<?xml version="1.0" encoding="UTF-8"?><GetPassage xmlns="http://relaxng.org/ns/structure/1.0" xmlns:a="http://relaxng.org/ns/compatibility/annotations/1.0" xmlns:tei="http://www.tei-c.org/ns/1.0">
<request>
<requestName>GetPassage</requestName>
<requestUrn>urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.15.TEIP5:</requestUrn>
</request>
<reply>
<urn>urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.15.TEIP5:</urn>
<passage>العدد ١٥ بتاريخ: ١٥ - ٤ - ١٩٠٧ التقية الأمم في أول نشأتها تحتاج إلى كتم أمرها وضم أطرافها والتماسك في كل أحوالها خوف عدو قاهر ومليك مقتدر وعدة ضخمة وعدد؟؟ من مال ورجال حتى إذا استحكم أمرها وأصبحت كفؤا لمناوئها تظهر ما كانت تضمر وتقدم إقدام الاتيي على الوادي وتلوب على من تضمه إليها وتكثّر به سواد قومها. وهكذا حال الأفراد فإن العالم أو صاحب الدعوة إذا كان في مبدأ شأنه بين قوم يخاف بادرتهم إذا فاتحهم بأفكاره يخفي شيئاً مما يكنه ضميره حتى إذا اشتدت شكيمته واستحكمت مُنّتُه واستجاش له أنصاراً وخاصة يقبلون ولو جانباً من أفكاره وعلمه يتدرج في بث دعوته فيبدأ بالضعاف أو المستضعفين إلى أن يصل إلى الأقوياء والعظماء. وهذا الضرب من الكتمان يسمى التقية مشتقة من أتقاه أي خافه وهي ضد العلانية. عادة راجت ولا تزال رائجة في المشرق خصوصاً بين المغلوبين المخالفين أمام الغالبين الظالمين ولكم ذهب بها فيما غبر أرواح رجال لم يحسنوا استعمال التقية ونجا بها أناس جعلوها شعراً يلبسونه ومجناً يتقون به عادية من يخالفونهم أو يريدونهم على العلم بما لا يعتقدون به من علم ورأى ونحلة. جاء الرسول العربي عليه الصلاة والسلام فقام يبث دعوته وتحمل فيها صنوف الأذى والإهانة ولما كثر أنصاره ومريدوه من المهتدين وخاف امتداد الأذى هاجر إلى المدينة وهناك أقام على تلقين اليقين علانية. ولذلك أجمع رأي الصحابة على عهد عمر بن الخطاب لما أرادوا التأريخ أن يبدأوا من سنة الهجرة لأنه الوقت الذي حكم فيه الرسول على غير تقية فأكن الدور الأول ما كان إلا لتأسيس ما بدأ ظهوره من الدعوة في المدينة فلم يحسبوه. وقد جاء في القرآن آيات تدل على الأخذ بالتقية وآيات على عكسها بحسب المناسبات. قال الخازن في تفسير قوله تعالى: {لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُوْنِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللهِ الْمَصِيرُ} أي ألا أن تخافوا منهم مخافة ومعنى الآية أن الله نهى المؤمنين عن مداراة الكفار ومداهنتهم ومباطنتهم إلا أن يكون الكفار غالبين ظاهرين أو يكون المؤمن في قوم كفار فيداهنهم بلسانه وقلبه مطمئن بالإيمان دفعاً عن نفسه من غير أن يستحل دماً حراماً أو مالاً حراماً أو غير ذلك من المحرمات أو يظهر الكفار على عورة المسلمين. والتقية لا تكون إلا مع الخوف من القتل مع سلامة النية إلى الله تعالى: {إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ}. ثم أن هذه التقية رخصة فلو صبر على إظهار إيمانه حتى قتل كان له بذلك أجر عظيم. وأنكر قوم التقية وقالوا إنما كانت التقية في جدة الإسلام قبل استحكام الدين وقوة المسلمين فأما اليوم فقد أعز أمة الإسلام والمسلمين فليس لأهل الإسلام أن يتقوا من عدوهم. قال يحيى البكاء: قلت لسعيد بن جبير في أيام الحجاج: ابن الحسن يقول التقية باللسان والقلب مطمئن بالإيمان. فقال سعيد: ليس في الأمان تقية إنما التقية في الحرب. وقيل إنما تجوز التقية لصون النفس من الضرر لأن دفع الضرر عن النفس واجب بقدر الإمكان. اهـ واختلفت مذاهب المسلمين في التقية فروى المؤرخون أنه كان سبب اختلاف نافع بن الأزرق ونجدة بن عامر من زعماء الخوارج أن نافعاً قال التقية لا تحل والقعود عن القتال كفر واحتج بقوله تعالى {إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً}. وبقوله: {يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ}. وخالفه نجدة فقال: التقية جائزة واحتج بقوله عز وجل: {إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً}. وبقوله عز وجل: {وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ} فالأزارقة من الخوارج وهم أصحاب ابن الأزرق المشار إليه يقولون إن التقية غير جائزة في قول ولا عمل. وحكى الكعبي عن النجدات وهم أصحاب نجدة بن عمار أن التقية جائزة في القول والعلم كله. وقال الصُّفرية الزيادية وهم فرقة من الخوارج أيضاً: التقية جائزة في القول والعمل. والرِّدَيُّ عند الخوارج هو الذي يعلم الحق من قولهم ويكتمه. أما الشيعة فلهم في التقية تجوّز لم تعرفه فرقة من المسلمين فيما أحسب فكل ما أرادوه تكلموا به فإذا قيل لهم ذلك ليس بحق وظهر لهم البطلان قالوا إنما قلناه تقية وفعلناه تقيةً. هذا ما نقله الشهرستاني في الملل والنحل وليس في الأيدي كتاب من كتبهم نرجع إليه فيما قالوه هم في حقها. ولقد رأيت بعضهم يستعملون التقية في خلواتهم وجلواتهم فلا تجديهم إلا صغر النفوس وضياع الشمم والشرف على حين لا يضطرهم إلى ذلك داعٍ ولا يريدهم عليه حاكم ولا محكوم عليه. ولكن هي العادات يرضعها الأبناء مع لبن الأمهات فيتعذر الإقلاع عنها إلا بعد الاستغراق في نور العلم النافع والتربية الصحيحة. والعقل يقضي بأن يستعمل في دار التقية ما لا يستعمل في دار العلانية على حسب الأحوال. وقد تترتب مفاسد دينية ودنيوية على سوء استعمال التقية ولكن قل في العلماء وأرباب المقالات من أحسن استعمالها وساعده محيط بلاده على تحقيق أمانيه. والتوسط في كل شيء محمود المغبة فكيف بالتوسط مع الطواغيت والمرء لا ينجو معهم بدونه. عهدنا الحجاج لما هزم عبد الرحمن بن الأشعث وقتل أصحابه وأسر بعضهم يتلقى كتاب عبد الملك بن مروان في عرض الأسرى على السيف فمن أقر منهم بالكفر خلّى سبيله ومن أبى قتله. فأتى منهم بعامر الشعبي ومطرف بن عبد الله بن الشخير وسعيد بن جبير. وكان الشعبي ومطرف تريان التقية وكان سعيد بن جبير لا يراها فذهب عامر ومطرف إلى التعريض والكناية فعفا عنهما وأما سعيد بن جبير فأبى ذلك فقتل. وكان مما عرَّض به الشعبي: أصلح الله الأمير، نبا بنا المنزل، وانخزل بنا الجناب، واستحلسنا الخوف، واكتحلنا السهر، وخبطتنا فتنة لم نكن فيها بررة أتقياء ولا فجرة أقوياء. قال: صدق والله ما برّوا بخروجهم علينا ولا وقووا خلّيا عنه. ثم قدم إليه مطرف بن عبد الله فقال هل الحجاج: أتقرّ على نفسك بالكفر؟ قال: إن من شق العصا، وسفك الدما، ونكث البيعة، وأخاف المسلمين لجديرٌ بالكفر. قال خليا عنه. ثم قدم إليه سعيد بن جبير فقال له: أتقر على نفسك بالكفر؟ قال: ما كفرت بالله مذ آمنت به. قال اضربوا عنقه. أرأيت رجلاً معروفاً بصلابة دينه ووفرة علمه وثبات جنانه وقوة برهانه فادى بروحه من أجل الحق وغلّب الموت على القول بما يخالف ما وقع في نفسه؟ أبى إباؤه وأنفت أنفته أن يلجأ إلى تقية لا يرضاها ذوو النفوس الكبيرة فذهب مثال الكمال وأنموذج الفضيلة والتقوى أبد الدهر. هذا هو سعيد بن جبير الذي لا تفتأ الألسن تذكره بالرحمة وتسخط على من قتله شر قتلة. ومن التقية المحمودة إن صح أن يسمى التقية ما يأتيه بعض العلماء من الامتناع عن إفشاء بعض الأسرار في الدين للعامة وقد أرجع الغزالي هذه الأسرار التي يختص المقربون بدركها ولا يشاركهم الأكثرون في علمها إلى خمسة أقسام: الأول أن يكون الشيء في نفسه دقيقاً تكل أكثر الأفهام عن دركه فيختص بدركه الخواص وعليهم أن لا يفشوه إلى غير أهله فيصير ذلك فتنة عليهم حيث تقصر أفهامهم عن الدرك وإخفاء سر الروح من هذا القسم. الثاني من الخفيات التي تمتنع الأنبياء والصديقون عن ذكرها ما هو مفهوم في نفسه لا يكل الفهم عنه ولكن ذكره يضر بأكثر المستمعين ولا يضر بالأنبياء والصديقين وسر القدر الذي منع أهل العلم من إفشائه من هذا القسم فلا يبعد أن يكون ذكر بعض الحقائق مضراً ببعض الخلق كما يضر نور الشمس بأبصار الخفافيش وكما تضر رياح الزرد بالجعل. الثالث أن يكون الشيء بحيث لو ذكر صريحاً لفهم ولم يكن فيه ضرر ولكن يكنى عنه على سبيل الاستعارة والرمز ليكون وقعه في قلب المستمع أغلب كما لو قال قائل رأيت فلاناً يقلد الدر في أعناق الخنازير فكنى به عن إفشاء العلم وبث الحكمة إلى غير أهلها. الرابع أن يدرك الإنسان الشيء جملةثم يدركه تفصيلاً بالتحقيق والذوق. الخامس أن يعبر بلسان المقال عن لسان الحال فالقاصر الفهم يقف على الظاهر ويعتقده حقاً والبصير بالحقائق يدرك السر فيه. قال صاحب كتاب إيثار الحق على الخلق: كثرت البدع وكثرت الدعاة إليها والتعويل عليها وطالب الحق اليوم شبيهٌ بطلابه في أيام الفترة وهم سلمان الفارسي وزيد بن عمر بن نفيل وأضرابهما رحمهما الله تعالى. وأن نشأة الإنسان على ما عليه أهل شارعه وبلده وجيرانه وأترابه صنيع أسقط الناس همة وأدناهم مرتبة. قال ولا ينبغي أن يستوحش الظافر بالحق من كثرة المخالفين له كما لا يستوحش الزاهد من كثرة الراغبين ولا المتقي من كثرة العاصين ولا الذاكر من كثرة الغافلين بل ينبغي منه أن يستعظم المنة باختصاصه بذلك مع كثرة الجاهلين له الغافلين عنه. ونسب تنكب الناس عن طريقة الحق لعدم الحرص وقوة الداعي وللخوف من شر الأشرار مع الترخيص في التقية بإجماع الأمة فقد أثنى الله على مؤمن آل فرعون مع كتم إيمانه وسميت به سورة المؤمن وصح أمر عمار بن ياسر بذلك وتقريره عليه ونزلت فيه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان. وقد قيل من عرف الخلق جدير أن يتحامى ولكن من عرف الحق فعسير أن يتعامى. والذين آمنوا أشد حباً لله. ونسبه أيضاً للخوف من الشذوذ من الجماهير والانفراد عن المشاهير. وذكر أيضاً أنه زاد الحق غموضاً وخفاءً أمران أحدهما خوف العارفين مع قلتهم من علماء السوء وسلاطين الجور وشياطين الخلق مع جواز التقية عند ذلك بنص القرآن وإجماع أهل الإسلام قائلاً: ومازال الخوف مانعاً من إظهار الحق ولا برح المحق عدواً لأكثر الخلق. وقد صح عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال في ذلك العصر الأول حفظت من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعاءين أما أحدهما فبثثته في الناس وأما الآخر فلو أبثه لقطع هذا البلعوم. ومازال الأمر في ذلك يتفاحش وقد صرح الغزالي بذلك في خطبة المقصد الأسنى ولوّح بمخالفته أصحابه فيها كما صرح بذلك في شرح الرحمن الرحيم. وأشار إلى التقية الجويني في مقدمات البرهان في مسألة قدم القرآن، والرازي في كتابه المسمى بالأربعين في أصول الدين. قال: وثانيهما الاعتماد على الكتابة في حفظ العلم فإنه أدى إلى كتم أهل العلم لكثير من مصونه في أول الأمر ثم لمهمات الدين في آخره وكان العلم في أول الأمر يبذل من أهله لأهله مشافهةً ولو سراً وذلك أول النقص وهو محفوظ في الصدور غير مبذول لأهل الشرور في الشعور فلما قلّ الحفظ وطال الأمر وكتب ليحفظ وتعذرت الصيانة وخيف العدوان من أعداء أهل الإيمان كتم بعضهم فلم يظهر علمه فازداد النقص واتقى بعضهم فتكلم بالمعاريض الموهمة للباطل خوفاً على نفسه ورمز بعضهم فغلظ عليه فيما قصده في رمزه فتفاحش الجهل. وأما الفرق بني ما يجوز من المصانعة والمداهنة وما لا يجوز من الرياء فما كان من بذل المال والمنافع فهو جائز وهو المصانعة وربما عبر عنه بالمداهنة والمداراة والمخالفة وما كان من أمر الدين فهو الرياء الحرام. ومن كلام الإمام الداعي إلى الله تعالى يحيى بن المحسن عليه السلام في الرسالة المخرسة لأهل المدرسة: لا يجوز أن تكون المولاة هي المتابعة فيما يمكن التأول فيه لأن كثيراً من أهل البيت عليهم السلام قد عرف بمتابعة الظلمة لوجه يوجب ذلك فتولى الناصر الكثير منهم وصلى بهم الجمعة جعفر الصادق وصلى الحسن البسط على جنائزهم وأقام علي بن موسى الرضا مع المأمون وكثَّر جماعته وتزوج ابنه محمد ابنة المأمون وغير ذلك. والوجه فيه أن الفعل لا ظاهر له فتأويله ممكن. وذكر الإمام المهدي محمد بن المطهر عليهما السلام أن الموالاة المحرمة بالإجماع هي مولاة الكافر لكفره والعاصر لمعصيته ونحو ذلك. وهو كلام صحيح والحجة على صحة الخلاف فيما عدا ذلك أشياء كثيرة منها قوله تعالى في الوالدين المشركين بالله: {وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً} ومنها قوله تعالى: {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ، إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}. تأمل هذا المنقول في التقية من كلام ذاك الإمام المجتهد وهو نموذج من تأليف من عمل بعلمه ولم يكتم حقيقةً إرضاء لخاطر ولم يتق رثاء وخوفاً وطمعاً. ذاك كلام أبي عبد الله محمد المرتضى من أكابر علماء القرن التاسع أنفت نفسه من التعصب لعادات الآباء والمشايخ فتجانف طرق أسلافه وحكّم الإنصاف في أقوال فرق الإسلام ولولا عراقته في الشرف وبُعد غوره في العلم وإخلاصه في أقواله وأعماله لاضطهد وأوذي ونال من صنوف العذاب ألواناً. أقدم هذا الإقدام مؤثراً أن ينصرف عنه جانب من حطام الدنيا مثل تولي الإمارة عند الزيدية وشرطها عندهم أن يتقلدها أعلم الناس وأشرفهم وكان هو جامعاً لهذين الشرطين وهو من أسرة تولت زعامة الناس فرأى الدعوة إلى الحق خيراً من الإمامة والإمارة فردّ على أبناء مذهبه الأصلي في كتاب ضخم يقع في زهاء ألف ورقة وسماه العواصم والقواصم وخلّف مصنفات غيرها دلت على سعة فضله وعقله وأنه ممن أحسنوا استعمال التقية ولم يتأذوا بالعلانية ورخصت أعمارهم في عيونهم فأفادوا واستفادوا. وكتابه إيثار الحق المنقول عنه آنفاً رأيه في التقية أكبر دليل على ما توصف به. وإذا قابلنا بني كلام هذا الإمام وكلام من اشتهر أكثر من شهرته لا نعتم أن نشعر بفرق بين المشارب والعقول ولكلٍّ ذوقه وعقله. فمن مشاهير المؤلفين والفلاسفة الفخر الرازي وكل من قرأ مصنفاته ير فيها عقلاً كبيراً ومادة واسعة. ومع هذا وجد له أهل البصر ما ينتقد في حياته العلمية. درّس الرازي والتفت حوله التلاميذ والأساتذة فكان إذا ركب يمشي معه ثلثمائة تلميذ فقهاء وغيرهم ونال الحظوة من أمراء عصره والحظة عند شعوبه وتعاظم حتى على الملوك ومع هذا مال الرازي إلى مذهب الجبر القاضي بأن الإنسان كالريشة في الهواء لا عمل هل ولا تدبير ينفعه وأن القضاء والقدر يدوران به على مرادهما وهو المذهب الذي عشش اعتقاده في صدور معظم المسلمين فكان من دواعي انحطاطهم وإن لم يشعر ظاهر الشريعة ولا المأثور عن الأمناء عليها في الصدر الأول بشيء من هذا المعنى وإنما رأى الرازي الخير في نصرة هذا المذهب لأنه كان متسلطاً بكثرة على أهل بلاده فقرر كما قال عن نفسه ما أعتقده أنه هو الحق وتصور أنه الصدق. ولقد رد عليه بعض علماء المسلمين وسفهوا رأيه فيما ذهب إليه حتى أن كل محب لاحترام العلم وإكرام صنيع حملته ليرجو أن تكون بعض هذه الأفكار التي أخذها العلماء على الرازي هي التي سجل على نفسه في وصيته بأنه رجع عنها. وأنت ترى أن اليماني والرازي المشار إليهما قضيا حياةً طيبةً ممتعين بثمار علقهما وغادرا هذه الدار بلا إهانة وفتنة واكتفى معاصروهما ومن بعدهما من العلماء بالرد عليهما في الورق فكانا مثالاً فيمن نفعته التقية وعرف استخدامها. وإذا جئنا نستشهد بمن جنى عليهم عدم استخدام التقية نخرج عن قصد الاختصار. قال الثوري: إذا رأيت العالم كثير الأصدقاء فاعلم أنه مخلّط لأنه إن نطق بالحق أبغضوه. وهذا شيخ الإسلام ابن تيمية قد صرح بما اعتقد صحته والغناء فيه فعاداه أعداء التجديد والتحقيق وأشياع التخريف والتلفيق من علماء السوء الرسميين وآذاه من شأنهم مسايرة الحزب الغالب من الأمراء الذين لا مذهب لهم إلا المال ولا دين إلا بسطة الجاه ولا سياسة إلا حكم الناس بما يريدون ولا عقل إلا الاعتصام بالقوة والجبروت. قضى فساد محيط ابن تيمية والجهل المركب الذي فُطر عليه من جُفّوا في التجني عليه بممالأة من لا رأي لهم أن قضى سجيناً سنين عديدة في جب يوسف بقلعة الجبل بالقاهرة وأعواماً في برج بالإسكندرية وأعواماً في قلعة دمشق إلى آخر ما عومل به من الحبس وكان القصد من هذا كله إيقاف قريحته عن الانبعاث تفادياً من أن يجرف سيلها العرم ما وهى من باطل الاعتقاد ووجد ضعاف العقول وأسرى التقليد آباءهم عليه من الأضاليل والخزعبلات. ولا أقول إن ما لقيه ابن تيمية من الألاقي حبس قلمه عن الكتابة وعلق تأثيره في نفوس مئات من القريبين للخير ولكن من لنا بعشرة عملوا عمله في تاريخ الإسلام رزقوا نفساً كنفسه وعزيمة كعزيمته يستهين بروحه وراحته ويستميت في نصرة الحق وإماتة الباطل من دون ما تقية؟ ولقد شهدنا رجلاً قام في القرن الثاني عشر في وسط جزيرة العرب دعا إلى مثل دعوة ابن تيمية واستنار بعلمه. واهتدى بهديه فعاش سعيداً والنفع به عميماً ألا وهو محمد بن عبد الوهاب. قام هذا بين قوم تغلب عليهم السذاجة البدوية والفطرة العربية فصاح فيهم صيحة أراد بها زحزحتهم عما كانوا فيه من العبادات والمعاملات لأنها من شأن أهل الجاهلية منافية للإسلام فأذعن أعلامه بين أناس ما عرفوا إلا الشرك والوثنية. وكان نصيب هذا الداعية من علماء عصره أن بدّعوه وفسقوه وكفروه ولو طالت إليه يد الأشرار لمزقوه كل ممزق وجعلوه سلفاً ومثلاً للآخرين. نعم نفعت تلك البادية في بث الدعوة بلا تقية ولا مصانعة أكثر من الشام ومصر زمن ابن تيمية. والدعوات كلها سياسةً كانت أو علمية ما فتئت تبدأ في البوادي والأقاصي ثم تمتد امتداد شواظ من نار فتلتهم الأقرب فالأقرب. وأهل المدن يستغرقون في الترف على الأغلب ويتبنكون النعيم حتى تكاد تنزع منهم وجداناتهم إلا قليلاً فيلجأون إلى المشاغبة في كل ما لم يألفوه والتمويه في الحق والباطل. ولذلك ترى سكان الجبال والأرياف أنشط في كسب العلم وأرغب في التجديد ونزع التقليد لبعدهم عن نشأة السرف والترف. ومعاذ الله أن يفهم من هذا القول أن ابن تيمية لم يحسن استخدام التقية وابن عبد الوهاب أحسنها ولكن الأول جمع الشروط كلها فخانته بيئته وأسلمه قومه لأهواء الحاسدين. وهذا هو السبب الذي من أجله اعتاد بعض أصحاب الأفكار والمجددين المصلحين منذ القديم أن يهجروا مساقط رؤوسهم لبث دعوتهم وترويج بضاعتهم كما ترحل التاجر بتجارته والصانع بنتائج صنعته. عهدنا معظم العلماء لما أن يشتد عليهم في وطنهم الضغط الناشئ من حسد حاسد وكيد كائد ينزلون صعقاً آخر ليقدروا بقيمهم الحقيقية ويثمنوا بما يساوون. كان هذا شائعاً في بلاد الإسلام أيام كان فيها بقايا من العلم ونسيس من الحياة الاجتماعية فكان العالم إذا كُرب أن تُكربه التقية في بغداد يهجرها إلى الشام وإذا اشتدت به الحال هنا يغادرها إلى مصر أو المغرب أو الأندلس وإذا وقع عليه ما لا ترضى به نفسه في الروم يرحل إلى فارس. إليك حكم التقية في العلم والعلماء والدين والأمراء. ولم أفض فيما يستعمله أهل السياسة من التقية لأن ما هم بسبيله مبني في الغالب على الخديعة والحيل مدعوم بالرهبوت والجبروت مصبوغ كل يوم بصبغة تخالف صبغة أمس. وأني لأرجو أن لا يكون جماع أهل العلم والسياسة داخلين في غمار من وصفه أحد الأعراب بضعف فقال: سيء الرؤية، قليل التقية، كثير السعاية، ضعيف النكاية ولا أن يكونوا مثل من قال المأمون فيهم لرجل وعظه فأصغى إليه منصتاً فلما فرغ قال: قد سمعت موعظتك فأسأل الله أن ينفعنا بها وربما علمنا غير أنا أحوج إلى المعاونة بالفعال منا إلى المعاونة بالمقال فقد كثر القائلون وقل الفاعلون. شعراء النصرانية في الجاهلية تابع ما قبله هذا وإن سألت حضرة الأب لويس شيخو كيف عرفت أن الشاعر الفلاني أو الفلاني كان نصرانياً على حين لم يصرح لك بذلك أحد الأئمة. فيجيبك من فوره وبدون تمهل أجوبة باردة يعيدها كل مرة على من يطالبه بإيراد الأدلة على نصرانية أحد شعراء الجاهلية ممن نصرهم على يديه. فاسمع ما يقول مثلاً عن نصرانية امرئ القيس (المشرق ٨ : ١٠٠٣ ) فبأي دين كان إذن يدين امرؤ القيس أبدين الوثنيين؟ لا نظن وقد فند حضرة الأب أنستاس حجج القائلين بتعبده للأصنام. فيبقى أنه كان إما يهودياً أو نصرانياً. ولم يقل أحد بيهوديته فكان إذن نصرانياً ولا نريد بنصرانيته هذه كما مر أنه كان متمماً لفرائص الدين المسيحي أو أنه كان كاثوليكياً. كلا. وعلى رأينا أنه كان من ملة النسطورية التي أحل أصحابها أموراً لم يحلها غيرهم من النصارى. أما أدلتنا على نصرانيته فهي الآتية: أولاً: إبطال مزاعم القائلين بوثنيته ومزدكيته. ثانياً: خلو شعره من آثار الشرك ففي كل ديوانه ليس من إشارة تدل على عبادة آلهة العرب في الجاهلية. ثالثاً: بل تجد إقراره بوحدانية الخالق وبالبعث والنشور مع شواعر دينية ظاهرة. . . هذا فضلاً عما في قلبه من الرغبة في المجد والأمور الشريفة والعدول عن حطام الدنيا (كذا. وقد أورد هنا بيتين لا يدلان أبداً على عدوله عن حطام الدنيا بل على تعلقه بأهداب مجد العالم المؤثل). رابعاً: وفي شعره من الإشارات النصرانية ما في غيره من الشعراء النصارى. . . (كذكره) مصابيح الرهبان والمقدس وهو الزائر لبيت المقدس والإران وهو تابوت النصارى. . . خامساً: انتشار النصرانية في كندة قبيلة امرئ القيس لمح إلى ذلك حضرة الأب مناظرنا. سادساً: خروج امرئ القيس إلى القيصر يستنجد به وهذا لم يكن ليخطر على بال أهل البادية وهو يعلم أن القياصرة نصارى متعمقون في الدين لو لم يتخذ وحدة الدين وصلة بينه وبين القيصر لاسيما أن القيصر كان يومئذ يستنيان من أشد الإمبراطورين تحمساً للدين وأنه (على ما روى العرب) أزوجه ابنته. سابعاً: ومن الدلائل على نصرانية امرئ القيس نصرانية عمته هند بنت الحارث المعروفة بهند الكبرى. . . وقد ذكرنا في المشرق ( ٥ : ١٠٦٠ ) الكتابة التي وضعتها في صدره وفيها تدل على نصرانيتها ونصرانية أبيها الحارث وابنها عمر بن هند. . . ثامناً: وكذا قل عن نصرانية أم امرئ القيس التي تسمى فاطمة بنت ربيعة بن الحارث وكانت من تغلب وأخواها كليب والمهلهل التغلبيان ولا أحد يجهل أن تغلب كانت تدين كلها بالنصرانية. تاسعاً: وأقوى من ذلك ما كتبه المؤرخ ننوز وهذا الرجل العظيم أرسله يستنيان إلى الحبشة وإلى امرئ القيس الكندي وهو يدعوه قيساً ليولي امرأ القيس فلسطين فلما عاد إلى القيصر وأتم ما عهد إليه كتب خبر رحلته في تأليف وقع في أيدي فوطيوس فاختصره في مكتبته الشهيرة. . . عاشراً: ويؤيد قول ننوز المؤرخ الشهير بروكوب من الكتبة المعاصرين لامرئ القيس. . . انتهت الأدلة. فنحن الآن نجيب على كل واحد منها مستهلين بالنتيجة التي استنتجها من بحثه هذا وقد صدّر بها حججه الدامغة فنقول: لو فرضنا أن امرأ القيس لم يكن وثنياً فلا يستنتج من ذلك أنه كان إما يهودياً وإما نصرانياً لأن عدة أديان كانت في بلاد العرب وأصحابها من الموحدين وهم مع ذلك ليسوا من اليهود ولا من النصارى. فما على حضرة الأب إلا أن يفتح كتاب الشهرستاني فيرى ذكر فرق دينية جمة كلها في بلاد العرب وكان أصحابها موحدين. لكن لما كان ذكرها يطول هنا فنضرب عنها صفحاً ونحيل القراء الكرام على مطالعتها في مظنتها. على أنه لا يجوز لنا أن نسكت عن الحنيفية إذ كانت شائعة ذائعة في بلاد العرب كلها ولاسيما في بلدح ومكة والطائف ويثرب وغيرها. قال الشهرستاني: من العرب من كان يؤمن بالله واليوم الآخر وينتظر النبوة وكانت لهم سنن وشرائع. . . فمن كان يعرف النور الظاهر والنسب الطاهر وينتظر المقدم النبوي: زيد بن عمرو بن نُفيل (وهو الذي نصّره حضرة الأب ودوّن اسمه في سجل عماد النصارى يعني في كتاب شعراء الجاهلية - ٢ : ٦١٩ ) كان يسند ظهره إلى الكعبة ويقول: أيها الناس هلموا إلي فإنه لم يبق على دين إبراهيم أحد غيري. اه ولكي تتثبت وتتحقق أن الحنفاء لم يكوونوا يهوداً أو نصارى بل على ملة إبراهيم اسمع ما جاء في كتاب الأغاني ( ٣ : ١٦ ) ما هذا نصه بحرفه بخصوص دين زيد بن عمرو بن نفيل قال: إن زيد بن عمرو خرج إلى الشام يسأل عن الدين ويتبعه فلقي عالماً من اليهود فسأله عن دينهم فقال: لعلي أدين بدينكم فأخبرني بدينكم. فقال اليهودي: إنك لا تكون على ديننا حتى تأخذ بنصيبك من غضب الله. فقال زيد بن عمرو: لا أفر إلا من غضب الله وما أحمل من غضب الله شيئاً أبداً وأنا أستطيع. فهل تدلني على دين ليس فيه هذا؟ قال ما اعلمه إلا أن تكون حنيفاً. قال: وما الحنيف؟ قال: دين إبراهيم. فخرج من عنده وتركه. فأتى عالماً من علماء النصارى فقال له نحواً مما قال اليهودي. فقال له النصراني: إنك لن تكون على ديننا حتى تأخذ بنصيبك من لعنة الله. فقال: إني لا أحمل من لعنة الله ولا من غضبه شيئاً أبداً وأنا أستطيع. فهل تدلني على دين ليس فيه هذا؟ فقال له نحواً مما قال اليهودي: لا أعلمه إلا أن تكون حنيفاً. فخرج من عندهما وقد رضي بما أخبراه واتفقا عليه من دين إبراهيم. فلما برز رفع يديه وقال: اللهم على دين إبراهيم. فهل بعد هذا النص الجلي يماحكنا حضرة الأب ويقول: لا بل وكان زيد بن عمرو نصرانياً لأنه لم يكن يهودياً؟ قلنا: وكان أمية بن أبي الصلت من الحنفاء أيضاً لا من النصارى. قال في الأغاني ( ٣ : ١٨٧ ): كان أمية بن أبي الصلت قد نظر في الكتب وقراها ولبس المسوح تعبداً وكان ممن ذكر إبراهيم وإسماعيل والحنفية وحرم الخمر (والنصارى لا تحرمه) وشك في الأوثان وكان محققاً والتمس الدين (والنصارى لا تلتمس غير دينهم) وطمع في النبوة (والنصارى لا تطمع في النبوة) لأنه قرأ في الكتب (وليس ذلك في كتب النصارى) أن نبياً يبعث من العرب فكان يرجو أن يكون هو. اهـ بحرفه. فأين بقيت نصرانية أمية؟ اللهم إلا أن تكون بعد في عقل حضرة الأب حرسه الله. . هذا من جهة كون الإنسان قد يكون موحداً ولا يكون مع ذلك لا يهودياً ولا نصرانياً. وهو جواب مقدمته والآن نجيب على جواب أدلته فنقول: أولاً: إننا إن سلمنا أن امرأ القيس لم يكن وثنياً فلا نسلم أبداً أنه لم يكن مزدكياً لأن براهين الأب في نقض أدلة براهين خصمه في منتهى الضعف والوهن. كيف لم يكن مزدكياً وقد أثبت أغلب المؤرخين وأرسخهم قدماً في تحقيق الأخبار وتحريرها أن جده الحارث كان مزدكياً وكذا كان أبوه حُجْر. ومزدكية أو زندقة والده مما لا تحتمل الشك أو الريب إذ قد قال اليعقوبي وهو من أقدم مؤرخي العرب في كتابه ( ١ : ٢٩٩ ) وتزندق (أي تمزدك) حُجْر بن عمرو الكندي. فإذا كان حضرة الأب يثبت دين رجل لكون أمه أو خالته أو عمته كانت على النصرانية فلماذا لا يريد أن يقبل حجة من يريد أن يثبت دين رجل لاتباعه دين أبيه أو جده؟ فقد أثبت الشيخ محمد بن عبد الوهاب النجدي في رسالة ألفها فيما خالف الإسلام ما عليه عرب الجاهلية وورد الشرع بإبطاله وذكر نحو مائة مسألة. منها: تقليد الآباء والأسلاف والإعراض عن الاستدلال وإلى ذلك الإشارة: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا}. قال: {أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ} إلى غير ذلك. اه. فامرؤ القيس على هذا هو على مذهب آبائه إن لم يقم دليل صريح على خلاف ذلك به يقال أنه خالف دين آبائه وانتحل الدين الفلاني مثلاً وهذا لم نعثر عليه في أحد الأسفار. ثانياً: أما خلو أشعاره من آثار الشرك فيحتمل أنه لم يكن وثنياً لكن لايستنتج منه أنه كان نصرانياً إذ كان في بلاد العرب عدة أديان كلها قائلة بالتوحيد كما سبق القول ولم يكن أصحابها مع ذلك نصارى. قال الشهرستاني: كانت العرب إذا لبت وهللت قالت: لبيك اللهم لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه ومالكه. وقال قبل ذلك: وصنف منهم أقروا بالخالق وابتداء الخلق ونوع من الإعادة وأنكروا الرسل وعبدوا الأصنام وزعموا أنهم شفعاؤهم عند الله في الآخرة وحجوا إليها ونحروا لها الهدايا وقربوا القرابين وتقربوا إليها بالمناسك والمشاعر وحللوا وحرّموا وهم الدهماء من العرب إلا شرذمة منهم اه. وقال أيضاً: وصنف منهم أقروا بالخالق وابتداء الخلق والإبداع وأنكروا البعث (بعث الأجساد) والإعادة. اهـ. فأنت ترى من هذا أنه لم يوجد نوع واحد من الموحدين بل أصناف مختلفة. ومثله يقول المسعودي في مروج الذهب فقد ذكر ثم ما هذا نصه: كانت العرب في جاهليتها فرقاً. منهم: الموحد المقر بخالقه المصدق بالبعث والنشور موقناً بأن الله يثيب المطيع ويعاقب العاصي. اهـ. وقال أيضاً: وكان من العرب من أقر بالخالق وأثبت حدوث العالم بالبعث والإعادة وأنكر الرسل وعكف على عبادة الأصنام. اه. ومثل هذا الكلام كثير في كتب العرب الأقدمين والمحدثين. ثالثاً: جوابنا على خلو شعر امرئ القيس من آثار الشرك محتوٍ على جوابينا السابقين فلا حاجة إلى الإعادة. رابعاً: أما قوله إن الإشارات النصرانية الموجودة في شعره تنطق بلسان حالها عن علاقاته مع النصارى فهاذ لا ننكره لكن بين أن يكون له علاقات مع النصارى وبين أن يكون نصرانياً فرق ظاهر لا يخفى على عاقل أديب مثله. وكذلك القول في من استعمل الاصطلاحات النصرانية في شعره فهذا لا يدل على تنصره. وإلا لزم أن كل من ذكر مثل هذه الألفاظ والاصطلاحات واستعملها في ما كتب ونظم أنه نصراني مثل يزيد بن معاوية وابن المعتز ومدرك بن علي الشيباني وغيرهم من لغويين ومؤرخين وإخباريين وغيرهم وغيرهم. وهو قول فاسد لا يحتاج إلى إظهار ما فيه من الوهن. خامساً: أما استدلاله بانتشار النصرانية في كندة قبيلة امرئ القيس فهو قول باطل لأن النصرانية كانت أقل انتشاراً في كندة من سائر الأديان فيها. ولو فرضنا أنها كانت منتشرةً فيها فلا ينتج من ذلك أن كل أفراد القبيلة كانت تدين بها. فهذا تميم مثلاً ففيها كان نصارى (الكامل ١ : ٢٦ ) وياقوت ١ : ٥٩٨ وكان فيهم المجوس ومنهم زرارة بن عدس التميمي وابنه حاجب والأقرع بن حابس وأبو الأسود جد وكيع بن حسان وكان فيهم صابئة عبدوا الدبران. ومنهم ثنوية. وآخرون عبدة أصنام وكانت تلبيتهم عند صنمهم: لبيك اللهم لبيك. لبيك لبيك عن تميم قد تراها، قد أخلقت أثوابها، وأثواب من وراءها، وأخلصت لربها دعاءها. (عن اليعقوبي ١ : ٢٩٦ ) ومنهم من اتبع سجاح المتنبئة. وفريق وافق مسيلمة الكذاب وهم بنو عطارد بن عوف بن كعب بطن من تميم. فهل يصح دائماً في الاستدلال والاستنتاج أن ننتقل من الجزئي إلى الكلي؟ هل يجوز لنا أن نقول إن بني تميم كانوا كلهم نصارى؟ أو كلهم عبدة أصنام، أو كلهم اتبعوا سجاح، أو كلهم وافقوا مسيلمة لأن بعضهم كان كذلك. فإذا كان لا يجوز دائماً: فلماذا يريد الأب أن يجوّز لنفسه ما لا يجيزه لغيره؟ ففي كندة كانت اليهودية (اطلب بلوغ الإرب ١ : ٣٧٩ ) والنصرانية (راجع كتاب الخراج للإمام أبي يوسف ص ٨٦ ) والوثنية وكانت تلبيتهم: لبيك لا شريك لك، تملكه أو تهلكه، أن حكيم فاتركه (اليعقوبي ١ : ٢٩٧ ) إلى غير ذلك من الأديان. فلم يريد أن يخصها بالنصرانية؟ أليس لمجرد الإيهام؟ سادساً: من أوهن أدلته على نصرانية امرئ القيس استنجاد أمير الشعراء بالقيصر! فأي علاقة للدين هنا؟ فنحن لا نرى في ذلك سوى استنجاد الضعيف بالقوي أو التعاقد والتعاهد لمنفعة شخصية أو غاية دولية. وبخصوص ما يشبه استنصار الشاعر المذكور أو هو هذا الاستنصار بعينه كتب الأدبي دُشين في كتابه المرسوم بالكنائس المفترقة ص ٣٢٩ ما هذا معناه فأرادت دولة الروم أن تنتفع من هذه الحالة (حالة اضطراب أمور الحميريين) فأرسل قيصر الروم إلى ملوك اكسوم وحمير عدة رسل كان أولهم يوليان ثم ننّوس. وكانت الغاية من ذلك تحويل تجارة الحيري من تلك الجهة لأنها كانت على ما يُظن تتبع طريق هرمز فتتخذ دائماً طريق فارس. وكان في الصدر غايات عسكرية أيضاً. فألقى يُستنيان نظره على رجل اسمه قيس كان قد نكث حبل الوصال مع اسيمفيوس (ملك الحميريين النصراني) ليقيمه رئيساً على قبائل عرب كندة ومعدّ. وكان الغرض من ذلك أن قيساً يتفق مع الحميريين ليحارب الفرس بعد أن يكون قد تمكن من رئاسته. فهنا نرى القوي يلتجئ إلى الضعيف وكل ذلك لغايات سياسية. ولو كان لما يزعم حضرة الأب صحة أي استنصار الضعيف بالقوي من لوازم الديانة أو نتائجها أو روابطها لقلنا إن جميع الدول المتعاهدة هي على دين واعتقاد واحد. وإلا لما ارتبطت. والحال أن المسائل السياسية لا تعلق لها بالمسائل الدينية، وهذا ما يفقهه أصغر الولدان. وكما تشهد عليه الأحوال وأحداث الزمان. في الحال وسابق الأوان. ومن غريب كلام حضرة الأب لويس المحترم أن امرأ القيس استنجد بالقيصر لوحدة الدين ولولا ذلك لما خطر على بال أحد أهل البادية خاطر الاستنجاد وهو مع ذلك يُظهر في دليله التاسع أن القيصر كان أول من فكر بهذا الأمر إذ كان قد جرت مذاكرات منذ عهد الحارث بهذا الخصوص فأتمها على يد حفيده امرئ القيس. وعليه فأي الروايتين أصح؟ وأيهما نصدق؟ لاشك أن التعصب يبين من أثناء السطور. واللسان شاهد على ما في الصدور. وإليك الآن دليله السابع: من الدلائل على نصرانية امرئ القيس نصرانية عمته هند بنت الحارث المعروفة بهند الكبرى. . . ثم قال: وقد ذكرنا في المشرق ( ٥ : ١٠٦ ) الكتابة التي وضعتها في صدره وفيها تدل على نصرانيتها ونصرانية أبيها الحارث وابنها عمرو بن هند. قلنا: أما نصرانية عمته وولدها عمرو فلا ننكرها. وأما نصرانية أبيها فمشكوك فيها. لأن قوله: ويكون الله معها ومع والدها كما رواه المشرق فغير صحيح. والذي أورده ياقوت مع ولدها أي ابنها. وهو الأمر الذي يدفعنا إلى أن أباها لم يكن على دين النصرانية لتطلب الخير الأعظم لنفسه ولذا لم تقل: ويكون الله معها ومع ولدها ووالدها وكذلك قالت: ويغفر خطيئتها ويترحّم عليها وعلى ولدها ولم تذكر والدها لكونه لم يكن نصرانياً. وهذا يحملنا على القول بأن أباها بقي مزدكياً حتى أنها لم تطلب له ما طلبت لنفسها ولولدها من مغفرة الخطايا والرحمة والملك مع الله في مجد الآخرة. هذا ومن أعجب ما في هذه الحجة الاستدلال بمذهب عمة امرئ القيس على مذهبه مع أن حضرة الأب المستدل لم يرض باستدلال من استدل بالنصوص الواضحة الصريحة على أن أباه وجده كانا على دين المزدكية. ومن المعلوم أن الولد في الغالب المشهور يكون على دين آبائه لاسيما أهل الجاهلية. فلكم قالوا: {إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ} ولم نسمع أنهم قالوا: إن الولد على دين عمته أو خالته كما أسفلنا قبل هذا. ودونك ما نقول عن الدليل الثامن: الاستدلال على نصرانية امرئ القيس بكون أمه كانت تغلبيةً ومن ثم أنها كانت نصرانيةً وعليه فامرؤ القيس نصراني هو في غاية الضعف والوهن. فقد مر بك أن تغلب لم تكن كلها نصرانية ولاسيما قد أبنّا لك أن أخوي فاطمة أم امرئ القيس وهما كليب والمهلهل كانا على الوثنية فيكف يُستنتج بعد ذلك أن أمير الشعراء كان نصرانياً؟ هذا وقد يكون في البيت الواحد عدة أشخاص ولهم أديان مختلفة وهو أمر مشهور في الجاهلية. ثم أن الأب قد ذكر في دليله التاسع ما زين لنفسه أن يقول إنه أقوى الأدلة وهو إرسال الملك يستنيان ننوس سفيراً إلى الحبشة والحميريين وقبائل البادية لكي يولي امرأ القيس رئاسة فلسطين. لكن لا نرى كيف يستدل بذلك على نصرانية الشاعر والملك الضليل. ولقد أجنبا أن مثل هذا لا يستنتج منه وحدة الدين في المولّي والمولّى بل يتحصل منه حسن التواصل بين القيصر والشاعر لا غير. وقد فعل القياصرة مثل ذلك في غير النصارى كما يشهد بذلك التاريخ والأمثلة كثيرة فلتراجع في مظانها. وأما دليله العاشر فلا يخرج عن دائرة المعنى المتقدم ذكره والجواب عليه واحد. فليعد إليه والعود أحمد. فيتحصل مما تقدم شرحه الحقائق الآتية وهي:  ١ - أن امرأ القيس كان مزدكياً ولا ريب في ذلك. والسبب هو لأن أباه وجده كانا على هذا الدين. ومن ثم فالأبناء يعتبرون على دين آبائهم إن لم يأت ذكر صريح بكونهم اتبعوا ديناً آخر. ولما لم نقف على أثر يؤيد أن امرأ القيس خالف دين آبائه فالنتيجة واضحة كون الابن اتبع الأب في مذهبه. على أننا لا نريد بقولنا أنه كان مزدكياً كان من المتحمسين في دينه؟ كلا، بل على حد ما كان الغير متبعين أديانهم. يعني أنهم كانوا ينتحلون من الدين ظواهره وقشوره لا غير.  ٢ - لا يجوز لنا أن نقول أن فلاناً من أهل الجاهلية كان على دين كذا ما لم يصرح بذلك أحد الأئمة. فإن حرمنا هذا السند فيجب حينئذ أن نتضافر عدة أدلة لامعة على سد مسد هذا السند وإلا فمن اللازم أن يعد ذلك الرحل بين جماعة المتدينين بدين دهماء العرب أي التوحيد مع عبادة الأوثان أو بدين طائفة عقلاء العرب وحكمائها يعني بالحنفية. (حاشية: - إن الأئمة من المتكلمين في الأدب واللغة والتاريخ قد ذكروا كل من كان على دينٍ من أهل الجاهلية وصرحوا به تصريحاً بيناً. ولم نجد أحداً نسب النصرانية إلى امرئ القيس إلا أنهم نسبوا المزدكية إلى أبيه وجده ولهذا ورد فيه: إنه القائد لمن سلك مسلكه إلى النار مع أن كلام الأئمة في أهل الفترة يأبى كونه من أهل النار إذا كان على النصرانية أو اليهودية يعني إذا كان من أهل الكتاب).  ٣ - الاستدلال بأسماء العرب أو بدين قبائلها وعشائرها وأقوامها على حقيقة دين الواحد منها أو ببعض عوائده الملية أو ببعض مبهم إشاراته وتلميحاته وكلامه غير كافية لإقامة الدليل على جوهر دينه. اللهم إلا أن تجتمع هذه الحجج العامة مع حجج خاصة فحينئذ تحمل تلك محمل هذه فيتبين الحق ويتصرم الباطل. وهذان الدليلان يوضحان أن امرأ القيس على دين المزدكية ولم يكن أبداً على دين آخر ولاسيما النصرانية كما توهمه الأب لويس شيخو اليسوعي.  ٤ - إن ما يزيد إشكالاً مسألة دين عرب الجاهلية وجود عدة أديان وفرق كانت تقول كلها بالتوحيد. ولم يكن اليهود والنصارى وحدهم موحدين ففي القرآن آيات كثيرة تشير إلى هذه الحقيقة. وكتبة العرب قد ذكروا معتقد تلك الفرق بحيث لا يبقى في الأمر شبهة البتة. وعليه فإننا إن عدلنا عن القول بمزدكية امرئ القيس (وهو أمر بعيد) فلا جرم أننا نميل إلى القول بأنه كان موحداً إلا أنه لم يكن نصرانياً مهما حاول الغير أن يثبتوه لضعف براهينهم في هذا الصدد. وفوق كل ذي علم عليم. بغداد أحد قراء المقتبس حكم إنكليزية الحياة الحياة أمر خطير ولكنه بهيج محفوف بالنعم والفرص الثمينة الحياة لا تقدر بالسنين فقط لأن الحوادث أحياناً هي أفضل ما تحصى منها الأمر الوحيد العظيم للمرء أن يكون له في الحياة مسلك خاص به يكاد يؤسف لكل خطوة نسيرها في الحياة إذا تأملنا خطوات أخرى كثيرة كان يتيسر أن نخطوها الحياة أمثولة في التراضي فإننا أبعد ما نكون عن الرضا متى نلنا كل ما نريد جعلت الحياة للعمل لا للبطالة - للكد في الخطر والخوف ولعمل شيء من الخير قبل أن يأتي الليل الذي ينقطع المرء فيه عن العمل وما كانت الحياة ليحاول بها المرء الاستمتاع بجنة في الأرض محن الحياة كثيرة تعرض على الدوام وكثيراً ما تغير في لمحة كل ما نفكر فيه ونشعر به الطفولية والشباب تنيخ حول الطفل جميع الفضائل الثلاث وهي الإيمان والرجاء والمحبة ليس في الطفل ما ينذر بمخاوف المستقبل ولا تذكر أحزان مضت خصال الرجل في أوائل عمره خصاله إذا بلغ أشده كل أمر يبدأ في الدنيا صغيراً فيما يتناوله المرء من الأعمال كما أن كل بشر يبدأ الحياة من الطفولية الشباب سعادة علية في نفسه لأن الممكنات منطوية تحته بأسرها وليس فيه ما لا يمكن رده أكثر ما يعمله الإنسان في حياته هو ما يعمله في شبابه للشباب الخطأ وللكهولة الكد وللشيخوخة الأسف العمل الواجب ثق بأن الحق عامل للقوة وعلى هذا الإيمان أجسر أبداً على عمل ما تراه من الواجب عليك العمل الواجب لا يعبس وجهه إلا متى هربت منه وإذا تابعته تبتسم إن من يعملون ما يجب عليهم في الأمور اليومية الحقيرة هم الأولى يقومون به في الشؤون العظيمة ما عرفت أنه يجب عليك فاعمله في الحال ما يجب دائماً على كل إنسان لرفقائه هو أن يعرف ما فيه من القوى والمواهب الخاصة ويؤيدها لنفعهم يتكامل العقل لا بالعلم بل بالعمل لا يهم كل إنسان خيبة سعيه أو نجاحه بل أن يعمل ما يجب عليه حتى الموت نحسب ما له من النور العمل والهمة لا خطر للمرء ولا كرامة له إلا بالعزم الفاضل ما نفع العافية والحياة إذا لم نعمل بهما عملاً من وجد عمله فقد وجد السعادة التي عليه أن لا يطلب غيرها لا مبالغة بأن العمل الخالص يكاد لا يضيع بتة فإننا إذا لم نجد الكنز الوهمي في الحقل أخصبناه بالعمل على الأقل ألا تعلم أنك كلما كنت أنشط على العلم كانت سعادتك أكثر لا تعد مواهب المرء شيئاً إذا لم تكن مقرونةً بموهبة العمل من العجب أن بعض الناس يحسبون لذة الحياة بلا عمل أمراً باهراً وهم يسوقون غيرهم إلى عمل بلا لذة. النجاح ليس للإنسان أن يقضي بالنجاح وله أن يفعل أكثر من ذلك وهوان يستحقه سر النجاح حصر الفكر في الشيء المطلوب وهو ما يسبق كل عمل عظيم في الحياة سبب نجاح من يهتمون بأمورهم أن منازعتهم كانت قليلة تيق أن عطية النجاح ليست إلا إتقان العمل في كل ما تعمله بلا التفات إلى الشهرة التي إذا اتفق أبداً وقوعها كانت من باب الاستحقاق لا من باب غرض يسعى إليه. كيف تستطيع إتيان عمل في الدنيا أو تنجح في شأن من شؤونها إذا لم تكن لك ثقة بنفسك. إذا شئت النجاح في الحياة فاجعل المواظبة صاحبك العزيز والخبرة مشيرك الحكيم والحذر أخاك الأكبر والرجاء خُلقك الحارس التعليم بالعربية تحيا لغة كل أمة بحياة سياستها فإذا انتعشت هذه خدمت تلك فانتشرت ونمت. ومتى ضعفت السياسة ضعفت اللغة بضعفها. فقد رأينا اللغة الإنكليزية تغلبت على الفرنسية أو كادت في معظم أقطار المعمور لأن سياسة إنكلترا وابنتها الولايات المتحدة نافذة في القارات الخمس ولأن الشعوب الإنكليزية السكسونية أرقى الأمم بعلومها وآدابها وأخلاقها وصناعاتها ومتاجرها واستعمارها. واللغة أيضاً كالتجارة تابعة لعَلم الدولة فحيثما خفق لواء أمة وانبسط ظل سلطانها تتغلب بالطبيعة لغة ذلك العَلم والسلطان. والناس مفطورون على تقليد حاكمهم في منازعِه ومناحيه تقليدهم له في شعاره. واللغة رأس كل تقليد وشبُّه. وعلى هذه السنة جرى المغلوبون على أمرهم من الروم والقبط والترك والفرس في الدولة الأموية والعباسية وأخذوا يتلقفون العربية خصوصاً بعد أن نُقلت لغة الدواوين في عهد عبد الملك بن مروان الأموي من الرومية والفارسية إلى العربية وقال سرحون كاتب عبد الملك لكتاب الروم: اطلبوا العيش في غير هذه الصناعة فقد قطعها الله عنكم. وقد اهتم الإنكليز لما احتلوا هذا القطر بجعل التعليم بالإنكليزية في مدارسه لينشأ لهم على الزمن جيل جديد يفهم مغازيهم ومراميهم ويكون عونهم على تأليف القلوب وواسطة للتفاهم فلا يستثقل ظلهم ولا يتبرهم بدولتهم. ومن تعلم لغة قوم وثق بهم وعرف تاريخهم وشرائعهم وأشرب قلبه حبهم. ولطالما رأينا من تعلموا العربية من متعصبي الإفرنج هاموا بالعرب وتاريخها وشريعتها ولا هيام أهلها بها وغاروا عليها غيرة الكرام. وكذلك الحال بالإنكليزية مثلاً فإنا نرى متعلميها يتشيعون لأهل تلك اللغة. ومن علم شيئاً والاه ومن جهل شيئاً عاداه. حمي وطيس الحوار في الشهر الماضي في بهو الجمعية العمومية في هذه العاصمة بشأن إعادة التعليم بالعربية في المدارس الأميرية المصرية إلى ما كانت قبل سنة ١٨٨٩ فكانت حجة الحكومة أن العربية لا يتسع صدرها ولا ينطلق لسانها للعلوم العصرية وما تنتجه حضارة الغرب كل يوم من المسميات التي لا أسماء لها في هذه اللغة وأنها لو سمحت الآن بإعادة التعليم بالعربية في المدارس لأعوزها الأساتذة والكتب. وليس هنا محل تفنيد الآراء التي تمليها الأهواء السياسية في هذا الشأن، وإنما نلم بذكر رأينا العلمي في هذه اللغة التي يرميها المماحكون بأنه يتعذر عليها أن تكون بعد لسان العلم ومباءة الحكمة الغربية. إن كل منصف للعربية ليراها قد اتسعت لكل ما ألقي عليها من علوم الحضارة ومطالبها ولم تتخرج من إدخال الكلمات الدخيلة التي لا عهد لها بها فما وجد التراجمة والنقلة في العهد الأول مرادفاً له في أصل اللغة وضعوه وما لم يروا له لفظاً أو مادةً يشتقون منها نقلوه على أصله أو نحتوه بعض النحت بحيث لا يصعب على العربي أن ينطق به لمخالفته الصيغ المألوفة. هكذا جروا في معظم الألفاظ الفقهية والكلامية والفلسفية والنجومية والطبيعية والطبية والرياضية والزراعية والكيماوية. ولم يكن التراجمة كلهم من الماهرين بالعربية بل كان المترجمون كثيراً ما ينقلون المعاني وعلماء اللغة والمحيطون بشواردها وضوابطها يضعون الألفاظ والمصطلحات وكثيراً ما كانوا يترجمون اللفظة الواحدة إذا عجزوا بجملة تفسرها. وهذا مألوف في معظم اللغات وقلما يكون لكل لفظة في لغة مرادف لها في اللغة الثانية ولاسيما إذا كان النقل من لغة غربية إلى لغة شرقية كما كان صدر الدولة العباسية. والعلوم نقلت عن الرومية والنبطية والفارسية والنقل عن الرومية أكثر. والرومية غربية بعيدة عن العربية الشرقية في أسلوبها. ألا وأن كتب الأسلاف لتشهد أبد الدهر بأن العربية تقل كل دخيل وعلم. وفي المؤلفات العلمية التي ظهرت في مصر على عهد محمد علي وسعيد أكبر دليل على ذلك. فقد كان المترجمون ينقلون الكتب إلى العربية فيجيء المصححون في دار الترجمة يقوّمون العبارة وينظرون في بعض ما له مقابل من اللغة. كان ذلك قبل ثمانين سنة واللغة العربية منحطة لارتفاع سند العلوم الكونية من بين أهلها قروناً فما بالك اليوم وقد ارتقت لهجة اللغة واستحكمت ملكتها في القائمين على الكتابة والتدريس وصار كثير من العامة ممن شغفوا بالمطالعة يميزون بالفطرة بين صحيح الكلام وفاسده وأصبح أكثر تلك العلوم لأبنائنا مألوفاً بل غدا معظم المترجمين ينقلون في أصعب الموضوعات بأسلوب تكاد لا تقرأ فيه صورة الترجمة لسلاسته. نعم إن الواحد منا قد يصعب عليه اليوم نقل علوم لا عهد لنا بها كعلم الحياة (بيولوجيا) مثلاُ فلا يكون ضعفه في ذلك دليلاً على ضعف اللغة التي لم تحشر إلى ذهنه ساعة الترجمة ألفاظها وتراكيبها بالسرعة التي يريدها بل الذنب كل الذنب على جهله العلم لأن فهمه يتوقف على الإحاطة بعلوم كثيرة ليست من المألوفات عنده. وأنى يتأتى لمن لا يفهم الأصل أن يحسن نقله بألفاظ وأسلوب يفهمه من لم يفهمه واللفظ والمعنى يخونانه؟ ولو درسنا هذا الفن على أهله لما صعب علينا نقله بأسره فنترجم الألفاظ التي لا مرادف لها عندنا بجملة ريثما يقوم من يضع لها مرادفاً في لغتناً أو نأخذها كما هي في اللغات الإفرنجية على نحو ما أخذنا كثيراً من الألفاظ في العهد الأخير وأدمجناها في مطاوي كلامنا. والعربية ليست دون التركية في معنى النقل فإن الأتراك فتحوا باب النقل من اللغات الأوروبية فاغتنت لغتهم على قلة مادتها الأصلية بآداب الأمم الغربية وعلومها. ولو أتيح للعربية أن يعاد قلم الترجمة إلى القاهرة كما كان لا يصعب على المدارس الابتدائية والثانوية والعالية أن تسير مع العلم الغربي كتفاً إلى كتف. فلا يفوتنا هنا اليوم ما نُشر في الغرب أمس. وكيف يطلب من العربية الآن أن تحوي كتباً بأحدث ما تم من أبحاث العلم واكتشافاته بعد أن بطلت منها الترجمة في العلوم العصرية منذ أبطلت كلية بيروت الأمريكية تدريس العلوم بالعربية وجعلتها بالإنكليزية وقضت نظارة معارف مصر أن تكون الإنكليزية أيضاً لغة المدارس وضعف تعليم آداب اللغة في مدارس الأجانب في سورية وفي المدارس الأميرية بمصر. وكان من هذا الضعف أن زهدت النفوس في تعلم لسان العرب وانتهى أمره إلى نفر من المولعين به وهم أفراد لا يبنى عليهم حكم في مصر والشام والعراق وتونس. بل وكلت خدمته لمرتزقة الكتّاب كأكثر محرري الجرائد وكتاب الروايات وبعض أساتذة المدارس ومعظمهم لا يهمهم من اللغة إلا أن يكتبوا ما يُطلب منهم أو يعملوا في الدائرة التي حددت لهم. وبديهي أن الناس لا ينبعثون إلى التأليف في لغة إلا إذا وجدوا المنشطات عليه والدواعي الحافزة إليه كأن تقبل الدولة ما يؤلفون وتنيلهم الجوائز عليه وتطبعه على نفقتها وتدرسه في مدارسها. وإنما يرغّب الناس في العلم وهو أشق الصناعات وأشرفها رواج سوقه بين الخاصة والعامة ولكن إذا رأى المؤلفون أن بضاعتهم مزجاة وأن أرقامهم كعباً لا يربح من قلمه ما يسد جوعته وأسعدهم من لم يُضطهد في سبيل نشر علمه فهيهات أن تنشط اللغة من عقالها. وإذا لم توفق مصر إلى جعل التعليم بالعربية يستحيل أن توجد كتب علمية أو ينشأ لها نشؤ يحسن الكتابة والخطابة على مناحي البلغاء. دع عنك الأفراد فإنهم لا يخلو منهم زمن مهما بلغ من انحطاطه العلمي والاجتماعي. يا عدل متى تحضر نطب يا عدل بالا وأما أن تغب عنا فلا لا وكم واعدتنا يا عدل وصلاً رجوناه فلم تُنِل الوصالا وطالبناك بالإنجاز لما مطلت فلم تزد إلا مطالا إلى الناس التفت يا عدل يوماً فإن عليك للناس اتكالا زوالك لا تهنّأ مُحضِروه يكون لعز مملكة زوالا وإن السعد حيث طلعت يبدو وإن الأمن حيث تميل مالا وإنك كالصباح إذا تجلى وأسفر عن عمود قد تلالا وإنك قد أضأت الناس قدماً وإنك كنت حينئذٍ هلالا فكيف وأنت هذا العصر بدرٌ بلغت تمام ضوئك والكمالا تواري نورك المحبوب عنا وتحجب عن محبيك الجمالا أقم للحق ديواناً عظيماً ورخّص كي نلمّ به عجالى فنقرأ في ظلامتنا كتاباً ونشكو في حضورٍ منك حالا * * * وقفت وأعيني مغرورقات على ربع لميَّة قد أحالا على ربع لمية زايلته ولم يكُ عرف مية عنه زالا أسائله فلم يُرجع جوابي كأن الربع ما فهم السؤالا وقفت محاذياً طللاً حكاني به وحكيت دارسه هُزالا كأني إذ أسائله خيالٌ يخاطب في معطّلة خيالا ذكرت به زماناً فيه ميٌّ تلاعبني وتوليني الوصلا وصالاً قد نعمتُ به كأني شربت به على ظمأ زلالا * * * ألا يا ميّ حبك في فؤادي كمثل النار يشتعل اشتعالا أبيني كيف ليلك قد تقضى فبعدك ليلنا يا مي طالا أمية نوّلينا منك قرباً أمية ثم لا تذري النوالا ولم نك إذ منعت الوصل ندري أبخلاً كان ذلك أم دلالا أذنب يا رعاك الله أنا عشقنا منك يا مي الجمالا * * * أدر في الربع عيناً منك وانظر إلى حال إليها الربع حالا تولّى فيه عنك العيش حلواً فخلّ العين تنهمل انهمالا وما الربع الذي أخبرت عنه سوى الوطن الذي ركناه مالا وليس سوى العدالة ما هوينا وميٌّ قد ذكرناها مثالا إذا أمست حياة المرء عبئاً عليه لا يطيق لها احتمالا ولازمه من الأحزان داء وأصبح داؤه داءً عضالا وقد فرحت أعاديه شماتاً وفارقه أحبته ملالا فليس سوى الحمام له طبيب يداوي منه آلاماً توالى فإن الموت يرحمه وينفي خطوباً قد نزلن به ثقالاً وإن الموت ملتجأٌ كريم لمن ألقى بساحته الرحالا فزرنا عاجلاً يا موت زرنا فإن لنا بزورتك احتفالا ويا نفس ارحلي عنا ففينا بقاؤك لم يكن إلا ضلالا ودوسي في طريقك كل صعب بعزم تنطحنين به الجبالا فإن إن برحت الحسم منا سموتِ إلى ذرى جو تعالى * * * نفرّ من الحياة إلى المنايا لأن حياتنا أمست وبالا نريد من الكروب بها خلاصاً وعن دار الهوان بها ارتحالا وإن لنا إذا متنا حياةً ننال إلى السماء بها انتقالا ستخرج عن مضيق الجسم روحي وتُلْفي في الفضاء لها مجالاً بقاء الروح بعد الجسم أمر به اختلفوا ومن يدري المآلا فقال البعض أن الروح تبقى إذا انفصلت عن الجسم انفصالا وقال البعض أن النفس تفنى إذا لاقت قوى الجسم انحلالا فظن بقاءها حتماً أناس وعدّ بقاءها قومٌ محالا وقد قلنا به ونفاه بعض وأن لنا مع النافي جدالا بغداد ج. ص هنود أمريكا لما وطئت أقدام البيض قارة أمريكا ألفوا أنحاء كثيرةً منها مأهولةً بالهنود فدهشوا لما رأوا، كما عجب الهنود من رؤية البيض وتوهموهم آلهةً بادئ الرأي. فأخذوا يسجدون لهم ويعبدونهم ويقدمون لهم الهدايا النفيسة كالقطع الذهبية الكبيرة التي لم يكن لها قيمة عند الهنود. ولقد وهم المكتشفون الأوروبيون في ظنهم أن سكان أمريكا الأصليين على جانب من الحضارة والعمران، بيد أنهم لم يلبثوا في ذلك العالم الجديد طويلاً حتى تحققوا أن أولئك الهنود هم قوم جهلاء انقضت عليهم ألوف من السنين وظلوا على حالة واحدة من الخشونة والجهالة. فكانت الفلاحة عندهم في ذلك العهد غير معروفة. وكانوا يعيشون من الصيد وثمار الأرض الطبيعية. وكانت بنادقهم أقواس النشاب ورصاصهم الأحجار المحددة وسيوفهم العظم والصوّان. وكانت مساكنهم من تراب الأرض وأعشابها، ولم تكن إلا أكواخاً حقيرة ملأى بالأقذار لا ترتيب فيها ولا نظام، وكان معظمهم بدون مساكن يعيشون كالحيوانات البرية، وإذ كانوا يطوفون البقاع والربوع للقنص والصيد اضطرتهم حالة الإقليم إلى عمل الخيام من جلود الحيوانات التي كانوا يصطادونها ويعيشون من لحومها وكثيرون منهم ما برحوا عائشين كسابق عهدهم. اهتم علماء أوروبا بأمر أولئك الهنود فأخذوا يبحثون عن أصلهم وانقضت عشرات السنين على أبحاث كثيرين منهم وإلى اليوم لم يتوصلوا إلى معرفة ذلك. فذهب فريق من العلماء إلى أن أصل هنود أمريكا من أوروبا، وذهب فريق آخر إلى أن أصلهم من آسيا وهذا المذهب هو المعوّل عليه اليوم. أما كيفية نزولهم أمريكا وعهد مجيئهم إليها فهما من المسائل الغامضة عند أهل البحث والعلم إذ ليس من تاريخ لذلك وليس ثمة آثار تفيد في هذا الباب على أن أصل الهنود واحد وهم عريقون جداً في القدم. والدليل على أن الهنود من أصل واحد تشابه سحناتهم على تباين عشائرهم في جهات من مختلف الأقاليم في قارة أمريكا. والدليل على قدمهم تفرع لغتهم الأصلية التي تختلف من الخمسين إلى الستين فرعاً. وكل هذه الفروع منسوبة إلى أصل واحد هو الأصل السامي. ويستلزم تفرع هذه الفروع العديدة من لغة واحد دهراً طويلاً. وبحث جمهور من علماء القرن المنقضي عما إذا كان هنود أمريكا من أصل قبل الطوفان أو بعده فكانت نتيجة أبحاثهم بأن أقرّ فريق منهم على أن الهنود من أصل قبل الطوفان. وذهب فريق آخر إلى أن أصلهم من بعد الطوفان. والحقيقة أنه ليس هناك أدلة تدل دلالة صريحة بحسب قوانين العلم الحديث على كون هنود أمريكا من خمسة آلاف سنة. ويقول علماء الدين إنه انقضى على الطوفان نحو أربعة آلاف سنة. فإذا صح هذا الزعم فيكون مذهب الذاهبين إلى أن الهنود من أصل بعد الطوفان فاسداً. ورجع علماء أصول اللغات في هذا العصر أن أصل لغة الهنود ساميٌّ وإن هؤلاء الهنود من آسيا. ولقد تأملت ملياً في كثيرين منهم في أوقات مختلفة فوجدتهم يشبهون الكلدان وعرب البادية من وجوه كثيرة. وغنيّ عن البيان أن قارة آسيا أقرب القارات من قارة أمريكا الشمالية. فالحاجز بين القارتين خليج بيرين المعروف. * * * عرف عام ١٨٩١ أن لكل قبيلة من الهنود لغة مختصة بها وثبت أن للهنود ٥٩ لغة. أما عدد عشائرهم فقد ناهز الثمانمائة عشيرة. وعدد الهنود في الولايات المتحدة الآن ٢٦٧ . ٠٠٠ نفس ٨٠ ألفاً منهم على جانب من التمدن و ١٧٧ . ٠٠٠ لا يزالون على جانب عظيم من التوحش كما كانوا في القرون الغابرة و ٦٠ ألفاً يحسبون من جماعة المصوتين في انتخابات الرؤساء والحكام والولايات. ولم يبق من أملاك الهنود الخصيبة التي كانت على التحقيق ٢٧٦ مليون آكر غير سبعة ملايين وأكثرها من الأراضي التي لا تصلح لغير رعي الماشية. ويرد تاريخ مساعي حكومات الولايات لتهذيب الهنود إلى عام ١٧٧٥ فإنها أخذت على ذاك العهد تنفق المبالغ الطائلة في تعلمهم فذهبت تلك الأموال ضياعاً لأن الهنود غلاظ الرقاب ميالون إلى اللهو وقضاء العمر في التنقل من بقعة إلى أخرى. ولئن ذهبت أتعاب الولايات المتحدة بدون جدوى في أول الأمر فإن هذه العقبات لم تقف في طريق الحكومة الغيورة على تهذيب شعوبها. فقد جدد مجلس الأمة الهمة عام ١٨٧٧ وبدأ بافتتاح المدارس الخصوصية للهنود لتعليمهم أولاً القراءة والكتابة والحساب. ثم العلوم وواجباتهم نحو الدولة والأمة والوطن والدين والإنسانية. ولم يأت ربع قرن على تأسيس تلك المدارس بين الهنود حتى استنار كثيرون منهم بقبس المعارف وأصبحوا يعدون من رجال الدولة والأمة فكان من حكومات الولايات أنها أبدت بما قامت مثالاً لكل دولة لا تحفل بتهذيب شعوبها وأن التهذيب هو مطلب هذا العصر وأن العزائم القوية تبدد غياهب الجهل وأن الهمم العلية تخترق جبال المصاعب. وبعد فقد كان الهنود سابقاً يعدون بالملايين أما اليوم فقد انقرض معظمهم ولم يبق منهم أكثر من ٤٠٠ ألف نفس ذلك لأن حكومات الولايات حصرتهم في بقاء خاصة في أمريكا الشمالية. فحرموا من المنافع الصحية التي كانوا يتمتعون بها أيام كانوا يمرحون ويسرحون في طول البلاد وعرضها أيام لا منازع ينازعهم ولا حاكم يقيد حديثهم أيام كانوا يعيشون من خيرات الأرض الطبيعة وصيد الحيوانات. ومن أسباب انقراض نسل هذا الشعب المتوحش القديم حصرا لزواج في العيال والعشائر ولولا اختلاط زواج الهنود ببيض أوروبا وعبيد أفريقيا لكان عددهم اليوم قليلاً جداً. ولعل لبقاء إلا نسب فعلاً في الأمر والله أعلم. الولايات المتحدة. أوماها نبراسكا يوسف جرجس زخم مقاومة الالكحول ثبت للباحثين في أدواء المجتمع الأوروبي منذ أوائل القرن التاسع عشر أن الالكحول على اختلاف أجناسها تحدث المضار الجسيمة فتهلك الأنفس وتبيد الأموال وتشوه الخلقة وتؤثر في النسل والعقل وأن أقل ما يصيب المدمن جنون مطبق وسبة يلحقه عارها أبد الدهر فقام الصالحون من أهل ذاك المجتمع يناهضون الالكحول دفاً لغوائلها ولاسيما ف البلاد التي يزعم بعضهم أنها وقاية لهم من برودة الجو كروسيا والسويد وشمالي فرنسا ونورمنديا وإيرلاندا. توفر المقامون على مناهضة المسكرات فأثمرت أعمالهم على تواليا لأيام ثمرات غضة نافعة جناها أهل بلادهم فكان من السويد بفضل وعظ الواعظين أن أصبح يصيب الفرد من أهلها في السنة ستة لترات من المسكرات بعد أن كان يصيبه سنة ١٨٣٠ أربعون لتراً وكان بدأ لإفراط في تعاطي المسكرات ببلاد السويد منذ أواخر القرن الثامن عشر. وقد جاهد بطرس ويزلكران عميد مدينة غوتمبورغ ثلاثين سنة جهداً حسناً فوفق عام ١٨٥٥ إلى وضع حد للألكحول وكانت أفكاره في هذا المعنى أساساً للقوانين التي سنتها حكومة السويد وجرى العلم بها. وهذه الأعمال ترمي إلى شدة في معاملة بائعي المسكرات وصانعيها. قالت الطان ضربت الحكومة السويدية على صانعي المسكرات ضرائب فاحشة وأخذت تزيدها الحين بعد الآخر بلغت سنة ١٨٨٨ - ١٣٨ فرنكاً على كل هكتولتر (مئة لتر) فعجزت المعامل الصغيرة عن صنع المشروبات إذ قضي على كل معمل أن يخرج في اليوم أربعة هكتولترات من الالكحول الخالص أو يغلق أبوابه ولم تسمح الحكومة بتنزيل هذا المعدل إلى هتكولترين ونصف إلا سنة ١٨٧١ وحظرت عمل الالكحول إلا في شهرين من السنة ثم تسامحت ورخصت على توالي السنين بأن تصنع سبعة أشهر في السنة. فكان من ذلك أن قل في السويد عاصروا الخمر فبعد أن كان فيها سنة ١٨٢٩ - ١٢٤ ، ١٧٢ معملاً نزل عددها سنة ١٨٩٨ إلى ١٢٨ معملاً. وجعلت السويد ببيع المسكرات حراً في الجملة إلا أنها جعلت معدل ما يباع منه بالجملة ٢٥٠ لتراً وأن لا يباع بالمفرق أقل من لتر واحد ليأخذها المبتاع معه ولا يشربها في محل ابتياعه لها. وعاملت الحانات بأقصى الشدة فأمرت أهلها أن يغلقوا محالهم الساعة الثامنة مساء في القرى والساعة العاشرة في المدن ولم تسمح لبائع المسكر أن يتقاضى مالاً من غريم له باعه خمراً بالنسيئة. وضربت اثنين وأربعين فركناً ضريبة على كل هكتولتر من الالكحول الصافي فأصبحت تمر في أربع ولايات من تلك البلاد فلا ترى فيها محلاً واحداً لبيع المسكرات. وقامت جمعيات تنشئ مطاعم لا يقدم فيها الشراب إلا بأثمان فاحشة وأنشئت في أنحاء كثيرة من البلاد غرف للمطالعة ليلهو فيها العامة عن الاختلاف إلى الحانات فنزل معدل تناول المشروبات الروحية في العشرين سنة الأخيرة إلى أربعين في المئة بمدينة استوكهولم وإلى خمسة وأربعين في مدينة غوتمتبورغ وسنت سنة ١٨٩٢ قانوناً إجبارياً يقضي فيه على جميع المدارس أن تلقي دروساً في طبيعة الالكحول وتأثيراته المضرة. وقد حذت سويسرا حذو السويد في مقاومة المسكرات فقامت في كل ناحية من أنحائها جمعيات تدعو إلى الإقلاع عن المسكرات وجمعيات لمقاومة الالكحول ومؤتمرات للدعوة إلى مقاومة لابسنت لأنه ثبت أنه من أضر المشروبات الروحية. ولما قتل أحد السكيرين في مقاطعة فود زوجته وابنتيه منذ سنتين هاج أهالي تلك المقاطعة وقدموا للحكومة محضراً فيه زهاء ٧٥ ألف توقيع وهو ربع عدد السكان. فاضطر مجلس النظام هناك إلى إصدار قانون شديد في منع المسكرات وحصرها حتى كان ربح تلك المقاطعة وحدها من احتكار الابسنت نحو ستة ملايين فرنك هذه السنة وقد أضر هذا الاحتكار بكثير من أرباب معامل الابسنت وأقفلت بيوت كثيرة كان أهلها يرتزقون منه فآثرت الحكومة مصلحة البلاد على مصلحة الأفراد. وهكذا كل حين تنشأ المجامع وتعقد الجمعيات لمقاومة المسكرات في الجمهورية السويسرية. وكذلك فعلت أيرلندا فنادى رجالها سنة ١٨٣٨ بالإقلاع عن المسكرات وكان بلغ إذ ذاك عدد محال بيعها ٢١٣٢٦ وما برحوا يكافحونها وأهلها حتى نزل عددها إلى نصف ذلك بعد عشر سنين وأغلقوا الباقي ويقل اليوم في أيرلندا عدد السكيرين واحداً في المئة كل سنة فقد كان يصيب الفرد من الأيرلنديين سنة ١٩٠٣ سبعة وثمانون فركناً في السنة ثمن المشروبات فأصبح معدل ما يصيبه سنة ١٩٠٥ خمسة وسبعين فرناً ولا يزالون يسعون إلى تقليل هذا المعدل. ويؤخذ من الإحصاءات الأخيرة أن في نيويورك وسكانها نحو ثلاثة ملايين ونصف ١٠٨٢٠ محلاً لبيع المسكرات بالمفرق وفي باريس وسكانها مليونان ونصف ٢٠ . ٠٠٠ وفي لندن وسكانها أربعة ملايين ونصف ٥٨٦٠ محلاً. هذه خلاصة ما تلوناه بالإفرنجية في هذا الشهر وكنا كلما تلونا إحصاء أو فكراً نافعاً في هذا الباب نذكر ما قاله بنتام المشرع الإنكليزي ( ١٧٤٨ - ١٨٣٢ ) في كتابه أصول الشرائع من أن الخمر في الأقاليم الشمالية يجعل المرء كالأبله وفي الأقاليم الجنوبية يصبح به كالمجنون ففي الأولى يكتفى بالمعاقبة على السكر لأنه عمل فظيع وفي الثانية يجب منعه بطرق أشد لأنه أشبه بالتشرر ولقد حرمت ديانة محمد جميع المشروبات الروحية وهذا التحريم من محاسنها. فإذا رددناه ذكرنا أن هذا التحريم لم ينفذ بالفعل في الممالك الإسلامية إلا على عهد نور الدين محمد بن زنكي صاحب مصر والشام وديار الجزيرة فإنه أبطل صنع المسكرات في أيامه من البلاد وأقفل الحانات وعاقب الشريب الخمير بأقصى العقوبات فانتفعت البلاد من هذا المنع الشديد فوائد حسن أثرها على عهد خلفه صلاح الدين يوسف ومن بعده. نبأ من الصين من مقالة في المجلة الباريسية للصين اليوم عشرون فيلقاً في كل واحد منها فرقتان تحتوي على ١٢٥٠٠ جندي وتؤلف كل فرقة من أربع كتائب من المشاة وكتيبة من الفرسان وثلاث بطاريات مدفعية وجماعة من المهندسين ويخدم الجندي في العسكرية تسع سنين ويخدم ثلاث سنين رديفاً يخدم فيها شهرين على رأس كل سنة بحيث يتأتى للصين أن يكون لها زمن الحرب مليون جندي منظم. وكان أبناء الأسرات الشريفة يستنكفون من خدمة الجندية أما اليوم فإن أشرافهم يخدمون ضباطاً عن رضى لما أشربته قلوبهم من حب بلادهم وكذل تجد بين الجنود شباناً جازوا الامتحانات الأدبية وآثروا خدمة أوطانهم على تقلد أعمال رابحة وليسوا في صبرهم على المكاره ورشاقة أبدانهم وخفة حركاتهم دون اليابانيين في شيء. وقد كان في أواخر سنة ١٩٠٤ في الصين اثنتان وعشرون مدرسة حربية فيها ٣٣٦٤ ضابطاً وأساتذتهم من الألمان واليابانيين وترسل الحكومة بأذكاهم عقولاً إلى اليابان يتممون فيها دروسهم في المدارس الحربية يدرسون مع شبان يابان ويمثلونهم في فحصوهم حتى إذا خرجوا من المدرسة يقضون في الجيش الياباني ثلاث سنين أو أربعاً يمرنون فيها على الأعمال الحربية. يدخل الصين كل سنة نحو ثلثمائة ضابط وإذا أضيف إلى هذا العدد نحو ثمانمائة أو تسعمائة ضابط ممن يتخرجون في مدارس الصين نفسها كان للصين كل سنة ١٢٠٠ ضابط جديد معلَّم وهناك ضباط من الدرجة الثانية يمكن استخدامهم عند نشوب الحرب كما فعلت اليابان في حربها الأخيرة مع الروس واستعملت من كان لديها على شاكلتهم، وقد قضت الإمبراطورة على كل حاكم كبير أن يبعث إلى يابان أو إلى مدرسة نانكين العسكرية بأحد بنيه يتعلم فيها الأعمال الحربية وأخذ ضباط الصينيين يحذون حذو ضباط اليابانيين في عنايتهم بالجند وتدريبه على الأعمال الحربية. تعتني الحكومة الصينية بأسطولها الحربي فإنه بعد أن دُمر في الحرب اليابانية أخذت تعيد إنشاءه بواسطة رجال قدموا للصينيين (خصومهم سابقاً) عدة طرادات ومدفعيات وقد أنزلت بعض هذه السفن الحربية إلى البحر في خلال الحرب اليابانية الروسية وافتخر الأميرال الياباني الذي كان يرأس حفلة تسيير هذه السفن بأنه لم يعهد أن دولة أوروبية سلمت سفناً حربية وجعلتها تحت إمرة بلاد أخرى على حين هي مشتبكة في حرب أهوالها على ما ترون. هذا ما توصي عليه الآن الصين من السفن في المعامل الألمانية والإنكليزية. كل هذا تقوم به حكومة ابن السماء لتحسين حال الميزانية فإنها بعد أن كانت ٣٥٠ مليون فرنك أصبحت مليارين ونصفاً. ولقد كانت العادة أن يعهد إلى حكام الولايات بجباية الأموال من مقاطعاتهم فيقضي عليهم القيام بجميع نفقات حكومتهم وإرسال ما بقي من الجباية إلى بكين. وبديهي أنهم كانوا يخفضون النفقات ويقتصرون منها على ما لابد منه ويرسلون إلى خزينة العاصمة أقل من القليل. ولطالما كان الحاكم يتنحى عن عمله بعد أن يتولاه ثلاث سنين بعشرة ملايين فرنك ربحاً خالصاً له على حين لم يكن راتبه ليتجاوز مائتي ألف فرنك ويقضي عليه أن يوزع من ثمانمائة إلى تسعمائة ألف فرنك رشوة. أما الآن فقد أخذت هذه العادات تتعدل بفضل حزب الإصلاح. نعم إن خونة الموظفين ما برحوا هم السواد الأعظم بين العمال على انه حدث منذ سنين أن حكاماً منهم خلعوا ربقة العادات القديمة وعفوا عن مال الأمة والتلاعب بها ليتغنوا من الرشوات. وأخذت الحكومة تجبي الجبايات على طريقة منظمة تتعلق بقصر بكين مباشرةً، وأصدرت الإمبراطورة بتحريض حزب الإصلاح أمراً تتهدد فيه الموظفين بأشد العقوبات والتعذيب إذا هم ارتكبوا وارتشوا، ووعدت أنها تزيد الرواتب إذا رأت أنها لا تقوم بنفقاتهم بحيث لا يبقى للحكام حجة يتوكأون عليها في تلاعبهم وقد كان ارتشاء حكام الصين أهم سبب لضعف مملكة ابن السماء. ولابد من التنويه هنا بأن الصينيين ما برحوا يستحلون ميع الاختراعات الأوروبية ويقبلونها واحداً بعد واحد فقد اتصلت مدنهم الكبرى منذ بضع سنين بالأسلاك البرقية والتلفونية. ولكن الصينيين يستنكفون من مخاطبة البيض وبعبارة أخرى الأوروبيين بواسطة التلفون ويستعملونه فيما بينهم في التخاطب. وإن وزراء الصين يبدون ارتياحاً لإنشاء الخطوط الحديدية وقد ذهبت الأيام التي كانوا يزعمون فيها أن تنين الأرض يجرح إذا مدت الخطوط فيغضب وتكون الهزات الأرضية دليل غضبه. ففي الصين اليوم عشرة آلاف كيلومتر من السكك الحديدية أنشئ بعضها أو مُنح امتيازه ويعمل به. وتخلف بعض الشركات الأجنبية عن الإسراع في مد الخطوط الحديدية دعا حكومة الصين أن تعمد بعد الآن إلى مد السكك على نفقتها وتحرم البيض منها، وكل من يتسامح بعد الآن مع شركة أجنبية غير صينية من الحكام يعزل من وظيفته مؤبداً. لا جرم أن الصين أيضاً تحاول أن تنزع ربقتها من اليابان بعد أن تأخذ عنها ما تحتاجه الآن كما حاولت نزع يدها من يد الأوروبيين من البيض. قال أحد رجال الإصلاح فيهم: إن بلاد يابان على ما دخلها من الإصلاح منذ سنة ١٨٦٨ ما برحت بلاد مملكة إقطاعات وحكومة أشراف وراثية أما الصين فحكومتها في الحقيقة أميل إلى الجمهورية ولذلك تختلف مقاصد الحكومتين. ومن المعلوم في التاريخ أن الصين ويابان قلما اتحدتا والأوروبيين لا يستفيدون من الشرق الأقصى إلا بدوام المباراة بين مملكة الشمس المشرقة ومملكة ابن السماء والظاهر أنهم يحاولون تطبيق مذهب مونرو على بلاهم القائل أمريكا للأمريكيين فعساهم يقفون عند هذا الحد ولا يقولون أوروبا للآسيويين. كتاب من العالم الجديد القانون الأساسي أعظم أسباب نجاح الولايات المتحدة وقد جاء فيه أن الولايات المتحدة ليس لها دين رسمي وأن الأديان كلها سواء في نظر الحكومة. ولهذا ترى الحكومة لا تنفق درهماً واحداً على معهد ديني وأهل كل دين يبنون معابدهم من مالهم لأنفسهم والمدارس خالية من التعاليم الدينية فيأتي المهاجرون إلى أمريكا بالألوف من جميع العناصر والنحل ولا يعدون أنفسهم غرباء بل يرسلون أولادهم إلى هذه المدارس يتخرجون فيها على النحو الذي ينشأ عليه أولاد الأمريكان الأصليين. وقد كتبت إليك سابقاً أن هذه المدارس حرة مجانية إجبارية للذكور والإناث. هذه المدارس لا تعنى بالتعليم العقلي فقط بل تصرف وكدها إلى تعليم أمور تعود بالمنافع الجسمية. فتعلم التلاميذ أصول اللبس والمشي لئلا يعتادونهما على غير الصورة المناسبة كما تعلم الطبخ وتدبير المنزل. والمدنية بهذه المدارس منتشرة بين أهل الحواضر والقرى على نمط واحد. وأعظم فرق بين مدارس أوروبا والمدارس هنا أن أهل أوروبا يعلمون صبيانهم في مدارس على حدة وبناتهم في مدارس خاصة بهن. والبنات والصبيان هنا يدرسون في مدرسة واحدة في المدارس الابتدائية والعالية يتربون سوية من الخامسة إلى الثامنة، العاشرة أو العشرين من العمر. ويدعي الأمريكان أن لهذه التربية محسنات جسيمة لم تثبت لي صحتها. ولكن مما لا شبهة فيه أن البنات يترجلن فترى الابنة الأمريكانية متخلقة بأخلاق الصبيان ولها من الجرأة والاعتماد على النفس ما للصبي. وإن الرجال يحترمون النساء كثيراً بحيث يبلغون حد الإفراط في ذلك ويعدون من أعظم الجنايات التعدي على امرأة أو ابنة ولو كانت زنجية. ترى الفتاة الجميلة ذاهبة وحدها في المحال البعيدة ولا يجسر امرؤ أن يقترب منها أو يسمعها كلاماً بذيئاً لئلا يجلب عليه عمله هذا ضروب البلاء. ذلك أن القوم إذا رأوه يكلم من لا تريد مخاطبته يتعذر عليه الخلاص منهم فيضربونه ويدمونه وربما ضُرب بحيث يوشك أن يهلك. وإذا قبضت الحكومة عليه تجازيه جزاءً شديداً. وإذا اعتدى معتد فاستباح العرض أو ما يشبهه فإعدامه أمر محقق على أي حال كان. وقد شهدت بعض حوادث من هذا القبيل وذلك أن عبداً صفع امرأة على خدها فأدى ذلك إلى سقوطها في الوحل فاجتمع الناس فبحثوا عنه فوجدوه وفي الحال تألف محكمة مؤقتة حكمت عليه بالإعدام فشنق لساعته. ورأيت رجلاً من البيض اعتدى على عرض ابنة مراهقة فحكمت المحكمة عليه بالسجن المؤبد. وشهدت عبداً آخر التقى بفتاتين وطلب إليهما أن يقبلهما ومع أنه لم يمسسهما بيديه حكمت المحكمة عليه بألف ريال جزاء نقدياً لكل منهما النصف. وبالجملة فإن الاعتداء على النساء مهما كان فضعيف ويعده القوم جناية لا عفو فيها. فأين هذه الأخلاق من أخلاق المصريين الذين يتفاخرون بالتعرض للنساء المسلمات بقحة وسلاطة. وبعد فإن أمر التعليم في المدارس الأمريكية موكول إلى النساء فهن المعلمات وهن المديرات ولا تجد المعلمين من الرجال إلا في المدارس العالية. وقد كنت ذهبت إلى الجبال حيث المناجم والمعادن فشاهدت فيها مدارس تشبه مدارس أعظم الحواضر. رأيت أولاد عملة المناجم ممتعين بتربية وتعليم أحسن من أكثر أولاد الأكابر في بلادنا. وفي هذه المناجم ملايين من العملة وأقل أجرة للعامل ثلاث ريالات أمريكية في اليوم. ودور الكتب العامة من أسباب ترقي الولايات المتحدة بعد المدارس فترى في كل بلدة أو قصبة مكتبة عامة يدخلها الناس مجاناً. وتقسم كل مكتبة إلى أقسام بحسب حجمها وحجمها يكون على مقدار اتساع المدينة. فترى فيها قسماً للمطالعة فيه الجرائد السياسية والمجلات العلمية والأدبية وغير ذلك من المطبوعات اليومية والأسبوعية والشهرية وأصغر مكتبة تحتوي على خمسين جريدة. وفي المكاتب الكبرى أكثر من ذلك. وقسماً فيه الكتب على اختلاف ضروبها من كل فن وعلم وباب. وقسماً من المكتبة خاصاً بالأولاد وفيه كتب وجرائد ورسوم مما ترغب فيه نفوسهم ويبعثهم على المطالعة والبحث وترى في بعض تلك المكاتب امرأة عُهد إليها النظر في دائرة الأطفال من المكتبة تستقبلهم وتتلطف معهم. وأطفال هذه البلاد لا يشبهون أطفال بلادنا فلا ترى بينهم أحداً يلبس ثياباً رثةً أو حافي القدم أو قليل الهندام أو ما يماثل ذلك من قلة العناية خصوصاً البنات فإنهن بدون استثناء يلبسن الثياب النظيفة المكوية ويصففن شعورهن وينظفنها ويمشطنها وما السبب في ذلك إلا شيوع العلم والمدنية بين أفراد الأمة على اختلاف طبقاتها. وإلى الآن لم أشاهد ولداً أقرع أو أرمد لأن هذه الأمراض تنشأ من قلة النظافة. فما الحال في البنات. والنساء على ما رأيت هن في الولايات المتحدة أرقى الجنس الإنساني علماً وتهذيباً. عود إلى حديث المكاتب. إن فيها دوائر أخرى منها واحدة للتحرير والتأليف والترجمة وفيها من الكتب ما يلزم المؤلف والمترجم. وللمطالع أن يقرأ الكتاب الذي يريده في المكتبة وله أن يستعيره فيطالعه في بيته. وفي هذه المكاتب ضروب من الكتب كانت في وضعها بعضها مع بعض أثراً من آثار التسامح، ترى فيها كتباً من نوع واحد في الأديان والمذاهب والسياسة وإلى جانبها كتباً تنقضها. كتب الفلسفة التي تحمل على الدين موضوعة بجانب الكتب التي تؤيده وتبجله. وكذلك الجرائد ترى الصحف الاشتراكية التي دأبها انتقاد أقوال الرؤساء وأفعالهم والحكومة ومجالسها موضوعة إلى جانب الصحف التي تسالم الحكومة وزعماء السياسة. ولكل واحد الخيار في مطالعة ما يشاء وتصديق ما يشاء أو تكذيبه. ويبلغ مديرات هذه المكتبات وموظفاتها من النساء ثمانين في المئة من بقية الموظفين ويختلف راتب المديرة من ألف ومائتي ريال في السنة وهو الحد الأدنى في الرواتب التي ينالها أمثالهن إلى ألفينيوأربعمائة ريال وهو الحد الأعلى. للمستر كارنيجي المثري المشهور فضل عظيم في إتمام هذه المكاتب فإنه أنشأ ألفاً ومائتي مكتبة في ألف ومائتي بلدة ولهذا الرجل خيرات جسيمة عدا هذه المكتبات. وقد منح هذا الشهر أحد أعاظم الأغنياء واسمه مستر جون روكفلر اثنين وثلاثين مليون ريال دفعة واحدة لإنشاء مدارس وكان أعطى من قبل أحد عشر مليوناً لتلك الولاية التي منحها هذه المنحة هذه المرة فتكون جملة إعاناته للمدارس ثلاثة وأربعين مليون ريال. وبهذا يمكنك أن تقيس درجة الغنى في الولايات المتحدة. ومعلوم أن نفوس الولايات المتحدة كان زمن استقلالها أي قبل ١٣٠ سنة أقل من أربعة ملايين وكانوا أقل الأمم ثروة فبلغوا الآن ٨٥ مليوناً ويقدرون نمو ثروة البلاد بعشرة ملايين ريال كل يوم. كل ذلك بفضل الحرية الدينية والمساواة الشخصية وانتشار العلم بين أفراد الأمة ولاسيما النساء. ففي الولايات المتحدة نحو ثمانية عشر مليون تلميذ منهم خمسمائة وخمسون ألف تلميذ في المدارس العالية منهم ٣٣٠ ألف فتاة و ٢٢٠ ألف صبي. فإذا كان المتخرجون في المدارس العالية يصبحون بعد رؤساء الأمة ونخبتها فاستنتج من هذا الإحصاء أن البنات أرقى من الصبيان وتعال معي وأعجب ممن يدعي أن النساء ناقصات في عقلهن أليس هذا دليلاً حسياً لا يقبل الرد بأن البنات أرقى من الصبيان؟ اللهم لا إذا قلنا إن نساء بلادنا هن من جنس آخر أدنى ممن الجنس الأمريكي. وعليه فلا أدري كيف يدعي بعضهم النقص في عقل النساء وما النقص في الحقيقة إلا من تربيتهن لا فيهن. والنساء هنا يدخلن في كل عمل من الأعمال المعاشية ومعظم كتاب دواوين الحكومة من النساء. هذا وليحط عملك أن طول السكك الحديدية في الولايات المتحدة هو نحو مائتينيوعشرين ألف ميل (الميل نحو ١٧٠٠ متر) ونحو ثمن هذه الخطوط لرجل اسمه هاريتمين يلقبونه ملك السكك الحديدية. والخدمة في الجندية البرية والبحرية اختيارية هنا ويقبل فيها الأجانب على شرط أن تكون صحتهم جيدة وأن يعرفوا الإنكليزية قراءة وكتابة ويقضي على كل متطوع أن يخدم ثلاث سنين وراتبه ثلاثة عشر ريالاً في الشهر يزداد فيه كل سنتين إذا بقي في الخدمة حتى يبلغ راتبه ٢٥ ريالاً. ويلبس الجند ويأكلون أحسن الألبسة وأطيب الأطعمة وقد زرت ثكنة من ثكنتهم فصادفت الجند في الطعام فرأيتهم يأكلون على موائد مجللة بالقماش الأبيض ولكل واحد ملعقته وشكوته وسكينه وكأسه ولكل خوان خادم واقف في خدمة الجالسين إليه ويبلغ جيش هذه البلاد ثمانين ألف جندي. هذا ما خطر لي الآن أن أدونه لك والسلام عليك. رأي في الشعر الشعر لغة الشعور وقد أخرج عن معناه الأصلي فأصبح يفهم منه الآن الكلام الموزون المقفى الذي يتوخى صاحبه إيداع خياله وشعوره فيه بصورة تستفز العواطف وتأخذ بمجامع القلوب وابتذله الأكثرون فأضحى حرفة يتغنى بها أحدهم ويعمد إلى اكتسابها على طريقة علمية كأن يقرأ العروض والقوافي ثم يقبض على اليراع ويحاول صف كلام ملفق ليس من الشهر في شيء طمعاً في أن يقال عنه إنه شاعر وما أحراه أن يدعى ضفافاً فهو أشبه بمنضد الحروف في المطابع إلا أن هذا يصف الحروف بقياس معلوم وطريقة مصطلح عليها وذلك يصف الكلمات حسب تفاعيل الخليل. الشعر شعور لا كلام والشاعر صاحب هذا الشعور يشعر بما لا يشعر به غيره ويسمع ما لا يسمعه غيره فعينه تخترق السحب وتسرح في فضاء العوالم وتأتي إليه بما لم يخطر على بال، وخاطره يفترع أبكار المعاني التي لم يسبقه إليها أحد، ووجدانه يختلف عن وجدان سائر الناس، والنظرة التي ينظر بها إلى العمران ليست كنظرة الناس. فكل نظم خالٍ من الخيال ليس حقيقاً أن يدعى شعراً ولا يمكن أن يعيش بعد صاحبه وربما مات قبله. وكم من شعر نُظم وكم من شاعر نظم فوارتهما أيدي الزمان في مدافن النسيان. فالشعر لا يعيش إلا إذا استوفى شرطين: أولهما أن يكون فيه شعور فائق وخيال بالغ، وثانيهما أن يكون مسبوكاً في قالب متينيالمبنى موضح المعنى فالشرط الأول لا يتنازع فيه أحد ضرورة أنه من مقتضيات الشعر وشرائطه الكبرى. نعم إن الشعر الذي لا شعور فيه ليس شعراً كما أن العلم الذي ليس فيه العلم الصحيح لا يعد علماً. وما أحسن لفظة شعر تفصح عن المراد من الشعر وهي لفظة حسن وضعها لما يقصد منها تفضل لفظة بوتري الأعجمية لأن هذه تعني الفعل وليس فيها ما يستشف منه المعنى المرغوب والشيء المقصود. أما الشرط الثاني فلأن اللغة واسطة لنقل خيال الشاعر إلى الناس. وأحرى بهذه الواسطة أن تكون ممحصة من شوائب التعقيد ومعائب الالتباس. وكلما كانت اللغة صحيحة كان فهم الشعر سهلاً. فهي كالوعاء تودع فيها سوامي الفكر وسوانح الفطن. وإذا كان الوعاء ناقصاً في شيء يوجب تمامه كان المودَع فيه خليقاً أن تذهب بحسنه عوامل الأيام. وكم من نظم طوته صحف الدهر لغير علة سوى أنه أنشئ بعبارة تافهة تخالف القياس المألوف. ومن الناس من لا يذعن لهذا الشرط فيحسبون أن مراعاة اللغة في الكتابة سواء كانت نظماً أو نثراً ليست ذات شان فيقولون أن الغرض من اللغة ليس إلا التفاهم فلا ينبغي أن يعنى بها كثيراً فيجوزون لأنفسهم ارتكاب أغلاط فادحة في النحو واللغة وسائر العلوم اللغوية ناسين أن التغاضي عن الاهتمام باللغة يؤدي بهم إلى فوضى لا يرأب صدعها ولاسيما أن اللغة العربية ضوابط تقيدها وقواعد تضبطها فإذا فسد التركيب فسد المعنى وبفساد التركيب تضيع اللغة وبفساد المعنى يغلط في فهم الأفكار التي يقصد الشاعر نقلها إلى قارئ شعره فينتج إذاً أنه كلما كانت لغة الشعر ركيكة كان فناء الشعر المودع فيها سريعاً. يتضمن الخيال في الشعر وصف الانفعال الذي يطرأ على النفس إذا أدرك صاحبها في عالم الحس شيئاً يدعو إلى الانفعال وباعثاً ينزع به إلى التأثر بحيث لا يستطاع معه إلا الالتجاء إلى الشعر للإفصاح عما يكنه الفؤاد في صور كلامية يتجلى بها الخيال ويتجسم الشعور متنقلاً من عالم الخيال إلى عالم المنظور ولا يتوخى في هذا الانتقال إلا دفع ألم وسد مطلب من مطالب النفس تتقاضى صاحبها إتمامه كما قد تقتضيه تأديتها مطالب أخرى. ليس الشعر عملاً من الأعمال العادية التي يتكلفها الإنسان ويضطره المعاش إليها فيسعى لنيلها. الشعر ينظم لنفسه لا لغاية أخرى ولا يكون شعراً إلا إذا نظم أثر انفعال من حادث أو شعور وأما إذا نظم على سبيل التفكهة وبدون داعٍ فيكون متكلفاً فيه والنفس مقسورة على إبرازه على حين يجب أن يكون منبعثاً من النفس باختيارها وقبولها فالشاعر الذي ينظم محمولاً على النظم بتيار الرغبة في الشهرة والنزوع إلى الصيت لا يكون شعره شعراً. الشاعر كما قال بعض الأعاجم مخلوق لا مصنوع وحسبك عليه من حجة دامغة أن الشاعر المطبوع ينظم الشعر وهو صبي لا لغرض وإنما يشعر بشيء فينطق بالشعر عفواً مستخدماً ألفاظ الصبيان للتعبير عن خياله ثم يرتقي فيصبح أقدر على إظهار شعوره وينمو شعوره بنمو مركزه في الدماغ كما تنمو سائر القوى العقلية كلما تقدم الإنسان في العمر وقد تبطئ سجية الشعر في ظهورها لعلة خارجية فتتأخر إلى سن العشرين أو بعدها كما جرى لملتون الشاعر الشهير ولكنها ظهرت في أغلب الشعراء في سن الصبا وأعلى درجات الشعر وصف الطبيعة ففيه تظهر قريحة الشاعر بأعظم مظاهرها. يرى الشاعر في الوجود أموراً يتعذر على غيره رؤيتها ينظر إلى سيار كأنه هبط عليه وحيٌّ من العلى فينظم فيه المعاني الحسان على حين لو سئل غيره أن يصف السيار لما قال غير نجم منير. وفي أساطير الأولين إن بعض الأمم اعتقدوا بوجود قوة غيبية تلهم الشعراء وتوحي إليه الشعر ولا توحيه لسائر الناس. وما يراه الشاعر في ظواهر الطبيعة يكون مخبوءاً تحت حجاب كثيف لا يرى الناس من ورائه شيئاً على أنه يصبح شفافاً إذا نظر إليه الشاعر فيرى وراءه كنوزاً وركازاً. وقد عني الإفرنج بالشعر الوصفي فأجادوه ويتلوه في الحسن الشعر الذي يمثل الطبع البشري وما في الإنسان من العواطف والأميال وما يتنازعه من الأشواق والشعور الذي يطرأ على الشاعر عند حدوث نكبة عامة وما شاكل ذلك وكل وصف بعث عليه انفعال عظيم. أما الشعر الرثائي فأحسنه ما نظم عن انفعال شديد كما وقع لشاعر الانكتار العظيم تنيسون حين نكب بفقد صديقه الحميم حلام المؤرخ المشهور فرثاه بقصيدة طويلة رنانة وصف فيها العواطف البشرية وصفاً دقيقاً واستحوذ عليه من الغم في ذلك الخطب المؤلم. على أن الرثاء مبتذل الآن، وكم من شاعر يرثي ميتاً لا يعرف سوى اسمه فيأتي شعره وأمارات التكلف بادية عليه ليس فيه إلا معانٍ تافهة سيقت النفس إلى إبرازها سوقاً. والمدح أسقط الشعر لما فيه من الاختلاق ولاسيما إذا قصد منه جر مغنم أو دفع مغرم فيضطر الناظم أن يبتدع المعالي والمكارم وينسبها إلى ممدوحه. ويبلغ الشعر المدحي أعلى درجة في عصر البداوة ويأفل نجمه في عصر الحضارة حتى يكاد يكون معدوماً. وكان الشعراء يتخذون هذا النوع من الشعر وسيلة للزلفى من الأمراء واستدرار العطايا من العظماء. والشعر الهجائي أرفع في نظري إن صح أن يكون لي نظر من الشعر المدحي وأقرب منه للغرض المبدئي من الشعر خصوصاً إذا نظم عقيب تهيج حاسة الاشمئزاز من إدراك شوائب ونقائص في الهجو تبعث الشاعر على الهجاء اضطراراً. وأما إذا تكلف له فيكون من أعمال العقل لا من أعمال الشعور والعواطف. وقد علمت مما مر بك أن الشعر من خصائص العواطف وليس للعقل علاقة به، ولذلك لا يعد من الشعر كل ما نظم من المعقولات والمنقولات، ويدخل تحت هذا الأراجيز على تفاوت أنواعها وآراء الفلاسفة التي أودعت في الشعر وآي الحكماء وعلماء الأخلاق. وبالجملة فإن كل ما ليس له اتصال بالعواطف ليس شعراً وإنما هو نظم ولا يتعذر على النبيه التمييز بين الشعر والنظم إن هو تذكر معنى كلمة شعر. والله أعلم. التربية والتعليم تربية السكسونيين قامت منذ بضع سنين حركة في الأفكار في معظم بلاد أوروبا للمفاضلة بين التربية التوتونية واللاتينية أي بين تربية الإنكليزي والألمان والأمريكان المعروفين بالإنكليز السكسونيين وبين تربية الفرنسيين والطليان والإسبان ولقد أطلعنا على مقالة في إحدى المجلات الكبرى الفرنسوية أفاض كاتبها في تأثير المسابقات بين طلبة الطب في الأخلاق. ومما جاء فيها أن هذه المباراة في الفحوص قد تؤدي إلى ضعف ملكة الذكاء وإن نفعت في تمرين الذاكرة بما يضطرون أن يودعوه ألواح محفوظهم من القوانين والصور وقد يستظهرونها استظهاراً نظرياً ولا تكون عندهم من العمليات في شيء بمعنى أنهم مهما جعلوا دراستها دينهم وديدنهم لا يخرجون من الامتحان إلا وقد غربت تلك المواد عن أذهانهم. سئل أحد التلاميذ يوماً عن حرب السبعين وكان قد درسها من قبل بالطبع فلم يحر فيها جواباً. وسئل عن التلفون فانقطع ولم ينبس ببنت شفة. مع أنه بعيد عن الظن أن يكون في الغرب اليوم ناهيك بفرنسا من لم يسمع بحرب السبعين وأخبارها والتلفون وآثاره. وبعد هذا لا يسعنا إلا التصريح بان الطريقة العقيمة في التربية التي اتخذتها فرنسا من نحو مئة سنة ما زادتها إلا الرجوع القهقري وسبق الأمم السكسونية. تربية تسقم العقل وتضعف الجسم. تربية تحبب إلى المرء الراحة والسكينة والاقتصاد والترف والسرف. تربية كأنها ملصقة بغراء لا تلبث أن تتزعزع إذا أمطرتها سماء الدنيا بوبلة فما بالك لو هبت عليها أعاصيرها وعواصفها وسحت فوقها وابلها ومدرارها. قال بعض علمائنا إن فرنسا مستنبت الأوسمة والمراتب وميدان المسابقات والمناوشات وإذا أردنا على أن لا ننقد هذا الخُلُق نكتفي بأن نقول إنه دليل الأنانية والشعور بالحاجة إلى العدل ونحن لا نزال شعب تلاميذ أي إننا محتاجون في تربيتنا أن نربى تربية الصغار من مهدنا إلى لحدنا فنساق منذ نعومة أظفارنا في المدرسة والبيت بقوة الأيقونات والأنواط والعلامات والصفوف والقوانين ومن نشأ على هذه الطريقة في التربية يحتاج إذا بلغ مبلغ الرجال أن يظل متطلباً للأوسمة والجوائز وأن تنظم حاله بنظام الاستحقاق والأهلية. وقال غستاف لبون مؤلف كتاب حضارة العرب وغيره من الكتب الممتعة: إن كليتنا معاشر الفرنسيس لا تنشئ إلا أهل أوهام وأرباب أكثار وثرثرة ممن بعدت نفوسهم عن الحقيقة بعدها عن معرفة العالم الذي يقضي عليهم أن يعيشوا فيه. من كل وُكَلة تكلة لا يعمل بدون يدٍ تدفعه وعون يقوده وعين تلاحظه. ففي بيته تقوده أمه ويأخذ بيده أبوه، وفي المدرسة يشتد ساعده بزند معلمه ومربيه حتى إذا دخل في غمرة الحياة يظل حائراً لا يعرف مصيره ما لم تأخذ الحكومة بيده وتصرفه فيما تشاء وتهوى. وقال غيره: أين نجد في فرنسا مثل أولئك الأولاد الذين رأيتهم خارج هذه البلاد يسافر احدهم وحده وهو في سن العاشرة من لندن إلى بطرسبرج في فئة من أطفال الكتاتيب تختلف سنهم بين الثامنة والعاشرة فيقضون تحت الخيام نصف العطلة المدرسية في جزيرة من سان لوران يعيشون من صيدهم وقنصهم فيكف لا يتأتى لهؤلاء الأطفال من الإنكليزي أن يستعمروا حيث شاؤوا من الأرض ويكونوا من أنفع الطوارئ متى بلغوا الخامسة والعشرين. وقال احدهم: لا شيء أذل على النفس من رؤية الفرنسوي خارج بلاده فكأنه ميت انقطع عمله أو مدنف يتلجلج لسانه فلا يجيب عما يسأل. وقال غيره: من الرعونة أن يعتقد الفرنسيس بعلو كعبهم في كل شيء ولو ذهب إلى ألمانيا ودرس أحوالها عن أمم لرأى شعباً كان يشكو مما نشكو منه. داء أصيب به زمناً فشفى نفسه منه. يرى السكسونية مجسمة بأبهى مظاهرها فيقدس كارالايل ظهيرها ونصيرها ويقيس حاله بالإنكليز فيراهم سباق غايات. ثم إذا رأى في تينك المملكتين ما رأى وقاسه بحاله يركب بحر الظلمات ليتبصر فيما تورثه جدد الفضائل في هذا القرن الحديث وينجلي له الفرق بين رغائبه ورغائب الأمريكان. لفرنسا نظارة للمعارف، ولأمريكا مدرسة للتربية. فالأولى تعلم والثانية تربي. الأولى تلقن أبناءها كلمات يحفظونها، والثانية تعلم مبادئ يسيرون عليها. تعد فرنسا أدمغة لحفظ قانون، وتهيئ أمريكا أذرهاً للعمل. يغرس الأمريكان في عقول ناشئتهم شهامة الإرادة التي لا تنفع بدونها المواهب وتضيع القوى بدداً وإذا فقدت يكون العلم نفسه قليل النفع. وهذا القانون الذي سنه لهم فيلسوفهم أميرسون تلميذ هيكل الألماني القائل في فلسفته: ليست الحياة شغلاً عقلياً ولا مناقشة ومهاوشة بل الحياة هي العمل. ولقد علق في أعلى باب كل مدرسة بأمريكا شعار معناه: إن تهذيب الخلق أسمى غاية للمدرسة وعلى الشبان أن يحسنوا معرفة الحياة بإرادة ثابتة. مطبوعات ومخطوطات كنز العلوم واللغة من المؤلفين المجتهدين في مصر محمد فريد أفندي وجدي صاحب مجلة الحياة والمصنفات الكثيرة وقد أصدر هذا الشهر مجلداً ضخماً في زهاء ٨٧٠ صفحة كبيرة ذات ثلاثة أعمدة من الحرف المتوسط سماه كنز العلوم واللغة وهو صورة دائرة معارف مصغرة فيها بعض الفصيح وخلاصات من العلوم النقلية والعقلية والطبيعية والطبية والاجتماعية والتاريخية والجغرافية. وقد أخذنا عليه اقتضابه في بعض المواد المهمة وتطويله في غيرها مما هو دونها في الفائدة فرأيناه مثلاً قد أغفل في الأعلام ابن تيمية وابن القيم وابن الهيثم والذهبي والسيوطي والقلقشندي وابن فضل الله العمري وذكر عبد الرحمن العمري والقليوبي والشنواني والشبراوي والكفراوي. والمعاجم المختصرة في العادة تذكر الأهم فالأهم من السماء والأشخاص. ورأيناه تابع بعض المعاجم الإفرنجية في إيراد بعض الشؤون التاريخية الشرقية ونقلها على غلطها مثل قوله في محلين إن صلاح الدين يوسف هو ابن أخي نور الدين محمود بن زنكي مع أنه لا قرابة بينهما وصلاح الدين كردي ونورد الدين تركي ومثله قوله أن فاراب من بلاد الأناضول. وقد نقل بعض أعلام الأشخاص والأماكن بحسب الأصل الإفرنجي فقال مثلاً سالونيك كما يلفظها الإفرنج والصواب سلانيك. وجزيرة ساموس: سيسام. ونهر الدانوب: الطونة. والسلافيون وتسميهم العرب الصقالبة. وليسبون: والعرب تقول إشبونة، وجبال هيماليا: حملايا. والتيبت: والعرب تقول تُبت كسكر. وبخارست: بكرش. وقد أعجبنا منه أدبه في كلامه على المخالفين من فرق الإسلام وغيرهم وفي الكتاب فوائد نافعة لا يسع متعلماً جهلها وعسى أن ينتشر كتابه بين جميع الطبقات فإنه على إنجازه سلمٌ إلى تناول دوائر المعارف الإفرنجية الكبرى. وحبذا لو تدارك المؤلف ذكر من أهمل من الأعلام وما اغفل من أسماء البلدان ولو بملحق على حدة. وفقه الله وأكثر فينا أمثاله من أهل النشاط في خدمة العلم والتوفر على التصنيف والنشر. فتح الرحمن لطالب آيات القرآن هو مفتاح أو فهرس يعين على الاهتداء إلى مواقع الآيات الكريمة جمعه فيض الله أفندي العلمي الحسني المقدسي ووقف على طبعه الشيخ أحمد حسن طبارة محرر جريدة ثمرات الفنون الغراء. وقد عني الجامع بان استعان بكتاب ترتيب زيبا وكتاب نجوم الفرقان واقتصر من ألفاظ الكتاب العزيز على الكلمات الرئيسة التي يثر خطورها بالبال أي الأفعال المشتقة والأسماء المتمكنة. وبالجملة فهذا السفر البديع يسهل الوصول إلى الآيات الكريمة على من يريد الاستشهاد بها فيتناولها سالمةً من التحريف في أقل من لمح البصر وقد ألحق به فهرساً للأعلام فجاء من أنفس الذخائر التي لا يستغني عنها طالب. جزى الله جامعه ومصححه خيراً. والكتاب يباع بريال مجيدي في بلاد الشام ويطلب من المكاتب الشهيرة. وقد طبع في المطبعة الأهلية في بيروت طبعاً متقناً للغاية على ورق صقيل جيد. تقويم المؤيد صدر هذا التقويم البديع سنة ١٣٢٥ هـ. فأتم بذلك سنته العاشرة وهو من وضع محمد أفندي مسعود صاحب جريدة المنبر الغراء. وقد قرأنا فيه نبذاً في التوقيعات وعلم الفلك والكيمياء وفصولاً علمية وأدبية وإحصائيات ونظام الحكومات والأخبار العمومية والتاريخ العام والتراجم والمسائل السياسية والمعاهدات وأحوال مصر سنة ١٩٠٠ وتخطيط الوجه القبلي وشذرات نافعة في القضاء والإدارة والزراعة وتدبير المنزل والدليل المصري وغير ذلك من الفوائد التي تنفع أصحاب الأعمال والبيوت وإنا لا نزال نقول إن تقويم المؤيد من أحسن الكتب الدورية التي تصدر في هذه العاصمة وما برح التحسين فيه مستمراً سنة عن سنة فشكراً لفضل مؤلفه الذي ثبت على إصداره وتوفر على الاستزادة من فوائده الممتعة. أبدع الأساليب في إنشاء الرسائل والمكاتيب هو كتاب يقع في زهاء ستمائة صفحة يحتوي نموذجاً من العرائض والرسائل والمخاطبات التجارية والإخوانية والرسمية وفيه مختصر في أصول مسك الدفاتر لمؤلفه عبد الباسط أفندي الأنسي صاحب جريدة الإقبال الغراء في بيروت وقد طبعه الآن طبعة ثانية أجزل فيها فوائده وهو مطول من كتابه هداية السائل إلى إنشاء الرسائل وقد رتبه على خمسة أبواب أدخل فيها الأغراض التي تعرض للكاتب في مكاتباته وطبعه في مطبعته المعارف طبعاً لطيفاً وهو يباع في مكتبته الأنسية باثني عشر قرشاً فنحث الطلاب على اقتنائه ونشكر للمؤلف عنايته وهديته. السجل المصري أصدر علي أفندي يوسف الكريدلي من المشتغلين بصناعة القلم في القاهرة كتاباً بهذا الاسم وأخذ على نفسه إصداره في منتصف كل شهر إفرنجي مشتملاً على كل ما حدث في الشهر السابق من الحوادث والوقائع وأعمال الحكومة المصرية كالأوامر العالية والمنشورات واللوائح والتنقلات والرتب والأوسمة والوفيات والمواليد فكان تاريخاً دورياً لمصر يصدر في أجزاء متفرقة مزيناً بصور بعض أمراء البلاد ووزرائها وكبرائها وعلمائها وأعيانها ومشاهيرها وفضلائها وأدبائها وشعرائها وكتابها وكل ذي مظهر ومقام وفي الجزء الذي صدر عن شهر يناير كثير من الفوائد التي ينبغي تخليد أكثرها في تاريخ البلاد وهو في زهاء ١٨٠ صفحة متوسطة الحجم وقيمة كل جزء خمسة قروش أميرية وهي قليلة لكثرة فوائده فعسى أن يلاقي مشروع هذا الأديب الإقبال اللائق به. لباب الخيار في سيرة المختار هي رسالة جميلة الطبع والوضع تدخل في ٨٢ صفحة من ذوات النصف في السيرة النبوية لمؤلفها الشيخ مصطفى سليم الغلاييني من المشتغلين بالعلم في بيروت ذكر فيها شذرات مهمة من أحوال الرسول وأعماله وجميع غزواته ولم يذكر من سراياه إلا ما كان له علاقة ببعض الغزوات وقد علق شرحاً لغوياً موجزاً على الألفاظ اللغوية أو التي يخشى التباسها على المبتدئ فجاءت نافعة لجميع الطبقات فله الشكر على عنايته وفضله. خارطة العالم هو المصور الذي رسمه الاكسرخوس يوحنا الحداد نزيل شيكاغو ومن أهل الفضل وقد أهدينا نسخة منه فرأيناه من أجمل المصورات الجغرافية الإنكليزية وأنفعها وليته يتفضل بترجمته إلى العربية ليعم انتفاع الجالية السورية به في أمريكا كما يعم سائر البلاد العربية. ديوان الشاب الظريف طبعت المطبعة الأهلية في بيروت هذا الديوان المشهور لمؤلفه المتوفى سنة ٦٨٨ هـ عن ٢٧ عاماً وأضافت إليه ما عثرت عليه من نظمه المتفرق في دواوين الأدب وفسرت ألفاظه اللغوية وقد قالت إنها جعلته خدمة لطلبة المدارس مع أن أكثر الديوان من الغزل الذي لا يروق أن يطلع عليه الشيوخ دع عنك الأطفال وعلى كل فإنا نشكر لها هذه العناية بنشره ونرجو أن تنشر غيره من آثار السلف النافعة. لطائف السمر في سكان الزهرة والقمر أو الغاية في البداية والنهاية وهو كتاب في ٢٨٠ صفحة لمؤلفه ميخائيل أفندي انطون الصقال الحلبي جعله على شكل رواية أخلاقية فتصور أنه رأى والده بعد وفاته في الرؤيا وقص عليه ما رآه في العالم الثاني أي في السماء والحقيقة أنه قص عليه حالة الأرض فتخلل ذلك كلام في المدينة الفاضلة والمدينة السافلة وأطور البشر وأخلاقهم ومنازعهم والديانات والنحل والمعتقدات كل ذلك في أبواب مخصصة وبعبارة سليمة فصيحة تخللها كثير من الشوارد اللغوية التي شرحها المؤلف في أسفل الصفحات فأجاد وأفاد في الاحتيال على بث الأفكار الصحيحة المعتدلة في ثوب عربي جميل. وهذا الكتاب يطلب من المكاتب الشهيرة في القاهرة بريال مصري. الأخبار أعاد هذا الشهر الشيخ يوسف الخازن إصدار جريدته الأخبار بعد أن حجبها مدة وأنشأ يصدرها في الصباح وهي الجريدة الصباحية الوحيدة باللغة العربية وصاحبها ممن تقلبوا في الصحافة كل مقلب وهو يحسن ما يقتضي لهذه الصناعة الشريفة من أدوات العلم العملي والنظري يضاف إلى ذلك حنكة وتجارب وبعد غور ونظر فلا عجب إذا رجونا أن يكون لصحيفته شان في الآداب عظيم وصوت في السياسة رخيم ولسان في صحة الأحكام قويم. الجريدة اسم لجريدة جديدة يومية أنشأتها شركة من أعيان القطر وأصدرتها هذا الشهر في بزة جديدة وطبع جميل وعهدت بإدارتها إلى أحمد بك لطفي السيد من رجال القضاء، وبإنشائها ومؤازرتها إلى جماعة من أهل الفضل والأدب كالسيد محمد رشيد رضا صاحب المنار الإسلامي وأحمد بك زكي ونجيب أفندي شاهين وعبد الحميد أفندي الزهراوي ويوسف أفندي البستاني وكامل أفندي دياب وغيرهم وهي تصدر كسائر جرائد العاصمة بعد الظهر. وقد تصفحنا الأعداد التي صدرت منها فرأيناها سليمة العبارة متينة التراكيب جيدة الموضوعات فرجونا لها أن تكون كجريدة الديبا الفرنسوية من حيث وفرة مادتها وصحة عبارتها فإن الديبا وهي لشركة أيضاً ترمي إلى خدمة الآداب. وسبيل الجريدة في سياستها مع الحكومة سبيل المحاسنة التي لا تجر إلى ترك حق أو تزيين باطل وهي أجلى مظاهر الاعتدال الذي يجب أن يكون دعامة العلاقات بين أمة وبين حكومة كلتاهما في طور التكون. فعسى أن يكون منها ما يؤهلها لبلوغ الغاية النافعة التي يتوقعها أنصارها ومساهموها. وقد بلغ بالجريدة عدد الجرائد العربية اليومية في القطر ثلاث عشرة جريدة. زاد الله النافع القويم منها فإن هذا العدد يوجد في مدينة صغرى من مدن الغرب وأصغر جريدة من جرائد الولايات هناك تطبع أكثر من أكبر جريدة في عواصمنا. الاحياء مجلة في ثماني صفحات تصدر مرتين في الشهر في مدينة الجزائر وهي إسلامية أدبية إخبارية وقيمة اشتراكها ٤ فرنكات في الجزائر وتونس و ٥ في الخارج وهذه أول مجلة على ما نعلم صدرت بالعربية في ذلك القطر فعسى أن تكثر فيه بعد ذلك الصحف والمجلات ويحذو إخواننا الجزائريون حذو إخواننا التونسيين في نشر المطبوعات العربية النافعة وإذا كان نقص ما يكتبونه محسوساً بادئ بدء فإن كثرة المران تجبر كل نقص. الريحانة هي مجلة تاريخية أدبية قصصية تصدر في منتصف كل شهر عربي لصاحبتها ومررتها جميلة خانم حافظ وقد قدمت لها مقدمة لطيفة في السعادة وغرض المجلة وفيها مقالات في التربية والتاريخ وتعليم المرأة وهذا هو أهم أبحاث المجلة وإن كل من عانى البحث في الشؤون العامة ليوافق الفاضلة صاحبة الريحانة على أن الرجال هم سبب تقهقر النساء في الآداب والعلم وإنهن لو تعلمن كما يتعلم الرجال أو أقل لسعدت الأمة الإسلامية كما سعد غيرها من الأمم المعاصرة. وقيمة اشتراك الريحانة ٣٠ قرشاً في مصر و ١٠ فرنكان خارجها فنرجو لها التوفيق إلى ما تقصد إليه. أكثر الله من أمثالها العاملات. سير العلم الحالة الاقتصادية في مصر كتب الدكتور الفريد أفندي عيد المالي الشهير تقريراً في الديون المعقودة على رهن في القطر المصري فقال إن فيه الآن خمسة مصارف تسلف النقود على رهن عقاري وهي المصرف الزراعي والمصرف العقاري وشركة الأراضي والرهنيات المصرية وصندوق واللندبنك وقد بلغ رأس مال المصرف الزراعي ٧ . ٧١٥ . ٠٠٠ جنيه ورأس شركة الأراضي والرهنيات المصرية ٨٧٧ . ٥٠٠ جنيه ورأس مال صندوق الرهنيات العقارية ١٠ ملايين فرنك ورأس مال اللندبنك ٩٧٥ ألف جنيه هذا ما عدا قيمة السندات التي أصدرتها. وقال إن شركات التأمين الإنكليزية سلفت مليوناً وأربعمائة ألف جنيه وسلف جماعات أصحاب الأموال ثمانمائة ألف جنيه واستنتج أن سلف الأفراد بلغت ٥ ملايين و ٤٤٥ ألف جنيه فيكون مجموع الديون المعقودة على رهن في المصارف وغيرها ٢٨ مليون جنيه و ١٤٥ ألف جنيه ومجموع الأموال المستحقة للشركات العقارية التي باعت أراضيها على أقساط زهاء مليوني جنيه ومجموع الديون المستحقة على رهن ٣٨ مليون جنيه و ٩٩٧ . ٧٢٠ ج وقال إن تاريخ عقود الرهن في القطر يرد إلى سنة ١٨٧٦ وإن الرهنيات زادت قيمة الأرض وقدر الأموال التي سلفت على أرض البناء بمئة وخمسين مليون جنيه أما الأموال الموظفة فلم يرد جميعها من الخارج بل إن قسماً منها من أموال البلاد. المصارف الزراعية العثمانية نشرت نظارة المصارف الزراعية في البلاد العثمانية إحصاء بأعمالها عن سنة ١٣١٩ على الحساب الشرقي فقالت إنه كان عدد شعب المصارف في مراكز الولايات والألوية ٦٦ شعبة وعدد شعب الأقضية وبعض الألوية ٣١٤ شعبة وكان رأس مال هذه الشعب كلها ٣ . ٧٧٧ . ٥٠٠ . ٨٤١ قرشاً وأقرضت هذه المصارف للفلاح العثماني ٣٠٦ . ٨٢٤ . ٣٢٢ قرشاً وبلغ عدد المقترضين ٩٦ . ٠٧٤ مزارعاً وقد بيعت في مدة خمس عشرة سنة أراضي زهاء ٨١٠٠ فلاح لم يوفوا ما عليهم من الديون لتلك المصارف وبلغ عدد المستدينين من الفلاحين في ١٥ سنة أيضاً ٩٨١ . ٣٤٩ شخصاً. وهذه المصارف الزراعية في البلاد سهلت على الفلاح العثماني اقتراض المال في حين حاجته بفائه ستة في المئة كما سهلت المصارف العقارية في القطر المصري سبل استلاف النقود برهن العقارات فكان منها أن اغتنى ألوف من الناس ما كانوا يملكون من قبل إلا ما لا يذكر. أما في البلاد العثمانية فإن المصارف الزراعية أنقذت الفلاح بعض الإنقاذ من شطط المرابين وإجحافهم. إحصاء غريب كان في الولايات المتحدة في العام الماضي ٢٢٠٠٣٠ ميلاً من الخطوط الحديدية وبعد أن كانت منذ سنين زائدة عن حاجة البلاد أصبحت الآن تلك البلاد في أشد الحاجة إلى الاستكثار من هذه الخطوط ويلزمها على أقل تعديل ٧٥ ألف ميل أخرى ينفق عليها ١١٠٠ مليون ريال في السنة مدة خمس سنين وقد عجزت معامل أمريكا على كثرة استعدادها عن صنع ما يطلب منها من القاطرات والمركبات للخطوط الحديدية فإن أمريكا الشمالية يلزم لها من ذلك ٢٥٠ ألف مركبة في السنة وكان في أمريكا سنة ١٩٠٥ - ٤٧ . ٣٥٠ قاطرة و ٤٠ . ٧١٣ مركبة و ١ . ٧٣١ . ٤٠٩ مركبة لنقل البضائع وكان عدد من ركبوا القاطرات الحديدية إلى مسافة ميل فأكثر في تلك السنة ٢٣ . ٧٠٠ . ١٤٩ . ٤٦ راكباً وبلغ ما نقل إلى مسافة ميل من البضائع ١٨٦ . ٤٦٣ . ١٩٠ . ٥١٠ طنات. المعلمات والمعلمون تقول إحدى المجلات العلمية إن الحال إذا ظلت على هذا المنوال يُربّى أهل الجيل القادم في إنكلترا والولايات المتحدة على أيدي المعلمات بدل المعلمين فقد كان الرجال منذ خمسين سنة يديرون أربع مدارس ابتدائية في إنكلترا من كل خمس مدارس وفي سنة ١٨٧٠ تساوى عدد المعلمين والمعلمات أما اليوم فإنك ترى من كل أربع مدارس ثلاثاً يديرها النساء ويقدر عدد المعلمات في الجزائر البريطانية بعشرين ألف معلمة وعدد المعلمين بأربعة آلاف معلم. أما في أمريكا فإن قلة المشاهرات التي تدفع للمعلمات تحول دون إقبال ربات الحجال على التعليم. شقاء العمال وضعت مجلة أمريكا الشمالية مقالاً ضافياً وصفت فيه حالة العملة وما يصيبهم من العاهات الطبيعية والعملة هم القسم الأعظم من أهل الولايات المتحدة فقال إن سبب ذلك زيادة عدد المحاويج وازدحام المدن بأقدام السكان وقلة الغذاء عند الفقراء والمساكين فلم يكن سكان المدن منذ مئة سنة في أمريكا أكثر من ٣ في المئة وقد أصبح اليوم ٤٠ في المئة وفي بعض الولايات أكثر من ذلك. وسبب هذا رغبة الناس عن سكنى القرى والمزارع وانهيالهم على المدن والعواصم لإدخال الأدوات في الأعمال الزراعية والاستغناء في أكثرها عن أيدي العاملين كما كان من قبل فاضطر أكثر الفلاحين أن يدخلوا المعامل في المدن وأن ينقطعوا عن الزراعة ولكن ما يقبضونه من المياومات لا يسد حاجاتهم الضرورية فيبيتون في أماكن رديئة الهواء تكثر فيها الأمراض والوفيات فإذا لم يهلكوا قبل سن الشيخوخة فإن معظمهم يصابون بأمراض بطيئة تزيد ضعفهم الطبيعي ضعفاً. وهذه الأسباب تنتج هذه النتائج في كل مكان ولاسيما في الولايات المتحدة فإن الحالة هناك أدهى وأمر. ولا سبيل إلى تلافي هذه الآفات إلا بان تجعل الرياضية الجسمية إجبارية في جميع المدارس وإن تضاعف أيام العطلة وأن يكره الأولاد على قضائها في الخلاء والبراري وأن تسير التربية الطبيعية هي التربية العقلية على نظام صحي وأن يحسن طعام الأولاد في المدارس. لحم الخيول نشرت أحد علماء الإسبان بحثاً في الدعوة إلى تناول لحم الخيول فقال إن من يدعي من الإسبانيين إنها قذرة رديئة لا توافق الصحة هو في ضلال مبين وإذا استعمل هذا الضرب من اللحم ولاسيما بين الطبقات النازلة يتبين لآكليه أنه من اللحوم اللذيذة الطعم كثير التغذية يقوي الجسم وقد استشهد على صحة رأيه بإحصاءات أكلة الخيول في الأمم ولاسيما في بروسيا التي ينمو فيها متناولوه وقال إن فرنسا لم تبدأ بتناول لحم الخيل إلا سنة ١٨٦٦ وكان بعض الفرنسيس قبل ذلك يتناولونه سراً على أن الجندي الفرنسوي في حرب القريم كان يؤثر لحم الخيل على لحم البقر أما الجندي الإنكليزي فكان يتقزز من تناوله قال وكيفية تقديم لحم الخيل على الموائد هي التي تحببه إلى النفوس أو تكرهه إليها وإن بعض الشرهين ليزعمون إن لسان الحصان لذيذ الطعم. المكاتب في نروج بحثت إحدى المجلات العلمية الهولندية في تاريخ المكاتب العامة في بلاد النروج فقال إنها تُرَدُّ إلى أواخر القرن الثامن عشر وكان مبتدعها رجلاً اسمه سورت ارفلو خطر له أن يجعل كنبه القليلة في غرفة يطالع فيها الخاصة والعامة فمشى على أثره غيره من عشاق الكتب وشاركوه في هذا العمل النافع وأخذ الشاعر ورجلاند يبث هذه الفكرة في العقول بما وضعه من كراسة ذكر فيها ما ينال الشعب النروجي من النعم الجسام بتهيئة أسباب المطالعة له في الكتب العلمية الحقيقية فوضع بكتابته هذه أساس مكتبة عامة للشعب وأشار بالكتب النافعة التي ينبغي وضعها فوقع كلامه موقع القبول من القلوب فلم تمض سبع سنين على دعوته حتى صارت مكاتب الشعب هناك سنة ١٨٣٧ - ١٨٥ مكتبة منتشرة في طول البلاد وعرضها ويبلغ اليوم عددها نحو ثلثمائة والحكومة تنفق عليها ما يلزمها من النفقات. مدنية آسيا الوسطى ذكرت مجلة العالم الإسلامي الفرنسوية أن ضابطين إنكليزيين رحلا منذ مدة من بلاد الهند إلى بكين مارين ببلاد تُبت وتركستان الصينية فاكتشفا في طريقهما اكتشافات أثرية مهمة وكانت هذه الأصقاع وهي اليوم تكاد تكون غير مأهولة مهد مدنيات قديمة قويمة زال أثرها فكان بحث هذين الضابطين مذكراً بها. وساح عالم ألماني في الشمال الشرقي من تركستان فاكتشف بعد عناء ثلاثة أشهر نقوشاً على الحيطان ومخطوطات كتبت بالخط الناكاري والبرهمي وهي من خطوط آسيا الوسطى ومن هذه المخطوطات ما هو مكتوب بالخط الصيني والتبتي والتانغوتاني والسرياني والمانشوي والويكوري والتركي الأزرق ومنها ما كتب بلغة مجهولة غريبة ويطن أنها سريانية أو مشتقة منها. وأنت ترى في هذه الخطوط مجموعة من اللغات الآرية واللغات السامية يضاف إليها تلك اللغة التركية الزرقاء أقدم اللهجات التركية التي عرفت. والمخطوطات التانغوتانية من أنفس ما عثر عليه من هذه الآثار لأن هذه اللغة مشتقة من اللغة التبتية ومكتوبة بخط محرف من اللغة الصينية غريب في شكله ووضعه ولم تعرف هذه اللغة إلا برسوم كان عثر عليها منذ مدة. وقد كتبت بعض هذه الكتابات على ورق وبعضها على ورق البردي وبعضها على رق أبيض جميل وبعضها على خشب وفيها من الفوائد التاريخية واللغوية ما اغتبط به أهل البحث والعلم. ومما لفت الأنظار من هذه الآثار خصوصاً المخطوطات المانشوية المكتوبة باللغة الفارنسية الوسطى بحروف خاصة اخترعها في فارس ماني مؤسس المذهب المعروف به سنة ٢٧٠ ق. م وحلها موللر اللغوي في متحف خصوصيات الشعوب في برلين لأن هذه المخطوطات تؤكد ما كان لفارس من النفوذ العظيم في آسيا الوسطى ومما اكتشفه العالم الألماني عدد عظيم من الجثث لابسة ثياب كهنة بوذيين ماتوا صبراً في المعابد التي كانت لهم سجوناً وفي هذه الجثث إشارة إلى ما كان يجول في صدور الفاتحين الصينيين من الكراهة للديانة البوذية. والتماثيل المصنوعة من الجص هي تماثيل بوذا تدل على أنه كان للهند في تلك العصور نفوذ ممتد الرواق في الشرق الأقصى ويابان. التنويم الكهربائي جرب أحد أساتذة مدرسة نانت الطبية في فرنسا التنويم بالكهربائية بدلاً من التنويم بالكلورفورم فأسفرت تجربته عن نتائح حسنة فإن المنوم يبقى بدون حركة اختيارية ولا يحس بأي ألم يحدث له ويبقى في حال سبات مدة مرور المجرى الكهربائي عليه فإذا حُوّل عنه يقوم لساعته وجرب ذلك في الكلاب والأرانب. حفظ الثمار اخترعت وسائط لحفظ الثمار ومن أقربها تناولاً ما اخترعه أحد علماء الإنكليز وذلك بتغطيس الثمرة مدة عشر دقائق في محلول مؤلف من ٣ في المئة من محلول حامض النمل الصناعي (فورمول) فالثمار اللطيفة القشرة كالعنب والتوت الإفرنجي والكرز ينبغي أن تغسل بالماء الصافي بعد أن تجعل في ذلك المحلول أما الثمار الأخرى التي تقشر كالتفاح والكمثرى والدراق فلا لزوم لغسلها وتحفظ الثمرة بهذه الواسطة من ١٠ إلى ١٥ يوماً فإذا قطفت قليلة النضج تسافر بهذه الطريقة إلى البلاد الشاسعة ولا تنبعث منها رائحة. اللفافة الجديدة إن اللفافة التي اخترعها أحد رجال الإنكليز في العالم الماضي قد عرضت الآن في لندن وكثير من أمهات مدن الولايات المتحدة وهذه اللفافة لا تطوي الجرائد فقط بل تلصق عليها الطوابع وتربطها وتعلق عليها العناوين وتجعلها رزماً وأضابير. ويقول بعضهم إن هذه الآلة معقدة بعض التعقيد ولكنها لا تشغل مكاناً كبيراً وتغني عن استعمال مئات من الأيدي فتطوي في أقل من ساعة ألوفاً من الجرائد المعدة للإرسال وتربطها وترزمها وتناط بها آلة أخرى تمنع من وقوع سهو في عدد الأعداد المرسلة. المعارف في مصر ظهر منذ أيام تقرير اللورد كرومر السنوي عن مصر والسودان لسنة ١٩٠٦ فمما قاله عن معارف مصر إن الاعتمادات المخصصة لها أصبحت الآن ٣٧٤٠٠٠ ج. م بعد أن كانت ١٩٧٠٠٠ ج. م سنة ١٩٠٣ . وإن في القطر ٣٢ مدرسة ابتدائية راقية تحت تفتيش نظارة المعارف وكان مجموع تلاميذها ٧٥٨٤ مقابل ٦٨١٥ تلميذاً سنة ١٩٠٥ و ٩٧ في المئة من التلاميذ المسلمون. وفي مصر ٢٠ مدرسة أخرى من هذا القبيل أرادت أن تكون تحت مراقبة نظارة المعارف وفيها ٤٦٩٠ تلميذاً وتقدم للامتحان في الدروس الابتدائية الأخيرة ١٦٣٤ طالباً تخرجوا من مدارسا لحكومة و ١٧٣٦ تعلموا في مدارس خاصة أو درسوا في بيوتهم فقبل منهم ٩٠٤ تلاميذ فقط أو ٢٧ من مجموعهم ومن الذين نالوا الشهادة الابتدائية ٥٦٤ تلميذاً مازالوا يتممون دروسهم في مدارس الحكومة أو مدارس خاصة ومنهم ٢١٤ تلميذاً دخلوا في خدمة الحكومة و ٢٦ أخذوا يتعاطون أعمالاً حرة لأنفسهم ومنهم ١٠٠ بقوا بلا عمل. وتقدم للشهادة الثانوية ٧٤٠ طالباً يقابلهم ٤٤٧ في سنة ١٩٠٥ فقبل منهم ٣٦٦ أو ٤٩ في المئة من مجموعهم وكان منهم ٢٥٦ أي ٧٠ في المئة مسلمين ومنهم ٢٧٧ مازالوا يدرسون في المدارس العالية و ٧٢ دخلوا في خدمة الحكومة و ١٢ استخدموا في أعمال خاصة و ٥ ظلوا بلا عمل ونحو ٤١ في المئة من الطلاب المقبولين أخذوا أنفسهم بدراسة الحقوق و ٢٦ في المئة درسوا الطب و ٢٤ طالباً دخلوا دار المعلمين. وقال في كلامه على الكتاتيب أنه أنشئ في مدرية الدقهلية منذ أقل من سنتين ٢٢٨ كتّاباً من أموال الأغنياء ووقف عليها ما لا يقل عن ٣٠٩ أفدنة ما عدا المباني ولم ينشأ في خلال السنة الماضية في القطر سوى ٣٣ كتاباً جديداً وأصلح ٩٠ وكان عدد الكتاتيب في القطر سنة ١٨٩٨ - ٣٠١ كتاب فيها ٦٩٣١ صبياً و ٨٩٨ بنتاً و ٤٩٠ معلماً و ٩ معلمات فأصبحت سنة ١٩٠٦ - ٤٤٣٢ - فيها ١٤٥ . ٨٣٨ صبياً و ١٠ . ٧٠٤ بنتاً و ٦٥٥١ معلماً و ٣٣ معلمة وشكا من قلة إقبال النساء على أن يكن معلمات كما شكا من جهل المعلمين الموجودين في المدارس الابتدائية ونسب إليهم إخفاق التلاميذ في التقدم لنيل الشهادة. وقد بلغ عدد مدارس البنات ٢٠٩ وعدد التلميذات ١٣٧٠٥ وبلغ عدد البنات اللائي يذهبن إلى كتاتيب الحكومة ٢١٣٥ وعدد اللائي يذهبن إلى الكتاتيب الأخرى ١٠٧٠٤ تلميذات وقال إن الأهالي أقبلوا على تعليم بناتهم والتوسع في تلقينهن علوماً أكثر من الأول. وتكلم على مدرسة الزراعة فقال إن فيها ٦٥ طالباً منهم ٣٨ مصريين و ٢٧ مختلفة أجناسهم ومن هؤلاء المصريين ٢٩ من المسلمين. قال ولا يزال معدل المسلمين في هذه المدرسة قليلاً على زيادة فيه. وقال في كلامه على مدرسة الهندسة إن فيها الآن ٨٩ طالباً منهم ٥٨ مسلماً وقد دخل إليها ٤٠ طالباً في شهر سبتمبر الماضي منهم ٣٠ مسلماً فعدد الطالبين من المسلمين في هذه المدرسة يزداد سنة عن سنة. ولفت أنظار المصريين إلى تعليم أولادهم الهندسة وقال إن مصر محتاجة إلى مهندسين وطنيين وفيها أعمال كثيرة لهم. وذكر مدرسة الحقوق فقال: إن طلبتها الآن ٣٥٨ طالباً منهم ٢٦٣ مسلماً وقال إن الإقبال على تعلم الحقوق زاد منذ ست سنين. وقد نال شهادة الطب من المدرسة الطبية في القصر العيني ٢٠ طبيباً وتقدم للدخول فيها ٩٧ فقبل مهم ٥٣ طالباً، قال اللورد: إن عدد الأطباء قليل وإن الأمة بقدر ما تستنير تشتد حاجتها إلى الأطباء. وأشار في كلامه على مدرسة البيطرة إلى أن فيها ٣٠ طالباً وفي كلامه على مدرسة العميان أنها آخذة في التقدم والعطايا تنهال عليها وأن فيها ٢٧ طالباً داخلياً وانه اختلف إليها في السنة الماضية نحو عشرة أولاد كل يوم بصفة خارجية. وقال إن في مدرسة فيكتوريا في الإسكندرية ٢١٥ صبياً منهم ٧٩ إسرائيلياً و ٧٩ مسيحياً و ٥٧ مسلماً. وقال في كلامه على المعارف في السودان: إن في مدارس حكومتها ٤٣٠ تلميذاً منهم ٣١١ مسلماً و ٢٥ قبطياً و ٤ إسرائيليين وذلك ما عدا صبيان الكتاتيب، وإن قد أخذت تنشأ النتائج الحسنة من التعليم في السودان بعد أن رأى السودانيون أن منهم ٣٧ رجلاً تخرجوا في مدارس الحكومة فاستخدمتهم بعد في أعمالها. وأشار إلى كلية غوردون في الخرطوم فقال إن تلاميذها قلائل وإن خطتها تنشئة معاونين مهندسين ومساحين وأن تكون فيها مدرسة ثانوية ومدرسة ابتدائية. وأصبحت المدارس الابتدائي الراقية في السودان ست مدارس فيها ٧٦٢ تلميذاً. وفي مدرسة الصنائع التي هي فرع من فروع كلية غوردون ٢٥ خريجاً يتعلمون الصنائع المختلفة. ويؤخذ من كلام جناب اللورد أن الكتاتيب الخصوصية للذكور ضعيفة جداً في السودان على رغم تنشيط الحكومة لها وتكلم على مدارس المرسلين في السودان وقال إن الحكومة السودانية لم تأذن لهم بإنشاء مدارس في الأصقاع السودانية المختلفة لأن الأهلين كلهم من المسلمين وغاية الأمر أنها ترخص لهم بإنشاء مدارس في الخرطوم حاضرة السودان لتكون هذه المدارس تحت مراقبة الحكومة ولأن فيها أولاداً لغير الطائفة الإسلامية. وعلى الجملة فإن القارئ يلاحظ معنا بعد تلاوة ما تقدم أن مصر والسودان يستحيل عليهما أن يبلغا في معارفهما مبلغ الحكومات الراقية في كثرة المتعلمين والمتعلمات قبل أن تمضي قرون إذا ظل العمل جارياً على هذا النحو في البطء. آثار الأفغان ذكرت إحدى المجلات الإنكليزية في الهند بحثاً لأحد رجال التاريخ والأثر كشف فيه الغطاء عن بعض ما اشتملت عليه أفغانستان من الشؤون التاريخية فقال إن أفغانستان تهم كلاً من الهند وفارس وإن اسمها كان على عهد خلفاء الإسكندر آري كما أطلق عليها آراشوزي وباروباميز ودارنجيان وكانت لها مدنية راقية وبعد أن انتقل منها العنصر اليوناني إلى بلاد الهند كانت كرسي مملكة الهند السيتية (السيت قبائل رحالة متوحشة كانت في الشمال الشرقي من أوروبا وفي الشمال الغربي من آسيا). وهناك اجتمعت أديان ثلاثة وهي المزدكية والبرهمية واليونانية. وإنك لترى إلى اليوم فرعاً من لغة الزاند سارية في لغة أفغان ومعظم أسماء المدن الحديثة من أفغانستان ورد في كتاب ديانة الفرس الأقدمين. أما كون بارسيس من المتشيعين لزرادشت في الهند استولى في غابر الدهور على بلاد الأفغان فذلك ثابت بما شوهد من أنقاض المعابد والحصون. النساء والاجتماع تكلم أحد الباحثين من الفرنسيس في مجلة العالمين الباريزية عن الأعمال التي تقوم بها النساء في فرنسا لتحسين أحوال بنات جنسهن فذكر من الجمعيات المفيدة اتحاد البيوت لمؤسستها الآنسة كاهيري فقال إن غايتها أن تلقي في ذهن أعضائها منذ سن الطفولية حب الإقدام والتبصر والتكافل وإن هذه الجمعية أقامت بيتاً يأوي إليه الأطفال من السنة الثانية ونصف إلى السادسة فيعلمون ما يعدهم لتلقي الدروس الابتدائية بعد ذلك من أسهل الطرق. وقد جرى العمل في هذا المأوى بمذهب فيبرل في التربية ومذهبه مؤسس على مبدأين عظيمين وهما تعلم الولد القراءة قبل أن يتعلمها في الكتب وأن يتعلم الرسم قبل أن يؤخذ بتعلم الكتابة. والأسرة تدفع عن كل طفل من أولادها أو بناتها عشرة سانتيمات في اليوم وإذا أرادت تعليمه الرياضة البدنية فتدفع عنه أجرة ذلك ٢٥ سانتيماً في الشهر وتدفع خمسين سانتيماً عن كتب تقدم له في الشهر ومتى أحبت أسرته تعلميه الموسيقى تدفع عنه فرنكين في الشهر. ويتعلم البنات في هذا المأوى علم تدبير المنزل ويتلقين دروساً في الطبخ بحيث إذا أتقنها لا ينفقن أكثر من فرنك في اليوم عن كل شخص يراد إطعامه وإعالته. وهذه الجمعية تعلم ثمانمائة طفل ويجتمع آباء الأولاد وأمهاتهم كل شهر مع المعلمات المربيات ليتفاوضوا معهم في تربية أطفالهم. وفي سنة ١٩٠١ أنشئت في فرنسا أول مدرسة لتعليم تدبير المنزل أنشأتها امرأة من فضليات النساء وفي فرنسا اليوم خمسون مدرسة من مثل هذه فيها ١٢٠٠ تلميذ وتلميذة منها خمسة في باريز ويعلم في كل مدرسة ما يلزم للمختلفين إليها من الذكور والإناث وما يلائم حالهم وشأنهم. الذهب كان المستخرج من الذهب سنة ١٧٩٦ : ٩٠٠ مليون فرنك فصار سنة ١٩٠٦ ملياراً و ٨٠٠ مليون فرنك. إحياء الموتى اخترع أحمد علماء الأمريكان الأستاذ بو آلة كالمضخة الطلمبة التي تستخدم لإملاء إطار الدراجة بالهواء بعد تفريغه منه وقال إنه يحيي بها بعض الحيوانات كالأرانب والكلاب والجرذان وقد أجرى بالفعل تجارب من هذا القبيل فأفلح في تجرباته ويقول إنه يتمكن بآلته من إحياء من يموت من البشر مختنقاً أو مسموماً ويحيي من يموتون تحت البنج ويمنع موت الأطفال اختناقاً عند الولادة ويعيد السكارى إلى صحوهم بعد خمس دقائق ويحيي المصعوقين بالكهربائية إلى غير ذلك من الأعاجيب التي قام بها بعد اشتغال ٣١ سنة ودهش لها العلماء وصفقت لها مجامعهم وأنديتهم. محسنة أمريكية روت جريدة الهدي النيويوركية أن العقيلة رسل ساج أرملة أحد كبار أغنياء نيويورك (خلف لها زوجها ثمانين مليون ريال) قد منحت اليوم ١٠ ملايين ريال اختارت لتوزيعها نخبة من أفاضل جمهورية أمريكا وفاضلاتها وجعلت غايتها: - ( ١ ) تحسين حالة بيوت الفقراء صحياً. ( ٢ ) مقاتلة السل في نيويورك وأمهات المدن بتعليم المسلولين كيف يشفون بالعمل في الخلاء وأكل بعض المغذيات والامتناع عن المسكرات والتدخين وتعليم أهلهم كيف يتقون الداء. ( ٣ ) إرسال أولاد الفقراء إلى البرية عند اشتداد الحر. ( ٤ ) جمع فضلات موائد الأغنياء لإطعام الجياع. ( ٥ ) مقاومة تدخين القاصرين. وتنوي هذه المحسنة إنفاق ما خلفه لها زوجها في مثل هذه السبل من أعمال الخير ونفع البشر. الأعمال العقلية - قال الدكتور فلوري في بحث له في المجلة الفرنسوية إن الإقلال من الطعام هو خير ما تداوى به مِعَد أرباب الأعمال العقلية الذين يقضون الساعات الطويلة محصورين في غرف ضيقة يعملون أعمالاً تهيج أعصابهم وتثير قواهم وأدمغتهم وأكثرهم معرضون لوجع المفاصل وضعف المجموع العصبي. وقد أحصى الطبيب المشار إليه ٣٣ رجلاً من أرباب الأعمال والأموال و ٢٦ من المستخدمين في الإدارات و ٢١ طبيباً فلم يظفر من بينهم بغير ٤ محامين ونقاشين ووكيل دعاوٍ واحد سالمين من الضعف مثل تعب الذاكرة وتشوش الفكر وضياع الإرادة والسويداء وقلة الهمة للعمل وغير ذلك. قال: وكل ذلك ناشئ في الأكثر من الإفراط في تناول اللحوم والخمور والالكحول والشاي والقهوة والدخان. وهو يصف لأرباب الأشغال العقلية إذا كانوا لم يصابوا بأعراض هذه الأمراض أن يقتصروا في الصباح على مائتي غرام من القهوة باللبن وقرصين بالسمن وعند الظهر أن يتناولوا قرصين بالسمن على شكل خبز ومئة إلى مئة وخمسة وعشرين غراماً من اللحم المشوي بدون صلصة وعلى بقول خضراء أو سلاطة مطبوخة وطعام من اللبن وكعكتين وفي المساء أن يتناولوا حساءً وفطائر أو بقولاً ناشفةً أو خضراء وفواكه مطبوخة وكعكتين بالزبدة وان يمتنعوا كل الامتناع عن الخمر والمشروبات الروحية على اختلاف أنواعها ويقللوا من القهوة. آلة للعمى يقال إن عالماً نرويجياً اخترع آلة توضع في عيون العمي فيبصرون ولكن لا بعيونهم كالمبصرين بل بتنبيه حواسهم. سحب الحمولات كان يجري النقل في أوروبا قبل اختراع السكك الحديدية على السفن في البحار والأنهار والترع وكانت الأجور التي تؤخذ عن النقل قليلة بالنسبة وقد عادت ألمانيا اليوم إلى استعمال النقل في بعضه أنهارها الكبيرة على السفن التي تسير بالكهربائية وتقطر معها عشرات من السفن فثبت لها أن مليوني طن من الأثقال تكلف أجرة نقلها بالكهرباء مثل ما تكلف بالبخار وإذا تضاعف هذا العدد تقلل النفقة عشرين في المئة ولذلك ستحذو أكثر الحكومات حذو ألمانيا. واقي الحبوب اكتشف أحد علماء فرنسا اكتشافاً يقي الحبوب كالقرطمان والحنطة والشعير والذرة وغيرها من الآفات التي تطرأ عليها فتغيرها فخدم باكتشافه الزراعة خدمة لا تقدر بثمن. البحث في الأعماق لم يتمكن الباحثون في أعماق المحيط إلى بلوغ أكثر من ثلاثة عشر متراً فإذا جاوزوا هذا القدر واضطروا إلى النزول إلى عمق أكثر يستخدمون المسبار وقد اخترع أحد المهندسين آلة يستعملها الغطاس فتمكنه من الوصول إلى السفينة الغرقى في قعر البحر وبها ينزل إلى عمق مئة متر بسهولة وقد جرب هذا المهندس هذه الآلة المعدنية ١١٥ مرة فوفت بالغرض وتوفر على تجربة اختراعه خمس سنين فتم كماله أخيراً على ما يرام. وهذه الآلة تجدد الهواء من تلقاء نفسها بواسطة محركات كهربائية معلقة بها وتنير للغطاس طريقه بالكهربائية أيضاً. النزلة الصدرية ثبت لدى كبار الأطباء أن النزلة الصدرية تعدي كالسل والجذام وغيرهما من الأمراض وقد رأى أحدهم في لندن أن تصدر الحكومة أمرها إلى شركات السكك الحديدية بتطهير المركبات ونفض المخدات والمتكآت والمقاعد في عجلات الخطوط الحديدية بعد أن تسير مدة لأن جراثيم النزلة تعلق فيها لا محالة وقال إن المفرط في تناول الالكحول هو معرض للوقوع في هذا المرض أكثر من غيره وقال غيره إن المصاب بالنزلة إذا أقام في منزله خمسة عشر يوماً لم يخرج للناس يقل جداً المصابون بالنزلات الصدرية بقلة اختلاط السقيم بالسليم. جمعيات التعاون عمت هذه الجمعيات أوروبا بأسرها ففي ألمانيا نحو ألفي جمعية من هذا النوع ومثلها في إيطاليا وفي الدانمارك ألف جمعية وللبلجيك من هذه الجمعيات أنواع وضروب نافعة وفي إنكلترا من هذه الجمعيات ألوف وأهلها ينفقون على البائس والفقير بألوف الألوف فقد قدر أحد كبار رجال الإنكليز العارفين إن الإنكليز أنفقوا على هذه الجمعيات ٧٥٦ مليون فرنك. اللحوم في فرنسا في إحصاء أخير أن فرنسا تكثر في هذه الأيام من تناول لحم الخيل ويقبل أهلها عليه أيما إقبال فإنك ترى في كل مدينة لها بعض الشأن من مدنها مسلخاً لذبح الخيول وقد أكلت مدينة باريس في السنة الماضية أربعين ألف حصان أي ثمانية أضعاف ما كانت تأكل منه سبع سنين. ولحم الخيل يساوي نصف لهم الضأن وإذا روقب أمر تقديمه لا يضر بالصحة أصلاً كما تقدم في غير هذا الموضع. ثروة الولايات المتحدة لو وزعت الثروة في الولايات المتحدة على الأفراد بالتساوي لأصاب كل أمريكي ١٢٣٥ دولاراً و ٨٦ سنتاً وفي الولايات المتحدة ١٢٥ ألف رجل يبلغ مجموع ثروتهم ٣٣ مليار دولار فلو قسمت عليهم بالتساوي لأصاب كل واحد منهم ٢٦٤ ألف دولار وفيها ١ مليون و ٣٧٥ ألف رجل يبلغ ثروتهم ٢٣ مليار دولار فلو وزعت عليهم بالتساوي لنال كل شخص منهم ١٦ ألف دولار وفيها ٥ مليون و ٥٠٠ ألف شخص يبلغ مجموع ثروتهم ٨ مليارات و ٢٠٠ مليون دولار فلو وزعت عليهم بالتساوي لنال كل فرد منهم ١ . ٥٠٠ دولار وفيها ٥ ملايين و ٥٠٠ ألف شخص يبلغ مجموع ثروتهم ٨٠٠ مليون دولار فلو وزعت عليهم بالتساوي لأصاب كل واحد منهم ١٥٠ دولاراً فهؤلاء ١٢ مليون و ٥٠٠ ألف شخص من سكان الولايات المتحدة يستحقون أن يذكروا في التقويمات المالية العامة ويبقى ٧١ مليوناً من سكانها غير موجودين مالياً. أصدر المستر ركفلر المثري تقريراً مثبتاً بشرف كلامه أن ثروته لا تتجاوز ٣٠٠ مليون دولار وأن دخله السنوي من ١٥ مليوناً إلى ٢٠ مليون دولار. ومن الأغنياء المستر كارنيجي الذي تقدر ثروته بمبلغ ١٦٦ مليون دولار ومسزانلر واكر التي تقدر ثورتها بمبلغ ١٣٠ مليوناً ويليهما عدد كبير ممن تقدر ثورة الواحد منهم بمئة مليون دولار كفندربلت وغيره وكل هؤلاء عاملون على زيادة ثروتهم لا على تفريقها فهم يملكون المناجم والسكك الحديدية وأكثر الشركات التجارية وتقدر ثرواتهم مجموعة بمبلغ ٤٠ مليار دولار حال كون الأموال المبذولة في سبيل الخير في الولايات المتحدة كلها تقدر بأربعين إلى خمسين مليون دولار وليست إلا مبلغاً جزئياً بالنسبة إلى دخل الأغنياء وليست كلها مجموعة منهم. عن الهدى بتصرف.</passage>
<license>Distributed under a Creative Commons Attribution-ShareAlike 4.0 International (CC BY-SA 4.0) license</license>
<source>https://github.com/tillgrallert/digital-muqtabas/blob/master/xml/oclc_4770057679-i_15.TEIP5.xml retrieved via Canonical Text Service http://cts.informatik.uni-leipzig.de/muqtabas/cts/ with CTS URN urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.15.TEIP5:</source>
</reply>
</GetPassage>
