<?xml version="1.0" encoding="UTF-8"?><GetPassage xmlns="http://relaxng.org/ns/structure/1.0" xmlns:a="http://relaxng.org/ns/compatibility/annotations/1.0" xmlns:tei="http://www.tei-c.org/ns/1.0">
<request>
<requestName>GetPassage</requestName>
<requestUrn>urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.12.TEIP5:</requestUrn>
</request>
<reply>
<urn>urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.12.TEIP5:</urn>
<passage>العدد ١٢ بتاريخ: ١٥ - ١ - ١٩٠٧ صدور المشارقة والمغاربة شيلر ١٧٥٩ _ ١٨٠٥ المؤثرات في أخلاق الرجال كثيرة وأهمها التربية والمحيط فكلما حسن هذان العاملان جاءت منهما نفوس مجردة عن الشرور نازعة إلى خير الأمور وأكثر العلماء على أن من الأخلاق ما هو طبيعي ومنها ما هو كسبي يستفاد بالعادة والتدرب وربما كان مبدؤه بالروية والفكر ثم يستمر عليه أولاً فأولاً حتى يصير ملكة وخلقاً. قال بعضهم ليس شيءٌ من الأخلاق طبيعياً للإنسان ولا نقول أنه غير طبيعي وذلك أنا مطبوعون على قبول الخلق بل ننتقل بالتأديب والمواعظ إما سريعاً أو بطيئاً. وهذا الرأي الأخير هو الذي اختاره العلماء المتأخرون وأكثر فلاسفة الإسلام ومنهم ابن مسكويه وأحسن ما جاء في تربية النفس والأخلاق قوله تعالى ونفس وما سواها فألهما فجورها وتقواها قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها. هذه القاعدة الكلية في التربية لا تكاد تتخلف ويشتد ظهورها في كبار رجال الخليقة مثل مترجمنا اليوم شيلر الألماني رافع علم الحرية والنهضة الأدبية في أمته والساعي إلى إعلاء شأنها وإبلاغها درجات الكمال فقد أثرت في التربية الأولى التي ينشأ عليها كل سليم الفطرة في الغالب من حب الخير المحض وكره الشر فاشمأز من أعمال البشر وسيئات الحياة ثم لما قذفت به أدوار الحياة إلى المدرسة الحقيقية وأعني بها مدرسة العالم وأخذ في مثافنة كبار أرباب العقول وحملة العلم المقرون بالعمل تحلى له الراجح من المرجوح وصرح له الحق عن محضه وكشف له أصحابه وجه الحقيقة في أمور كثيرة. وكل قرين بالمقارن يقتدي. لم يكن شيلر كصاحبه كيتي رجلاً خدمه السعد وحالفه الرغد بل كان من شقاء الحياة وقلة ذات اليد المثل المضروب والرجل المحروب المحزوب. عزم والده أن يعلمه اللاهوت من أول أمره ليكون له مورد رزق في حياته ويعيش عيش الواعظين والمرشدين وإن شئت فقل عيش الزاهدين والمزهدين إلا أن الدوق شارل وجين دي ورتمبرغ أشار على والديه أن يبعثا به إلى مدرسة شارل لتي أسسها في استوتكارت وفيها درس الحقوق والطب وانصرف مدة الدراسة إلى مطالعة الكتب المحظور تلاوتها على التلاميذ سراً وقراءة جانب من أسفار الأدب من سنة ١٧٧٣ إلى سنة ١٧٨٠ . ولما خرج من المدرسة عين جراحا في الجيش براتب ١٨ فلوريني في الشهر فضاقت به الدنيا بما رحبت إذ كان يقضي عليه أن يخضع لنظام الجندية وينثني صاغراً لأوامر أمير نكاد مستبد ولعة بكشف رعاياه عن أسرارهم الخالصة ومراقبة سيرهم عن أمم. فلم تمض عليه سنتان في خدمة الدوق دي ورتمبرغ حتى ضاق صدره بما يلقاه من جور القوانين النابية في الأغلب عن طور العقل فخاصمه لأنه كان يمنعه من نشر شيء من قلمه في الأدب وحبسه مرة خمسة عشر يوماً لأنه ذهب لحضور رواية تمثيلية بدون إذن فاضطر شيلر أن يفر بنفسه ليتمتع بحريته فتوارى مدة عن الأنظار مخافة أن يقبض عليه ويسلم للدوق في ورتمبرغ وظل سنتين بعد ترك الخدمة يقاسي صروف الحدثان لا ملجأ ولا مورد ولا مال ولا فراغ بال. أجول من قطرب وأفلس من ابن المذلق وأهون من قعيس على عمته يقذف به نجد إلى سهل وسهل إلى حزن وبؤسه متصل كالحلقة المفرغة لا يدري أين طرفاها إن راح ذات اليمين تطوح به الطوائح ذات الشمال وإن اتجه نحو الشرق صاح به صائح عليه بالغرب وكأن الطبيعة عاندته في جسمه وصحته كما عاندته في وفره وماله. فقد كان نحيفاً ضئيلاً يمشي كاللقلق حرم الذوق حتى يكاد يضحك منه من يراه ولطالما سخر منه أصحابه عند تمثيل رواياته إذ لم يكن يعتني بهندامه ولا بملابسه فكنت تراه رث الهيئة والسربال وبيل المسكن تنبعث من غرفته رائحة الدخان الذي يدخنه وتراها غاية في التشويش فمن سخ من مصنفاته مطروحة في كل ناحية ومن بطاطا ملقاة مبعثرة في الزوايا ومن صحاف فارغة وزجاجات وأوان وغيرها تجدها هنا وهناك. وكثيراً ما كان صديقه كيتي يضجر من مجالسته في غرفته على عهد صداقته الأولى ولما بحث عن سر النتانة تبين له أن شيلر يحفظ التفاح العفن في جرار مائدته. وهكذا كانت فاتحة حياة شيلر بؤساً وشقاءً وعناءً. روح ملتهبة متحمسة محصورة في جسم سريع العطب لها اتصال بالعالم الخارجي ولكن على أردأ الوجوه والصور وحالته الداخلية مقيدة بأمور خارجية لا ترضيك بوادرها فكادت تكون تربيته وحشية تقتل فيه روح الاستقلال وذلك لما يعانيه من الشقاء الذي يكرهه على الجهاد المتواصل لتحصيل رزقه كل يوم وكاد ما يلقاه من الألاقي في صباه يقضي عليه بالتأخر في سبيل العلم وهو أبداً يتقاذفه عاملان أفكاره الفلسفية الخيالية وميله إلى الآراء الثورية. وبالجملة فقد كان على فقره وضعفه لا يرضيك ظاهره لأنه لم يخلق ليعجب الناس ويذهب بفضل الشهرة بينهم مثل كيتي صديقه ولا ليعيش في العالم عيش السعداء ويستمتع بطيبات الحياة الاجتماعية ولذلك تخلى شيلر وهو في سن الفتوة عن العالم الخارجي وعمد إلى الغوص في عالم الفكر والخيال وقد ذكر أحد واصفيه الأدوار التي تغلبت عليه فقال: إنه كان لأول عهده بعيداً كل البعد عن العالم الحقيقي يشتعل ذكاءً ممزوجاً بالعجب وقد أثرت فيه كتابات جان جاك روسوا الفيلسوف الاجتماعي الفرنسي وغيره من شعراء ألمانيا فأصبح عدو المجتمع اللدود وخصيم التمدن الحديث والقديم. عرف بالاشمئزاز من أحوال البشر وبسوء النظر في مستقبل العالم وبسلامة النية في دعوة الخلق إلى الكمال على ما تجلى ذلك في كتاباته التي نشرها في صباه ثم بدلته التربية وأثر فيه صحابه وعشراؤه فأخذ يحسن ظنه بالمدنية الحاضرة وارتأى أن يخرج الإنسان من طور الطبيعة أولاً ويدخل في ميدان الجهاد بعمله مقاماً أدبياً محموداً فيكون من ذلك سعادة الإنسانية. وقالوا في وصف شيلر أيضاً إنه لم يكن يعشق الطبيعة مثل صاحبه كيتي وما كان ينظر للعالم والناس مثل هذا نظر الصبور الذي لا غرض له ولا هوى بل كان يهتم بحالته الداخلية أولاً ثم بأفكاره وما شعر بأنه كان يتخمر في نفسه ويغلو في صدره من الإحساس والشعور فما ذكره في شعره وألم به في نثره من أحوال العالم هو ما وقع في قلبه وقاسى منه بذاته واقتنع به اقتناع فيلسوف وأخلاقي. ومن أهم ما شعر به ميله إلى الحرية ولكنه كان ميلاً مجرداً ليس فيه أثر للعمل إذ ١ لم تخلق مع شيلر تلك الخاصية من إثارة النفوس وإهاجة العواطف وقد منحته فرنسا عام ١٧٩٢ حق الوطنية الفرنسية لحريته وتحمسه. ولقد أشرب قلبه حب الحرية فيه من فطرة سليمة تأبى الظلم ولا تميل إلى الصغار. وكان هذا الاستعداد فيه رد فعل طبيعي لما قاساه من الضغط منذ دخل المدرسة بل إنه حجة له لنقض أساس الاستبداد الذي عرف به صغار أمراء ألمانيا ممن لقي منهم الشدائد. جاء في موسوعات العلوم الفرنسية: وفي سنة ١٧٨٧ ذهب شيلر إلى مدينة ويمار رجاء نيل الزلفى من ثلاثة كتاب وهم ويلاند الشاعر الأديب وهردير الكاتب الفيلسوف وكبتي العالم الفيلسوف وكان الدوق شارل أغست قد استدعاهم إلى حماه وجعلهم من رجال قصره فأراد شيلر من تقربه منهم أن يسلك سبيلهم في تقوية جميع قواه مطلقة حرة بدون أن يهتم لغير ذلك من أسباب النجاح فخاب سعيه أولاً مكن الانضمام إليهم وتكثير سوادهم ولكنه بقي مقيماً في ويمار وإن كان بعيداً عنهم رغم إخفاق ما قصد له وانتهت به الحال بعد بضع سنين قضاها في أشق أنواع الصبر المحزن إن نال مرتبة ثابتة فعين أستاذاً في كلية اينا سنة ١٧٨٩ وفي السنة التالية تزوج بشارلوت دي لانجلفلد فرأى منها رفيقة تفهم مغازيه ومراميه وتحبه وتعنى بأمره وتخلص في خدمته خصوصاً في أوقات مرضه. فساعده حب زوجته له وإعجاب تلاميذه وأصحابه بمواهبه واحترامهم له على التفرغ للعمل براحة بال أكثر من ذي قبل فأخذ يتغير شيئاً فشيئاً وأخذت تهدأ أفكاره من اضطرابها وتلين نفسه بعد شموسها وتجلت له الغاية التي يرمي إليها ويقضي عليه بعد ذلك أن يقتحمها بعزم ومضاءٍ. فراح يبذل أقصى مجهوده في التأليف وكثيراً ما كان يفرط في النظر ويعمل في الكتابة عملاً يجاوز الطوق ثم دعته الحال أن يتوفر على دراسة التاريخ دراسة الخبير البصير ليزيد به خبرة ويلقح به شعره. وكان يكتب في صغره كيفما اتفق فرأى من الضروري أن يستكثر من المعارف التاريخية الثابتة المحسوسة وأيقن أن مادته لا تغزر وأفكاره لا تنضج إلا بالتخلي عن الشعر زمناً والانقطاع إلى درس التاريخ وأن يتعلم كما قال عن نفسه أموراً كثيراً هو في حاجة إليها ويزرع قبل أن يحصد. ثم درس العلم الإلهي وأمور الآخرة أي درس الفلسفة في كتب فلاسفة اليونان الأقدمين ويتحر في فلسفة كانت الحكيم الألماني الشهير فاستفاد من دراسته فلاسفة اليونان لطف الأداء وجلاء المعاني ووضوحها وسهولة المأخذ مما لم يكن له أثر في منظومه ومنثوره ورأى في كانت أعظم ممثل للأفكار الحديثة وراقه منه حكمه السامية التي ذهب بها مذهب زينون الفيلسوف اليوناني كما راقه بأفكاره في الجمال والفنون. وقد دفع المترجم به إلى درس كتب الفلسفة اليونانية ويلاند المشار إليه كما دفعه إلى التبحر في مصنفات كانت رينهولد الفيلسوف حتى أصبحت تآليفه التي صدرت عنه في تلك الحقبة من حياته كأنها توفيق من الفلسفة اليونانية والكانتية أي بين الفلسفة القديمة والفلسفة الحديثة. وفي سنة ١٧٩٤ استحكمت صلات الود بين شيلر وكيتي وكانا تعارفا سنة ١٧٨٨ تعارفاً لم يؤد إلى إحكام علاقات القلوب فانتفع المترجم من صاحبه كثيراً وأقل ما استفاد منه أنه أراده على الرجوع إلى حظيرة الشعر وكان زهد فيه زمناً على ما تقدم وانصرف إلى التاريخ والفلسفة. عاد إليه بنشاط غريب بعد انقطاعه عنه ست سنين. ثم مرض سنة ١٧٩١ مرضاً كاد يودي بحياته فلما ابل آلى أن يغتنم الساعات الباقية من حياته ليبقي له آثاراً تنفع الناس فألف في مدة عشر سنين وهي المدة التي قضاها في عشرة كيتي تآليف كثيرة كأنه كان يسارق بها المنون وأكثرها في الشعر والأدب والنقل عن اللغات. وقصارى القول فإن شيلر الأديب الشاعر المؤرخ الحكيم المفكر هو بعد كيتي أكبر رجل من أهل الأدب في ألمانيا وربما كان مشتهراً لدى الخاصة والعامة أكثر من صديقه. وقد حسده معاصروه ولم يعترفوا به حتى أن المحدثين من أهل الأدب الساعين إلى نزع قيود الإنشاء القديم ومنهم الفيلسوف نيتتش الألماني حمل عليه حملات منكرة ولعل حملات هذا الفيلسوف كانت على شيلر في الزمن الذي جن فيه وهو لا يقل عن عشر سنين وهذي بالفلسفة هذيان المحموم. وامتاز شعر كيتي على شعر شيلر بأنك تقرأ في الأول النبالة والترف وشعر الثاني يطرب به الشعب فكأن الأول لزعماء الأمة والثاني للأمة نفسها وإن شئت فسمهما شاعر الأغنياء وشاعر الفقراء. وقد وصفت صاحب هذه الترجمة العقيلة دي ستايل الكاتبة الفرنسية في كتابها ألمانيا بما يأتي معرباً بقلم أحد أصدقائنا: كان شيلر عظيم الذكاء ثابت الاعتقاد وهما خلتان قل أن يجتمعا في رجال الأدب. تقرأ بين عينيه ما يسري بين جنبيه وترى شخصه مصوراً في كتابته يوحي إليك ذلك الأدب الوافر والعلم والفضيلة النادرة. وما كان شيلر ممن يغيرون اعتقادهم تمويهاً وتضليلاً لغيرهم. بلى كان يحب الشرف ويشغف بالمجد فيسعى إليهما من كل سبيل. وما أجمل الذكاء الذي سرى في أعطافه الشرف وقوة النفس إذا امتزجت بصفاء السريرة. فقد كان شيلر صديقاً وفياً وأباً رحيماً وزوجاً باراً يحترم النساء ويعجب بالفنون الجميلة ويعبد البارئ تعالى على ما وهبه من ذكاءٍ نادر على ما ترى ذلك ماثلاً في مصنفاته لو قلبت تضاعيفها وحدقت في سطورها. ولقد لقيت شيلر لأول مرة في قصر الدوق دي ويمار في مجلس حافل بأهل العلم فإذا هو يتوقد ذكاءً وبعد نظر. وكان يجيد قراءة الفرنسية وإن لم يتكلم بها وقد ناظرته في أفضلية طريقة التمثيل عندنا فقام يعارضني على ما يجد في لسانه من حبسة وعجز عن التكلم بالفرنسية وإبان عن فضل جم وعلم واسع فانقلبت من المجلس وأنا احترمه وأبجله. النقل والنقلة ليس العلم وقفاً على أمة معينة ولا على أهل دين خاص ولغة خاصة بل العلم مشاع بين سكان الأرض يقتبسه الراغبون فيه ممن عرفوا غناءه لهم وفائدته لقيام جامعتهم وإعلاء كلمتهم كما أن الحضارة تنتقل من يد إلى يد وتأخذها الأمة المتحضرة عن جارتها أو ترثها عن أختها الذاهبة. ولذلك لم تستغن أمة في النقل عن غيرها ما يعوزها من علوم البشر على اختلاف أنواعها نقلاً ينتفع به أهل جيلها وقبيلها ويؤثر الأثر المطلوب في العقول. فقد نقل الفرس علومهم عن جيرانهم الهنود ونقل الرومان عن اليونان ونقل اليونان عن المصريين ونقل العرب عن اليونان والفرس ونقل الإفرنج عن العرب واليونان والرومان وغيرهم من أمم الخليقة. وقد مست الحاجة في هذا النقل إلى ترجمة أهم كتب أولئك الأقوام في الصناعات والديانات وعلوم الحكمة والطب والرياضيات والشرائع والتاريخ والأدب. هذا الكثير من العلوم التي نراها لعهدنا وكتبها التي لا تحصى في كل ضرب من ضروب المعرفة النافعة لسعادة الخلق هي ولا جرم من عمل القرون المتطاولة هي زبدة تجارب صفوة بني آدم وأغض ثمرات عقولهم منذ ألوف من السنين تكونت فيها أمم كثيرة ثم بادت وقامت مدنيات تذكر ثم سقطت منها ما نقل إلينا ومنها ما لم ينقل. فكما أن اللغات والشعوب ترجع إلى أصول قليلة تفرع عنها هذا العدد الدثر من الأجيال المعروفة في قارات الكرة الأرضية الخمس فكذلك كانت العلوم قليلة وما برحت تنمو بنمو الأيام والأزمان. وحال النقل من حيث القلة والكثرة حال العلوم والأمم حذو القذة بالقذة. ولما تم للعرب النصر وتبسطوا في مناحي الملك والسلطان وانتشرت لغتهم في معظم الأصقاع التي افتتحوها انصرفت عنايتهم إلى تنظيم بلادهم بنظام الأمم التي سلفتهم إذ أيقنوا أن ليس كالعلم كفيلاً ببقاء أمة وضامناً لها سعادتها والعلم لا يتم إلا بالنقل عن أمة أخرى. وقد أمر الرسول صلى الله عليه وسلم أحد أصحابه بتعلم لغة اليهود كما تعلم بعض الصحابة لغة الحبشة لما هاجروا إليها في بدء الدعوة الإسلامية. دع عنك من دخلوا في الإسلام من الفرس ومن تعلم من العرب لغة فارس. وهذا كان مبدأ النقل والتعريب وإن لم يؤثر عن هذا الدور كتاب ولا رسالة لأن الأمة كانت أمية ولم تكن دونت بعد أهم علم عندها إلا وهو علم الدين فأحر بها أن لا تنقل عن غيرها علوماً هي بالنسبة إليها ثانوية. وأول كتاب نقل إلى العربية كتاب أهرن بن أعين وجده عمر بن عبد العزيز في خزائن الكتب فأمر بإخراجه ووضعه في مصلاه واستخار الله في إخراجه إلى المسلمين للانتفاع به فلما تم له في ذلك أربعون صباحاً أخرجه إلى الناس وبثه في أيديهم وكان المنصور أول من عني من العباسيين بنقل شيءٍ من علوم الأوائل ثم مشى على أثره جعفر البرمكي وجماعة من صنائع الدولة إلا أن غرام المأمون بذلك كان من وراء الغاية. قال القاضي صاعد بن أحمد الأندلسي أن العرب في صدر الإسلام لم تعن بشيءٍ من العلوم إلا بلغتها ومعرفة أحكام شريعتها حاشا صناعة الطب فإنها كانت موجودة عند أفراد منهم غير منكورة عند جماهيرهم لحاجة الناس طراً إليها فهذه كانت حال العرب في الدولة الأموية فلما أدال الله تعالى للهاشمية وصرف الملك إليهم ثبت الهمم من غفلتها وهبت الفطن من ميتتها وكان أول من عني منهم بالعلوم الخليفة الثاني أبو جعفر المنصور وكان مع براعته في الفقه كلفاً في علم الفلسفة وخاصة في علم النجوم. قال ولما أفضت الخلافة إلى الخليفة السابع عبد الله المأمون بن هرون الرشيد تمم ما بدأ به جده المنصور فأقبل على طلب العلم في مواضعه وداخل ملك الروم وسألهم صلته بما لديهم من كتب الفلسفة فبعثوا إليه منها ما حضرهم فاستجاد لها مهرة التراجمة وكلفهم أحكام ترجمتها فترجمت له على غاية ما أمكن ثم حرض الناس على قراءتها ورغبهم في تعليمها فكان يخلو بالحكماء ويأنس بمناظرتهم ويلتذ بمذاكرتهم علماً منه بأن أهل العلم صفوة الله من خلقه ونخبته من عباده. نعم بلغت عناية المأمون بالعلم والنقل التي لا فوقها وقد ادعى بعضهم أن عدد المترجمين والناقلين والمصححين الذين حشرهم إليه من أطراف مملكته كانوا ثلاثمائة رجل من مختلف الأديان والمذاهب أمرهم أن لا يجعلوا للتعصب عليهم سبيلاً وإن ينبذوا الجدالات الدينية ظهرياً لتكون اجتماعاتهم علمية صرفة. وقيل أنهم كانوا يجتمعون مرة في الأسبوع فتعرض المترجمات على أناس من أهل العلم والبصر بالعربية فيقرون سليمها وينبذون سقيمها. وعلى عهده كثر الاعتماد على النحت والاشتقاق والوضع لترجمة المصطلحات الطبية وغيرها من العلوم المادية وكان المأمون ينفق على المترجمين أكثر مما يصرفه غيره على ملاذه في بضع عشرات من السنين. وبعد فإن الناس من لا يعدون من المؤلفين غير من يأتون بشيءٍ من عندهم ولو غثاً تافهاً أو ينقلون كلاماً لغيرهم وينسقونه ويضيفون إليه ما يشاءون على أن من عنوا بإجادة النقل والترجمة من لغات الأعاجم إلى لغتهم هم في الأكثر ليسوا في فضلهم وأفضالهم دون أولئك المؤلفين بل أن من ينقل علماً لا عهد لأمته به أفضل من أكثر أرباب التواليف والمصنفات. ولذلك تقاضانا عرفان الجميل لبيض أيادي أولئك التراجمة في الإسلام أن نذكر أسماء من عثرنا عليهم منهم وندل على الجهابذة المهرة فيهم. ولابد من الإشارة إلى أن معظم التراجمة قديماً وحديثاً كانوا من غير أهل الإسلام لحكمة ربما كان فيها معنى من معاني ما قبل من أن العلم لو نزل من السماء لتلقاه قوم من أهل فارس. ولعل تقسيم الأعمال قضى على المسلمين أن ينقطع علماؤهم إلى تدوين العلوم الدينية واللسانية وتركوا غيرها من الأشغال العلمية لمن يحسنها أو يخلق وقد لقنها من صغره من أهل ذمتهم أو غير أرباب نحلتهم. نقل اصطفان القديم الكيمياء لخالد بن يزيد الأموي في القرن الأول كما تعلمها هذا من مريانوس الراهب الرومي فكان هذا أول كتاب نقل. ونقل ماسر جويه السرياني كتاب أهرن بن أعين بأمر أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز وكان البطريق في أيام المنصور وأمره بنقل أشياء من الكتب القديمة وابنه أبو زكريا يحيى ابن البطريق وكان في جملة الحسن بن سهل. وكان حنين بن اسحق أول من نقل شيئاً من علوم الروم إلى السرياني ثم إلى العربي وكان هذا الرجل يحسن السريانية والعربية والرومية والفارسية بل يعرف غريبها ومستعملها وهو الذي اختار له المتوكل لما أتمنه على الترجمة كتاباً نحارير وكانوا يترجمون ويتصفح ما ترجموا كاصطفين بن بسيل وموسى بن خالد الترجمان وقيضا الرهاوي وسيرجس الراسي. وما أنا بمبالغ لو قلت أن حنيناً نقل ربع ما ترجم إلى العربية من علوم الأوائل أيام التمدن الإسلامي وكان ربعه الجيد الذي لا غبار عليه وذلك لأنه كان زيادة على إحكامه لتلك اللغات الأربع عالماً بالعلوم التي ينقلها من طبها وفلسفتها. ولحنين ولدان داود واسحق صنف لهما كتباً طبية في المبادئ والتعليم ونقل لهما كتباً كثيرة من كتب جالينوس واشتهر اسحق وتميز في صناعة الطب وله تصانيف كثيرة إلا أن جل عنايته كانت مصروفة إلى نقل الكتب الحكمية وكان اسحق يحسن اللغات التي يحسنها أبوه وقلد هارون الرشيد يوحنا بن ماسويه ترجمة الكتب القديمة مما وجد بأنقرة وعمورية وسائر بلاد الروم ووضعه أميناً على الترجمة. وكان جرجس ابن جبرائيل أول من ابتدأ في نقل الكتب الطبية إلى العربية عندما استدعاه المنصور. وحبيش الأعسم بن أخت حنين بن اسحق وتلميذه ناقل مجود يلحق بحنين واسحق. وعيسى بن يحيى بن إبراهيم كان أيضاً تلميذاً لحنين بن اسحق وكان فاضلاً أثنى عليه حنين ورضي نقله وقلده فيه. وقسطا بن لوقا البعلبكي كان ناقلاً خبيراً باللغات فاضلاً في العلوم الحكمية وغيرها. وما نقله أيوب المعروف بالأبرش في آخر عمره يضاهي نقل حنين. وسلام الأبرش من النقلة القدماء في أيام البرامكة ويوجد بنقله السماع الطبيعي. وأبو النصر بداري بن أيوب وابن رابطة وتيوفبلي وشملي وعيسى بن نوح وقويري وداريع الراهب وهيابثيون وصليبا وثابت بن قمع وأيوب وسمعان فسرازيج بطليموس لمحمد بن برمك. وأبو عمرو يوحنا بن يوسف الكاتب. وترجم آل نوبخت إلى الفارسية وترجموا منها ولابن نوبخت الفضل بن نوبخت نقل حنين في النجوم ومنهم موسى ويوسف ابنا خالد. ومن النقلة من الفارسي إلى العربي علي بن زياد التميمي ويكنى أبا الحسن وسهل بن هارون والبلاذري أحمد بن يحيى وجبلة بن سالم كاتب هشام واسحق بن يزيد ومحمد بن بهرام بن ميطار الأصفهاني والفتح بن علي البنداري وعبد الله بن علي وأبو حاتم البلخي ومحمد بن الجهم وهشام بن القاسم وموسى بن عيسى الكردي وزادوية ابن شاهويه الأصفهاني وبهرام بن مرداشان وعمر بن الفرخان. وابن الفرخان هذا هو أحد حذاق التراجمة في الإسلام وهم كما قال أبو معشر في كتاب المذاكرات حنين بن اسحق ويعقوب بن اسحق الكندي وثابت بن قرة الحراني وعمر بن الفرخان الطبري. ونقل من السريانية الحديثي الكاتب والحسن بن البهلول الأواني الطبرهاني وأبو البشر متى والتفليسي ومرلاحي نقل بين يدي علي بن إبراهيم الدهكي وداريشوع كان يفسر لاسحق بن سليمان بن علي الهاشمي وكذلك إبراهيم بن بكسن وعلي بن إبراهيم بن بكسن وأيوب بن قاسم الرقي ومن نقله كتاب الايساغوجي. ونقل من الهندية أو السنسكريتية إلى العربية منكة الهندي وأبو الريحان البيروني وابن دهن ومن الكلدانية أو النبطية ابن وحشية ونقل سعيد الفيومي عن العبرانية. وكان أبو علي عيسى بن زرعة اليعقوبي المنطقي أحد النقلة المجودين وله تصانيف مذكورة. ونقل من السرياني إلى العربي ونقل عيسى الرقي من أطباء سيف الدولة ابن حمدان من السريانية أيضاً ونقل منها أيضاً ماسرجيس الطبيب وعيسى بن ماسرجيس كان يلحق بأبيه وكذلك شهدي الكرخي وابن شهدي وكانا متوسطين وفاق الابن أباه في آخره عمره ومن المعروفين بالترجمة ابن جلجل وأبو عبد الله الصقلي. ونقل الحجاج بن مطر للمأمون كتباً منها كتاب إقليدس والمجسطي ثم أصلح نقله فيما بعد ثابت بن قرة الحراني ونقل للمأمون أيضاً عدة كتب حبيب بن بهريز مطران الموصل وممن نقل عن السريانية كثيراً أبو الخير الحسن بن سوار المعروف وابن الخمار وأبو الفرج الملطي ويحيى بن عدي اليعقوبي. ونقل عن الفارسية عبد الله بن علي الفارسي وعبد بن المقفع نقل عن البهلولية أي الفارسية واليونانية كثيراً من كتب الحكمة وممن أجاد النقل من السريانية وغيرها الحسن بن ثابت بن قرة الصابئ ومن تلاميذه عيسى بن أسيد وكان يقدمه ويفضله. ونقل من اليونانية نظيف القس الرومي. وكان عبد المسيح بن عبد الله الناعمي الحمصي المعروف بابن ناعمة متوسط النقل وهو إلى الجودة أميل وفي درجته زروبابن مانحوه ماجوه الناعمي الحمصي. وكان هلال بن أبي هلال الحمصي صحيح النقل ولفظه مبتذل وكذلك كان فثيون الترجمان يلحن ولا علم له بالعربية وكان أبو نصر بن ناري بن أيوب قليل النقل لا يعتد بما نقل ويفوقه بسيل المطران وكان إلى الجودة أميل. ومن المتوسطين في نقلهم أسطاث وحيرون بن رابطة وإبراهيم بن الصلت وثابت الناقل ويوسف الناقل تلميذ عيسى بن صهربخت وأيوب الرهاوي وأبو يوسف الكاتب ويحيى بن البطريق وتدرس السنقل وأبو سعيد عثمان الدمشقي ومصور بن باناس وعبد يشوع بن بهريز وإبراهيم بن بكس. هؤلاء التراجمة الذين عرفناهم في الإسلام وأكثرهم كانوا يرزقون من نقلهم ويعملون مدفوعين بتنشيط الملوك والأمراء والحريصين على خدمة العلم إلا يعقوب بن اسحق الكندي فيلسوف العرب وأحد أبناء ملوكها فإنه كان ينقل لنفسه ولم يرتزق بما كتب. وليس فضل من نشطوا التراجمة دون فضل من ذكرنا من المترجمين كما أن الأفراد الذين نشطوا النقل ورزقوا أناساً عليه يذكرون بالرحمة كما يذكر عمر بن عبد العزيز وخالد الأموي والمنصور والرشيد والمأمون والمتوكل. فقد كان جعفر البرمكي وجماعة من أهل بيته يعنون بأمر النقل والتعريب. وكان منكة الهندي في جملة اسحق بن سليمان بن علي الهاشمي وكان ينقل من اللغة الهندية إلى اللغة الفارسية وكان شير شوع بن قطرب من أهل جندي سابوريبر النقلة ويهاديهم ويتقرب إلى تحصيل الكتب منهم بما يمكنه من المال. ومنهم محمد بن موسى المنجم وهو أحد بني موسى بن شاكر الحساب المشهورين والرياضيين المذكورين وكان محمد هذا أبر الناس بحنين بن اسحق نقل له هذا كثيراً من الكتب الطبية. قال أبو سليمان المنطقي السجستاني أن بني شاكر وهم محمد وأحمد والحسن كانوا يرزقون جماعة من النقلة منهم حنين بن اسحق وحبيش بن الحسن وثابت بن قرة وغيرهم في الشهر نحو خمسمائة دينار. ومنهم علي بن يحيى المعروف بأن المنجم أحد كتاب المأمون وكان نديماً له وعنده فضل ومال إلى الطب فنقلوا له منه كتباً كثيرة ومنهم تادرس الأسقف كان أسقفاً في الكرخ وكان حريصاً على طلب الكتب متقرباً إلى قلوب نقلتها فحصل منها شيئاً كثيراً وصنف له قوم من الأطباء كتباً لها قدر وجعلوها باسمه. ومنهم محمد بن موسى بن عبد الملك نقلت له كتب طبية وكان من جملة العلماء الفضلاء يلخص الكتب ويعتبر جيد الكلام فيها من رديئه. ومنهم عيسى بن يونس الكاتب الحاسب من جملة الفضلاء بالعراق وكان كثير العناية بتحصيل الكتب القديمة والعلوم اليونانية. ومنهم علي المعروف بالفيوم اشتهر باسم المدينة التي كان عاملها وكان النقلة يحصلون من جانبه ويمتازون من فضله. ومنهم أحمد بن محمد المعروف بابن المدبر الكاتب وكان يصل إلى النقلة من ماله وأفضاله شيءٌ كثير. ومنهم إبراهيم بن محمد ابن موسى الكاتب وكان حريصاً على نقل كتب اليونان ومشتملاً على أهل العلم والفضل وعلى النقلة خاصة. ومنهم عبد الله بن اسحق وكان أيضاً حريصاً على نقل الكتب وتحصيلها. ومنهم محمد بن عبد الملك الزيات وكان يقارب عطاؤه للنقلة والنساخ في كل شهر ألفي دينار ونقل باسمه كتب عدة وكان أيضاً ممن نقلت له الكتب اليونانية وترجمت باسم جماعة من أكابر الأطباء مثل يوحنا بن ماسويه وجبرائيل بن بختيشوع بن جبرائيل بن بختيشوع وداود بن سرابيون وسلمويه بن بنان واليسع وإسرائيل بن زكريا بن الطيفوري وحبيش بن الحسن. هذا ما وقفت عليه من حال المتوفرين على النقل والمرغبين فيه قديماً وقد فقدت ملكته من الأمة مدة تربو على خمسة قرون حتى إذا كان أواسط القرن الثالث عشر للهجرة عادت إلى الترجمة بعض حياتها السالفة بفضل النابغين من مدارس الإفرنج في البلاد العربية أو بالمتخرجين على أساتذة بعض المدارس الوطنية ممن تشبعوا بآداب الأمم الراقية وقلدوهم في ممارسة الأعمال العلمية فنقلوا وما برحوا ينقلون أثابهم الله بعض ما تمس إليه الحاجة من علوم الأمم الغربية على قلة نصيرهم وفقدان البواعث والدواعي مدفوعين إلى ذلك بعاملين ألا وهما إحياء لغة عذبة وخدمة العلم الصحيح ولا أمة إذا فقدت لغتها ولا مدنية إذا لم يأخذ الخلف عن السلف والمتأخر عن المتقدم والجاهل عن العالم. المجرة ماذا برقراق السحائب ضمن المجرة من كواكب ليست كمزعم بعضهم نهراً يفيض على الجوانب كلا ولا هي لو تعي زبدٌ بوجه السيل ذائب كلا ولا وادٍ على طرفيه قد صفت كتائب حيث الأسنة داخل الم هبوات تضحك والقواضب أهناك جيشٌ لا أبا لك حذوه جيشٌ محارب فلننتظر حتى نرى من ذا من الجيشين غالب كلا ولا سدمٌ حوت غازاً فهذا الظن كاذب لكن شموسٌ جاريا تٌ ضمن هاتيك السحائب بل أن هاتيك السحا ئب ذات أنجمها الثولقب أجرامها يسبحن في بحر الأثير لكل جانب الكل يذهب في الفضا ء على اختلاف في المذاهب وعلى ارتباطٍ بينها بقوى جواهرها الجواذب يا أيهذا العالم الن جمي كم بك من عجائب كم زار منك مظامنا جرمٌ يجد السير دائب جرم بديعٌ شكله جرم يعد من الغرائب فله نواة ذات نو ر مشرقٍ وله ذوائب ويضيء حتى تستض يء به المشارق والمغارب ويزيد إشراقاً على إشراقه مهما يقارب حتى إذا ما دار حو ل الشمس سافر وهو آيب فكأنه متحملٌ في زوره كتباً لغائب أمخبرٌ أحد النج وم لشمسنا بعض المطالب يا عالماً يحوي عوا لم سائرات في مواكب كم من شموس فيك أك ثرها عن الأبصار عازب شسعت فأسفر بعدها عن مثل أنوار الحباحب وهناك لولا أبعد الأ بعاد نيران لواهب تجلو أشعتها المني رة ما هناك من الغياهب وتوازنت أجرامها فالكل مجذوب وجاذب ولها توابع في تنق لها السريع لها تصاحب تحكي توابع شمسنا فتطوف منها في الجوانب وعلى توابعها تدو ر توابعٌ أخرى صواحب العلم هذا رأيه فيها ورأي العلم صائب يرضى به من كان ذا نظر بعين العقل ثاقب لكن من جهل الحقا ئق من سماعته مغاضب ومن المصائب أن تخا طب جاهلاً ومن المصائب أما الحياة فإن ظ ن العقل فيها غير خائب أيجوز أن الأرض تس كن وحدها بين الكواكب وتكون غير الأرض خا لية كأمثال الخرائب هذا لعمري أن يصح فإنه لمن العجائب إن الحياة تبين حي ث ترى لها وسطاً يناسب ما أوحش الأجرام لم تمرح بها بيض كواكب وترق كأحسنها العيو ن النجل فيها والحواجب يا ساكني تلك النجو م على اختلافٍ في المراتب إني مخاطبكم فلا تلووا الوجوه عن المخاطب بالله قولوا لي أأن تم مثلنا غرض النوائب إنا نعاتبكم إذا لم تفحصوا إنا نعاتب أحياتكم كحياتنا لا تكتموا عنا متاعب أم هل هناك حياتكم صفو فليس بها شوائب إنا لنفزع من مصا ئب لاجئين إلى مصائب إنا بظاهر أرضنا قسمان مغصوب وغاصب الظلم ضيق في وجو هـ رجائنا طرق المكاسب والعلم مغلوبٌ فلا يعلى به والجهل غالب إنا بحالٍ لو علمتم غير محمود العواقب نسعى لنفع الآخري ن من الذين لهم مناصب ونعيش في حال التعا سة بالأماني الكواذب لهفي على الشبان قد سلكوا سبيلاً للمعاطب غيلوا بكل قساوة فبكتهمو حتى الأجانب ويلي على بيض نشر ن من الأسى سود الذوائب يخمشن حر وجوهه ن ويلتمن على الترائب يبكين فقد أعزةٍ ماتوا فهن لهم نوادب بغداد ج. . . القسوة في المدارس أسست المدارس لإنماء القوة العاقلة في الإنسان ولتوسيع المدارك وتنوير العقول وتهذيب النفوس وتدميث الأخلاق وترقية الأفكار ولبث الألفة والإخاء والحب وحقائق الحرية والمساواة ونشر مبادئ الحق والخير والجمال والشرف والشهامة والجرأة ونزاهة القلب. ومن أخص واجباتها أيضاً الاعتناء بالصحة من وراء الغاية وتقوية الجسم تقوية للعقل وكبح جماح الأهواء وإنهاض الهمم ونقض كل وهم وضلال وتمويه وخرافة وتقويم كل اعوجاج وغرس صفات الإنسانية الصرفة وما طاب من العلوم الضرورية للمرء ضرورة الطعام والشراب واللباس. وبالجملة فقد أنشئت المدارس لتقود الإنسان وتدفعه في سبيل الكمال الإنساني. قال كانت الفيلسوف الألماني: سرار تقاء الإنسانية في المدارس. وقال جول سيمون فيلسوف الفرنسيين ليس من واجبات المدارس تعليم العلوم فقط فإن من أخص واجباتها بث الفضيلة والإقدام. وقد اتفق العلماء على الإقرار بوجوب تهذيب النفوس قبل تعليم الرؤوس وتفضيل المبادئ الأدبية على الأصول العلمية ونزع كل غلظة وفظاظة وسيئة باللين والرفق والإقناع. فليست الغاية إذن من إنشاء المدارس اعتقال الأولاد وإملاء الذاكرة فيهم من قواعد الكتب اللغوية والعلمية والرياضية والطبيعية وتحقيرهم وإرهابهم وإهانة نفوسهم وجرح عواطفهم وإيجاعهم بقسوة الشتم والضرب كما يخيل للمعلمين الذين يتوهمون أنهم لا يستطيعون أن يعلموا ويهذبوا إلا بالشتم والضرب. الشتم والضرب في المدارس أثران من آثار الهمجية والتوحش يمثلان كل التمثيل في مدارس القرن العشرين على ما فيه من دلائل التقدم العلمي وعلائم الارتقاء الأدبي. فيعيدان ذكرى أقبح صفحات العصور الغابرة أيام سادت الخشونة والقسوة ولم يكن حد اعتبار الحيوان الناطق فيها يتعدى حد اعتبار رفيقه الحيوان الأبكم إلا بشيء لا يذكر. وهما من أكبر العوامل الحائلة دون إقبال الأولاد على المدارس برغبة داخلية وشوق طبيعي كما أنها من أهم البواعث التي تمثل لهم المدارس سجوناً مظلمة ومحال أسر ومطابق عذاب وشقاء. نحن في زمن لا غنى لنا فيه عن العلم وقد أصبحت المدارس من حاجاتنا الأولية ومن الضروريات التي يجب الاعتماد عليها بعد اعتماد الأمهات والآباء في إعداد رجال المستقبل فنحن إذاً في أشد حاجة إلى ترغيب أحداثنا في المعارف وتحبيب المدارس إلى نفوسهم وجعلها في عيونهم أماكن سرور مقدسة تترفع عن كل ما يمثل الحيوانية ودور استفادة تتعالى عما يشين الإنسانية. ومن الأسف أن القسوة مازالت شعار المدارس والشتم ما انفك لسان حال المعلم والضرب سلاحه وعدته ومع كل ما وصف من أضرار هذين الأثرين القبيحين وقيل في لزوم إبادتهما ومع كل ما صدر من نواهي ذوي النفوذ وأوامر الحكومات في وجوب منعهما ما برح المعلمون قساة القلوب يشتمون الطلبة لأقل الأسباب وينهالون عليهم بالضرب لأدنى الهفوات. مضت قرون كثيرة والقسوة ساعد المربي وعضد المعلم المتينيوالشتم والضرب رائجان في المدارس حتى أن سليمان الحكيم قد أشار باستعمال القضيب في تهذيب البنين. وكان الاسبرطيون يتركون الأولاد في المدرسة جياعاً ويضربونهم كثيراً تشجيعاً لهم على مشاق الحياة وعندما يعجز الولد عن التجلد ويرفع صوته من الألم تتلطخ حياته بالعار. وكان قدماء المصريين يعاقبون التلاميذ بالضرب بالعصي متمثلين بقول القائل_إن آذان التلاميذ في ظهورهم فهم لا يسمعون إلا إذا ضربوا. ولقد بلغ من اعتقاد الناس قبلاً بفائدة القسوة في المدارس أن صار العامة يمازحون التلاميذ بقولهم راح العيد وفرحاته وجاء المعلم وقتلاته وأمسى الوالدون يخوفون الأطفال من المعلمين كما يخوفونهم من المارد والجن والغول. وكان الرجل يقتاد ابنه إلى المدرسة ويقول للمعلم لك اللحم ولي الجلد والعظم فلا تبخل بالفلق أو تتوانى بالضرب. وخير هدية كانت تسر المعلم هي حزمة قضبان وخصوصاً إن كانت أغصان رمان. وجل وصية كان يوصي بها هي الشتم بفظاظة والضرب بقسوة وكان يلام إذا تبسم وبش في وجه الأولاد وتهاون بالعقوبات الشديدة ولم يستعمل وظيفة المنتقم لا وظيفة المهذب. هكذا كانت المدارس سابقاً بؤرة القسوة والجور ومستوبل الشتم والضرب على أن تلك الأيام لم يتجاوز فيها العلم حد الظنون ولم تكن المعارف غير قواعد لغات ولم يكن المعلمون أفضل من رعاة المواشي. وعلماء الأخلاق والنفوس كانوا قلائل نادرين والغرور والتقليد واتباع الأهواء والادعاء والتمويه والتظاهر أمور كانت من أخص صفات المدرسين. أما الآن فما عذرنا وقد تغيرت الأحوال وتبدلت المدارس بفضل العلم الصحيح المؤيد بالتجربة والبرهان والاستقراء والإحصاء وظهرت لدى الناس أضرار التربية القاسية المذلة الموجعة فعمل الفضلاء على استبدال التربية اللطيفة المعزة المقنعة وبها سعوا جهدهم حتى استتب لهم الأمر في أكثر البلدان. وأول من سعى في ذلك في بلاد المشرق علي باشا مبارك أحد وزراء المعارف في مصر والدكتور دانيال بلس رئيس الكلية السورية السابق في بيروت. جعلا التعليم مقروناً بكرامة النفس وأبطلا الشتم والضرب بتاتاً واكتفيا بالقول والقدوة. ومنذ ثلاث سنين صدر أمر نظارة المعارف العثمانية بمعاقبة المعلم الذي يضرب تلاميذه وبمنعه من التعليم إذا عاد لضربهم مرة أخرى وقد حظرت جمعية فلسطين الروسية على معلمي مدارسها ضرب التلاميذ وجعلت من أهم قوانينها طرد كل معلم يقسو ويتصلف. إلا وأن صفات الإنسانية ترتقي في الكون العاقل بواسطة التربية الحسنة والتعليم الجيد. وأهم مقتضيات التربية والتعليم الضرورية جداً هي أن يكون المربي والمعلم قادراً على إقناع التلميذ بأن ما ينهاه عنه مضر حقاً وما يدفعه إليه نافع لا محالة وأن ما يلقنه إياه من الآداب والعلوم ليس إلا مصابيح بين طريق حياته وعوامل تقوده في سبيل الكمال الإنساني دون أن يتعدى حد العقل والضمير فيضغط على الأول ويضعف الثاني أو بالحري يميته وكذلك إقناع التلميذ بحسن نيات المعلم بما يبديه نحوه من الرقة واللطف ودلائل الحب والإكرام. فالمعلم الذي يقسو على التلاميذ ويعاملهم بالشتم والضرب بحجة أنه يروم نفعهم يضر من حيث يقصد الإفادة وبدلاً من نزع السيئات من أخلاقهم نزعاً باتاً كما يخال يزيدها تمكيناً فيهم. لأن الولد الذي يحسن سلوكه خشية الشتم لا حباً بالآداب ويتقن دروسه رهبة الضرب لا رغبة في النجاح يقيم في أعماق نفسه أماكن حصينة للسيئات حتى إذا لاحت لها الفرص وخلت من الرقباء وأمنت العقاب تظهر من مكانها بادية للعيان وهكذا يتعلم الكذب والخداع والرياء ويشب على الجبن واللؤم والحقد وغير ذلك من نتائج القسوة والضغط وتتأصل فيه كراهة المعلم ويخاله عدواً لدوداً. هذا عدا ما يقتبسه من قسوته ويعيه في دماغه من كلماته الفظة الغليظة الدنيئة وعدا ما يتشربه من شراسته وعناده واستبداده. فالقسوة في المدارس من أكبر آفاتها ومن أسوأ سباتها لأنها تخمل عقول الأحداث وتحط نفوسهم وتفقدهم الشعور الأدبي وقوة الإرادة والاعتماد على النفس وصحة الحكم على الأمور والتمييز بين الحسن والقبيح إذ يستسلمون للمعلمين بعقولهم وقلوبهم وينقادون إلى أهوائهم أي أهواء المعلمين انقياداً أعمى يصدهم عن إطلاق مجاري العقل والابتكار والاستنباط والاستنتاج ويزيدهم شراً على شر والفرق بين آداب تلاميذ المعلم المستبد القاسي الفظ المهين الضراب ونجاحهم وبين آداب تلاميذ المعلم اللطيف المحب المكرم المقنع بين ظاهر. قال الأستاذ الحكيم الشيخ محمد عبده: جعل التعليم مقروناً بكرامة النفس هو قوام التربية فإن المعاقبة على الذنب بالإهانة والقسوة لا تؤدب النفس لأنها تخفي الأخلاق الذميمة ولكنها لا تمحوها بل تزيدها وتقويها فتكون كامنة حتى إذا تسنى لها الظهور تظهر في أقبح الصور. وأما الذي يمحو الأخلاق الذميمة فهو الإقناع بقبحها وضررها وحسن المعاملة وتكريم النفس حتى تتكرم من الشوائن وتأنف من كل ما ينافي الشرف. وقال ابن خلدون أن الشدة على المتعلمين مضرة بهم ذلك أن إرهاف الحد في التعليم مضر بالمتعلم سيما في أصاغر الولد لأنه من سوء الملكة ومن كان مرباه بالعسف والقهر من المتعلمين أو المماليك أو الخدم سطا به القهر وضيق عن النفس في انبساطها وذهب بنشاطها ودعاه إلى الكسل وحمل على الكذب والخبث وهو التظاهر بغير ما في ضميره خوفاً من انبساط الأيدي بالقهر عليه وعلمه المكر والخديعة لذلك وصارت له هذه عادة وخلقا وفسدت معاني الإنسانية التي له من حيث الاجتماع والتمدن وهي الحمية والمدافعة عن نفسه ومنزله وصار عيالاً على غيره في ذلك بل وكسلت النفس عن اكتساب الفضائل والخلق الجميل فانقبضت عن غايتها ومدى إنسانيتها فارتكس وعاد في أسفل السافلين وهكذا وقع لكل أمة حصلت في قبضة القهر ونال منها العسف. واعتبره في كل من يملك أمره عليه ولا تكون الملكة لكافلة له رفيقة به وتجد ذلك فيهم استقراءً وانظره في اليهود وما حصل بذلك فيهم من خلق السوء حتى أنهم يوصفون في كل أفق وعصر بالحرج ومعناه في الاصطلاح المشهور التخابث والكيد وسببه ما قلناه فينبغي للمعلم في متعلمه والوالد في ولده أن لا يستبدا عليهما في التأديب. ومن كلام عمر من لم يؤدبه الشرع لا أدبه الله حرصاً على صون النفوس عن مذلة التأديب وعلماً بأن المقدار الذي عينه الشرع لذلك أملك له فإنه أعلم بمصلحته ومن أحسن مذاهب التعليم ما تقدم به الرشيد لمعلم ولده محمد الأمين فقال: يا أحمر إن أمير المؤمنين قد دفع إليك مهجة نفسه وثمرة قلبه فصير يدك عليه مبسوطة وطاعته لك واجبة وكن له بحيث وضعك أمير المؤمنين أقرئه القرآن وعرفه الأخبار وروه الأشعار وعلمه السنن وبصره بمواقع الكلام وبدئه وامنعه من الضحك إلا في أوقاته وخذه بتعظيم مشايخ بني هاشم إذا دخلوا عليه ورفع مجالس القواد إذا حضروا مجلسه ولا تمرن بك ساعة إلا وأنت مغتنم فائدة تفيده إياها من غير أن تحزنه فتميت ذهنه ولا تمعن في مسامحته فيستحلي الفراغ ويألفه وقومه ما استطعت بالقرب والملاينة فإن أباهما فعليك بالشدة والغلظة. هذان رأيان لحكيمين كبيرين من آراء الحكماء التي لا تحصى في هذا الشأن دلهم عليها العلم والاختبار والاستقراء والزمان ويضيق بنا المقام إذا أردنا إحصاء الحوادث المحزنة التي جرت وتجري في المدارس المعروفة بالقسوة. كم من أمهات ثكلن بنيهن لشراسة المعلمين ولكم غض آباءٌ الطرف عن قسوة المدرسين ففقدوا أحداثهم وكم من أولاد ضاع مستقبلهم من غلظة المعلمين. سلوا المستشفيات والبيمارسانات سلوا الكهنة والمشايخ والمشعوذين والأطباء والإحصائيين علهم ينبئونكم صريخاً عن شهداء القسوة في المدارس. ولرب معترض من مزاولي حرفة التعليم الجالسين على كراسي أفلاطون وجول سيمون ومكس ملر وابن رشد المنتحلين لقب السيد المسيح ينتقد بعض كلامي ويرشقني بأسهم من ملام ويتخذ وصية حكيم الإسرائيليين حجة علي وما جوابي إلا أن القسوة في المدارس لا تفيد إلا في البلاد المتوحشة فقط حيث لا أم تهذب الأطفال ولا أب يحسن القدوة ولا هيئة مرتقية تساعد المعلم في نياته ولا قدوة خير تمنع الشر. ومع ذلك فيقتضي حينئذ لمستعمل العصا (في التربية والتعليم) حكمة سليمان وصبر أيوب ورقة السيد المسيح وبحث دروين واستقراء سبينوزا وإلا فالقسوة في المدارس مضرة على كل حال. بيروت جرجي نقولا باز النهضة الأميركية خاتمة بحث معرب عن المجلة الجديدة زادت الهجرة إلى الولايات المتحدة منذ سنة ١٨٧٠ وكانت ألمانيا وإنكلترا من البلاد التي هاجر منها الناس زرافات وبعثت كل من النمسا والنروج والسويد وإيطاليا وفرنسا والصين واليابان عصابات من المهاجرين يغشون البلاد الجديدة ويحملون إليها برؤوس أموال كبيرة وأسست ألمانيا وغيرها مراكز للاستعمار في أميركا الجنوبية. ونظمت إنكلترا لها مملكة استعمارية يبلغ عدد رجالها من مائتي مليون إلى ثلاثمائة منتشرين في أصقاع الأرض ومدت روسيا سلطتها على سيبيريا والأقاليم التي وراء بلاد القوقاز وحلت فرنسا في الهند الصينية ومدغسكر وألمانيا في بحار المحيط وأميركا الجنوبية ونثرت إيطاليا أرجاء بلاد الحبشة بأشلاء أبنائها واليابان تحارب روسيا للاستيلاء على كوريا. أما الولايات المتحدة فلم تنو اتخاذ مثال الأمم المتحدة إلا سنة ١٨٩٨ فدخلت إلى جزائر الهافاي وساموا والفيلبين وكوبا وبورتوريكو وباناما وأخذت تضع العقبات فس سبيل المهاجرين من أوربا والشرق الأقصى وراحت تبعث بجمهور من مهاجرة أبنائها مع رؤوس أموال ضخمة إلى المحال التي بسطت ظل نفوذها عليها. وعقدت المعاهدات التجارية الخاصة مع جمهوريات الجنوب وبعض الممالك الأوربية جاعلة لحماية تجارتها القول والفصل. ومما يدل على بسط سلطة الأميركيين وتوفيقاتهم الاستعمارية استشارهم بجزائر الهافاي سنة ١٩٠٠ تلك الجزائر التي تأخذ منها الولايات المتحدة سبعين ألف طن من السكر وفيها من ضروب الثمار والزهور ما تحار له الألباب وجميع أهلها يقرؤون ويكتبون وقد نالوا الجائزة الأولى في انتشار التعليم الابتدائي بينهم في معرض باريس سنة ١٨٧٨ والعيش فيها من حيث الرغد والرفاهية لا يشبهه إلا المقام في جزائر كناريا. وقد نالت أميركا سنة ٩٩ معظم جزائر ساموا ثم حولت وجهتها نحو استراليا واليابان والصين لما في البلاد الأولى من الخصب والغنى وفي الثانية من الطموح إلى الترقي وفي الثالثة من الضعف والاستسلام. جعل الأميركان قبلتهم تلك الممالك والتجارة مقصدهم الأول نعم بعثوا بدعاة الدين ولكن دعاتهم لم يشبهوا دعاة الكثلكة بحال فهم يبتعدون عن المشاغب والمتاعب ويجعلون التجارة أخص آمالهم ولذلك كان لهم في الصين المقام الأعلى فاستفادت منه أميركا فائدة مذكورة وساعدهم على ذلك مضاهاتهم للأوربيين في متاجرهم في أقصى آسيا كون مدينتهم سان فرنسيسكو أقرب إلى شنغاي وهوكنغ ويوكوها من هامبورغ والهافر ومرسيليا إليها. وقد كان للأمريكان اليد الطولى في إطفاء فتنة البوكسر في الصين سنة ١٩٠٠ وإنقاذ السفارات الأجنبية من الحصار وفتح أبواب الصين للتجارة العامة على قدم المساواة بين الدول. وسياسة الباب المفتوح أمرضتهن كافة ولم تتألم أميركا بمحالفة اليابان وإنكلترا سنة ١٩٠٢ تلك المعاهدة التي أدت في الأحايين إلى خرق سياج هذا الباب في بعض أحوال مخصوصة. ولم يكتف أرباب الأموال من الأميركان أمثال فندربلت وجاي كود وركفلر بتأليف شركات كبيرة للاتجار في الصين بل قامت زمرة من أصحاب الملايين منهم ترى احتكار المشاريع الإفرادية في إحدى الصناعات غاية في البساطة فاحتكر المثري كارنجي الحديد ثم تألفت شركة من كل من كارنجي ومور ومورغان احتكرت الفولاذ في بلاد أميركا وهو من الاحتكارات التي لم يسمع لها مثيل وقد ساعد هؤلاء المحتكرين الثلاثة على احتكار الفولاذ إن كانت لهم الخطوط الحديدية. وبعد أن تم لهم ذلك أنشئوا شركة بحرية تمخر سفنها عباب البحر المحيط ليتمكنوا بواسطة سفنها من الاستيلاء على تجارة الأسواق الخارجية كما تمكنوا من الأخذ بناصية الأسواق الداخلية. ثم أسس المثري مورغان دار صناعة يصنع فيها أرخص السفن وأجودها حتى لا يتيسر لشركة في العالم مهما بلغت من القوة بأن تضاهيه وشركاءه في احتكارهم. غلبت أميركا حكومة إسبانيا منذ سبع سنين فرغب كثير من الدول الأوربية في مسالمة أميركا وأصبحت كل من إنكلترا وألمانيا لا تخاف على نهضتيها إلا من سطوات الأميركان. وحاولت ألمانيا القرب من الولايات المتحدة ولكن هذه لا ترضى عن تلك وهي ترى أبناءها ينزلون في أميركا ويستنزفون أموالها بالإتجار وغيره من الأعمال. أما إنكلترا فحالها مع الولايات المتحدة تختلف عن حال غيرها ذللت لأنها غذت أميركا بأجود لبنها فلما انفصلت عنها عرفت قدر حماية التجارة وتمكنت بهذا المبدأ من التغلب وإحراز قصب السبق لأن تينك الأمتين على طرفي نقيض في صلاتهما التجارية. فأميركا تقول بحماية التجارة وإنكلترا تقول بحريتها. ولقد خيف على مستقبل التجارة الإنكليزية حتى قال غلادستون: مهما كان من سرعة سيرنا معاشر الإنكليز فإن سير الولايات المتحدة قد جعلنا وراءها بمراحل وستكسف تلك البنت أمها وتشل المقام الأول الذي نشغله اليوم فلا نستطيع إذ ذاك أن نصدها عنه إلا كما صدت البندقية وجنوة وهولندا عظمتنا المأثورة. قال الكاتب هذا القول سنة ١٨٧٠ ولم يكد يتم القرن التاسع عشر حتى صارت إنكلترا من هذه الوجهة دولة ثانوية ولأميركا المقام المحمود وحق التصدر والأولية وأمست إنكلترا لا يهمها سبق أميركا وحدها بل قام لها من دول الأرض من حذون حذو الأميركان في مباراتهم التجارية مثل الألمان واليابان والروس. وغير خاف أن العنصر السكسوني من أعظم العناصر إدلالاً بعظمته حتى لقد صرح يوماً سسل رودس الغني المشهور الملقب بنابليون الكاب بأن الله اختار العنصر الذي يتكلم الإنكليزية ليكون أداة يقام بها مجتمع أسس على العدل والحرية والسلام ولطالما صرح نبلاء الأمة الإنكليزية بمثل هذه الأفكار وأظهروا من الفرح بنهضة الأميركيين وأن نجاحهم كيف كان يعد نعمة على البريطانيين لا نقمة. قال بعضهم سئل إسكندر دوماس القصصي الفرنسي ذات يوم أي تأليفه أحب إليه وكان ابنه جالساً بالقرب منه فأشار بيده إلى ابنه وقال هذا. ولذلك أقول أي حسنة تعد لإنكلترا الولايات المتحدة رأس حسناتها أهلها أهل العزائم وهم أجدر منا بالقيام بالعظائم. ومن جملة ما أوصى به سسل رودس من الأعمال الخيرية أن يصرف من ماله على الدهر أجرة تعليم تلميذين من كل ولاية من الولايات المتحدة يجيئون مدرسة اكسفورد الجامعة في بلاده ليتعلموا فيها على نفقته ويعودوا إلى أميركا لتنتفع بهم أمته. قالت إحدى الجرائد ولو كان عكس الأمر بأن أوصى أن يعلم بعض أبناء بلاده في أميركا للوقوف على أحوال الأميركان لعمل خيراً كبيراً. حتى أن القاعدة الشائعة في مدرسة هارفرد الجامعة الأميركية التي سنها الفيلسوف أميرسون الأمريكي هي: أن السكسونيين كانوا وعليهم أن يكونوا العنصر الحاكم المتسلط وما يطمحون إليه هو أبسط النفوذ والقدرة على الاضطلاع بالأعمال. وبعد فإن النهضة الأميركية أحدث من النهضة الإنكليزية وأقوى من النهضة الألمانية والروسية وأحسن انتظاماً من النهضة اليابانية ومنها الخوف القريب على مستقبل العالم. وأن مبدأ مونرو مضافاً إلى نهضتها الزراعية والصناعية والتجارية هو ما يطوي الأحشاء منها وجل أبداً من حيث الأمور السياسية. ولقد كان للنساء اليد الطولى في هذا الارتقاء فإنك ترى للمرأة في الولايات المتحدة من الاعتبار والمقام مالا تراه لها في بلاد أخرى من ممالك الأرض. فالمرأة هناك تؤسس البيوت على التقوى والحب لا على المصلحة والمنفعة وتنفخ في ذويها النشاط الذي يعلى منزلة الإنسان وتحببه إلى النفوس. فمن أجل المرأة قام الأميركان بأعمال عظيمة في حروب الرقيق المدعوة بحروب الانشقاق ومن أجل المرأة ترى الأميركي معجباً بنهضته وساهراً أبداً على دفعها إلى أقصى غايات الكمال على أن في الولايات المتحدة من المسائل السياسية الداخلية ما لم توفق بعد إلى حله مثل مسألة الرقيق والمسألة المالية ومسألة الجيش ومسألة البحرية ولا ينبغي لمن يرغب في العمل من الدول أن ينتظر ريثما تنحل هذه المشاكل لئلا تفوته الفرصة وتنادي محبة المباراة منهن الصيف ضيعت اللبن. أما المسائل العسكرية والبحرية فالولايات المتحدة تحلها أي حل ناهيك بأمة لم يكن لها سنة ١٨٩١ من السفن الحربية ما يستحق الذكر وصار لها اليوم المقام الثاني بين الدول البحرية وتطمح إلى إحراز المقام الأول مما يتأتى لها في القريب العاجل. وإني لآمل أن لا يذهب كلامي في الهواء إذ أن نهضة الأميركان تستحق أن تستدعي أنظار الأوروبيين ما دامت تسوي كل مسائلهم ويمتلئ الفراغ وتصلح النواقص ولم يبق في الولايات المتحدة في الحقيقة غير مسألة السود التي تنحل بطبعها يوماً عن آخر. وما برح إخلاف عبيد إفريقية ينمون منذ حرب الرقيق وكانوا إذ ذاك أربعة ملايين فغدوا اليوم من اثني عشر إلى ثلاثة عشر مليوناً على أن السواد الأعظم منهم ما برحوا في ذهول وخمول وما فتئ الأميركيون يكرهونهم كثيراً وإن حرروا من رقهم فقد لا تجد فتاة أميركية تزوجت بزنجي ولطالما عوقب بعض الزنوج على إن أطالوا يد تعديهم على النساء البيض ومزقوهن إرباً إربا وهذا ناتج عن البغض القديم المتأصل بين العنصرين ويزيد فيه الصفات السيئة التي اختص بها الزنوج بيد أن العقول ما برحت تفكر في تلك البلاد بإيجاد حل لهذا الإشكال ووضع دواء لهذا الداء وذلك من طريق العلم والتربية. قام العمراني الأسود كوكر واشنطون وأنشأ مدرسة جامعة عظمى للسود في مدينة توسكيكو وأسست فيها مدارس خاصة بالزنوج تكون تحت مناظرة العقلاء من الأميركيين. وقد عني رجال الأميركان ومنهم الرئيس روزفلت اليوم بتحرير الجنس الأسود من رقه الأدبي فدعا إلى تناول الطعام على مائدته كوكر واشنطون المشار إليه ولم تخش الآنسة ابنته على سواد بشرتها من التنزه مع النساء البيض. ولا يلبث السود أن يتعلموا لترتفع مداركهم عن التسفل والفظاظة وليفنوا في كيان الأميركيين كما يفنى غيرهم من المهاجرين. وإني أعود فأقول أن نهضة الأميركيين جديرة أن تدرس حق دراستها وإلا ساءت مغبة أوروبا وباءت بالخسران العظيم وخصوصاً إذا تمت الأمنية بعقد تحالف إنكليزي أميركي. وليعلم الدول كلهن مع هذه القوة الهائلة أن للجميع_كما قال الفيلسوف سبينوزا_محل من بيت الرب أي مجال لكل الرجال في هذه لحياة الدنيا ليعلموا والله يعلم السر وأخفى. أكلة التراب معربة عن مجلة الطبيعة الفرنسية أكلة التراب من العادات المشاهدة في جميع أطراف العالم فلا يتناوله المتناولون أجزاءً صغيرة كما تؤخذ التوابل بل يكثرون من تناوله بكميات وافرة. وقد قال بلين أن بعض الرومانيين كانوا يمزجون الحنطة بالطباشير المستخرج من ضواحي بوزليس إحدى مدن إيطاليا اليوم. وكان التراب المختوم المجلوب من جزيرة لمنوس وأرمينية يستعمل في الطب. ويأكل بعضهم الطين في أميركا الجنوبية في خلال الفيضانات كما يتخذون التراب إداماً في المعجنات في بورتو والهند والصين ويقوم الصلصال الأبيض مقام صحفة من الحلواء في شاطئ الذهب بإفريقية. ويتخذ من الحجر الرخص الأبيض طعمٌ لقنص الثعالب والوعول وغيرهم من الحيوانات الكاسرة. وسمن الحجر معروف عند العملة الألمان. وقد شاع استعمال تراب صالح في بلاد فارس. وأهل السنغال يمزجون تراب المغرة طين أحمر بالأرز فيأكلونه. وثبت في الهند خاصة منذ عهد طويل أن أكل التراب ينتهي بصاحبه إلى الموت. ويظهر أن القوم في أمريكا الجنوبية يضعون في الليل على عيون الأطفال أوجهاً مستعارة لمنعهم من قلع الجبس عن الحيطان وأكله. وكثيراً ما شوهد أن أناساً في بعض الأصقاع يتناولون كمية من التراب أو الخزف المكرر فقد ثبت أن العثماني كذا يتناول نصف رطل مصري في النهار وأن الفرد في إقليم البنغال من بلاد الهند يتناول ستة أواق. ويجعل التراب أو الخزف بعض الأحيان تماثيل صغيرة وغيرها كما نجعل السكر والحلويات وأقراص الطحين والعسل والتوابل. فيستخدمون في البنغال وبوليفيا صور قديسين من الطين والخزف كما يتخذون منها في جاوة صور آدميين وحيوانات. والتراب أكثر شيوعاً من الخزف. ولقد أدى البحث عن أسباب مرض آكل التراب ليوم إلى أنه ينبغي التمييز بين ما استعمله بعض الشعوب في كل زمن من مزج طعامهم بمواد حديدية مختلفة وبين المرض الذي يصاب به بعضهم في الأصقاع معينة وهو عبارة عن ابتلاع كمية عظيمة من التراب. فإن من الأمراض ما ينشأ عنه ميل إلى تناول التراب مثل بعض أمراض الهستريا والجنون والخبل. وكذلك بعض النساء في حال الحبل. ويكثر الميل إلى ذلك بالأكثر في الأمراض التي تحدث عنها اضطراب في المعدة ويشكو أربابها بضيق وجوع واحتراق في القسم الشراسيفي فيتوهمون أنهم إذا ابتلعوا جسماً ثقيلاً تسكن آلامهم وهذا ضرب خاص من ضروب الطوى الشديد وجوع البقر ومن جملة الأمراض الشائعة في أقطارنا ما ينجم عنه حالياً إفراط في اشتهاء الطعام وميل إلى ابتلاع ماد صلبة ولو لم تكن مغذية هو مرض الأنيميا المصرية داءٌ عني بالنظر فيه بعض أهل العلم منذ بضع سنين فثبت الهم أنه يحدث من ديدان صغيرة قليلة كانت أو كثيرة تعلق في الغشاء المخاطي المعدي على مساواة الإثني عشري أي القسم الأول منت المعي الرقيق ولا يصاب به في البلاد الأوروبية غير عملة المناجم ولذلك يدعى أيضاً هزال المعدنين. كما يصاب به العملة الذين يشتغلون في الأنفاق ومعامل الخزف والقرميد. والحرارة والرطوبة هي من الأسباب الجوهرية في نمو هذه الديدان. فتعيش الدودة وتبيض في معي المرء كما تنمو في الطين الذي هو إلى الحرارة وتدخل الجسم عن طريق الجلد أو عن طريق الفم وبهذا عرفت أن دودة الأحشاء هذه التي يقل نموها في البلاد الباردة للأسباب المقدمة آنفاً يكثر نموها في الأصقاع الحارة والرطبة. وبعد فقد ثبت وجود الأنيميا المصرية مثلاً في مصر وعلى ساحل إفريقية تقريباً وإنه يصاب بها الزنوج أحياناً بصورة شديدة للغاية. وقد وجد الباحثون بين المصابين بها أناساً من أكلة التراب كانوا يحملون داء الأنيميا في أحشائهم. ومن السهل أن نتصور مبلغ ما يتعرض له أكلة التراب من الأخطار إذا عرفنا أنه مملوءٌ بالدويبات والجراثيم. ولا يعد أن ينجلي البحث في المستقبل عما إذا كانت نسبة بين الأصقاع التي ينتشر فيها مرض الأنيميا المصرية وبين الأصقاع التي يؤثر عن أهلها أكل التراب. وإنا لنرى أكلة التراب على كثرة في الهند كما نجد مرض الأنيميا. وكذلك الحال في الصين والهند الصينية وسيام واليابان. وقد بحث سنتيل في مرض الأنيميا في أمريكا فثبت له أنها منتشرة في الأرجاء التي شوهد فيها أكلة التراب وأنه لا يصاب بها الهنود فقط تتناول الزنوج والبيض أيضاً. ويروى أن أكلة التراب يموتون في أمريكا شر ميتة فتبدو عليهم أعراض الهزال فيهلكون. هذا وقد ثبت أن الأنيميا تسبق في الغالب عادة أكل التراب وقيل أنه سبب الأنيميا ولا يدرك ذلك في الأنيميا البسيطة وتظهر كل الظهور إذا كانت الأنيميا ناشئة عن ديدان. تراسل الأفكار حدث مرةً أن أميراً شهيراً من أمراء بلاد بعث بنفر من أخص اتباعه إلى إيالة يتولى أمرها رجل وافر الثروة عظيم الجاه نافذ الكلمة حتى صبح نداً للأمير المشار إليه يخشى بأسه ويحذر جانبه فلم ير الأمير من وسيلة للتفرد بالحكم والسلطان سوى التخلص من ذلك الند بطريقة من الطرق وبعد التروي في الأمر عول على اغتياله فأسر ذلك إلى الأتباع المنوه عنهم وبقي سراً مدفوناً في قلوبهم لا يعلم به أحد من البشر. وبينما الأتباع سائرون لقضاء مهمتهم في وسط واد وإذا برجل واقف على صخر شاهق يناديهم قائلاً أيها القوم ألا يكفي اثنان منكم لقتل فلان وذكر اسم الرجل فعرتهم الدهشة وتولاهم الهلع والذهول لأن رجلاً آخر في العالم وقف على سر الدسيسة وهم على يقين أنه لم يعلم أحد سواهم به إلا الأمير. وهذه الحقيقة وأمثالها التي كان يسخر منها العلماء منذ بضع سنين وينسبونها إلى الصدفة أو الأوهام قد أصبحت شغلاً شاغلاً لعلماء ما وراء المادة وسيكون لها شأن خطير في رفع ستار الإبهام عن حقيقة القوى العقلية التي لا نعلم من أمرها حتى الآن سوى النزر اليسير. الطريقة التي جرى عليها البشر في نقل الأفكار من دماغ إلى دماغ أو من عقل إلى عقل هي واحدة من اثنتين وهما اللفظ والكتابة ففي الأولى يكون عضو السمع هو الواسطة في نقل الفكر إلى الدماغ وفي الثانية يكون الواسطة عضو البصر إلا أنه قد تبين الآن بعد طول البحث والاختبار أن هنالك طريقة ثالثة ينتقل بها الفكر من دماغ إلى آخر في الفضاء على مسافة ألوف من الأميال دون وسيلة من الوسائل المادية وهذه الظاهرة الغريبة من ظواهر علم ما وراء المادة التي لم يتفق العلماء حتى الآن على وضع لفظ لها في اللغات الأجنبية يقع عليه الإجماع قد أطلقنا عليها في العربية لفظ تراسل الأفكار وهي الغرض من هذه المقالة. والمراد بتراسل الأفكار انتقال فكر من دماغ إلى دماغ دون توسط إحدى آلات الحس المعروفة فقد يتفق أن ينقل شاب في القاهرة وهو في حال النزع شعوره في لحظة حدوث تلك الأعراض لوالدة له قد تكون في باريس مثلاً فتشعر بنزع ابنها في تلك اللحظة عينها وليس فقط بل قد يتاح له أن ينقل إليها في تلك اللحظة أيضاً وصيته وأمانيه الأخيرة بحيث تتجلى لوالدته واضحة كل الوضوح وليس هذا من باب التخرصات والأوهام ولكنه حقيقة علمية أجمع جلة الفلاسفة على الإقرار بصحتها ولكنهم اختلفوا في تعليلها وهم في ذلك فريقان فريق الماديين وفريق الروحيين. والشواهد على صحة ما تقدم كثيرة تعد بالألوف نجتزئ هنا بذكر واحدة منها يكون بمثابة أنموذج للمطالع اللبيب وهو أن شقيقة أحد الجنود الذين توجهوا إلى الترنسفال أثناء حرب البوير شعرت فجأة في لندرا أن أخاها أصيب برصاصة في صدره والدم ينزف غزيراً من جرحه وأفادها في تلك اللحظة عينها أنه عندما سقط جريحاً في ميدان الوغى عاونه رفيقان احتملاه من موضعه وأغاثاه جهد الطاقة وذكر اسميهما لها دون أن تكون قد سمعت بهما قبلاً على الإطلاق وأوصاها أن تخصهما بهبات مخصوصة من ملكه عينها لها تكون بمثابة تذكار منه إليهما اعترافاً بشهامتها فدونت الشقيقة هذا الشعور والتاريخ بالدقة ولم يكن سوى بضعة أسابيع حتى وردتها التفاصيل مؤيدة لما تقدم كل التأييد. وليس من داع إلى الأغراب في إيراد الأدلة والشواهد فقد جرى في نفس القاهرة منذ عام أو عامين ما هو بمثابة ثبت لما تقدم إذ جاء رجل وامرأة وأظهرا من البراعة في قراءة الأفكار ما حير الحاضرين وأدهشهم ولقد تفنن الحضور في الإضمار تفنناً حتى أن أحدهم أخذ دبوساً ووضعه ضمن لفافة وضعها مع لفائف أخرى في علبة جعلها في جيبه فلما اقتربت المرأة من الرجل اعترتها هزة عصبية كمن هو في حيرة ثم ما لبثت أن وضعت يدها في جيب الرجل وأخرجت منها اللفافة فقطعتها قطعاً وأخرجت من وسطها الدبوس وهي تنتفض انتفاضاً. ومن أهم شروط قراءة الأفكار أن يكون القارئ معصوب العينين لكي لا يستعين بقوة فراسته والاستدلال بملامح الوجه على ما يدور في خلد من أمامه وليتمكن من جمع قوى الذهن حتى تكون أشد تأثيراً وانفعالاً إذا كان مفتوح العينين وقد جلس مشاهير قراء الأفكار في حضرة أعظم ملوك العالم والقابضين على أعنة أحكامه فأدهشوا الحضور بما كانوا يأتونه من الإصابة في الحكم وكشف مخبآت الأفكار. غير أن هنالك فرقاً جوهرياً بين قراءة الأفكار وتراسلها إذ أنه لابد في الحالة الأولى للقارئ من لمس أطراف أنامل الشخص أو جبهته أما في الحالة الثانية فلا شيءٌ من الملامسة بل تنتقل الأفكار من دماغ إلى دماغ آخر على بعد ألوف من الأميال دون توسط آلة من آلات الحواس المعروفة على ما مر بيانه وهو العقدة التي وقفت عندها الباب علماء ما وراء المادة حيارى يتلمسون لها حلاً ينطبق على شرائع الطبيعة ونواميسها. إذا رميت حجراً في بركة ماء ساكن تكونت نقطة الوقوع في دوائر لا تحصى من التموجات تزيد كل منها عن التي ضمنها حتى تتلاشى في المحيط وذلك لأن دقائق السوائل سهلة الحركة فتفعل فيها القوة فعلاً متساوياً إلى كل الجهات وهذا هو السبب في تكون الحركة الناشئة من سقوط الحجر على شكل دوائر مختلفة الحجم لها مركز واحد وهو نقطة الوقوع ونفس هذه التموجات التي تحدث في الماء تحدث أيضاً في الهواء الذي هو في عرف علماء الطبيعة سائل لطيف فإذا صفقت كفاً بكف أحدث الصفق تموجات في الهواء إلى سائر الجهات فتقع على الأذن فتهتز طبلتها اهتزازاً يختلف باختلاف شدة الصفق وتنتقل الاهتزازات المذكورة على طرق لا مجال لتفصيلها إلى العصب السمعي الذي ينقلها إلى حاسة السمع في الدماغ فيشعر بالصوت. إلا أن هناك سائلاً آخر في غاية اللطافة يملأ جوانب الفضاء ويتخلل إبعاد الأجرام السماوية ومسافات الكون لم تشاهده عين ولم تسمعه إذن ولم يخطر على قلب بشر في العصور السالفة أطلق عليه العلماء اسم الأثير واستدلوا على وجوده بأدلة ليس هنا محل شرحها فإذا تموجت دقائق هذا السائل تموجات خصوصية أحدثت الظاهرة الطبيعية التي نسميها بالنور وما اختلاف ألوان النور التي نشاهدها في قوس قزح سوى اختلاف تموجات الأثير فإذا انخفضت إلى درجة معلومة أصبحت حرارة أي أمواجاً لا تدرك بالعين بل يشعر بها بأعصاب الحس فالنور والحرارة إذاً صنوان إنما يدرك أحدهما بحاسة البصر والآخر بحاسة اللمس تبعاً لتموجات هذا الوسط اللطيف المسمى بالأثير. واعتقاد الفريق الأكبر من العلماء الآن هو أن الفكر الذي يتولد في الدماغ يحدث أمواجاً خصوصية في الأثير شبيهة بأمواج النور التي مر بك بيانها ولكل فكر تموجه الخاص كما أن للأزرق من النور تموجات خصوصية في الأثير وللأحمر مثلها فكذلك لكل نوع من الأفكار تموجه الخصوصي في الوسط المشار إليه وكما أن النور يسير بسرعة مدهشة تبلغ نحواً من مائتي ألف ميل في الثانية حتى يتاح لنا إبصاره لحظة حدوثه فكذلك يتاح للفكر أن يحدث تموجاته الخصوصية في الأثير سائراً بمثل هذه السرعة العجيبة وكما يتأتى للقوة الباصرة في الدماغ أن تشعر بالنور على مثل هذه المسافة فكذلك يتأتى للدماغ أن يشعر بتموجات الفكر الصادر إليه من دماغ آخر لحظة حدوثها ولو كان أحدهما في جانب من الكرة الأرضية والآخر في الجانب المقابل. فإذا أدركت ذلك هان عليك أن تقفه كيف تنتقل الأفكار لحظة حدوثها من دماغ إلى دماغ على مسافات شاسعة وكيف يمكن لقريب أن يشعر بما يجول في دماغ قريب له يقضي نحبه غير أن ذلك لا يتأتى لكل فرد الحصول عليه إذ لابد هنالك من استعداد خاص في الدماغ يؤهله لهذا الشعور البالغ منتهى الرقة ولولا ذلك لكان كل فرد من البشر قارئ أفكار والواقع يدلنا على أن ذلك محصور بفئة قليلة جداً ثم إن هذا الشعور دليل على وجود نفس للإنسان تتجلى لقريبها لحظة انفصالها عن الجسد أو هو ظاهرة طبيعية محضة يكفي التعليل عنها بما تقدم فهو مما لم يقطع به العلماء حتى الآن وليس من راضنا الخوض به في هذه المقالة فلكل فريق أدلته ولكل عالم دينه. القاهرة الدكتورخليل سعادة شاه إيران فقدت بلاد فارس صاحبها الحكيم ومدبرها العظيم وأباها البر الرحيم الطيب الذكر مظفر الدين شاه. توفاه الله في الشهر الماضي عقيب مرض طالت به برحاؤه واشتدت عليه بلواؤه. داء النقرس والكليتين. فشق نعيه على كل من عرف ما لاقته أمته في عهده من صلاح الحال وحسن المآل. ولد في ١٤ جمادى الثانية سنة ١٢٦٩ وأمه أميرة من الأسرة المالكة ولما شب أخذ في تلقينه العلوم الابتدائية ثم نصب وهو يافع ولياً للعهد وجعل والياً على أذربيجان وأقام في قاعدتها مدينة تبريز معهد أولياء العهد في الحكومة الفارسية وهناك أخذ يتلقى اللغات والعلوم فاحكم منها الفارسية والعربية والتركية والفرنسية وحذق الرياضيات والعقليات والتاريخ والجغرافيا وفن المدفعية وبقي يمارس أعمال الإدارة تسعاً وثلاثين سنة كان في خلالها مظهر العطف والرأفة ومثال العدل والحكمة حتى يروى أنه كان يقول لا وليت ملكا أبناؤه فيه عبيد. تولى عرش السلطة في ٢٣ ذي القعدة سنة ١٣١٣ وإبان فيها عن دراية واسعة ولقد حاول لأول أمره أن يدخل إلى بلاده من الإصلاحات ما تأمن به عوادي الأغيار ويعيش أهلها في نعيم وغبطة لكنه حاذر من نفوذ رجال الدين والإشراف في مملكته وتعصبهم الذي يمازحه جهل بالحديث وجمود على القديم فعزم أن يمهد لذلك بأن يرحل إلى أوربا ويصحب معه زمرة من رجال قصره وأكابر دولته ليروا بأعينهم ما في الغرب من حضارة رافعة وانتظام شامل فيعودوا وقد تشبعوا بفكر الإصلاح ويكونون يده اليمنى في العون عليه ولكن لم يجد منهم في رحلاته الثلاث ما كان يتوقعه وانصرف هناك معظمهم إلى شهواتهم وما خصوا للنظر فيما يقصد إليه مولاهم ولا نزراً من أوقاتهم ولا أعاروه نظرة من التفاتهم. حتى إذا كانت هذه السنة نزع جماعة من الأمة في طهران إلى الثورة ولجأ قسم منهم إلى السفارة الإنكليزية وهاجر قسم إلى الأماكن الطاهرة في العراق أو يدخل الشاه الإصلاح المطلوب وعندها وجد وسيلة إلى منح الأمة ما كان يجول في صدره منذ سنين فمنحها الدستور وشرع لها قاعدة الشورى الإسلامية ولقد خاف أن يدركه الأجل ولم تستحكم من مجلس الأمة قواعده ولما اشتد عليه المرض دعا إليه ولي عهده وأمره بأن يوقع على ورقة كان ألقاها إليه فوقع عليها بدون أن يراها تأدباً وقال له هذا هو الدستور الذي منحناه للأمة. ولما بلغه وهو على فراش الموت أن ولي عهده غير راض عن الدستور سأله عن معنى ذلك فقال له والعبرات تتساقط من مآقيه: أيجدر بالمملوك أن يخالف أمر مولاه. ومن جملة ما قام به من أعمال الإصلاح أنه تنازل عن راتبه الملوكي وكان خمسة ملايين فرنك فأنزله إلى ٧٥ ألفاً بما له من الثروة العظيمة الخاصة وألغى كثيراً من المكوس والضرائب وأسس في عاصمته مدرستين على الطراز الحديث ليعلم أولاد الفقراء مجاناً وحبس لهما ما يكفيهما من ماله وحث قومه على إنشاء المدارس فنشئت في طهران عشرات من المدارس على الأصول الجديدة وكذلك في معظم المدن الفارسية ما خلا مدارس الحكومة وكان طاب ثراه متديناً غيوراً مفكراً جداً يقرب العلماء والشعراء ويغدق عليهم من جوائزه وعطاياه وهو ثاني ملك شرقي منح أمته الدستور عن طيب خاطر ومات وهو حريص على تنفيذه محاذر أن ينقض ما أبرمه ويهدم ما أقامه. ولذلك كان خطبه جسيماً والأسف عليه عميماً. أما خلفه الشاه محمد علي فقد ولد في ١٤ ربيع الثاني سنة ١٢٨٩ وأقيم ولياً للعهد وحاكماً على أذربيجان يوم وفاة جده ناصر الدين شاه وتولي والده منصة العرش الفارسي وقد تعلم حد الكفاية من العلوم واللغات وهو يعرف العربية والإنكليزية والروسية والفرنسية مولع بالضرب على بعض أدوات الطرب موصوف بالنباهة قوي البنية تغلب عليه حدة الشباب في الأحايين ولعل بلاد الأكاسرة تلاقي منه خير نصير في إتمام ما بدأ به والده من الإصلاحات النافعة في عمران ذلك الملك وارتفاع شأنه. المسلمون في الفيليبين الفيليبين هي أرخبيل أو مجموع جزائر في الإقيانوس الكبير تتألف من نحو ألف ومائتي جزيرة صغرى وكبرى. وهذه الجزر هي القسم الشمالي من ماليزيا اكتشفها ماجللان الملاح البرتغالي ودعيت باسم فيليب الثاني ملك إسبانيا وهي ممتدة على ١٥٠٠ كيلومتر من الشمال الشرقي من بورنيو بين بحر الصين والمحيط الباسيفيكي وتبلغ مساحتها السطحية ٢٩٦ . ٠٠٠ كيلومتر مربع وأهم محاصيلها البن والأبازير البهارات وقصب السكر والأرز والتبغ والقنب ومن بحرها وأنهارها يستخرج عرق اللؤلؤ والدر بكثرة ومناخها شديد ولذلك كان أهلها وعددهم زهاء سبعة ملايين نسمة أشداء أقوياء. وقد اضمحل سكانها الأصليون إلا قليلاً بما داهمهم من بأس الفاتحين من الماليزيين وأكثر سكانها تمدناً اليوم هم التاغال وعددهم مليون ونصف والفيزايا وعددهم مليونان ونصف والفيكول وعددهم أربعمائة ألف والمورو أي المغاربة وهم المسلمون وعددهم كثير في الجزائر الجنوبية. وهم أخلاط من الماليزيين والصينيين والهنديين والعرب والجاحدين من الأوربيين ويعد في جملة المسلمين قوم من الجورامانتادو يقدمون أرواحهم فدية لله ويتقربون إليه بقتل الكافرين وهم متعصبون على الجملة على ما وصفهم أكثر من كتبوا عنهم. ولقد استولت إسبانيا على هذه الجزر زمناً ولكنها لم تعمرها وغاية ما صرفت وكدها إليه تنصير السكان ليدينوا بالكثلكة فأصبح المتظاهرون بها والمنتحلون لها تسعين في المائة من السكان ولما لقي التاغال والميتيون ما لقوا من سيطرة رجال الدين وسوء الإدارة قاموا يريدون تخفيف ما نالهم وأن يعاملوا بالمساواة مع البيض فنشبت ثورة سنة ١٨٩٦ ولم تنطفئ شعلتها إلا بوعد زعيم الثائرين أن تقوم إسبانيا بالإصلاح المنشود ولما لم تقم هذه الحكومة بوعدها عاد ذاك الزعيم يبدي نواجذ الشر في السنة التالية بمعاونة الولايات المتحدة وبعد أن حاربت الحكومة الأمريكية إسبانيا من أجل هذه الجزائر استولت على الفيليبين وكوبا وبورتوريكو ونكست أعلام إسبانيا وراح الأمريكان يستعمرونها فيحسنون استعمارها. ولما مد السلام رواقه على هذا الأرخبيل وانتهى دور الكتائب والحسام جاء الدور للكتب والأقلام وأخذت المجامع العلمية تبعث برسلها للبحث والتنقيب لتنظر في تاريخ الفيليبين واجتماعها وعمرانها فانتشر منذ سنة نحو عشرين مصنفاً في الكلام على هذه الجزائر ومن جملتها كتاب المورو أي مسلمي الفيليبين لوطنينا الفاضل الدكتور نجيب صليبي. ولقد اطلعنا على مبحث في مجلة العالم الإسلامي الفرنسية اقتطفته من مصادر كثيرة ومنها كتاب جزائر الفيليبين الذي ظهر مؤخراً بالإنكليزية من قلم جون فورمان فآثرنا تحصيله للقراء ليقفوا على أحوال أولئك القوم ويعرفوا مبلغ عناية الغربيين بكل فرع من فروع العلم والاجتماع قالت المجلة الباريسية: شغل المؤلف جزءاً عظيماً من كتابه بالكلام على المسلمين بعد أن أطال عشرتهم وخالط زعماء الثورة ورجال الحكومة منهم فجاء من ذلك ببيان رائده الإنصاف وسداه ولحمته التحقيق وقد أبان في كتابه علاقة مسلمي الفيليبين مع الإسبانيين سابقاً ومع الأمريكيين لاحقاً إلى أواسط سنة ١٩٠٥ . المسلمون اليوم هم عبارة عن ثمانية أو تسعة أعشار جزيرة مينداناو الكبرى وجميع أرخبيل سولو مع جنوبي بالوان وكانوا منتشرين في الشمال من تلك البلاد على عهد الفتح الإسباني ولما نزلت الحملة الإسبانية الأولى في جزيرة لوسون سنة ١٥٠٧ اختلطت لأول أمرها مع الراجا حاكم توندو وابن أخته الراجا سليمان في مانيلا حاضرة الفيليبين اليوم وكان قائد الجيش الإسباني العام إذ ذاك يرى سكان توندو ومانيلا مسلمين ويطلق عليهم في مكاتباته الرسمية لفظ المورو أي المغاربة ولم يكن لأحد من الإسبانيين شك في ذلك لأن المغاربة لم يطردوا الطرد الأخير من إسبانيا إلا سنة ١٤٩٢ . ولقد اختلفت الأقوال في دخول الإسلام إلى تلك الجزر والمرجح أن الجزر الجنوبية مثل ميداناو وسولو انتشر فيها الإسلام لقربها من مسلمي شمالي بورنيو فاستولى المسلمون على سلطنة بورنيو عقيب أن خربوا مملكة الماجاباهيت من بلاد جاوه سنة ١٤٧٣ ولم يتحارب الإسبانيون مع سلاطين المسلمين إلا في سنة ١٥٧٧ وقد تقدم السلطان عبد القهار عدة ملوك مسلمين ومنه بدأ تاريخ الفتن بين المسلمين والإسبانيين. وبالجملة فإن الإسلام انتشر في مينداناو وبورنيو بمساعي دعاة العرب على أنه لم ينتشر حقيقة في جنوبي الفيليبين إبان الفتح الإسباني ولم تنتحل سولو الإسلام إلا بعد أن جاءها دايكس من بورنيو وتزوج أحد زعمائهم المدعو اندازولان - وكان استولى أولاً على جزيرة بازيلان ثم على سولو - من ابنة زعيم من أعيان المسلمين في مينداناو وانتحل الإسلام وأسس سلطنة سولو ثم قويت شوكته باتحاده مع بورنيو ومينداناو. وعادت الأحقاد القديمة فتجددت بين الإسبانيين والمسلمين وحمل الإسبانيون على هؤلاء مدفوعين بعامل السخط الشديد وفي سنة ١٥٧٦ ثار لاكاندولا والراجا سليمان في جزيرة لوسون ولكن قوة الإسبانيين إذ ذاك حالت دون انتشار الكلمة الإسلامية وإن بقيت اليوم بقية من ذرية لاكاندولا في بعض القرى فقد انحط مقامهم وأصبحوا نكرة لا تعرف حتى أن أحدهم كان خادماً في مطعم فرنسي في مانيلا سنة ١٨٨٥ . وقد بعثت إسبانيا سنة ١٥٩٦ حملة على مينداناو فقتل قائدها عند نزوله إلى البر وأغار والي سولو بنفسه سنة ١٦٣٨ فاحتل بعض المراكز في شاطئ ميداناو حيث لقب الراجا سيبوجي سنة ١٦٤٠ بلقب السلطنة. ولم تكن هذه السلطنة وذاك الاحتلال إلا اسماً لا حقيقة لهما إذ بقيت الفتن قائمة قاعدة بين المسلمين الأصليين والمسيحيين الفاتحين ولاسيما في القرصنة. فدامت الغزوات البحرية بين الفريقين بلا انقطاع مدة ثلاثة قرون فريق يعتقد أنه يجاهد جهاداً مقدساً وهم المسلمون وفريق يدعي أنه يحارب باسم الصليب وهم المستعمرون الإسبانيون. وفي أواسط القرن الثامن عشر حدثت بين المسلمين والإسبانيين فترة غريبة ذلك بأن المفاوضات بينهم انتهت بأن يكاتب ملك إسبانيا سلطان سولو الذي قاوم أحد أخوته مكانه فجاء مانيلا يطلب مساعدة حاكمها. ورأى السلطان محمد عليم الدين أن يتنصر فتعمد ولحقت به أسرته وبدأت تتعلم في مانيلا التعليم الإسباني المسيحي وبعد سنتين رخص له بأن يذهب من مانيلا إلى سولو وزامبوانكا في موكب له فاضطر أولاً أن يكتب إلى السلطان محمد أمير الدين في مينداناو وينصح له بلسان شديد اللهجة أن ينضم إلى الإسبانيين. وبعد سفره بقليل تبين للحاكم الإسباني أن العبارة العربية كانت مخالفة للعبارة الإسبانية التي كتبها بنفسه ووقع عليها ولذلك أمر بسجنه في زامبوانكا ثم أعيد إلى مانيلا ولم يسع الوالي الإسباني إلا أن يعود إلى تنصير ذاك الحاكم المسلم ولو صورة. ولما احتل الإنكليز مانيلا سنة ١٧٦٣ وجدوا السلطان مسجوناً فأطلقوا سراحه فراح إلى سولو وأقام على استئصال شأفة الإسبانيين في مينداناو وأصاب الإنكليز أيضاً شيءٌ من شره وإن أحسنوا معاملته. وقد بعث الإنكليز إلى سولو بمائة وخمسين رجلاً لتوطيد قدمهم فيها فدعاهم أحد زعماء المسلمين إلى مأدبة وذبح منهم ١٤٤ . وبعد أن انجلت إنكلترا عن قاعدة تلك البلاد عدل الإسبانيون من معاملتهم للمسلمين فاعترفوا سنة ١٨٣٦ باستقلال سلطانهم هناك حتى إذا كان عام ١٨٨٤ سيروا عليه حملة واستولوا على حاضرة بلاده فراح السلطان وخاصة رجاله يحتفظون بألقابهم فأدرت حكومة إسبانيا عليهم رواتب ومشاهرات إلا أن المسلمين لم يبرحوا يلجؤون إلى الغارة والنهب في السواحل حتى قيل أن غارات المسلمين قويت شوكتها سنة ١٨٧٦ فلم يعد حكم إسبانيا في سولو إلا اسمياً. وهكذا جرت حوادث بين الحكام الإسبانيين والسلاطين المسلمين يخضع هؤلاء تارة وينتقضون أخرى مثل سلاطين باكات وبوهاين وكودارنكان المتحالفين مع داتواوتو ولما ضاقت إسبانيا ذرعاً ببعض القبائل المسلمة وانتقاضها الحين بعد الآخر عزمت غداة ثورة سنة ١٨٩٦ أن تطرد المسلمين من عقر دارهم وتسكن فيها جماعة من المسيحيين الوطنيين ثم خضع بعض أولئك الأمراء للإسبانيين خضوع حب لأن منهم من كان يقدر المدنية الغربية قدرها ولذلك ظلوا على موالاة الأمريكيين أيضاً بعد أن استولوا على هذه الجزائر. ويؤخذ مما كتبه فورمان أن الأحقاد القديمة بين الإسبانيين والمسلمين دامت على أشدها مدة ثلاثة قرون وظل المسلمون هناك يذكرون ما وقع لإخوانهم مسلمي إسبانيا. ومما كانت تجري الشروط عليه بين مانيلا الإسباني وحاكم سولو المسلم أن لا تمس شعائر المسلمين. وعلى ما حاولته إسبانيا من تنصير المسلمين فقد خرجت من الجزائر كيوم دخلتها ولم تفلح فيما قصدت إليه. ولا شك أن جمهورية الفيليبين تحسن معاملة المسلمين كالإسبانيين وكذلك المسلمون لم يكونوا أقل عداء لسكان البلاد المسيحيين من معاداتهم للبيض. ولما استولى الأمريكيون على الجزائر لم يمسوا المعتقدات الإسلامية ولا عملوا على نقض شرع أهل الإسلام وإن كانوا ينكرون عليهم ترتيباتهم في حكومتهم وهي حكومة أعيان ارستوكراطية وقد انتقد أحدهم على حكومة الولايات المتحدة أن وطدت نفسها على انتظار إدخال تعديل في حال المسلمين هناك وتعليلها الأمل بأن نشر التعليم العام بينهم سيؤدي بعد إلى نتيجة حسنة. على أن الأمريكان كانوا يوجسون خيفة من نظام الإقطاعات الشائع بين المسلمين هناك. وقد نادت حكومة أميركا بأن يظل أهل ولاية المسلمين يحكمون أنفسهم بأنفسهم ولم تتداخل إلا بعض الشيء في حكومتهم وإدارة بلادهم وتمتاز حكومة أميركا عن إسبانيا بأن طريقتها في حكم تلك الجزيرة والمسلمين من أهلها خاصة هو بتدريب الأهلين على المبادئ الديمقراطية أما إسبانيا فقد أرادت أن تحمل على الإسلام نفسه لتخلص من المسلمين. ولو اقتربت بعض الزعماء المسلمين من الأمريكان سياسياً مع احتفاظهم بأخلاقهم من الوجهة الاجتماعية لما طال على البلاد عهد السلام. وقد عنيت الحكومة الأمريكية بتنظيم شؤون المسلمين وتأسيس بلديات لهم في الجزر تقيم مع المجالس الوطنية وتعمل بالعادات الوطنية ما أمكن وهي العادات التي لا تنافي عادات الشعوب المتمدنة ولا أخلاقها وقد بلغ عدد جيش الاحتلال الأميركي النازل في جزيرة سولو وحدها ٤٨٣٩ رجلاً و ٢٩٤ ضابطاً على أن المحاربين من أهلها لا يتجاوزون العشرين ألف رجل. وفي تلك الولاية ٤١ مدرسة فيها ٢١١٤ تلميذاً و ١٥ معلماً أمريكياً و ٥٠ معلماً مسيحياً وطنياً و ٩ معلمين مسلمين والمدارس غاصة بالتلاميذ والمتعلمين حتى أن ٢٤٠ طفلاً من المسلمين حرموا من الدرس الآن فباتوا ينتظرون لأن المدارس ملئت بالتلاميذ والطلاب من المسلمين. إحدى نقائص الاجتماع ٢ شيخ كثير الذكر والتسبيح ينهى عن المنكر والقبيح يقول قال الله والرسول وأثبت المنقول والمعقول ويكثر الصلاة في المساجد والدور إذ يدعى إلى الموائد وربما أزورّ عن الطعام مخافة الوقوع في الحرام وصدَّ ظمآناً عن الشراب كيلا تطول مدة الحساب صارت له منزلة جليلة وشهرة عريضة طويلة فأمه الغنيّ والفقير وزاره الكبير والصغير هذا يريد مطلباً عسيراً وذاك يرجو نشباً وفيراً وذا يروم البرء من أدوائه إذ عجز الأساة عن دوائه وازدحمت في دارة النساءُ فما لهنَّ دونه رجاءُ هذي جفاها الزوج منذ حين ولجَّ في الغلظة بعد اللين وتلك لا تُملاءُ الأولادا فقلبها يتقد انقادا وهذه قد رغب الخطاب عنها فأشقى عيشها العذاب وهكذا استسلمت العقول للشيخ فهو الله والرسول وكاد أن يعبد دون الخالق سبحانه عن عمه الخلائق وإنني لفي ممرّ خال ساق إليه سائق الأحوال في ليلة أودى شقاء أجد بحليها فاستسلمت للوجد أحزنها تصرف الخطوب فدمعها منهمر الشؤبوب إذ عنّ شيخ لو بعيني نائم مرَّ لكان مثل وهم الواهم فكان لي من أمره المريب وشغفي بالنادر الغريب داع إلى السير على آثاره لا عرف الغائب من أخباره فانسرب الشيخ إلى مضيق أفضى به وبي إلى طريق لمحت فيه وجهه المقنعا فخلت أن ناظري قد خدعا فمن يظن ذلك الإماما يرضى الخنا ويؤثر الحراما قال لمومس هناك تخطر لعلها بابن غنيّ تظفر عمي مساء وهلمي فأنا نعم المرجى للفسوق والخنا سلي ألم أبل البلاَء الحسنا واجتن الحمد فنعم المجتنى لا تزعميني وكلاً ضعيفاً إن صار هذا الشيب لي حليفا ولا شحيحاً أو أخا أعسار لكن حياً ينهلُّ بالنضار لاسيما حين تدار الاكؤُس ويستقرّ بكينا المجلس قالت أصبت فالمراد المال هو الشباب الغض والجمال لولا طلاب القوت لم تجدني بحيث أبلي صحتي وأفني وأبذل العرض وما إدراكاً ما العرض أغلى ما رأت عيناكا لو رام مني ولك الكرامة ما رمت كلب مفرط الدمامة لم يك مني دونه امتناع مادام لي بماله انتفاع ودخلا البيت فعدت واجماً احسبني فيما رأيت واهماً ما أولع النفوس بالحرام وأسرع النقص إلى التمام بل ما أشد نكد الأيام وأتعب العاقل في الأقوام فاز المراءون وخاب الصادق والتبست على النهى الحقائق وانتشر الفساد والضلال وخرجت عن حكمها الأحوال فيا سماءُ أمطري الأرضينا ناراً تبيد الخلق أجمعينا أما لهذا الحلم والإغضاءِ من غاية ترجى أو انتهاءِ دمنهور أحمد محرم ضمان الحياة أفاضت المجلة الفرنسية في وصف شركة لضمان الحياة أنشئت في مدينة تورين من أعمال إيطاليا في العهد الأخير وقد خالف القائمون بها جميع شروط الشركات المؤسسة من هذا النوع حتى الآن وإليك محصل ما قالت: من نقص شركات ضمان الحياة الحالية أنه لا يمكن للفقراء أن ينتفعوا منها فلو فرضنا أن أحدهم مثلاً أراد أن يضمن حياته على عشرة آلاف فرنك عند إحدى الشركات المعروفة يقضى عليه أن يؤدي مسانهة خمسمائة فرنك فإن مات قبل الأجل المضروب وهو عشرون سنة مثلاً تقبض أسرته عشرة آلاف فرنك وإن عاش إلى ما بعد هذه المدة يقبض رأس ماله أي عشرة آلاف بدون فائدتها. وفائدتها مهما قلت لا تنزل عن ثلاثة ونصف في المائة فيكون مجموع فائدة هذا المبلغ في خلال هذه المدة ألفا فرنك على أن شركات الضمان الكبرى تأخذ فائدة أموالها من خمسة إلى ستة في المائة. وهاك إحصاء فيما وزعته شركات الضمان الرئيسة في العالم منذ تأسيسها حتى ٣١ ديسمبر سنة ١٩٠٤ . اسم الشركة وزمان تأسيسها ما أعطته للمساهمين ما دفعته للمضمونين فرنك فرنك العمومية باريس ١٨١٩ ١٣١ . ٥٠٣ . ٧٠٦١٠٤ . ٦٨٧ . ١٥٣ الاتحاد ١٨٢٩١٩ . ٤٣٥ . ٨٨٨١٨ . ٧٧٨ . ٩١٧ الوطنية ١٨٣٠١٠٣ . ٤٠٢ . ٧٥٠٧٧ . ٣٣٨ . ١٢٢ عنقاء مغرب ١٨٤٤٢٦ . ٥٠٥ . ٨٤٧٣٩ . ٧٢٥ . ٠٤٥ نيويورك لم تعط شيئاً ٤١١ . ٥٧٤ . ٩٤٣ ومن هذا الإحصاء يتضح لك أن شركات الضمان أخذت ممن ضمنت لهم حياتهم ملياراً من الفوائد وزعت منها ٢٨٠ مليوناً على المساهمين و ٢٤٠ مليوناً على المضمونين ولذا كان من يضمنون حياتهم آلة لهذه الشركات المالية تستعملها لتنال منها كل فائدة وعائدة ولا بدع إذا حرصت كثيراً على أن يعيش المضمونون المدة المتفق عليها لئلا تعطيهم قبل الوقت ما لم تكن قبضته كله منهم وربحت منهم الفائدة. أما الشركة الجديدة فقد أسست بدون رأس مال ورأس المال يستدعي أناساً يقومون على استثماره. بل أن أعضاء صندوق الضمانة هم متكافلون متضامنون فيصفي كل سنة حساب ما يجمع من جميع المضمونين أي أنه يوزع بين أسرات من ماتوا في خلال السنة من المشتركين فيعود المجموع من المال على عيالهم إذا مات أحدهم وربما بلغ المال مبلغاً حسناً. ويشترك في هذه الجمعية الرجال والنساء والشبان والشيوخ والأغنياء والعملة فإذا مات من كل ألف شخص منهم في خلال السنة اثنتان وعشرون نسمة وهو معدل الوفيات في كل ألف ساكن في إيطاليا وفي جملتهم الأولاد الذين يكثر الموت بينهم واستثني من ذلك من استثنتهم الشركة من الأطفال والشيوخ وكان المشتركون كما هي قاعدة الجمعية من أهل سن العشرين إلى الخامسة والأربعين ممن لا يتجاوز المتوفى منهم عشرة في الألف - إذا كان هذا فيصيب أسرات من مات عميدها مبالغ من المال وهذه الجمعيات تنقسم إلى طبقات لا يسوغ لكل طبقة أن تعمل ما خصصت نفسها له قبل أن يبلغ عددها ألف نسمة فإذا فرضنا أن أعضاء طبقة يدفع كل منهم فرنكاً في الشهر أو اثني عشر فرنكاً في السنة فيكون مجموع ما يدفعون كلهم في السنة ١٢٠٠٠ فرنك. يوزع هذا المبلغ على العشر أسرات التي يموت أربابها في خلال السنة بحسب التقدير فيصيب كل أسرة مات أحد من ضمنوا حياتهم لمنفعتها بعدهم ألف ومائتا فرنك. فإذا وضع الفرد في مدة خمس عشرة سنة مائة فرنك في السنة ومات في خلال هذه المدة تأخذ أسرته عشرة آلاف فرنك وإذا عاش فلا يأسف على المبلغ الذي وضعه كل سنة لأنه زهيد. ولا يحتقر مبلغ عشرة آلاف فرنك تناله أسرة بعد فقد ربها وبدونه تتمزق وتتشتت أما هذا المبلغ فيكفيها لوفاء بعض الديون واستئجار مسكن والإنفاق ريثما تجد لها مورداً آخر أو تهاجر بها أو تعلم بها ولداً. ومن الصعب على صغار المستخدمين كمعلمي المدارس وصغار التجار وفتيان القضاة والأطباء أن يدفعوا كل سنة مثلاً خمسمائة فرنك كما هو الحال في شركات الضمان القديمة في زمان كثرت فيه ضروب النفقات وإذا قدر المشترك أن يدفع سنة لا يستطيع أن يدفع الثانية وإلا فإنه يضطر أن يحرم نفسه من كل لذة ونعيم ليوفي قسطه السنوي وعلى العكس في هذه الجمعية أو الشركة الجديدة. ولذا أخذت شركات الضمان الأخرى تحاربها وتتهمها بسوء القصد على أن الناس لم يدخلوا فيها بالألوف بل بعشرات الألوف ومادام أمرها بيد القائمين عليها فإنها مضمونة النتيجة وقوة المجموع أكثر من قوة الأفراد. حوادث السنة من الجدير بالتدوين من حوادث هذه السنة ما وقع في هذا القطر من الخلاف في طور سيناء على التخوم المصرية العثمانية فجرى التحديد وكان يخشى حدوث فتنة بين العثمانيين والمحتلين من الإنكليز وكادت تتكدر كأس الصفاء بين المصريين والإنكليز لأن هؤلاء رموا أولئك بالتعصب فقامت الجرائد الوطنية تنفي عن قومها هذه التهمة وكانت مناداة المصريين بحب الدولة هي الباعثة على هذه التهمة. ومن حوادث العلم والاجتماع أن الشركات الأوربية وغيرها كثرت في هذه السنة بمصر لاستثمار أرضها وأموالها وعقاراتها. واهتم بعض أعيان الأقاليم بإنشاء كتاتيب للأطفال وحبس أطيان عليها كما عني بعض أعيان بني يوسف بإنشاء مدرسة صناعية وجمعوا شيئاً من المال اللازم لها واهتم أعيان البحيرة بإنشاء مثلها في إقليمهم بمدينة دمنهور. وقامت فئة من رجال العلم والوجاهة في العاصمة وأرادوا منذ الصيف الماضي إنشاء مدرسة جامعة مصرية تغني أبناء مصر عن التعلم في مدارس الحكومة ومدارس البلاد الأجنبية وكان زعيم تلك الفئة سعد باشا زغلول فلما عين في خلال ذلك ناظراً للمعارف المصرية عهد بإدارة هذا العمل إلى صديقه قاسم بك أمين فأخذ هذا يثير الأرواح بفصاحته ويهز أكفَّ السماح بحميته. والخلف كالسلف مشهور بفضل علمه وقوة إرادته. وقد جمع حتى الآن نحو عشرين ألف جنيه. ووهب روكلفر المثري الأمريكي عشرين ألف جنيه لمدرسة أسيوط الأمريكية دفعة واحدة. وزادت حركة العمران في ربوع السودان ولاسيما بعد أن فتح بور سودان واتصل بالبحر الأحمر من قرب سواكن بناحية بربر على النيل بالسكة الحديدية التي أنشأتها الحكومة في سنتين وكلفت مليوناً وثلاثمائة وخمسة وسبعين ألف جنيه وطولها زهاء ٣٥٠ ميلاً. وتوفر الأهلون في أكثر البلاد العثمانية على الزراعة والتجارة فارتفعت أثمان العقارات في المدن والأراضي في الضواحي والدساكر وارتفعت أسعار الحاجيات بكثرة الاختلاط وسهولة النقل عن ذي قبل فقد مدَّ من خط الأستانة - بغداد قرابة ثلاثمائة كيلومتر ومد من سكة حديد الحجاز نحو ثمانمائة كيلومتر وقطارات البخار الآن يرن صداها في وسط جزيرة العرب. واتصل الخط الحديدي بين بيروت ودمشق بمدينة حلب وأنشئت تراموايات كهربائية في بعض الحواضر العثمانية كما شرع بإنارة بعضها بالكهرباء. وحدث بين الدولة العثمانية والحكومة الإيرانية اختلاف على الحدود لم يسوَ بعد. وضرب الجيش العثماني إمام الزيدية في اليمن يحيى بن حميد الدين والثوار من أتباعه واسترجع صنعاء منه فاكتفى القائم بما كان تحت حكمه من صعدة وأعمالها وظلت الدولة تحكم ما كان لها. وقوي الأمير عبد الرحمن بن سعود وتبعه أهالي نجد فقتل الأمير ابن الرشيد واستولى على معظم الصقع النجدي وأقيم الأمير متعب مكان أبيه أميراً على ما بقي له من البلاد. ومنح الشاه مظفر الدين صاحب إيران حكومة نيابية لأمته برضاه وطلب بعض المشايخ والأعيان وتوفي في الشهر الماضي وخلفه الشاه محمد علي ثاني أنجاله. وتوفي سيدي محمد الهادي باي تونس وخلفه سيدي محمد الناصر باي وزار الأمير حبيب الله خان اللورد منتو حاكم الهند العام كما زار الهند ومصر البرنس دي غال ولي عهد إنكلترا. وقابل وفد من رجال المسلمين من الهنود حاكم الهند وسألوه أن ينظر في أحوالهم السياسية فوعدوهم خيراً. واجتمع مؤتمر التربية الإسلامية في مدينة دكة الهندية وحضره ثلاثة آلاف مندوب من جميع الأصقاع الهندية. وزار ملك كمبودج من أقيال الهند الصينية بلاد فرنسا وصار فيها أضحوكة كما صار من قبل بهنزين ملك الداهومي وغيره من ملوك الشرق المنحطين. وأخذت اليابان ترقي بحريتها وجنديتها أكثر مما كانت بعد أن نفضت عنها غبار الحرب الروسية اليابانية. وأنفذت الصين لجنة للبحث في قوانين الأمم المتمدنة في الغرب وعادت فأخذت تطبق العلم على بالعمل وصدر أمر الإمبراطور بمنع الأفيون من مملكته. ووافقت الصين على المعاهدة التي أبرمت بين حكومة الهند وحكومة تبت. وكادت العلائق السياسية تنقطع بين الولايات المتحدة واليابان لأن طلاب العلم اليابانيين طردوا من مدارس سان فرنسيسكو الجامعة بدون مسوغ. وعقد في الجزيرة الخضراء من أعمال إسبانيا مؤتمر قوامه نواب من الدول الكبرى للنظر في شؤون الفوضى في مراكش وذلك بتأثير إمبراطور ألمانيا فتقرر أن تنظم شرطة من الإسبانيين والفرنسيين وأن ينشأ مصرف للحكومة المراكشية ولم تزل الفوضى قائمة هناك. ومن كوائن أوربا هذا العام تولي الأحرار زمام الوزارة الإنكليزية بعد الاتحاديين وكانت فاتحة أعمالهم منح الترنسفال مجلساً نيابياً ودستوراً تجري عليه أمورها. وزيارة الإمبراطور ادورد السابع لأكثر مدن أوربا واجتماعه بالإمبراطور غليوم الثاني في ألمانيا والإمبراطور فرنسيس يوسف في النمسا. ووفاة الملك كرستيان التاسع صاحب السويد وكان محباً للعرب مولعاً بآثارهم وخلفه ابنه فريدريك الثامن. ومنها تتويج هاكون الأول ملكاً على بلاد نروج بعد أن انفصلت عن السويد أو أسوج. وأمر القيصر نقولا الثاني بحل الجمعية العمومية الدوما التي كان منحها لأمته وهي بمثابة مجلس نيابي معتدل عقيب الثورات التي نشبت في بلاد روسيا بعد حربها مع اليابان وبعد انقضاض الدوما حدثت ثورات في هلسنفورغ وكرونستاد بيعت فيها الأرواح بيع السماح كما بيعت في بطرسبرج وموسكو وفرسوفيا وغيرها من أمهات المدن الروسية وقويت نفوس الثوار على البطش بالأشراف وزعماء الحكومة ومن ذلك الاعتداء على رئيس النظار والقائد تريبوف والكونت ابناتيف وغيرهم كثيرون. وانتخب المسيو فاليير رئيس مجلس الشيوخ في فرنسا رئيساً للجمهورية عوضاً من المسيو لوبه الذي انتهت مدته وتألفت الوزارة الفرنسية مرتين ثم سقطت وجردت فرنسا الكنائس وفصلتهما عن الحكومة وضيقت السبل في وجوه رجال الدين وطردتهم وشردتهم. وأهم ما حدث في ألمانيا حل مجلس الأمة وانتخاب آخر مكانه. وفي إسبانيا زواج ملك إسبانيا وكاد يلاقي حتفه في موكب زواجه بقنبلة ألقاها أحد الفوضويين فنجا هو وزوجته بعد أن قتل عشرات من الأنفس. واستقال البرنس جورج حاكم كريت وأقيم مكانه رئيس وزارة اليونان السابق المسيو دليانس. وانتخب الدكتور بينا رئيساً لجمهورية برازيل وهو رابع رئيس تولى زمام جمهوريتها منذ سنة ١٨٨٩ عندما حدثت الثورة بالمطالبة بالجمهورية. وأهم الأحداث الطبيعية انفجار مناجم لاكوريير في فرنسا هلك فيه زهاء ألف عامل وثوران بركان فيزوف في إيطاليا وزلزال مدينتي فالباريزو وسان فرنسيسكو في أميركا وهما الزلزالان اللذان قضي فيهما ألوف من الأنفس وراحت فيهما أموال وعروض كثيرة ودمرت مدينة كنغستون عاصمة جزائر الجاماييك الإنكليزية. وانتشرت المجاعة في بعض بلاد روسيا وقحطت بعض ولايات اليابان فتداركت الحكومتان أمر ذلك كما قحطت بعض ولايات الصين. وحدثت ثورة في الناتال كما حدثت فتنة في جزيرة كوبا. الشيخ إبراهيم اليازجي فجعت العربية في الشهر الماضي بكبير من أكابر أهلها المنشئين وأستاذ من جهابذة المعربين والمؤلفين الطيب الذكر والأثر الشيخ إبراهيم اليازجي صاحب مجلة الضياء. توفاه الله في هذه العاصمة عن ستين عاماً قضاها بين المحابر والدفاتر وقد وقف حياته على الإفادة والاستفادة فانتفع به خلق كثير في جميع البلاد التي تقرأ فيها العربية ولاسيما في مصر والشام. ولقد عزَّ نعيه على كل من عرف فضله وأخلاقه وما خصَّ به من دماثة الخلق ولين الجانب وعزة النفس وحسن العهد ولا عجب فقد فقدت المطبوعات بفقده عضواً عاملاً ورجلاً نافعاً. ورثاه جمهور كبير من العلماء والفضلاء وابنته الصحف والمجلات على اختلاف الملل والنحل واللغات لأن المصيبة بفقده كانت عامة جازاه الله أفضل ما يجازي المحسنين على إحسانهم. وهاك ما كتبناه في المؤيد الأغر يوم وفاة هذا الفقيد العزيز من تأبينه وترجمة حياته: كان فقيد اليوم عالماً مدققاً ولغوياً ضليعاً ومترسلاً تحريراً ومفتناً فكهاً ونقاداً غيوراً وكاتباً فريداً وشاعراً مجيداً قضى حياة المتعلم والمعلم والعالم على أكمل وجوهها وبرز خاصة في علوم العربية على أقرانه فعد من آحاد زمانه. نشأ من بيت كان ربه يتغنى ليله ونهاره بالشعر والأدب فشبَّ وشاب فيما نشأ عليه أنشئ له. وناهيك بمن يرضع اللغة من صغره ويعاني الأدب في جميع أدواره لا يصل إلى وسمعه غيره ولا تقع عينه على ما سواه والجميع مستحسن له ومصفق ومؤمن على أقواله ومصدق. فانصرف في مدينة بيروت كوالده الشيخ ناصيف إلى التعليم والتصنيف فتخرج به جهابذة أدباء وأكثرهم اليوم هم الحركة الدائمة في مصر والشام وألف على ذاك العهد كتباً وصحح أخرى منها شرح ديوان المتنبي. وصحح التوراة كما نقح كتب والده المدرسية في الصرف والنحو والبيان والعروض ووقعت له محاورات مع صاحب الجوائب وغيره كطرفة الطرف وكتب مجلة الطبيب سنة كاملة بمساعدة صديقيه العالمين الدكتورين زلزل وسعادة. هبط مصر في شتاء سنة ١٨٩٧ لإنشاء مجلة علمية وطبع معجم عربي كان عني بتأليفه منذ سنين ولكن خانته الأقدار فرأى ما كان يسمعه عن نهضة مصر العلمية مبالغاً فيه وأن سوق العلم والأدب كاسدة لا لإقبال عليها فأصدر أولاً مجلة البيان سنة بمعاونة الدكتور زلزل ثم أصدر وحده مجلة الضياء فدامت مطردة الصدور إلى صيف هذه السنة وقد شحنها من عرائس أفكاره وتحقيقاته اللغوية وأماليه الأدبية ما لو كتب بغير هذا اللسان لأعجب به أهله وكبروا مثل مقالات اللغة والعصر ولغة الجرائد وأغلاط العرب وأغلاط المولدين وطبع في العهد الأخير كتاب نجعة الرائد في اللغة ولم يوفق إلى طبع معجمه لأسباب أهمها قلة النصير والظهير. كان الفقيد شديد الغيرة على لسان العرب بحيث لا يدانيه في ذلك غير خاصة الخاصة. مبالغاً في التدقيق والتمحيص حتى أنه كان يألم ممن يرتكب غلطاً لغوياً إنشائياً ألمه ممن يسيء مباشرة إليه أو يصادره في أعز الأشياء عليه ولذلك قلما كان يغفل كتاباً أو ديواناً من النقد اللغوي والأدبي وكثيراً ما تأخذه الحمية العربية فينحني على المنتقد عليه وربما وصلت المسألة من العموميات إلى الخصوصيات كما جرى في نقده معجم أقرب الموارد وكتاب الدرة اليتيمة وغيرهما. ولابد لمن يتمحض للانتقاد أن يلاقي ما لقي الشيخ اليازجي فيصاب ويصيب خصوصاً والناس في زماننا لم يألفوا الانتقاد وأكثر المنتقدين يعدونه ثلماً لشرفهم وحطة لأقدارهم والناقد كيفما كانت الحال لا تصفو له القلوب إلا علي الندرة ولاسيما إذا عامل منتقديه بأنه هو المسيطر على كل ما يبدر من خطاءٍ وخطل والكفيل بحل كل إشكال ومعضل فكان انصراف قلوب بعض العالمين والمتأدبين عنه لعدم اضطلاعه بسياسة التعليم وهو داء العلماء من القديم حتى عقد ابن خلدون فصلاً في أن العلماء أبعد الناس في السياسة. وعلى الجملة فقد كان فقيد اللغة والأدب اليوم آية في سعة اطلاعه على شوارد اللغة واوابدها محيطاً بأقوال أئمة البيان العربي عارفاً بصحيح الكلام من فاسده بصيراً ببعض العلوم كالفلك والرياضيات وله إلمام تام بالفرنسية والإنكليزية والعبرانية والسريانية ويد طولى في الخط والرسم والنقش والحفر بحيث لو أتيح له أن يعمل بما يهوي وينصرف إلى ما يغلب على طبعه لاختار أن يكون رساماً من أهل الفنون الجميلة. ولولا أنه آثر خدمة العربية كما قال لي عن نفسه مخافة أن يغلق بيته على حين في وسعه فتحه ويتوانى عن خدمة لغة عرف أبوه وأخوته من قبله بالتوفر على خدمتها والغرام بآدابها لجاء منه مصور ماهر ربما خلف وراءه مالاً وكان أهنأ عيشاً وأهدأ بالاً. خدم الشيخ إبراهيم لغتنا بوضع بعض ألفاظ لمسميات إفرنجية وعرب بعض المصطلحات وله شعر جيد وبعضه سائر على الألسن وإن لم ينسب إليه تقية مثل قصيدته المشهورة في القطرين التي يقول في مطلعها. دع مجلس الغيد الأوانس وهوى لواحظها النواعس إلى أن يقول سامحه الله: فالشر كل الشر ما بين العمائم والقلانس والخير كل الخير في هدم الجوامع والكنائس وإن صحَّ ما قيل لي أمس من أن الشيخ اليازجي مات بسرطان في الكبد فيكون ما كان قاله هو في نعي فقيد الشرق السيد جمال الدين الأفغاني قضى. . . بعلة السرطان وقد تشبث منه بين الفك والنحر ودب في مجرى الفصاحة منه ولا عجب أن يدب السرطان في البحر قد نعى به نفسه وهو جدير أن يطلق عليه فإنه بلا مراءٍ رافع لواء الأدب وشيخ العاملين على إحياء لغة العرب فلا عجب إذا اهتزَّ عالم الأدب اليوم أسفاً على فقده. عوضنا الله عنه خيراً وألهم المصابين بفقده جميل الصبر والسلوان. مطبوعات ومخطوطات  قانون الصين ترجم الرحالة الفاضل الشيخ سعيد العسلي الطرابلسي هذا القانون عن اللغة الصينية وهو تأليف جلالة تونجي خانكدي إمبراطور الصين السابق. والمترجم ممن ساحوا الأقطار الشرقية ولاسيما فارس والهند وبعض الصين وتعلم بعض اللغات الآسيوية. وهو قانون مدني لا علامة على الانحطاط فيه وقد قال المترجم أنه أفرغ في قالب الحكمة والموعظة وجله موافق للشريعة المطهرة ومن مواده: الإنسان مضطر إن لم يأكل أنهكه الجوع وإن لم يلبس الثخين والصفيق بقي عرياناً وأهلكه القر فمن أراد أن لا يجوع فعليه بالحرث والغرس ومن أراد كعم كلب البرد فليرب الفلة أي دود القز وليتخذ الحرير والحراثة من أعمال الرجال وتربية الفلة وعمل الحرير من عمل النساء فاحرثوا يا معشر الرجال وازرعوا واجروا المياه واحفروا الآبار واكروا الأنهار واحيوا الموات واغرسوا أشجار الفواكه الطيبة اللذيذة واكثروا ما أمكنكم من غرس الفرصاد والتوت والحور والخلاف والصفصاف وغير ذلك للوقيد والاحتطاب والعمارة وكذلك اكثروا من زرع الخضر والبقول وعليكم بالقنب والكتان والقطن وقصب السكر والقنى ولا يغب عن أذهانكم نفع الشاي فإذا فعلتم ذلك أمرعتم وأخصب عيشكم واتسع لكم المأكل والمشرب تعطف من أراد إحياء موات أو زراعة أرضه وليس عنده بذر ولا أدوات الحرث فليطلب من أمير الأراضي في تلك الناحية ما يلزمه من الغلة والبقر والآلة وعلى ذلك المأمور أن يمهله ثلاث سنين لا يطلبه بالخراج ثم يسند منه ما أعطاه بلا زيادة وكذلك من عمد إلى قفر فأحياه وأجرى إليه الماء الكافي وجعله قابلاً للزراعة والغرس والسكن فإن جزاءه أن يمنح رتبة بك ويجعل أميراً على ناحية وإن كان معزولاً لذنب عفي عنه ورد إلى منصبه وإن كان من أرباب المذهب رقي أو زيد في مدته وإن لم يكن أهلاً لذلك أجزل له الخاقان الأنعام وخلد له ذكراً حسناً. وإذا لزم لك الحرير أيتها المرأة فخذي قدر ما يكفيك من البذر واحتاطي عليه بأن تجعليه في زجاجة وتحفظيه في خرق الحرير في الموضع الحار حتى إذا جاء فصل الربيع فابسطيه على الملاحف والأطباق وغذيه بأوراق التوت كما تعلمين حتى إذا استعد لعمل القز ضعي له ما ينسج عليه حتى إذا تم ذلك فخذيه وحليه واعملي الحرير وليكن حريرك رفيعاً نفيساً لتزداد الرغبة فيه وعليك بنسج أنواع الأقمشة الملونة الفاخرة المحتوية على كل شكل غريب ونقش بديع وليكن ذلك متفاوت الوزن والنسج والمقدار والثمن ليأخذ كل ما يليق به وليشترك في تربية الدود وعمل الحرير وفتله ونسجه الجم الغفير منكن ليتحصل لكن الكثير من ذلك فإن التعاون والاشتراك في الأعمال مما يجعل القليل كثيراً والنزر غزيراً وبهذا لكثر أنواع الملبوسات وبكثيرة المأكول والملبوس يطيب العيش وتصلح الأحوال وتكفى الحياة مؤونة الإفلاس والتكفف على أبواب الناس. أليس هذا بصدق. أليس هذا بأشرف من الكسل والغفلة والقعود تحت الجدران وملازمة البيوت كالعميان والنسوان وجزاء من تقاعد عن ذلك حتى جعل يشكو الجوع والعري وسلك طرق أهل الغي والفساد يذكر. وفي آخر القانون أن من ارتكب جريمة من المسلمين أجري عليه الجزاء بما يقتضيه شرع مجين شنك رين (وهو اسم محمد صلى الله عليه وسلم ومعناه الإنسان المقدس) أيها المسلمون احترموا دينكم واعتصموا بما جاء به نبيكم فمن أتى منكم منكراً فعلى القاضي أن ينفذ فيه حكم شريعته ومن أبى أجرينا عليه حكم لي من الضرب والهوان وإذا قضى القاضي أو أفتى المفتي بخلاف شرعه جرد وأجرى عليه حكم المفتري على الدين.  المسألة المصرية ترجمت إدارة صحيفة المنبر الغراء رسالة للمستر جون روبرتسون أحد أعضاء دار الندوة الإنكليزية إلى العربية ذكر فيها المسألة المصرية ومما جاء فيها أن تاريخ العالم السياسي يثبت أنه من الاغترار أن يطلب من أمة أن تكون شكورة لأخرى أجنبية عنها تتولى السيادة عليها. ولطالما قيل في الأيام الماضية للإيطاليين قبل أن يحصلوا على استقلالهم أنه يجب عليهم أن يكونوا راضين عن النمسا لأنها ساعدت على ترقيتهم وأسعدتهم وحفظتهم من اعتداء بعضهم على بعض ووقتهم غارات الأمم الأخرى فلم تفلح هذه الأقوال مع الطليان ولم تحملهم على الرضى والقبول. ثم مثل بالبولونيين مع روسيا والأيرلنديين مع إنكلترا وقال أنه إذا كانت القرون الطويلة قد مرت ولم يسد الوفاق بين أمتين الأيرلندية والإنكليزية تتكلمان لغة واحدة وتصاهر إحداهما الأخرى وتتعلمان آداب لغة واحدة فهل يظن بدون الرجوع إلى مبادئ المودة والانعطاف والصفاء أن يسود الوفاق بيننا وبين أمم غريبة عنا في الدم والعنصر واللغة والتقاليد والعادات - ويعني بذلك مصر والهند. ثم تكلم على التعليم في مصر ورد أقوال من يذهبون من ساسة الإنكليز الآن إلى أنه يجب أن لا تكون الغاية التي يرمى إليها تكثير عدد التلاميذ إلى حد فائق بل أن تكون بتعليم عدد محدود تعليماً تاماً فإن الحكومة لم تزل بعد بعيدة عن تلك الحالة التي يمكنها فيها تعليم أكثر الأهالي تعليماً موافقاً وأبطل مزاعمهم هذه بالبراهين محتجاً بأن الهبة التي تدفعها الإمبراطورية الإنكليزية للتعليم في اسكتلندا هي سبعمائة ألف جنيه وهو مبلغ يزيد عنه كثيراً المصروف فعلاً على التعليم في تلك البلاد مع أن عدد سكنها لا يزيد عن نصف عدد سكان القطر المصري وعلى ذلك يعبر هؤلاء الذين يظنون أنهم يحسنون صنعاً في مصر أن صرف ٦٦ . ٨٨٨ جنيهاً كل سنة كاف للتعليم فيها. وختم قوله بأن الإحصاء الرسمي يدل على أن عدد القارئين والكاتبين في مصر من الرجال هو ٣٨٩ . ٤٠٧ بموجب إحصاء سنة ١٨٩٧ ولم تترق المعارف بعد ذلك ترقياً يذكر وعدد القارئات والكاتبات ١٠ . ٢٦٩ أي من حيث المجموع ٥ في المائة من أهالي القطر وقال في الاحتجاج للمصريين وهم يرون أن مبلغ ربع مليون من الجنيهات يصرف فقط على مدارسهم على حين تبذل الحكومة ثلاثة ملايين وثلاثة أرباع المليون إلى حملة القراطيس المالية من الأوربيين فائدة للذين لم يستلموا من أصله إلا القليل. ثم قال فإن شوهد بأن الجرائم تكثر في مصر فليس لها إلا أن تعمد إلى ما تقوم به البلاد المتمدنة فإن ترقية آداب مصر هي الدواء الناجع والحل الصحيح للمسألة المصرية.  معجم البلدان ظهر الجزء الثامن من معجم البلدان لياقوت الحموي الذي طبعه في مصر الأديب محمد أمين أفندي الخانجي وشركاؤه فتم به الكتاب كله وهو الآن آخذ بطبع المستدرك عليه الذي سماه منجم العمران وقد عني بتصحيحه الأستاذ الفاضل الشيخ أحمد بن الأمين الشنقيطي فجاء سليماً من الغلط على الجملة ولاسيما في المحال التي عثر فيها على أصل صحيح يرجع إليه مثل نسخة وستنفيلد المطبوعة في ألمانيا وغيرها من المخطوطات وإنا لنثني أطيب الثناء على الطابع الأديب وهو يطلب من مكاتبه في مصر والأستانة وتونس وغيرها وثمنه ثمانون قرشاً وبعد إنجاز طبع الملحق مائة قرش وهو رخيص جداً إذا قيس بالطبعة الأوربية التي نفدت أو كادت أو إذا حسبت أكلافه ونفقاته.  تاريخ الأندلس وهو المسمى بالمعجب في تلخيص أخبار المغرب للشيخ الحافظ الفقيه محيي الدين المراكشي وهو الكتاب الذي تكلمنا عنه مطولاً في الجزء التاسع من المقتبس وبينا فوائده وجودة تأليفه بتطويل طبعه في مصر هذه الآونة الأديب محمد أفندي هاشم الكتبي على النسخة المطبوعة في أوربا فجاء في ٢٥٠ صفحة صغيرة جيدة الطبع حرية بأن يصحبها المرء معه في خلواته ويقرؤها في سمره ومتنزهاته وقد رخص ثمنها فجعله ثلاثة قروش صحيحة بعد أن بيعت الطبعة الأوربية بأربعين فنحت كل أديب على مقتناه ويطلب من طابعه في دمشق ومن أكثر مكاتب القاهرة.  مرآة علوم هي مجلة علمية صناعية أدبية اجتماعية صدرت هذا الشهر في القاهرة باللغة التركية يحررها زمرة من رجال الأدب والفضل منهم رفيق بك العظم وحقي بك العظم والدكتور عبد الله بك جودت وعبد الحميد أفندي الزهراوي ويوسف سامح بك وكمال بك وغيرهم وقد أنشؤوها إجابة لطلب بعض عقلاء مسلمي قازان في روسيا ممن رأوا أن أحسن واسطة للتمدن أن يتعلموا اللغة التركية الحديثة ويتخلصوا من لغتهم الرديئة الجنتاي القديمة. وقد تلونا فيها أبحاثاً ممتعة منها بعد المقدمة اللطيفة مقالة في جزائر الكومور وسكانها المسلمين. وخلاصة تاريخية في الإسلام والمدنية ونبذة من كتاب روح الأمم معربة عن الفرنسية. ودليل مصر. ومقالة طبية ثم باب الاختراعات والأدبيات وقيمة الاشتراك بها ٤٠ قرشاً أميرياً فعسى أن ينتفع بها من أنشئت لأجلهم وعساها تأخذ بأهداب الحزم والصبر وفق الله القائمين بها خدمة للعلم والحضارة. روايات ورسائل جديدة بديعة وفؤاد مؤلفة هذه الرواية الكاتبة الأديبة العقيلة عفيفة كرم من الأدبيات السوريات في الولايات المتحدة وقد نشرت من قلمها فصولاً كثيرة في التهذيب والانتقاد والإصلاح في جريدة الهدى اليومية الغراء في نيويورك وكتبت هذه الرواية اللطيفة وجعلت نصب عينها ما ترمي إليه في كتاباتها من إنهاض شأن المرأة وتهذيب الرجل وهي تقع في ٣٦٨ صفحة متوسطة مطبوعة طبعاً جميلاً على ورق جيد في مطبعة الهدى وقد جعلتها هدية لكل سيدة مشتركة في الهدى وما يباع منها يصرف في سبيل الإحسان بعد توفية نفقات الطبع ولاشك أن إنشاء الكاتبة وفكرها يتحسنان بكثرة تمرينها على ما وقفت نفسها عليه أكثر الله من أمثالها في مجتمعنا العربي. رواية آخر الليل عربها الأديب ركاردو حبيب صلبان وطبعت على نفقة إدارة الهلال وهي أدبية غرامية في زهاء ثمانين صفحة وتطلب من مكتبة الهلال. المنظمات الجميلية الشطية هي كراسة من منظومات الأديب مكرمتلو محمد جميل أفندي الشطي وأهدانا الأديب الموما إليه جدولاً له في الفرائض فنثني على نشاطه. الطفل المفقود أهدتنا مجلة مسامرات الشعب رواية الطفل المفقود لواضعها الكاتب الفرنسي مكسيم ويلمر ومعربها الكاتب الشاعر البليغ نقولا أفندي رزق الله وهي كسائر ما نقلته يراعة المعرب الفاضل من الروايات الحسنة الأدبية التي تجمع بين الفائدة والفكاهة وإنا لنثني على صاحب المسامرات الفاضل فإنه لا يألو جهداً في تحسين مشروعه الأدبي فلا غرو بعد هذا إذا لقي إقبال قراء العربية والبضاعة تباع مهما بلغ الكساد. سير العلم تسميم المأكولات نشرت المجلة الفرنسية بحثاً في كيفية تسميم المأكولات والمشروبات في فرنسا ودخول الغش على الحاجيات كاللبن ومزجه بالماء وتزبده قشه والخمر وشوبه والجعة واتخاذ المواد الرديئة في صنعها وخمر التفاح والشوكولا واللوز الهندي والقهوة والشاي والمياه المعدنية وهذه أقرب جميع المأكولات والمشروبات إلى الغش والتدليس وكذلك السمن والدقيق والخبز وشحم الخنزير وزيت الزيتون واللوبياء والفلفل وغيرها من الأدوية والعقاقير. الجرائد في اليابان في طوكيو عاصمة اليابان ١٦ جريدة يومية ومعدل ما يطبع من كل منها اليوم ٣٥ ألف نسخة ومجموع ذلك ٥٥٠ ألفاً وليست تأثيرات الجرائد في اليابان كتأثيراتها في أوربا والكتاب هناك لا يتوقعون مما يكتبون إلا إرضاء قرائهم. مستقبل اليابان روت بعض مجلاتهم أن مستقبل اليابانيين لا يتوقع من رجال حكومتها ولا من رجال الحرب فيها بل من رجال الأعمال فيها فإنهم أدوات الحضارة يمهدون لها السبل بالبحث عن الطرق التي تغني البلاد من الوجهة الاقتصادية ولذلك أسست منذ ثماني عشرة سنة مدرسة تجارية في كيوجيجوكو فتخرج فيها حتى الآن نحو ألف تلميذ انتشروا في أطراف البلاد اليابانية. وقد زعمت المجلة بأن اليابان لا تكون دولة عظمى إلا إذا تحولت بالتدريج إلى أن تكون المركز الصناعي والتجاري في الشرق الأقصى. فلسفة سبينوزا بحث عالم في إحدى المجلات العلمية في فلسفة سبينوزا القائل بأن الله واحد أحد يحل في كل الكائنات فقال إن فلسفته أثرت في ألمانيا فقال بقوله الفلاسفة لسينغ وهردير وشيلرماشير وهيكل وكيتي وهين وأن كولريج ووردسورت وهربرت سبنسر في إنكلترا اسحبوا على منواله وإن فيكتور كوزين من حكماء فرنسا أحيا فلسفته أيضاً في بلاده. خطوط لندن تلفون بلغ طول أسلاك الندى في العالم المتمدن زهاء خمسة ملايين وربع من الكيلومترات منها ١ . ٥٣٤ . ٠٠٠ في ألمانيا و ٦٢٣ . ٤٨٧ في فرنسا و ١ . ٣١٣ . ٠٠٠ في إنكلترا و ٢٠٠ . ٠٠٠ في سويسرا و ١٣٨ . ٠٠٠ في روسيا و ٩٢ ألفاً في نروج وما بقي موزع على سائر الأمصار والأقطار. نهضة الطليان كتبت في العهد الأخير رسائل وكتب كثيرة في نهضة الإيطاليين ونظر إليها المفكرون من الأمم نظر الإعجاب ونظر إليها بعضهم نظر الحسد ومما قيل فيها أن الشمال من شبه جزيرة إيطاليا هو موطن الحركة الاقتصادية كما كان في السالف منبعث القوة والوحدة الإيطالية وإن ليس كمثل حركة الاجتماع بإيطاليا في سائر أقطار المعمور. قضبان الحديد معروف أن الخطوط الحديدية قلبت نظام العالم بسرعة النقل وسهولته ولقد كان يستعمل منه لأول أمرها ما حسن وما لا يحسن من القضبان أما الآن فقد انصرفت العناية إلى استجادة أنواعها والاستعاضة عن القديم منها بأحسن منه جديداً. وقد كانت الولايات المتحدة من أكبر الدول المكثرة من استعمال القضبان الحديدية لأن خطوطها طويلة جداً وكانت معاملها تصنع بقدر ما يصنع في نعامل العالم كله على وجه التقريب فلم تكن زنة ما استعملته الولايات المتحدة سنة ١٨٧٨ من القضبان سوى نصف مليون طن فأصبح اليوم ثلاثة ملايين ونصفاً وقد زاد في الخمس عشرة سنة الأخيرة ثلاثة أضعاف فكان مجموع ما صرفته من الحديد لقضبان السكك الحديدية من سنة ١٨٧٠ إلى سنة ١٨٩٥ ٥٨ مليون طن أما ألمانيا وإنكلترا وفرنسا فإنهما بعد الولايات المتحدة في ما تخرجه معاملهن من القضبان ولكن النسبة بعيدة بينهن وبين الولايات المتحدة وكذلك الحال في كندا وإيطاليا واليابان والصين. العانسات العاملات نشرت إحدى الكاتبات في مجلة علم الاجتماع الدولية مقالة ضافية في حال المرأة البرتغالية فقالت أنها تشبه القاصر الذي هو لا يزال تحت وصاية مووليه وإن المرأة المتزوجة التي ليس لها ثروة خاصة بها لا يصح لها أن تدعي أنها ربة البيت التي هي فيه. ويؤخذ من الإحصاءات الأخيرة أن في فرنسا ٢ . ٦٢٢ . ١٧٠ امرأة لم تتزوج بقين عانسات في بيوتهن على حين جاوزن الحادية والعشرين من العمر وإنه يمكن أن يكون في البرتغال نحو مليونين وقد شوهد أنه تكاثر في المدة الأخيرة عدد النساء اللاتي أخذن ينهلن على المدن البرتغالية يطلبن الاستخدام والامتهان بالحرف. آلة الاقترع هي آلة اخترعها أحد الطليان وعرها في ميلان أمام جمهور من الناس دعاهم ليبدوا آراءهم فيما إذا كان الأولى الإكثار من الجيوش والعدد أو الإقلال منها فيعرف بواسطتها عدد الموافقين وعدد المخالفين لهذا الرأي ولهذه الآلة مزية على الآلة المستعملة اليوم في الانتخابات لأنه لا يتيسر بها الغش ولا التدليس. فآلة البسوفوغراف تنفع كثيراً في دور الندوة ومجامع الأمة والمؤتمرات والمجتمعات على اختلاف أنواعها إذا قضت الحال أن يؤخذ قرار المجتمعين بعد المفاوضة بينهم. وربما استعملت في المخازن لتعداد الداخلين والخارجين منها كما تستعمل في الطرق العامة لإحصاء أبناء السبيل والعجلات الذاهبة الجائية وغير ذلك. ارتقاء أمريكا كتب أحد المفكرين في مجلة المجلات النيويوركية فصلاً عدد فيه ما تم في الولايات المتحدة من أسباب الحضارة والعمران. قال وعلى من أراد أن يدرك مقدار ما بلغته أمريكا من الارتقاء الاقتصادي الغريب أن لا يحسب بالملايين بل المليارات فإن الربع الأخير من القرن السالف كان أنجح دور في التاريخ الأمريكي ظهرت فيه غرائب وعجائب في كل فرع من فروع الأعمال. فبفضل توفر أسباب الري وإنشاء الخطوط الحديدية وكثرة استخراج الجديد من مناجمه الذي يبلغ نصف ما يستخرج في جميع العالم ارتقت الزراعة ارتقاءً لا مثيل له في أدوار الأمم. وكل هذا ليس بشيء إذا قيس لما تتوقعه البلاد في المستقبل الباهر ولا سيما بعد أربعين سنة أيام يكبر أبناء اليوم فيصير أهل الولايات المتحدة مائتي مليون نسمة وهم. إنشاء الحياة رنت الأندية العلمية بما عرضه المسيو ستيفان لدوك على مجمع العلوم الباريسي من أنه يستطيع إنشاء أحياء حبة حقيقية من جواهر جامدة وخلق نباتات ذات سوق وأوراق بوضع قطعة من السكر وسولفات النحاس في محلول معدني فتكبر وتنمو وتصير نبتة تامة وقد ردت عليه الجرائد العلمية فقالت أنه أوهم الحضور بأنه استطاع تأييد مدعاه الذي قالوا أنه أصعب من الحصول على حجر الفلاسفة على حين انطلى على بعض البسطاء فتناقلوه وعدوه صحيحاً. قال المجلة لقد أعجب الناس لما قرؤوا صورة مدعاه في أعمال المجتمع ولم يروه يشير إلى ما قام به المسيو تروب الألماني عام ١٨٦٥ و ١٨٦٧ من التجارب التي أدت إلى إنشاء نباتات حقيقية. وقد عد ما ادعاه هذا الباحث مثل حية فرعون وهي اللعبة التي يلعب بها الأولاد مؤلفة من شيءٍ من الزئبق إذا أشعلت انتفخت كالحية بعد أن كانت صغيرة الحجم وقال أحد أعضاء ذاك المجتمع متى حل الإنسان هذه المسألة يكون أخلق من الخالق وأقوى من الطبيعة كلها وأقدر من العالم اللامتناهي. الإنكليزي والمطالعة نشر أحدهم مقالة في حرب الكتب في إنكلترا قال فيها أن القارئ الإنكليزي من أطمح القراء في المطالعة وأن ميله إلى الإكثار منها يكاد لا يصدق وإن الإنكليزي ليطالع جريدة التيمس وهي تصدر في عشر صفحات وأحياناً في ست عشرة ولا تراه راضياً عن نفسه قانعاً بما أحرزه من الفوائد بل أن القوم لا يقبلون على مطالعة الموجزين في عباراتهم من المؤلفين بقدر إقبالهم على المكثارين منهم. فوالتير كوت تقرأ كتبه أكثر من هال كين وماري كورللي وفي المكتبة السيارة في لندن سبعة ملايين مجلد. الأطباء اليوم بحث أحدهم في مجلة المجلات الفرنسية في حالة الأغنياء منذ سبعمائة سنة ولا سيما الأطباء والجراحون وقابلها مع أهل طبقتهم في هذا العصر من الفرنسيين فقال أن الأطباء الأمراء كانوا يأخذون رواتب سنوية تختلف بين ٢٢٥٠ فرنكاً وهو المبلغ الذي كان يتناوله طبيب الكونت دي سافوا ١٤٠١ و ٢٢٠٠٠ فرنك كانت مخصصة لجراح شال العاقل أما اليوم فإن الطبيب الباريسي الذي يطب القوم يعود ثلاثين مريضاً في اليوم فيكسب ثلاثين ألف فرنك في السنة أما كبار الأطباء في باريس وهم نحو أربعين طبيباً فيربح كل منهم من مائة ألف إلى مائتي ألف فرنك. الحيوان والإنسان أنشأت إحدى كاتبات لندن مقالاً فيما أرتاه الإنسان في الحيوان في جميع أدوار التاريخ وكيف احترم الأول الثاني أو ظلمه فقالت أن أبولونيوس دي تيان أقام الحجة على تضحية الحيوانات التي كانت شائعة في كل مكان على عهد الرسل. أما آباء الكنيسة فلم يجسروا على إلغاء هذه العادة وأقدم الفلاسفة على القول بعدم أذية الإنسان للحيوان لأن الخالق تعالى أنشأ الخلق الناطق وغير الناطق على حد سواء في العالم فقام سلس من فلاسفة القرن الثاني للميلاد وبلوتين الإسكندري من فلاسفة القرن الثالث وبورفير الإسكندري من أهل القرن الثالث أيضاً ونادوا بالرفق بالحيوان. ثم إن الكنيسة تلونت في الحكم على الحيوان فحكم مجمع ورمس علناً بالموت على النحل ولكنه أجاز أكل عسلها. وفي سنة ١٣٧٩ حكم دوك بورغونيا بالموت أيضاً على خنزيرتين وخنزير. وللفيلسوف ديكارت الفرنسي ف القرن السابع عشر رأي في أرواح الحيوانات يعرفه من عرف فلسفته. ودافع شوبنهاور الألماني الحكيم عن الحيوانات وفضلها على الإنسان. ومنذ جاء داروين الإنكليزي وأعلن رأيه في النشوء والارتقاء أخذ الناس يعتبرون الحيوانات بأنها أخوتنا المنحطة عنا مقاماً ليس إلا. بيوت العلم الأمريكية نشر أحد المطارنة العلماء رحلته إلى أمريكا في إحدى المجلات الألمانية فمما قاله فيها أنه دهش مما شاهد من الميل إلى الترقي الذي أصبح غريزياً في المجتمع الأمريكي كما أعجب بكثرة المدارس والكليات الجامعة المنتشرة في كل صقع وبلدة وقرية في الولايات المتحدة وكل ذلك مما يلفت الأنظار ويأخذ بمجامع القلوب والأبصار. فإن كليتي يال وهارفرد مثلاً هما في الحقيقة مدن حقيقية فيهما معامل كيماوية من أحسن ما يتصور العقل وأدوات وآلات في كل ضرب من ضروب العلم والصنائع وخزائن كتب لا نظير لها وقال أن أساتذة المدارس الابتدائية ليسوا قساة جفاة ذوي هيئات مرعبة يضعون على عيونهم المناظير ويخيفون الكبير والصغير بل هم نخبة من الفتيان امتلأت أجسامهم نشاطاً ووجوههم بشاشة. وإن صوت النساء اللاتي تعلمن على مثال تعليم الرجال أخذ يرن في جميع المناقشات العامة. الأديان والآداب كتب عالم في مجلة الإصلاح الاجتماعي بحثاً تساءل فيه عما إذا كان يتأتى لأمة أن تكون آدابها سالمة من الشوائب عندما تلغي حكومتها الأديان فأثبت بأنه كلما قل التدين واضمحل الاعتقاد بالأديان تضعف الآداب على نسبة تلك القلة وتنحط الأخلاق انحطاطاً محسوساً. الرياضة البدنية بحث أحدهم في تربية الأمة تربية طبيعية فقال أن اليابان قد قوي جنسها بتمريناتها العضلية المعروفة عندها باسم جيوجيتسو وإن السويد أدركت ما يتهددها من أخطار المشروبات الروحية فقاومتها وأخذت في الإكثار من الرياضات البدنية فعاد إلى الأجسام نشاطها بعد أن كادت تفقده وهكذا كل أمة تريد أن تتربى التربية الطبيعية ينبغي لها أن تكثر من أنواع الرياضيات وتمتنع عن الموبقات والمسكرات. خاتمة السنة الأولى نحمده تعالى على أن هدانا للجري على الخطة التي وضعناها منذ البداية بهذا العمل العلمي وأن حقق آمالنا فيما قصدنا إليه من السعي في سبيل الإفادة والاستفادة فجاء ما كتبناه ونشرناه ما ترى لا ما يجب أن ترى. وإنما هي سنة الارتقاء تدرجنا فيها على ما اتضح ذلك للقارئ البصير ولا ملام على من بذل المجهود في درك المقصود. ولقد لقي المقتبس من الإقبال عليه ما لا يستحقه وصادف من المنشطات ومؤازرة العلماء والأدباء الباحثين ما قوي به عضده وزنده ولكنه استفاد في الأغلب من نقد الناقدين والمستهجنين أكثر من تقريظ المقرظين واستحسان المستحسنين وصديقك من صدقك لا من صدَّقك. وهنا نثني أعطر الثناء على تلك الفئة العاملة التي جادت على المقتبس بأفكارها وأبحاثها واتخذته مباءة لأنفاسها الطاهرة ومثابة آدابها الباهرة ونتقدم إلى رصفائنا حملة الأقلام وقادة الصحافة في مصر والشام والهند وأمريكا وبعض المجلات العلمية في أوروبا لنشكرهم على ما يتفضلون كل شهر بكتابته على هذه الصحيفة والتنويه بها والدعوة إلى تناولها والنقل عنها ترغيباً وتحبباً. كما نرفع عبارات الشكر لعمدة جمعية الشرق السورية في أومهانبراسكا من أعمال الولايات المتحدة لإقامتهم حفلة تذكارية للمقتبس في متنزه ماناوا على سبعة أميال من أومها في السادس عشر من شر أغسطس الماضي فخطبوا بما أملاه الإخلاص وحب التناصر وفاه صديقنا الفاضل الغيور يوسف أفندي جرجس زخم بما كان من بعض الأدلة على فضله وأدبه وكذلك إخوانه الفضلاء الذين أحيوا بعد شهرين ليلة أنس في محفلهم ووقف ٢٤ مدعواً من أعضاء المحفل وشربوا نخب صاحب المقتبس وألقوا أبياتاً أبانت عن كرم شرقي ونفوس سامية. والله نسأل أن يجعل عامنا الثاني أفضل من الأول ويوفقنا إلى خير الأعمال ويهديا من العلم الصحيح إلى أقوم سبيل إنه أكرم مسؤول.</passage>
<license>Distributed under a Creative Commons Attribution-ShareAlike 4.0 International (CC BY-SA 4.0) license</license>
<source>https://github.com/tillgrallert/digital-muqtabas/blob/master/xml/oclc_4770057679-i_12.TEIP5.xml retrieved via Canonical Text Service http://cts.informatik.uni-leipzig.de/muqtabas/cts/ with CTS URN urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.12.TEIP5:</source>
</reply>
</GetPassage>
