وهو يكاد اليوم يكون حجة بلغة الصفا وتاريخها. وكتابة الصفا لم تكن معروفة قبل خمسين سنة فحلها جماعة من علماء المشرقيات وانتهت الرياسة فيها لصديقنا دوسو واللغة الصفوية هي اللغة العربية وأهل الصفا هم أول النازحين إلى سورية وإن جاء بعدهم بعض القبائل إلا أن تاريخ أولئك قد عرف أكثر من غيرهم من أهل سورية الراحلين بما اكتشف من أثارهم ومصانعهم ونقوشهم المزبورة على الأحجار وقد كان عدد ما عثر عليه ١٧٥٠ كتابة اكتشف نصفها المسيو دوسو والمسيو ماكر وهي مهمة من حيث الحياة الإسلامية ومما قاله فيه أنه ينبغي تصحيح الأفكار الشائعة والأغلاط التي يقع فيها بعضهم بشأن العرب فإن العرب ليست على إطلاقها من أهل الجزيرة العربية بل أن سكانها الرحالة في الجنوب من أصول أخرى وينبغي أن يطلق اسم العرب على سكان أواسط جزيرة العرب وشمإليها وعلى قبائل الرحالة التي تطوف في بادية الشام لأن هذه البلاد عربية صرفة وانتقل كل سنة يأتي هذه البلاد بقبائل من نجد وكل قبلة تعقد مع القبائل الرحالة الأخرى عهوداً يسمونها خوة وتقضي بينها الربيع. والتنقل قديم يرد عهده إلى أوائل التاريخ المسيحي. قال أن الصفا غير قابلة للسكنى لأنها ذات براكين ولكن في جوارها بلاداً تسكن خصيبة ذات مياه قال فيها ياقوت الحموي أنها أصل البلاد الصفوية. وقال أن اللغة الصفوية هي إحدى اللهجات العربية وليست فينيقية. وذكر أن الأثار التي عثر عليها ذات شأن حيث علاقتها بالدين لأن المسلمين عفواً أثار الجاهلية الأولى فلم يبقوا منها أثراً وقال أن الصوفيين كانوا يذكرون اسم الجلالة قبل الإسلام وقبل أن يختلطوا بالرومانيين وأن العرب لم تفتح تلك البلاد عفواً بل أن اختلاطهم بالأمم المجاورة قبل الإسلام هيأ لهم سبل الفتح وأن الرومانيين لم يحأولوا أن يصدوا عرب البادية عن التنقل بل كانوا يعاملونهم بسلام لئلا تكدر كأس الراحة. ديوان الحافظ محمد حافظ أفندي إبرأهيممن أعاظم شعرائنا الأفراد نبغ في البلاغة فاستولى على غاياتها وله نمط خاص به في الانسجام وجودة التصوير في الموضوعات التي ينظم فيها معظم قصائده على حين لا يقع منها لغيره إلا الأبيات الفذة النادرة فشعر حافظ هو الذي تقرأ فيه روح العصر. شعرٌ شعر شاعره بحركة العقول والاجتماع فنظم فيه وأبدع. ومن أعظم حسنات حافظ في شعره أنه ينقحه ويشذبه فلا ترى فيه عوجاً ولا أمتاً. فإن نظم في شهر قصيدة ينظمها غيره في يوم ولكن قصيدة الشهر تبقى وتخلد وبتنأقلها الناس ويستظهرونها وقصيدة اليوم تذهب بذهابه. وقد نشر الأن الجزء الثاني من ديوانه في ١٣٦ صفحة صغيرة ولكنها كبيرة النفع ومعظم ما فيه من قصائد اجتماعية في شؤون الأمة قال على لسأن اللغة العربية: رجعت لنفسي فاتهمت حصاتي وناديت قومي فاحتسبت حياتي رموني بعقم في الشباب وليتني عقمت فلم أجزع لقول عداتي ولدت ولما أجد لعرائسي رجالاً وأكفاء وأذت بناتي وسعت كتاب الله لفظاً وغايةً وما ضقت عن آي به وعظات فكيف أضيق اليوم عن وصف آلة وتنسيق أسماء لمخترعات أنا البحر في أحشائه الدر كامن فهل سألوا الغواص عن صدفاتي فيا ويحكم أبلي وتبلى محاسني ومنكم وأن عز الدواء أساتي فلا تكلوني للزمأن فإنني أخاف عليكم أن تحين وفاتي أرى لرجال الغرب عزاً ومنعةً وكم عن أقوام بعز لغات أتوا أهلهم بالمعجزات تفنناً فباليتكم تأتون بالكلمات أيطربكم من جانب الغرب ناعب ينادي بوأدي في ربيع حياتي ولو تزجرون الطير يوماً علمتم بما تحته من عثرة وشتات سقى الله في بحر الجزيرة أعظماً يعز عليها أن تلين قناتي حفظن ودادي في البلى وحفظته لهن بقلب دائم الحسرات وفاخرات أهل الغرب والشرق مطرق حياءً بتلك الأعظم النخران أرى كل يوم بالجرائد مزلقاً من القبر يدنيني بغير أناة واسمع للكتاب في مصر ضجة فاعلم أن الصائحين نعاتي أيهجرني قومي عفى الله عنهم إلى لغة لم تتصل برواة سرت لوثة الإفرنج فيها كما سرى لعاب الأفاعي في مسبل فرات فجاءت كثوب ضم سبعين رقعة مشكلة الألوان مختلفات إلى معشر الكتاب والجمع حافل بسطت رجائي بعد بسط شكاتي فإما حياة تبعث الميت في البلى وتنبت قي تلك الرؤوس رفاتي وإما ممات لا قيامة بعده ممات لعمري لم يقس بممات وقال في قصيدة عن غلاء الأسعار أيها المصلحون أصلحتم الأر ض وبتم عن النفوس نياما أصلحوا أنفساً أضر بها الفق ر وأحيى بموتها الآثاما ليس في طوقها الرحيل ولا الج د ولا أن توأصل الأقدما تؤثر الموت في ربى النيل جوعاَ وترى العاران تعاف المقاما ورجال الشآم في كرة الأرض يبارون في المسير الغماما ركبوا البحر جاوزوا القطب فاتوا موقع النيرين خاضوا الظلاما يمتطون الخطوب في طلب العي ش ويبرون للنضال سهاما وبنو مصر في حمى النيل صرعى في بلاد رويت فيها الأناما يرد الواغل الغريب فيروى وبنوك الكرام تشكو الأواما أن لين الطباع أورثنا الذ ل وأغرى بنا الجناة الطغاما إن طيب المناخ جر علينا في سبيل الحياة ذاك الزحاما حياة الزوجين هو كتاب أدبي اجتماعي يشتمل على آداب حياة الزوجين وما يجب على كل منهما نحو صاحبه وعلى ما تضمنته أسفار الحكماء وأحكام العلماء وقد بحث فيه مؤلفه عبد اللطيف أفندي مصطفى في حالة البيوت والزواج المشروع المعقول ووصف اختلال أحوال الخطبة والتربية والعادات السافلة بعبارات تشف عن أدب وقد درس الموضوع في مظان كثيرة فجاء فيها مفيداً يشهد بالفضل لمؤلفه ويرجى منه عموم النفع. الدروس التهذيبية عرب أحمد أفندي فوزي هذا الكتاب المفيد عن اللغة الإنكليزية وهو على أسلوب في التأليف لم يؤلف في العربية يأتي بتراجم العظماء والعلماء بأسلوب حكاية ويستطرد إلى ذكر أعمالهم واختراعاتهم بحيث يتطلع القارئ إلى ما تنطوي عليه القصة فيتعلم الأفكار الصحيحة والحوادث التاريخية ويلم بسير المشاهير وأحوال الاجتماع والآداب بدون أن يتعب أو يمل كما وقع له في فصول الكتاب الجليلة مثل ضبط النفس وحياة معتدلة والمثابرة والشجاعة والاعتماد على النفس والتبصر والنظام والتواضع والصدق في العمل والحرية والبحث عن الحق واختلاف الآراء وغيرها. الكتاب موضوع لأطفال تختلف سنهم بين العاشرة والرابعة عشرة ونرى أنه يفيد الكبار من الرجال والنساء وحبذا لو حذا حذو معربه كل من يعرف إحدى اللغات الأوروبية فينقل إلى العربية كتاباً أو كتأبين في حياته في ضروب العلم والأدب زكاة عن علمه وحباً بنفع لغته وأمته. والكتاب في ٣٥٠ صفحة صغيرة مطبوع طبعاً جيداً وثمنه فرنك واحد ويطلب من المكاتب الشهيرة فحث على اقتنائه. مجلة الأزهر أصدر محمود بك زكي مجلة بهذا الاسم وهي علمية دينية أدبية تهذيبية تاريخية تبحث في المسائل وتدافع عن حق الأزهر وعلمائه وتصدر مرة كل اسب وعين وتحرر تحت ملاحظة بعض أكابر علماء الأزهر وقيمة اشتراكها ثمانون قرشاً وللأزهريين وطلبة العلم بأربعين وقد استبشرنا بهذه المجلة فلعل الأزهريين يتمرنون بعد الآن على الكتابة والتأليف فإن مدرسة فيها اثنا عشر ألف طالب حرية بأن تصدر باسمها مجلة تدون فيها أراء أهلها وأميالهم وزبده علومهم وإذا كان في هذه المجلة الآن بعض أمور تؤخذ عليها فإن كثرة المران على العمل تجود مع الزمن وما قط جاء عمل تأما من يوم البداءة به فنرحب بالرصيفة الجديدة ونرجو لها طول البقاء. فجائع البائسين (تابع ما قبله) - كنت وعدتني وأخلفت وعدك وهيهات أن تثبت عليه - أما قنعت وعذرتني؟ وأخذت تفكر مترددة أن تكلفه بالطلاق المشئوم الذي لا نود أن تسمع ذكره وهي تخاف أن لا يقبل فتخجل أو يطلقها حباً بها وهو لا يريد ثم قالت يستحيل أن أكون زوجة ثانية وأجتمع بأعدى عدواتي أو أتصور أن لي عدوة في حياتي ولذلك أرجوك أن تعذرني إذا أبيت أن أجيبك على سؤالك. - فإن كان ألمانع لقبولك وجود شهيرة فهي طالق ثلاثا فكوني على ثقة من أن اجتماعي بها مرة أخرى ضرب من المحال ما كان بودي طلاقها ولكنه سبق منك فأعدك بالقبول وقد عفوت عنك وسامحتك بما بدر منك ونسيت كل خطيئاتك - أشكر لطفك وإحسانك ولم يبق أمامنا من العقبات سوى فبول أبيك وإقناعه سأجد إليه وسيلة تضطره إلى أجابة الطلب. وهنا تعانقا وتفارقا على أمل اللقاء وأخذ سعيد يفكر بالسعادة ويؤمل بقربها وهيهات! هيهات! لأن السعادة الحقيقية مفقودة وقد يظن المرء أنه سعيد بالنسبة للشقي أو يتظاهر بالسعادة: (تعب كلها الحياة فما أعجب إلا من راغب في ازدياد) ولكن الأماني تجعل الإنسان يعيش في خيال السعادة فهذا سعيد ولد بالأمل وعاش بالأمل وسيعيش بالأمل وصار يسبح في بحور الخيال وأخذ يؤثر البقاء في فراشه على الذهاب إلى أحسن سمر ليفكر فيما ستصير إليه حاله. فبينما هو يفكر في خيالاته أتاه خبر وفاة ابنه مع أحد أقارب زوجته فطلب هذا منه أن يرسل يجهزه للدفن ولم يكن سعيد رأى ابنه فحدثته نفسه أن يرى صورته ولو كان ميتاً ليلتذ بالبكاء عليه ويقول إنه كان لي ابن فأرسل وطلب ذلك فوعده الرسول وذهب فأخبر شهيرة وأمها بما أراد فغضبا ونادتا بالويل والثبور قائلتين أن هذا لا سبيل إليه وأسرعتا بتجهيز الطفل وحمله إلى الجبانة فأتى سعيد فوقف قرب الباب المشئوم وأرسل خادمه ليطرق الباب فصاحت النساء وشتمته ولعنت الولد وأباه ودعتا الله أن يلحق الأب بالابن فأدرك من ذلك الصياح أن الميت أرسل إلى الجبانة وسأل الجيرأن فأخبروه أنه أخرج وصلي عليه ثم أخذوه ليواروه التراب فذهب إلى المدافن فلم يجد سوى حملة الميت راجعين فسألهم عنه فقالوا أنه دفن وأجره على الله فأخذه البكاء وأسف أسفاً عظيماً. وبينما هو يكفكف عبراته أتاه طغمة الشحاذين فأحاطوا به فمنهم من يقول اسمعونا الفاتحة إلى روح الميت ومنهم من تسرع في تلاوة حزب من القرآن ومنهم من يقول أعطنا من مال الله وتصدق عن روح ابنك فما وسعه إلا أن شتمهم وكدرهم وطردهم ولكنهم استعملوا سلاحهم إذ أبت نفوسهم السب والشتم فأعطى خادمه ريالا وأمره بأن يصرفه قطعاً صغيرة ويوزعه عليهم على السوية تخلصاً من سلاطتهم وإلحافهم فتركوه ولحقوا الخادم وكادوا يضربونه فرمى الريال وفر أمامهم يعدو مسرعاً فإنقضوا جميعاً على الريال وأنشئوا يترامون بعضهم فوق بعض فجرح أحدهم وراح ينتقم من رجل برئ فقابله وانتصر عليه فأتى الشرطي وأخذ يضربهم بسوطه ففر بعضهم وقبض على الآخر فساقهم إلى المخفر وأخذ الخادم فلم يتركهم حتى أخذ منهم ما يرضي خاطره. طغمة الشحاذين في كل بلدة ضروب وأشكال وأكثرهم عدداً وأرقأهم في الشحاذة والتفنن في الإلحاح والإلحافكلاليب دمشق فلهم هناك رئيس يحكم على أعوأن له من كل حي من أحياء المدينة ومن وظيفة الأعوان أخبار الرئيس في أسرع وقت بموت ميت وتوزيع صدقة وهذا يعلم جميعهم فما هو إلا أن يصطفوا حول جدار الميت قبل المعزين ينتظرون خروج النعش ليمشوا حوله مهللين مكبرين بأنغام خاصة بهم فيمدون الكلام وينغمون بأشداقهم ويخرجون ألسنتهم. وللرئيس أجرة الأخبار يتقاضاها من كل فرد منهم حتى إذا دفن الميت يهجمون على أهله ويطلبون منهم أجرة التهليل والتكبير كانهم دعوهم وقالوا على أجرة معلومة وقد يسمعونهم ألفاظاً فظة ويحملونهم منة كان يقولون لا يليق بمن ورث مبالغ من المال أن لا يتصدق عن روح مورثه كانهم شركاء الوارث في ميراثه فيزيدونه غماً إلى غمه. ولما رجع سعيد من الجبانة وفكر بأنه خلص من أجرة الحضانة وحيل بينه وبين زوجه قوي أمله وشكر ربه على ما زال عنه من الغمة وذهب إلى زيارة الباشا على حسب عادته وأخبره بما وقع له فأسف هذا له ورق لحاله وشعر بلزوم حمايته لأنه هو ولي نعمته ولامه على التأهل بهذه الزوجة ثم قال له: ينبغي لك أن تفتش على زوجة توأفقك - لا يخفى على سعادة الباشا أن سعادة الباشا أن رفيقي أخو زوجته هو الذي غشني بأخته وكان الباشا حينئذ متغيباً عن بيروت فلو كان هنا ما تزوجت إلا بعد استشارته ولآن أسعى في سبيل الزواج ولكني عزمت على ترك هذه المسألة لرأي مولاي - سأفكر لك بزوجة حسنة وأمر الخانم لتبحث لك عن امرأة تليق بك. فشكر فضله وقبل يده وبعد أن مكث هنيهة في حضرته أستأذن بالانصراف إلى داره ظلت جميلة وحيدة في المنزل وأخذت تفكر وتقول إلى متى وأنا في حرمان من الزواج؟ لست براهبة ولا يحظر علي التأهل وما يخيل لي أني أجد أحسن وأوفق من سعيد وحبي له شديد ولا أود أن أقترن بغيره فمن يطيق أن يمنعني من اتخاذه رفيقاً لي؟ إذا كان اعتقاد أبي بالمناصب والمواقع وهو لا يعلم أنه لا تمييز بين البشر بالفضائل ومكارم الأخلاق فأرادته لا تمنعني عن تذلك ولست لأمره طائعة على أن الشرع الشريف منحني حرية الزواج بعد البلوغ وها أنا ذا بلغت سن الرشد وطاعة أبي الذي ينكر الحقائق بضعف عقله وقلة علمه غير واجبة عندي إذا كان له أولد أعلم منه بمصالحهم وأعقل منه وأمثل في تدبير خصوصياتهم وأنا أعلم من أبي ولا شك بمن يصلح لي ولكن الأدب والكمال يضطرانه إلى أن يرضى عن زواجي ومن الحزم والعقل أن أسوقه إلى ما أتمناه ولكن كيف أصل إلى ذلك؟ وأخذت تفكر في وسيلة إلى تحمل أباها على أن يهم بزواجها من سعيد فجلست يوماً مع أمها وذكرت سعيداً وما قاساه من أمرأته وصارت إلى تمدح مكارم أخلاقه وتعظم مستقبله بعين أمها وتتمنى له زوجة ترتاح إليها نفسه وتطيب وكانت أمها تصدق ما تقوله حتى حمستها فقالت: إذا كان يريد الزواج فإنا سأسعى له. فتجاسرت حينئذ جميلة وقالت لو كان لي فكر في الزواج لما تزوجت سواه. وقصدت بهذه العبارة استطلاع رأي أمها فقالت هذه نعم وأنا أوأفقك على أفكارك ولكني ما زلت استغرب امتناعك عن الزواج وقد فات أوانه وانقطعت الرغبات فيك وأنت على تصوراتك الغريبة؟ - أتدرين متى أرضى بالزواج؟ متى وفقت لكفؤ يقوم بضروراتي ويعرف قدري ولا يتزوجني إلا من أجل فضيلتي وأنت تعلمين أن الذين طلبوني حتى الأن لم يقصدوا مني إلا الانتساب لأبي ولا يخفى عليك أن الذي يطلبني من أجل أبي عندما يتوفى والدي يهملني ولعله يطلقني أو يتزوج مرة آخرا ويتركني حزينة أبداً. ما زالت تلقين هذه المشكلات فمن أين لنا أن نأتيك بمن يوأفقك على ما تنزع إليه نفسك؟ قد يوجد ولكنه لا يجسر أحد على طلبي لعلمه أني أرد طلبه وهذا يصعب عليه أن يرد خائباً لعزة نفسه وشرف طبعه وكرم أخلاقه. هل تعلمين فتى بهذه الأخلاق؟ - وأنت تعليمنه من هو؟ سعيد - لا أشك بمكارم أخلاقه وعزة نفسه ولكنه غير كفؤ لك من حيث الشرف لأن أباك باشا وأبوه جندياً وعائلته غير معروفة بين الناس والعجب العجاب رضاك به زوجاً لا محل للعجب هنا لأن مكارم أخلاقه تقوم مقام شرف الفتى والشاعر يقول: لا تقل أصلي وفصلي أبداً انما أصل الفتى ما قد حصل وإذا كان فقر عائلته يمنعك عن القبول فليس الفقر عيباً للمرء ولا الغنى شرفا له وخلاصة القول كوني على يقين من أني إذا قصدت الزواج لا أتزوج غيره لأنه هو وفق مرغوبي - فهمت الآن أن له في قلبك مكانا والحب أراك أيا موافقاً على أني لا أطيق أن أذمه لأني لا أجد فيه من العيوب سوى فقره وانحطاط منزلة أسرته. - قلت لك أن الفقر ليس بعيب وأما انحطاط مكانته فمكارم أخلاقه تشفع بها ومع هذا كله فإنه سيتولى منصباً عالياً يبلغ به مبالغ الإشراف وينال راتباً عظيماً يصيره من زمرة المترفين. فإن كنت ترغبين فيه زوجا لك فصرحي بكلامك ولا حاجة إلى براهينك. . . . . سكوت وإطراق في الأرض - فلو رضيت لك وشايعتك على فكرك فهل تتصورين أن الباشا يرضى بذلك وهو غرس نعمته وزيدي على ذلك أن له زوجة أخرى - أنت قادرة على إقناع الباشا وإرضائه وأما زوجة سعيد فليس فيها كبير أمر لأني على ثقة من أنه يطلقها من أجل أبي - من أين لي أن أقنع الباشا ليرضى بذلك؟ - أنت تعلمين كيف تفعلين - دعيني الآن ريثما أجد فرصة مناسبة أسترق فكر أبيك وأعلم إن كان يمكن ذلك أم لا. وبعد ما خرج سعيد من منزل الباشا دخل هذا إلى دائرة الحريم وأخذ يظهر أسفه ويقول لا حول ولا قوة إلا بالله. فسألته الخانم عن السبب فأخبرها بما جرى لسعيد وابنه فبكت لحاله وأسفت عليه ثم قال لها: أني تعهدت له بأن أزوجه وأن أرسلك لتفشي له على امرأة توأفقه. فتجاسرت الخانم عندئذ وقالت: إن كنت تود أن تحميه وتريحه زوجه بابنتك فهو غرس نعمتك وقد نشأ بفضلك وفي ظلك وما هو ظلك وما في الحقيقة إلا ابنك ولعلنا نتخذه ولداً فيكون لنا عوناً وسنداً - لا أنكر مزاياه وأحبه كولدي ومنزلته عندي منزلة جميلة ولكن امتناع جميلة وكلام الناس يحولان دون ذلك على أني لست ممن يعدون الفقر انحطاطاً ومزرياً بالشرف ولا استنكف من مصاهرته لأن مكاني وشرفي يكفيانه - كلام الناس ليس مما يحفل به العأقل في مثل هذا المقام لأن العأقل البصير من لا يبالي بكلام لا طائل تحته وقد يكفيه رضا الأخيار والأخيار لا يرون الفقر وجهل مكانة العائلة منافياً لمكارم الأخلاق وهم يرجحون الفضائل على كل مزية والمدح ما كان من الأخيار والذم ما كان منهم ولعل جميلة ترضى به لأن امتناعها ناشئ عن وجود قرين يوأفقها على أنها تمدح سعيداً في كل حين وتقر له بالفضل - وأنا لا أبالي بكلام العامة ولا بكلام من انحطت أفكارهم ولكن إذا رضيت أنا بذلك فهل جميلة ترضى به - فلنسألها - اذهبي واسإليها دخلت على جميلة وأخبرتها بما جرى بينها وبين أبيها ففرحت وقالت لأمها يجب علينا أن نحتاط لئلا يفهم ويغضب وأنت تعلمين حاله إذا أخذه غضب - أصبت بما فكرت. فماذا نفعل؟ - اذهبي وقولي له أن جميلة لا تخالف أمرك ولكنها تلتمس منك مهلة تفكر في هذه المسألة الحيوية التي تحتاج إلى إمعان وزيادة استبصار - هاأنا ذا ذاهبة وذهبت. فدخلت على الباشا وأخذت تمدح جميلة على ترويها وعقلها وكمالها ثم قالت: أنها لا تخالف أرادتك وهي طوع أمرك فيما تقضيه عليها ولكنها تلتمس مهلة يومين لتفكر في الأمر ثم تخبرنا سلباً أو إيجاباً - أخاف أن تصر على عنادها وأنا أود أن أزوجها في حياتي لنفرح بها فقولي لها أني أمهلتها يومين فذهبت وخبرتها ففرحت بنيل المراد وبشرت سعيداً بواسطة خادمتها ففرح هذا وظن أن السعادة العظمى لاحظته عيونها وأخذ يفسرها ويقلبها على وجوه آملا أن تكون تلك السعادة مكافأة لما عاناه من قبل وصار يسبح في ظلمات الخيال وصرت لا تراه إلا ضاحكاً مسروراً يقول تارة سأرتاح من أجرة الدار وأسكن منزلاً عالياً وأركب عربة خاصة وأرتقي بمعونة الباشا وأخلص من هم صرف الراتب على تدبير المنزل واقتصد راتبي وأوفي راتبي فأكون حينئذ سعيداً ثم أخذ يفكر فيما بالذي سيتراكم من مشاهرته فقرر أن يشتري أوراق يانصيب المصرف العقاري وتحويلات سكة حديد الروملي وأصبح في أمان من كسب أعظم المبالغ ورأى أن يشتري خيلاً ليقيم على تربيتها فيبيعها بما تيسر من الليرات ويشتري دكاناً ثم مخزناً ثم ضيعة فيصير من الأغنياء ويستتغني عن الاستخدام وعن معاناة شرور العالم ويكتفي بأن يصير عضواً في أحد المجالس وطوراً يقول أن السعادة ليست شيئاً في الحقيقة بجانب اقتراني بجميلة لأن السعادة العظمى هي اقتران زوجة بزوج يوأفقها في الخلق ويقوم بما يفرض عليه لتقوم هي بما يفرض عليها من أعمال الحياة وبمثل هذه الخيالات كانت تمر أيامه وليإليه فصار لا يفكر إلا في السعادة ونسي كل ما عاناه من قبل بل وتناسى ما وقع له شأن الإنسان يتذكر السعادة في الشقاء وينسى الشقاء في الإقبال وكان وصول سيعقد به له على حبيبته جميلة. ولما مضى اليومان أجابت بالقبول وفوضت الأمر لأبيها لا يباح ففرح هذا وأرسل سعيداً فأتى هذا مسرعاً لإنه كان عالماً بالأمر فقطع الطرق وما شعر إلا وهو أمام المنزل وكان من عادته أن يأتي ماشياً على رجليه فأتى هذه المرة في العربة وأستأذن عليه فدخل إلى ردهة الباشا فقبل يده وجلس أمامه فقال له الباشا يا بني أنت تعلم أني ربيتك كولدي وأحبك بمثابة ابنتي جميلة ولآن أريد أن أجعلك ابناً حقيقياً وأفرح بك فهلا تطيع أمري؟ - سيدي العبد غرس نعمائك وإن كنت عشت أو أصبح لي شأن فذلك بفضلك وإحسانك فمقامك أعظم من مقام أبي عندي أن كان أبي الذي توفي والدي بالجسم فإنت أبي بالفكر أبي بالعلم أبي بالأدب أبي بكل شيء قال اله تعالى (ولئن شكرتم لأزيدنكم) والعبد يقر ويعترف بأنه ليس في وسعه شكر النعم الجسام التي أولانيها مولاي فليس لي إلا أن أطيعه في كل ما يصدر من سعادة فمر بما تريد وأنا عبدك المطيع. - بارك الله بكرم أخلاقك ووفقك وجعلك من أسعد الناس وأعلم يا بني أني على غاية من الأسف لما عانيته من العذاب في زواجك وأنا حتى بلغت مما أقر عيني به كلما نظرت إليك وسمعت عنك فأحب أن أصل ما بدأته معك لتترحم علي بعد موتي وتكون ولياً على عائلتي التي ستصبح بعدي بدون رجل يتولى شؤونها وهذا لا يتم إلا بزواجك من ابنتي جميلة فأعرضها عليك إذا لم يكن لك مانع - لا مانع لي يمنعني عن نيل النعم فالعبد رهين الأمر في كل حين فمر بما فلا تجدني إلا عبداً مطيعاً - حفظك الله وسنعقد لك عليها هذا الأسبوع إن شاء الله السميع العليم - أطال الله عمر مولاي ثم شكر فضله وقبل يده ودخل الباشا على ما دار بينه وبين سعيد وهذه أخبرت جميلة ففرحت وأيقنت بنيل المراد. وبعد أربعة أيام دعي عمال الولاية والأمراء والوجهاء والعلماء إلى دار الباشا المشار إليه ووكل سعيد أحد أحباب الباشا وعين بعد شهر من تاريخ العقد. غدا سعيد يرقب يوم العرس بفروغ الصبر ولما أن الوقت استعد للسرور فدعا رفقاءه ليشاركوه بفرحه وحبوره وما علم بما أخفاه له الدهر الخؤون وقد نامت عينه عنه إلى حين فأدخله الباشا تلك الليلة على جميلة وأوصأهما بعضهما ببعض ودعا لهما بالتوفيق. فلما دخل بها وخلت به أخذت تعاتبه قائلة: لو كنت خالياً من أوهامك الغريبة وحفظت العهد لنلت ما نلته الآن وما كنت وقعت ولكن خلق الإنسان عجولا على أني ما زلت أعجب منكم معشر الشرقيين فمهما كبر عقلكم وارتقى فكركم ودرستم العلوم والفنون لا تزالون مقيدين بالأوهام الباطلة ولقد ترى الواحد منكم ينتقد الخرافات ويعيب أوهام غيره ويرتكبها غير مختار وذلك بما تعلمه من أمه الجاهلة في طفولته يرضع لبأن الخرافات مع لبن أمه ولا يخطر ببالك أيها الحبيب أني أقصد بانتقادك هذا مدح الجنس اللطيف فإنا عالمة أن وجود فتاة مرتقية الفكر سليمة العقل خالصة من الأوهام والخرافات في بلادنا قد أصبح ضرباً من المحال وذلك أن المدارس التي أسست لتثقيف عقول البنات لا تعلمهن إلا مبادئ العلوم والفنون ضعيفة ضئيلة لا تكاد تسد الحاجة وقد لا توجد مهذبات مدربات في المدارس يهذبن الفتيات ويدربنهن على الفضائل وحب الكمال إلا ما ندر ومما يؤسفني أن أرى أن أهم درس يدرس في المدارس تعليم أمة اللغات لأننا لا نزال نعد التكلم أو العلم بإحدى اللغات دليلاً على الفضل والكمال وأغرب من هذا كله ما نراه من إنهماك المعلمات في تعليم البنات التفصيل على الزي المودة وزركشة الفساتين فالمعلمات يغرسن حب الأزياء في عقول النساء وهن غير مباليات بتثقيف عقول الفتيات ولذلك نرى الفتاة تخرج من المدرسة على آخر طرز وأحسن زي من الزينة والتبرج وقد تتكلم بلغة من اللغات فتكون حينئذ بلغت منتهى العلوم والآداب بزعمها وزعم أهلها. ولا يخفى عليك أن التي دأبها التزين واللباس وتجديد الأزياء لا تجد في وقتها متسعاً لتعليم ابنها وتهذيبه ولذلك أصبحت المرأة علتنا الاجتماعية ومقياسنا متى ارتقت ارتقينا وإذا هوت هوينا معها فلا تقوم لنا قائمة إلا بتهذيب المرأة التي إذا هزت بيدها اليمنى سرير ابنها هزت باليسرى الدنيا بأسرها والرجل العظيم لا يأتي إلا من عظيمة سبقته وهي أمه ولله در من قال (الطفل صفحة بيضاء وأمه تنقشه كما تشاء) ولعلنا نرى يوماً يكثر به نصراء المرأة الضعيفة فيعلمون حقائق الأمور ويعنون بتهذيب بناتهم ويخدمون بناتهم ويخدمون بذلك بني نوعهم. وإما نحن نربي أبنائنا كما نشاء ونجعلهم مثال الكمال ونثقف عقولهم ونعدهم للبيئة الاجتماعية خدمة يقومون بواجباتهم نحو بني الإنسان والحيوان. = لقد أعجبني خطابك البديع الذي أعرب عما في ضميري ولكن ما لي أراك مرتدية على أخر زي؟ أما كان اللائق بك أن تبتدئي بنفسك وتهجري الأزياء وتنزعي عنك المجوهرات الثقيلة التي استغرب كيف تطيقين حملها على إنه كأن يكفيك رداء جميل الزركشة في شكل بسيط يقبله الذوق السليم. = كان يجب علي ابتداء بنفسي ولكني خفت من أن توجه سهام اللوم وأصبر عرضة لأفواه الناس وربما جلب ذلك على والدي كلام المتكلمين فحطوا من قدره = أليس من العقل أن لا تبالي بكلام الجاهلات اللواتي لا يميزن بين الحسن والقبيح وأنت لست من اللواتي يتزين ليلة العرس ليغرن أزواجهن حتى يملكن قلبهم فإنت ملكت فؤادي منذ كنت طفلاً ومكانك لا يزيده لباسك وتبرجك شيئاً في عيني ولا تنقصه بساطة ردائك ويا ليتك كنت جعلت البساطة زياً بين الناس لأنه ينظر إليك والنساء يقلدونك ولكن كما قلت أن الإنسان مهما ارتقى لا يزال مقيداً بقيود الأوهام. وأما عدم تصبري وخيانتي لعهدك فهذا أمر مقدر المقدر محتوم والأشياء مرهونة بأوقاتها ولا يستطيع بشر أن يفر من القدر ولذلك لا أرى محلاً للوم = أن هذه العبارات عبارات العجزة الذين إذا أخطئوا وأسأوا رجعوا بخطئهم على القدر وشكوا من الدهر وإذا أحسنوا منوا وافتخروا. = دعينا من الفلسفة والكلام فلنطرب بألحان المغنيات ونترنم بآلات الطرب لأن هذه الساعة ساعة طرب وهي الليلة التي لا تتكرر في حياتنا والأيام بيننا سنتجاذب أطراف الحديث ونبيع بعضنا بعضاً من الحكم والحقائق ما تشاء وثاني يوم العرس عهد الباشا إلى بأن يتصرف بمنزله كما يتصرف كما يشاء ووكل إليه أشغاله الخاصة وصار يتصرف بالصدق والاستقامة واقتصد كثيراً من النفقات وغدا هو المرجع ومن كان له حاجة عند الباشا كان يأتيه فيلتمسها منه وهو يحسن معاملة الناس حتى استجلب قلوبهم وكأن يساعد المغدور ويسعى في استحصال حق المظلوم من الظالم. وتكلم مع الباشا على أن يسعى في ترقية وظيفته فوعده بذلك ففرح وقوي أمله بالسعادة وصار يوفر رواتبه ويوفي ديونه حتى اشترى سندات البنك العقاري وتحويلات سكة حديد الروم ايلي واشترى حصانين ليربيهما وأخذ يتسع خياله يتسع وآماله تكبر شقاؤه فهو يأكل ويشرب وينام ولا يدفع بارة ويتنزه بعربة الباشا ولا يصرف إلا القليل فتخلص من الطلب والدين.</passage>
<license>Distributed under a Creative Commons Attribution-ShareAlike 4.0 International (CC BY-SA 4.0) license</license>
<source>https://github.com/tillgrallert/digital-muqtabas/blob/master/xml/oclc_4770057679-i_17.TEIP5.xml retrieved via Canonical Text Service http://cts.informatik.uni-leipzig.de/muqtabas/cts/ with CTS URN urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.17.TEIP5:</source>
</reply>
</GetPassage>
