<?xml version="1.0" encoding="UTF-8"?><GetPassage xmlns="http://relaxng.org/ns/structure/1.0" xmlns:a="http://relaxng.org/ns/compatibility/annotations/1.0" xmlns:tei="http://www.tei-c.org/ns/1.0">
<request>
<requestName>GetPassage</requestName>
<requestUrn>urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.16.TEIP5:</requestUrn>
</request>
<reply>
<urn>urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.16.TEIP5:</urn>
<passage>العدد ١٦ بتاريخ: ١٥ - ٥ - ١٩٠٧ تبذير الكبراء الإسراف الغالب آفة من آفات الحضارة ولا إسراف إذا لم توجد حضارة وعلى نسبة حضارة الأمة وغناها يكون في الأكثر بذخها وإسرافها وإن شئت فقل إسراف أهل البسطة والغنى. مثاله ما نسمعه لهذا العهد عن ديار الغرب وإيغال الموسرين من أهله في الإنفاق على كل ما طاب وحلا وبهرج وزخرف فينفق الفرد في الشهوات والتبرج ما يكف لإعالة عشرات الألوف أعواماً. وتأتينا عنهم أنباء لا تكاد تصدق لولا تناصرها واتفاق المشاهدين لها عياناً على إثبات ما يقال ويروى. ولو استقريت تاريخ الأمم لرأيت الشيء الكثير من ذلك قبل ألوف من السنين وآخر من انتهت إلينا أخبار ترفهم الرومان واليونان لما بلغت الحضارة بينهم حدها. وهذا الشرق أيضاً ما خلا في كل دور من أدواره من مسرفين كانوا إخوان الشياطين وإسراف اليوم يختلف عن إسراف أمس فإنه كان في غابر الأحقاب مقصوراً على رجال الدول والكلمة النافذة عند الملوك والسلاطين أما اليوم فالإسراف يكون من الرعاة والرعاية معاً خصوصاً بعد أن انتقلت الثروة إلى الأفراد. وتاريخ العرب لم ينقل إلينا سوى أخبار الأمراء والملوك وما عني المؤرخون بنقل أخبار الأفراد من الأغنياء ولذلك كان علينا إذا رغبنا أن نستشهد تاريخنا ونبحث في حالتنا الاجتماعية في القرون العابرة أن نقتصر على إيراد ما انتهى إلينا علمه من أخبار أولئك العظماء وهي لا تخلو من عبرة وتسلية. خذ لك أمثلة لا تستغرب بعدها زوال الممالك الشرقية وتقرأ فيها نموذجاً من تفننهم في دورهم وقصورهم وأفراحم ومجتمعاتهم. فقد رأت الرميكية زوج المعتمد بن عباد الأندلسي الناس يمشون في الطين فاشتهت المشي فيه فأمر المعتمد فسحقت أشياء من الطيب وذرت في ساحة القصر حتى عمته ثم نصبت الغرابيل وصب فيها ماء الورد على أخلاط الطيب وعجنت بالأيدي حتى عادت كالطين وخاضتها مع جواريها وغاضبها في بعض الأيام فأقسمت أنها لم تر منه خيراً قط قال ولا يوم الطين فاستحت واعتذرت. ولما اقتعد ابن أبي عامر الذروة في أيام الحكم الأندلسي صنع قصراً من فضة لصبح أم هشام وحمله على رؤوس الرجال فجلب حبها بذلك وقامت بأمره عند سيدها الحكم وحدث الحكم خواصه بذلك وقال إن هذا الفتى قد جلب عقول حرمنا بما يتحفهم به. وكان في دار القاهر بالله عشرة آلاف خادم من الخصيان ويفرق الضحية من الإبل والبقر أربعين ألف رأس ومن الغنم خمسين ألف رأس. وكان عز الدولة بن بويه متوسعاً في الإخراجات والكلف وكان يتناول أحد الموظفين بإيقاد الشمع أمامه ألف من في كل شهر. ولما بعث ملك الروم يتوعد المستكفي بالله بالقتال استعرض عسكره فكان جملة العسكرة المصفوفة مائة ألف وستين ألفاً ووقف الغلمان بالزينة والمناطق الذهبية وكذلك الخدم والخصيان ووقف الحجاب وكانوا سبعمائة وزينت دار الخليفة بالمستور والبسط فكانت جملة الستور المعلقة ثمانية وثلاثين ألف ستر من الديباج المذهب وكانت جملة البسط اثنين وعشرين ألف بساط وكان في جملة الزينة شجرة من ذهب وفضة تشتمل على ثمانية عشرة غصناً وأوراقها من ذهب وفضة وأغصانها تتمايل بحركات موضوعة وعلى الأغصان طيور خضر من ذهب وفضة ينفخ الريح بها فيصفر كل طير بلغته. وحكى الصابي عن بعض الرسل قال: دعينا إلى باب مسعود يعني ابن محمود بن سبكتكنين بغزنة فشاهدنا بالباب أصناف العساكر وملوك جرجان وطبرستان وخراسان والهند والسند والترك وقد أقيمت الفيلة عليها الأسرة والعماريات الملبسة بالذهب مرصعة بأنواع الجواهر وإذا بأربعة آلاف غلام مرد وقوف سماطين وفي أوساطم مناطق الذهب وبأيديهم أعمدة الذهب ومسعود جالس في سرير من الذهب لم يوضع على أرض مثله وعليه الفرش الفاخرة وعلى رأسه تاج مرصع بالجواهر واليواقيت وقد أحاط به الغلمان الخواص بأكمل زينة ثم قام مسعود إلى سماط من فضة عليه خمسون خواناً من الذهب على كل خوان خمسة أطباق من ذهب فيها أنواع من الأشربة فساقهم الغلمان ثم قام مسعود إلى مجلس عظيم الأقطار فيه ألف دست من الذهب وأطباق كبار خسروانية فيها الكيزان وعلى كل طبق زرافة ذهب وأطباق ذهب فيها المسك والعنبر والكافور وأشجار الذهب مرصعة بالجواهر واليواقيت وشموع من ذهب في رأس كل شمعة قطعة من الياقوت الأحمر تلمع لمعان النار وأشجار العود قائمة بين ذلك وفي آخر المجلس رحى من ذهب تطحن المسك والكافور والعنبر وفي جوانب المجلس بحيرة في جوانبها من الجواهر والعنبر والفصوص شيء بقصر الوصف عنها وذكر أشياء أخر تحير الأسماء والأسماع - قاله ابن فضل الله العمري في مسالك الأبصار. ومما يعد في باب ترف الكبراء وسرفهم ما رواة المقريزي من أعذار (طعام الختان) بني ذي النون ملوك طليطلة من الثغر الجوفي في الأندلس وكانت لهم دولة كبيرة وبلغوا في البذخ والترف إلى الغاية ولهم الأعذار المشهور الذي يقال هل الأعذار الذنوبي وبه يضرب المثل عند أهل المغرب وهو عندهم بمثابة عرس بوران عند أهل المشرق. وبوران هي ابنة الحسن بن سهل امرأة المأمون قالوا لما دخل إليها نثرت عليه جدتها ألف لؤلؤة من أنف ما يكون فأمر المأمون بجمعه فأعطاه بوران ثم أوقد تلك الليلة شمعة عنبر فيها أربعون مناً (رطلاً) وقالوا أن المأمون لم يرقه هذا الإسراف وقال فيه. وأقام المأمون في معسكر الحسن سبعة عشرة يوماً يعد له كل يوم ولجميع من معه ما يحتاج إليه وخلع الحسن على القواد مراتبهم وحملهم ووصلهم وكان مبلغ ما لزمه خمسين ألف ألف درهم وكتب الحسن أسماء ضياعه في رقاع ونثرها على القواد فمن وقعت بيده رقعة منها فيها اسم ضيعة بعث فتسلمها وأوعز إلى النوتية بإحضار السفن لإجازة الخواص من الناس بدجلة من بغداد إلى قصور الملك بمدينة المأمون لحضور الوليمة فكانت الحراقات المعدة لذلك ثلاثين ألفاً أجازوا الناس بها أخريات نهارهم. والمتتبع لهذه الأخبار يعثر منها على الكثير ولاسيما في أيام مباهاتهم وولائمهم وأعراسهم فقد روى المؤرخون أن أبا الجيش خمارويه بن طولون صاحب مصر لما زوّج ابنته أسماء للمعتضد بالله العباسي على صداق قدره ألف ألف درهم جهزها أبوها بجهاز لم يمل مثله حتى قيل كان لها ألف هارون ذهب وشرط عليه المعتضد أن يحمل كل سنة بعد القيام بجميع وطائف مصر وأرزاق جنودها مائتي ألف دينار ويقال إن المعتضد أراد بزواجها افتقار الطولونية وكذا كان. وذكر ابن الأثير في حوادث سنة ثمانين وأربعمائة كيف نقل جهاز ابنة السلطان ملهشاه السلجوقي إلى دار الخلافة على مائة وثلاثين جملاً مجللة بالديباج الرومي وكان أكثر الأحمال الذهب والفضة وثلاث عماريات وعلى أربعة وسبعين بغلاً مجللة بأنواع الديباج الملكي وأجراسها وقلائها من الذهب والفضة وكان على ستة منها اثنا عشر صندوقاً من فضة لا بقدر ما فيها من الجواهر والحلي وبين يدي البغال ثلاثة وثلاثون فرساً من الخيل الرائقة عليها مراكب الذهب مرصعة بأنواع الجواهر ومهد عظيم كثير الذهب وسار بين يدي الجهاز سعد الدولة كوهرائين والأمير برسق وغيرهما ونثر أهل نهر مغلى عليهم الدنانير والثياب وكان السلطان قد خرج عن بغداد متصيداً ثم أرسل الخليفة - المقتدي بأمر الله - الوزير أبا شجاع إلى تركان خاتون زوجة السلطان وبين يديه نحو ثلثمائة موكبية ومثلها مشاعل ولم يبق في الحريم دكان إلا وقد أشعل فيها الشمعة والاثنتان وأكثر من ذلك وأرسل الخليفة مع ظفر خادمه محفة لم ير مثلها حسناً وقال الوزير لتركان خاتون سيدنا ومولانا أمير المؤمنين يقول إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وقد أذن في نقل الوديعة إلى داره فأجابت بالسمع والطاعة وحضر نظام الملك فمن دونه من أعيان دولة السلطان وكل منهم معه من الشمع والمشاعل الكثير وجاء نساء الأمراء الكبار ومن دونهم كل واحدة منهن منفردة في جماعتها وتجملها وبين أيديهن الشمع الموكبيات والمشاعل يحمل ذلك جميعه الفرسان ثم جاءت الخاتون ابنة السلطان يعد الجميع في محفة مجللة عليها من الذهب والجواهر أكثر شيء وقد أحاط بالمحفة مائتا جارية من الأتراك بالمراكب العجيبة وسارت إلى دار الخليفة وكانت ليلة مشهودة لم ير ببغداد مثلها فلما كان الغد أحضر الخليفة أمراء السلطان لسماط أمر بعمله حي أن فيه ألف منّ من السكر وخلع عليهم كلهم وعلى كل من له ذكر في العسكر وأرسل إلى الخاتون زوجة السلطان وإلى جميع الخواتين وعاد السلطان من الصيد بعد ذلك. وهكذا كانت أعمال أولئك الرجال تصدر عنهم بلا روية ولا حساب لأن الرعايا والبلاد والثروة كانت لهم يتصرفون فيها بما يشاؤون وأين هذا الترف من ذاك الاقتصاد الذي أثر عن عمر بن عبد العزيز وقد أمر جليسه رجاء بن حيوة أن يشتري له ثوباً بستة دراهم فأتاه به فجسه وقال هو على ما أحب لولا أن فيه ليناً قال رجاء: فبكيت قال: فما يبكيك قال: أتيتك وأنت أمير بثوب بستمائة درهم فجسسته وقلت هو على ما أحب لولا أن فيه خشونة وأتيتك وأنت أمير المؤمنين بثوب بستة دراهم فجسسته وقلت هو على ما أحب لولا أن فيه ليناً فقال: يا رجاء إن لي نفساً تواقة تاقت إلى فاطمة ابنة عبد الملك فتزوجها وتاقت إلى الإمارة فوليتها وتاقت إلى الخلافة فأدركتها وقد تاقت إلى الجنة فأرجو أن أدركها. وقال: قوّمت ثياب عمر بن عبد العزيز وهو يخطب باثني عشر درهما وكانت قباءً وعمامة وقميصاً وسراويل ورداءً وخفين وقلنسوة. بل أين ذاك الإسراف من زهد نور الدين محمود بن زنكي صاحب الشام وديار الجزيرة ومصر فإنه كان لا يأكل ولا يلبس ولا يتصرف إلا في الذي يخصه من ملك كان له قد اشتراه من سهمه من الغنيمة ومن الأموال المرصدة لمصالح المسلمين ولقد شكت إليه زوجته الضائقة فأعطاها ثلاث دكاكين في حمص كانت له يحصل لها منها في السنة نحو العشرين ديناراً فلما استقلتها قال: ليس لي إلا هذا وجميع ما بيدي أنا فيه خازن للمسلمين لا أخونهم فيه ولا أخوض نار جهنم لأجلك. وكذلك كان خليفته صلاح الدين يوسف بن أيوب فإن كان على كثرة فتوحه وبسط يده على ذخائر وكنوز عظيمة لم يدخر منها شيئاً وفرقه في وجوه المبرات وإقامة المعالم الخيرية حتى إذا لحق بربه لم يخلف في خزائنه غير دينار واحد صوري وأربعين درهماً ناصرية ولما بنى له أحد رجاله في دمشق قصراً مشرفاً بهجاً وبخه على عمله ولم يرض أن يسكنه لما أنفق عليه من النفقات الفاحشة. وبالجملة فتاريخ الأمة ينعي على المسرفين أعماله كما ينادي بالثناء على المقتصدين من رجالها فإن جاء مثل ابن عباد وابن أبي عامر والقاهر والمستكفي والحسن بن سهل فقد جاء أمثال عمر بن عبد العزيز ونور الدين وصلاح الدين وكل منهم ذكر بعمله ولقي جزاءه في قصده وإسرافه. الانتحار سلامٌ على الدنيا سلام مودع رأى في ظلام القبر أنساً ومغنما الانتحار وأسبابه الانتحار قل النفس. ولا يعمد المرء إليه حتى تضيق به الدنيا أو تضيق به نفسه. ولا يبعث الإنسان على الانتحار باعث أشد من ضياع أمل له كان يعلل به قلبه أو نعمة زالت كان يمرح في نعيمها أو مال فقده على غير رغبة منه أو أسر وقع فيه وهو لا يرجو منه فكاكاً أو ذنب جناه ولا يرى له من الجزاء عليه خلاصاً أو غرام كوى فؤاده وهو لا يرجو أن يطفئ ناره بماء الوصال. وهناك باعث أشد من تلك البواعث وأعني به سوء التربية ونقص التهذيب. فإن النفس الساذجة كالسيف البتار الذي أغفلته الصياقل أو كالحجر الكريم ولا يبدو بهاؤها حتى يزيل صدأه العامل الحاذق فيبهر الأبصار بنوره. والتهذيب يصقل النفوس ويظهر الفضيلة الكامنة. وإنك ترى أخا الجهل إذا ثارت برأسه سورة الغضب ولم يكن الانتقام طوع بنانه أو أحب حباً أخذ برشده وغشى على بصيرته ولم ينل إربه أو فقد مالاً قليلاً تعب في الحصول عله يضيق به عقله ويقتل نفسه بيده. الحكماء والانتحار وأبعد الناس عن قتل النفس أهل الحكمة والعلم فإنهم يرون الانتحار جبناً وضعفاً في العزيمة ووهناً في الهمة. وهم إذا لم يبلغوا مناهم عادوا فأملوا وإذا زالت نعمة كانوا يرفلون في حللها قنعوا بآثارها وأن فقدوا مالاً فالمال أدنى ما يتطلبون وإن نالهم أسر علموا بان لكل شيءٍ مدة وتنقضي ما غلب الأيام إلا من رضي وهم أشد الناس إحجاماً عن الذنوب فأنى لهم أن يجرموا فيحتويهم القنوط؟ أريد بأهل الحكمة أولئك الذين نالوا من العلم منالاً كبيراً فأسفرت لهم الحقيقة وعلموا بخلود النفس. الفلاسفة الماديون والانتحار ومن المفكرين فريق لا يقول بالنفس والخلود ويرون إن الموت نهاية كل حي. وهذا الفريق يؤثر الموت على الحياة والفناء على البقاء ويرى أن الحياة شر وتعذب وفي الموت كل الراحة والهناء. ومن أنصار هذا الفريق فريق الماديين وهم يقولون بأن النفس بدعة لا وجود لها وإن الكون خلق من المادة. إنما توجد في الخلق الحياة بالحركة وغيرها من القوى الكامنة في المادة. ومنهم الدهريون القائلون بأن العالم أرحام تدفع وأرض تبلع. وإن المنايا خبط عشواء من تصب تمته ومن تخطئ يعمر فيهرم وإن أمر الإنسان في حياته موقوف على صروف الزمان. هؤلاء بأسرهم يقولون بتفضيل الموت على الحياة ويرون أن الحياة ذنب جناه الناس على النسل. وقد نشأت هذه المبادئ عند الفرس واليونان وغيرهم من الأمم التي أتى عليها الزمان. فلما أشرقت شمس الحكمة في الغرب وأينعت أزهار المدنية الحديثة قام من الغرب أناس يدعون إلى تلك المذاهب وألبسوها لباس الغلو الشديد. حتى حدث الحال ببعضهم أن أسسوا جمعيات بعد أن ائتمروا بينهم على الانتحار بالتعاقب فينتظم الفرد في سلكها على أن يقتل نفسه إذا انتهى إليه الدور وأصابته النوبة. الجهلاء والانتحار وترى الجاهلين وهم لم يسمعوا بالخلود ولم يعوا بأن لم نفوساً زكية لها بالخالق اتصال ولم يعلموا بمبدأ الماديين ولم يبلغهم مذهب الدهريين إذا سئموا تكاليف الحياة (وأي الرجال لم يسأم؟) عمدوا إلى نفوسهم فاختطفوها من بين جنوبهم وهم على يقين من أنهم يلقون عذاباً أليماً قائلين ولعذاب الآخرة خير لنا من تكاليف الأولى. كتاب القصص والانتحار يلعب كتاب القصص بالنفوس لعباً. ويندر أن تقع لك لا تنتهي بقتل نفس ليأس استحوذ على رجل أو حب أحدث في قلبه جنوناً. ولقد تنال تلك الصغائر من صغار العقول منالاً كبيراً فتمهد لهم السبيل إلى ارتكاب ما يرتكبون. على أنه ليس في كتاب (ألف ليلة وليلة) وهو أشهر القصص في لسان العرب قصة تنتهي بقتل النفس. وقد يقاسي أحد أبطال ذلك الكتاب أهوالاً تشيب لها الولدان ولا يخطر على قلبه قتل نفسه. وأخبار العرب في كتب الأدب وهي كثيرة غزيرة فيها أخبار الحرب والغرام والثأر والانتقام لا تجد فيها خبراً ينتهي بقتل النفس. إنما تسرب إلينا الاقتداء بإبطال القصص في قتل النفس من تلك القصص الغربية التي يتحفنا بها المعربون. فن التمثيل والانتحار وإنك لا تشاهد رواية مؤلمة حتى تجد لقتل النفس فيها أثراً كأنه هو ما يعمد إليه الناس وقت ضيقهم وهم لا يعمدون إلى خالقهم أو يثوبون إلى رشدهم. وأشد تلك الروايات في النفس وقعاً رواية (شهداء الغرام) وخلاصتها أن فتى يعشق فتاة. ويقف العداء في سبيل قربهما. ثم يحدث أنه يقتل قريباً لها فينفيه الملك فتحزن عليه حبيبته وتجرع كأساً ينالها بعد سبات عميق فيدفنها أهلها. ويأتي حبيبها إلى قبرها زائراً على غير علم بأنها لا تزال حية ترزق. وإذا ما رأى قبر حبيبته ورأى جمالها الفتان قد ذبلت زهرته يجرع سماً زعاقاً فيخطف روحه الموت الزؤام وتفيق حبيبته من سباتها فيأخذ بصرها حبيبها فتراه جثة خامدة قد أطفأ الموت شعلتها فتقتل نفسها. وغير هذه من روايات شكسبير رواية القائد المغربي. فإنه تلحقه غيرته على امرأته من رجل غريب ويوقع بينه وبينها رجل من أهل الشر والفساد فيخدم أنفاسها. ثم يحصحص الحق ويدري بأنها بريئة وأن شرفه سليم لم ينله أذى فيقتل نفسه غيظاً من نفسه. ومن روايات فيكتور هوجو رواية طبق الخافقين ذكرها واشتهر أمرها بين أهل الفضل والأدب اسمها (رويبلاس) وخلاصتها أن أميراً من أمراء الإسبان رأى أن الملك صائر إلى الزوال لأن الملك كان كثير التنقل والارتحال والملكة من ربات الجمال فأتى في بعد الملك بغلام من السوقة بهي الطلعة وقال إنه أخوه فأحلته الملكة محل الإكرام والتبجيل. وأحب الغلام الملكة حباً مبرحاً هذب نفسه ولطف من خلقه وسما به سمواً كبيراً. ورأى رويبلاس الوزراء يوماً يتفاوضون فيما بينهم على مال المملكة فعنفهم فسمعته الملكة فأحبته وقربته إليها. ولما علم الأمير المحتال بذلك جمع بينهما تحت مدارع الظلماء على غير علم منهما بقصده ثم فاجأهما ووصم الملكة بوصمة العار وذلك لتتخلى عن الملك ويتفرد به. فعز الأمر على رويبلاس وخلع لباس الأمراء وقال إنك لقيت الملكة مع غلام من بطانتها ولم تجدها مع أمير يظن به وبها السوء. فذعر الأمير الكبير لفعله فأخذ الغلام بسيفه وقتل به الأمير ثم جرع السم فارتاعت الملكة وصرخت بملء فيها (رويبلاس) فيقول وهو يتضاءل بين يدي الموت: مولاتي الرحمة والرضوان ثم يغلبه الموت على أمره. قصيدة من الشعر وحرام على حافظ إبراهيم أن ينظم قصيدة تهيج النفوس الساكنة وتحرك الشر في القلوب وتحمل من نالت منه الخطوب على أن يقتل نفسه إذا قال حفظ الله نفسه: سعيت إلى إن كدت أنتعل الدما وعدت وما أعقبت إلا التندما سلامٌ على الدنيا سلام مودع رأى في ظلام القبر أنساً ومغنما أضرّت به الأولى فهام بأختها وإن ساءت الأخرى فويلاه منهما فهبي رياح الموت نكبأ واطفئي سراح حياتي قبل أن يتحطما فيا قلب لا تجزع إذا عضك الأسى فإنك بعد اليوم لن تتألما ويا عين قد آن الجمود لمدمعي فلا سيل دمع تسكبين ولا دما ويا صدر كم حلت بذاتك ضيقة وكم جال في أنحائك الهم وارتمى فهلا ترى في ضيقة القبر فسحة تنفس عنك الكرب إن بت مبرما أكابر الرجال والانتحار ولقد قام فريق من أهل الطب وقالوا بان الجنون أقوى أسباب قتل النفس. وعارضهم في ذلك آخرون وقالوا بأن من يحفظ التاريخ ذكر انتحارهم كانوا من أعقل الناس وأكبرهم نفوساً. ومن هؤلاء الرجال العظام الذين سعوا إلى حتوفهم بأظلافهم وخطفوا أرواحهم بأسيافهم القائد القرطجني الشهير هنيبال فإنه بعد أن هزم جنود الرومان شر هزيمة عاد فأفل نجم سعده ورافقته الخيبة ولازم جنده الفشل وانهزم. فأوي إلى ملك يحتمي به ثم لم تطق نفسه أن تبقى على الذل فانتحر. ومنهم كاتو القائد الروماني الشهير. وكان ذلك القائد من أنصار بومبيوس الذين يمتون إليه بحبل الصداقة والإخلاص وكان من المتألبين على قيصر العاملين على انخذاله فلما أخلفت الأيام ظنه وبات قيصر والنصر حليفه واندحر بومبيوس وأنصاره شق الأمر على كاتو وأبت نفسه أن يبقى على الضيم فطعن نفسه بخنجره طعنة أودت بحياته. ومنهم أوتو القيصر الروماني الكبير الذي تألبت عليه جنود الألمان وردوه مخذولاً محسوراً فأبت نفسه العار واختار الصارم البتار. ووجد عليه أهل مملكته فقتل كثير منه نفوسهم حزناً وأسى. ومن له إلمام بالتاريخ الحديث يذكر أن فريدريك الكبير بعد أن ظهر على أعدائه ظهوراً كبيراً عاوده النحس ولزمه الفشل وتألبت عليه ثلاث دول كبرى وتخلى عنه محالفوه فاحتواه اليأس ونال منه القنوط وعمد إلى الانتحار. ولكنه عاد فغلبته على أمره بقية عزيمة فيه وتحول عن قتل نفسه بنفسه. نابليون لم ينتحر ولا يسعنا إلا أن نذكر نابليون ذلك الملك الكبير صاحب الحروب والغارات ورب القتال الذي نال من الأمم ما لم ينله الإسكندر أو هنيبال فإنه بعد أن كان من أمره ما كان وأسرته إنكلترا مالكة البحار وقذفت به إلى تلك الجزيرة القصية التي يحيط بها بحر الظلمات إحاطة المطبق بالأسير وبقي فيها في ذل وانكسار تحت حكم رجل جاف الطبع غليظ القلب لا يعبأ بأكاليل النصر ولا تهمه تيجان الفخار ست سنين طوال لم يدر في خلده أمر الانتحار. فما أكبر تلك النفس في النصر والأسر. انتحار المرأة والرجال الذين يقتلون نفوسهم أكثر من النسوة اللاتي يقترفن الانتحار لأن الرجل أقرب إلى متاعب الحياة وهمومها وهو الذي يلقى آلام العيش ويذوق أصناف العذاب فهو الهارب الطالب الراغب الراهب الهالك النادب. وهو الذي يخوض غمار معترك الحياة فإما فائزاً منصوراً أو مخذولاً محسوراً. أما المرأة فهي سيدة الرجل ومليكة قلبه يسعى ليأتيها برزقها وينصب ليصونها من الشقاء فهي أبعد منه عن مصائب الدهر وطوارئ الحدثان. وإنك لترى أن النساء لا يعمدن إلى الانتحار فراراً من فقر أو هرباً من عار أو حرصاً على شرف من أن تناله يد الأذى أو حزناً على مال مضيع أو أسفاً على نصر عقد للأعداء لواؤه ولكن لحب دب في النفي دبيب الجنون في العقل أو غيرة نالت من قلوبهن ما تناله النار من الحطب. وكأن المرأة لا تزال تخشى على جمالها من أن تذبل زهرته حتى بعد الموت فهي تقتل نفسها بما لا يمس حسن وجهها فتعمد إلى السم أو الغرق. وأشهر من قتلن نفوسهن من النسوة الملكة كلوبطرة. فإنها بعد أن مات عشيقها (انطونيوس) وأمست الدنيا في عينيها أضيق من سم الخياط عمدت إلى قتل نفسها. فدعت إليها وصيفة لها وقالت ألبسيني حلة الملك وضعي فوق رأسي تاج السلطان فقد آن لي أن أموت وكنت أهوى أن كون من الخالدات أما الآن فما أسهل الموت وما أحلاه وما أمر العيش وما أقسى الحياة. آه. . . إني أكاد أسمع صوت حبيبي وهو يدعوني إليه. وأراه يهم بنفسه فإذا رآني أسعى نحوه تبرق أسرته. ثم أخذت بالحية وقالت إلي أيتها الحية الفانية حلي عقدة حياتي. ووضعت بها على صدرها وحنت عليها حنو أم مرضع ففغرت الأفعى فاها كأنها تبسم لها ورضعت من ثديها ماء الحياة. . . ولما جنت أوفليا عشيقة همليت عمدت إلى قتل نفسها فأرخت غدائر فرعها ووضعت فوق رأسها إكليلاً من الزهور وسعت إلى غصن شجرة على شاطئ البحر وجلست عليه وأخذت تهز بنفسها طرباً ما تهتز الطيور على الأغصان وهي تشدو وتغرد فلم يقو الغصن على حمل قدها وهوى بها فعانقها الموت على صدر الماء. على أن هناك سبيلاً إلى الموت أيسر من السم والغرق. روى رجل أن فتاة سلكت ذلك السبيل قال: ودفعنا بالباب فهبت علينا من الحجرة روائح الأزهار وعطر الرياحين ونظرنا إلى الفراش فإذا به مثقل بالفل والياسمين والورد والنسرين. وبصرنا بالفتاة وهي بني خمائل الزهور وقد نامت ملء جفونها ولكن ورد خدودها لم يذبل فخلناه بعض الزهور الزاهرة. الانتحار داء من أدواء المدنية قال ابن خلدون: إن البداوة أقرب إلى الخير من الحضارة وسبب ذلك أن النفس إذا كانت على الفطرة الأولى كانت متهيئة لقبول ما يرد عليها وينطبع فيها من خير أو شر وأهل الحضر لكثرة ما يعانون من فنون الملاذ وعوائد الترف والإقبال على الدنيا والعكوف على شهواتهم منها قد تلوثت أنفسهم بكثير من مذمومات الخلق وبعدت عليهم طرق الخير ومسالكه. وأهل البدو وإن كانوا مقبلين على الدنيا مثلهم إلا أنه في المقدار الضروري لا في الترف ولا في شيء من أسباب الشهوات واللذات ودواعيها فعوائدهم في معاملاتهم على نسبتها وما يحصل منهم من مذاهب السوء ومذمومات الخلق بالنسبة إلى أهل الحضر أقل بكثير فهم أقرب إلى الفطرة الأولى وأبعد مما ينطبع في النفس من سوء الملكات بكثرة العوائد المذمومة وقبحها. ونزيد على قول ذلك العالم الجليل إن في جسم الحضارة شوائب وأدواء البداوة سليمة منها. فإن أهل الحضر يجمعون في طباعهم بين الأنانية والاستئثار بالنفع والكذب والنفاق والسرقة فتنزع نفوسهم إلى الشر والفساد وأما أهل البدو فهم أبعد عن تلك العيوب والمثالب لأن الخيرات عندهم وافرة فلا يتسرب الطمع إلى نفوسهم ولا يجد حب الذات من قلوبهم مكاناً رحيباً. وليس الانتحار إلا داء من أدواء المدنية الحديثة يلجأ إليه كل بائس ظلمه ذلك المجتمع الإنساني وأهمل شأنه وهو في حاجة إليه. ولذا ترى قتل النفس يزداد رويداً رويداً في كل البلدان التي انتشرت فيها المدنية وهو على الأكثر في المدن الكبرى حيث معترك الحياة أشد باساً ونار الجهاد في سبيل هذه الحياة الدنيا أحمى وطيساً وعلى أقله في القرى الصغيرة وبين الفلاحين وحيث يجد كل إنسان عملاً يعمله هو. وحيث لا ترى المرأة تتبرج وتتزين فتأخذ بعقل الرجل وحيث لا حانات يأوي إليها الفتيان فيزيدون جنونهم بما لديهم من المال القليل وحيث الطبيعة ساكنة هادئة تشهد بجمال الخالق وقدرته وكماله. هل الانتحار عدل؟ لا يستطيع الكاتب أن يبوح برأيه في أمر قتل النفس بعد أن بينه هذا التبيين ويجدر بالقارئ أن يحكم على الأمر بنفسه. وغير نكير أن الحياة كلها شر وأن الخير فيها صائر إلى الزوال. . . وإن ذوي المفسدة ينالون ما لا يناله أهل الخير والفضل. ونعم إن حب الحياة فطرة في الإنسان فهو لا يعمد إلى قتل نفسه إلا إذا بلغت به الهموم والأحزان أو الفقر والفاقة مبلغاً شديداً أو نال منه داءُ لا يرجى شفاؤه أو غرام مبرح منالاً كبيراً أو أبت نفسه الذل بعد العز. وتلك أمر ولا يعرفها إلا من يذوق مرّها لأن الشوق لا يعرفه إلا من يكابده ولا الصبابة إلا من يعانيها. ونحن نعلم أن أحد هذه البواعث يحدث في العقل جنوناً فيقتل المجنون نفسه. فهلا التمسنا عذراً للمجانين؟ القاهرة محمد لطفي جمعة الجباية في الإسلام لفن المالية منزلة عالية عند رجال الدول لأنهم في أشد الحاجة إلى معرفه ليعلموا كيف يفرضون الضرائب على الأمة ولهذا عني به الأوروبيون فجعلوه من أهم الفنون التي تقرأ في أرقى المدارس الجامعة فمن درس هذا الفن واطلع على كتاب الخراج لأبي يوسف رآه جامعاً للأبحاث المالية في صورة مجلة مندمجة القواعد تكون أساساً لروح أموال الدول وبياناً لذلك أشرع بتعريف فن المالية وأذكر موضوعه وغايته فأقول: فن المالية (هو عليم يبحث عن أموال الدول) وضع لوصف تلك الأموال وبيان نوعها وتكييف إدارتها. وغايته تعليم القواعد المقررة المأخوذة عن تجارب جرت لأخذ الأموال بالعدل وصرفها بالعقل على شرط أن تحفظ مصالح الأمة والحكومة معاً فالدولة التي لا تراعي قواعد هذا الفن لا يتيسر لها أن تحصل على الأموال الطائلة التي تلزم لحفظ حياة بلادها والذود عن حياض أمتها. منشأ أموال الدول ثبت بالاستقراء أن كل شيء يبدأ صغيراً ثم يكبر سنة الكون في جميع الأمور وناموس عام يشمل الأشياء كلها وهذا القول يصدق على البشر والدول. ولما اخذ الناس يتكاثرون وينمون في الأرض أنشأوا ينقسمون إلى قبائل وعشائر وأصبح قويهم يطمع في التغلب على ضعيفهم فطرة فيهم منذ خلقوه ودأبهم في كل جيل. وهذا ما دعا كل فريق إلى الحذر من جاره أو الانتقام منه أو التعدي عليه فيتحاربون ويتقاتلون وينهب بعضهم أموال بعض ويعبثون بالسكان ويسبون النساء ويستحيون الذراري فيجعلونهم أذلاء صاغرين. وكان الدولة في تلك الأدوار عبارة عن هيئة تحفظ نفسها من تعدي القبائل والعشائر وتسعى لتكون على وفاق مع غيرها وتنشر لواء العدل وتحكم بالعرف والعادة معتمدة على الوجدان على حين كان لا فرق بين الحكومة والدولة من ثم يتضح أن أساس وظائف الحكومة وأهمها منع اعتداء الأعداء ونشر لواء العدل بين أفراد الأمة وكانت العادة إذ ذاك أن يتجهز أفراد القبيلة للحرب بسلاحهم وأموالهم بيد أنهم كانوا يتركون ما يغنمونه من الأموال والأراضي لرئيسهم وأعوانه جزاء شجاعتهم في الحرب وقيامهم بسنة العدل في زمان السلم وما هذه الأموال والأراضي المسلوبة إلا أموال الدولة الابتدائية وعلى هذا النمط كانت الأمم الشرقية في العصور المتقدمة توزع الغنائم على الأمراء والشجعان والرهبان وتأسر السكان وتزرع أراضيهم على أكتافهم. ولما ارتقت حكومات اليونان القديمة والدول الشرقية أذهن يوسعن نطاق بلادهن ويقوين سطوتهن فبنين بتلك الأموال وأولئك الأسرى المباني العظيمة والآثار الفخيمة التي لا تزال تدهش المتأخرين وظل هذا الناموس معمولاً بع وقاعدة من قواعد حقوق الدول المعتبرة في ذلك الحين إلى أن بزغت شمس الإسلام فتبين بطلان هذا القانون الواهي وجعل القائمون بدعوة الدين يكتفون بفتح البلاد وضرب الخراج على الأراضي والجزية على الرقاب ويتركون السكان أحراراً يتصرفون في أملاكهم كما يشاؤون كتاب الخراج ص ١٤ و ٢٠ وجاء فيه بالحرف قال عمر رضي الله عنه فأقر ما أفاء الله عليك في أيدي أهله واجعل الجزية عليهم بقدر طاقتهم تقسمها بين المسلمين ويكونون عمار الأرض فهم أعمل بها وأقوى عليها ولا سبيل لك عليهم ولا للمسلمين معك (ص: ٨٢ ) وغدت الدول الإسلامية وحكومات الرومان على ذاك العهد تصرف الأموال في توطيد دعائم الأمن والعدل وتسهيل سبل النجاح على أن الملوك والأمراء في الأجيال المتوسطة أخذوا يحصرون الأموال والأراضي بأنفسهم فصاروا يديرون الممالك بذاتهم وكانت أموالهم يومئذ عبارة عن دخل الرهبان بعد موتهم ريثما يعين غيرهم يضاف إلى ذلك دفائن الذهب والفضة المكتشفة وأموال من لا وارث يرثهم أو من قتلوا جزاء أعمالهم القبيحة وما يحصل من الحراج والمعادن وضرائب المسكرات والصيد وانتقال الأراضي بين الوارثين وعشور البيع والشراء والجزاء النقدي وغير ذلك فيتضح من ذلك أن الأموال المذكورة هي أساس الضرائب الجارية في البلاد المتمدنة الآن. ولما اخترع البارود واستبدلت المحرقات الفاتكات بالجارحات واتحدت الأمم والشعوب جعلت الدول تتيه عجباً بعظمتها فأخذت يثير بعضها على بعض ويشن الغارات أعواماً مديدة حتى صارت الحكومة تنوء بأعباء الديون واضطرت إلى تحصين القلاع وتقوية الحدود واستخدام الجيوش المنظمة في زمن السلم دون الحرب وأنشأت تسعى في تزييد أموال الملة ليزداد دخلها وتسعى في رفاهيتها وسعادتها وتحسي أخلاقا وتهيئ الأسباب الكافية لهذا الغرض فاقتضى لذلك مبالغ طائلة. فتبين مما تقدم أن أهم وظائف الحكومة نحو الأمة حفظ كيانها من تعدي الأعداء في الداخل والخارج وهذا لا يقوم إلا بأحكام أسس العدل والحرية وتعميم المعارف وتوفير أسباب الزراعة وتنظيم الصنائع وتسهيل طرق التجارة وكل ذلك يحتاج إلى دراهم ولذلك أحق للحكومة أن تأخذ من الأمة أجرة قيامها بنشر العدل والأمن داخلاً وخارجاً براً وبحراً وليست هذه الأجرة إلا أموال الحكومة التي يحق لها تقاضيها من أفراد الأمة. قال أبو يوسف: كتب أمير الطائف إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن أصحاب النحل لا يؤدون إلينا ما كانوا يؤدون إلى النبي صلى الله عليه وسلم ويسألون مع ذلك أن نحمي لهم أوديتهم فأكتب إلي بريك في ذلك فكتب إليه عمر أن أدوا إليك ما كانوا يؤدونه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فاحم لهم أوديتهم وإن لم يؤدوا إليك ما كانوا يؤدونه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فلا تحم لهم قال وكانوا يؤدون إلى النبي عليه الصلاة والسلام من كل عشر قرب قربة اهـ ص ٤٠ وقال: فلما رأى أهل الذمة وفاء المسلمين لهم وحسن السيرة فيهم صاروا أشداء على عدوا المسلمين وعوناً للمسلمين على أعدائهم فبعث أهل كل مدينة ممن جرى الصلح بينهم وبين المسلمين رجلاً من قبلهم يتجسسون الأخبار عن الروم وعن ملكهم وما يريدون أن يصنعوا فأتى أهل كل مدينة رسلهم يخبرونهم بأن الروم قد جمعوا جمعاً لم ير مثله فأتى رؤساء أهل كل مدينة رسلهم الأمير الذي خلفه أبي عبيدة عليهم فأخبروه بذلك فكتب والي كل مدينة ممن خلفه أبو عبيدة إلى أبو عبيدة يخبره بذلك وتتابعت الأخبار على أبي عبيدة فاشتد ذلك عليه وعلى المسلمين فكتب أبو عبيدة إلى كل وال ممن خلفه في المدن التي صالح أهلها يأمرهم أن يردوا عليهم ما جبي منهم من الجزية والخراج وكتب إليهم أن يقولوا لهم إنما رددنا عليكم أموالكم لأنه بلغنا ما جُمع لنا من الجموع وإنكم قد اشترطتم علينا أن نمنعكم وإنا لا نقدر على ذلك وقد رددنا عليكم ما أخذنا منكم ونحن لكم على الشرط وما كتبنا بينا وبينكم إن نصرنا الله عليم. فلما قالوا ذلك لهم وردوا عليهم الأموال التي جبوها منهم قالوا ردكم الله علينا ونصركم عليهم فلو كانوا هم لم يردوا علينا شيئاً وأخذوا كل شيء بقي لنا حتى لا يدعوا شيئاً اهـ ص ٨١ فتأمل! كيف تطرح الضرائب تبين مما فصلناه أن طرح الضرائب العادلة التي تطبق الأمة حملها (لا يكلف الله نفساً إلا وسعها) حق صريح من أهم حقوق الحكم والاستقلال ولا يخفى على من قرأ التاريخ أن الحكومات وقعت في ديون جسيمة وتداعت تحت أثقالها بسبب الحروب العظيمة التي امتدت أعواماً وشهوراً لعلل معقولة أو غير معقولة حتى اضطرت إلى تحميل الأمة الأجرة التي تقدم ذكرها مع تسوية ديونها من أجل حفظ كيأن الدول ولذلك عرف علماء هذا الفن الضريبة بقولهم: الضريبة ما أصاب كل فرد من أفراد الأمة من نفقات الحكومة بالنسبة لريعه الحقيقي. فالضرائب يجب أن تؤخذ من أفراد الأمة بالعدل والإنصاف وشرط في أخذها النسبة مع صافي إيراد كل شخص وقد بذل الأوروبيون جهدهم في البحث فلم يروا غير ثلاث طرق يؤملون بها أخذ الضرائب التي لا مناص منها على قاعدة العدل والإنصاف ولكنهم قلما نجحوا فيما قصدوا له وأما تلك الطرق الثلاث فهي:  ١ - أن يتبين أفراد الأمة إيرادهم ويعترفوا للحكومة بمداخليهم  ٢ - التحقيقات الرسمية  ٣ - الإمارات الخارجية فبيان أفراد الأمة واعترافهم هو إجبار كل فرد على بيان حقيقة ريعه لينال نصيبه من النفقات اللأزمة للحكومة. غير أن هذه الطريق لا تكون سالمة لأن الناس يكرهون بيان حقيقة أموالهم مع ريعهم ولا يستثنى من ذلك إلا الإنكليز الذين حرموا على أنفسهم الكذب أمام حكومتهم فيما يترتب عليهم أداؤه لأنهم على ثقة من عدلها فلا تكلفهم مالا يطيقون ومع أن هذه الطريق أقرب للعدل من سواها فهي لا تكون عادلة عند جميع الأمم ويستحيل اعتراف المرء بحقيقة دخله إذا كان مقدار الضرائب فوق الطاقة. وأما التحقيقات الرسمية فهي أن يدقق عمال الحكومة ويحققوا دخل عمال أفراد الحكومة ويحققوا دخل أفراد الأمة ومهما كان أولئك الموظفون متصفين بالعدل معروفين بالإنصاف بريئين عن الغرض والغاية لا يصدقون في تقديراتهم ولا يصلون إلى حفظ النسبة بين المكلفين ولذلك يصعب تحقيق العدل في هذا الطريق. وأما الإمارات الظاهرة فهي أقل عدلاً من غيرها لأن الظواهر لا تكون حقائق وذلك باعتبار المنازل الجسيمة غير سديدة لأن الناس اعتادوا أن يتظاهروا بالمال والغنى ويضعوا أنفسهم في مصاف من لهم من الإيراد ما يساوي ملكهم وكذلك البخلاء المقترون ممن إذا رأيتهم حسبتهم من الفقراء المدقعين مثلهم كمثل البغال والحمير يحملون الفضة والذهب ويأكلون التبن والشعير فلو نظر لظواهر هؤلاء وفرضت الضرائب على تلك النسبة ظلم الأولون وتضررت الحكومة بخسة الآخرين. ومع شدة عناية الدول المتمدنة بإيجاد واسطة لوضع الضرائب بالعدل لتعم كل فرد وتؤخذ منهم على نسبة واحدة لكي لا يكلف الضعيف بالكثير ولا القوي بالقليل لم ينجحوا حتى الآن. بيد أن سعيهم هذا جعلهم يقربون من العدل وكذا المسلمون في صدر الإسلام بذلوا قصارى جهدهم من أجل أن يعدلوا بين الرعية في حفظ النسبة بين الإيراد والضرائب. جاء في كتاب الخراج ص ٢٠ فمسح عثمأن الأرضيين وجعل على جريب العنب عشرة دراهم وعلى جريب النخل ثمانية دراهم وعلى جريب القصب ستة دراهم وعلى جريب الحنطة أربعة دراهم وعلى جريب الشعير درهمين وعلى الرأس اثني عشر درهماً وأربعة وعشرين درهماً وثمانية وأربعين درهماً وعطل من ذلك النساء والصبيان. أهم وقال: حدثني الحجاج بن ارطاة عن ابن عوف أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه مسح السواد ما دون جبل حلوأن فوضع على كل جريب عأمر أو غأمر لينال الماء بدلو أو بغيره زرع أو عطل درهماً وقفيزاً وأحداً ومن كل رأس موسر ثمانية وأربعين درهماً ومن الوسط أربعة وعشرين درهماً ومن الفقير اثني عشر درهماً وختم على أعناقهم رصاصاً وألغى لهم النخل عوناً لهم وأخذ من كل جريب الكرم عشرة دراهم ومن كل جريب السمسم خمسة دراهم ومن الخضر من غلة الصيف من كل جريب ثلاثة دراهم ومن كل جريب القطن خمسة دراهم. وقال: ثم حمل الأموال على قدر قربها وبعدها فجعل على كل مائة جريب زرع مما قرب ديناراً وعلى كل مائتي جريب مما بعد ديناراً وعلى كل ألف أصل كرم مما قرب ديناراً وعلى كل ألفي أصل من بعد ديناراً وعلى الزيتون على كل مائة شجرة مما قرب ديناراً وعلى كل مائتي شجرة مما بعد ديناراً وكان غاية البعد عند مسيرة اليوم أو اليومين وأكثر من ذلك فتبين من هذا أن مراعاة النسبة للإيراد الصافي من الأمور التي يجب أن يعنى بها في طرح الضرائب. جباية الأموال وخلاصة الأمر أن رجال الإسلام سعوا لجعل التكاليف متناسبة مع إيراد الأشخاص كي لا يظلم زيد بعمرو. وأما جباية الأموال فشرط فيها علماء هذا الفن أن تكون في زمان سعة المكلف بها فيحصل من الفلاح ضريبته مثلاً بعد أن يذري غلاته ويأتي بها للبيع لئلا يضطر للاستدانة بالربا. فيكون مكلفاً بالمال ورباه. ويتقاضى من أرباب المواشي بعدما تنتج وتدرج ويتمكن من بيعها حتى لا يستدين أيضاً وتؤخذ عن العقارات عندما تؤجر وم الصادرات والواردات عند دخولها وخروجها وأوصوا أن لا تجبى تلك الأموال قبل أوأنها فقال أبو يوسفكتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى أحد عماله على العشور في العراق والشام من مر عليك فأخذت منه صدقة فلا تأخذ منه شيئاً إلى مثل ذلك اليوم من قابل إلا أن تجد فضلاً_إلى أن فل. حدثني يحيى بن سعيد عن زريق بن حيان وكان على مكس مصر فذكر أن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه كتب إليه أن انظر من مر عليك من المسلمين فخذ مما ظهر من أموالهم ومما ظهر من التجارات من كل أربعين ديناراً وما نقص فيجاب ذلك يبلغ عشرين ديناراً فإن نقصت تلك الدنانير فدعها ولا تأخذ منها وإذا مر عليك أهل الذمة فخذ مما يديرون في تجاراتهم من كل عشرين ديناراً دينارا فما نقص فبحساب ذلك حتى تبلغ عشرة دنانير ثم دعها فلا تأخذ منها شيئاً واكتب لهم كتاباً بما تأخذ منهم إلى مثلها من الحول. وقد شرط على الجباة أن لا يضايقوا الرعية لئلا تنفر من الحكومة وحددوا لهم زمأن الجباية فمن تأخر عن الدفع أنذره الجأبي بلطف يخجله فإذا تأخر عن إيفاء ما عليه بعد أنذاره أنذره ثانية بشدة ممزوجة بلين وإذا تأخر بعد ذلك أقام عليه الدعوى بالمحكمة ثم يوضع الحكم في دائرة الإجراء فتحصله هذه كسائر الديون بحسب القانون على شرط أن لا تمس كرامة المكلف بدفعها. قال أبو يوسف حدثني إسماعيل بن إبرأهيمبن المهاجر البجلي عب الملك بن عمير قال حدثني رجل من ثقيف قال استعملني علي بن أبي طالب رضي الله عنه على عكبراء فقال لي وأهل الأرض معي يسمعون: انظر أن تستوفي ما عليهم من الخراج وإياك أن ترخص لهم في شيء وإياك أن يروا منك ضعفاً ثم قال رح إلي عند الظهر فرحت إليه عند الظهر فقال لي إنما أوصيك بالذي أوصيتك به قدام أهل عملك لأنهم قوم خدع انظر إذا قدمت عليهم فلا تبيعن لهم كسوة شتاء ولا صيفاً ولا رزقاً يأكلونه ولا دابة يعملون عليها ولا تضربن أحد منهم سوطاً وأحداً في درهم ولا تقمه على رجله في طلب درهم ولا تبع لأحد منهم عرضاً في شيء من الخراج فإنا إنما أمرنا أن نأخذ منهم العفو فإن أنت خالفت ما أمرتك به يأخذك الله به دوني وأن بلغني عنك خلاف ذلك عزلتك. قال: قلت أذن ارجع إليك كما خرجت من عندك قال: وإن رجعت كما خرجت قال: فإنطلقت فعملت بالذي أمرني فرجعت ولم انتقص من الخراج شيئاً. وقد منع عمال الصدقة الجباة عن قبول الهدية والصدقة قال أبو يوسف استعمل النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً يقال له ابن اللتيبة على صدقات بني سليم فلما قدم قال: هذا لكم وهذا أهدي إلي قال النبي عليه الصلاة والسلام على المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: ما بال عامل أبعثه فيقول هذا لكم وهذا أهدي إلي أفلا قعد في بيت أبيه وبيت أمه حتى ينظر أيهدى إليه أم لا والذي نفسي بيده لا يأخذ أحد منها شيئاً إلا جاء به يوم القيامة يحمله على رقبته أما بعير له رغاء أو بقرة لها خوار أو شاة تيعر ثم رفع يديه حتى رؤي بياض أبطيه فقال اللهم هل بلغت. ولما كان أمر جباية الأموال من أهم الأمور التي يجب تجنب الظلم والاعتساف وحفظ راحة العامة والخاصة قال أبو يوسف أن تتخذ قوماً من أهل الصلاح والدين والأمانة فتوليهم الخراج ومن وليت منهم فليكن فقيهاً عالماً مشاوراً لأهل الرأي عفيفاً لا يطلع الناس منه على عورة ولا يخاف في لومة لائم ما حفظ من حق وأدي من أمانة احتسب به الجنة وما عمل به من غير ذلك خاف عقوبة الله فيما بعد الموت تجوز شهادته أن شهد ولا يخاف من جور في حكم أن حكم فإنك إنما توليه جباية الأموال وأخذها من حلها ونجنب ما حرم منها أن يرفع من ذلك ما شاء ويحتجن منه ما شاء فإذا لم يكن عدلا ثقة وأميناً فلا يؤتمن على الأموال إلى أن قال: وقد يجب الاحتياط فيمن يولى شيئاً من أمر الخراج والبحث على مذاهبهم والسؤال عن طرائقهم كما يجب ذلك فيمن أريد للحكم والقضاء وتقدم إلى من وليت أن لا يكون عسوفاً لأهل عمله ولا محتقراً لهم ولا مستخفاً بهم ولكن يلبس لهم جلباباً من اللين يشوبه بطرف من الشدة والاستقصاء من غير أن يظلموا أو يحملوا ما لا يجب عليهم ثم قال: ولتصير مع الوالي الذي وليته قوماً من الجند من أهل الديوان في أعناقهم بيعة على النصح لك فإن من نصحك أن تظلم رعيتك وتأمر بإجراء أرزاقهم عليهم من ديونهم شهراً بشهر ولا تجري عليهم من الخراج درهماً فيما سواه وقال: تقدم في اختيار هؤلاء الجند الذين تصيرهم مع الوالي وليكونوا من صالحي الجند ومن له الفهم واليسر والنعمة منهم إن شاء الله تعالى ويستنتج مما تقدم أن مراعاة النسبة بين الإيراد وبين الضرائب من أهم القواعد الأساسية في فن المالية ويظهر للقارئ مما ذكر أن المسلمين في صدر الإسلام بذلوا طاقتهم من أجل تخفيف أثقال الضرائب عن الأمة كما يفعل القائمون بوضع الضرائب من العمال العالمين بقواعد هذا الفن في البلاد الراقية اليوم وكذا أقر العلماء أن الدولة لا تكون غنية إلا بشعبها ولا يغنى الشعب إلا بقلة الضرائب فمنع أبو يوسف طلب الزيادة في الخراج من المكلفين بعبارة طويلة ثم ختم كلامه قائلا في الزيادة هذا ضرر على أهل الخراج ونقص للفئ مع ما فيه من الإثم من أين إلى أين من أين من أين يا ابتدائي ثم إلى أين يا انتهائي أمن فناء إلى وجود ومن وجود إلى فناء أم من وجود له اختفاء إلى وجود بلا اختفاء خرجت من ظلمة لأخرى فما أمامي وما ورائي ما زلت من حيرة بأمري معانق الأس والرجاء أن طريق النجاة وعر يكبو به الطرف ذو النجاء يا قوم هل في الزمان نطس يهدي إلى ناجع الدواء لأي أمر هذي الليالي تأتي وتمضي على الولاء فتطلع الشمس في صباح وتغرب الشمس في مساء أرى ضياء يروق عيني ولست أدري كنه الضياء وما اهتزاز الأثير إلا علالة نزره الجلاء نحن على رغم ما علمنا نعيش في غيهب العماء نشرب ماء الظنون عبا فلم نعد منه بارتواء تأتي علينا مشاهدات نروح منهن في مراء وكم نرى فعل فاعلات من القوى وهي في الخفاء ياويلة الحس أنه عن حقيقة الأمر في غطاء فإن أجزاء كل جسم مبتعدات بلا التقاء وفي دقاق الجماد عرك يتهم الحس بالخطاء يا قوة الجذب أطلقيني من ثقله أوجبت عنائي لولاك لولاك يا شكالي لطرت كالنور في الفضاء أنت عماد السماء لكن خفيت عن عين كل راء ربطت كل النجوم فيها بعضاً ببعض ربط اعتناء فدرن في الجو جاريات كانها السفن فوق ماء نحن بني الأرض قد علمنا بأننا من بني السماء لو كنت في المشتري لبانت أراضي سماء بلا امتراء فليس فوق وليس تحت ولا اعتلاء لذي اعتلاء وإنما نحن فوق نجم نحيا محاطين بالهواء فليت شعري أي ارتقاء للروح يبقى أي ارتقاء وأنت يا كهرباء سر يدا وما زال في غشاء عجائب الكون وهي شتى فيك انطوت أيما أنطواء أضأت إن شئت كل داج إن كأنت الروح للبقاء وكم تقاضاك فيلسوف حقيقة صعبة الأداء فقال والقول منه ظن ما الكون إلا بالكهرباء وليلة بتها أنادي نجومها أبعد النداء أأخذ منهن بالتداني فكراً ويأخذن بالتنائي فإنثنى باكياً بشعري ويطرب الليل من بكائي وربما كر بعد وهن فكري فألفى بعض الشفاء فأرجع القهقرى أغني وما سوى الشعر من غناء أقول والنسر فوق رأسي وطالع النجم في إزائي يا أيها الأنجم الزواهي لله ما فيك من بهاء أما كفاك السنى جمالا حتى تجللت بالسناء يا أنجم النعش فاصدقيني أمات ذو النعش بانطفاء أني إذا كنت في حداد إليك أهدي حسن العزاء وأنت يا نسر من كلال وقعت أم طلبة الغذاء أخوك هل طائر لوكر أم قاصد منتهى الفضاء كان أم النجوم سيف سل على الليل ذو مضاء رصع متناه بالداري فراق في الحسن والرواء كان نجم السها أديب في أرض بغداد ذو ثواء كان خط الشهاب مدل لأسفل البئر بالرشاء كانما أنجم الثريا في شكلها الباهر الضياء قفاز كف به فصوص من حجر الماس ذي الصفاء برئت للموت من حياة ما نكبت مهيع الشقاء لم يكفها أنها اجتياح حتى غدت حومة البلاء يا أيها المترف المهنى يمرح في ثوب كبرياء مهلا أخا الكبر بعض كبر ألست تقنى بعض الحياء أنت ابن فقر إلى أمور بهن تدعى يا ابن الثراء أمريكا الشمالية موقعها الجغرافي_تشغل أمريكا الشمالية القسم الشمالي من القارة الغربية وتحتوي على نحو سدس اليابسة من الكرة الأرضية وهي تقريباً مثلثة الشكل وشواطئها البحرية مسننة لعمق خلجانها. سطحها_أن القسم الغربي من سطحها مرتفعات واسعة تخترقها سلسلة جبال عالية وهي تمتد بلسان طويل من برزخ تانتيبك إلى آخر إلى آخر شمالي غربي القارة. مساحتها_مساحتها ٩ ، ٣٤٩ ، ٧٤١ ميلا مربعاً وهي أكثر بقليل عن نصف مساحة قارة_أكبر قارة في العالم_وتبلغ زهاء ثلثي قارة أفريقية مساحة وأكبر من قارة أوروبا مرتين. وطولها نحو ٥٥٠٠ ميل وعرضها نحو ٤٥٠٠ ميل وهي ثالثة القارات اتساعاً. جبالها_أعلى جبالها سانت ايلياس. وعلوه ١٨ ، ٠١٠ أقدام. وجبل أوريزابا وعلوه ٨٣١٤ قدماً. وهذان الجبلان من سلسلة جبال كورديلراس. وهما ثانياً جبال الدنيا يعلوهما. فجبل حملايا في قارة آسيا يعلو عن سطح البحر ٢٧٠٠٠ قدم وهو أعلى جبال الدنيا وجبال القوقاس في أوروبا تعلو عن سطح البحر ١٧٨٠٠٠ قدم وهي خامس جبال الدنيا بالعلو. أما الجبال الصخرية في أمريكا الشمالية فتخترق البلاد من البحر الشمالي من جنوب تخوم الأسكا إلى الجهة الجنوبية من أمريكا الجنوبية. أنهارها_أشهر أنهار أمريكا الشمالية مسيسبي. ولورانس. ومكنكني. وهي أهم سائر شرقي الجبال الصخرية ويوكون وكوليدو. وكولومبيا ثلاثة أنهر مصدرها تلك الجبال وهي تصب في الأوقيانس الباسيفيكي. ومسيسبي من الأنهر التي تسير فيها السفن ومصدره في شمالي البلاد ومصبه في بحر المكسيك وهو أسرع أنهار التي أمريكا ويصب فيه نهر أوهايو ونهر ميسوري ونهر أركانسس. ونسبة نهر مسيسبي في أمريكا الشمالية إلى سائر أنهرها كنسبة نهر أمازون إلى سائر أنهار الدنيا من حيث العظم والكبر والطول. ونهر الأمازون أعظم أنهار الدنيا في برازيل في قارة أميركا الجنوبية ومساحته ٢٦٨١٠٠ ميل وهو ثاني أنهار الدنيا طولاً. فنهر يانيسي في سيبيريا أطول أنهار الدنيا طوله ٣٦٨٨ ميلاً وطول أمازون ٣٥٩٦ بحيراتها_عدد بحيرات أمريكا الشمالية عشر أشهرها وأعظمها خمس بحيرات هي سوبيرير ومشيغن. وهورن. واري. وأونتاريو ومن هذه البحيرة يخرج نهر سانت لورانس السابق الذكر هواؤها_أعظم قسم من أمريكا الشمالية هو في المنطقة المعتدلة. وفي هذا القسم صحاري وحراج واسعة وقسم صغير منها في المنطقة المتجمدة حيث لا تعيش النباتات والمغروسات أو حيث تكون الأنجم والطحلب هي النباتات الرئيسية. وعلى الجملة فإن شمالي أمريكا الشمالية باردة كثيراً وهواؤها بارد معتدل في أقاليمها المتوسطة وحار في جنوبها حيث تجود الأشجار وتكثر البقول. أمطارها_تهطل الأمطار تهطالاً كثيراً على الأقاليم غربي شمالي كولومبيا وعلى الأراضي الواطئة المحيطة بخليج المكسيك وبحر كريب وقلما تمطر في سلسلة جبال كورديلراس وفي الأقاليم الواقعة غربي المكسيك. أما سائر أقاليم هذه القارة فمطرها معتدل وكثيراً ما تمطر في فصل الصيف كما تمطر في فصل الشتاء. أراضيها_أراضي أمريكا الشمالية جيدة جداً وفيها سهول واسعة وهي مخصبة. وقد بقيت قروناً عديدة قبل اكتشافها فصارت اليوم بهمة الجالية الأوروبية تدر على البلاد أخلاف الثروة واليسار وهي التي يصح القول فيها أنها أرض الميعاد التي تفيض لبناً وعسلاً. حأصلاتها_البر والشعير والذرة والأنس والبطاطا والعنب والمشمش والدراق والخوخ والتين والموز والسكر والتفاح الذي لا نظير له في الدنيا بحجمه وجودته. والأرز والقطن والشاي وأكثر أنواع البقول. حيواناتها_أكبر حيواناتها المفترسة النمر المخطط والدب والأغبر والدب الأسود والجاموس البري والغزال ودب القطب الشمالي والخيل والبقر والخنزير والغنم والمأعز والكلب والهر وغيرها وتبلغ الحيوانات التي لا توجد في بلاد سواها نحو ثمانين نوعاً وعدد الطيور فيها ٣٦٢ نوعاً. أما الوحوش البرية التي كانت تأوي الغابات والحراج فقد أنقرض أكثرها. وأصدرت حكومات الولايات الأوامر بانقراضها وعمر الأوروبيون المهاجرون معظم تلك الأرجاء. معادنها_الذهب والفضة والفحم والقصدير والرصاص والماس والزمرد واللؤلؤ والمغناطيس. وهذه المعادن توجد بكثرة فيها وأمريكا الشمالية أغنى قارة في العالم بالمعادن ومعادنها الذهبية توجد بكثرة في كليفرنيا وهو الأقليم الذي يشبه الأقليم السوري في القارة الآسيوية من وجوه. أقسامها_تقسم أمريكا الشمالية إلى ثمانية أقسام هي الولايات المتحدة والمكسيك التي استقلت تحت الحكم الجمهوري سنة ١٨٢٤ وأمريكا المتوسطة وجزائر الهند الغربية وكرنيلاند وألاسكا ونيوفوندلاند. وتحكم سبعة أقسام منها الولايات المتحدة. أما كندا فتحكمها الدولة الإنكليزية. حدودها_يحدها شمالاً الأوقيانوس المتجمد الشمالي وشرقاً الأقيانوس الأتلانتكي وجنوباً بحر كريب وبرزخ درايان والأقيانوس الباسيفيكي وغرباً الأقيانوس الأتلانتكي وغرباً الأقيانوس الشمالي المتجمد والأقيانوس الأتلانتكي والأقيانوس الباسيفيكي. أنواع البشر القاطنة في هذه القارة_يقطن هذه القارة خمسة أنواع من البشر هي النوع القوقاسي وأصله من إنكلترا وجرمانيا وفرنسا واسبانيا وفرنسا وسائر ممالك أوروبا. والنوع الحبشي وأصله من قارة أفريقيا الجنوبية وهو يكثر في جنوبي الولايات المتحدة. والنوع المغولي وأصله من الأسكيميين وهم جيل من الناس يقيمون في بعض جهات الشمال من القارة والصينيون أتوا من الشرق الأقصى في آسيا وهم مقيمون غالباً في غربي البلاد في ولاية كليفرنا. والنوع المعروف بهنود أمريكا_سكانها الأصليين الذين كتبنا عنهم نبذة تقدمت هذه أديانها_نشأت أديان عديدة للإنسأن في كل جيل وبلاد قطنها الإنسان وعمرها فمن البشر من عبد الشمس والقمر والنجوم والسيارات والأصنام وبعض أنواع الحيوانات. ومنهم من عبد الله جل جلاله. ومنهم من جعلوا أفراداً ممتازين ببعض المواهب العقلية آلهة فسجدوا لهم وعبدوهم. وقد قام الملأحدة ويقومون في كل زمن وقطر ومصر. وتاريخ أديأن الجنس البشري متفاوت فتاريخ دين اليهود يرجع إلى أربعة آلاف سنة في أيام إبرأهيمالخليل في غربي قارة آسيا وهم يؤمنون بالسيد عيسى وإنجيله. وتاريخ دين النصارى إلى نحو خمسة آلاف سنة. وكان هؤلاء يعبدون بعض الحيوانات والصور والنقوش التي توهموا أنها كانت مقدسة. وتاريخ أهل الهند يرد إلى أكثر من أربعة آلاف سنة وكان الهنود ولا يزال أكثرهم يعبدون بزهم وفريق منهم يعبدون بوذاً. وتاريخ بوذا يرجع إلى نحو ٢٥٠٠ سنة. ويرد تاريخ الإسلام إلى أكثر من ألف وثلاثمائة سنة. وما يقال في أديان سكان البلاد والقارات التي أشرنا إليها يقال في أديان قارة أمريكا الشمالية. فإن عبده الأوثان وهم في وكرنيلاند في شمالي البلاد وكلهم من الأسكيميين وعبدة الشمس والقمر وبعض الحيوانات وهم معظم هنود أمريكا. وفي هذه القارة البوذي والبرهمي والكافر والمؤمن والمحمدي والدرزي واليهودي والنصراني. والديانة العامة في هذه القارة هي الديانة المسيحية. أما أديان أمريكا الشمالية فترجع إلى تاريخ أمريكا المجهول وتاريخ أديان سائر القطان وإذا اعتبرنا تاريخ أديانها منذ اكتشافها فيكون أربعمائة وأربع عشرة سنة. تنوعت المذاهب وتعددت المشارب في هذه البلاد ومع ذلك فليس للتعصب أثر فيها. فالحرية مباحة لكل دين من الأديان وأن المهاجرين السوريين ليأتونها من بقعة عريقة في التعصب إلى بقعة حديثة بالتساهل وقد حمل فريق منهم التعصب معهم إلى هذه القارة وأخذ هذا الفريق يتاجر بالأديأن فكانت ثمرات التعصب وتلك التجارة إهراق الدماء وخسارة المال وإهانة الاسم والسمعة. الولايات المتحدة - أوماها نبراسكا يوسف جرجس زخم التجارة والشهرة من مقالة في المجلة الباريزية ظهر كتاب في نيويورك مؤخراً اسمه طريقة الإعلانات الجديدة قال فيه مؤلفه أنه انتشر الولع بالسياحة في المجتمع الحديث فلم تكتف كل أمة أن تنعزل وراء تخومها عزلة تامة بل راحت تختص بعمل لا يشاركها فيه سواها. فإذا كأنت المانيا تؤثر كبار رجالها المعروفين وتوسد إليهم الأعمال العلمية وفرنسا تعلم أبناءها الصنائع على اختلاف ضروبها فإن أمريكا تسوق إلى مضأمير الأعمال وهي على ما يظهر موطن المشاريع الصناعية العظمى. وإنا لنميل كل الميل أن نحكم على الأمم حكمنا على الأفراد. نحكم عليهم حكماً مسمطاً في شؤون ليست فيهم على حين كان الواجب علينا أن نقدرهم ونضعهم في المنزلة التي يستحقونها. وقد يذهب بنا الاستقراء الناقص إلى أن نستنبط أن جارنا محروم من الأمر الفلاني. وما على الغريب عن أمة يريد أن يصفها حق وصفها إلا أن يضيف ما رآه إلى ما لم يره. فإن في الأشياء أبداً ما يعجب به ويحب. ولا شك أن الحاجيات بأسرها والنزوع إلى العلى قد أخذت حظها عند كل أمة مثال ذلك أن تشهد التفنن بالصنائع في أمريكا إلا أنك تراه على أتمه في مملكة أخرى وعلى وجه يخالفه كل المخالفة. فمن يطلب المصنوعات الفرنسية في أمريكا يسخر منه كمن يطلب إلى اللابوني أن يلبس ثياب سكان المناطق الحارة أو للنازل على مقربة من خط الاستواء أن يعد الأدوات لصيد الدب الأبيض من جواره. يعيب فلاسفة الألمان على الأمريكي عدم اشتغاله بعلوم ما وراء الطبيعة وعلى العكس يعيب علماء النفس الأمريكان على أساتذة الألمان اكتفاءهم من العلوم بالنظر فيها إلى دون العمل بها. ويعيب المتفنن من الفرنسيين على الأمريكي كونه نفعيا على حين ترى الأمريكي يهزأ إذا نظر إلى ما في بلاد الفرنسيين من أثار التفنن والصناعة. قال الفيلسوف هربرت سبنسر: إن صاحب الفلسفة هو الذي يعرف الصلات التي يهتدي إليها عامة الناس. وبعد فإن أمريكا توصف بأنها مهد الأعمال المالية والحركة التجارية والصناعية والإعلانات هي دليل على ما هناك من نشاط في الاتجار والصنائع. ومتى أوردنا لك بعض الأرقام يتبين لك أن القوم غريبون في أعمالهم. قال موسيوديسي: تنفق الولايات المتحدة في السنة خمسمائة مليون ريال أجور إعلاناتها. أي أن ما تنفقه يقرب مما تنفقه الدول الأوروبية العظمى كروسيا وألمانيا وفرنسا واسبانيا على جيوشها. وكأنت الولايات المتحدة تنفق هذا المبلغ سنة ١٩٠٥ وبحسب التقدير الذي قدره عألمان آخران ارتقت النفقات من ستمائة مليون ريال إلى مليون ريال للإعلان عن مصنوعاته وها هو اليوم يصرف ألف ريال في اليوم على هذا الغرض. وتخصص المعامل الكبرى التي لبيع بالمفرق في مدينة نيويورك وحدها البريد زهاء أربعة ملايين ريال في السنة لنشر إعلاناتها في الصحف. وفي مدينة شيكاغو يستخدمون البريد لنقل قوائم بإعلاناتهم وقد صرف أحد أصحاب المخازن الكبيرة لإرسال طبعة واحدة من الإعلانات بطريق البريد ٦٤ ألف ريال ومعظم الأجور التي يدفعها أرباب المحال التجارية والصناعية يؤدونها لأرباب المجلات لأن المجلة تبقى على المنضدة معرضة للأنظار نصف شهر أو شهر ريثما يصدر العدد التالي أما الجرائد تغيب عن الأنظار بعد الأنظار بعد ساعات من صدورها. تتقاضى إحدى صحف فلادليفيا وهي تطبع مليون نسخة ستة ريالات عن كل سطر من الإعلانات فتكون أجرة الصفحة الواحدة في اليوم ستة آلاف ريال وإذا خصصت بمحل تجاري واحد تؤجر بأربعة آلاف ريال. وهكذا الحال في جريدة العملة التي تصدر في أوغستا فإن أجرة السطر فيها خمسة ريالات وهده الجريدة تطبع مليوناً وربع مليون نسخة والمجلات تتقاضى في أمريكا عن الإعلانات أجرة أرخص من أجرة الجرائد لأنها أقل انتشاراً وأعظم مجلة تطبع في العالم الجديد ٦٠٣٣٥ نسخة فتأخذ أجرة كل صفحة خمسمائة ريال وكثيراً ما تكون نصف صفحاتها مشحونة بالإعلانات فقط وقد قدر ما تتقاضاه عشر مجلات كبرى في الولايات المتحدة فبلغ معدله السنوي ٤ ، ١٣٠ ، ٣٥٣ ريالا. وهكذا قل عن النفقات الطائلة التي ينفقها أرباب التجارة استأجرت ثلاثين ألف مكان لتعليق الإعلانات عشرة ريالات في السنة عن كل قدم مربع في إحدى ساحات نيويورك العظمى. ويكون للتاجر من الرجل الماهر في التفنن بالإعلانات ذخر وأنفع عامل فينقذه راتباً مهماً. لذلك تدفع المخازن الكبرى التي تبيع بالمفرق في أمهات مدن أمريكا مثل نيويورك وشيكاغو الذي يحس صف البضائع في الزجاج يتقاضى أجرة مثل هذه مسانهة. قدر المقدرون أن متوسط ما ينفقه التاجر الأمريكي على الإعلانات من أصل أرباحه خمسة في المائة ومنهم من ينفق أكثر ومنهم من ينفق أقل. ويقتضي ذلك من التفنن وحسن الذوق شيئاً كثيراً ولما كانت أمريكا المثل السائر بغناها ترى الدراهم فيها تغدو وتروح من جيب إلى جيب كانها بانطلاقها دراهم ذاك الكريم المفتخر بقوله لا يألف الدرهم المضروب صرتنا لكن يمر عليها وهو منطلق فالمرء بادئ بدء لا يرى حاجة ماسة لابتياع المصنوعات وبيعها إلا طمعاً في الأرباح الكثيرة ومباهاة بما لديه من عروض ومتاع وثروة حقيقة أو غير حقيقية ثم تصبح هذه العادة بعد من ضروريات الحياة. قال باسكال في كتابة (الأفكار): أكثر من الصلاة تكن تقياً. ويقول لسان حال التجارة: اجعل الزخرف والزينة ديدنك تغدو بطبعك مفنناً والذوق يحصل لصاحبه بسرعة. قالوا أن التاريخ يعيد نفسه وهو قول صحيح فقد رأينا طبقة الإشراف في الغرب وهي في الأصل من أبناء أولئك البرابرة القساة والأمراء الغلاظ الجفاة في أوائل القرون الوسطى قد رقت طباع أهلها بالتعليم والتربية فالمال هو الذي يولي الشرف ويحسن الأذواق في الحقيقة. وأمر بديهي لأن حواسنا تتأثر في الغالب والعجب يورث الرغبة في الجمال وامتلاك ناصية الجمال تكون مادة للعجب. خذ مثالاً لذلك رغبة القوم في أمريكا بالملاحة والظرف وتأثيرهما في عقولهم. فإن المخازن العظيمة التي تبيع بالمفرق في المدن الكبرى كنيويورك مثلاً يكثر الطلب عليها أيام الاثنين أكثر من سائر أيام الأسبوع. ذلك لأن الجرائد تصدر يوم الأحد طبعات خاصة من صحفها وتملؤها بالإعلانات وعلى العكس في يوم الجمعة فإن الأشغال فيه تكون في فتور حتى يعده التجار من الأيام التي لا حياة فيها ولا رواج لسلعهم. بيد أنه لم يسعهم إلا أن يتداركوا أمره بإعلانات جلبت الزبائن على مخازنهم فعد ثاني الأيام في منافعه التجارية وأنك لترى كثيراًت من ربات يغسلن غسيلهن ويقضين شؤون بيوتهن يوم الثلاثاء ليتمكن يوم الاثنين من الاختلاف إلى المخازن والانتفاع بما جعلته للزبون في ذلك اليوم من الأمتيازات. ولو شئنا تعداد ما يأتيه الأمريكان من ضروب الاحتيال في الإعلانات لضاق المجال فإن القوم يعتبرون الإعلانات من أدوات النجاح النافعة شهدت بذلك العادة والحس مثال ذلك أن القوم في الولايات المتحدة يصرفون كميات وافرة من الكعك بحيث يحشى أن ينسوا استعمال الخبز فيما بعد. فكان من رغبة الناس في الكعك يباع بالمفرق منذ بضع سنين بأن يوضع عند البدال في صناديق وبراميل مفتحة ويجعل الواحد تلو الآخر فيجئ الزبون يجس الكعك ويذوق قطعة منه ثم يشتري أو ينصرف. فإذا أراد أن يشتري يتناول البائع الكعك بأصابعه في العادة ليضعه في الميزان ويكون قد وزن فيه من قبل سكر أو بن أو ملبس ثم يأخذ فيضعه في كيس الورق. وأنت خبير بأن تنأول الكعك على هذه الصفة فيه ما فيه من الأضرار بالصحة والقذارة التي تؤدي إلى القرف وهي منافية للذوق قليلة السرعة والغناء. خل عنك بأن الكعك إذا ظل على الدوام معرضا للهواء يفقد طراوته وقضمه. على أن الناس لم يشتكوا من هذه الطريقة. وكان من الإعلانات أنها هي التي سدت الخلل وأصلحت الحال. غدا التاجر الأمريكي لا يكتفي بأن تكون بضاعته أحسن بضاعة بل اقتضى عليه أن يؤثر في أذهأن العامة ويحملهم على ابتياع ما لديه والاعتماد في تنأول حاجتهم عليه. فمن ثم كان التاجر أن يشفع جودة بياعاته بفوائد لم يكن للمبتاع على بال اجتناؤها وأخذ الباعة يتفننون بكعكهم حتى أدت الحال إلى أن يباع الأن في رزمة وزنها محدد. فترزم أولا في ورقة غليظة صحية تنفذ إليها الرطوبة والهواء ثم يوضع هذا المغلف في علبة من المقوى على شكل لطيف وتلف تلك العلبة بورقة أيضاً وترسم عليها علامة المعمل واسمه. وبهذه الطريقة أصبح الكعك في أمريكا آمناً من الجراثيم الضارة والغبار الملوث يحفظ بحاله طويلاً ولا ترقد فيه القطط في الليل كما كان من قبل وأخذ الباعة يبيعون منه كميات أوفر. وتبأرى الباعة في هذا التفنن حتى لا يتخلف أحد عن صاحبه ولا يقطع البائع المتفنن على البائع الخامل رزقه وما الداعي إلى كل هذا إلا الرغبة في الإعلان. ولم يقف الأمر في أمريكا عند حد بيع الكعك على هذه الصورة بل أنه تعداه إلى السكر والبن والملح والفلفل والأرز وغيره. وربما بيع الخبز بعد الأن في ورق خاص به لا تمسه يد ولا تراه عين ولا تؤثر فيه عوامل الحرارة والبرودة. وهكذا تدخل روح الترتيب والنظام والنظافة حتى إلى أفقر بيوت الأمريكيين مما يعد خطوة عظيمة في طريق الاتجاه صوب الولوع بالجمال واختيار الأحسن من كل شيء. ومن فوائد الإعلانات أنها نفعت في بيع الثياب الحاضرة الجاهزة فكان بعض الأمريكيين ومنهم الفقراء فقط يلبسون من قبل ألبسة حاضرة ويعمد بعضهم إلى الخياطين لأن مقادير أجسامهم تختلف بعضها عن بعض وقد لا يوأفق الاكتساء بالأقيسة المعتادة فقام أحدهم وأنشأ معملاً لصنع الثياب الحاضرة من جميع أنواع الطول والعرض والهندام وتوصل بواسطة الإعلان عن محله بالجرائد والمجلات أن أقبل الناس عليه لأن قيمة الثياب الحاضرة تفرق عن التفصيل نحو النصف فإذا وجد كل إنسأن القياس الذي يطلبه يفضل أخذ بدلةثم ما زال ما كان علق في الأذهأن القوم من أن الألبسة الجاهزة لا تلاءم كل جسم وغدا معظم أهل أمريكا يبتاعون الألبسة المهيأة على الأيام ذاك الوهم الذي غرسه الخياطون وغيرهم. وكان من رخص الثياب في أمريكا أن غدا الأمريكيون غاية في نظافتهم ولبسهم الجديد من الثياب. وحدث أن أحد الأمريكان نزل إلى مدينة هامبورغ في ألمانيا فقال لأحد رفاقه عجبت من أهل المدينة كيف لا يوجد فيهم غني يلبس بزة جديدة. ذلك لأنه رأى القوم يلبسون ثياباً لا تماثل في نظافتها وحسن نظامها ما يلبسه سكان المدن الأمريكية وبهذا عرفت أن الأمريكيين فاقوا الأوربيين في ولعهم باتخاذ الجميل من كل شيء وإن كان هذا الخلق فيهم قديماً في الأوربيين. ومثل ذلك قل عن الأثاث والرياش في المساكن فإن الأمريكأن يستجدونها ويستجدونها. وارتأى كثيرون من مراقبي سير الإعلانات أن ما كان منها منظوماً يفضل على المنثور لأن العامة تطالعها برغبة وينظرون فيها إذا كانت شعراً ولو عامياً أكثر من نظرهم في غيرها. ومن الناس من يقول أن الإعلانات كثيراً ما جلبت ضرراً لأن القارئ بما فيها ويكون فيها مبالغة أو خديعة فيبتاع السلعة أو الشيء فيبخس أو يغبن وأنها كثيراً ما أتت بما لا تحمد مغبته. ولكن القائلين بالاستكثار من الإعلانات يقولون أبداً: أن لكل سبب من أسباب العمل سلاحاً ذا حدين وذكاءنا أيضاً نصرفه في الشر كما في الخير. فلا داعي إذا لتعنيف المعلنين بحجة ما في إعلاناتهم من الخطاء. وليس من العقل أن ينبذ الدين والأدب بحجة أن هناك ناساً من المنأفقين المخادعين كما لا يجوز بحال أن يزهد في سهام المصارف (البنوك) لأن في بعضها تدليساً وغشاً. قيل لخياط في فيلادلفيا أنك تغش الناس بما تنشره من إعلاناتك التي تخالف أكثرها حقيقة الواقع فقال: أن في هذه المدينة مليون فلو خدع بما أعلنه عشرة في المائة منهم وأكثرهم بله مغفلون وتيسر لي أن القي في شرك احتيالي عشرة في المائة منهم أي عشرة آلاف نسمة فإنا في سعة من العيش وبسطة من الغنى. وفاته أن من خدع مرة لا يرجع ثانية في الغالب. وأحسن طريقة لدفع الغش عن القراء أن يجعل أرباب الصحف والمجلات أجوراً غالية على الإعلانات التي يلحق عليه إدارة الجريدة من مالها لأنها هي التي كأنت السبب في خديعته. العامة وضعاف العقول يخدعون في العادة بكل ما حوت الإعلانات. والعامة أكثر الناس. ويليهم في الانخداع النساء ثم العملة. على أن العامة يقل عددهم في أمريكا لشيوع التعليم فيها فيقل لذلك المنخدعون بالإعلانات الساقطة يوماً بعد آخر. قال المسيو بوأنكره في كتابه (قيمة التعليم) وهو الكتاب الذي اشتهر بين الخاصة والعامة: لا يعرف كم نفع البشر الاعتقاد بعلم الفلك. فإن قدر الفلاح لكبار وتيخو براهي فذلك لإنهما كانا يروجان على السذج من الملوك أخباراً من المغيبات يبنيانها على قرانات الكواكب. فلو لم يكن أولئك الأمراء على جانب من التغفل يصدقون بما يلقى عليهم لكنا بقسنا إلى اليوم نعتقد أن الطبيعة تابعة لهوى النفوس وظللنا نتسكع في بيداء الجهالة. وهذا القول ينسج مثله على منواله فيقال: لو لم يكن للأمريكيين رغبة في اكتساب المال ولو لم يتنافسوا فيه ويتفاخروا في إحرازه ولو لم يكونوا متعجرفين ربما كنا رأينا القوى السامية في الإنسان تسقط في المزاحمة مع القوى العملية النافعة الصرفة في جنسنا الإنساني وكنا نسير الشؤون المادية على وجه سمج. فالصنائع هي زخرف الحياة ولا يكون الزخرف إلا مع الغنى ولا يحصل الغنى في هذه العصور الديمقراطية البعيدة عن العبودية إلا بالتفإني في اصطياد الدرهم والدينار وقد ينتج من شر كبير خير كثير ومن الولوع بالمال في الاتجار بالأدب والفنون. نظام الأكل معربة عن مبحث للدكتور فلوري في المجلة الفرنسوية سوء الهضم أكثر الأمراض انتشارا ولاسيما في الطبقة المستنيرة من الناس ومسبباته كثيرة فليست أسبابه الأخلاقية هي الغمم والملل فقط بل الاهتمام بالأشغال والأعمال. وإذا تيسر للمصاب به أن يسلي نفسه ويبدل محيطه الذي يعيش فيه وأن يستحم في حمامات البحر والنهر وأن يصرف زمناً في الخلاء يزول هذا المرض مؤقتاً ثم يعود إلى حالته عند عودة صاحبه إلى معاطاة أعماله. ولطالما نصح الطبيب للمصاب بسوء الهضم أن يتخلى عن أفكاره ويتناسى ما يشغل ذهنه ولكن هذه النصيحة قلما عمل بها إلا إذا كان في خلال الطعام. ولقد أبان بافلوف الفسيولوجي الروسي المشهور أنه ينبغي تنأول الطعام بسرور ليجود الهضم. فإذا كان صاحب المرض مشتت البال وقضي عليه أن يتناول طعاماً لا طعم له ولا لذة فيه لا يسيل اللعاب وعصارة المعدة ولا يعمل الهضم عمله وعلى العكس إذا استحسن المصاب به صحفه من الطعام فإنه يسيل لعابه في فمه وتحسن عصارة المعدة ويتم الهضم بسهولة. يقولون أن الطاهي إذا أجاد الطبخ يحمل الآكل على أن يتناول من الطعام فوق حد الكفاية وهذا غلط فإن الناس لا يفكرون بأن أمثال هذا الطاهي ينتفع بغفلة المصاب بسوء الهضم ويستدعي سيلأن اللعاب والعصارة. وينبغي أن يكون تام النضج على أن ذلك لا يكفي إذ الواجب على الآكل أن يتنأوله كما ينبغي على الوجه الذي ينبغي. وإن معاشر الناس بأسرنا نأكل أكلاً رديئاً أي أن طريقتنا في تعاطي الطعام ليست صحية فلا نرى حرجاً في الإسراع بتنأول كمية من الطعام على المائدة. وجوب التمهل في تنأول الطعام من الآفات المنتشرة كثيراً تنأول الطعام بسرعة فإن الوقت يقضي على بعض الناس أن يسرعوا في خضمهم وقضمهم لأن دواعي أعمالهم تبعثهم على ذلك وبعضهم وهم أهل المزاج العصبي يعجلون في جميع الأعمال ويستحيل عليهم أن يقوموا بالتأني في معاطاة عمل لهم فترأهم يقضون أعمالهم كلها بسرعة ويصدم حركاتهم بعضها بعضاً وتأخذ أفكارهم بعضها برقاب بعض ترى كثيرين منهم من إذا حفزتهم الشهوة للطعام وجلسوا إلى الخوان يشعرون بحاجة شديدة لتنأول الأكل فيزدرونه ازدراداً دون أن يجعلوا في وقتهم متسعاً للمضغ وقصارا هم أن يخضموا طعامهم مسرعين. كانهم يرون الغذاء ضرباً من ضروب السخرة فيأبون التريث والتلكؤ فلا يكاد يفرغ ما بين أيديهم من الصحاف حتى يطلبوا غيرها بإلحاح وسرعة. وقد أطلقت اللغة ألفاظاً منوعة على الأكولين من مثل الاشتراط والنهم والشره أما الطبيب فإن هذه الأسماء تتساوى في نظره ويراها كلها بنتائجها فإن النهم وسرعة تنأول الغذاء على اختلاف حالاتها تؤول إلى نتيجة واحدة من تشويش الصحة. ذلك أن العصارات الهاضمة لا تؤثر التأثير الحسن في الأطعمة التي لم يحسن مضغها فإن الغذاء يتخمر ويحدث اضطرابات وبروزاً فاسداً وهي من الأسباب الفعالة في حدوث داء المفأصل. تزول هذه الاضطرابات بأسرها إذا عقد المرء العزم على أن يحسن المضغ بالتدريج وقد نصح الدكتور فلتشر الأمريكي بإجادة المضغ على مهل وبتقليب اللقمة بحيث تستحيل كالمرق وتنعم وتمتزج باللعاب أي امتزاج ومن رأيه أن يبقى اللبن والحساء والخمر وكل شراب مغذ مدة في الفم قبل البلع. واللقمة إذا جزئت وطحنت على هذا النحو تصبح كالمادة القلوية باللعاب السائل. وقد قال فلتشر أن هذه القلويات ضرورية لهضم الطعام ومما ينفع في هذا الاستعمال الفواكه الحامضة مثل التوت الإفرنجي (فريز) والريباس (عنب الثعلب). وقد تبين له أن الهضم سهل بهذه الطريقة فقلت جراثيم الأمعاء ولم يبق فيها غازات ولا فساد وقلت رائحة المواد البرازية وبقيت في الأمعاء مدة أطول وقل مقدارها وتقلصت الأمعاء. والمتمهل في طعامه يشعر بزيادة المسرة عند الغذاء وتطيب نفسه لتنأول طعام بسيط ويتبدل سير صحته فلا تعب في الجسم ولا في الفكر غب الطعام ولا وجع في ولا أوجاعا مجهولة وتقل أعراض الرثية والنقرس بل تزول وهكذا الحال في ضعف المجموع العصبي فإنه يتبدل ويبتهج صاحبه ويحسن نظره في المستقبل. لأن جميع هذه الأعراض السيئة وكثيراً غيرها هي ولا جرم ناشئة من تسمم الإنسان بيده من الطعام فوق طاقته على طريقة مختلة. وأن كثيراً من الأمراض المزعجة لتحدث من ذلك فإذا جاد المضغ وحسن تنأول الطعام لا يحدث من سواء أثرها ما يحدث. فليس من الضرورة لمن أراد الاحتفاظ بشبابه أن يملأ معدته كما قال الأستاذ متشنكوف باللبن الرائب أو بحسب رأي القائلين بالتغذية بالنباتات أنت يمتنع الإنسان عن أكل اللحم بل يكتفي المرء بأن يحتاط لنفسه احتياطاً وأحداً وذلك بأن يمضغ بتأن فإذا فعل ذلك يسعده الحظ فيعمر مئة سنة. نعم أن تحمس أتباع فلتشر لا يخلو من غلو فقد أبان جأن فينوفي كتاب فلسفة طول الأعمار أن أحسن ما يداوي به المرء ليبلغ أقصى حدود الشيخوخة أن لا يكون فقط معتدلاً في كل شيء بل أن يكون من أسرة معمرة يبلغ أفرادها المئة سنة. وقد اعترف الأطباء في كل عصر بضرورة أطالة المضغ ليكون الهضم أصوله. وأنت ترى أن فلتشر لم يأت أمراً جديداً بل جعل من هذه الوصية الشائقة لجميع المصأبين بسوء الهضم قاعدة يسيرون علها وسنة يتبعونها. وقد أثبت المستر ستيدان أستاذ الفسيولوجيا في كلية بال الأميركية قدر هذه الوصية فأخذ ينظر بالدقة في طعام الأساتذة والتلاميذ والجند وقسم جراية كل إلى نصفين وجرب ذلك بالدقة وأخذ يسجل على وجه الصحة ما يدخل الجوف وما يخرج منه. فتوصل أقوياء البنية بمجرد تنأولهم الطعام بتأن أن يهضموا هنيئاً مريئاً نصف الطعام وأحياناً ثلثيه وقللوا خصوصاً من معدل لأنه هو الغذاء الذي يهيج بالأكثر تركيب التو كسين فقويت أجسامهم ونشطت وحالفتها البهجة وأخذوا يتمتعون بصحة أجود من صحة أخوانهم الذين لم يسيروا على سيرتهم. ينبغي تقليل كمية الغذاء أن لا نسرع في تنأول الطعام بل نكثر أيضاً من تنأوله فإن هذين النقصين متلازمين بالضرورة. ولا بد لمن يسرع في تنأول أكله أن يتناول كمية كبيرة من الطعام لأن جزءاً من طعامه لا يهضم وكلما أكل زادت شهوته ونهمه ولا تنتهي به الحال إلى الشبع. ولقد عرف القدماء مضار الإكثار من الطعام فضربوا لذلك الأمثال فاشتهرت عنهم وكان أول مؤلف أشاع ذلك بين الملأ ودعا إلى عدم الإكثار من الطعام لويجي كورنا رو ( ١٤٦٧ _ ١٥٦٦ ) فإن هذا الشريف البندقي (نسبة لمدينة البندقية) بعد أن قضى سبابه في الفسق طفق في الأربعين من عمره عقيب مرض شديد عراه يجري على ترتيب مدقق في معيشته على نحو ما يجري الرهبأن النساك فأخذ يقلل كل يوم كمية طعامه شيئاً فشيئاً بحيث أنزله إلى ٣٤٠ غرأما من الطعام الجامد و ٤٠٠ غرام من الخمر ونصب له ميزاناً يتحقق به ما يدخل معدته وما يخرج منها. وهكذا تقدم هذا السري غيره يقرون في الأقلال من الطعام ولكنه لم يذكر الطريقة التي كان يمضغ بها فقويت بذلك صحته كثيراً وفي السبعين من سنة حدث له حادث مربع من عربة فقضقضت أعضاؤه وتهشمت جمجمته فحكم الأطباء بأنه هالك لا محالة ولكنه لم يلبث أن شفي. ولقد أراد أن يزيد طعامه بعض الشيء فمرض وعاد إلى التقشف في أكله ولم يعد يغضب ووجد راحة في فكره وأصبحت أخلاقه دمثة وحالته إلى النشاط والبهجة. وفي الثالثة والثمانين من عمره وضع كتاب ذكر فيه الطريقة التي ينبغي الجري عليها لتطول الحياة بلا أسقام ونشر أيضاً ثلاثة مصنفات في هذا الموضوع ومات في السابعة والتسعين وقال بعضهم في الثامنة بعد المئة. ومن عهد هذا الرجل كثرت الأمثلة المشابهة لحاله وأنا اقتصر على إيراد حدثها فأقول أن الرحالة يوحنا شاركو الذي نزل من السفينة في رحلته الأخيرة إلى القطب الجنوبي في جماعة من رفاقه ليتوغل في الجنوب لما كان توزيع الطعام موكولاً إليه أخذ يعطي كل فرد من رفاقه نصف جرايته بدون أن يقول لهم أنه نقصهم من طعامهم فلم يشك أحدهم جوعاً وكانوا على ما ينالهم من التعب مسرورين ولم يمرضوا وبذلك تيسر له أن يطيل أمد هذه الرحلة حتى إذا كانوا في العودة وقد بقي معه قسم عظيم من المؤن أنشأ يعطيهم الجراية تامة أي الجراية المظنون أنها ضرورية للإنسأن فأصيبوا كلهم إذ ذاك بسوء الهضم. وهنا سؤال وهو كم يقتضي للمرء من الجراية ليعيش على أقل تقدير. فأقول أن ذلك يرجع إلى أمور منها قامة الإنسان ووزنه ثم البلاد التي يعيش بها والجنس الذي ينسب إليه والعمل الذي يتعاطاه. وقد قام التواتر بتجارب مدققة للغاية في هذا الباب فأخذ رجلاً زنته ٦٠ إلى ٧٠ كيلو غراماً وكان يعيش في حرارة ١٧ درجة ويمتنع من كل عمل لا جدوى فيه وجعله في غرفة ووزن ما يدخل إليه وما يخرج منه بأدوات كثيرة منوعة كما وزن تنفسه وقدر جميع أعماله وأعطاه من الغذاء ما يولد فيه الحرارة اللأزمة إذا كان لا عمل له فرأى أنه في حاجة إلى ٢٢٥٠ من الكالوري في كل ساعة هذا إذا كان لا عمل له أي إلى ٣٣ من الكالوري في الكيلو غرام فالشبان يحتملون الإفراط في التغذية فلا يحدث من ذلك فيهم سوى زيادة في حرارة الجسم وعرق غير اعتيادي وحاجة غير معتدل وليس كذلك في الشيخ والرجل الذي بلغ أشده وفي جميع من لم تكن بنيتهم على حالة حسنة فإن الإفراط في تنأول الأغذية يحمل المعدة فوق طاقتها فيشق عليها ويرهقها من أمرها عسراً. فإذا لم يتأت الهضم تخمر وتسمم ذاتي فتكثر الأملاح والحامض البولي الحامضة ويصاب المرء على الزمن باحتقأن الكبد وتغير الكلى والتحول إلى شحم فيكون بذلك مصاباً يوجع الأعصاب والمفأصل والسويداء وغيرها. كيف يتمكن المرء من الأقلال من الطعام ومن تنأوله بتأن تبين لك مما تقدم أن من مصلحة الإنسان أن يعدل عن طريقة عيشه ولا يقتضي ذلك كبير عناء ويكفي في هذا الباب إقناع المرء بذلك ليتحول إليه. على أنه من المحقق صعوبة التغلب على عادة سيئة حتى أن المصاب بسوء الهضم ليعترف بأنه يسرع في طعامه ويود إصلاح نفسه ولكن أرادته وحدها لا تكفي في مغالبة هواه فتراه يحتاط في أول جلوسه إلى المائدة ولكنه لا يلبث أن يعود إلى طبيعته فتتغلب عليه فيأخذ في القطع والبلع. ونظن أن مداواة هذا النقص تكون بإعطاء أطعمة منوعة كثيراً تتقدمها توابل مطبوخة كحساء الجلبان أو العدس والخذيعة (طعام من لحم أو سمك مخردل) وربما نصحوا باستعمال العلك فيهجم اللعاب والعصارة المعدية على الغذاء إلا أنه يلزم للعاب من الوقت ما يتمكن معه من البسيلان. ولذلك اقتضت الضرورة أن تكون البداءة بالأكل لقماً صغيرة وأن يمضغ بتأن حتى اللحم والحساء بل السوائل من اللبن والمرق والشراب. ويرجو بعضهم أن يعالجوا قلة سيلأن اللعاب بأن يمضغ بعد الأكل قطعة من الصمغ مضغاً طويلاً. فقد اعتاد الأمريكيون هذه الطريقة وما هي إلا ملطفة وملينة مؤقتاً فإن اللعاب يسيل متأخراً كثيراً فإذا وصل إلى المعدة يمتزج مع السوائل وعصارة المعدة فيفقد جزءاً من قوته. وهناك حيل يحتال بها لإصلاح حال الأكولين وزحزحتهم عن الشره فإذا كان الأكول يملأ معدته ليشبع فوق طاقته ونصح له أولا أن يقطع اللحم والخبز قطعاً صغيرة كما تقطع للأطفال وأن لا يتناول منها سوى لقمة دفعة واحدة وأن يتناول الحساء والبقول الناشفة بملعقة صغيرة وأن لا يأخذ إلى فمه شيئاً منها إلا إذا بلغ المعلقة الأولى برمتها. وتتيسر معالجة سوء الهضم بتحريض صاحبه على الأقلال من أنواع الأطعمة كثيراً كان يراد على أن يتناول فطيراً فيأكل منه على وتيرة واحدة وهو طعام قليل اللذة ولكنه من أكثر الأطعمة هضماً ولا نرى هنا تعداد الطرق المختلفة التي يعمد إليها بعض الأمريكان فإن بعضهم يتنأولون غذاء مقتصرين فيه على الحبوب وبعضهم على الثمار وبعضهم يأبون أن يتنأولوا طعاماً دخل النار. ومما يرتاب فيه أن تكون أمثال هذه التدأبير في الأكل صالحة في ذاتها وعلى كل فهي تقلل من الشراهة. ولهذه التدأبير في نظر الفسيولوجيين عائق عظيم وهو أن المرء يتنأولها بدون لذة على حين قد قلنا آنفاً ينبغي لجودة الهضم أن يستحسن الإنسان ما يتنأوله من الطعام. يقتضي أن يكون طعام المصاب بسوء الهضم بسيطاً ولكن ينبغي أن يكون لذيذاً محضراً أحسن تحضير فإذا استحسنه المريض تنتهي به الحال أن يتلمظه ببطء وإذا رضي بأن يقدم له الطعام على مهل وأن يفصل بين كل صحفه بحديث مفرح فيكون ذلك من حسن طالع المصاب بسوء الهضم إذ يغدو معتدلاً في شرهه. وإذا لم يصلح المعمود نفسه على الرغم مما تقدم فله طريقة أخرى ينصح بها فليتشر قال: إذا بلغ الإنسأن الطعام وفيه بضعة أجزاء لم تستحق كل السحق تقف بعد الحلق أما الجزء السائل من اللقمة فإنه ينزل إلى البلعوم وعندها يستدعي ذلك عملاً جديداً من البلع لتسييرها إلى مقرها. خذ مثالاً لذلك طلمة (قرصاً) من الفاكهة فامضغها وأبلعها فإن التفل يستحيل باللعاب إلى مواد نشائية (هيدرات الكربون) نصف سائلة فتمر بعد ذلك في البلعوم أما قشر الثمار وبزها فإنه يقف قليلاً في الحلقوم وليس أسهل عند ذلك من إبداء حركة يعاد بها الطعام إلى الفم بدون قيء وأن تتعاور وهذه الأجزاء التي لم يحسن المرء سحقها ويعاد مضغها حتى لا يعود يحس بطعمها أصلاً فإن هذه الطريقة التي ارتآها وتحققها بذاته هي أسهل على الأجزاء من إبقاء الطعام ريثما يمضغ بتمامه. وهكذا ينبغي استعمال الحيل على العادات القبيحة فإن الأرادة مهما بلغ من قوتها لا تكفي إذا لم يساعدها الذكاء. الأطعمة السهلة الهضم يقول فلتشر أن كل من بلغت به الحال أن يأكل قليلاً بتأن لا تأتي عليه بضعة أشهر حتى يتمكن من تنأول كل شيء ويستطيع أن يهضم فينبغي له ريثما يسعده الحظ بهذه النتيجة أن يعنى كل العناية باختيار الأطعمة السريعة الهضم. وقد اختلف المؤلفون في معنى سريع الهضم على طرق شتى فقالت فئة: هو كل طعام يجري بسرعة إلى الأحشاء وعلى هذا النظر قرروا لكل طعام الوقت الذي يصرفه في المعدة بيد أنه يمكن أن يمر في الأحشاء وهو غير مهضوم وغير قابل للتعديل. ويفضل أن ينظر كل طعام سريع على الهضم لأنه يستحيل في الحال إلى كيموس متشابه وأن من الصعب تحقيق أمر هذه الكيموسة. والأفضل أن يعمد في ذلك إلى أن يعمد في ذلك إلى التعريف العامي وهو أن كل طعام سريع الهضم إذا هضم بدون أن يدركه الإنسان وكل طعام لا يهضم هو الذي يحدث ثقلاً وانتفاخاً وتجشؤاً. وقد وضع الكيماويون والفسيولوجيين في كل زمان طبقات للطعام على قابليتها للهضم وعدمه فلم يكن بحثهم إلا تقرير الرأي الشائع. وإنا لا نذكر هنا ما وضعوه من القوائم والفهارس لأنك تجدها في جميع المعمودين بدون تمييز. بيد أن بعض الناس على لطافة معدهم يهضمون بعض الأطعمة الصعبة الهضم. دع عنك الاستعداد الشخصي الذي لا يحسن الأطباء تفسيره ويزخرفونه ستراً لجهلهم باسم مفخم فيدعونه (الأديوسأنكرازيا) وهو الميل أو الكراهة لبعض الأمور وينشأ من استعداد خاص بالمزاج. ثم أني أرى من الأشبه أن يقال أن هذه الأطعمة قابلة للهضم لأنه يلذ المرء تنأولها ولا ينبغي أن يستنتج من هذا أن كل طعام يروق في الذوق يكون سهلاً على الهضم فإن عكس ذلك هو المألوف وأحسن ما يجدر في هذا الباب تعاطيه أن يثق المرء باختباره الخاص. وعلى كل فإن بعض الأصناف من الغذاء سيئة الأثر في جميع المعمودين وهي الأطعمة المهيجة والأطعمة الدسمة. فإن الفلفل الأحمر والبهار والخردل والتوابل المصنوعة في الخل والطرطور الإنكليزي تهيج شهوة الطعام وليس سوى تهيج المخاطيات فينبغي الإمتاع عنها وكذلك الحال في الأدوية المفتحة (كالمياه المعدنية وغيرها) والإبسنت والخمر فإنها كلها تقاس على ما تقاس عليه تلك المشهيات أما الأطعمة الدسمة فإن فيها عائقاً أخر لأن الدهن يتحد مع مخاط المعدة فيمنع عنها البروز ويقاوم هجوم الأطعمة بالعصير المعدي. ومن المبادئ المقررة التي ينبغي للمعمود الجري عليها أن يكون طعامه لا دسم فيه ولحمه لا دهن فيه وسمكه كذلك وأن تكون الثمار التي يتنأولها غير زيتية. وهنا اعتراض وهوانه كيف يتأتى تحضير الأطعمة إذا منع الطاهي من وضع شجم الخنزير والدهن و (السلسات) الدسمة فإن معنى ذلك على أيدي الطاهي بحيث يتعذر عليه أن يحسن طبخ الطعام فيكون من ذلك على المعمود أشق من مرضه على أنه يمكن استخدام مادتين دسمتين سهلتين على الهضم ألا وهما زيت الزيتون والسمن فإن زيت الزيتون الخالص يحسن أكله ولكن ينبغي ترغيب النفس في طعام الزيت. وسكان الجنوب من فرنسا عرفوا بهذه الميزة. وكذلك السمن فإنه الغذاء الدسم السريع الأنهضام على شرط أن لا يكون مطبوخاً فإذا كان السمن نيئاً يكون مستحلب وقطيرات دقيقة تعوق العصارات الهاضمة عن عملها كثيراً وإذا كان مطبوخاً يسوء هضمه كشحم الخنزير. فلا يضاف السمن على الأطعمة المختلفة إلا إذا رفعت هذه عن النار وتم طبخها وهذه الطريقة التي اعتادها مهرة الطهاة لأن السمن إذا أذيت على الوجه يحفظ طعمه. أما السمن النباتي المستخرج من الجوز الهند الذي أخذ يدخل المطابخ تحت أسماء متنوعة فإنه يهضم كالسمن الحيواني. وأراني في الختام قد مرنت على الكلام في فن الطبخ بكتابة هذه المقالة على أنها ليست فصلاً في الفسيولوجيا بل هي درس في الطبخ أردت أن أبن ببساطة أن لعناية المصأبين بسوء الهضم علاقة بهذا الفن ولو كنت أشكو من هذا المرض لعمدت إلى طبيب ممن عرف بشرهه وأخذت رأيه فيما يقتضي لي الجري عليه فإنه يكون ولا جرم ابن بجدة هذا المرض ولكن من الغلو أن يطلب مجموع هذه الصفات من رجل فرد. نبأ من الصين لأحد علماء الفرنسيس بعد أن ثارت ثورات البوكسر من دعاة الفتنة في الصين وصار سبيل للأوروبيين أن يتداخلوا في شؤونها عمدت أن تحذو حذو اليابأن في إبدال أوضاعها بأوضاع غريبة وتصبغ بلادها بصبغة الحضارة الأوروبية فكان منها أن صرفت وجهتها إلى التعليم. وبعد أربع سنين ألغت نظام التعليم القديم وطريقة الأمتحانات العقيمة فعد ذلك انقلاباً عظيماً لا في السياسية بل في عد ضربة قاضية على كونفوشيوس وما لقيه بين أبناء الصين منذ القرن التاسع من النفوذ والتأثير فأصبحت تعاليمه هي المعمول بها وأساس كل تعليم في البلاد الصينية فكان يتحكم في جزئيات الصينيين وكلياتهم ولم يعهد أن كان لبشر مثل هذه السلطة على مثل ذي القوم في عدده وإن دامت سيطرة إنسان قروناً لا يجرأ أحد على مقضها. فقد كان من قبل المسيح بستمائة سنة. ولد في إمارة لو التي هي اليوم ولايةشانغ تونوهي للألمان تعد جزءاً من كياوتشو. نعم لم يعهد في تاريخ البشر ما يشبه هذه العبادة وهي مدينة دينية يعبدها رجل بسيط ويعبده شعب لا يحصى مدة ٢٤ قرناً في الشرق الأقصى. ولذلك لم يجسر أحد من أتباع هذا المذهب على إلغاء الطريقة القديمة في الفحوص وحذف اسم كونفوشيوس من المدارس سيما وصورته في كل صف يسجد لها التلميذ والأستاذ على حد سواء. فكان من هذا الانقلاب أن استعيض في المدارس عن تعليم جميع العلوم وجعلها فرعاً وأحداً يجعل كل فرع منها مختصاً بفئة من الناس كان تكون الأولى مدرسة للحقوق والأخرى للطب والثالثة للعلوم السياسية والرابعة للصنائع والفنون وغير ذلك وكأن يكفي في نيا الشهادة المدارس الكلية تأن ينشئ شيئاً في الأدب يأخذ موضوعه من كتب كونفوشيوس ويطلب إليه كتابه شيء في الشعر وكانت تفتح أبواب المناصب والمراتب أمام من يحسن ذلك من الطلاب. فعرفت الحكومة عقم هذه الطريقة في التعليم وأنشأت مدارس خاصة دعتها مدارس العلوم الحقيقية الثابتة وأنشأ الأمبراطور نظارة للمعارف العمومية ترقب أحوالها كما هو الحال في الغرب وستنقسم تلك المدارس على ثلاث طبقات ابتدائية ووسطى وعليا. وقد رخصت الحكومة لبعض الولاة أن ينشئوا في عمالاتهم مدارس مجانية يقرأ فيها التلاميذ نصف النهار ويتمكن الفقراء في خلال ذلك من الدراسة في الصباح والعمل لتحصيل قوتهم بعد الظهر وهذه المدارس أشبه بمدارس البالغين في فرنسا والفرق بين هذه وتلك أن هذه تفتح في المساء وتلك تفتح في الصباح ذلك لأن الصينيين لا يسهرون في الليل اللهم إلا من يتعاطى الأفيون منهم وما عدأهم فإنهم يباركون منامهم حفظا لصحتهم وحرصا على الأضواء وصرف شيء منها عبثاً. ولقد كان إصلاح التعليم في الصين ونشر المعارف بين طبقات العملة أو الفقيرة من المستحيلات إلا بتسهيل طريقة الكتابة وكانت هذه من الإبهام والألتباس بحيث حالت دون العامة وتلقي المعارف الأدبية وغيرها. فرأى الأمبراطور من الحكمة أن يصدر أمره ليستعمل خط جديد صيني يتألف كله من خمسين حرفاً ويسهل إتقانه في شهرين. وبفضل أهل العلم جرائد تطبع بهذه الحروف الجديدة ليتمكن المتعلمون من استخدام هذه النغمة ولذا أصبحت نتائجها راهنة من الآن. أدركت الصين بعقول رجالها الثاقبة كل الإدراك أن نشر التعاليم الديمقراطية بين الغوغاء من أهلها لا يكون إلا بواسطة الصحافة التي تتنأولها العقول كلفة وأن الطريقة لحقيقة في إزالة غشاوة الأوهام عن الأبصار العامة وإزالة ما علق في نفوسهم عن الأجانب أن يطلعوهم على أوضاع الغربيين وكانوا يرونهم من قبل أعداء لا يمليون إلا على السلب ولا يظمئون إلا السفك الدماء ويطلقون عليهم شياطين الغرب. وإذ أخذت الصحف تستخدم الخط الجديد فستحارب هذه الأوهام وتنتهي بالتغلب عليها وإزالتها من العقول وهذا الرأي الشائع عند من يرون اختطاط خطة النجاح. يطمع الأمبراطور أن يبث العلم في عقول رعاياه وهذا الأمر موقوف على الإكثار من المدارس تحتاج إنفاق والصين يعوزها المال كما قد تمس الحاجة إليه في كل مملكة فلم ير ابن السماء بداً من استو كاف أكف الطبقات كلها وراح يفتتح الاكتتاب العامة وجعل لكل من يؤدي ألف فرنك لقب شرف أو وساماً ومن أدى من عشرة آلاف لإلى خمسين ألف فرنك يحق له أن ينشئ وسط الشوارع العامة قوس من نصر من الحجر يخلد به اسمه وعلى نسبة عظم المبلغ المعطى يكون البناء التذكاري جسيماً. وهذا من غرائب الحيل الباعثة على الطمع النافع. فالصبي يعجب بأجداده ولذلك تراه يتعاظم الآن إذا تخلد ذكره كما تخلدت أسماؤهم ويكون له بهذه الطريقة باب يثبت به إخلاصه لبلاده بل يؤيد به منحه وأعطياته وربما كان في الأوربيين من تطمح نفوسهم إلى هذا التمايز من أقامة أقواس نصر من هذا النوع بعد أن كان الملوك حتى اليوم مستأثرين بمجدها دون سائر الناس. ومما أضافه ابن السماء على تلك الاكتتابات لإنشاء المدارس نزع ملكية الأراضي والعقارات لأجل المنافع العامة فصدر أمره إلى المعابد التي لم تقم على نفقة الحكومة ولا اعترفت هي بها أن تدفع مداخليها إلى خزانة الدولة لتخصص للمدارس. وعلى هذا الفكر أحالت الحكومة الصينية قصر أمير توأن السابق أثار ثورة البوكسر إلى مدرسة حربية خاصة بتعليم الأمراء والإشراف وأبناء الحكام من أهل الطبقة العالية وهذا القصر في بكين في المدينة التاتارية. ولا بد من الملاحظة هنا أن إنشاء المدرسة الحربية هي على طرفي نقيض مع تعاليم كونفوشيوس الذي ينفي الحرب ويحظره على الصينيين يعده أسوأ الجرائم. ولقد كان من كره هذا الفيلسوف ومقاومته للحروب أن أصبحت به المملكة السماوية بلا مدافع يدفع عنها عادية أعدائها فعرف الصينيون اليوم بما لقنتهم إياه يابان من دروسها الحاجة الماسة في الشرق الأقصى إلى تأليف الجيوش المنظمة القوية بمحض تجاربهم واستعدادهم ليقاوموا بها الدخيل الذي لا يرمي إلا إلى تجزئة بلادهم واكتساح أرضهم. وقد شعروا بأتن خضوعهم لتقاليدهم ولدينهم قد أضر بهم فقضى عليهم الحكيم كونفوشيوس. بيد أنهم لم يعصوا عليه ولم ينزعوا حبه من نفوسهم بل تركوه وشأنه وأخذوا ينظرون في أمرهم من طريق أخر. وأنشأت الحومة بجانب نظارة المعارف العمومية نظارة أخرى للمعارف مهمتها الأولى لأن تؤسس في المملكة كلها مدارس للتجارة والزراعة وتربية الدود والغابات وكان الصينيون على مثال قدماء الرومان يحتقرون التجارة ويعدون أهلها من الساقطين في الهيئة الاجتماعية ولا يرى الصينيون إلا الطاعة العمياء لما رسمته شريعة كونفوشيوس لأن هذا لا يحترم إلا الأدباء ورجال الدرس والبحث فأصبح ما كان دونهم ودون الترقي قروناً كثيرة جائز العمل مرخصاً. وكأنت الصين من قبل محرومة من المكاتب العامة على مثال خزائن الكتب في أوروبا فلم يظهروا لأحدهم منذ عهد كونفوشيوس ما يتأتى من الفوائد للمدينة فأسسوا اليوم مكاتب جمعوا فيها جميع الكتب المنقولة إلى اللغة الصينية التي نشرت في ممالك كثيرة في العلوم العلمية والمعارف الشائعة التي من شأنها أن تساعد الصين على النهوض وأنشأت الحكومة مكاتب للترجمة رسمية في جميع المدن الصينية الكبرى. أما المجلات فليس غير المرسلين الكاثوليك والبروتستانت من يعنى بنشرها في الصين حتى الآن وهي تبحث في الموضوعات الدينية وتشغل قليلاً من صفحاتها بالأبحاث العلمية وقد ارتقت الصحافة كثيراً في الصين وفيها اليوم كثير من الجرائد اليومية والجرائد التي تصدر ثلاث مرات في الشهر وأدرك الصينيون منذ كارثة البوكسر أن الصحافة من المواد الجوهرية في الحياة العامة ولذلك ترى كل من تعلم القراءة منهم يقرأ الجرائد حتى الأمبراطور وجميع الجرائد الجديدة كلها تقريباً تكتب على مثال جريدةسهان باو التي تصدر في مدينة شنغاي وهي التي أسست سنة ١٨٦٨ على يد شركة صينية وذرع هذه الصحيفة الكبيرة متر وثلاثون سنتيما ذات ثماني صفحات طولها ٣٠ سنتيمتراً وعرضها ٣٠ وتباع بعشر سبايك وهي تعادل خمسة سانتيمات. وترى المقالات في هذه الجريدة التي يكتبها الأدباء العارفون من أهل الكفاءة جيدة في موضوعاتها منوعة الأساليب وهي في العادة مفعمة بالإحساس الطاهر ويظهر استقلال هذه الصحيفة مما تنصح به للحكومة وبما تدل عليه من الفساد المستحوذ في الإدارة وبما تعلقه على السياسة الخارجية وقد تكون تعليقاتها سديدة. وفي هذه الجريدة مجال طويل للبحث في الشؤون المختلفة وترى رواد الأخبار في الصين على غاية من المهارة يدخلون في كل مكان ويعرفون كيف يحدثون غيرهم ويروون عنهم الأخبار وهي طريقة أخذوها عن اليابانيين. وأحسنوها وترى الصفحات الأربع الأخيرة غاصة بالإعلانات التجارية صينية أو أجنبية وفي إعلانات الأجانب حروف باللغات الإفرنجية لإلفات أنظار الصينيين وورق هذه الجرائد معمول من ورق الخيزرانالبامبو ولذلك تراه رقيقاً للغاية ويطبع من وجه واحد ويترك الوجه الآخر أبيض لأنه شفاف يرى ما وراء لأنه أميل إلى الصفرة على أن لون ورق الجرائد وطبعها يمكن تغييرها في بعض الأحوال على نحو ما يفعل أرباب الطباعة إذا مات أحد أفراد الأسرة المالكة فتطبع الورقة التي تذكر الأمر المعلن بالخبر على طبع أزرق وهو علامة الحداد عند إمبراطورتهم لأن البياض لا يتجلى على الورق الأصفر المستعمل في العادة وعند زواج الأمبراطور وعيد ولادته أو ولادة الأمبراطورة والدته تصدر الصحف على ورق أحمر وهو لون العيد والسعادة وتطبع بالسواد. ويستعمل اللون الأحمر أيضاً في اليوم الأول من السنة وهو يصادف بعد شهر من رأس السنة في أوروبا. والجرائد المصورة ناجحة في المدن العظمى وهذه الصحف مؤلفة من اثنتي عشرة ورقة مضاعفة ولها غلاف أحمر أو أخضر وثمن النسخة عشرون سنتيما أما الصور فتكون خطوطاً في موضوع جديد. ليس في الصين قوانين مقيدة لحرية الكلام والكتابة كما أنه ليس فيها قوانين تتضمن لها حقوقها بحيث أن الصحافيين الصينيين هم تحت رحمة رجال الشرطة والحكام كل حين. ولما لم تكن الصحف الصينية لهذا العهد لسان حال حزب سياسي فليس لها قوة ولا خطر منها على الحكومة ولذلك يصح أن يقال أن ليس في الصين صحف غير ولا صحف معارضة وقد حاولت مؤخراً جريدة أنشئت في وسط بلاد الصين بشركة صينية يابانية أن تنزع عن تلك الطريقة وتخرج عن رقبتها فألغاها الوالي للحال. ولا بأس أن نختم هذا الفصل بالكلام على الصين الحديثة بأن الحكومة الصينية أخذة بتنشيط تعليم النساء وكان حتى الآن مهملاً بالمرة إذ أن المرأة كانت أبداً في الشرق ولاسيما في الشرق الأقصى بعيدة عن الإتمام بشؤون بلادها أما الأن فقد أسست الأميرات المالكة المدارس وتطوعت العقائل اليابانيات للتدريس في كل مكان من بكين وسو تشو وهذه من بلاد الصين بمثابة باريس من فرنسا. وأنشئت عدة مدارس كثيرة لبنات الأسرات الكبيرة وقد حضر في العهد الأخير أربع عشرة أميرة مغولية إلى بكين ليلقين فيها التعليم الأوروبي. واللغو الإنكليزية تدرس في جميع هذه المدارس. وأنت ترى أن للصين الجديدة مستقبلاً زاهراً يبعث الغرب على الطمأنينة الآن وهو خائف من الحظر الأصفر وأن الصين تسير إلى المستقبل في نفس الخطة التي اختطها الغربيون نعم أن هذا الأمر يحتاج إلى زمن طويل قبل أن تأتى الشجرة المغروسة بأثمار يعتد بها حقيقة ولكن الصيني عرف بصبره لذلك تراه يؤمل نيل النتيجة في هذا القرن وهو الذي عرف أن ينتظر الغد ويرقبه رقبة الفلاسفة مدة طويلة لا تقل عن بضعة ألوف من السنين. صحف منسية كتاب الاشربة لابن قتيبة استخرجه أحد علماء المشرقيات من الفرنسيس توطئة ابن قتيبة أشهر من أن يذكر هنا بكلمات قليلة تكون له وقائمة ولذلك لم أر حاجة إلى إعادة ما ترجم به في وفيات الأعيان كما مذهب كل من طبع له كتاباً في الشرق فاكتفي بما أتى ابن خلكان عن البحث اللائق بشأن عيون الأخبار وكتاب المعارف. ثم أني أن صغر حجم كتاب الاشربة لا يقبل الإطاعة في الخطبة_وإن كأنت الأطالة في الخطب مما عوقب ابن قتيبة في الوفيات_فأرجأت إلى وقت آخر إنشاء مقالة تفي بحقوق هذا العلامة إن شاء الله فأحضر الكلام الأن في الكتاب الذي بدأت اليوم بنشره ووصف النسخة التي نقلته عنها وبالله التوفيق. أما الكتاب فمعروف وقد ذكره صاحب كشف الظنون (تحت عدد ٩٨٤٦ الجزء ٥ ص ٤٣ ) واستشهد ببعض فقراته غير واحد من الأدباء لاسيما ابن عبد ربة فإن هذا النهاب نقل إلى العقد الفريد معظم كتاب الاشربة بعد أن خلط بين أجزائه ولو كان طبع العقد بما يجب له من العناية والدقة لكنا ربما أمسكنا عن نشر كتاب الاشربة مع ما أسقطه ابن عبد ربه من الفوائد الجزيلة والمحاسن الجليلة التي جرت عادة ابن قتيبة أن يأتي بها على أسلة قلمه. وإذا قرأت ما كتبه صاحبنا في الخمر والنبيذ وغيرهما مما قد حرم أو أحل شربه فلا بأس بأن تقرأ ما جاء به ابن ربه في هذه المسألة لتصلح الأغلاط العديدة الواقعة في نسخ العقد المطبوعة وتطلع على ما عاتب به الأمام ابن قتيبة من أطالة الكلام وعلة النسيأن المؤدية إلى التناقض بين قوليه فنأسف لأن الله عز وجل لم يمن على ابن قتيبة بعمر طويل ليحيا إلى عصر ابن عبد ربه فيطلع على ما كتبه هذا ويهديه التوفيق لشرح الأحاديث التي أدعى الناس تناقضها في كتابه المؤلف في تأويل مختلف الحديث. أما النسخة التي نقل عنها النص فعبارة عن أحد المؤلفات الموجودة في مجموع من مجاميع مصطفى باشا المحفوظة في دار الكتب الخديوية وقد نقلت من المجموع الذي عدده ١٦٦ ثلاثة كتب للأصمعي وهي كتاب الشاء وكتاب الدارات وكتاب النبات والشجر نشرها كلها الدكتور أوغست هفنر وطبع منها الأدباء اليسوعيين ببيروت في سنة ١٨٩٨ كتاب الدارات وكتاب النبات والشجر. وتصفحت فهارس للمخطوطات المحفوظة في دور الكتب في الشرق والغرب فلم أظفر بغير نسخة من كتاب الاشربة. فلله در هذا الناسخ الذي وقى من أيدي الضياع هذه الأثار الأصمعية والقتيبية وأن لم يكن علمه باللغة والمعاني يوازي مهاراته بفن الخط فإنه يحذف الكلمات والفقر ولا يشعر وهذا شأن متأخرين النساخ كلما رأى الرائي ما ينسخون يحكم عليهم بأنهم ينقلون الكلام بدون فهم ولا علم. واسم الناسخ عبد الحليم بن أحمد اللوجي نسخ مجموعة النفيس في جزئيين قدم الثاني وأخر الأول في التجليد فأوله قد انتهى من تحريره يوم الجمعة غزة محرم سنة ١١٠٥ وثانيه في أواخر ذلك الشهر وكتاب الاشربة موجود في الجزء الثاني المقدم من الصفحة ٥٥ إلى الصفحة ٨٠ وطول الصفحة ٣٧ سنتيمتراً وعرضها ١٦ وعدد السطور في الصفحة ٢٩ سطراً والخط دقيق واضح ولما لم أعثر على نسخة أخرى للكتاب عمدت إلى النص المنقول في العقد الفريد لضبط هذه الرسالة بعد المقابلة. وأما الرواية فإنها جاءت مرتين فأثبتنا التي بعد البسملة كما ترى وأزلنا التي بعد ترجمة الكتاب وهي رواية الحسين بن المظفر بن أحمد بن كنداج عن أبي محمد عبد الله بن جعفر ابن دستورية النحوي عن ابن طاهر محمد بن عبد الله البيع. إذ المشهور أن ابن دستورية كان من تلاميذ ابن قتيبة وروى عنه. كتاب الاشربة وذكر اختلاف الناس فيها تأليف أبي محمد بن عبد الله بن مسلم بن قتيبة بسم الله الرحمن الرحيم اخبرنا الشيخ أبو طاهر محمد بن علي بن عبد الله فيما أذن لنا أن نرويه عنه قال اخبرنا أبو عبد الله الحسين بن المظفر كنداج (وفي الأصل كداج) البزاز قراءة عليه قال اخبرنا أبو محمد عبد الله بن جعفر بن دستورية النحوي قراءة عليه قال أبو محمد عبد الله بن مسلم ابن قتيبة: الحمد لله الذي هدانا لدينه المرتضى. وأكرمنا بنبيه المصطفى. وجعلنا خير أمة أخرجت للناس إيمانا بالغيب وتصديقا بالوعد وشفقا من الوعيد وإخلاصا للتوحيد. وأعطانا بالصغير الكبير. وباليسير الكثير. وبالحقير الخطير. وبطاعته في الأيام المعدودة الخلود في النعيم المقيم ورضي منا بعفو الطاعة وفسح لنا في التوبة وجعل من وراء الصغير المغفرة ومن وراء الكبير الشفاعة فلم يهلك عليه إلا من نفر نفار الظليم وشرد شراد البعير وأوسع لنا من طيب الرزق وحرم علينا الخبائث ولم يجعل في الدين من حرج ولا حظر بالاستبعاد إلا ما جعل منه الخلف إلا طيب والبذل إلا ما وفر منه رحمة منه وبرا ولطفا وعطفا. فحرم علينا بالكتاب الميتة والدم ولحم الخنزير وبالسنة سباع الوحش والطير وعوضنا من ذلك بهيمة الأنعام الثمانية الأزواج وسائر الوحش وصنوف الطير وحرم علينا بالكتاب الميسر وبالسنة القمار وعوضنا من ذلك اللهو بالرهان والنضال وحرم علينا الربا واحل البيع وحرم السفاح واحل النكاح وحرم بالسنة الديباج والحرير وعوضنا الخز والوشي والعقم والرقم وحرم بالكتاب الخمر وبالسنة المسكر وعوضنا منهما صنوف الشراب من اللبن والعسل وحلائل النبيذ. وليس فيما عازنا من وراء من هذه الأمور التي وقع الحظر والإطلاق شيء اختلف فيه الناس اختلافهم في الاشربة وكيفية ما يحل منها وما يحرم منها وما يحرم على قديم الأيام مع قرب العهد بالرسول صلى الله عليه وسلم وتوافر الصحافة وكثرة العلماء المأخوذ عنهم المقتدى بهم حتى يحتاج ابن سيرين مع ثاقب علمه وبارع فهمه إلى أن يسأل عبيدة السلماني عن النبيذ وحتى يقول له عبيدة وقد لحق خيار الصحابة وعلماؤهم منهم علي وابن مسعود اختلف علينا في النبيذ. وفي رواية أخرى. أخذت الناس أشربة كثيرة فمالي شراب منذ عشرين سنة إلا اللبن أو ما العسل. وإن شيئا وقع فيه الاختلاف في ذلك العصر بين أولئك الأئمة لحري أن يشكل من بعدهم وتختلف فيه آراؤهم ويكثر فيه تنازعهم وقد بينت من مذاهب الناس فيه وحجة كل فريق منهم لمذهبه وموضع الاختيار من ذلك بالسبب الذي أوجبه والعلة التي دلت عليه ما حضرني من بالغ العلم ومقدار الطاقة لعل الله يهدي به مسترشدا ويكشف من غمة وينقذ من حيرة ويعصم شاربا ما على دخل الفاسد من التأويل والضعيف من الحجة ويردع طاعنا على خيار السلف بشرب الحرام وأؤمل بحسن النية في ذلك من الله حسن المعونة والتغمد للزلة ولا حول ولا قوة إلا بالله. قد اجمع الناس جميعا على تحريم الخمر بكتاب الله إلا قوما من مجان أصحاب الكلام وفساقهم لا يعبأ الله بهم فإنهم قالوا: ليست الخمر محرمة وإنما نهى الله عن شربها تأديبا كما أنه أمر في الكتاب بأشياء ونهى عن أشياء على جهة التأديب وليس منها فرض كقوله في العبيد والأماء: فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا. وقوله في النساء فاهجروهن في المضاجع واضربوهن - ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط وقالوا لو أراد تحريم الخمر لقال حرمت عليكم الخمر كما قال حرمت عليكم الميتة والدم. وليس للشغل بهؤلاء وجه ولا لتشقيق الكلام بالحجج عليهم معنى إذ كانوا ممن لا يجعل حجة على إجماع وإذ كان ما ذهبوا إليه لا يختل على عأقل ولا على جأهل واجمع الناس على أن ما غلا وقذف الزبد من عصير العنب من غير أن تمسه النار خمر وانه لا يزال خمرا حتى يصير خلا واختلفوا في الحال التي يخرج بها من منزلة الخمر إلى منزلة الخل فقال بعضهم: هو إن يتناهى في الحموضة حتى لا يبقى فيها مستزاد وقال آخرون: هو إن تغلب عليها الحموضة وتفارقها النشوة. وهذا هو القول لأن الخمر ليست محرمة العين كما حرم عين الخنزير وإنما حرمت بعرض دخلها فإذا زايلها ذلك العرض عادت حلالا كما كانت قبل الغليان حلالا وما أكثر من يذهب من أهل النظر إلى أن الخمر إذا انقلب عن عصير والخل إذا انقلب عن خمر أن عين كل واحد غير عين الآخر وهذا القول ما ليس به خفاء على من تدبره وأنصف من نفسه وكيف يكون هاهنا عينان والجسم واحد لم يخرج من الوعاء ولم يبدل وإنما أنتقلت أعراضه تارة من حلاوة إلى مرارة وتارة من مرارة إلى حموضة ولم يذهب العرض الأول جملة واحدة ولا أتى العرض الثاني جملة (واحدة) وإنما زال من كل واحد شيء بعد شيء كما ينتقل طعم الثمرة وهي غضة من الحموضة إلى الحلاوة وهي يانعة والعين قائمة وكما يأجن الماء بطول المكث فيتغير طعمه وريحه والعين قائمة وكما يروب اللبن بعد أن كان صريفا فيتغير طعمه والعين قائمة ومثل الخمر مما حل بعرض وحرم بعرض المسك كان دما عبيطا حراما ثم جف وحدثت رائحته فيه فصار طيبا حلالا. وأما النبيذ فاختلفوا في معناه فقال قوم: هو ماء الزبيب وماء التمر من قبل أن يغليا فإذا اشتد ذلك وصلب فهو خمر. وقالوا: إنما كان الأولون من الصحابة والتابعين يشربون ذلك يتخذونها في صدر نهارهم ويشربونه في آخره ويتخذونه من أول الليل ويشربونه على غدائهم وعشائهم. وقالوا: سمي نبيذا لأنهم كانوا يأخذون القبضة من التمر أو الزبيب فينبذونها في السقاء أي يلقونها فيه. وقال آخرون: النبيذ ما أتخذ من الزبيب والتمر وغيرها من المستخرج بالماء أو ترك حتى يغلي وحتى يسكن. ولا يسمى نبيذا حتى ينتقل عن حاله الأولى كما لا يسمى العصير خمرا حتى ينتقل عن حلاوته ولا يسمى الخمر خلا حتى تنتقل عن مرارتها ونشوتها وإنما سمي نبيذا لإنه كان يتخذ وينبذ أي يترك ويعرض عنه حتى يبلغ. وهذا هو القول لأن النبيذ لو كان ماء الزبيب لما وقع فيه الاختلاف ولأجمع الناس جميعا على أنه حلال من قبل أن يغلي ففيم اختلف المختلفون وعم سأل السائلون؟ قال الشاعر: نبيذ إذا مر الذباب بدنه تعطر لو خر الذباب وقيذا وقال ابن شبرمة: ونبيذ زبيب ما اشتد منه فهو تخمر والطلاء نسيب وقال آخر: تركت النبيذ وشرابه وصرت حديثا لمن غاب فسماء نبيذا وهو يفعل هذا الفعل ولا يجوز أن يكون أراد ماء الزبيب ولا ماء التمر قبل أن يغليا وروى الراقدي عن أخيه سملة بن عمر بن شيبة بن أبي كبير الاشمعي عن أبيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: يخدر الوجه من النبيذ ولتفاتر منه الحسنات وروى شريك عن أبي اسحق عن عمرو بن حريث قال: سقاني ابن مسعود نبيذا شديدا من جر اخضر وحدثني سبابة عن عمرو بن حميد عن بن سليم قال: حدثني أصحاب انس إنه كان يشرب النبيذ الصلب الذي يكون في الخوأبي وما جاء في مثل هذا مما يدل على أن النبيذ ما غلي واسكر كثيره وفرق قوم بين نبيذ الزبيب ونبيذ التمر ولا اعلم بينهما فرقا فيكره واحد ويستحب وآخر لإنهما جميعا مسكران. أنشد ابن أعرأبي (هزج) ألا أيها المهدي إلينا من شهر دع الآس ولا تغفل إذا جئت عن التمر فإن الآس لا يسك - ر واللذة في السكر حجج المحرمين لجميع ما أسكر وأما المسكر فإن فريقا يذهبون إلى أن كل شيء أسكر كثيره كائنا ما كان ولو بلغ فرقا فقليله كائنا ما كان ولو كان مثقال حبة من خردل حرام. فلم يفرقوا بين ابن ثلاث ليال من نبيذ التمر إذا غلي وبين ابن ثلاث أحوال من عتيق السكر وعتيق الخمر ولا فرقوا في ذلك بين منفرد وخليطين ولا بين شديد وسهل ولا بين ما استخرج بالماء وما استخرج بالنار وقضوا عليه بأنه حرام وبأنه خمر وذهبوا من الأثر إلى حديث حدثنيه محمد بن خالد خداش عن أبيه عن حماد بن زيد عن أيوب عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: كل ما مسكر خمر وكل مسكر حرام. وحديث حدثنيه اسحق بن راهويه عن المعتمر بن سليمان عن المهدي بن ميمون عن أبي عثمأن الأنصاري عن القاسم عن عائشة رحمة الله عليها أن النبي صلى الله وسلم قال: كل مسكر حرام وما أسكر الفرق فالحسوه منه حرام. وحديث حدثنيه محمد بن عبيد عن ابن عيينة عن الزهري عن أبي سلمه عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: كل شراب أسكر فهو حرام. مع أشباه لهذا من الحديث يطول الكتاب باستقصائها وفي ما ذكرنا من هذه الأحاديث غنى عن ذكر جميعها لأنها أغلظها في التحريم وأشدها إفصاحا به ووإبعادا من حيلة المتأول. وقالوا: والشاهد على ذلك من النظر أن الخمر إنما حرمت لإسكارها وجرائرها على شاربها لأنها رجس. قال الله تعالى وجل من قائل: {إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطأن فاجتنبوه لعلكم تفلحون إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل انتم منتهون}. وقد كان كثير من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حرموا الخمر على أنفسهم في الجاهلية لعلمهم بسوء مصرعها وكثرة جناياتها. قالت عائشة رحمة الله عليها: ما شرب أبو بكر رحمة الله عليه خمرا في جاهلية أو إسلام. وقال عثمان رحمة الله عليه: ما تغنيت ولا تفتيت ولا شربت خمرا في جاهلية أو إسلام ولا مست فرجي بيميني منذ بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ١ وكان عبد الرحمن بن عوف ترك شربها وقال فيها بيتا: رأيت الخمر شاربها معنى برجع القول أو فصل الخطاب حدثنا محمد بن عبيد قال حدثنا سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن يحيى بن جعد قال قال عثمان: إياكم والخمر فإنها مفتاح كل شر. أتي برجل فقيل له: إما أن تخرق هذا الكتاب وإما أن تقتل هذا الصبي وإما أن تسجد لهذا الوثن وإما أن تشرب وإما أن تقع على هذه المرأة. فلم ير أهون عليه من شرب الكأس فشرب فوقع على المرأة وقتل الصبي وخرق الكتاب وسجد للصليب. وقيل للعباس بن مرداس في جاهليته: لم لا تشرب الخمر فإنها في جرأتك. فقال: ما أنا بأخذ جهلي بيدي فادخله في جوفي وأصبح سيد قومي وسفهيهم. وقيل له بعد ما أسن واسلم: قد كبرت سنك ودق عظمك فلو أخذت من هذا النبيذ شيئا يقويك. فقال: أصبح سيد قومي وأمسي سفهيهم وآليت أن يدخل رأسي ما يحول بيني وبين عقلي. وكان قيس بن عاصم يأتيه في جاهليته تاجر خمر فيبتاع منه ولا يزال الخمار في جواره حتى ينفذ ٢ ما عنده فشرب قيس ذات يوم فسكر سكرا قبيحا فجذب ابنته وتنأول ثوبها ورأى القمر فتكلم بشيء ثم انهب ماله ومال الخمار وانشأ يقول وهو يضربه. من تاجر فاجر جاء الإله به كان لحيته أذناب أحمال جاء الخبيث بميسانية ٣ تركت صحبي وأهلي بلا عقل ولا مال فلما صحا خبرته ابنته بما صنع وما قال فإلى لايذوق الخمر أبدا وقال. رأيت الخمر صالحة وفيها خصال تفسد الرجل الحليما فلا والله اشربها صحيحا ولا اشقي بها أبدا سقيما ولا أعطي بها ثمنا حياتي ولا أدعو لها أبدا نديما وكان عثمان بن مظعون حرم الخمر في الجاهلية وقال: لا اشرب شرابا يذهب بعقلي ويضحك بي من هو أدنى مني وأزوج كريمتي من لا أريد. فبيتنا هو بالعالي إذ أتاه آت فقال: أشعرت أن الخمر حرمت؟ وتلا عليه الآية في المائدة فقال تبا لها لقد كان بصري فيها نافذا. قيل لأعرأبي أتشرب النبيذ؟ فقال: لا اشرب ما يذهب عقلي. ودعا يزيد بن عبد الملك نصيبا أو كثيراً إلى ندامته فقال: يا أمير المؤمنين اني لم أصر إلى هذه المنزلة بمال ولا دين وإنما وصلت إليها بلساني وعقلي فإن رأيت أن لا تحول بيني وبينهما فافعل وقال بعض الشعراء: ومن تقرع الكأس الذميمة سنة فلا بد يوما أن يريب ويجهلا فلم أر مشروبا أخس غنيمة وأوضع للإشراف منها واخملا وأجدر إن تلقي حليما بغيها ويشربها حتى يخر مجدلا وقال آخر: ولست بلاح لي نديما بزلة ولا هفوة كانت ونحن على الخمر عزلت بجبني قول خدني وصاحبي ونحن على صهباء طيبة النشر وأيقنت أن السكر طار بلبه فاغرق في شتمي وقال وما يدري ودخل أمية بن خالد بن أسيد على عبد الملك بن مروان وبوجهه أثار فقال: ما هذا؟ فقال: قمت الليل فأصاب الباب وجهي فقال عبد الملك: رأتني صريع الخمر يوما فسؤتها وللشاربيها المدمنيها مصارع فقال أمية: لا أخذني الله بسوء ظنك يا أمير المؤمنين. فقال لا بل لا أخذني الله بسوء مصرعك. ودخل حارثة بن بدر العداني على زياد وكان حارثة صاحب شراب وبوجهه أثر. فقال له زياد: ما هذا الأثر في وجهك؟ فقال: ركبت فرسا لي أشقر فحملني حتى صدم بي الحائط. فقال له زياد: إما أنك لو ركبت الأشهب لم يصبك مكروه. وقال ابن هرمة الشاعر في شرفه ونسبه وجودة شعره يشرب الخمر بالمدينة ويسكر فلا يزال الشرط وقد أخذوه ورفعوه إلى الوالي في المدينة فحده فوفد على أبي جعفر المنصور وقد قال فيه المدحة التي امتدحته بها وقافيتها لام فاستحسنها وقال له: سل حاجتك. قال يا أمير المؤمنين تكتب إلى عامل المدينة أن لا يحدني إن وجدني سكرانا. فقال أبو جعفر: هذا حد من حدود الله وما كنت لأعطله فهل من حاجة غيره؟ قال لا والله يا أمير المؤمنين فاحتل لي بحيلة فكتب المنصور إلى عامله. من أتاك بابن هرمة وهو سكرأن فاجلده مائة جلدة واجلد ابن هرمة ثمانين. فرضي ومضى بكتابه فكان العون إذا مر به صريعا قال: من يشتري ثمانين بمائة؟ ثم أعرض عنه. وكان مالك بن قيس من ثقيف يشرب مع ابن الكأهلية يوم عرفة وهم محرومون فغلبه السكر فنام حتى فات الحج وأدركه ابن الكأهلية فقال: أليس الله يا مال ابن قيس وان غبنا عليك رقيب عين أقم صدر المطيعة وانج اني أراني وابن نعجة هالكين فأية جريرة أعظم من هذه وأية غبنة أشد من غبنتها وأية صفقة أخسر من صفقتها وماذا يلقى صاحبها فإذا عاودها هان عليه القبيح قال القطامي أفر إذا أصبحت من كل عاذل وأمسي وقد هانت علي العواذل وقال ابن هانئ: اسقني حتى تراني حسنا عندي القبيح وسقى قوم إعرأبية مسكرا فلما أنكرت نفسها قالت لهم: أيشرب هذا نساؤكم؟ قالوا: نعم قالت: لئن كنتم صدقتم لا أحدكم من أبوه. وكان العرب في الجاهلية وفي صدر الإسلام يشتدون على النساء في شربه حتى ما يحفظ أن امرأة شربت ولا أن امرأة سكرت. وحدثني الرياشي عن الأصمعي قال عقيل بن علقمة المري غيورا فكأن يسافر ببنت له الجرباء فسافر بها مرة فقال قضت وطرا من دير سعد وربما على غرض ناطحنه بالجماجم ثم قال لابن له يقال له عملس: أجز فقال لا فا صبحن بالموماة يحملن فتية نشاوى من الادلاج ميل العمائم ثم قال لابنته: أجيزي يا جرباء فقالت كان الكرى سقأهم صرخدية عقارا تمشي في المطا والقوائم فقال: والله ما وصفتها هذه الصفة إلا وقد شربتها ثم أحال عليها يضربها (بالسوط) فلما رأى ذلك بنوه وثبوا عليه فحلوا فخذه بسهم فقال إن بني زملوني بالدم من يلق أبطال الرجال يكلم شنشنة أعرفها من اخزم واخزم فحل والشنشنة الشبه وقد فضح الله بالشراب أقوأما من الإشراف فحدوا ودونت في الكتب أخبارهم ولحقت بتلك السبة أعقابهم. منهم الوليد بن عقبة (بن أبي معيط أخو عثمأن لأمه) شهد عليه أهل الكوفة بشرب الخمر وأنهم صلى بهم الغداة (ثلاث ركعات) وهو سكرأن فقال: (إن شئتم) زدتكم. شهره الله بذلك وبمنادمة أبي زبيد الشاعر وكان نصرانياً فحده علي بن أبي طالب بين يدي عثمان وفيه يقول الحطيئة: كامل شهد الحطيئة يوم يلقى ربه أن الوليد أحق بالغدر نادى وقد تمت صلواتهم أأزيدكم ثملا وما يدري ليزيدهم خيرا ولو قبلوا لجمعت بين الشفع والوتر كبحوعنانك إذ جربت ولو تركوا عنانك لم تزل تجري. ومنهم عبيد الله بن عمر بن الخطاب شرب بمصر) فحده هناك عمرو بن العاص سرا فلما قدم على عمر رضي الله عنه حده حدا آخر (علانية). ومنهم العباس بن عبد الله بن العباس كان ممن شهر بالشرب وبمنادمة الأخطل الشاعر وكان نصرانيا وفيه يقول: ولقد غدوت على التجار بمسح هرت عواذله هرير الاكلب لذ تقبله النعيم كانما مسحت ترائبه بماء الذهب لباس أردية الملوك يروقه من كل مرتقب عيون الربرب ينظرون من خلل النور إذا بدا نظر الهجأن إلى الفنيق المصعب فضل الكياس إذا تشتى لم يكن خلفا مواعده كبرق الخلب وإذا تعورت الزجاجة لم يكن عند الشراب بفاحش منقطب فأخبر أنه غدا على تجار الشراب به وأخبر أنه يروقه عيون النساء ويرقنه. وكان عبيد الله بن عبد الله بن عباس من أحمل الناس وكأن يقال له المذهب لجماله فمدحه كما كان يمدح بعض النصارى وكأنت الشهرة في الشعر على حسب حسنه ورغبة الناس في حفظه. ومنهم قدامة بن مظعون من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حده عمر بشهادة علقمة الحصي عليه وغيره في الشراب. ومنهم عبد الرحمن بن عمر بن الخطاب المعروف بأبي شجمة حده أبوه في الشراب وفي أمر آخر فمات. وعاصم بن عمر بن الخطاب حده بعض ولاة المدينة في الشراب. وعبد الله بن عروة بن الزبير حده هشام بن إسماعيل المخزومي في الشراب. وعبد العزيز (بن) مروان حده عمر بن الأشدق في الشراب. وممن فضح بالشراب بلال بن أبي بردة (الأشعري) قال يحيى بن نوفل الحميري: وأما بلال فذاك الذي تميل الشراب به حيث مالا يبيت يمص عتيق الشراب كمص الوليد يخاف الفصالا ويصبح مضطربا ناعسا تخال من السكر فيه أحولا لا ويمشي ضعيفا كمشي النزيف تخال به يمشي شكالا ومنهم عبد الرحمن بن عبد الله الثقفي القاضي بالكوفة فضح بمنادمة سعد بن هبار فقال حارثة بن بدر ( ٤ ). نهاره في قضايا غير عادلة وليله في هوى سعد بن هبار ما يسمع الناس أصواتاً لهم عرضت إلا دوياً دوي النحل في الغار فأصبح القوم إطلاقا أضر بهم حث المطايا وما كانوا بسفار يدين أصحابه فيما يدينهمو كأساً بكأس وتكراراً بتكرار وهذا عبد الملك بن مروان بعد اجتهاده في العبادة فضحه الله تعالى في الشراب فكان يشرب المغذي وقال له سعيد بن المسيب: بلغني يا أمير المؤمنين أنك تشرب بعدي الطلا. فقال أي والله والدماء. وهذا الوليد نقم عليه الناس شرب المسكر ونكاح أمهات أولاد أبيه فقتلوه. وهذا يزيد بن معاوية كأن يقال إذا ذكر الخمور والقرود فقال فيه. ابني أمية أن آخر ملككم جسد بحوارين ثم مقيم طرقت منيته وعند وساده كوب وزق راعف مرثوم ومرنة تبكي على نشوانة بالصبح تقعد تارة وتقوم ومنهم خالد بن عمرو بن الزبير وفيه يقول القائل إذا أنت نادمت العتير وذا الندى جبيراً وعاطيت الزجاجة خالدا أمنت بأذن الله أن تقرع العصا وأن يوقظوا من رقدة السكر راقدا وصرت بحمد الله في خير فتية حسأن الوجوه لا تخاف العربدا والعجب عندي قوله * وأن يوقظوا من السكر * وأكثر ما يوقظ السكرأن للصلوة افتراء حمدهم على تركهم إيقاظه للصلوة إذا سكر؟ وهذا أبو محجن الثقفي شهد يوم القادسية وأبلى بلاء حسناً شهر وكان فيمن شهد ذلك اليوم عمرو بن معد يكرب فقدم عليه وهو القائل. إذا مت فادفني إلى أصل كرمة تروي عظامي بعد موتي عروقها ولا تدفنني بالفلاة فإنني أخاف إذا ما مت أن لا أذقها فحدثني عبد الرحمن بن عبد الله بن قريب قال: أخبرني الأصمعي عن ابن الأصم عن عبد العزيز بن مسلم العفيلي قال رأيت قبر أبي محجن الثقفي بأرمينية الرابطة تحت شجرات من كرم. (الباقي يتبع) مطبوعات ومخطوطات شرح ديوان المتنبي ما رزق أحد من الشعراء حظوة كحظوة المتنبي في شعره وما خدم ديوانه. ولعل ذلك والله أعلم من أجل تلك الحكم الرائعة التي تخللت شعره. وما يخيل لي أن المتنبي بقي اسمه يردد على الأفواه كل يوم ألوفاً من المرات إلا بفضل حكمه وإلا فالمديح والنسيب الذي فيه يوجد مثله في دواوين غيره من الشعراء. اطلعت بالاتفاق على شرح لهذا الديوان لأبي الحسن علي بن أحمد الو احدي المتوفى سنة ٤٦٨ قال صاحب كشف الظنون فيه وهو أجمل ما وجدنا عليه من الشروح وأكثرها فائدة ليس في شروحه مثله. قال فيه الشارح بعد البسملة والحمدلة والصلاة: أما بعد فإن الشعر أنقى كلام. وأعلى نظام. وأبعد مرقى في درجة البلاغة. وأحسنه ذكراً عند الرواية والخطابة. وأعلقه بالحفظ مسموعاً. وأدله على الفضيلة الغريزية مصنوعاً. وحقاً لو كان الشعر جوهراً لكان عقياناً. أو من نبات لكان ريحاناً. ولو أمسى نجوماً لزاد ضياؤها. أو عيوناً لما غار ماؤها فهو ألطف من در الطل. في أعين الزهر إذا انفتحت الرياض غب المطر. وأرق من دمع المستهام. ومن رقرق بماء الغمام. وهذا وصف أشعار المحدثين الذين تأخروا عن الجاهلية. وعن نأنأة الإسلام إلى أيام ظهور الدولة العباسية. فإنهم الذين أصبح بهم الشعر عذباً فراتاً بعد ما كان ملحاً أجاجاً. وأبدعوا في المعاني غرائب أوضحوا بها لمن بعدهم طرقا فجاجاً. حتى أصبحت روضة الشعر. مفتحة الأنوار يانعة الثمار. مفتقة الأزهار. متسلسلة الأنهار. فثمرات العقول منها تجتبى. وذخائر الكتابة عن غرائبها تقتني. وكواكب الآداب منها تطلع. ومسلك العلم من جوانبها يسطع وإليها تميل الطباع. وعليها تقف الخواطر والأسماع. وإليها ينشط الكسلان وعند سماعها يطرب الثكلان. لما لها من المزاين والتدبيج. وسطوع روائح المسك الأريج. وبعد أن أورد حديث أن من الشعر لحكمة وقول عائشة الشعر كلام فمنه حسن ومنه قبيح فخذ الحسن ودع القبيح قال: ولقد رويت أشعاراً منها القصيدة أربعون ودون ذلك وأن الناس منذ عصر قديم قد أولوا جميع الأشعار صفحة الأعراض مقتصرين منها على شعر أبي الطيب المتنبي نائين عما يروى لسواه. وأن فاته وجاوز في الإحسان مداه. وليس ذلك إلا البحث اتفق لها فعلاً وبلغ المدى وقد قال: هو الجد حتى تفضل العين أختها وحتى يكون اليوم لليوم سيدا وجاء في آخر الشرح. هذا آخر ما اشتمل عليه ديوانه الذي رتبه بنفسه وهو خمسة آلاف وأربعمائة وأربع وتسعون من الفراغ من نسخ هذا التفسير والشرح السادس عشر شهر ربيع الآخر سنة اثنتين وستين وأربعمائة قال الشيخ الأمام رحمه الله: إنما دعاني إلى تصنيف هذا الكتاب مع خمول الأدب وانقراض زمانه اجتماع أهل الكتاب أهل العصر قاطبة على هذا الديوان وشغفهم بحفظه وروايته والوقوف على معانيه وانقطاعهم عن جميع أشعار العرب جأهليها وإسلاميها إلى هذا الشعر واقتصارهم عليه في تمثلهم ومحاضرتهم وخطبهم ومقاماتهم حتى كان الأشعار كلها فقدت وليس ذلك إلا لتراجع الهمم وخلو الزمان وتقاصر الرغبات وقلة العلم بجوهر الكلام ومعرفة جيده من رديه ومطبوعه من متكلفه ومع ولوع الناس بهذا الديوان لا ترى أحداً يرجع في معرفته إلى محصول أو يعي ببيان عن مودعاته وغوامض معانيه ومشكلاته. . . . وهاك نموذجاً صغيراً من شرحه قال: أبي خلق الدنيا تديمه فما طلبي منها حبيباً ترده قوله تديمه من فعل الدنيا وكذلك ترده أي تدفعه ويجوز أن يريد ترده إلى الوصل يقول حبيب تديمه الدنيا قد أبت ذلك أي تأبى أن تديم حبيباً على الوصال فكيف أطلب منها حبيباً تمنعه عن وصالنا وكيف أطلب منها أن ترده إلى الوصال بعد أن أعرض وهجر. وأسرع مفعول فعلت تغيراً تكلف شيء في طباعك ضده يقول أن الدنيا لو ساعدتنا بقرب أحبتنا لما دام ذلك لأن الدنيا بنيت على التغير والتنقل فإذا فعلت غير ذلك كانت كمن تكلف شيئاً هو ضد طبعه كما قال حاتم ومن يبتدع ما ليس من خيم نفسه يدعه وترجعه إليه الرواجع ومثله قول الأعشى السني ومن يقترف خلقا سوى خلق نفسه يدعه وتغلبه عليه الطبائع وأدوم أخلاق الفتى ما تشابه وأقصر أفعال الرجال البدائع وقول إبرأهيمبن المهدي من تحلى شيمة ليست له فارقته وأقامت شيمه وقال في شرح وأتعب خلق الله من زاد همه وقصر عما تشتهي النفس وجده هو مثل ضربه لنفسه كان يقول أنا أتعب خلق الله لزيادة همتي وقصور طاقتي من الغنى عن مبلغ ما أهم به وهذا مأخوذ مما في الحديث أن بعض العقلاء سئل عن أسوء الناس حالاً فقال من قويت شهوته وبعدت همته واتسعت معرفته وضاقت مقدرته. وقال الخليل ابن أحمد رزقت لباً ولم أرزق مروته وما المروءة إلا كثرة المال إذا أردت مسامات تقاعدني عما ينوه باسمي رقة الحال فلا ينحل في المجد مالك كله فينحل مجد كان بالمال عقده هذا نهي عن تبذير المال والإسراف في إنفاقه يقول لا تذهب مالك كله طلب المجد لأن المجد كله لا ينعقد إلا بالمال فإذا ذهب مالك كله انحل ذلك المجد الذي كان يعقد بالمال ألا ترى إلى قول عبد الله بن معاوية أرى نفسي تتوق إلى أمور يقصر دون مبلغهن مالي فلا نفسي تطاوعني ببخل ولا مالي يبلغني فعالي وقد كتب الأصل بالحمرة والشرح بالحبر الأسود على عادة الكتب القديمة ولولا نقص كراس منه لكان جديراً بالطبع وقد روى بعضهم أن هذا الكتاب مطبوع في أوروبا والنسخة التي تكلمت عليها كتبت في شهر رمضأن سنة ١٠٧٥ وعدد أوراقها ٥٢٥ من الحجم الوسط الإدراك للسأن الأتراك نشر مسيو لوسين بوفا من مشاهير علماء المشرقيات عند الفرنسيس هذه الرسالة النافعة لمؤلفها أبي حيان الأندلسي المولود في غرناطة سنة ٦٥٤ والمتوفى في مصر سنة ٧٥٤ وكان أبو حيان كثير التصنيف ذكر له مترجموه زهاء سنين مصنفاً وهو العلم المفرد في النحو وله خمس رسائل في نحو اللغة التركية وصرفها وقد قال عن هذه الرسالة أنها لم ينسخ على منوالها كتبها عقيب مقامه في مصر واختلاطه بالترك الذين كانوا ملوك عصره وهذه الرسالة تنقسم كما قال ناشرها إلى كتاب مفردات اللغة التركية مترجمة إلى العربية وفيها نحو ألفينيلفظة والقسم الثاني في التلفظ والتصريف والقسم الثالث في النحو فنشكر للناشر عنايته أكثر الله في خدمة العلم أمثاله الفنون السبعة أهدنا مسيو هرمان كيز من علماء المشرقيات من الألمان نسخة واحدة من هذه الرسالة وعني بالفنون السبعة الشعر القريض والموشح والزجل والمواليات والكان وكان والقوما وشرحها كلها بالألمانية مع إيراد بعض الفقرات باللغة العربية. والقوما والكان وكان لا يعرفها سوى أهل العراق. وحبذا لو عاد هذه الآونة إلى ما كان كتبه في هذا الموضوع وأشبعه مع ترجمة جميع ما يكتبه لتعم فائدته الجميع مناقضاة العلماء اطلعنا على رسالة للأمير شكيب أرسلأن في رثاء فقيد اللغة الشيخ إبرأهيماليازجي فما قاله فيها لم يبرح الدهر فتاك المضارب عن أيامه البيض أو ليلاته السمر إذا لها غافل عن رعي طارقه فللشدائد منه بالغ النذر كفى برب المنايا واعظاً وجزاً رشداً لمن كان من دنيا على غرور تخالف الناس في الأهواء حين حيوا وجمع الموت منهم كل منتثر وقد يلج ببعض كيد شانئه ولو درى لصفا صفواً بلا كدر وقد يحاول في أعدائه ظفراً وأنه بين ناب الموت والظفر كم وترت قوس ضغن كف ذي ترة فأذهب الموت عزم الوتر والوتر والدمع يغسل ما بالقلب من وضر كما يزول غبار الأرض بالمطر إلى أن يقول بعد أن وفاه حقه من الرثاء إليك حقك لا ظلم ولا سرف لاينكر الشمس إلا فاقد البصر وأن يؤأخذك نقاد بباردة فليس يرجم إلا مثمر الشجر وقد يعاب الذي في البدر من كلف وليس يسلب معنى الحسن في القمر الإسلام في أفريقية الشرقية مسيو لشاتليه من كبار علماء المشرقيات المنصرفين في فرنسا إلى دراسة أحوال الشرق ولاسيما أهل الإسلام وبلادهم قضى في ذلك السنين الطويلة وهو اليوم رئيس مجلة العالم الإسلامي الفرنسوية وله في الأبحاث المشار إليها عدة مصنفات ممتعة ومنها هذا الكتاب الذي أتحفنا بنسخة منه قرأنا فيها أدلة على فضله وتحقيقه فقد تكلم فيه على مسلمي غربي أفريقية كلام من رحل إليهم وخالطهم وعرف عجرهم ونجرهم وشفع كلامه بنصوص تاريخية ووصف أحوالهم الاجتماعية والدينية والمعاشية والسياسية في سفر ضخم وقع في زهاء ٣٧٠ صفحة وشفعة بمصورات تفيد القارئ إذا أراد أن يتصور تلك البلاد. ومما استنتجته أن الإسلام عريق في تلك البلاد يرد عهده إلى زمن عمرو بن العاص لما فتح مصر وجاءه ستة من البربر ودانوا بالإسلام وراحوا ينشرونه بين أهلهم وعشيرتهم وأن الويز دي كاداموستو قال سنة ١٤٥٥ أن الإسلام يزداد انتشاره بين قبائل الزنوج في أفريقية الغربية. ومن رأي المؤلف أن الدين المحمدي يعم الزنوج في أفريقية إذا لم يستخدم المرسلون الكاثوليك والبروتستانت لتنصير من بقي منهم من بلا دين. وعلى الجملة فقد وصف بلاد السودانيين والصحراء والبربر والعرب بما لم يبق بعده مجال لقائل شأن العارفين المحققين الذين يؤلفون ويحسنون فجاء هذا الكتاب مرجعاً يستفتيه كل من تهمة دراسة أحوال أولئك الزنوج. منهل الوراد قسطاكي بك من أعيان حلب مشهور بأدبه وفضله ألف بعد بحث ستة عشر عاماً كتاباً في علم الانتقاد أصدر الجزء الأول منه في نحو ثلاثمائة صفحة تكلم فيه على علم النقد عند العرب وقال أنه لم يكن معروفاً عندهم أيام استبحار العلم والحضارة في أقطارهم وأن ما عرف عنهم لا يصح في الأكثر أن يسمى نقداً وتكلم على تاريخ النقد عند سائر الأمم وفي القرون الوسطى والقرون الحديثة وعلى أساليب الإنشاء ورتب الشعر وطبقاته وأفاض في ذلك فهذا الجزء الأول هو في تاريخ النقد وموضوعه استوفى تاريخه عند الإفرنج أكثر مما استوفاه عند العرب والجزء الثاني وهو تحت الطبع في قواعد هذا الفن وفروعه. وقد أهدى المؤلف كتابه لطلاب العلم وتلاميذ المدارس عسأهم يقعون على فائدة في تضاعيف سطور صرف المصنف على تدوينها شطراً من العمر قائلا أنه خالف بذلك عادة متقدمي العلماء والكتاب في هذا اللسأن العربي المبين من إهداء تآليفهم لبعض أمراء عصرهم وحكام زمانهم كما فعل أبو منصور الثعالبي بإهداء كتابه نثر النظم وحل العقد إلى الملك المؤيد أبي العباس خوارزم شاه وكتأبيه المشهورين فقه اللغة ويتيمة الدهر إلى الأمير عبيد الله أبي الفضل الميكالي وحذا حذوه الفتح بن خاقان بإهداء كتاب قلائد العقيأن إلى أمير المؤمنين أبي اسحق بن يوسف ين تاشفين والفيروزابادي بإهداء القاموس لمجلس الملك الأشرف إسماعيل صاحب اليمن وأهدى الفيلسوف ابن خلدون تاريخه إلى أمير المؤمنين أبي عبد الله المريني. بارك الله لقسطا كي بك بهمته التي ساقته إلى أفراد هذا الفن بالتأليف. والنقد كما هو معلوم يرتقي بارتقاء الأمة فعسى أن يكون من الكتب النافعة ما ينتج منه ارتقاؤه في هذا العصر بين الأمة العربية. نجعة الرائد أتحفنا الشيخ حبيب اليازجي بنسخة من هذا الكتاب النفيس في المترادف والمتوارد تأليف عمه فقيد اللغة الشيخ إبرأهيماليازجي وفي هذا الكتاب أبواب مهمة لا يستغني كاتب معرب عن ألفاظها وجملها التي اختارها الشيخ من أرق الألفاظ ومنسجم التراكيب للعرب وهذا الجزء في العلم والأدب وما إليهما وفي سياقه أحوال وأفعال شتى مما يعرض في الألفة والمجتمع والمعاش وفي معالجة الأمور وذكر أشياء من صفاتها وأحوالها وهو ما يقع في ٢٢٥ صفحة جيدة الطبع تدل على غور كاتبها وتدقيقه فحبذا لو اعتمدت عليه المدارس المصرية في التدريس والمراجعة فإنه من خير ما ألف في موضوعه وهو يطلب من مطبعة المعارف بالفجالة بمصر. كتاب الأخلاق طبع محمد أفندي هاشم الكتبي هذه الرسالة المفيدة للشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي كتبها إلى بعض أخوانه سنة إحدى وتسعين وخمسمائة هجرية بقلم بليغ يذكرنا بنمط الأندلسيين في الإنشاء. وهذه الرسالة مما يعلي مقام الشيخ الأكبر في صدر المنكرين عليه دع عنك المعتقدين به لأنه لم يذكر فيها ما لا يقع تحت الحس بل ذكر فاضل الأخلاق وسفسافها ومما قاله فيها: وملاك الأمر في تهذيب الأخلاق وضبط النفس الشهوانية والنفس الغضبية هي تقوية النفس الناطقة فإن بهذه تكون جميع السياسات وهذه النفس إذا قويت (وأصبحت) متمكنة من صاحبها أمكنه أن يسوس بها قوتيه الباقيتين ويكف نفسه عن جميع القبائح ويتبع أبداً مكارم الأخلاق وإذا لم تكن هذه النفس قوية في صاحبها وكانت مقهورة خافتة فلول ما ينبغي أن يعتمده في سياسة أخلاقه أن يروض هذه النفس ويقويها وتقوية هذه النفس إنما يكون بالعلوم العقلية فإنه إذا نظر في العلوم العقلية ودقق النظر فيها ودرس كتب الأخلاق والسياسة وداوم عليها تيقظت نفسه وتنبهت وانتعشت من خمولها وأحست بفضائلها وأنفت من رذائلها وذلك أن هذه إنما تضعف وتخفت إذا عدمت الفضائل والمناقب واستولت عليها فإذا اقتبست الفضائل واكتسبت الآداب تيقظت وتنبهت من غشيتها وثارت من سكرتها وقويت بعد ضعفها وفضائل هذه النفس هي العلوم العقلية وخاصة ما دق منها والرسالة كلها من هذا النمط في الانسجام والمرامي السامية في تهذيب النفس واشرابها حب الفضيلة. غريب القرآن طبع محمد أمين أفندي الخانجي وشركاؤه هذا الكتاب المسمى بنزهة القلوب للأمام أبي بكر محمد عزيز السجستاني من أهل المئة الرابعة وهو على حروف المعجم مشروح ألطف شرح وأسهله متيسر معاني مفردات الكتاب العزيز أن يرجع إليها في أسرع ما يمكن من الحجم الصغير وبطلب من طابعه بثلاثة قروش. أمالي السيد المرتضى السيد المرتضى المتوفى في سنة ٤٣٦ هو شقيق الشريف الرضي الأول عالم والثاني أديب وقد طبع هذه الآونة محمد أمين الخانجي وشركاؤه أماليهوهي أربعة أجزاء صدر الجزء الأول منها وقد جعل اشتراكه ١٥ قرشاً أميرياً بالاشتراك إذا اشترك المشترك قبل صدور الجزء الثاني وما بعد ذلك يباع بخمسة وعشرين قرشاً. وهذا الكتاب هو أحد مأخذ الإتقأن في علوم القرآن للسيوطي وفيه نبذ كثيرة في الأدب والتاريخ قد لا نجد أكثرها في الكتب المتدأولة وقد جعله المؤلف مجالس فكان هذا الجزء اثنين وعشرين مجلساً كل مجلس فيه ما رق وراق من الأخبار والأثار مثل تراجم بعض الدهرين والزنادقة والمعمرين وبعض رؤساء المعتزلة ومما رواه لابن المفقع من الحكم قوله: قيل أن يحيى بن زياد الحارثي كتب إليه يلتمس معاقدة الإخاء والاجتماع على المودة والصفاء فأخر جوابه فكتب إليه كتاباً آخر يسترثيه فكتب إليه عبد الله: أن الإخاء رق فكرهت أن أملكك رقي قبل أن أعرف كهنك. وكان يقول ذلل نفسك بالصبر على الجار السوء والعشير السوء والجليس السوء فأن ذلك من لا يكاد يخطئك. وكان يقول إذا نزل بك أمر مهم فإنظر فإن كان مما له حيلة فلا تعجز وإن كان مما لا حيلة فيه فلا تجزع وقال لبعض الكتاب: إياك والتبغ لوحشي الكلام طمعاً في نيل البلاغة فأن ذلك هو العي الأكبر. وقال لآخر عليك بما سهل من الألفاظ مع التجنب لألفاظ السفلة. وقيل له ما البلاغة فقال التي إذا سمعها الجاهل ظن أنه يحسن مثلها. ومن كلام الجاحظ: ينبغي للكاتب أن يكون رقيق حواشي الكلام عذب ينأبيعه إذا حاور سدد سهم الصواب إلى غرض المعنى. وقال لا تكلم العامة بكلام الخاصة ولا الخاصة بكلام العامة. وروى من أخبار المعمرين أن عبد المسيح بن بقيلة الغساني ذكر الكلبي وأبو مخنف وغيرهما أنه عاش ثلاثمائة سنة وخمسين سنة وأدرك الإسلام ولم يسلم وكان نصرانياً وروي أن خالد بن الوليد لما نزل على الحيرة وتحصن منه أهلها أرسل أبعثوا إلي رجلاً من عقلائكم وذوي أنسابكم فبعثوا إليه بعبد المسيح بن بقيلة فأقبل يمشي حتى دنا من خالد فقال: أنعم صباحاً أيها الملك قال: قد أغنانا الله عن تحيتك فمن أين أقصي أثرك أيها الشيخ قال: من ظهر أبي. قال: من أين خرجت قال: من بطن أمي. قال: فعلام أنت قال: على على الأرض قال: ففيم أنت قال: في ثيأبي. قال: أتعقل لا عقلت. قال: أي والله وأقيد. قال: ابن كم أنت. قال: ابن رجل واحد. قال خالد: مل رأيت كاليوم قط أني أسأله عن الشيء وينحو في غيره. قال: ما أجبتك إلا عما سألت فأسأل عما بذلك. قال: أعرب أنتم أم نبط قال: عرب استنبطنا ونبط استعربنا. قال: فحرب أنتم أم سلم. قال: بل سلم. قال: فما هذي الحصون. قال: بنيناها للسفينة نحذر منه حتى يجيء الحليم فينهاه. قال: كم آتي لك. قال: خمسون وثلاثمائة سنة. قال: فما أدركت سفن البحر في السماوة في هذا الجرف ورأيت المرأة تخرج من الحيرة وتضع مكتلها على رأسها لا تزود إلا رغيفاً حتى تأتي الشام ثم قد أصبحت خراباً يباباً وذلك دأب الله في العباد والبلاد قال: ومعه سم ساعة يقلبه في كفه. فقال له خالد: ما هذا في كفك. قال: هذا السم. قال: ما تصنع به. قال أن كان عندك ما يوأفق قومي وأهل بلدي حمدت الله وقبلته وإن كأنت الأخرى لم أكن أول ساق إليهم ذلاً وبلاءً أشربه فأستريح من الدنيا فإنما بقي من عمري اليسير. قال خالد: هاته فأخذه ثم قال بسم الله وبالله رب الأرض والسماء الذي لا يضر مع اسمه شيء فشربه فتجللته غشية ثم ضرب بذقنه في صدره طويلاً ثم غرق فأفاق كانما نشط من عقال فرجع ابن بقيلة إلى قومه فقال جئتكم من عند شيطان أكل سم ساعة فلم يضربه صانعوا القوم وأخرجوهم عنكم فإن هذا أنر مصنوع لهم على مائة ألف درهم يقول: أبعد المنذرين أرى سواماً يروح بالخور نق والسد ير أبعد فوارس النعمان أرعى مراعي نهر مرة فالحقير تحاماه فوارس كل قوم مخافة ضيعم عالي الزئير فصرنا بعد هلك أبي قبيس كمثل الشاء في اليوم المطير تقسمنا القبائل من معد علانية كأيسار الجزور نودي الخرج بعد خراج كسرى وخرج بني قريظة والنضير كذاك الدهر دولته سجال فيوم من مساة أو سرور وبالجملة فالكتاب رخيص الثمن ثمين القيمة والنفع جداً وقد عني السيد محمد بدر النعساني الحلبي بتصحيحه وضبط ألفاظه وتعليق بعض حواش هذا الجزء في ٣٣٠ صفحة مطبوع الطبع المتوسط مشكول محل الأشكال من ألفاظه.</passage>
<license>Distributed under a Creative Commons Attribution-ShareAlike 4.0 International (CC BY-SA 4.0) license</license>
<source>https://github.com/tillgrallert/digital-muqtabas/blob/master/xml/oclc_4770057679-i_16.TEIP5.xml retrieved via Canonical Text Service http://cts.informatik.uni-leipzig.de/muqtabas/cts/ with CTS URN urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.16.TEIP5:</source>
</reply>
</GetPassage>
