<?xml version="1.0" encoding="UTF-8"?><GetPassage xmlns="http://relaxng.org/ns/structure/1.0" xmlns:a="http://relaxng.org/ns/compatibility/annotations/1.0" xmlns:tei="http://www.tei-c.org/ns/1.0">
<request>
<requestName>GetPassage</requestName>
<requestUrn>urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.14.TEIP5:</requestUrn>
</request>
<reply>
<urn>urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.14.TEIP5:</urn>
<passage>العدد ١٤ بتاريخ: ١٥ - ٣ - ١٩٠٧ صدور المشارقة والمغاربة اميرسون  ١٨٠٣ - ١٨٨٢ يظن بعضهم أن العالم إذا بث فضل علمه والأديب إذا نشر آثار أدبه والأخلاقي إذا علّم الحكمة لأهل جيله وقبيله وصاحب الدعوة أو النزعة إذا نفخ في الناس من روحه ولم يظهر للعيان في الحال أثر مما قصدوا له ووقفوا نفوسهم عليه وأنفقوا نقد أعمارهم على خدمته يعدون في الخائبين الخاسرين وأن العمل إذا لم يُنتج لأول الأمر لا يعد صاحبه رجلاً مذكوراً ولا عمله مبروراً مشكوراً كأن يطلبون من الغرس أن يثمر في يومه ومن الطفل أن يكبر بانفصاله عن أحشاء أمه وفاتهم أن لكل عمل عمره ولكل مؤثر أثره والله لا يضيع عمل عامل. يكاد يوقن كل ناظر في الحضارة الغربية وباحث في تاريخها منذ مئتي سنة أنها ترمي بالتدريج إلى أن تكون حضارة مادية بحتة لا ينظر فيها لغير الأبيض والأصفر وأن أهل الغرب على اختلاف أصقاعهم وحكوماتهم لا يحيون ولا يريدون أن يحيوا إلا أن الحياة المادية ولا تراهم إلا زاهدين في الحياة الأدبية أو الروحية. فعلى نسبة غنى المرء عندهم وكثرة ذهبه تزداد حرمته والإعجاب به وكلما استحل أكل مال الضعيف وتفنن في هضم حق الفقير ولو تحت ستار الاحتكار أو الاستعمار أو الشركات والمضاربات عُدّ من أرباب العقول والمضاء وهذا من عيوب هذه المدينة الأوروبية وما نخال أن الحال كانت كذلك على عهد الحضارة الإسلامية. الحياة المادية تكاد الآن تتغلب في كل بلد من المعمور على نسبة دخول نور العلوم وفضلات التمدن الحالي وتشهدها على أتمها في الولايات المتحدة الأمريكية لأن جميع أهلها من المهاجرين من أقطار العالم في طلب الرزق وقل فيهم مثل المهاجرة الأول الذين هاجروا إليها فراراً بنفوسهم من ظلم الحكومات الأوروبية فتكوّن منهم والله أعلم على ما طبيعة تلك المملكة الضخمة من الخصب وأسباب الثروة التي لم يجتمع مثلها لمملكة أقوام يحلمون بالدولار ويحيون به ويموتون في حبه ويفصلون كل شيء على مثاله ويسعون بكل ما يمكن إلى نيله ولا يفكرون في غيره من الحياة الأدبية التي لو نزعت من أمة لزالت عنها سعادتها وغبطتها ونعماؤها. ولقد كان أول من دعا من حكماء تلك الديار إلى الإقلال من هذا التكالب الضار والجمع بين حب الذهب وحب الأدب صاحب هذه الترجمة اميرسون حكيمها وعالمها العامل. دعا إلى ذلك وأهل طبقته من المفكرين في أمته فأثر دعوته في بعض النفوس تأثيراً نظرياً ولكن لم تظهر آثارها العملية حتى الآن على أن كثيراً من زعماء الأفكار وحملة العلم فيهم يتوفرون اليوم على قتل تلك الروح المادية ومحاربتها للتخفيف من شرر شرورها وفي طليعتهم الرئيس روزفلت داهية الأرض وعالم القياصرة والإمبراطورة وأعقل المالكين من المطلقين والمقيدين. نشأ اميرسون في حجر الدين وكان أبوه رئيساً دينياً من شيعة الموحدين فانصرف في أول أمره إلى احتذاء مثال والده في الوعظ والإرشاد ونال وظيفته في كلية هارفارد الجامعة فدرس فيها علم اللاهوت وغدا واعظاً موحداً في إحدى بيع بوستون إلا أنه لم يلبث أن تخلى عن هذه الصناعة وذهب إلى بلدة كونكورد سنة ١٨٣٥ ينقطع للتعليم والإلقاء على سبيل المذاكرات العامة وإلى تأليف الكتب وإنشاء المقالات في المجلات وأسس لنفسه مجلة دينية فلسفية سماها الكمال وكانت تآليفه لأول عهده فلسفية محضة ولما زار إنكلترا سنة ١٨٤٨ ورأى أهل العالم القديم وما عندهم من آثار وأمصار تنبهت فيه القوى النفسية فوضع تأليفاً كان سبباً لأن لقّب به كارلايل أمريكا تكلم فيه على كثير من كبار الرجال ممن بلغوا مراتب الكمال على نحو ما تكلم كارلايل الإنكليزي في كتابه الأبطال وعبادة الأبطال. ومن جملة كتب اميرسون التي تأفَّقت بها شهرته كتاب سماه الخُلُق الإنكليزي درس فيه أخلاق الأمة الإنكليزية من الوجه الاجتماع والأدبي شرح فيه على أحسن طراز وألطفه وأوضح أسلوب وأنفعه الأسباب التي نجم عنها مجموع النقائص والعيوب التي يتألف منها الخُلُق البريطاني. كان اميرسون كاتباً وشاعراً وهو إلى الكتابة أميل وفيها أمتن وأرصن. منقطع القرين في سلاسة التعبير ولطف الأداء والتصوير مما كاد يبلغ به حد الإعجاز في لغته. وكان حكيماً مفكراً وأخلاقياً عظيماً. قيل إن الوحدة التي مال إليها اميرسون وسعة العيش التي أنقذته من الهموم الخارجية أتاحتا له أن يكون منه في القرن التاسع عشر رجل شبيه بمونتين في القرن السادس عشر هذا كاثوليكي وذاك بروتستانتي. فأميرسون حكيم كمونتين وشارون الحكيمين الفرنسويين وشكسبير الشاعر الحكيم الإنكليزي. ولقد أولع بدرس كتب مونتين ثم انتقل إلى الأخذ من كتب شكسبير فهو مثلها باحث من النظار وهو مثلهما في الإبداع والعمل بما في فطرته بعيد الغور حسن التعليل جيد النقد نافذ البصيرة خالص من شوائب التقليد. قال مترجموه أنه جمع جميع الأدوات التي تطلب للفلسفة ولم يتيسر له أن يحيلها إلى طريقته. ومما امتاز به نقده أحوال عصره لأن طرق الحكومات الجمهورية تهلك الفرد في سبيل الجماعة فقام اميرسون وناهض في عصره هو وكبار أرباب العلم من أهل حلقته المتشعبين بأفكار أمثال وتوروالكوت وشاننغ وفرانك سانبون وغيرهم المتكالبين على الغنى المستحلين للمطامع. وقام يقول للفرد: اعتقد بما يوحيه إليك قلبك. ورأى أن الصناعات تقضي على عالم الكمال فأنشأ يقول إن العالم لا يحيا حياة طيبة رغيدة إلا إذا نبذ الأنانية وطهّر حياته من الشهوات البدنية ليبلغ الزلفى من رب العباد براً تقياً. فاميرسون هو صاحب الفلسفة المعنوية التي تدعو إلى المعارف والآداب وقد وصفته مجلة بلاكو ماكازين بقولها: كان اميرسون من أسجع الناس خُلقاً وأوسعهم علماً وأحسنهم رأياً وأسمحهم فكراً وآلفهم بالفطرة وأخلصهم من الأوهام المائجة المتغيرة ليس له نظرية يحيد عنها ولا طريقة يصعب الأخذ بها ولا أرب في القبض على قياد أحد. يطلب للمرء أن يكون لنفسه وأن لا يعتمد إلا عليها وأن يوقرها ويحترمها على مثال كبار الرجال ممن لهم ما له وعليهم ما عليه. فإن قام اميرسون بمبدأ عام استنتج من فلسفته أو تصور أنه أتى أمراً جديداً لم يسبق إليه سابق فهو أنه دعا إلى إعادة الإنسان إلى شرفه في نظر أخيه والإهابة بالناس إلى الغيرية وزحزحتهم عن الأنانية ليكون المرء كبيراً في نفسه معتمداً عليها مستقلاً كل الاستقلال في أفكاره وأفعاله وهذه هي الشروط الحقيقية في القوة الشخصية والخير الاجتماعي. وما نرانا مخطئين لو عقلنا إن فلسفة اميرسون النظرية تتعاصى على التحليل فيقتضي حلها بحسب ما يوحي إليه وحي الوقت وأن يجع إلى حلها في مشالك المسائل المتعلقة بما وراء المادة وإذا تعاورتها بالحذف والتنقيص تُفقدها رواءها وتضيع سناها وسناءها فعليك يا هذا أن تقبلها على علاتها وتشربها على كدوراتها إذ أن حسنها إن تبقى على رسمها كما صدرت عن أبي عذرتها وهو يسير في الفلوات ويصعد الآكام والعقبات ويوغل في الحراج والغابات ويميلها بحسب ما تنزل عليه من السماء ويستنشقها من الهواء ويسمعها من حفيف الأوراق ويتناولها من أرج المروج الخضراء ويقرأوها في سطور المسايل والتيار. فإن أنت حذفت منها اضطرابها وارتخاءها وتلون صورها ولهجاتها وارتجالها ومواضع الوقف فيها تصاب بآفة وعاهة. ولذا كان علينا أن نقبل تعاليم اميرسون بالحرف بدون أن نغير منها شيئاً فهو ابن الوحدة والتأمل. شعراء النصرانية في الجاهلية عُني حضرة الأب لويس شيخو اليسوعي منذ برهة بإظهار فضل شعراء النصرانية في عهد الجاهلية وهو نعم العمل لو توخى في ذلك صراح الحق واتبع سنن التاريخ المسنون نقلاً ورواية. إلا أنه حفظه الله قد أخذ على نفسه أمراً هو في غاية الصعوبة والعنت ألا وهو تنصير بعض شعراء الجاهلية ممن لم يكن لهم من النصرانية حظ. فلا غرو أنه يعد هذا العمل من قبيل تنصير من كان على الضلال مبتغياً بذلك القربى والزلفى من رب العباد واكتساب الأجر والثواب في الدنيا والمآب. غير أنك لقد أسمعت لو ناديت حياً ولكن لا حياة لمن تنادي ويا ليته وقف عند هذا الحد وكأنه لم يجترئ بذلك فأخذ الآن بحل قيد من تقيد بدين وإجباره على النصرانية قبل أم أبى. كما فعل هذه السنة بالسموأل إذ أجبره وهو بين الأموات على إنكار دينه وانتحال النصرانية له. فلا جرم لو أمكن للموتى أن ينطقوا لكان أول نطق السموأل إنكار هذه الفعلة الشنعاء وهذا القهر المنكر: وإذا سألتني متى فعل حضرة الأب هذا الفعل؟ قلنا: فعل ذلك عند عثوره على قصيدة تُنسب إلى صاحب الأبلق الفرد (المشرق ٩ : ٤٨٢ و ٦٧٤ ) وقد زاد عليها بعض النصارى بيتاً أو بعض أبيات لإيهام القارئ أنه كان على النصرانية. وهذا ما حدا الأب إلى أن يقول في (المشرق ٩ : ٦٧٥ ). نشكر حضرة مراسلنا الذي أطلعنا على روايات هذه القصيدة. وكنا وددنا لو زادنا علماً عن النسخة التي أخذ عنها لتعريف قدمها وخواصها. وإن كان البيت الأخير صحيحاً صدق ظننا السابق بأن السموأل نصراني لا يهودي لاسيما أن أصله من بني غسان وبنو غسان نصارى اه قلنا: نقلنا كلام الأب برمته ليطع عليه القارئ الحكم العدل ويعرف قوة براهينه وحججه. أما قوله: إن كان البيت الأخير صحيحاً صدق ظننا السابق بأن السموأل نصراني. قلنا: ونحن نقول مثله غير أنه لسوء الحظ خطته يدٌ أثيمة فحطته هذا المحط ومن هذا يظهر أن الناظم النصراني الكاذب لم يراع انتقال الرموز شيئاً بعد شيء لتنتهي إلى ظهور المسيح بل هجم على الموضوع دفعةً هجوم الذئب الجائع فوقع على فريسته وفراها بأنيابه إلا أن الغير وقعوا عليهما أيضاً فأظهروا خيانته. وأما قول الأب: ولاسيما أن أصله من بني غسان وبنو غسان نصارى فهو قول لا يسلم به المطلعون على أخبار العرب في عهد الجاهلية. لأن من غسان من كان على دين دهما العرب وهي الوثنية ومنهم من دان باليهودية وطائفة كانت على النصرانية فكيف يقول بعد ذلك: إن غسان كانت نصارى. أما أن فريقاً منهم كان يدين بالوثنية فهو أشهر من أن يذكر فهذا الحارث الأكبر ابن أبي شمر الغساني الملقب بالأعرج وهو الذي اشتهر ملكه في أيام القياصرة فإنه كان وثنياً قحاً ويتضح ذلك منه أنه: أهدى سيفيه المعروف أحدهما باسم رسوب والآخر باسم مخذم لبيت الصنم (عن الطبري ١ : ١٧٠٦ ) وبيت الصنم المذكور هو بيت مناة لأن غسان كانت تعبد هذا الصنم (عن معجم ياقوت في مادة مناة). وزد على ذلك أن تلبية غسان عند وقوفها عند صنمها كانت هذه: لبيك رب غسان. راجلها والفرسان (تعن تاريخ اليعقوبي ١ : ٢٩٧ ). وهذا سطيح الكاهن المشهور فإنه كان غسانياً إلا أنه لم يكن نصرانياً وإن كان خال نصراني من أهل الحيرة. فهل بعد كلام هؤلاء الأئمة الأفاضل مندوحة للإيهام والإبهام؟ - نعم أن حضرته إذا أراد أن يزكي نصرانية شاعر برأ ساحته من كل ما يمكن أن يقع على ثياب دينه أدنى غبار إلا أن ذلك كله إذا فات على عقول بعض القراء فلا يفوت على عقول الأدباء لأنه لا يشفي فيهم علة كما لا يروي منهم غلة. أما أن اليهودية كانت في غسان فهذا بين من دين السموأل فإنه ليس من كاتب أو أديب أو مؤرخ أو لغوي ذكر دين السموأل إلا وقال عنه أنه يهودي المذهب فهذا الطبري وابن الأثير وابن خلدون والمسعودي وأبو الفداء واليعقوبي وابن رسته ونحوهم هم لسان واحد لإثبات هذه الحقيقة الراهنة التي هي على زُبية من سيل الوهم والخطأ. لا بل أن حضرة الأب نفسه يقول بذلك في مجاني الأدب ٣ : ٣١٣ في الحاشية فكيف انثنى اليوم عن رأيه؟ - وهذا وأن اليعقوبي يقول بصريح العبارة ٢٩٨ وتهود قوم من غسان وهو يقول أيضاً في ص ٢٩٩ أن النصرانية كانت أيضاً في غسان. ومن ثم فقول من يقول إن اليهودية كانت في غسان كما أن النصرانية والوثنية كانتا فيها فهو بعيد عن سهام الملام. هذا من جهة السموأل وإلا فإن حضرته قد نصر أيضاً غير هذا من الشعراء ما قد اذخر له أجراً مذكوراً لا يفنى ولا يزول إذ لا تمد اللصوص إليه يدها كما أن السوس لا يتعرض له. من ذل أنه نصر في الجزء الأول من كتابه شعراء النصرانية هؤلاء الواردة إليك أسماؤهم مرتبة على حروف المعجم: الأخنس بن شهاب. الأعشى بن قيس. الأفوه الأودي. أفنون. امرؤ القيس وأعمامه. أمية بن أبي الصلت. بسطام بن قيس الشيباني. جساس بن مرة. جليلة. جحدر بن ضبيعة. الحارث بن حلزة. الحارث بن عباد. الخرنق أخت طرفة. سعد بن مالك البكري. السفاح التغلبي. سويد بن أبي كاهل اليشكري. طرفة. عبد يغوث. عمرو بن قميئة. عمرو بن كلثوم. عميرة بن جُعيل التغلبي. الفند الزماني كليب. وائل بن ربيعة. المتلمس. المثقب الفندي. المرقش الأصغر. المرقش الأكبر. المسيب بن علس. المنخل اليشكري. المهلهل أخو كليب. ونصر في الجزء الثاني: الأسود بن يعفر. ذا الإصبع العدواني. أوس بن حجر. الحصين بن حمام. دريد بن الصمة. الذبياني. الربيع بن زياد. زهير بن أبي سلمى المزني. زيد بن عمرو بن نُفيل. سلامة بن جندل. عبيد بن الأبرص الأسدي. عروة بن الورد. علقمة الفحل. عنترة العبسي. كعب بن سعد الغنوي. ولعلك تظن أن عمله المبرور يقف عند حد تنصير الأفراد فأربع على ظلعك فقد نصر أيضاً عدة قبائل وبطون مما يدل على غيرته. فعنده كندة ومذحج وطيء وتغلب وقضاعة وإيان وبكر وتميم ومزينة وأسد وكنانة وعدوان وذبيان وغني وهوزان وعبس كلهم نصارى لا غير ولا غرو أنهم تلقوا الإيمان القويم عنه عند قدومه إلى العالم وإسماعه إياهم صوته وهم في القبور. على انك لو وقفت على سر دعائه هؤلاء الأقوام إلى دين عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام لاستغرقت في النوم والأحلام إلا أني لا أريد أن أطلعك بنفسي على هذا السر الغريب بل أجتزئ بأن أورد لك بعض الشواهد لتقف أنت بنفسك عليه بدون أن أبوح لك به ليكون كل الفضل لك. قال مثلاً في المشرق ٧ : ٦٢٠ قال طخيم بن الطخماء يمدح بني تميم: وإني وإن كانوا نصارى أحبهم ويرتاح قلبي نحوهم ويتوق اه قلت: إن الكلمات التي قدمها على هذا البيت وصدّره بها يوهم أن تميماً كلها كانت نصارى. والحال أن الحق هو على غير هذا الوجه فإن الشاعر مدح بعضاً من تميم. قال في الكامل ١ : ٢٦ (من الطبعة المصرية) ما هذا حرفه: قال أبو العباس: ومن سهل الشعر وحسنه قول طخيم بن أبي الطخماء الأسدي يمدح قوماً من أهل الحيرة من بني امرئ القيس بن زيد مناة بن تميم. ثم من رهط عدي بن زيد العبادي: كأن لم يكن يومٌ بزورة صالحٌ وبالقصر ظلٌّ دائمٌ وصديقُ بنو السمط والحدّاء كل سميدع له في العروق الصالحات عروقُ وإني وأن كانوا نصارى أحبهم ويرتاح قلبي نحوهم ويتوقُ اهـ المقصود من إيراده. وعلى هذا الوجه أيضاً جاء النظم المذكور في معجم ياقوت في مادة زورة ٢ : ٩٥٧ فكيف صير إذاً جميع بني تميم نصارى وفيهم الوثنيون والمجوس واليهود والثنوية والنصارى إلى غير ذلك من الأديان؟ فلا جرم أن حضرة الأب واهمٌ في قوله هذا بل موهم! ومن غريب أمره أنه من بعد أن نصَّر تميمياً قال بعد صفحات من قوله المذكور في بني تميم كلاماً هذا نصه بحرفه: وعلى ظننا أن الذين هجوا بني حنيفة لأكلهم ربهم وقت المجاعة إنما أرادوا القربان الأقدس. كان بنو حنيفة النصارى يتناولونه فظن الشاعر أن ذلك لجوعهم قال بعضهم: أكلت حنيفة ربها زمن التقحُّم والمجاعه لم يحذروا من ربهم سوء العقوبة والتباعه وقال آخر: أكلت ربَّها حنيفةُ من جو عٍ قديمٍ بها ومن أعواز (اه عن المشرق ٧ : ٦٢٢ ) قلنا: إن الذين هجوا بني حنيفة هذا الهجو كانوا من تميم (عن الآثار الباقية ص ٢١٠ ) فإذا كان الأب يزعم أن بني تميم كانوا نصارى وكان بنو حنيفة أيضاً نصارى فكيف يُعيّر الواحد الآخر بشيء هو فيه؟ أما تحرير الرواية فهو أن بعض بني حنيفة (لا كلهم) كانوا نصارى وهم الذين كانوا يكونون في رُصافة هشام المعروفة باسم الزوراء وإلا فإن سائر بني حنيفة كانوا على أديان مختلفة حسب البلاد التي كانوا يكونون فيها. والذين أشار إليهم الشاعر هم الذين كانوا قد اتخذوا صنماً من حَيْس (والحيس تمر يخلط بسمن وأقط فيُعجن ويُدلك شديداً حتى يمتزج ثم يُندر منه نواه وربما جُعل فيه سويق. ولم يكن من الخبز قط). قال في الآثار الباقية ص ٢١٠ : كان بنو حنيفة قبل مُسيلمة اتخذوا في الجاهلة صنماً من حيس فعبدوه دهراً. ثم أصابتهم مجاعة فقال رجل من بني تميم: أكلت ربها. البيت. وقال آخر: أكلت حنيف. البيت. فأين هذا مما ذهب إليه حضرة الأب؟ فلا جرم أنه واهمٌ بل موهِم. وقال حضرته في المشرق ٧ : ٦٢١ وكان المنتصرون من أهل الجاهلية يعبدون الصليب كما دل عليهم بعضهم في هجو بني عجل وكانوا نصارى: تهدّدني عجلٌ وما خلت أنني خلاةٌ لعجل والصليب لها بعلُ اهـ قلنا: ولم يكن بنو عجل كلهم نصارى بل بعض منهم. وإلا فإن أغلبهم كانوا على الوثنية دين دهما العرب لا النصرانية كما يريد الأب أن يوهمه. إذ بنو عجل كانوا من بكر بن وائل ووجود الوثنية في بطون بكر أمرٌ لا يحتاج إلى إيضاح. وقال أيضاً في المشرق ٧ : ٦٢٤ وقال الزبرقان بن بدر: نحن الكرام فلا حيٌّ يعادلنا منا القروم وفينا تنصب البِيَعُ اه فأدخل وهمين في هذا الكلام. أولاً جعل الزبرقان من النصارى كما أوضح ذلك ببين العبارة في شرح المجاني ص ١٣٥ إذ قال: كان (الزبرقان) في الجاهلية سيداً يدين بالنصرانية وهو القائل: نحن الملوك فلا حيّ يقاومنا فينا العلاء وفينا تنصب البيع وفد مع بني تميم على نبي المسلمين سنة ٩ هـ / ٦٣١ م بنو تميم وأجازهم محمد اه المقصود من إيراده. والحال أن الزبرقان لم يكن هنيهةً من الزمان نصرانياً فلو سلمنا له أن رواية البيت وفينا تنصب البيع صحيحة لكان لفظ البيع هنا جمع بيعة بكسر الأول مثل الحلبة والركبة للنوع والهيئة. والمراد مبايعة الملوك وطاعتهم والمعاقدة على ولائهم والمعاهدة عليه كأن كل واحد منهما باع ما عنده من صاحبه وأعطاه خالصة نفسه وطاعته ودخيلة أمره. ومحصل معنى البيت على هذا هو: نحن الملوك والكرام أو القروم وفي شأننا تجري عقود البيعة لا مستحق لها غيرنا. وهذا معنى يلائم ما قبله وما بعده ويمتزج معهما امتزاج الماء بالراح لا أن البيع جمع بيعة وهي كنيسة اليهود أو النصارى على ما ذكره أهل اللغة فإنه مع عدم ملائمته للكلام منافٍ لما صرح به أهل المقالات ومن تكلم على أديان العرب. والدليل إذا طرقه الاحتمال بطل به الاستدلال. على أن للبيت رواية ثانية ذكرها صاحب الأغاني ٤ : ٨ وهي: نحن الملوك فلا حي يقاربنا من الملوك وفينا يؤخذ الربع وفي زاد المعاد وقد ذكر القصة مفصلة في الصفحة ٤٥٢ من الجزء الثاني رواية ثالثة وهي: نحن الكرام فلا حي يعادلنا منا الملوك وفينا يُنصب السبُعُ وفسر السبع أنه يوم عيد من أعياد الجاهلية. فكيف يقول إن الزبرقان نصرانياً وأي كاتب من الكتبة الأقدمين أو المحدثين يقول بهذا القول الفج والبراهين متضافرة ومتكاتفة ومتساندة على كونه خالياً من دين عيسى بن مريم. والوهم الثاني الذي حاول إدخاله في العقول هو تأييد بني تميم أنهم كانوا كلهم على النصرانية. وهو يزعم ذلك في جميع ما يكتبه فقد قال في المشرق ٧ : ٦١٨ اشتهرت (عدة قبائل) بالنصرانية قبل الهجرة كتغلب وتميم وكندة اه. فنحن نقول: إنه لم يوجد في عهد الجاهلية قبيلة واحدة كان يدين جميع أفرادها بالنصرانية لا كندة ولا تميم ولا بكر ولا تغلب لا بل ولا غسان فإن هذه القبائل كانت أحياء وبطوناً تعبد الأصنام أو كانت على غير النصرانية فقد بينا لك ما كانت عليه غسان من اختلاف الأديان. وهذه تغلب المشهورة بكونها نصرانية فإنها لم تكن كذلك في عهد الجاهلية. أما كون بعضها كان يعبد الأصنام فهذا ما لا ريب فيه. قال ياقوت في معجمه في مادة أوال ( ١ : ٣٩٥ ) أوال اسم لصنم كان لبكر بن وائل وتغلب بن وائل اه. وكانت تغلب من ربيعة وكانت تلبية ربيعة عند وقوفها عند صنمها هذه: لبيك ربنا لبيك. لبيك إن قصدنا إليك. وبعضهم يقول: لبيك عن ربيعة. لربها مطيعة. اه عن تاريخ اليعقوبي ١ : ٢٩٦ ولم تكن التغالبة ممن كانوا يعبدون الأصنام عبادة بدون أن يعتقدوا بصحتها ولذا تراهم يحلفون بها. ومن ذلك كلام جساس حينما سأله أبوه مرة بعد قتله لكليب: ما وراءك يا بني؟ قال: طعنت طعنة لتشغلن شيوخ وائل رقصاً. قال: أقتلت كليباً؟ قال. إي وأنصاب وائل وأي قتل. (عن كتاب شعراء الجاهلية ١ : ١٥٥ ) وبهذا المعنى حلف أيضاً المهلهل أخو كليب وكان وثنياً إذ قال: كلا وأنصاب لنا عاديّة معبودةٍ قد قطعت تقطيعا قال صاحب الضياء مفنداً حضرة الأب لويس شيخو وقد أجاد: الأنصاب: الأصنام أو كل ما عبد دون الله وفسرها جامع الكتاب بأنها كانت حجارة ينصبونها في الجاهلية ويهل عليها ويذبح لغير الله تعالى. قال: وبقي منها بعضها بعد تنصر ربيعة وكان الجهال من العرب يعبدونها. اه. وكأنه ظن أن هذا القول يثبت نصرانية المهلهل ويخرجه من الذين كانوا يعبدون هذه الأنصاب مع أن الرجل يحلف بها ويصرح بأنها معبودة ولا يعقل أن أحداً يحلف بمعبود غيره إذا كان يعتقده باطلاً. وزد على ذلك أنه يقول: وأنصاب لنا بضمير المتكلمين فجعل نفسه في جملة أصحاب تلك الأنصاب ووصفها بالعادية أي القديمة إثباتاً لرسوخ عبادتها في قومه وأن هذه العبادات انتهت إليه عن أسلافه الأولين. ولكن الظاهر أن حضرة الأب كلما عثر على من شك في دينه أو جهل أمره عده نصرانياً تكثراً بالباطل وتبجحاً بما ليس وراءه طائل اه (الضياء ٥ : ٢١٨ ) ثم أيجهل حضرة الأب أن من التغالبة من اتبع سجاح بنت الحارث بن سويد بن عقفان المتنبئة فليراجع الطبري ١ : ١٩١١ ير أنهم تركوا التنصر مع رئيسهم الهذيل بن عمران وانضووا إليها. وعليه فلك تكن كل تغلب نصارى. الباقي للآتي بغداد أحد القراء تسامح العظماء تابع ما قبله اتصل ثابت بن قرة الحراني بالمعتضد وأدخله في جملة المنجمين وأقطعه ضياعاً جميلة وكان يجلسه بين يديه كثيراً بحضرة الخاص والعام ويكون بدر الأمير قائماً والوزير وهو جالس بين يدي الخليفة. قال أبو إسحاق الصابي وهو ممن حظي عند الأمراء أيضاً: إن ثابتاً كان يمشي مع المعتضد في الفردوس وهو بستان في دار الخليفة للرياضة وكان المعتضد قد اتكأ على يد ثابت وهما يتماشيان ثم نثر المعتضد يده من يد ثابت بشدة ففزع ثابت فإن المعتضد كان مهيباً جداً فلما نثر يده من يد ثابت قال له: يا أبا الحسن وكان في الخلوات يكنيه وفي الملأ يسميه سهوت ووضعت يدي على يدك واستندت عليها وليس هكذا يجب أن يكون فإن العلماء يعلون ولا يُعلون. وكان سنان بن ثابت بن قرة في خدمة المقتدر بالله والقاهر وخدم أيضاً بصناعة الطب الراضي بالله. وكان ابنه ثابت بن سنان بن ثابت بن قرة في خدمة الراضي بالله أيضاً وخدم بصناعة الطب المتقي بن المقتدر بالله والمستكفي بالله والمطيع لله. واتصل أبو الحسن الحراني ثابت بن إبراهيم بن زهرون بعضد الدولة وكان له منه الجاري السني. وكان غالب طبيب المعتضد بالله وكان أولاً عند الموفق طلحة بن المتوكل وارتضع سائر أولاد المتوكل من لبن أولاد غالب فكان يسر بهم فلما تمكن الموفق من الأمر أقطعه ونوله وأغناه وكان لم مثل الوالد وعالج الموفق من سهم كان أصابه في ثندوته وبرأ فأعطاه مالاً كثيراً وأقطعه وخلع عليه لغلمانه من أراد إكرامي فليكرمه وليصل غالباً فوجه إليه مسرور بعشرة آلاف دينار ومائة ثوب ووجه إليه سائر الغلمان مثل ذلك وصار إليه مال عظيم ولما قبض على صاد وعبدون أخذ لعبدون عدة غلمان نصارى مماليك فمن أسلم منهم أجري له رزق وترك ومن لم يسلم منهم بعثه إلى غالب وكان عدد من أنفذ إليه سبعين غلاماً أزمة وغيرها فلما ورد عليهم معهم رسول من قبل الحاجب قال غالب: أي شيء أعمل بهؤلاء؟ وركب من وقته إلى الموفق فقال: هؤلاء يستغرقون مال ضيعتي مع رزقي. فضحك الموفق وتقدم إلى إسماعيل زيادة في إقطاعه الحرسيات وكانت ضياعاً جليلة تغل سبعة آلاف دينار وأوعدها له بخمسين ألف درهم في السنة وبعد الموفق طلحة خدم لولده المعتضد بالله أبي العباس أحمد وكان مكيناً عنده حظياً في أيامه وكان المعتضد يحسن الظن به ويعتمد على مداواته. وخدم أبو عثمان سعيد بن غالب المعتضد بالله بصناعة الطب وحظي عنده وكان كثير الإحسان إليه والأنعام عليه. وعوّل الملوك على صاعد بن بشر في العلاج ولطالما حصل له مال عظيم وحشمه الخليفة ووزيره وزكاه وقدمه على جميع من كان في زمانه. وكذلك ديلم داود بن ديلم خدم هذا المعتضد بالله في الطب وخصّ به فكانت التوقيعات تخرج بخط ابن ديلم لمحله منه ومكانته وكان يتردد إلى دور المعتضد وله منه الإحسان الكثير والأنعام الوافر. ومنهم أبو عثمان سعيد بن يعقوب الدمشقي كان منقطعاً إلى الوزير علي بن عيسى. ومنهم عيسى طبيب القاهر كان عمدته ويركن إليه ويفضي إليه بأسراره. وكان إسحاق بن شليطا خادماً بالطب للمطيع لله. وفنون المتطبب كان يختص بخدمة بختيار ويكرمه ويعده أمراً عظيماً. ونظيف القس الرومي استخدمه عضد الدولة في البيمارستان الذي أنشأه ببغداد وخلع عليه خلعاً سنية. وكذلك أبو غالب بن صفية تقدم في زمن المستنجد بالله والمستضيء بأمر الله. وكذلك أمير الدولة ن التلميذ من رجال المستضيء بأمر الله وبلغت به الأنفة والغنى أنه كان لا يقبل عطية إلا من خليفة أو سلطان، مدحه السيد النقيب الكامل بن الشريف الجليل والشريف أبو يعلى محمد بن الهبارية العباسي بقصيدتين غراوين وذكر أفضاله وكماله كما مدح الشريف الرضي أبا إسحاق الصابي كثيراً وكان بينهما مودة أكيدة. وكذلك مدحه الطغرائي وابن جكينا وغيرهما كما مدح الشريف ابن الهبارية أبا الفرج يحيى بن صاعد بن التلميذ من أسرة أمير الدولة وكان له جماعة من الأنساب كل منهم متعلق بالفضائل والآداب. ومنهم أوحد الزمان أبو البركات هبة الله بن علي بن ملكا البلدي اليهودي كان في خدمة المستنجد بالله. ومنهم أبو الخير المسيحي طبيب الناصر لدين الله. وابن نصر بن المسيحي حظية أيضاً أمره هذا الخليفة عقيب برئه من مرض على يده أن يدخل دار الضرب ويحمل من الذهب مهما قدر أن يحمله ففعل به ذلك ثم أتته الخلع والدنانير من أم الخليفة ومن ولديه الأميرين محمد وعلي والوزير نصير الدين أبي الحسن بن مهدي العلوي الرازي ومن سائر كبار الأمراء بالدولة فحصل من العين الدنانير عشرين ألف دينار ومن الثياب والخلع جملة وافرة وألزم الخدمة وفرضت له الجامكية السنية والراتب والإقامة. وكان أبو الفرج صاعد بن هبة الله بن توما طبيب نجم الدولة أبي اليمن نجاح الشرابي وارتقت به الحال إلى أن صار وزيره وكاتبه ثم دخل إلى الناصر وكان يشارك من يحضر من أطبائه في أوقات أمراضه ثم حظي عنده الحظوة التامة وسلم إليه عدة جهات يخدم بها وكان بين يديه فيها عدة دواوين وكتّاب قال ابن القفطي: إنه كان بمنزلة الوزراء واستوثقه الناصر على حفظ أموال خواصه وكان يودعها عنده ويرسله في أمور خفية إلى وزرائه ويظهر له في كل وقت. وخدم أبو الحسين صاعد بن هبة الله بن المؤمل المسيحي بالدار العزيزة الناصرية الإمامية وتقرب قرباً كثيراً. وكسب بخدمته وصحبته الأموال وكانت له الحرمة الوافرة والجاه العظيم. ووصل أبو الحسن بن سوار المعروف بابن الخمار بالطب إلى أن أقبل له محمود الملك الأرض وكان الملك محمود عظيماً جداً. وتقدم أبو سهل المسيحي عند سلطان خراسان. وأجرى الرشيد على منكه الهندي رزقاً واسعاً وأموالاً كافية. وخدم إسحاق بن سليمان الإسرائيلي الإمام أبا محمد عبيد الله المهدي صاحب أفريقيا بصناعة الطب. وكان يحيى بن إسحاق الطبيب في صدر الدولة عبد الرحمن الناصر لدين الله الأندلسي واستوزره وولي الولايات والعمالات وكان قائد بطليموس زماناً وكان له من الناصر محل كبير كان ينزله منزلة الثقة ويتطلع على الكرائم والخدم. وهارون بن موسى الأشبوني خدم الناصر والمستنصر بصناعة الطب وإسحاق بن قسطار من أحبار اليهود خدم بالطب الموفق مجاهداً العامري وابنه إقبال الدولة علياً. وحسداي بن إسحاق من أحبار اليهود أيضاً خدم بالطب الحكم بن عبد الرحمن الناصر لدين الله. وكان ابن بكلارش يهودياً من أكابر علماء الأندلس في صناعة الطب وخدم بها بني هود. وحظي بليطيان الطبيب بطريرك الإسكندرية على النصارى الملكية في أيام الرشيد ووهب له مالاً كثيراً وكتب له منشوراً في كل كنيسة في يد اليعقوبية مما أخذوها وتغلبوا عليها أن ترد إليه فرجع بليطيان إلى مصر واسترد من اليعقوبية كنائس كثيرة. وخدم إبراهيم بن عيسى بالطب الأمير احمد بن طولون وكذلك سعيد بن توفيل. وكان إسحاق بن إبراهيم بن نسطاس في خدمة الحاكم بأمر الله ويعتمد عليه في الطب. وكان موسى بن العازار في خدمة المعز لدين الله العلوي وكان في خدمته أيضاً ابنه إسحاق بن موسى المتطبب وكان جليل القدر عند المعز ومتولياً أمره واغتم المعز لموت إسحاق لموضعه منه ولكفايته وجعل موضعه أخاه إسماعيل بن موسى وابنه يعقوب بن إسحاق. وكان أبو الفتح منصور بن سهلان بن مقشر طبيب الحاكم بأمر الله ومن الخواص عنده وكان العزيز أيضاً يستطبه ويرى له ويحترمه وكان متقدماً في الدولة الفاطمية. وكان الحقير النافع من أطباء الحاكم الخاص وكان ابن مقشر مكيناً في الدولة الفاطمية حظياً عند الحاكم بلغ منه أعلى المنازل وأسناها وكان له منه الصلات الكثيرة والعطايا العظيمة ولما مرض ابن المقشر عاده الحاكم بنفسه وأطلق لمخلفيه مالاً وافراً. وخدم أفرائيم بن الزفان الخلفاء الذين كان في زمانهم بمصر وحصل من جهتهم من الأموال والنعم شيئاً كثيراً. وكان ابن جميع الإسرائيلي من أطباء الملك الناصر صلاح الدين وحظي في أيامه وكان رفيع المنزلة عنده عالي القدر نافذ الأمر يعتمد عليه في صناعة الطب. وخدم أبو البيان بن المدور الخلفاء المصريين في آخر دولتهم ثم خدمة صلاح الدين يوسف وكان يرى له ويعتمد على معالجته وله منه الجامكية الكثيرة والافتقاد المتوفر وتعطل في آخر عمره من الكبر والضعف فأطلق له الناصر في كل شهر أربعة وعشرين ديناراً مصرية تصل إليه ويكون ملازماً لبيته ولا يكلفه خدمة وبقي على تلك الحال وجامكيته تصل إليه نحو عشرين سنة. وكان الرئيس بن هبة الله الإسرائيلي من خدمة الخلفاء المصريين بالطب وكانت له منهم الجامكية الوافرة والصلات المتوالية. وخدم الموفق بن شوعة الإسرائيلي الملك الناصر بالطب لما كان بمصر وعلت منزلته عنده. وممن حظي في أيام هذا أيضاً وأيام أخيه الملك العادل أبي بكر بن أيوب أبو المعالي بن تمام اليهودي. وكان السلطان صلاح الدين أيضاً يرى لأبي عمران الرئيس موسى الإسرائيلي ويستطبه وكذلك ولده الأفضل علي وهو الذي يمدحه القاضي السعيد بن سناء الملك بقوله: أر طب جالينوس للجسم وحده وطب أبي عمران للعقل والجسم فلو أنه طب الزمان بعلمه لأبراه من داء الجهالة بالعلم ولو كان بدر التم من يستطبه لتم له ما يدعيه من التم وداواه يوم التم من كلف به وأبرأه يوم السرار من السقم وكان إبراهيم بن الرئيس موسى في خدمة الملك الكامل محمد بن أبي بكر بن أيوب. وكان أبو سليمان داود بن أبي المنى بن أبي فانة الطبيب حظياً عند خلفا مصر. وكذلك ابنه أبو سعيد بن أبي سليمان جعله الملك العادل في خدمة ولده الملك المعظم وأكرمه غاية الإكرام وأمر أن لا يدخل قلعة من قلاعه إلا راكباً مع صحة جسمه فكان يدخل في قلاعه الأربعة كذلك وهي قلعة الكرك وقلعة جعبر وقلعة الرها وقلعة دمشق. وخدم أبو سعيد بالطب أيضاً الملك الناصر والملك العادل. وكان أبو شاكر بن أبي سليمان مكيناً عند السلاطين جعله الملك العادل في خدمة ولده الملك الكامل فبقي في خدمته وحظي عنده الحظوة العظيمة وتمكن عنده التمكين الكثير ونال في دولته حظاً عظيماً وكان له من إقطاعات ضياع وغيرها ولم يزل يفتقده بالهبات الوافرة وكان الملك العادل يعتمد عليه وكان يدخل في دميع قلاعه وهو راكب. وكان أبو الفضل بن أبي سليمان طبيباً للملك المعظم في الكرك ثم خدم الملك الكامل. وكان عيسى الرقي المعروف بالتفليسي في خدمة سيف الدولة بن حمدان يأخذ أربعة أرزاق رزقاً بسبب الطب ورزقاً بسبب النقل ورزقين بسبب غلمين آخرين. وأنعم صلاح الدين على سكرة الحلبي المتطبب وخلع عليه وأقطعه أراضي مؤبدةً. وخدم موفق الدين بن المطران بالطب الملك الناصر صلاح الدين وحظي في أيامه وكان رفيع المنزلة عنده عظيم الجاه. وكان يتحجب عنده ويقضي أشغال الناس ونال من جهته من المال مبلغاً كثيراً قال أبو الظاهر إسماعيل وكان يعرف ابن المطران ويأنس به: إن العجب والتكبر الذي كان يغلب على ابن المطران لم يكن على شيء منه في أوقات طلبه العلم وقال إنه كان يراه في الأوقات التي يشتغل فيها بالنحو في الجامع يأتي إذا تفرغ من دار السلطان وهو في ركبة حفلة وحواليه جماعة كثيرة من المماليك الترك وغيرهم فإذا قرب من الجامع ترجل وأخذ الكتاب الذي يشتغل فيه في يده أو تحت إبطه ولم يترك أحداً من العلماء يصحبه ولا يزال ماشياً والكتاب معه إلى حلقة الشيخ الذي يقرأ عليه فيسلم عليه ويقعد بين الجماعة وهو بكيس ولطف إلى أن يفرغ من القراءة ويعود إلى ما كان عليه ثم أنه أسلم فزوجه صلاح الدين إحدى حظايا داره وترقت حاله عند سلطانه إلى أن كاد يكون وزيراً وحصلت له أموال جمة من أمراء الدولة في حال مباشرته لهم في أمراضهم وتنافسوا في العطاء له. وممن خدم صلاح الدين أيضاً بالطب أبو منصور النصراني وأبو النجم النصراني وأبو الفرج النصراني وخدم هذا الملك الأفضل نور الدين علي بن صلاح الدين ثم صار أولاده خدمة أولاد الملك الأفضل. وخدم أبو الحجاج يوسف الإسرائيلي بالطب الملك الظاهر غازي بن الملك الناصر صلاح الدين وكان يعتمد عليه وخدم أيضاً الأمير فارس الدين ميمون القصري. وكان عمران الإسرائيلي حظياً عند الملوك واعتمدوا عليه ونال من جهتهم الأموال الجسيمة والنعم التي تفوق الوصف ولم يخدم أحداً من الملوك في الصحبة ولا يقيد معهم في السفر وحرص به الملك العادل بأن يستخدمه في الصحبة فما فعل وكذلك غيره من الملوك. وكان موفق الدين يعقوب المسيحي خدم الملك المعظم عيسى وصار معه في الصحبة وكان حسن الاعتقاد فيه حتى انه كان يعتمد عليه في كثير من الآراء الطبية وغيرها فينتفع بها ويحمد عواقبها وقصد الملك المعظم أن يوليه بعض تدبير دولته والنظر في ذلك فما فعل واقتصر على مداومة صناعة الطب فقط وكان قد عرض للحكيم يعقوب في رجليه نقرس وكان يثور به في أوقات يألم بسببه وتعسر عليه الحركة فكان الملك المعظم يستصحبه في أسفاره معه في محفة ويفتقده ويكرمه غاية الإكرام وله منه الجامكية السنية والإحسان الوافر. وخدم صدقة السامري بالطب الملك الأشرف موسى بن الملك العادل أبي بكر بن أيوب وبقي معه سنين كثيرة في الشرق وكان يحترمه غاية الاحترام ويكرمه كل الإكرام ويعتمد عليه وله منه الجامكية الوافرة والصلات المتواترة. وكان مهذب الدين يوسف بن أبي سعيد السامري شمس الحكماء في خدمة الملك الناصر صلاح الدين وخدم أيضاً لعز الدين فرخشاه بن شاهان شاه بن أيوب وخدم بعده لولده الملك الأمجد مجد الدين بهرام شاه وحظي في أيامه من جهته من الأموال والنعم شيئاً كثيراً وكان يستشيره في أموره ويعتمد عليه في أحواله. هكذا كان عظماء الإسلام يعاملون أهل ذمتهم من نصراني ويهودي وسامري ومجوسي. يبوحون لهم بأسرارهم ويطلعونهم على خويصة أنفسهم ويوسدون إليهم مهمات أمورهم ويأمنونهم على حرمهم وأرواحهم ويغدقون عليهم هباتهم وإحساناتهم ويرفعون منزلتهم ومكانتهم لا ينظرون في ذلك إلى نحلة ولا مذهب ولا يعتدون بمخالف ولا بموافق بل يتبدرون الكفاءات ويختارون الأصلح والأنسب وقد قابل أولئك المقربون ساداتهم بصنوف الأمانة وخدموهم فأحسنوا خدمتهم وقلما خان منهم إلا بعض أفراد فسدت فطرهم واختلت عقولهم وأحلامهم وضلوا عن سواء السبيل. حكم وخواطر من ترك شغله للوكلاء ضاع عليه النصف إذا ربح ودفع من ماله الضعف إذا خسر ما احتاج إنسان مداجاة أعدائه إلا من فسولة أصدقائه. كما لا ترجو صداقة الكذاب فلا ترج صداقة الجبان لأن الكذب والجبن أخوان أبوهما الضعف. أدلُّ الدلائل على حماقة المرء جمع الضدين على بغضه والصادق الحكيم يجمع الأضداد على حبه. أكثر ما تكون المواعظ كالخزف الصيني في البيوت تحفظ ولا تستعمل خمود الهمم عند اشتعال اللمم إنما آثر الناس العدو العاقل لا لأنه لا يضر بل لأنه أبلغ في الضرر وأخف في الألم فهو كالسيف الماضي يقطع ولا يؤلم أما العدو الجاهل فهو سيف كليل لا يقط الرقاب ولا يريح من العذاب لا يقد على احتمال رفعة الأدنياء إلا الفيلسوف الذي تساوت عنده الأشياء يظن الكريم قليل الأنانية والحال انه أشد حباً لنفسه حيث آثرها على المال، ويظن اللئيم محباً لذاته والحال أنه عدوٌّ نفسه إذ أسقطها في مساوئ الأعمال، وأن سموأل الوفاء أشد إثرة من كل إنكليزي على وجه الأرض لأنه سمح بحياة ابنه لأجل حياة اسمه. إذا حاف الإنسان غائلة عدو متكبر أنامه بمورفين التقريظ لا تظنن محالاً عداوة محب مهما اشتد كلفه ولا محبة عدو مهما تناهى شنانه فإن الزوجين يكونان جسماً واحداً ويقع بينهما الطلاق وإن في مخازن الغيوب ما لا يخطر على القلوب إن لم تلن دمامل الفت بمراهم المراحم لم ينجح فيها إلا المبضع الصارم لكن لا خير في عنف لم يتقدمه لطف يتقى الخراب الكبير بالاضطراب الصغير وكلاهما من البلاء كما يتقى المرض الثقيل بالتقليح الخفيف وكلاهما من العياء العقل بلا قلب نورٌ بلا حرارة لذة الخيال أقوى من لذة الواقع لذلك المجاز أوقع من الحقيقة القليل من الخبيث يفسد الكثير من الطيب كما أن المتر المكعب من الآجن يفسد ذوق مائة مثله من العذب الفرات. قوة الإرادة من قوة الكهرباء لأنه متى امتلأت الإرادة جذبت المقاصد البعيدة بدون سلك ظاهر. إذا تلبدت غيوم الغموم لم ينشرها مثل تموجات الهواء، بألحان الغناء الطبيعة مثال، والشاعر مصور، وأحسن الشعراء توليداً، أجودهم للطبيعة تقليداً. يكاد الشعراء يكونون صوفية لأن المعنى واحد والصور مختلفات كما أن الوجود واحد والتعدد للجهات من دلائل أن الحياة خيال لذة الإنسان بالأماني وأن علمها كواذب، ولهوه بالتصورات ولو كانت محالات، وبكاؤه بالدموع في قراء قصصٍ موضوع لا تخالن المستغرق في فن قاصر نظره عليه أبصر به من سواه ممن ينظر في متعدد الأمور لأن تنوع الموضوعات في ذهن الإنسان يوسع دائرة العقل ويسدد مرامي الحكم. ينبغي أن تدقق في اختيار صديقك كما تدقق في اختيار امرأتك إذ كما يجب للناس أن يتخيروا لنطفهم كذلك يجب أن يتخيروا لمروءاتهم خير للمرء أن يكون خصياً من أن يلد عاقاً عصياً لا يبرد على الأكباد شيء كزكاء ثمراتها التقبيل ضريبة الحسن، والمشورة ضريبة الذكاء، والجود ضريبة اليسار، والنجدة ضريبة البأس، ولا يمنع الضرائب إلا العاصي على الله والناس إذا أوصيت بامرئ ولم يرجع إليك فاعلم أن حاجته قد انقضت لأن أكثر المراجعة يقع استنجازاً للحاجة ونادراً يقع شكراً على النعمة كذب الكبير يسمى سياسة يستدل بسيادة الغرباء في بلاد على انحلال العصبية أكثر مما يستدل بها على الأخلاق الرضية المملكة جسم والأجنبي ميكروب ولا يرعى الميكروب من الجسم إلا مواطن الضعف. قلوب العشاق أقدم من تلغراف ماركوني العصر الجديد هو عصر الحديد والغناء الأقوى بالغثاء الأحوى (الفحم الحجري) لو ردّ الناس كلام الكذابين بحذافيره لالتزموا الصدق وإنما روّج بضاعة الإفك أنه مهما اشتهر به الإنسان فلا يزال يلصق منه بالأذهان. خير لمن لم يصب طهور العلم أن يتيمم بالتقليد ما أجد العائلة بنقطة كم وجه أبيض منه بلا أزرق وفرع أسود منه موت أحمر أكثر الناس استعداداً لعداوتك من قام من تحت سلطتك لأنه يريد أن يقوم بقدر ما نام ولأن سواد الليالي متعادل مع بياض الأيام. قد لا يكون الإمام تقياً وتصح الصلاة إذا راعت الجماعة وشرها وقد لا يكون الوالي عادلاً وتمشي العدالة إذا عرفت الرعية قوانينها. الحسد نار في الفؤاد يبردها بعضهم بالتنقص ويلقي عليه اسم الانتقاد الوالي الظالم خائن للسلطان في أمانته فجزاؤه جزاء الخائنين جهنم بالعز أطيب منزل أبلغ بيت إلا في مقام الهوى قد تذهب الحقوق ضحية الخلابة وقد تأكل المتاع نار الذرابة وقد تختفي الحقائق بين هدرات الشقائق ولكن ذو البصر يميز بين الغث والسمين ودريفوس يتبرأ ولو بعد سنين. من كان مرمى نقده الإصلاح العام لم يخف ذلك من أسلوبه والناس أكيس من أن لا يفرقوا بين الحاسد والناصح احذر من هو دونك في العداوة أكثر من حذرك ممن هو كفؤك لأن الكفؤ يأنف أن يقاتلك إلا بسلاحك ولا يأخذك غيلة أما الدون فإنه يأخذك كيفما استطاع ولا يرى في ذلك غضاضة كانت الفتوحات أولاً بالسيف فصارت اليوم بالدين فهي لا تزال بين الأحمرين لا تجتاز عقبة بدون جهد سواء النازل فيها والطالع متى ثارت القبائل وهاج هائج التعصب على الأجانب فاعلم أن في تلك الجهة معدناً أعجب المهندسين أو أن شركة تألف لاستثمار بعض الأرضين أجدر المصابين بالشماتة قومٌ لم يزالوا يتحاملون على ولاتهم العقلاء حتى ابتلاهم الله بولاية المجانين إذا اهتدى الغول إلى معارف الإفرنج فالصين قد صين لابد من يوم أسود بين الأصفر والأبيض السياسة في أيامنا هي فوق الديانة لأنه إذا تعارض العقل والنقل أول النقل حتى يطابق العقل أما السياسة فلا تقبل التأويل أياً كان مصادمها العالم شعر قرأت وما غير الطبيعة من سفر صحائف تحوي كل فن من الشعر أرى غرر الأشعار تبدو نضيدةً على صفحات الكون سطراً على سطر وما حادثات الدهر إلا قصائد يفوه بها للسامعين فم الدهر وما المرء إلا بيت شعر عروضه مصائب لكن ضربه حفرة القبر تنظّمنا الأيام شعراً وإنما ترد المنايا ما نظمن إلى النثر فمنّا طويل مسهب بحر عمره ومنّا قصير البحر مختصر العمر وهذا مديح صيغ من أطيب الثنا وذاك هجاء صيغ من منطق هُجر * * * ورب نيام في المقابر زرتهم بمنهلّ دمع لا ينهنه بالزجر وقفت على الأجداث وقفة عاشق بقفراء يدعو دراس الطلل القفر فما سال فيض الدمع حتى قرنته إلى زفرات قد تصاعدن من صدري أسكان بطن الأرض هلا ذكرتم عهوداً مضت منكم وأنتم على الظهر رضيتم بأكفان البلى حللاً لكم وكنتم أولي الديباج والحلل الحمر وقد كنتم تؤذي الحشايا جنوبكم فكيف رقدتم والجنوب على العفر ألا يا قبوراً زرتها غير عارف بها ساكن الصحراء من ساكن القصر لقد حار فكري في ذويك وأنه ليحتار في مثوى ذويك أولو الفكر فقلت وللأجداث كفي مشيرة ألا إن هذا الشعر من أفجع الشعر * * * وليل غُدا في الجناحين بتّه أسامر في ظلمائه واقع النسر وأقلع من سفن الخيال مراسياً فتجري من الظلماء في لجج خضر أرى القبة الزرقاء فوقي كأنها رواق من الديباج رصّع بالدر ولولا خروق في الدجى من نجومه قبضت على الظلماء بالأنمل العشر خليلي ما أبهى وأبهج في الرؤى نجوماً بأجواز الدجى لم تزل تسري إذا ما نجوم الغرب ليلاً تغورت بدت أنجم في الشرق أخرى على الإثر تجولت من حسن الكواكب في الدجى وقبح ظلام الليل في العرف والنكر إلى أن رأيت الليل ولت جنوده على الدعم يقفو أثرها الصبح بالشقر فيا لك من ليل قرأت بوجهه نظيم البها في نثر أنجمه الزُّهر وقلت وطرفي شاخص لنجومه ألا إن هذا الشعر من أحسن الشعر * * * ويوم به استيقظت من هجعة الكرى وقد قدَّ درع الليل صمصامة الفجر فأطربني والديك مشجٍ صياحه ترنم عصفور يزقزق في وكر ومما ازدهى نفسي وزاد ارتياحها هبوب نسيم سَجْسَج طيّب النشر فقمت وقام الناس كلٌّ لشأنه كأنّا حجيج البيت في ساعة النفر وقد طلعت شمس النهار كأنها مليك من الأضواء في عسكر مجر بدت من وراء الأفق ترفل للعلى رويداً رويداً في غلائلها الحمر غدت ترسل الأنوار حتى كأنها تسيل على وجه الثرى ذائب التبر إلى أن جلت في نورها رونق الضحى صقيلاً وفي بحر الفضاء غدت تجري وأهدت حياة في الشعاع جديدة إلى حيوان الأرض والنبت والزهر فقلت مشيراً نحوها بحفاوة ألا إن هذا الشعر من أبدع الشعر * * * وبيضة خدر أن دعت نازح الهوى أجاب ألا لبيكِ يا بيضة الخدر من اللاء يملكن القلوب بكلمة ويحيين ميت الوجد بالنظر الشزر تهادت تريني البدر محدقةً بها أوانس أحداق الكواكب بالبدر قلله ما قد هجن لي من صبابة ألف بها طيّ الضلوع على الجمر تصافح إحداهن في المشي ترابها فنحر إلى نحر وخصر إلى خصر مررت وقد أقصرت خطوي تأدباً وأجمعت أمري في محافظة الصبر فطأطأنَ للتسليم منهن أرؤسا عليها أكاليل ضفرن من الشعر فألقيت كفي فوق صدري مسلّما وأطرقت نحو الأرض منحني الظهر وأرسلت قلبي خلفهن مشيّعا فراح ولم يرجع إلى حيث لا أدري وقلت وكفي نحوهن مشيرة ألا أن هذا الشعر من أجل الشعر * * * ومائدة نسْجُ الدمقس غطاؤها بمجلس شبان هم أنجم العصر رقى من أعاليها الفنغراف منبراً محاطاً بأصحاب غطارفة غُر وفي وسط النادي سراج منور فتسحبه بدراً وهم هالة البدر فراح بإذن العلم يُنطق مقولاً عرفنا به أن البيان من السحر فطوراً خطيباً يحزن القلب وعظه وطوراً يسرّ السمع بالعزف والزمر يفوه فصيحاً باللُّغا وهو أبكم ويسمع ألحان الغنا وهو ذو وقر أمين أبى التدليس في القول حاكياً فتسمعه يروي الحديث كما يجري تراه إذا لقنته القول حافظاً تمر الليالي وهو منه على ذُكر فيا لك من صنع به كل عاقل أقر لآديسون بالفضل والفخر فقلت وقد تمت شقائق هدره ألا إن هذا الشعر من أعجب الشعر * * * وأصيد مأثور المكارم في الورى يريك إذا يلقاك وجه فتى حر يروح ويغدو في طيالسة الغنى ويقضي حقوق المجد من ماله الوفر تخونه ريب الزمان فأولعت بأخلاقها ديباجتيه يد الفقر فأصبح في طرق التصعلك حائراً يجول من الإملاق في سَمَلٍ طمر كأن لم يرح في موكب العز راكباً عتاق المذاكي مالك النهى والأمر ولم تزدحم صيد الرجال ببابه ولم يغمر العافين بالنائل الغمر فظلَّ كئيب النفس ينظر للغنى بعين مقلّ كان في عيشة المثري إلى أن قضى في علة العدم نحبه فجهزه من مالهم طالبو الأجر فرحتُ ولم يحفل بتشييع نعشه أشيعه في حامليه إلى القبر وقلت وأيدي الناس تحثو ترابه ألا أن هذا الشعر من أحزن الشعر * * * ونائحة تبكي الغداة وحيدها بشجو وقد نالته ظلماً يد القهر عزاه إلى إحدى الجنايات حاكم عليه قضى بطلاً بها وهو لا يدري فويل له من حاكم صُبَّ قلبه من الجور مطبوعاً على قالب الغدر من الروم أما وجهه فمشوّه وقاح وأما قلبه فمن الصخر أضرَّ بعف الذيل حتى أمضَّه ولم يلتفت منه إلى واضح العذر تخطفه في مخلب الجور غيلةً فزجًّ به من مظلم السجن في القعر تنوء به الأقياد إن رام نهضة فيشكو الأذى والدمع من عينه يجري تناديه والسجان يكثر زجرها عجوز له من خلف عالية الجُدْر بُنيَّ أظن السجن مسَّك ضره بُنيَّ بنفسي حلَّ ما بك من ضر بنيَّ استعن بالصبر ما أنت جانياً وهل يخذل الله البريء من الوزر فجئت أعاطيها العزاء وادمعي كأدمعها تنهلّ مني على النحر وقلت وقد جاشت غوارب عبرتي ألا إن هذا الشعر من أقتل الشعر الشرق في الغرب من مقالة للمسيو لوسين بوفا في مجلة العالم الإسلامي عني أهل المجر وهم من أصل آسياوي وبلادهم على أبواب الشرق بالمباحث الشرقية عناية كبرى على ما هو مأثور عنهم من التوفر على خدمة العلم. ومازالوا منذ قرون كثيرة جيران شعب مسلم يتحدون معه في الأصل وإن اختلفوا في الفروع ويتكلمون لغة تكاد تشبه لغته ولذلك رأوا من الواجب عليهم أن يتمحضوا لدراسة الموضوعات الإسلامية. قام منذ سبعين سنة رجل عالم غيور منهم اسمه كوسما كوروس فزار آسيا ليبحث فيها عن أصل الأمة المجرية. وتاريخ حياة هذا الرجل يشبه تاريخ أرمنيوس فمبري في كثير من أدواره. لم ير كوروس حرجاً في دخول دير للبوذيين في بلاد التُّبَّت بضفة كاهن رجاء الوقوف على أحوال شعوب آسيا الوسطى ولم يتحرج من الأخذ عن علماء بوذيين. ثم قام فمبري الذي طاف آسيا الوسطى لابساً ثياب درويش والأستاذ غولدسير الذي طلب العلم في الأزهر. وكان من أعمال هؤلاء الرجال أكبر مجد لأمتهم في خلال القرن التاسع عشر. وما برح علماء المجر يقصدون الهند الواحد تلو الآخر يبحثون في علومها وتاريخها وأديانها ومنهم اليوم أورل ستين نزيل آسيا الوسطى الذي عرفت الحكومة الإنكليزية أن تنتفع من مباحثه في شماليا لهند وبلوجستان وأتى بفوائد جمة. ومما لا مشاحّة فيه أن رؤساء هذه المباحث اليوم في بلاد المجر هما الأستاذان فمبري وغولدسير من أساتذة كلية بودابست وقد اختص الأول بتعلم اللغة التركية حتى أتقنها إتقانه للغته وخدمها أجل خدمة وانصرف الثاني إلى دراسة العربية واللغات السامية. ولد فمبري سنة ١٨٣١ أو ١٨٣٢ من أسرة يهودية فقيرة في بلاد المجر في قرية سان جيورجين وبعد أن تلقن مبادئ التعليم في قريته أخذ في تعلم العبرية والدين ثم انتقل إلى مدرسة برتستانتية فتعلم فيها اللغة المجرية واللاتينية ومنها دخل مدرسة أخرى رومية ثم مدرسة كاثوليكية. ولما أتم دروسه كان قد أتى على آخر ما يملك من الدراهم فاضطرته الحال إلى أن يعلم أطفالاً براتب ١٥٠ فلورينياً عند أسرة إسرائيلية في بلدة مارينتال وانتقل بعد إلى التدريس براتب أكثر في بيت أسرة في قرية كوتيفو من أعمال سلافونيا فترك مقامه في هذه القرية أجمل أثر في نفسه لأنه تجلى له فيها السبيل يتحتم عليه سلوكه في حياته العلمية. ففيها عقد العزم على أن يكون عالماً باللغات وفيها شرع لأول أمره بتعلم التركية وبالنظر في المباحث التي أطارت شهرته في العلم وفيها درس التركية والفرنسية والإنكليزية والإيطالية والإسبانية والدانيمريكية والسويدية. وإذ رأى أن ينصرف إلى البحث في أحوال الشرق نزل عاصمة فينا يستنصح العالم دي هامير الذي نشطه على ما هو آخذ نفسه في سبيله فذهب إلى بودابست يتعلم فيها العربية والفارسية. وقضت عليه الحاجة في هذه المدينة أيضاً أن يكون مؤَدِباً ليسد بما يناله من الجر بعض حاجته ولما كانت نفسه تنزع به إلى رؤية الشرق لم يعتم عندما اقتصد ١٢٠ فلوريناً أن سافر إلى الأستانة. وصف فمبري هذه العاصمة عقيب حرب القريم سنة ١٨٥٧ فقال إن شُذّاذ الآفاق كانوا ينهالون عليها من كل صوب وأوب والعثمانيون لا يكادون يعبئون بكل وارد عليهم بيد أنهم تلقوا المترجَم بالعطف وعاملوه بالإحسان فكان لما بلغ الأستانة لا يملك إلا دريهمات وصادف صعوبات جمة لأول أمره لكنه تمكن من التغلب عليها بمساعدة أحد مواطنيه ممن انخرطوا في خدمة الدولة العثمانية وأعني به القائد كمتي الذي دُعي بعد باسم إسماعيل باشا فسعى له هذا بوظيفة معلم عند أسرة في بك أوغلي ومن ذاك الحين دخل على ناظر الخارجي رفعت باشا بصفة أستاذ وأخذ فمبري يتشبه بالعثمانيين في أطواره ومناحيه عملاً بنصائح وطنيه إسماعيل باشا ومجاراةً له فدعا نفسه رشيد أفندي وأخذ يتعرف إلى أهل الطبقة العليا ي الأستانة على ذاك العهد ويختلط بهم ويعاشرهم. وفي خلال ذلك أيضاً بدأ يشتغل في الصحافة فعين مراسلاً لإحدى الجرائد الألمانية الكبرى. أصبح فمبري أفندياً بحتاً لا ينقص عن أدباء الأستانة في معرفة اللغة التركية وآدابها. ولكنه لم يقنع بما حصل له من ذلك بل طمحت به نفسه إلى زيارة آسيا الوسطى وهي البلاد التي قام منها الأتراك وهاجموا أوروبا ليتيسر له أن يسمع اللغة التركية الأصلية في موطنها تلك اللغة التي لطُفَت فكانت منها اللغة العثمانية اليوم. وكانت الصعوبات التي تحول دون هذه الأمنية كثيرة إلا أن الأستاذ فمبري لم يبال بالمصاعب. وغادر الأستانة بمساعدة المجمع العلمي الذي عينه عضواً مراسلاً ليرحل رحلة كانت فيها شهرته وبعد صيته. فاكتسى ثياب مسلم واجتاز آسيا الصغرى ودخل فارس فعره العامة من ثيابه بأنه سني وراحوا يطيلون إليه يد الأذى. وبعد شق النفس بلغ طهران ونال من ناظر خارجيتها إذ ذاك المرزا سيد خان جوازاً بمتابعة سيره. ذكر المترجم به ما لقيه من رحلته هذه من المتاعب فإنه طاف بلاد فارس متنكراً في ثياب درويش وكاد يكشف أمره ويعرف أنه ليس من أهل الإسلام ولكنه نجا ولم تدرك حقيقته. ثم التحق بجماعة من الحجاج فرافقهم إلى خيوه وبخارى ولقي من سفره هذا نصباً لم يكن أقل مما لقيه في مبدأ رحلته وبعد سنة عاد إلى طهران فطلبته روسيا أن يكون موظفاً عندها فأبى وعاد إلى بودابست سنة ١٨٦٤ . وبعد أن قضى فيها مدة طُلب إلى إنكلترا بإلحاح شديد فذهب إليها واستقبل فيها بالحفاوة. وقد نشر فيها رحلته هذه بالإنكليزية فلم تلبث أن ترجمت إلى لغات أوروبا واشتهر أمرها وكانت الحكومة الإنكليزية تود كثيراً أن تجعل في جملة رجالها رجلاً كالأستاذ فمبري يعرف الشرق معرفة حقيقية ليكون منه لها أحسن خدمة ولكن العالم المجري آثر أن يعود إلى وطنه على شدة حبه لإنكلترا. وعند عودته عين أستاذاً لكلية بودابست فكان فيها أول أستاذ غير كاثوليكي. وهنا انتهى تاريخ جهاد هذا الرجل وقد دام ثلاثاً وثلاثين سنة من حياته. وذكر فمبري في الفصول الأخيرة من رحلته كيف زار إنكلترا وفرنسا ولقي فيهما الملوك والأمراء وأعاظم العلماء ورأى منهم الحفاوة وأورد في فلصين اجتماعه بالسلطان عبد الحميد خان صديقه القديم والتقاءه بشاهي الفرس الأخيرين. وما أحلى الصفحة التي ذكر فيها كيفية اجتماع ناصر الدين شاه به لما اجتاز هذا مدينة بودابست في رحلته إلى أوروبا ودهشته لما رأى في المجمع العلمي المجري ذاك الدرويش الذي كان لقيه في طهران منذ بضعة عقود من السنين. كتب فمبري في العلم والسياسة وكل ما خطته يمينه نافع خطير. فقد ابتدأ يعمل في الصحافة بعد بلوغه الأستانة بقليل من الزمن ومن ذاك العهد لم يفتأ يؤازر في عدة مجلات إنكليزية وأمريكية وألمانية وفرنسية. والسنُّ لم توقفه عن نشاطه ولا عاقت حركته عن الانبعاث فإنا نراه إلى اليوم يتناول الموضوعات المختلفة بالهمة المعهودة فيه فبينا تراه يبحث في اللغات وعلمها إذا هو يبحث في الآداب فأصول الشعوب فالتاريخ فالسياسة فالأحوال الاجتماعية. أما أغناس عولدسير المشار إليه فهو من أعاظم العلماء بالعربية في قارة أوروبا. ولد سنة ١٨٥٠ فتخرج بأرمنيوس فمبري الموما إليه ثم قضى أربع سنين في كليات برلين ولبزيك وليد. وفي الثالثة والعشرين من عمره عهدت إليه حكومته بمهمة فسافر إلى سورية ومصر وقيد نفسه في طلبة الجماع الأزهر ولما عاد إلى بلاده عين أستاذاً في كلية بودابست وعضواً في المجمع العلمي المجري رصيفاً لأستاذه. ولغولدسير القدح المعلَّى في علم أصول اللغات السامية وأصل اللغة العربية خاصة وهو بحر طامٍ في تاريخ الإسلام. وهنا عدد الكاتب بعض أعمال هذين الرجلين في العلم وذكر جانباً من مصنفاتهما وعقب عليهما بذكر بعض كبار علماء المشرقيات من المجر ومنهم من خص بتعلم التركية ومنهم الأخصائيون بالعربية وكلهم يخدمون الآداب الشرقية حق الخدمة. ففي قسم الفلسفة من كلية بودابست صفان للغة التركية وآدابها ولأصل اللغة الفارسية وفي القسم الديني منها صف للعربية والسريانية والكلدانية. وليس لتعليم اللغات الشرقية في بلاد النمسا والمجر غير كليتي بودابست وفيينا. وللأبحاث العلمية في المجر موارد غنية تساعد القائمين بها على البحث والتنقيب. منها المجمع العلمي المجري الذي جعل في زمرة أعضائه أناساً من المستشرقين أمثال فمبري وغولدسير وزيشي. ومنها جمعية علم خصوصيات الشعوب المجرية التي أنشأت فرعاً شرقياً خدم الأبحاث الإسلامية أجلَّ خدمة سواءٌ كان بعلم أحوال الأمم وأصولهم وأخلاقهم وتفرقهم (ايتنولوجيا وايتنوغرافيا) أو بعلم اللغات والأدب والآثار والتاريخ والجغرافيا. وفي سنة ١٩٠٤ أنشأ المجمع الدولي الآسياوي جمعية مجرية للبحث التاريخ والأثري واللغوي وأصول الأمم في آسيا الوسطى والشرق الأقصى. وهذه الجمعية تبحث بحثاً علمياً في بلاد الأورال وتتفرغ ما عدا البحث في أخلاق الأمم وتفرقهم للأبحاث المتعلقة بأمم الأورال الالتاييكية كما تبحث في حالة البلاد التي ينزلها غير هؤلاء الشعوب وتعيين هذه الجمعية فئة من علماء المجر تكون لهم صلة مع سائر الجمعيات والعلماء من الأمم الغربية وتنفق على من يرحل الرحلات العلمية وتتفق مع سائرا لجمعيات العلمية في المجر ليكون العلم بينهن مشتركاً ولاسيما فيما يتعلق بالآثار والعاديات. وتوزع الإعانة السنوية التي تعطيها نظارة الأديان والمعارف في المجر ثلاثة أثلاث. ثلث على المجلة التي هي لسان حال الجمعية والتي تنشر أعمال الأعضاء ومباحثهم. والثلثان الآخران يوزعان بالسوية على الفروع التي تريد الجمعية مساعدتها ولاسيما فرع اللغة والبحث في أصول الشعوب والآثار والتاريخ. وتعين نظارة الأديان والمعارف هؤلاء الأعضاء إلى أربع سنين فإذا أتموا هذه المدة يقدمون لائحة بمن يرشحونهم بعدهم لتقر النظارة عليهم وقد انتخب للرئاسة هذه المرة الأستاذ فمبري. وفي جانب هذه الجمعيات العلمية الصرفة جمعيات اقتصادية لا تقل عنها فائدة. فإن المتحف التجاري الإمبراطوري المجري في بودابست أسس سنة ١٨٨٧ وهو من المباني الفخيمة ويعد رسمياً تجارياً ونصب له وكلاء في جميع أرجاء بلاد البلقان كما له وكلاء في الإسكندرية وتونس. وقد أسس هذا المتحف فأدرك لأول عهد تأسيسه ضرورة التعليم الابتدائي لإعداد بعض النشء للتجارة مع الشرق فأنشأ سنة ١٨٩١ صفاً للتجارة الشرقية وهو الذي أصبح اليوم مجمعاً علمياً للتجارة ثم أعيد تنظيمه سنة ١٨٩٨ - ١٨٩٩ فنتجت منه أحسن النتائج. أما التعليم ال ١ ي شرعه هذا المجمع العلمي فيتناول عدة أبحاث ومعارف يدرسها المتعلم في سنتين وهي عملية حقيقية لا نظرية خيالية. وأهمها تعلم اللغات الشرقية ولغات بلاد البلقان خاصة والعلوم التجارية والقنصلية وعدة مواد أخرى. وعلى كل طالب أن يتعلم سنتين اللغات الشرقية وهي الرومانية والصربية والبلغارية والتركية والرومية الحديثة والعربية العامية والروسية. وأن يتعلم المراسلات التجارية والكلمات الاصطلاحية في التجارة والقضاء وأن يتعلم من اللغات الأوروبية الإيطالية والفرنسية ومن العلوم جغرافية الشرق ولاسيما بلاد البلقان وآسيا الصغرى وعلم أصول أممها وأخلاقهم وعلم التجارة والجمارك والحقوق العمومية والإدارية وقوانين التجارة وطريقة الاعتمادات. وهناك صفوف لتعلمي اللغات الشرقية تقام في المساء. وقد خصص المجمع العلمي مبلغاً من المال ليستعين به بعضهم على التعلم وحذا حذوه في هذا السبيل بعض أرباب الخير وغيرهم. ثم رأت هذه الجمعيات العلمية أنه لا غنية لها عن صحيفة تكون لسان حالها وسجل أبحاثها وتحقيقاتها فأنشأت مجلة شرقية تكتب بجميع لغات أوروبا وتباع بثمن بخس تُعنى بالمباحث الأورالية الالتاييكية سمتها كليتي زميل وبعلم خصوصيات الشعوب وتنشر مقالات عن الأمم الشرقية النازلة بين نهري فولغا وأورال من الجنس الفينو المجري وأبحاث في العنصر التركي وتعنى عناية خاصة بنشر التقاليد القديمة أو العامية وتبحث في صلات الأمم الأورالية الالتاييكية بعضها مع بعض أو مع غيرها وتبحث في أحوال الشعوب الآسياوية ولاسيما في أصول التتار والأمم القفقاسية والإيرانية والصقلبية (السلافية) وغيرها. وقد قال العالمان اللذان عُنيا بإدارة شؤون هذه المجلة أن المجر هم زعماء العناصر الأورالية والالتاييكية وممثلو تلك الحضارة نزولا بلادهم منذ ألف سنة وظلوا محتفظين بلغتهم وهي أشبه بجزيرة خضراء في الشرق وسط بحر محيط مؤلف من سيل الشعوب الجرمانية والصقلبية على حين أن أمماً كثيرة تماثلهم كالبلغار والبشناق والخزر والكومان لم يتركوا أثراً من تاريخهم يذكر وبادت مملكتا الهونس والأفار وذهبتا ذهاب أمس الدابر. وختم الكاتب هذا الفصل بتعداد ما كتبه أولئك الأعلام من الأبحاث الممتعة وشاركهم في وضعه زمرة من علماء المشرقيات من الألمان والفرنسيس والإنكليز والروس والترك وكان للمباحث الإسلامية ولاسيما التركية منها شأن عظيم في سجل أعمالهم. دمعة بعد جناية آه حتى مَ يظل الحق غريباً فيم عاهدكِ أيتها الجمعية البشرية، إلى مَ تبقى التقية - كالجندي الجاهل العنيد - مسيطرة على الصلاح بين أفرادك، ولما يُخرج على الصدق أن يخرج بموكبه وتاجه في هذا العالم كما يحب جلاله؟ متى يا تُرى تنشط هذه الحقيقة من عقالها الأزلي وهل من أماني هذه الأرض أن ترى كهربائية الصلاح مضيئة في آفاقها قبل أن تسود الشمس؟ آه، ما أوحش الإنسان وما أقساه: يضم بين ضلوعه عواطف ملؤها الحنان والحب والحقيقة والفضيلة والعدل، وضميراً هو هو معيار الإنصاف في هذه الحياة، وشعوراً هو السيّال الأثيري الذي ملأ ذرات كل شيءٍ، نعم لقد ضمّ بين ضلوعه هذه المزايا الفاضلة وهو ربها وهو بها العالم الأصغر والنسخة الكبرى لهذه الكائنات، ولكن أين هذه القوى الملكية، أليست معه يوم يفعل فظائع الشيطان، أما هي بين ضلوعه عندما يقدم على الشر والباطل؟. . . أجل، هي لا تزال فيه، ولكنها يا للأسف والخسران قد صدأت وتولتها رطوبة البعد عن الحق وسطا عليها غُبار الرذيلة. . . كم وكم أيهذا الصلاح يبسم في العالم الإنساني القاتم بريقٌ ضئيل من ذُبالتك المعرضة لجميع الأهواء، من كل الأنحاء، فأريد أن أتبعها، فلا أجدني إلا بين الأشواك، في جانب هوّة مدهشة، يظهر منها التنين وجهنم والغول وكل خيالات الوهم ومخوفات الباطل. . . كم وكم أيهذي الحقيقة عاهدت عواطفي وضميري وكل شعوري على إخائك، على الصدق لك وعلى إهداء حياتي العزيزة علي إليك، نعم إليك فقط، إليك وحدكِ، فيضطرني هذا الوسط الأسود إلى جناية لا محيص عنها، فأفعلها وأنا شاعر باجتياح روحي إلى البكاء، فأرجع إلى نفسي، وأبكي، ثم أبكي، ثم أبكي، حتى أروي ظمئي من هذا الاختياج في حين أني عارف تمام المعرفة أن الجناية البشرية لا تبررها قطرات الدمع. وكم وكم أيهذا العدل من دمعة قطرت بيني وبين نفسي من عينيّ بعد جناية، بعد حادثة مشؤومة، فذكرت عند ذلك أنني لا أزال إنساناً وحشياً قاسياً في هذه الحياة. . . القسطنطينية محب الدين الخطيب صحف منسية قصيدة لأبي العلاء المعري أستغفر الله في أمني وأوجالي من غفلتي وتوالي سوء أعمال قالوا هرمت ولم تطرق تهامة في مشاة وفدٍ ولا ركبان أجمال فقلت إني ضرير لم يحجَّ أبي ولا ابن عمي ولم يعرف منى خالي وحجَّ عنهم قضاءً بعد ما ارتحلوا قومٌ سيقضون عني بعد ترجالي فإن يفوزوا بغفران أفُز معهم أولا فإني بنار مثلهم صالي ولا أروم نعيماً لا يكون لهم فيه نصيب وهم أهلي وأشكالي فهل أسرُّ إذا حُمَّت محاسبتي أم يقتضي الحكم تغتابي وتسآلي من لي برضوان أدعوه فيرحمني ولا أنادي مع الكفار أمثالي باتوا وحتفي أمانيهم مصورةً وبتُّ لم يخطروا مني على بال وفوّقوا لي سهاماً من سهامهم فأصبحت وُقّعاً عني بأميال فما ظنوك إذ جندي ملائكة وجندهم بين طواف وبقال لقيتهم بعصا موسى التي منعت فرعون ملكاً ونجت آل أسرال أقيم صيتي وصوم الدهر آلفه وأدمن الذكر إبكاراً بآصال عيدين أفطر في عامي إذا حضرا عيد الأضاحي يقفو عيد شوال إذا تنافست الجهال في حال رأيتني في خسيس القطن سربالي لا آكل الحيوان الدهر مأثرةً أخاف من سوء أعمالي وآمالي وأعبد الله لا أرجو مثوبته لكن تعبد إكرام وإجلال أصون ديني عن جُعل أؤمله إذا تعبد أقوام باجعال مطبوعات ومخطوطات مفردات الراغب قال الإمام الرازي إن الراغب الأصفهاني من أئمة السنة وقد قرنه بالغزالي وهو من أهل المئة الخامسة. ولم نعثر له على ترجمة حافلة على أن ما عرف من كتبه كافٍ في الدلالة على واسع علمه وكثرة تحقيقه فمن كتبه المطبوعة الذريعة إلى مكارم الشريعة وتفصيل النشأتين وهذا المفردات في غريب القرآن. طبع الكتاب الأخير وقد أعادت المطبعة الميمنية طبعه على نفقة أصحابها مصطفى أفندي الحلي وأخويه بكري أفندي وعيسى أفندي مصححاً بمعرفة الشيخ محمد الزهري الغمراوي على عدة نسخ بدار الكتب الخديوية وبعد أن تحرى أصوب الروايات في مظانها من الكتب اللغوية وضبط ألفاه بالشكل الكامل فجاء في ٥٧٦ صفحة حرياً بطالب معاني الكتاب العزيز وألفاظه أن يقتنيه وألفاظ القرآن كما قال المؤلف: هي لب كلام العرب وزبدته وواسطته وكرائمه وعليها اعتماد الفقهاء والحكماء في أحكامهم وحكمهم وإليها مفزع حذاق الشعراء والبلغاء في نظمهم ونثرهم وما عداها وعدا الألفاظ المتفرعات عنها والمشتقات منها هو بالإضافة إليها كالقشور والنوى بالإضافة إلى أطايب الثمرة وكالحثالة والتبين بالإضافة إلى لُبوب الحنطة. والكتاب يباع في مكتبة طابعيه بشارع التبليطة بالغورية وهو في اعتقادنا يغني الطالب عن الرجوع إلى التفاسير إذا أراد كشف المعاني من الألفاظ اللغوية فنثني على طابعيه بما هم أهله فإنهم أحيوا بمطبعتهم كثيراً من كتب السلف التي كان يعز وجودها وحبذا يوم يعيدون طبع جميع ما طبعوه ولاسيما الأمهات بالحروف الجديدة اللطيفة ليكون أدعى للإقبال وأحسن للمطالعين على كل حال. محاورات المصلح والمقلد هي مقالات نشرت في المجلد الثالث والرابع من مجلة المنار الإسلامية الغراء ويليها فتاوي نشرت في المجلد السادس منه موضوعها الاجتهاد والتقليد وكليات الدين الإسلامي لمنشئها السيد محمد رشيد رضا المعروف بعلمه وعمله وقد شرح فيها بأسلوبه الرصين المحكم كثيراً من أدواء المسلمين ولاسيما المقلدين منهم والجامدين وزيف ترهات الممخرقين ومعتقدات الحشوية المبطلين فأفاد وأجاد أثابه الله وهي تقع في ١٤٠ صفحة مطبوعة طبعاً نظيفاً وتطلب من مكتبة المنار بخمسة قروش فنحث كل طالب ومتعلم على اقتنائها. الهداية إلى فرائض القلوب هو الباب الأول من كتاب التوحيد تأليف الرئيس بَحية بن يوسف اليهودي الأندلسي نشره الدكتور إبراهيم سالم المقدسي وقد أراد أن يجعله تمهيداً لتأليف تام من كتاب الهداية للدائن (أي قاضي اليهود) الأندلسي المشهور بابن بحية. ولقد كان لليهود شأن في الفلسفة العربية يعرفه حق معرفته كل من درس الحضارة الإسلامية. فللميموني كتاب دلالة الحائرين ولسعدية كتاب الإيمانات والاعتقادات ولسليمان بن جبيرول كتاب إصلاح الأخلاق وقد طبعت أكثر مصنفاتهم في أوروبا وترجم أكثرها إلى الفرنسية أو الألمانية أما ابن بحية مؤلف هذا الكتاب فلم يترجم حتى الآن إلى لغة من لغات الغرب ولذلك كان في عمل الدكتور المشار إليه أحسن مقدمة تدل على فضله. وإنا لنرجو أن يوفق إلى نشر ما ينوي تأليفه من مجاميع مسلسلة في فلاسفة اليهود الذين كتبوا بالعربية في القرون الوسطى على عهد ارتقاء الأندلس. ي. د فصول الحكماء هي رسالة في مئة صفحة صغيرة تأليف سماحة محمد أبي الهدى أفندي الصيادي جمع فيها تراجم حكماء اليونان والإسلام وشيئاً من حكمهم وعقب عليها بتراجم بعض مشايخ الطريق والتصوف وأورد شيئاً من إشارتهم وعباراتهم وقابل بينها وبين كلام الحكماء. مقامة الأمثال السائرة - طبع عبد القادر باشا الخضيري من بغداد هذه المقامات لمؤلفها الشيخ عبد الله السويدي البغدادي المتوفى سنة ١١٧٤ ضمنها الأمثال السائرة القديمة المولدة المعروفة على طريقة التسجيع والترصيع التي كانت مألوفة في عصره. وفي ذيلها مقامة للشيخ عبد الرحمن الأنصاري وهي مسجعة أيضاً. سير العلم مضار الغبار حدث في منجم فحم ببلاد الإنكليز سنة ١٨٤٤ أن التهب التهاباً شديداً فقضى على كثيرين من المعدّنين. وقد دعي عالمان للبحث في سبب هذا الالتهاب فذهبا إلى أنه ناتج من الغاز المتجمع على سطح الغبار في المنجم ونصحا بالتوقي من هذا الغبار فثبت أن الغبار المتراكم كيف كان حاله يخشى من التهابه ولاسيما غبار الدقيق والسناج (الشحار) والسكر والقطن وغيره من المواد التي يضر مسها كما يضر مسّ الديناميت. وكل معامل القطن التي لا تعنى بإزالة هذا الغبار من حيطانها يحترق ويلتهب إذا أصابته حرارة وكذلك مطاحن الدقيق والأمثلة على ذلك كثيرة كما روت المجلة الباريزية. وكانت بعض المعامل تكتفي برفع هذا الغبار وتروّحه وقد اخترع أحدهم آلة تفصل الغبار المتجمع وتقذفه بقوة شديدة إلى مقر هذه الآلة فتتكون منه مادة تستعمل في تغذية الماشية وأدخلت تحسينات كثيرة على هذه الآلة وأخذوا في أمريكا يجعلون استعمالها ضربة لازب على كل محل يتصاعد الغابر منه مخافة أن يعلق بها شيء من اللهيب عن بعد فتلتهب وتضر بالمكان والمكين. البناء في أمريكا أخذ القوم في نيويورك يمتدون في الهواء بمبانيهم فإنهم أقاموا فيها ١٩ مسكناً يكون مجموع ما فيها من الطبقات نيفاً وأربعمائة طبقة ويكثر نوع هذه البنايات في الغالب في جزيرة مانهاتان والبنايات ذات الست والثلاثين طبقة كثيرة جداً وتستعمل الأدوات الرافعة بقوة الماء أو الكهرباء لطلوع السكان ونزولهم وإذا دامت الحال على هذا المنوال في سكنى العلالي بل الأعالي فسيكون للحياة في أمريكا بعد حين شأن غير شأنها الحاضر فيقضي الرجل في مسكنه معظم ساعات نهاره لا يكلم الناس إلا بالتلفون ولا ينزل إلا إذا رأى حاجة ماسة لنزوله وقد ظهر أن الأعمال لم تتعطل بذلك عن سيرها وأنها ما دامت تتزايد. شقاء العلماء هربرت سبنسر هو أكبر عالم إنكليزي قام في القرن التاسع عشر وقد نشرت مفكراته عن حياته فإذا بها يصف نفسه قبل أن يموت بأشهر صورة تحزن ولكنها تعلّم. قال: إنه أصيب في السنة الخامسة والثلاثين من عمره بضعف في قواه عقيب اشتغاله الأشغال العقلية الطويلة الصعبة ومذ ذاك أصيب بالأرق الدائم وفي السبعين من عمره لم يعد يستطيع أن يعمل سوى ساعة في النهار متقطعة يراوح بينها وبين أعمال أخرى فلا يعمل كل مرة أكثر من عشر دقائق. وقبل أن يموت بعشرين سنة عدل عن تناول طعامه في المدينة وأصبح إذا سمع الأنغام الموسيقية خمس دقائق وكانت من قبل تستهويه وتشوقه أو لعب بالنرد أو غيرها من الألعاب بضع دقائق يمرض أياماً وكاد لا يستطيع القراءة ولا يستطيع أن يمشي زيادة عن ثلثمائة متر ولا أن يتنزه أكثر من عشر دقائق في عربة ذات آلة مفرغة للهواء. ولما اهتدى إلى مذهب النشوء لم يكن يهنأ له بال إلا بوضعه وشرحه. وعاش وقلبه لا يعرف حباً غير حب الحقيقة. قال والعزوبة كانت بعد كل ذلك هي أليق بي بل هي أليق بالمرأة التي لا أعرفها والتي لم أتزوجها. قالت المجلة التي نروي عنها وهكذا حياة كبار الرجال وخصوصاً كبار العاملين المجاهدين منهم ما كانت قط عذبة المذاق. والمجد في الغالب لا ينال إلا إذا بذل فيه كل ما عزّ وهان. اللغة الإنكليزية اللغة الإنكليزية أكثر اللغات ألفاظاً فقد قدروا مؤخراً عدد ألفاظها بثلثمائة وخمسين ألف لفظة هذا وشكسبير الشاعر الإنكليزي لم يستعمل من هذه الألفاظ سوى ستة عشرة ألفاً وميلتون الشاعر المشهور أيضاً لم يؤثر عنه أنه استعمل أكثر من ثمانية آلاف لفظة. ويستخدم الإنكليزي المتوسط في تعليمه من ثلاثة آلاف إلى أربعة آلاف كلمة ويتأتى لمن يعرف ألف لفظة أن يحسن التخلص باستعمالها في إنكلترا وهذا غريب. فلسفة الشرق كتب إنكليزي في إحدى المجلات الهندية الإنكليزية فصلاً في العلوم التي يتيسر للغرب أن يأخذها عن الشرق فقال إن العلوم الفلسفية ينبغي أن تؤخذ عن الشرق أولاً وفي الهند ميدان فسيح أكثر من كل بلاد شرقية سبقت لها حضارة قديمة لدرس أصول اللغات ومقارنتها والديانات ووضعها على محك التنظير وأن لها في الفلسفة القدح المعلى. فالمذاهب الهندية في الفلسفة لم تأخذ شيئاً عن أفلاطون ولا أرسطو ولا القديس بولس بل إن حكماء الهند بحثوا منذ ألوف من السنين في المسائل الكبرى التي أزعجت الإنسانية كمسألة الوجود المطلق والآخرة والروح والربوبية. فعلى من يودون أن ينصرفوا إلى دراسة علم النفس وعلم ما وراء الطبيعة أن لا يباشروا هذين العلمين إلا بعد أن يتمكنوا من الوقوف على بعض ما ذهب إليه قدماء حكماء الهند في هذا الموضوع. الطلاق في أمريكا يكثر شيوع الطلاق في الولايات المتحدة سنة عن سنة وإن لم ينظر القانون في حال الأولاد الذين يولدون من المطلقات وقد غبطت إحدى المجلات الأوروبية بلاد الأمريكان على قلة الطلاق بينهم على كثر ما يقال عن شيوعه بينهم فقالت إن حدوث مئتي ألف طلاق في سنة ١٩٠٠ بأمريكا لا يعد شيئاً مذكوراً إذا قيس بأمة يبلغ عدداً نحو ثمانين مليوناً. مستقبل الاتوموبيل نشرت مجلة المجلات النيويوركية فصلاً في الأتوموبيل استندت فيه إلى ما تم له من الانتشار منذ اثنتي عشرة سنة في أمريكا فقالت أنه لم يكن فيها على ذاك العهد سوى خمسة اتوموبيلات ومنذ خمس سنين لم يكن في أمريكا إلا قليل من عجلات الأتوموبيل يقتنيها كبار المثرين للتسلية والبذخ ويقدر اليوم عدد الأتوموبيلات في أمريكا بمئة ألف أتوموبيل وقد صنع منها في السنة الماضية وحدها خمسة وعشرون ألفاً وأوصي لهذه السنة على خمسين ألفاً أخرى وهذا مما يدل على أن عجلات الأتوموبيل ستقضي على عجلات الخيول وخصوصاً متى أدخل على الأتوموبيل بعض الإصلاح. اكتشاف في سيلان - اكتشفت في جزيرة سيلان مصانع عظيمة فخيمة أقامها الملك العظيم بارا كراماباهو الذي شيد ١٤٧٨ حوضاً لخزن مياه الأمطار ليستعملها الناس. وعثر في معبد كال فيهارا على ثلاثة تماثيل ضخمة للمعبود بوذا نُحتت في حجر الصوان على أجمل شكل واكتشفت كهوف حفظ فيها تاريخ سيلان قبل المسيح وعثر فيها على كتب بوذية كتبها الكهنة على أوراق النخيل ملتصقة بعضها إلى بعض وموضوعة في ظروف من حرير لتجمع في صناديق صغيرة من خشب جعلت في مقاصير. الحياة المادية كتب أحد رجال العلم والدين مذكرات عن الولايات المتحدة قال فيها أنها أصبحت جنة أرباب الصنائع والفنون وأهل العلم راجت فيها الآداب والفنون رواجاً لم يعهد له نظير حتى أن الممثل أو المغني إذا طاف أمريكا يعود منها بثروة. فالعمل في هذه البلاد هو الحياة حقيقة أي أن كل عامل ينال حظه من سعة الرزق بقدر جده في أعماله وقد أصبح الذهب فيها الغاية الوحيدة التي يسعى إليها الناس. وبحق ما قال أحد الأمريكان: إننا نحسن العمل ولكننا لا نحسن العيش فإنا نرى الانتحار شائعاً بين أهل الطبقات الغنية أكثر من شيوعه بين أهل الطبقة الفقيرة. تلقيح الأرض رأى بعضهم منذ مدة أن يستعمل النيتراجين لإخصاب التربة وأمراعها. ثم أن أحد علماء الزراعة من الإنكليز اخترع في هذه الأيام اختراعاً آخر لتلقيح الأرض المجدبة خصوصاً إذا كانت رملية فجربت هذه المادة في عدة أصقاع من بريطانيا فأتت البقول قبل ثلاثة أسابيع من ميعادها وزاد محصولها خمسين في المائة ويكلف كل آكر (هو ٤٠ آراً ونصف والآر مئة متر مربع) شليناً وحاداً فيأخذ الفلاح ثلاث رزم يكون في الأولى كمية من الأملاح المعدنية وفي الثانية ذرور وفي الثالثة فوسفات النشادر ويجعلها في إناء كبير يملأه ماء ويجعل مسافة ٢٤ ساعة بين وضع كل رزمة ثم يجعل هذا المحلول مع البذور فتبتل بها أو يمزجها بتراب ويذرها على الأرض أو يرش بهاذ المحلول أديم الأرض المزروعة. النوام هو مرض النوم الذي شاع كثيراً في أفريقية الشرقية وهلك به نحو مئة ألف نسمة في بضع سنين وقد انتدب للنظر فيه الدكتور كوخ الألماني ونش الآن تقريره عنه فقال إنه حقن المصابين به بمادة الأتوكسيل المؤلفة من النشادر فظهر أنه يخفف بعض آلام المريض ويرجى أن يشفى به فإذا وفق الدكتور الباحث إلى تحقيق الأمنية من دوائه فيخفف عن ابن أفريقية بدوائه الجديد ما خففه عن ابن الغرب بدوائه للسل الرئوي. وقف على العلم وقف أحمد بك الشريف من أعيان طنطا مئة فدان من أجود أطيانه على المدرسة الجامعة المنوي إنشاؤها في مصر ويقدرون ثمنها بثلاثين ألف جنيه بارك الله به وبماله. نفاضة الجراب فجائع البائسين ٤ مضت أيام وسعيد يجتهد فوق طاقته بحيث قدم فحصين عن دروس صفين في آن واحد حتى بلغ الصف المنتهي ليقرب وصوله إلى المدارس العالية وظل مثابراً على خطته حتى خرج الأول من المدرسة ولم يترك جائزة لأحد من رفقائه في الصف فأدهش المعلمين والتلاميذ وأمّل الجميع بنجاحه في المستقبل وبعد ما نال الشهادة عزم على السفر واطلع الباشا على قصده فساعده على ما يريد ولم يتيسر له أن يختلي بجميلة ولكنه ودعها قائلاً أؤمل أن أوفق إلى مطلوبي وذهب إلى الأستانة تحف به الآمال وتشيعه الأحلام. حتى إذا بلغ دار السعادة أخذ يفكر في انتخاب مدرسة يتخرج فيها على النحو الذي يكون به في المستقبل جديراً بجميلة فلا تكبده ما لا يطيق من النفقات. فرأى أن دار المعلمين أحسن عائدة عليه لأن الأول في الصف فيها يقبض مشاهرةً ليرة عثمانية وكان يعتمد على نفسه بأنه سيحرز الأولية بيد أنه فكر بما سؤول إليه أمره في المستقبل وماذا سيكون من اشتغاله فلما أدرك أنه سيصير معلماً للنشء وقيماً على الأطفال امتنع عن الدخول إلى دار المعلمين ذلك لأن هذه الصناعة تعد قبيحة عند العامة وهو يود أن يصير في مقام يكسب به جاهاً يخوله الحق أن يخطب جميلة من أبيها ثم فكر في حقيقة تعليم النشء وتدريبهم فأدرك انه بعمله هذا يكون علمهم العلوم وأحسن تربيتهم وجعلهم رجالاً للأمة وقد يعلمهم المؤازرة والتضامن فيجعلهم جسماً واحداً وأمة واحدة كالبنيان المرصوص ويدربهم على الأعمال الشريفة التي تعود بالخير على وطنهم فيغنم بذلك أجراً جزيلاً وثناءً جميلاً. وربما أحرز منصباً في نظارة المعارف يجعله في أوج المعالي إذا ساعده الدهر وخدمه الحظ وكان مغروراً بحظه لما رأى من نفسه الغناء في الفوز بالأولية في الصف ومحبة الناس عامة. وبعد أن فكر ملياً في الأمر أزمع الدخول إلى هذه المدرسة فدخلها وأخذ يقضي أوقاته ويفني صحته في الدرس لينال ذلك الراتب. وفي غضون ذلك انتقل الباشا من دمشق برتبة أكبر إلى مكان بعيد فساقته الضرورة إلى الاكتفاء بهذا الراتب القليل. وكان سعيد لما بلغ الأستانة نزل في خان من خانات شنبرلي طاش واستأجر أصغر حجرة فيه يدفع ثلاثين قرشاً في كل شهر وقد أتى معه بفراش ولحف واشترى قطعة بساط عتيق فمده وجعل يجلس على فراشه كل من يزوره من إخوانه وكان يشتري ما يلزمه من الأواني شيئاً فشيئاً ويعيش في غاية الاقتصاد. فكلما دخل حجرته أو أكل أو شرب أو نام يعتريه ضيق صدر فيشكو دهره ويقول إلى متى وأنا مقضيٌّ عليًّ بالتقتير والحرمان من كل لذة وقد ينتهي في الأحايين إلى درجة اليأس بحيث يكاد ينتحر ليخلص من هذه الحياة التعسة ثم يرجع إلى نفسه ويقول قتل الإنسان ما أكفره. لابد من تحمل المشاق حتى أنال السعادة ومهما عاكستي الدهر فإني قاهره بشدة صبري ثم يأخذ يفرك في مستقبله وماذا يفعله وربما تجسمت أمامه السعادة ورأى نفسه في أعلى المناصب وأنه نال حينئذ وصالاً من حبيبته جميلة وبينا هو يخوض بحار هذه الخيالات يرى ساعة الدرس أتت فيلعن الدرس والاجتهاد لأنه كان في حرب من الأفكار. وكان يمتنع عن التنزه إلا إذا اكرهه إخوانه على رفقتهم فيذهب حياءً منهم فينغصون عيشه وهم بمالهم فرحون فكان إذا رأى منزلاً عالياً تذكر حجرته وإذا رأى عربة جميلة تذكر ذهابه وإيابه إلى المدرسة مشياً تحت المطر والثلج وإن رأى نُزلاً تذكر دكان الطاهي الذي يتعشى فيها وإذا استنشق هواءً نقياً تذكر هواء حجرته الفاسد وإذا رأى غادة تذكر حبيبته وإذا رأى عجوزة تخدمها السراري تذكر أمه وهي تعمل في المطبخ. وكلما شاهد ما يدل على السعادة كان يذكر ما يقابله من شقائه فيرجع من التنزه حزيناً كئيباً ويعود رفقاؤه مسرورين. ولذلك كان يعد أحسن أوقاته ساعة نومه الخالي من الأحلام إذ يستريح به من التفكر في الشقاء وكان كلما ذكر شقاءه يقطع أمله من جميلة ولكن الآمال كانت تبعث الاطمئنان إلى قلبه. وقضى ثلاث سنين على هذا المنوال وهو بعيد عن راحة الفكر وانشراح الصدر فأتم الدراسة وأخذ شهادة تامة تؤهله لكل خدمة ثم عين معلماً براتب ثمانمائة قرش في الشهر فساقته الآمال وأطمعته الرواتب وسعد به أبواه وأهله ولكن لم يمض زمن حتى مات أبوه وخلف له أسرة قضي عليه أن ينفق عليها فأصبح راتبه لا يكفيه وصار يلتمس ممن تعرف إليهم أن يعينوه معاوناً لمدير مكتب بيروت الإعدادي فبلغ راتبه ألفاً ومائة قرش على شرط أن لا يفارق المكتب إلا ليلتين من كل أسبوع ويدرس أربع ساعات كل نهار ويعلم الرياضيات والتاريخ والإنشاء فصار يتألم من تنوع الفنون التي يشتغل بها وكان يود أن يختص بفن واحد منها ولكن قلة الأجرة التي خًصت للدروس اضطرته إلى أن يتحمل هذا العذاب ويمنع نفسه من الإخصاء بفن واحد ومع كثرة اشتغاله وتألمه من كثرة عائلته ما نقطع لحظة عن التفكر بجميلة ولكن بعدها عنه وانقطاع أخباره جعلاه في يأس من الوصول إليها وكان في احتياج للزواج. ٥ في يومٍ راقت سماؤه ورق هواؤه ذهب سعيد مع صديق له يسمى رفيقاً إلى متنزه ضبيا ليصرف وقتاً بدون فكر ويتخلى ساعة عن بؤسه وشقائه. فأخذا يتجاذبان أطراف الحديث في كل ما خطر ببالهما. فساقهم الكلام إلى البحث عن الزواج شأن من لم يتزوجوا من الشبان وكان لرفيق أخوات جميلات متعلمات يود الناس الزواج بهن ولكن كان له أم عرفت بمساوئ الخلاق واشتهرت بسوء الطوية فامتنع الناس عن التأهل بأخواته. وكان رفيق في كدر من كسادهن وهو على علم من مكانة سعيد في الحال والمآل فتصور سعادة لأخته في قرانها بسعيد فتجاسر وكلفه بأن يصير له صهراً ففكر سعيد هنيهة ووعده بالقبول فتعهد رفيق بإسكانه في منزله واعتباره واحداً من أهله وفرداً من أفراد عائلته وافترقا على أمل القران فذهب رفيق وأخبر أمه بما جرى بينه وبين سعيد ومدحه لها وأعلمها براتبه وأفهمها مستقبله فسرت به وأملت بسعادة ابنتها فرضيت وساقت ابنها إلى إتمام هذا الأمر فذهب إليه غير مرة وسأله عن عزمه فأجابه بالقبول وكان سعيد فكّر في جميلة وما بينهما من الوعد. ولكنه استبعد ثبات النساء على أقوالهن والوصول إليها لما بينه وبينها من الامتياز في الطبقة وعبثاً رأى نفسه معلقة بها فرضي بالزواج وتكلم مع رفيق على مقدار المهر فرضي هذا بخمسة آلاف بعد قبول أمه ولكنهما قرراً على أن يعقد النكاح على مهر مقداره ١٥٠ ليرة رئاءً أمام الناس وعينت ليلة العقد ودعي الأقارب والخلان وشربت المرطبات وتولى الشيخ صيغة العقد وذهب كل من حضر داعياً بلسانه وهم ما بين معترض ومنتقد وساب وشاتم وحامد. وعينت ليلة العرس ودفع المهر سعيد فاستدان وباع راتبه بنقص ليقبضه قبل ميعاده حتى يقوم بما يلزم من نفقات العرس. واجتمع بقرينته شهيرة فوجدها على ما يرغب وسرّ بها وظن أنه نال السعادة فصار معززاً مكرماً لدى أسرة رفيق بأسرها ولكنه وقع في قبضة الديون بعد أن كان يقتصد من راتبه ويجمع دراهم وصرت لا تراه إلا شاكياً باكياً من دهره يفكر ويقدر فيما يجعله غنياً وكانت عنده (تحويلات) البنك العقاري وتحويلات سكة حديد الروم ايلي فرهنها على مبلغ ليوفي ديونه فما خلص منها ولكن ذلة ليالي الوصال وأوقات الاجتماع كانت تنسيه همه وتسليه عن غمه. وظل نحو شهري بين مسرور بزوجته ومغموم بديونه وكان أخبر أمه التي تركها بدمشق بزواجه فأرسلت تطلب منه أن تحضر إليه لترى كنّتها وتلتقي بابنها فاستدان لها مبلغاً أرسله إليها فأتت ونزلت ضيفة في بيت رفيق ولم تلبث يوماً أو بعض يوم حتى أخذت أم رفيق تهينها هي وبناتها إلا شهيرة امرأة سعيد فإنها كانت تبجلها رعايةً لقرينها فتكدرت أم سعيد وأخبرت ابنها بما وقع لها فأسف لذلك واضطر إلى الرحيل فاتخذ له داراً سكنها هو وأمه وامرأته فزادت نفقته وازدادت ديونه فصعب انتقاله على أم رفيق لأنه كان يشترك معها في الإنفاق على البيت وكانت تقتصد بسببه وتخفف نفقات ابنها فسعت في إرجاع ابنتها بدعوى أنها لا تطيق السكنى مع أمه وكانت تعلّم ابنتها ما تقوله فصارت هذه تلح عليه باعتزال أمه وتبدي له الجفاء بعد أن كان لا يرى منها إلا المحبة والوفاء فصار يؤاخذها على أعمالها وينصح لها بأن لا تسمع كلام أمها فما سمعت له وتركته وحيداً من أجل أن تنال رضى أمها ورجعت إلى بيت أخيها. اغتنمت تغيب أهل الدار ذات يوم فأتت بحمالين ونقلت متاعها وتركت الدار بلا أثاث فرجع سعيد في المساء فلم يجد متاعاً وأخبره الجيران بما تم فعلن حماته والساعة التي عرف بها رفيقاً وكانت امرأته حاملاً قد أقربت وكان أخوها متغيباً عن بيروت عندما تمت هذه الأعمال القبيحة فلما رجع أخبرته أمه وعظمت المر في عينه حتى جعلت سعيداً فحمة سوداء أو حية رقطاء وصورته لابنها مثال الدناءة والرذيلة وجردته من كل شهامة وخلة كريمة ونسبت إليه من الأعمال ما لم يخطر له على بال حتى أشربته بغض صهره وساقه الحنو الأخوي للانتصار لأخته وأعماه كلام أمه عن رؤية الحق وراح يظن الباطل حقاً وأصبح لا يثق بكلام سعيد فبدلاً من أن ينصح لأخته وأمه أخذ يزيدهما عتواً وطغياناً. وكان سعيد يسعى ليصلح الخلل ونصح لرفيق ووعظه فما استفاد إلا هجراً وصداً فتركه وشأنه. وضعت شهيرة فطلبوا منه نفقات الوضع فما تأخر عن طلبهم وأرسل إليهم جميع ما يلزمهم من دارهم وغير ذلك على أمل أن يرجعوا عن غيهم. فولدت الفتاة غلاماً فرح به أبوه ولكنه لم يتسر له أن يراه وصار يتوسط ليرى مهجة فؤاده فلم يحظ بطائل. وعندها رأى أن يهجر أهل زوجته هجراً جميلاً فاغتاظ رفيق لذلك وأقام الدعوى عليه في المحكمة الشعرية فأتى بشهود من أقاربه ليشهدوا أن سعيداً طلق شهيرة فشهدوا بالطلاق وأنه لم يدفع من مهرها المسجل شيئاً وقدره مائة وخمسون ليرة وهنا أدرك سعيد أنه وقع في شرك احتيال رفيق الذي اتفق معه على خمسة آلاف قرش وكتب العقد ١٥٠ ليرة ولكنه أقام البراهين والأدلة القاطعة على أنه دفع المهر وأنه لم يسبق منه طلاق وأن الفتاة زوجته في كل وقت وأنه يحبها وأن تعيين هذا القدر من المهر كان من قبيل التظاهر أمام الناس بالسعة ومفاخرة لا حقيقة. فأدرك القاضي إخلاصه وأيقن بصحة دفع الخمسة آلاف من المهر المسجل وما استطاع إلا أن يحكم ببقية المائة والخمسين ليرة مهراً مؤجلاً لأنه مسجل بالقيود وشهادة الشهود على أنه موقن بعدم صحة هذا المهر المسجل ورتب على سعيد مائة وخمسين قرشاً في كل شهر أجرة الحضانة وتربية ابنه وحكم ببقاء الزوجية. فعند ذلك يئس سعيد من إمكان الاجتماع بزوجته إلا إذا ماتت حماته ولم يجسر على الطلاق خوفاً من أن يحق عليه أداء بقية المهر لأنه لم يبرح رازحاً تحت أحمال الديون التي تذهب ببركة راتبه كل شهر وأخذ يشكو من آلام الوحدة بعد أن كان يعيش العيشة الزوجية فساقته الضرورة إلى الميل للزواج مرة ثانية فوسط امرأة من اللواتي يتوسطن للنساء سمسارات وأوصاها بأن تفتش له على زوجة غنية لا أم لها ولا أب ولا أخوات. ٦ من عجائب الاتفاق أن علي باشا عاد إلى بيروت بمنصب أعلى من منصبه سابقاً فأنشأ سعيد يتردد عليه ويزوره في أغلب الأحايين. علمت جميلة بما حل بسعيد فأسفت عليه وشمتت به لأنه خان عهدها على أنها لا تزال مقيمة على العهد ويئست من الزواج وعزفت نفسها عن الرجال وحكمت عليهم بأنهم أقل وفاءً من النساء ولكنها ودت الاجتماع به لتعاتبه وتشكو إليه وتشكو منه لأنها لم تطلع أحداً على سرها وأخذت تسعى وراء مقصدها حتى تيسر لها أن تخلو به في منزل أبيها فرحبت به وأخذت تعاتبه قائلة: لم يخطر ببالي أنك ستخون عهدي لأني لم أعهد فيك إلا الوفاء والثبات ومكارم الأخلاق فما الذي حملك مع على الخيانة؟ - نعم خنت عهدك على أن مكانك لا يزال محفوظاً في قلبي ولكن علمي بمنزلتي وعدم إمكاني القران بك واحتياجي إلى تدبير أمر معاشي وتنظيم حياتي ساقاني إلى ذلك الزواج المشؤوم لازداد شقاءً على شقاءٍ وأنال جزاء خيانتي لعهدك وكان ينبغي أن أبقى على الوفاء ولو عشت العمر كله في حرمان. فضحكت جميلة ثم قالت: هب أني لم أشك بما أعهده فيك وأنك لا تزال على عهدك القديم فما الذي ساقك إلى الزواج مرةً أخرى وأنت على علم من حبي لك ووجودي في بيروت؟ - لم أقصد من ذلك إلا تعذيب زوجتي والانتقام منها لأني أعلم أن أعظم ما يجازى به النساء الزواج عليهن ولو كانت الواحدة منهن مطلقةً وعلى عصمة زوج آخر. - وهذا هو العجب العجاب! فكيف يليق بمنوّر الفكر مثلك عرف بمكارم الأخلاق أن يتنازل للانتقام؟ أنسيت أن الرجال لا ينتقمون عند المقدرة؟ - لا أنكر أن الانتقام نقيصة في الرجال ولكن إذا كان الذي لا تنتقم منه يعد عدم انتقامك جبناً ويزيد في طغيانه فهل يعامل إلا بالانتقام؟ {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} ودفع الشر بالشر أحزم، واللئام لا يعاملون بغير الانتقام. - هب إني سلمت لك بأن الانتقام من هؤلاء الأنذال واجب عليك وإذا لم تفعل تلام فقل لي بأبيك ألا تأمل إرجاع امرأتك؟ - لا أخفي عنك أنني ربما رضيت بها إذا رجعت عن غيها وعلمت أن لا خلاص لها مني وأصلحت نفسها وماتت أمها كل هذا إذا كنت في يأسٍ منك. - فأنت إذاً عازم على الانتقام منها بزواج امرأة أخرى؟ ألا تصبح إذا رجعت إليك ذا الزوجتين؟ فكيف تتصور لك راحة أو هناء بين زوجتين وأنت على علم بأن من يتزوج امرأتين يشتري عذابه بيده فينغص تنغيصاً لا نهاية له ويلقي بنفسه في الغم والهم، وإذا طلقت الثانية لترجع إلى الأولى فيكون عملك مما يشين العقلاء لأن النساء لسن كما يقول بعض الجهلاء كالحذاء متى ما مللت منه تنزعه من رجلك!. وتذكر ما كتبته إحدى منذ حين من أن رجلاً رأى في منامه أن حذاءه سقط في النهر فراجع كتب تفسير الأحلام فلم يجد تعبيراً لرؤياه سوى مفارقة زوجته فطلق امرأته تفسيراً لمنامه وتصديقاً لكتب الحشو. على أن العاقل البصير يحترم النساء لأنهن جنس لطيف جدير بالتعظيم والمحبة. النساء أمهاتكم اللواتي يعانين أنواع العذاب في الوضع فمن لم تكن أمك فهي أم أخيك أو أبيك أو صديقك أو جارك أو ابنك. فكيف يليق بك أن تطلق زوجتك بعد ما تستوفي حظوظك منها وتذهب برأس مالها فتتركها محرومةً من الزواج؟ ولا يدورنَّ في خلدك أني لا أذكر أن الله تعالى أجازكم أن تأخذوا من النساء مثنى وثلاث ورباع ولنه جل شأنه شرط عليكم العدل ثم ذكركم بأنكم لا تستطيعون أن تعدلوا بين النساء. وكيف ترضى امرأة بشريكة لها في حياتها بأعمالها وأفراحها؟ ألا تضطر أن تحرمها منك لتعدل بين الاثنتين وتعاملها بالمساواة، أويخطر ببالك أن تلك التعسة تنام تلك الليلة وهي على علم من أنك عند أعدى عدوّاتها؟ ثم افرض أن الاثنتين اتفقتا - وهذا ضرب من المحال - أليس من الممكن أن يأتيك أولاد من الاثنتين؟ وبديهي أن يتنازع أولادك على أقل سبب فإذا انتصرت الواحد لابنها لا تسكت الأخرى فيقع النفور بينهما وبين الأخوة فتحرم بذلك راحتك وتفقد سعادة عائلتك فإذا كان الشقاق دأب بيتك ونشأ الأخ على بغض أخيه فكيف تؤمل منه خيراً للهيئة الاجتماعية؟ أوهل لك سبيل إلى الإقناع بأن تعدد الزوجات حسن ونتائجه حسنة؟ - لا يسعني الإنكار بمضرة تعدد الزوجات إلا إذا كان عن ضرورة وللضرورة أحكام، ولا أنكر أن الشرع الشريف لم يبحه إلا لهذا السبب وما فرضه علينا فرضاً فمن لم يكن في اضطرار إلى تعداد زوجاته فلا يليق به إلا الرضا بواحدة. وإذا صفا لك من زمانك واحد نعم الصديق فعش بذاك الواحد - فإذا وافقتك الجديدة وأعجبتك بخلُقها وخلْقها وطلقت شهيرة فماذا تكون حال ولدك منها؟ لو كان أجمل ولد في العالم وكنت أعقل رجل لابد من أن تسقطه من عينك وتجعله نقطة سوداء لأن المرأة عدوة طبيعية لابن زوجها فإذا نشأ ابنك في ظلم امرأتك واستبدادها ألا تكون حينئذ قد جنيت عليه. وأنت في عيني أعظم من أن ترتكب جناية مثل هذه وهب أنه سمحت لك كل هذه الأحوال أليس من العار أن تتزوج باسم الانتقام أو باسم الاحتياج وأنت تعلم أن القصد من التأهل اتخاذ قرينة تشارك الرجل في أفراحه وتشاطره أتراحه ويكمل بها ويعيش معها عيشة راضية فيقومان بما يجب عليهما للمجتمع الإنساني وهذا الأمر لا يتم إلا بقران الرجل بمن توافقه طبيعة ومزاجاً وأخلاقاً ولذلك أرى أن تسعى في استرضاء خاطر شهيرة إذا كانت فيها هذه الشروط وترضى بما قسم لك ربك وتربي ابنك كما تشاء لتجعله خير الخلف من بعدك عساه يكون لك ذخراً وسنداً. - أنا وحقك معترف بما أتيت به من الحقائق ومن الأسف أنه لم يتيسر لي الاقتران بمن توافقني وتكون جامعة لشروطك ولو أسعفني الحظ وتزوجت منك لسعدت وما أتاحت لي الأيام أن أقع في المهالك والأخطار. - قضي الأمر وكان بودي أن أكون قرينة لك ولكنك عجلت فأخطأت وحرمت نفسك مني وحرمتني بعملك من التأهل بغيرك لأني وعدتك بان لا أرضى بسواك ومن شيمي وطبعي الثبات على وعدي فلهذا لا أقرن بأحد وسأعيش عانساً متبتلة وبحكم القضاء راضية فلما سمع سعيد هذه العبارة احمر وجهه وأطرق خجلاً وود الموت ليخلص مما عراه من الخجل أمام من فاقته بمكارم أخلاقها واستولى عليه السكوت وانقطع عن الحركة. فلما أدركت خجله قالت لا تستحي فإنك لست أول رجل خان الجنس اللطيف بوعده فمهما كان الرجل عاقلاً رقيق الشعور كريم العواطف والأخلاق لا يزال في عتو بدعوى التفوق على النساء ولا يعد الخطأ أمامهن إلا من قبيل السهو والنسيان الملازمين للبشر ولكن كن على ثقة من أنه سيجيء يومٌ ترتقي فيه الهيئة البشرية وتعلم منزلة المرأة وواجبات الرجال نحوها فتحفظ حقوقها فتصبح معززةً مكرمةً ولا يجسر أحد حينئذ على خيانتها لأن عمله يعد سقوطاً في الأخلاق، وأرجو منك أيها الصديق أن لا يشق عليك كلامي وما لك إلا الإذعان والاعتراف بالذنب لأني صاحبة الحق. وأما أنا فإني أسلمت أمري لخالقي الذي جعلني بائسة محرومة من شرف السعادة الحقيقية. فعند ذلك قام وعبرات الأسى تنهمل من عينيه على خديه وأخذ يقبل يديها ويقول: ها أنا ذا أكرر اعترافي بذنبي عني والعفو من شيمك ولا تزيديني هماً وخجلاً فوق كدري، وارحمي شبابي لئلا يسوقني هذا العذاب إلى الانتحار. فضحكت وقالت: أرجو أن تجلس في مكانك. أتدري سبب ضحكي؟ قال: لا. فقالت لأني قرأت من الروايات وأخبار العشاق ما لم أتذكر عدده وقد ثبت لدي أن الرجال يستعطفون النساء ويستميلونهن بدعوى الانتحار فلا يصدق دعواهم إلا اللواتي حرمهن الخالق من العقل والعلم وكم قرأت وسمعت من أخبار الرجال الذين كانوا عزموا على الانتحار من أجل معشوقاتهم وبعد أن حظوا بقربهن تركوهن يعانين آلام العذاب وندر من انتحر والنادر لا حكم له. وإني لا أود أن أسمع من عاقل مثلك أن يقول هذا الكلام فلو كنت ممن يطيب لهم الانتحار لصبرت من أجلي وعملت مثلي. هذا والشائع على الألسن أن الرجال أقدر من النساء على ضبط أنفسهم ولكني رأيتك مع شدة عقلك ومتانة أخلاقك لم تمنع نفسك من خيانة العهد. - كفى سيدتي أما قلت لك أني تزوجت اضطراراً علماً مني أنه من المحال أن أصل إليك لما بيننا من الدرجات والفروق. - هل طلبتني ورجعت خائباً حتى تعتذر هذا الاعتذار الواهي؟ - لا أجرؤ على أن أخطبك لأني كنت على يقين من رجوعي خائباً وخفت أن تتحول عني أنظار الباشا وأن تنقلب محبته لي نفوراً مني فأكون حينئذ ضيعت آمالي على أني مازلت غريقاً في بحر الآمال. - ماذا تقول؟ أجننت أم تهذر؟ - أعذريني على خطأي ولا تجرحي حواسي فإني مازلت أسعد بها. - ماذا تقول؟ لقد صغرت في عيني بعدما كنت كبيراً!. أنسيت إننا كنا نتكلم عن تعدد الزوجات ووصف مضراته؟ وكيف يخيل إليك أن تجعلني شريكةً لمن خربت آمالي وجعلتني في حرمان من حبيبي الخائن؟ - آه سيدتي دعي عنك هذا الكلام فإني سأطلقها من أجلك وأرجع إليك إذا ساعدني الحظ. - كيف تطلق زوجتك أم ولدك وأنت تعلم أن أبغض الحلال إلى الله الطلاق وماذا تكون حالها بعد الطلاق وماذا يؤول إليه أمر ابنك التعيس الذي سيتربى على غير ما تريد؟ - أنسيت أن الله تعالى قال: {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} على أني سعيت لأمسكها بمعروف فلم يتيسر لي لأنها شربت لبن اللؤم من أمها ولا أمل لي بإصلاح حالها وهي كلما تقدمت ودرست على أمها زادت لؤماً وخبثاً وبغضاً إلي فطبيعة الحال تسوقني إلى تسريحها وأما ابني فإنه أهمل وترك للطبيعة تتصرف به كما تشاء فخانته وسلطت عليه الأمراض وقد أخبرني الطبيب أن لا أمل في حياته وإذا مات أراحنا واستراح وبذلك تزول الموانع ويبقى مانع واحد وهو قبول الباشا الذي لا سبيل إليه فهل إليه من وسيلة؟ - أنا ثابتة على قولي وعهدي ولكن وجود زوجتك يمنعني عن قبول ذلك. فأقسم لها بالله بأنه لو لم يخف من الحكم عليه بدفع بقية مهرها لطلقها ثم قال: لا يخفى عليك قلة ذات يدي وعدم اقتداري على دفع المبلغ ولعل الحظ يسعفني فيموت ابني على أني أعدك وعد حر أنه يستحيل اجتماعي بها بعد الآن.</passage>
<license>Distributed under a Creative Commons Attribution-ShareAlike 4.0 International (CC BY-SA 4.0) license</license>
<source>https://github.com/tillgrallert/digital-muqtabas/blob/master/xml/oclc_4770057679-i_14.TEIP5.xml retrieved via Canonical Text Service http://cts.informatik.uni-leipzig.de/muqtabas/cts/ with CTS URN urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.14.TEIP5:</source>
</reply>
</GetPassage>
