<?xml version="1.0" encoding="UTF-8"?><GetPassage xmlns="http://relaxng.org/ns/structure/1.0" xmlns:a="http://relaxng.org/ns/compatibility/annotations/1.0" xmlns:tei="http://www.tei-c.org/ns/1.0">
<request>
<requestName>GetPassage</requestName>
<requestUrn>urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.10.TEIP5:</requestUrn>
</request>
<reply>
<urn>urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.10.TEIP5:</urn>
<passage>العدد ١٠ بتاريخ: ١٧ - ١١ - ١٩٠٦ صدور المشارقة والمغاربة ياقوت الحموي ٥٥٤ _ ٦٢٦ هـ لا يستقر بأرض أو يسير إلى أخرى كشخص قريب عزمه نائي يوماً بحزوى ويوماً بالعقيق ويو ماً بالعزيب ويوماً بالخليصاءِ وتارة ينتحي نجداً وآونة شعب الحزون وحيناً قصر تيماءِ هذا ما استشهد به ياقوت على تنقله في الرباع والبقاع وما كان تنقله سوى تنقل عاقل يرحل في اقتناص شوارد العلم ولقاء الرجال واستنفاض البلاد فهو أشبه بعالم غربي لهذا العهد يقطع المساوف ويركب البحار ويجوب القفار متنقلاً من قارة إلى قارة يدرس ويشاهد ويعتبر. ولكن شتان بين عالم اليوم وعالم الأمس. فالأول يقله البخار والكهرباء والثاني يركب الخيل والبغال والجمال. الأول يضرب في مناكب الأرض ووراءه دولة تحميه وأمة يعتز بها وجمعيات تنفق عليه وناس. . . . . . عمله قدره والثاني يخذله سلطانه وتسلمه أمته يعيش بكده ويعتمد في كل شأن على إرادته. وغايته من دنياه في عمله الشاق أن يخلص مما تنتج قريحته رأساً برأس غير متوقع خيراً من مستحسن ولا شراً من مستهجن. وبهذا ساغ لنا أن نقول أن السائح العالم في القرون الوسطى أعظم من السائح العالم في القرون الحديثة وأن الناظر في التاريخ ليستعظم أكثر ما يأثره من نور المعرفة للقدماء وقلما يستكثر ما يتم على أيدي طبقات المحدثين فما وفق إليه الجغرافي الفرنسي الشهير اليزه ركلو مثلاً في القرن التاسع عشر من التآليف والإجادة بعد صفاء الزمن وانتظام الحال لا يستعظم كما يستعظم صنيع ياقوت الحموي الجغرافي العربي في القرون الوسطى. نشأ ياقوت أسيراً ذليلاً أسر من الروم فقيل له الرومي وبيع في بغداد فاشتراه تاجر يعرف بعسكر الحموي وإليه نسب فقيل له ياقوت الحموي ولما صار ملكه جعله في الكتاب ليتعلم ما يستفيد هو منه في ضبط متاجره تجائره وكان مولاه أقرب إلى الأمية لا معرفة له بغير الكسب. ويؤخذ مما قاله صاحب وفيات الأعيان أن ياقوتاً قرأ شيئاً من النحو واللغة وشغله مولاه بالأسفار في متاجره فكان يتردد إلى كيش وعمان وتلك النواحي ويعود إلى الشام ثم جرت بينه وبين مولاه نبوة أوجبت عتقه فأبعده عنه وذلك في سنة ست وتسعين وخمسمائة فاشتغل بالنسخ بالأجرة وحصل بالمطالعة فوائد ثم أن مولاه ألوى عليه وأعطاه شيئاً وسفره إلى كيش ولما عاد كان مولاه قد مات فحصل شيئاً مما كان في يده وأعطى أولاد مولاه وزوجته ما أرضاهم به وبقيت بيده بقية جعلها رأس ماله وسافر بها وجعل بعض تجارته كتباً. وبهذا سهل على ياقوت أن يطوف الشام والعراق والجزيرة وخراسان واستوطن مرو ثم دخل خوارزم وغيرها ولقي من الشدائد والمصائب ما يلقاه في العادة أرباب الأفكار. منها أنه ذاكر يوماً أحدهم في بعض أسواق دمشق وذكر له رأيه في أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وكان منحرفاً عنه بما علق في ذهنه من مطالعة كتب الخوارج فثار الناس عليه وكادوا يقتلونه وبلغ أمره الوالي فطلبه فلم ير بداً من الفرار ولسان حاله ينشد قول الوزير ابن زيدون وقد فرَّ من قرطبة فررت فإن قالوا الفرار أرابه فقد فرَّ موسى حين همّ به القبط غادر دمشق سنة ٦١٣ كما غادر خوارزم يوم أتاها التتر لا سبد له ولا لبد متخلياً عن كل ما ملكت يمينه. خرج من بلد ذكر فيه رأيه وربما كان إيراده له بالاعتدال لأنا لم نر ما قاله هو أو بعض المنصفين في هذه الكائنة. فاعجب لأمة يلعن على منبرها الخليفة الرابع نحو ألف شهر من دون حرج ولا نكبر ويجيء بعد قرون من يذكره بالأدب من الوجهة التاريخية في تلك العاصمة نفسها فتقوم عليه القيامة فما أسرع تبدل الأخلاق والأحوال في القرون والأجيال. من النصب إلى التشيع ومنه إلى غيره من المنازع والنحل. كان الأدب والتاريخ وتقويم البلدان أو الجغرافيا هي العلوم الغالبة على ياقوت وفي الجغرافيا برّز وبذَّ لأنها تتوقف على كثرة الاطلاع والرحلة وهما كانا ديدنه ودينه وما ألفه من الكتب هو من أرقى ما جادت به القرائح في عصره وبعده وإن جاء عرضاً في بعضها ما يعده علماء العصر من قبيل الخرافات مثلاً فإنه كان من لوازم عصره. والعلم والمعتقدات في عهدنا لا تشبه العلم والمعتقدات في عهده. على أن ما صنفه لا يزال إلى اليوم معتمداً ومعدوداً من الأمهات الطيبات وكتابه الذي اشتهر به لعهدنا خصوصاً معجم البلدان كما أن له كتاب معجم الشعراء ومعجم الأدباء - وهذا يطبع الآن في مصر كما طبع معجم البلدان فيها ثانية - وله كتاب المشترك وضعاً والمختلف صقعاً وكتاب المبدأ والمآل في التاريخ وإرشاد الألباء إلى معرفة الأدباء وكتاب الدول ومجموع كلام أبي علي الفارسي وعنوان كتاب الأغاني والمقتضب في النسب وأخبار المتنبي وغيره. هذا هو الرجل الذي رباه عاميٌ من عامة التجار فبلغ بحدة ذهنه وتوفره على الدرس مبالغ الأعاظم الكبار وكانت حياته حياة جهد وعمل لاقى من الدهر الألاقي واضطهده قومه وحسده معاصروه إلا أنه عرف قدره في علمه على ما كان هناك من الصعوبة في معرفة الرجل في تلك القرون في حياته. قال ابن خلكان وكان الناس عقيب موته يثنون عليه ويذكرون فضله وأدبه. وياقوت الرومي في ولوعه بالعلم والرحلة كمعاصره ابن سعيد المغربي ذاك كان في الشرق وهذا في الغرب فحيا الله زماناً ينبغ فيه أمثالهما. العلم الصحيح نشرتها بجريدة الظاهر أولاً قالوا العلم علمان علم الأبدان وعلم الأديان أو دنيوي وديني فالدنيوي علم ما فيه صلاح المعاش وحفظ النظام في عالم الكون والفساد والديني كل ما له مساس بالمعاد وتهذيب النفس والابتعاد عن المنكرات في هذه الفانية للظفر بالباقيات الصالحات في تلك الدار الباقية. كان العلم الديني لأول أمره موجزاً مندمجاً لم يتعد قواعد مقررة وأصولاً نافعة فكان العربي يقصد الرسول عليه السلام يعلمه الدين في ساعة ثم يحيله على القرآن ويقول له اذهب راشداً وبشر عشيرتك وأهلك فقد عرفت من الدين جوهره وسره وما ينبغي له. فمن ثم دام الإسلام إلى السذاجة حتى قامت قائمة العصبيات من أجل التنازع على الملك وتجاذب حبل السلطة فمزج الدين بالسياسة ودخل في الإسلام من لا يهمه منه غير المغانم وراح بعضهم يدسون ما لم يقل فيما قيل وكثر المنافقون ممن سعوا بالدين في سرهم وهم من اتباعه في جهرهم وأنشؤوا يلبسوا ثياب الأصدقاء وهم له أعداء ماكرون. دسوا عوامل إفسادهم وفي القوم يومئذٍ صفوة من الأخيار توفروا على محاربة البدع والموضوعات بكل لسان وبنان بل بكل سيف وسنان وكانوا على إخلاصهم وتأثيرهم كلما استأصلوا شأفة فاسد نبض من الأفسد نابض ورجال السياسة وأكثرهم لا يرجع في الغالب إلى رأي ومذهب يدهنون من وراء ذلك لحملة الدين ويبذلون لهم ما يستغوونهم به لينطقوا بألسنتهم ولا يفسدوا عليهم أمرهم إذا رفعوا أصواتهم ونعوا عليهم تبديلهم لما أنزل وإلصاقهم به ما ليس منه. ولما رأى العقلاء عائث الفساد يدب دبيبه في علوم المعاد خافوا أن يتدرج من العبث بالأعراض إلى العبث بالجواهر فلم يروا بداً من التدوين والتقييد والدلالة على مواضع الضعف والسخف ليبدو السليم لا شائبة فيه. وأنت خبير بما يقتضي ذلك من التطويل دع عنك ما يتخلله بالطبع لأن في القائمين به العالم العامل وفيهم صاحب البدعة والمقالة. مضى على هذه الحال ردح من الزمن وعلوم الدين لم تمتزج بشيءٍ من علوم الدنيا إلى أن دخلت علوم الحضارة في الملة وسموها علوم الأوائل ورأت من بعض خلفائنا من أخذ بيدها وهيأ لها أسباب انتشارها فعندها كثرت المذاهب والآراء ونشأ العراك الأول بين العلوم الدينية والعلوم الدنيوية أي بين الدين القائم بالتسليم وبين الفلسفة المبنية على البرهان. وظلت حال العلم الديني تابعة لمجرى السياسة إن جاء عاقل من الأمراء والملوك يكل أمره لجهابذة من المحققين ينظرون فيه وهم مؤتمنون مأمونون وإذا ولي رقاب الناس جاهل ينزل نفسه في كل المنازل فيتولى من الخلق أمور دنياهم ودينهم ويقرب إليه كل من يتابعه على أهوائه ولا ينكر عليه فعلاته والعقلاء بمعزل لا ينطقون إلا كارهين وربما تدرعوا الخمول وآثروا الانقطاع على الدخول في المجتمع لامحاضه النصح وتخليصه من المفاسد الطارئة عليه. نعم أن التاريخ لم يخل من وجود عقلاء في كل دور من أدواره ولكن قوتهم ضئيلة لا تنفع وصوتهم خريد لا يسمع إذا نسبتهم لأولئك المنافقين في خدمة الآمرين والناهين وقد قل عددهم كثيراً في هذه الديار خصوصاً بعد الدولتين النورية والصلاحية وصار العلم أشبه بتقاليد ورسوم منه بعلم وعمل ومناطق ومفاهيم. وما فتئت العادات يتخيلها بعضهم من الدين ويدسونها فيه وللجهل الكلمة النافذة في الهيئة الاجتماعية إلى أن كان القرن التاسع والعاشر وما يليهما من قرون الهجرة وهي من العصور المظلمة في تاريخ الإسلام حقيقة فعندئذ قل المميز والمفكر وبطلت علوم الحكمة جملة واحدة وصار من يتعاطاها في نفسه وبين خاصته كمن يأتي أمراً إداً ويخون دينه وأمته وبطل النظر في الأصول وتحتم على كل عقل أن لا ينظر في غير الفروع مما أملته خواطر المتأخرين. فأصبح بذلك يعد العالم كل العالم من يحفظ من هذه الفروع أكثر. اعتبر ذلك بما تتلوه في تراجم أعيان العلماء في هذه القرون فإنك لا تراها تتعدى الأقوال والآراء وأهل كل جيل يقدسون قول من سلفهم ولو ببضع سنين نعم إنك لو أنصفت لا تكاد ترى لهم تأليفاً تقرأ فيه نور العقل والخلاص من التقليد البحت ولقد أتت أيام في معظم الأصقاع الإسلامية حرم النظر فيها حتى في الكتاب والسنة وعد الناظر فيهما محاولاً للخروج عن سنن الجماعة فإذا خالف فرد ما ألفوه أهانوه ومن قاوم بفكره سجنوه أو نفوه وشردوه وذا خافوا بأسه قتلوه وجعلوه عبرة ومثلاً للآخرين. تأصلت الأوهام فعدت من أقدس القربات وسار الناس مع تيار الجهل وتقديس أقوال أدعياء العلم والتقوى وصدرت الأحكام بعوامل الأوهام وغدت هذه البلاد كبرج بابل في التبلبل والتشويش اتخذت كل منها لها أئمة وأولياء وأنشأت تكبر أمرهم وتدعي لهم مقاماً ما ادعوه لأنفسهم وراح الفقيه يكفر الصوفي والصوفي ينقم على الحديثي والأصولي يحمل على الفروعي واشتغل أهل كل قطر بل أهل كل مصر بتقديس من تواطؤوا على تقديسهم والطعن فيمن عداهم ممن لم يصوروا لهم بالصورة المناسبة لما وقر في نفوسهم وركز في طبائعهم وعشش في مخيلاتهم. وهكذا امتزجت علوم الدين بالمشاغبات والمماحكات لو بعث الشارع وأصحابه لرأوا الاختلاف بين ما ورد وما صار إليه مستحكماً بعيد الأطراف يصعب الجمع بينهما كما يصعب الجمع بين النقيضين. ماذا أصف من تسرب الجهل إلى العبث بالعقول في تلك القرون وأنك لترى أثراً من آثاره لهذا العهد عند بعض من فطموا أنفسهم عن النظر في المعقولات منا فترى كلمات التضليل والتكفير والتبديع والتفسيق أسرع إلى أفواههم من الماء إلى الحدور وتشهد الغر الغمر يتحكم بالجنة فيعطيها لمن يشاء ويحرمها من يشاء فوا رحمتاه على أناس أضاعوا فضل عقولهم في الجدل ولكم كان الخير يأتي من جهتها لو اشتغلت بالمفيد ونبذت الأهواء ظهرياً ولكن إذا أراد الله بقوم سوءً رزقهم الجدل ومنعهم العمل. قلت فيما سلف أن علوم الدنيا دخلت في الملة لما رأت من يعضدها من رجال السياسة وكان ذلك في القرن الثاني. بيد أنها لم تنتشر الانتشار المطلوب إلا في القرن الثالث. شاعت قرنين ثم أخذت تضعف إلى أواخر القرن السابع أيام قل المشتغلون بها ولو على طريقة نظرية بعلوم العقل التي لا قائمة لأمة بدونها مهما أخلصت في دينها. وإذا استفتيت تواريخهم تجد المتلبسين بشعار العلماء لا يعدون في جملتهم ذاك الرياضي والجغرافي وربما فضلوا عليهما المعمار والثرثار. من أجل هذا نرى المدارس على تفنن القوم في إنشائها بعد القرون الوسطى فنازلاً خاصة بالفقيه والمحدث والقارئ والرباطات للمجذومين والمعدمين والكسالى ولم نجد مدرسة اللهم إلا بعض مدارس الطب موقوفة على الرياضيين والطبيعيين والفلكيين والمؤرخين كأن علومهم هذه أباطيل لا تصح الإعانة عليها وحسب الرياضي أن يغضي الفقيه عنه مادامت الحال بين هبوط وصعود والأجدر بها أن تدعى سقوطاً إلى منتصف القرن الماضي أيام أخذ السلطان عبد المجيد في البلاد العثمانية ومحمد علي باشا في هذا القطر يسهلان السبل لهذه العلوم ويعد أن أهلها في مصاف العلماء وأنشئت المدارس لتعليمها وغدا المشتغلون بالعلوم الدنيوية حزباً والمتوفرون على تعليم العلوم الدينية حزباً آخر على أنه لم تحمد عودة تلك العلوم الدنيوية التي سماها بعضهم عصرية وبعضهم دعاها حديثة لما نتج عنها من حركة كانت أشبه برد فعل ماثلت الأمة معها صائماً أخذ منه الجوع فلم يجد ما يطعمه حتى ساقته الأقدار إلى مائدة مترف موسر وقد حوت ما طاب وحلا من صنوف الأطعمة والحلواء فأخذ يلتهم ما وصلت يده إليه بدون ترو ويزدرده بلا مضغ ويمزج بارده بحاره وحلوه بحامضه ويؤخر ما يقتضي تقديمه ويقدم ما يحسن تأخيره. ونشأت ناشئة لم تدر من العلم الحقيقي غير قشوره شربت مصة من مورده ظنتها غاية ما يرتوي به المرتوون وراحت تعد المروق غاية النور والإزراء على النبوات من آيات الحكماء والطعن بالشرائع من عمل الجهابذة النحارير وإنكار القديم مهما كان نفعه والتعلق بالحديث مهما ضؤل قائله من دواعي النهوض والاستنارة. وعلى الجملة ينبذون كل ما ليس لهم به علم من تراث أجدادهم حاسبين الصحيح منه والسقيم في مقام واحد مما حكين ولو بان لهم الراجح من المرجوح. يقول فتية اليوم أنه لا نجاح للأمة إلا بنبذ ذاك القديم مباشرة والأخذ بهذا الحديث على علاته وفاتهم أن ما يسوغ في الغرب لا يتم في الشرق وأن لكل أمة طبيعة ومنازع لا مناص من مراعاتها وأن إقامة مدينة جديدة في بادية أسهل من إصلاح مدينة قديمة لا غنية عن البناء فيها وأن من العقل أن لا ينبذ ذاك القديم بل يرجع فيه إلى الأصل القليل ويؤخذ النافع منه ويترك ما عدا ذلك من تخريف المخرفين وضلالات المبتدعين والأخذ من هذا الحديث بالعلم الصحيح الذي تمس إليه الحاجة وإطلاق الحكم للعقل يعمل معمله في طريقه. العلم الصحيح هو الذي يبعث صاحبه على عمل النافع ولو كان في ذلك ضياع مصلحته الشخصية فلا يبالي حامله بغضب الرؤساء والزعماء ولا يستغويه رضى الغوغاء والدهماء. يتجشم المخاطر في نشر خاطر. ويركب كل صعب وذلول لإنارة مظلمات العقول. العلم الصحيح هو الذي خلص من ضغط الأهواء السياسية والمذهبية وسلم من التأثيرات والغايات فلقنه صاحبه بريئاً من شوائب النزعات والنزغات وأثر في نفسه تأثيراً مجرداً فإذا نطق بعده فلا ينطق إلا بما يوحي إليه هاتف الفهم السليم والعقل الحكيم فلا يتعصب للآباء والجدود ومألوفات المحيط وعادات الأهل والإقليم ويتحزب لشيخه وأستاذه ولو تجلى له أنهما عن طريق الحق ناكبون. العلم الصحيح هو الذي يحترم صاحبه به آراء غيره ولو كانت مباينة لأفكاره كل المباينة ولا يعدها سخافات وترهات فينكر كل ما لا يعلم ويستكثر ما وعى. ولا يعد حطة عليه أن يتسقط الحكمة إن وجدها وفي أي المظاهر ظهرت فيأخذ نفسه بالتعلم ولو شاب وجاوز الثمانين. العلم الصحيح هو الذي تكون نتائجه أكثر من مقدماته وفروعه خيراً من أصوله يأخذ له حامله من نفسه فلا يتكبر عن إفادة ولا يستنكف من استفادة ويسعى إلى بث ما يعرف في كل أفق ويعد البشر أخوة فلا يقصر في تعليمهم مما علم يقين أن إصلاح الأفراد سلم للوصول إلى إصلاح الجماعة والمصلحة العامة هي أبداً موضوع نظر من رزق حظاً من هذا العلم. العلم الصحيح هو الذي يربي الملكات ويهذب النفوس فلا يستخدم صاحبه علمه أداة للغلبة بالباطل والإدلال على الأقران والذهاب بفضل الشهرة والمحمدة الزائلة والتبجح والتنطس فامنح اللهم بفضلك هذه الديار شيئاً من هذا العلم وكثر فيها سواد أهله بمنك وحسن تسديدك. صفحة من تاريخ مصر معربة عن مجلة الاكونومبست أوربيين الفرنسية للمسيو ادمون تيري يبتدئ تاريخ مصر الحديث من عهد محمد علي مؤسس الإمارة الخديوية الحاضرة ومحمد علي هذا ولد في الروم أيلي وهو رجل شجاعة وفرط ذكاءٍ سعى فوفق إلى أن ينصب والياً على القاهرة وحاكماً على القطر المصري سنة ١٨٠٥ وذلك بمساعدة المماليك الذين أبادهم بعد ست سنين من استلامه أزمة الحكم عندما طمح هؤلاء النبلاء بعد أن كانوا عبيداً وأجناداً موصوفين بحب السلب والنزوع إلى الفتنة في تهديد قوته. بلغت مصر على عهد قدماء ملوك المماليك التركمان والجراكسة ( ١٢٥٤ _ ١٥١٧ ) أرقى درجات الحضارة الشرقية ولكن كان الشعب يؤدي المغارم بطريقة وحشية قاسية ولم يكن حكمهم الذي دام ٢٦٣ سنة سوى سلسلة طويلة من الحروب الأهلية والمؤامرات وانقلاب في أحوال القصور وجرائم وجنايات يباع فيها الدم بيع السماح. حتى أن السلطان سليم الأول العثماني لما استولى على مصر سنة ١٥١٧ رآها وقد استحكمت فيها الفوضى المطلقة فجعلتها خراباً يباباً. ولم تكن البلاد على عهد الفتح العثماني ( ١٧٩٨ _ ١٥١٧ ) أسعد منها على عهد المماليك الذين عادوا بعد قليل واسترجعوا نفوذهم القديم وإليك ما قاله نابليون الأول في وصف هذا الدور الذي دام ٢٨١ سنة وذلك نقلاً عن مفكراته على الحملة المصرية: أبقى السلطان سليم أربعين ألف جندي حامية تحفظ البلاد التي افتتحها وقسمهم إلى سبعة فيالق وكان الستة منها مؤلفة من العثمانيين والسابعة مؤلفة من المماليك. وجمع لذلك كل من سلم من أيدي هؤلاء. وعهد بإدارة البلاد لباشا وأربعة وعشرين بيكاً ولجماعة من الأفندية وإلى ديوانين وكان أحد هؤلاء البكوات الأربع والعشرين قائم مقام الباشا ونائبه ولقد كثر عدد فيلق المماليك وهو مؤلف من أجمل الرجال وأشجعهم وأخذت الفيالق الستة بالضعف ونزل عددهم بعد قليل إلى سبعة آلاف جندي على حين بلغ المماليك وحدهم زهاء ستة آلاف. وفي سنة ١٦٦٦ أخذت الفوضى يدب دبيبها في كل رجا وزحزح العثمانيون عن القلاع والمعاقل فاستولى المماليك على كل شيء ودعي رئيسهم شيخ البلد. ثم أخذ القوم ينفرون من الباشا ويحتقرونه فنادى علي بك شيخ البلد سنة ١٧٦٧ بالاستقلال والاستئثار بالسلطة وضرب السكة باسمه واستولى على مكة وحارب سورية واتحد مع الروس وغدا البكوات كلهم عندئذٍ من المماليك. وفي سنة ١٧٩٨ أصبح لكل بك من هؤلاء البكوات الأربع والعشرين قصره الخاص به وفيه من الحاشية والغاشية ما يختلف قلة وكثرة وكان عند أضعفهم بأساً مائتا مملوك وكان لمراد بك ألف ومائتا مملوك بحيث كان هؤلاء الأربع والعشرون بيكاً يؤلفون جمهورية تخضع لأعظمهم نفوذاً فيهم ويتقاسمون بينهم الأموال ويتوزعون المعاقل. وقد قدر عدد المماليك نساءً ورجالاً وأطفالاً سنة ١٧٩٨ بخمسين ألف نسمة يخرجون منهم اثني عشر ألف فارس. أهلك الجيش الفرنسي في حرب الأهرام في يوليو سنة ١٧٩٨ سبعة آلاف مملوك وأباد محمد علي سنة ١٨١١ ما بقي منهم. ثم أن الباب العالي صدق على ولاية محمد علي على مصر لقاء سبعة ملايين من الفرنكات يدفعها خراجاً في السنة فحاول أن يعيد إلى القطر ما فقد من بهائه القديم فوطد أسباب الأمن في البلاد ونظم له جيشاً قوي الشكيمة. وبينما كان ولدا محمد علي طوسون وإبراهيم يستأصلان شاقة الوهابيين سنة ١٨١٨ ويستوليان على النوبة وسنار وكردوفان التي كانت أضيفت إلى إمارة مصر باسم السودان المصري وخرطوم عاصمتها سنتي ١٨٢١ و ١٨٢٢ وينجدان السلطان محمود العثماني في قتال اليونان المتمردين سنتي ١٨٢٤ و ١٨٢٩ ثم يغيران بعد ذلك بسنتين على سورية والأناضول انتقاماً من السلطان على عدم اعترافه بالجميل بينما كان أبناء محمد علي يقومان بهذه الأعمال كان محمد علي والدهما يتقدم إلى فرنسا وكان يحبها كثيراً أن تبعث إليه بمهندسين وكيماويين ومعماريين وميكانيكيين وغيرهم يحفرون له الترع ويصلحون سدود النيل القديمة ويقيمون قناطر حديثة ويعمرون الأطيان القابلة للزراعة في الدلتا والصعيد ويدخل إليها المزروعات الجديدة وينشئ المعامل لينجح في توفير الغلات والتجارة الوطنية. ولكن محمد علي لم يحسب حساب العمل وما يقتضي له في هذا التبديل الاقتصادي الذي كان يرغب فيه فأباد الفلاحين على نحو ما صنع المماليك بما حملهم إياه من السخرة والضرائب وسبهم أراضيهم التي جعلها إلا قليلاً ملكاً خاصاً له وترك للخزانة الاستئثار بالتجارة الخارجية. على أن ما بذله هذا الوالي لم يكن متناسباً مع قوة البلاد المساعدة ولم يحدث عنها لسوء الطالع النتائج التي كان يتوقعها فلم تلبث تلك المصانع ومعامل القطن والسكر التي أنشئت بالأموال الطائلة في جميع أمهات مدن القطر أن تداعت أركانها عقيب ما قام بنيانها وذلك لسوء إدارتها ولقلة استكمالها أسباب الجودة بحيث أن محمد علي لما أصيب بمرض في عقله وتخلى عن الإدارة لبكر أولاده إبراهيم ١٨٤٨ كان الشعب المصري في بؤسه وشقائه على نحو ما كان في آخر حكم المماليك. خلف إبراهيم أباه بموجب وفاق تم عقده بين محمد علي والباب العالي وصادقت عليه الدول العظمى ١٨٤١ اللائي ضمن لعزيز مصر أن تكون له ولأحفاده الذكور من بعده ملكاً أبدياً يتوارثها بكر الأولاد مع حفظ سيادة الباب العالي على القطر. ولكن لم تطل مدة حكم إبراهيم أكثر من بضعة أشهر وخلفه ابن أخيه عباس باشا ( ١٠ نوفمبر سنة ١٨٤٨ ) وكانت إدارته للبلاد إلى الضعف. تولى عباس باشا سنة ١٨٥٤ فخلفه سعيد باشا رابع أولاد محمد علي. يقول المسيو رافيس في بحث له جليل في مصر أنه كان ذا حظ من الذكاء الباعث على العمل والحامل على حمل أسباب الحضارة على نحو ما كان لوالده مع ما امتاز به من التهذيب الأوربي الذي لقنه أحسن تلقين فاتسعت مداركه ولذلك أتم إصلاحات والده وتوسع فيها. فألغى بعد سنتين النخاسة والجمارك الداخلية والاحتكار وأطلق للفلاح حريته الشخصية وحرية التملك ووفى ديون القطر القديمة وهو الذي أنجز قناطر النيل ورخص للمسيو دي لسبس صديق صباه أن يخرق ترعة السويس وهو أول من جعل للأمير راتباً وأقام خزينة خاصة. مات سعيد باشا سنة ١٨٦٣ وخلفه إسماعيل بن إبراهيم فنال هذا من الباب العالي ١٨٦٦ حق الإرث في الإمارة لأولاده وإلغاء حق بكر الأولاد فيها في فروع القرابة غير الفرعية ونال لقب خديوي فجاء ذكره في مجموعة القوانين العثمانية بعد ذكر اسم السلطان مباشرة. ولقد حرص إسماعيل على إدخال التنظيمات الجديدة ولكنه كان منفاقاً متلافاً للمال فساق البلاد المصرية بإدارته المحزنة إلى الإفلاس وإضعاف الاستقلال الوطني الذي كان حلم باسترجاعه. قال ادمون أبو في كتابه العجيب المسمى الفلاح الذي نشره قبيل الاحتفال بافتتاح ترعة السويس بعد أن وصف جمال الصنعة في مساجد القاهرة ووصف عجائب الهندسة الدقيقة التي دعوها بدون مسوغ قبور الخلفاء وقام القوم بصنعها بحيث تعجز جميع الأيدي العاملة في مصر عن مضاهاتها ما نصه: عهد جميع هذه المصانع الصالحة الجميلة كعهد أمثالها عندنا تقرأ فيه الكآبة والتشويش ولعمري كيف تأتى لأولئك القدماء أن ينشئوا أعاجيب من المصانع والمعاهد يتعذر على مصر الحديثة إصلاحها؟ يتداعى كل شيء ويبيد فيذهب غير مأسوف عليه هباءً منثوراً ولا يحاول الأحياء اليوم أن يدعموا ما وهى من تلك الخرائب الفخيمة. هم أهل إخلاص في أعمالهم لم تضعف نفوسهم كما ضعفت نفوسنا منذ أقمنا بناء بيعنا الكبرى على الطرز الغوطي. ولعمري كيف جوز أولئك المؤمنون أن يتركوا تلك المصانع الدينية تتداعى أركانها على حين نحن بذلنا كل مرتخص وغال لصيانتها على الحادفينا. أنشئت المصانع العامة في جميع الممالك بفضل المعاونة الحقيقية والشخصية وقامت بفضلات ما تنفقه الأمة في سبيل حاجياتها. نرى المصريين الماثلين أمامنا يصرفون أقل ما يمكن صرفه ويقومون على ما يظهر لي بأعظم الأعمال الجسدية وإن لم يكادوا يقومون بالإنفاق على أنفسهم وتأدية الخراج للحكومة. ليت شعري هل فسدت الأرض أم سكانها أم حكومتها أم يتحتم علينا أن نعتقد بأن استبداد المماليك فتح هوة يتعذر ردمها. كتبت هذه السطور منذ زهاء نصف قرن بعد إبادة المماليك المتأخرين فثبت بها أن محمداً علياً وأخلافه قلما عنوا بتحسين حالة هذا الشعب الخاضع العامل الذي لم يعمل قط إلا للغرباء ولم ينله نفع من كده وإليك ما قاله الآن اليزه ركلو بعد ادمون أبو بعشرين سنة: إن النقوش الناتئة في المصانع المصرية تمثل هذا الشعب بأنه كان منذ ثلاثة آلاف سنة كما هو اليوم يحني رأسه تحت ضربات السياط. ولقد كان الفلاح المصري أبداً مظلوماً مرهقاً لا قدرة له على الانتقال كما ينتقل البدوي الرحالة وليس في سهل الدلتا العظيم المنبسط ولا في وادي النيل الضيق المضطرب مكان يسعه أن يحاول الالتجاء إليه ليكون فيه بمأمن ولذلك كان عرضة للشقاء لا مستقبل له ولا أمل يرجو نيله ومع هذا تراه يحب مسقط رأسه حباً جماً وإذا طرحته النوى مطارحها وأبعدته عن ضفاف نهره المحبوب تعروه الكآبة ويموت معذباً بالإب أي مرض فرقة الأوطان. عود إلى موضوعنا - فقد فتحت ترعة السويس في نوفمبر سنة ١٨٦٧ ثم اتخذ إسماعيل سياسة التغلب التي افلح فيها جده ووسع حدود مصر إلى البحيرات العظمى في إفريقية الوسطى سنتي ١٨٧٠ و ١٨٧٦ وصادق له السلطان على نصف استقلال الخديوية فيما يتعلق بالباب العالي ولكن إسماعيل أنشأ في خلال عشر سنين من حكمه يسرف ويتلف فعد عهده عهد إسراف مالي شرع يستدين من فرنسا وإنكلترا حتى اقترض ٢٥٠٠ مليون فرنك بشروط كانت من الفداحة بحيث أصبح الإفلاس لا مناص من الوقوع فيه. نعم حدث ذلك بالفعل فرضي إسماعيل سنة ١٨٧٦ بقبول المراقبة الأجنبية على المالية المصرية وبعد انقضاء ثلاث سنين على هذا ومحاولة إعادة النظام الإداري إلى نصابه الأول عين في الوزارة المصرية اثنان من المراقبين أحدهما إنكليزي المستر ريفرس ويلسون والآخر فرنسي المسيو دي بلنيير سنة ١٨٧٩ وعندها نشأ عن ذلك ما هو معلوم من المشاكل بين الإدارة المصرية ووكلاء الدائنين وإن وقع الاستحسان على المراقبة الإنكليزية الفرنسية في جميع ما يختص بالمالية المصرية. جاء في كتاب المسألة المصرية الذي نشر حديثاً كلام للمسيو فريسنيه أحد وزراء فرنسا حكم فيه الحكم التالي على عزل إسماعيل وحلل مؤلف هذا الكتاب الممتع التقلبات المنوعة في السياسة الفرنسية بمصر منذ حملة بونابرت إلى أيامنا قال الوزير: وهكذا انتهت أيام أمير كان في مكنته أن يكون حظه غير ما تم له فقد كانت له على نقائصه الكبيرة صفات محمودة فلئن كان محتالاً موسوساً مهووساً مفرطاً في العجب مسرفاً محباً للعظمة فقد كان أيضاً صاحب سلطة وذكاء في تعاطي الأعمال يحسن التمييز بين مصالحه المختلفة وتظهر كفاءته في حسن خدمتها. وقد دل إصلاحه القضائي وما بذله من مد يد المعونة في مشروع ترعة السويس وما توفر عليه من القيام بكثير من الأعمال النافعة على أنه أهل للعمل بالأفكار السامية. ولو كان لفرنسا في مصر إذ ذاك معتمد حازم حاذق وثابت لنالت بواسطته نفوذاً كبيراً وكان يتأتى بمعونة الدول وفي الأحوال الحرجة التي وقعت البلاد فيها أن يؤخذ بيد إسماعيل في طريق يكون إلى السلامة أكثر من الطريق الذي سلكه. فقام على عرش الإمارة المصرية بقيام توفيق أمير مهذب سليم الطوية تام الأخلاق مقتصد ولكنه ضعيف الرأي لا نفوذ له متوسط الذكاء تتقاذفه التأثيرات المتناقضة بحيث يعجز عن التغلب على مركز حرج. ولذلك رأيت مصر في خلال ذلك عرضة للاضطراب وعدم التماسك ثم للاختلال وانتشار الحوادث. وعلى الجملة فقد كان من أثر الحوادث التي تلت إعادة المراقبة المالية أن راح أشياع إسماعيل يستثمرون المغانم منها فنشأ عن ذلك اضطراب شديد بين المسلمين من المصريين انتهى بثورة السودان وقيام المهدي محمد أحمد يدعو إلى الجهاد (أغسطس ١٨٨١ ) وأدى إلى الفتنة المشهورة في القاهرة ( ٩ سبتمبر ١٨٨١ ) التي أثار ثائرها الحزب الذي سمى نفسه الحزب الوطني وكان الأميرالاي عرابي زعيمه المعروف. شيءٌ من تاريخ الكائنات والإنسان خلق الله النور ثم الجلد ثم النبات والأشجار والأعشاب والمياه. ثم الشمس والقمر والكواكب ثم الأسماك والطيور ثم الدبابات والبهائم ثم الإنسان. لا يعلم العلماء مقدار المدة التي كانت بين خلق النور وبين الجلد وبين سائر المخلوقات المتقدم ذكرها. فقد يمكن أن المراد في الأيام التي ذكرها موسى أول مؤرخ ظهر على وجه الأرض عصر أو مدة طويلة. فإنه لا يوجد كلمات في اللغة العبرانية التي كتب فيها موسى تاريخه أو الأسفار الخمسة في التوراة تدل كل منها على يوم ومدة وعصر على حدتها. ولقد دل كل من علم طبقات الأرض وعلم الفلك على أن المراد بتلك الأعصر ألوف عديدة من الأعوام. بيد أن قسماً كبيراً من البشر يعلم حق العلم بأن الله جل جلاله سلط الإنسان على الكائنات وعلى هذه الطبيعة العجيبة أو أنه أقامه سيداً على كل ما نراه أمامنا ووراءنا وفوقنا وتحتنا وحولنا من جمال هذا الكيان وبدائع هذه الخليقة التي حار في فهم أسرارها القدماء والمحدثون. آدم جد الأسرة البشرية كلمة عبرانية معناها التراب الأحمر. وحواء جدة الجنس البشري كلمة معناها أم كل حي. ولقد دلت الآثار القديمة في جميع قارات العالم - في آسيا وفي إفريقية وفي أوربا وفي أميركا على خلق آدم وحواء. فوجدت صور منقوشة على الصخور تدل على رجل وامرأة وبيد هذه ثمر. أما موقع الفردوس الأرضي الذي وجد فيه الأبوان الأولان فقد اختلف فيه الأثريون ورجال البحث. فقال فريق أنه كان في ما بين النهرين أو في أرمينية بدليل ذكر موسى الكليم للنهرين دجلة والفرات. وقال آخر أنه كان في بابل أو في بلاد الكلدانيين. كانت كل أمة في هذا الوجود تنسب خلق الأبوين الأولين إلى وطنها أو بلادها فجاء العلم يفسد هذه الدعوى حتى صار من المرجح في هذا العصر أن خلق آدم وحواء كان في جهات أرمينية أو فيما بين النهرين. على أن هذا الاختلاف في هذه المسائل التاريخية والمشاكل العلمية لم يكن باعثاً على الاختلاف في أن الأبوين الأولين قد سقطا حسب مذهب أهل الإيمان وأن الله طردهما من جنة عدن وأنه قال لهما: بعرق وجهكما تأكلان خبزكما. ولد للأبوين الأولين قابيل وهابيل إلا أن الأول قام على الثاني فقتله حسداً. فكان قابيل أول من حسد وأول من أوجد المطامع البشرية التي لا تزال تئن منها البشرية والإنسانية. ثم ولد سائر الآباء الأولين فكان عددهم كلهم عشرة. وهم آدم وشيث وانوش وقينان ومهللئيل ويارد واخنوخ ومتوشالح ولامك ونوح. ولقد أطال الله حياة كل منهم فبلغ بعضهم من العمر نيفاً وتسعمائة سنة لمقاصد جليلة منها إنماء النوع الإنساني. قال موسى الكليم ما ملخصه: لما كثر الجنس البشري على وجه البسيطة وكثرت شرور الإنسان أهلكه الله بالطوفان. واختلف العلماء فيما إذا كان الطوفان عاماً أم خاصاً وأخذ كل من الفريقين المختلفين يؤيد مدعاه. فمن براهين علماء الدين أن الطوفان كان عاماً لا خاصاً لأن التوراة صرحت بأن المياه غطت جميع الجبال التي تحت السماء وإنها أهلكت كل جسد يدب على وجه الأرض وأن آثار الأمم القديمة تدل على كونه كان عاماً لا خاصاً. ومن براهين الفريق الثاني من علماء الآثار وعلماء الجيولوجيا أن قبائل المغول في الصين وبلاد الأحباش والسودان من أصل قبل الطوفان. وقد أثبت علم طبقات الأرض أن الطبقة الثالثة من الأرض طبقة طوفانية. على أن علماء هذا الفن يقولون بأن تلك الطبقة ناشئة من طوفانات عديدة فطوفان سنة واحدة كطوفان نوح لا يمكن أن يكونها. اختلف العلماء فيما إذا كان الطوفان عاماً أم خاصاً كما اختلفوا في مستقر السفينة النوحية ومهد الجنس البشري بعد الطوفان فقد ذهب جماعة من أهل البحث والتنقيب والعلم إلى أن الفلك النوحية استقرت على جهة من سلسلة جبال الهند وبلاد كوش بدليل أن تقليدات الفرس والهنود تدل على ذلك. وذهب غيرهم من الباحثين إلى أن مهد البشر ومقر سفينة نوح كانا في أرمينية ويقول موسى الكليم أن فلك نوح استقر على جبال اراراط وهو أصح قول إذا اعتقدنا بصحة ما كتبه موسى. وكيف لا نعتقد بصحة الأسفار الخمسة وقد برهنت على صحتها الخطوط الهيروغليفية المصرية والمسمارية والكلدانية التي كان أول من اكتشف أسرارها فقيد العلم يوحنا فرنسيس شامبوليون المتوفى سنة ١٨٣٢ م. قال الكتاب الشريف أقيم ميثاقي معكم فلا ينقرض كل ذي جسد أيضاً بالطوفان ولا يكون أيضاً طوفان ليخرب الأرض وقال وضعت قوسي في السحاب فتكون علامة ميثاق بيني وبين الأرض وقال وكانوا بنو نوح الذين خرجوا من الفلك ساماً وحاماً ويافث تكوين ص ٩ عدد ١١ و ١٣ و ١٨ و ١٩ . إذا لم نتبع مذهب الذاهبين إلى أن أهل الصين والسودان وهنود أميركا من أصل قبل الطوفان فيكون سام وحام ويافث أصولاً لجميع الجنس البشري بعد الطوفان. فقد أقام سام في آسيا وأقام حام في إفريقية وأقام يافث في أوربا فالآسيويون القدماء من ذرية سام والإفريقيون الأصليون من أصل حام والأوربيون من أصل يافث. وأما نوح فهو جد الآسيويون والإفريقيون والأوربيون بعد الطوفان. ذهب عدد كبير من العلماء إلى أن موسى الكليم اقتصر على ذكر أنساب النوع الأبيض من البشر. وأما أنساب النوع الأصفر والنوع الأسود والنوع الأحمر فلم يتعرض لها. ولعله أراد بهذا التخصيص أو الاقتصار ذكر الشعوب التي كان يعرفها العبرانيون في أيامه. غير أن العلماء اهتدوا إلى حل هذه المسألة فقالوا أن نوحاً عاش بعد الطوفان ثلاثمائة وخمسين سنة فلا يبعد أن يكون ولد له أبناء أو أولاد في أثناء تلك المدة فكانوا أصولاً لشعوب أخرى. فالشعوب القديمة التي ظهرت بعد الطوفان وذكرها موسى الكليم والمؤرخون القدماء كالآشوريين والعبرانيين والعيلاميين والعرب والآراميين هم من أصل سام. والإيرانيون والتتر والجومريون والأتراك واليونان والسلافيون والايبارييون من أصل يافث. والمصريون والغوطيون والكنعانيون والكوشيون من أصل حام. واختلف أهل البحث في لغة الإنسان الأولى اختلافهم في غيرها من المسائل الغامضة فمنهم من قال بأنها كانت عبرانية ومنهم من قال بأنها كانت إحدى اللغات السامية كالسريانية والكلدانية والعربية. وقد تكون اللغة الأولى نوعاً من اللغات السامية ثم طرأ عليها تغييرات وإصلاحات وتحسينات. على أن هذه جميعها لم تغير شيئاً من جوهرها الأصلي. ولما كان نوح وذووه هم الذين بقوا بعد الطوفان كانوا بلا مراء يستعملون أو يتكلمون لغة الإنسان الأولى. ظل نسل نوح يتكلم هذه اللغة مدة أربعة قرون حسب الترجمة السبعينية. أما الذين اخترعوا الحروف الهجائية فهم الفينيقيون الذين فضلوا على العالم بأسره بمصنوعاتهم وآدابهم التي منها اختراع الحروف الهجائية. ثم كثرت اللغات وتنوعت إلى أن بلغت ما بلغته في هذا العصر. ذهب عدد كبير من علماء الدين إلى أن المدة التي كانت بين الخليقة والطوفان بحسب النسخة العبرانية هي ١٦٥٦ سنة وبحسب الترجمة السبعينية ٢٢٤٢ سنة فإذا صح هذا المذهب فهذه الأعوام العديدة تكفي لإكثار نسل آدم وجعل سورية والعراق مأهولة بالسكان في تلك الحقبة التي بين الخليقة والطوفان. قال المطران يوسف الدبس في تاريخ سورية إن الحجة القاطعة على أن سورية كانت مأهولة بولد آدم قبل الطوفان هي موقع سورية الطبيعي وحيث أن المرجح عند العلماء أن مهد الجنس البشري كان أولاً فيما بين النهرين أو في أرمينية وكانت هذه البلاد متاخمة لسورية وكان لا يوجد بين البلادين جبال وبحار يستعصي مسلكها بل سهول خصيبة طيبة الهواء جيدة المرعى فقد كانت سورية بلا مشاحة مأهولة بالسكان. هذه خلاصة ما قال المطران العلامة بهذا الشأن. أما أحوال البشر قبل الطوفان من زراعية وصناعية وتجارية واجتماعية ومدنية فلم يتوصل إليها الباحثون بعد. وكل ما ذكره موسى بهذا الصدد هو أن يابال كان أباً لساكني الخيام ورعاة المواشي وأن يوبال كان أباً لكل ضارب بالعود والمزمار وأن قوبال قايين كان الضارب كل آلة من نحاس وحديد. إن أشهر الشعوب التي قامت قائمتها في سورية بعد الطوفان إلى عهد إسكندر الأول هم الآراميون والكنعانيون والعبرانيون والمؤابيون والإسماعيليون والمدنيون والعمونيون والأدوميون والفلسطينيون والسامريون والعناقيون. وأشهر هذه الأمم جميعها الحثيون والفينيقيون والعبرانيون. هذا ولي سلسلة كتابات في هذا الموضوع سأقتبسها من مباحث أشهر علماء الشرق والغرب كما اقتبست هذه المقالة خدمة لمجلة أجلها ولأمة أحبها. اوماهانبراسكا - الولايات المتحدة يوسف جرجس زخم إحدى نقائص الاجتماع واقعة حال وقفت بأشيبين إلى مرام لي اصاديه يديران الحديث على زمان ربيا فيه فقلت مضى زمانكما فما تذكار ماضيه فقالا يا له زمناً وتذكاراً نواليه رأينا قبلكم ما لم تروا شيئاً يحاكيه فقلت نعم وسوف نرى من الآتي وخافيه أموراً لن يراها الش يخ فالموت ملاقيه فنابهما لذكر الموت غيظ خيف باديه وقالا هل رأيت الغي ب لا لست برائيه لعلك أن تلاقي المو ت تعدونا عواديه فقلت لعل تمر كما يقر العين غاليه فقالا لا غلاء ولن ترى ثمراً يضاهيه فلم أبخل به ثمناً يهيج البخل رابيه ورحت يكاد يفضحني لعاب لج جاريه فلما أن أتيت البي ت في جهد أعانيه إذا بالتمر قد أربت فما تحصى مساويه العظة عجبت لمن دعاه إلى لقاءِ الله داعيه فتاق إلى الحياة ولم تحل عنها أمانيه وحارب ربه شرهاً إلى فلس يواتيه أما للشيخ مزدجر فينزع عن معاصيه أما يوقن أن المو ت قد شمر حاديه وإن قد أوشك المنز ل أن يبلغ قاصيه أحمد محرم المدارس والأخلاق لا تقوم واجبات المدارس بتعليم العلوم فقط بل إن بث روح الفضيلة والإقدام من أخص واجباتها. جول سيمون تنبه الناس حديثاً لإنشاء المدارس في الشرق ورغب بعضهم فيها بعد أن ذاقوا لذة العلم ورأوا عظم تأثيره في الغرب فعملوا على تأسيسها جهدهم ولم يمض زمن حتى كثرت معاهد العلم وتعددت لاسيما في اليابان مملكة الشمس المشرقة مدهشة العالم بسرعة ترقيها. أتى على بلادنا أزمان عفت فيها آثار المدارس أو كادت إلا ما كان هناك من كتاتيب قليلة ضئيلة فعادت تنفض عنها غبار الإهمال وتزهو بما أنشئ فيها من بيوت العلم حتى أوشكت تضاهي بعض بلاد الإفرنج العامل أهلها على توطيد أركان العمران فيها وإخلاص من مستو بل المفاسد بالتهافت على العلم والرغبة في التهذيب توصلاً إلى بلوغ الكمالات الإنسانية والتمتع بما يجعل الحياة على الأرض هنيئة صافية لا شر فيها ولا شقاء وهو مما يسر ولا جرم المحبين المنصفين ويحقق آمال العاملين المخلصين وينبئ بمستقبل باهر وارتقاء أكيد ينهض بالشرق من كبوته ويعيده إلى سابق عظمته. ولقد مرت على مدارسنا أعوام وهي إلى يومنا هذا لم تعن بتحسين الأخلاق وإصلاح الملكات والعادات اعتناءها بقواعد اللغات والرياضيات والطبيعيات على حين نرى الحاجة ماسة إلى تقويم أود الأخلاق وعجن النفوس في مركن الوطنية وحب الخير والإحسان وتنظيفها من أقذار ما توالى على البلاد من النوائب والإحن وعوامل الجهل والانحطاط وتنشئتها على الجرأة والعزم والحزم والإقدام والتساهل والمسالمة والتعاضد والاتفاق وتدريبها على الصدق والإخاء والاجتهاد والترتيب والاقتصاد وتقويتها على احتمال أثقال الحياة ومتاعب العمر وتذليل العقبات ومقاومة التجارب بالعفة والنزاهة والمكاره بالصبر والترفع عن الصغائر والتمسك بأهداب الفضائل والنهوض إلى معالي المجد والجهر بالحق وعدم الاعتداد بالقيل والقال والتشبث بأهداب المحال وتربيتها على احترام حق الضعيف وإكرام المستحق ومعاونة القاصر وتنشيط المستعد وطلب النافع ونبذ المضر إلى غير ذلك مما يؤهل المرء ليحسن القيام بواجباته والتمتع بحقوقه ويؤدي به إلى ما يتمناه له المصلحون. وهذه كما رأيت أمور أولية ينبغي إيثارها على كل شيء. وقلما نظرت مدارسنا مع ما فيها من العلماء والأدباء وما لها من الفضل في إنارة الأذهان وترقية العقول وتوسيع المدارك إلى تلك المقومات نظر حكيم مخلص يعرف كيف يداوي الإعلاء وتقاوم أدواء الأمم ولم تقصر جل اهتمامها إلا على حشو الأدمغة بقواعد اللغات والرياضيات والطبيعيات على ما مر بنا آنفاً غير مفسحة للأدبيات والاجتماعيات إلا القليل من أوقات الدراسة فيها كأنها تجهل قيمة النفس وتأثير الأخلاق في الوجود. والأنكى أن ما تعلمه الواحدة وتذهب إليه تشجيه الأخرى وتبعد عنه وما تحض عليه هذه تقاومه تلك إذ ندر وجود مدرسة عندنا لا غاية لها في العلم ولا مأرب خاص على أن العالم لا مشرب له ولا دين كما قال المقتبس الأغر في عدد أسبق. ولا تنحصر واجبات المدارس فيما تجري عليه مدارسنا الحاضرة التي تفقد الأولاد كثيراً من الأمور الطاهرة الآتية معهم إليها وتضعف فيهم أميالاً سامية فطروا عليها مذ تكونوا في أحشاء أمهاتهم وتلاشي منهم نزعات شريفة ورغائب عظيمة مقدسة وتبث فيهم مبادئ تافهة ونعودهم عادات سيئة وتمكن منهم أخلاقاً فاسدة وتنشئهم على التعصب والإدعاء والكبرياء والضعف والجبن والكذب والرياء وما أشبه ذلك من النقائص التي أكلت من لحومنا وشربت من دمائنا مئين من السنين حرمنا فيها الهناء والارتقاء. ولولا إعداد المدارس طلبتها للاستنارة بنفوسهم لنفوسهم وتأهيلها لهم بالعلم لدرس الآداب والعمل على تحسين الأخلاق لما بالغنا إذا قلنا أن مدارسنا أضرت قدر ما نفعت. ومن راقبها بنزاهة وإخلاص وبحث في طرائق التربية فيها بحثاً دقيقاً إذا جاز لنا أن نقول أن فيها تربية تتضح له الحقيقة بأجلى بيان. . . وإصلاح المدارس خير أساس يجب أن يقوم عليه الإصلاح. الضغط على العقول وإرهاق الوجدانات وخنق الأفكار ومعاكسة النوابغ ومعاملة التلاميذ بالقسوة والجور والشراسة والاستبداد والشتم والضرب وقلة الأدب على نحو ما بينت ذلك في فصل من كتابي الإنسان ابن التربية وإيثار أهواء المعلمين على القوانين ومآرب الوالدين على مصالح البنين وعدم الاعتداد بالغرائز وعدم تنشيط العزائم وتعزيز الصدق والجرأة والإقدام وعدم جعل المعلمين أنفسهم قدوة حسنة للتلاميذ وتطبيق أفعالهم الخاصة والعامة على أقوالهم وما شاكل ذلك مما يأتي به كل معلم غير مؤهل للتعليم بأخلاقه وآدابه على ما نشاهد في كثير من مدارسنا مما لا حاجة إلى إعادة ذكره الآن وإثارة الأشجان بتعداده - كل هذا أساس فساد الأخلاق في المدارس. راقبت مرة طلبة إحدى المدارس في وقت الراحة فرابني أمر تلميذ منهم كان كمن يبحث عن ضائع وعرفت بعد البحث أن يحمل السنيال وقد رأيته يأتي من ضروب الرياء والتجسس ما أحزنني على مستقبله ومستقبل أبناء مدارس من مثل هذه تدرب بنيها على عادات سيئة وأعمال دنيئة. وهل أسوأ وأدنى من جاسوس يغتاب الناس وينم بهم. ولو اعترض أحد على مثل هذه الأمور لاحتجت المدارس على إتيانها بحجج وبراهين لا تخرج عن حد الغاية تبرر الواسطة وعندي أن شرف الأخلاق وإباء النفس مع العلم القليل خير من الصغار والدناءة مع إتقان التكلم بعدة لغات. من المسؤول عن فساد أخلاق شبان العصر وسوء أحوالهم الأدبية يا ترى غير البيوت والمدارس؟ وإذا كان الوالدون على ما يعهدهم الجميع لا يعرفون من شؤون التربية غير اسمها ولا من الأخلاق إلا ما شبوا عليه ولا من العادات سوى ما تأصل فيهم أفلا يجدر بالمعلمين المتعلمين المهذبين أن يعوضوا عن هذا النقص جهدهم ويسدوا من الخلل ما يستطيعون؟ نعم لا أنكر أن المعلمين اليوم هم أبناء هذه المدارس أيضاً وما يتقاضونه من الرواتب لا يرغب في المهنة المهرة البارعين ولا يدني منها غير الكسالى العاجزين في أغلب الأحوال ولكن أين تأثير الإدارة والرئاسة ورواتب المديرين والرؤساء لا تحول دون انتخاب المستعدين والمستعدون على ازدياد؟ يقولون اكثروا من المدارس واستكثروا. ولا نجاح لنا بلا مدارس ولا ارتقاء. ولكن فاتهم أن ما عندنا منها لو عرفت كيف تربي أخلاق بنيها على ما يعوزنا لكان الأغنياء منهم ينشئون المدارس من تلقاء أنفسهم دون أن يحوجونا إلى النداء والمطالبة والحكماء يديرونها حسب الأصول دون استبداد بالأولاد وتلاعب بالحاسات والمعلمون يهذبون النفوس ويكفوننا مؤونة الكلام في هذا الموضوع الخطير. وقد كثرت مدارسنا وحسبنا من أنواعها ما عندنا وخير من زيادتها أيضاً العناية بتحسين طرق تربية الأخلاق فيها وهذا الركن العظيم الذي يتوقف عليه نجاح الأمة. لا ريب أن المدارس تكيف الأمم وبواسطتها تستطيع كل أمة تغيير ما تريد من عاداتها ومبادئها وأخلاقها إذا توحدت فيها غاية التربية والتعليم ووافق كلاهما حاجات الأمة لاسيما وأبناء المدارس وبناتها سيصبحون يوماً آباء وأمهات يتولون تربية الأولاد الأولى الأساسية التي تدوم آثارها بدوام العمر ولا يلاشيها إلا القبر. فعلى المدارس فقط يمكننا أن نعتمد الآن في تهذيب الأخلاق وإصلاحها هذا إذا عرفت كيف تتوصل إلى ذلك بالتربية الصحيحة والتعليم القويم. وقد أكثر العلماء والفلاسفة الغابرون والحاضرون من إيضاح أصول التربية والتعليم وما على من يتعاطى صناعة التدريس ويتولى شيئاً من أمور المدارس إلا مراجعة ذلك في أماكنه ودرسه حق دراسته وانتخاب ما يلائم حالة السكان ويوافق حاجاتهم وإتقانه تمام الإتقان وإلا فسدت أعمالهم وساءت نتائجها كما هو الواقع لعهدنا. وبعد فكيف نرجو إيجاد أمهات مدركات وأباء عاقلين نعتمد عليهم في تنشئة أبناء الغد على المبادئ السامية والإهابة بهم إلى أسمى قمم الاجتماع وإدراك مراتب التمدن الرفيع ومدارسنا الحاضرة لا عناية لها بالأخلاق كما ينبغي؟ كيف نتمنى بلوغ المجد والأخذ بحظ وافر من الإنسانية وحفظ الثروة وإحسان التمتع بالحقوق والقيام بالواجبات وأخلاقنا على ما هي من الفساد والالتواء؟ الأخلاق الأخلاق خير ما تطالب به المدارس وإصلاحها من الأوليات الضروريات التي يجب أن تنحوها مقاصدها وتسدد إليها خطى المسعى. وعلى كل معلم أن يضع هذه الغاية الشريفة نصب عينيه ويلهج بذكرها في الليل والنهار كيفما حل وسار. ولا يغني المرء عن شريف الخصال مال ولا جاه ولا عز ولا بنون ولا ينيله حب الناس واحترامهم ونفعهم له إلا ما فطر عليه من كريم السجايا وما اعتاده من حميد العادات. وما الأخلاق في عرف الناس إلا مجموع عادات والعادة نتيجة ممارسة. فإذا قام الوالدون والمعلمون بالوسائل الفعالة على منع الأولاد من ممارسة كل ما لا يحسن بهم أن يعتادوا عليه يحفظوا لهم مستقبلهم من ثقل وطأة تلك العادات ويخلصوهم من شرها وإذا فات ذلك الآباء والأمهات لجهل وغباوة لا يجب أن يفوت الأساتذة الذين يدعون العلم والمعرفة ويتنصلون من وصمة الجهل والغباوة. بيروت جرجي نقولا باز ميت الأحياء وحي الأموات تيقظ فما أنت بالخالد ولا صرف دهرك بالراقد فخلد بسعيك مجداً يدوم دوام النجوم بلا جاحد وابق لك الذكر بالصالحات وخل النزوع إلى الفاسد ورد ما يناديك عنه الصدور إلا در درك من وارد وسر بين قومك في سيرة تميت الحقود من الحاقد فإن فتى الدهر من يدعي فتأتي أعاديه بالشاهد ولا تك مرمى بداء السكون فتصبح كالحجر الجامد وكن رجلاً في العلى حولاً تفنن في سيرة الراشد إذا اطردت حركات الحياة وجاءت علي نسق واحد ولم تتنوع أفانينها ودامت بوجه لها بارد ولم تتجدد لها شملة من السعي للشرف الخالد فما هي إلا حياة السوام تجول من العيش في ناقد وما يرتجى من حياة امرء كماءٍ على سبخة راكد وليس له في غضون الحياة سوى النفس النازل الصاعد يغض على الجهل أجفانه ويرضى من العيش بالكاسد كأكل الطعام ولبس الثياب وامرار وقت بلا عائد فذاك هو الميت في قومه وإن كان في المجلس الحاشد وما المرء إلا فتى يفتدى إلى العلم في شرك صائد سعى للمعارف فاحتازها وصاد الأنيس مع الآبد وطالع أوجه أقمارها بعين بصير لها ناقد فأبدى الحقائق من طيها وألقى القيود على الشارد إذا هو أصبح نادى البدار وشمر للسعي عن ساعد فكان المجلي في شأوه بعزم يشق على الحاسد وإن بات بات على يقظة بطرف لنجم العلى راصد وأحدث مجداً طريفاً له واضرب عن مجده التالد وما الحمق إلا هو الاتكال على شرف جاء من والد فذاك هو الحي حي الفخار وإن لحدته يد اللاحد تاريخ علم الهندسة وكبار المهندسين انتهينا بكلامنا في الجزء السابق إلى آخر ما جاء به أفلاطون من الأبحاث الهندسية وها نحن الآن نسرد أسماء الكبراء في هذا الفن الذين قاموا بعده إلى هذا العهد. في أواخر عصر أفلاطون اشتهر اخيتاس الذي أصاف شيئاً مذكوراً إلى المعلوم من خواص المنحنيات والقضايا المتعلقة بها واستغل كثيراً في قضية تضعيف المكعب التي فصلناها في مقالتنا السابقة ووضع أساساً للمكتشفات التي قام بها أرخميدس في الميكانيكيات واصطناعها على الأصول الهندسية. ثم قام دينوكراط خريج أفلاطون وقسم الزاوية إلى ثلث زوايا متساوية مستعيناً عليها بالقوس التي سماها الرباعية. وجاء برسيوس فبحث في خواص اللولبيات وهو أول من اشتغل بالخطوط والسطوح اللولبية ووضع لها معادلات لاستخراج نصف قطرها ومعرفة زاوية الهبوط فيها. وفي هذا العهد طلع كوكب الهندسة الشارق وبدرها الآفق نعني به المهندس إقليدس الشهير ( ٣١٥ _ ٢٥٥ ق. م) ولعله أعظم من اشتغل بفن الهندسة منذ ظهورها إلى هذا اليوم. وليس هو منشئها أو مكتشف مبادئها كما يزعم الكثيرون من غير العارفين لأن أكثر قضاياها الخطيرة كانت معروفة قبل عهده ولا اشتغل بمسائلها الصعبة ولا أضاع زمانه للتوصل إلى حل قضية غير ممكنة ولا كشف كثيراً من خفاياها ولكنه خدمها أكثر من جميع العلماء الذين سبقوه أو تأخروا عنه فهو جمع كل القضايا التي كانت معروفة إلى عهده والتي حلها كبراء الفن قبله ورتبها في سلسلة محكمة الوضع مرتبة الحلقات جاعلاً برهان كل قضية مستنداً إلى ما قبلها وأدخل البرهان الخلفي في إثبات كثير من القضايا الهندسية وذلك عبارة عن رد الوجوه المطلوب نفيها إلى عدم الإمكان فلا يبقى إلا وجه واحد ممكن كقولهم إذا فرض تفاوت زاويتي مثلث وجب تفاوت وتريهما والزاوية الكبرى يقابلها الضلع الأطول فهو يثبت هذه الدعوى بأن الضلعين لا يمكن أن يكونا متساويين لأن ذلك يقضي بكون المثلث متساوي الساقين ويفضي إلى تساوي الزاويتين وهذا مخالف للغرض القائل بتفاوتهما ولا يمكن أن يكون الضلع المقابل للزاوية الصغرى هو الأطول لأن ذلك يقضي لزاويته بالزيادة وهو مخالف للغرض أيضاً فلم يبق إذن إلا أن يكون وتر الزاوية الكبرى أطول من وتر الزاوية الصغرى وهذا هو المطلوب إثباته. وقد استخدم إقليدس هذا الأسلوب من البرهان في إثبات كثير من القضايا التي لم يجد لها مخرجاً غيره. وجعل جملة القضايا التي تمكن من جمعها واستخراجها في ثلاثة عشر كتاباً وقف الستة الأولى منها هندسة الخطوط والزوايا والسطوح البسيطة والأربعة التي بعدها على الهندسة الحسابية من خواص الأعداد ونسبتها لبعضها وعلاقتها بالأشكال الهندسية والثلاثة الأخيرة على المستويات المتقاطعة والمجسمات وإلى هذه الثلاثة أضاف هيبسكل مهندس الإسكندرية الذي ظهر بعد إقليدس بنحو قرن ونصف قرن كتابين أكمل بهما الناقص من كتب إقليدس في تلك الأبواب. ومازالت الستة الأولى مع الحادي عشر والثاني عشر من كتب إقليدس معولاً عليها في أكثر المدارس لتلقين فن الهندسة وإلى اليوم لم يستطع المشتغلون بهذا العلم أن يأتوا بتبويب يفضل تبويب إقليدس ويختار عليه لسهولة التحصيل. وينقل أيضاً أنه وضع كتاباً في المقاريض وبعض مقالات في قطوع المخروط وثلاثة كتب في قضايا المسائل السيالة التي يفضي حلها إلى نتائج متعددة غير أنه لم يحفظ للخلف شيءٌ من هذه الكتب. وبعد إقليدس أصبح علم الهندسة سهل المأخذ قريب التحصيل وصار لابد للراغبين فيه من درس كتبه قبل كل شيءٍ. ولم يعد يحسب من فطاحل الفن والمكتشفين فيه إلا من زاد شيئاً خطيراً على ما في تلك الكتب أو أدخل أسلوباً جديداً أو اكتشف قضايا مجهولة لها شأن يذكر وهذا راجع إلى أن علم الهندسة مثل غيره من العلوم الرياضية لا تخلق جدته ولا تنقصه الأيام بمرورها أو العصور بكرورها. وكان بطليموس ملك مصر يقرأ الهندسة على إقليدس فوجد صعوبة في حفظها وتعاصى عليه فهمها لأنه كان يتوقع أنها تهون لديه كما هانت عقبات الملك وصعوبات السلطان ويكره أن يعنت فكره وينهك قواه في إدراكها فالتفت إلى معلمه وقال له ألا يوجد إلى الهندسة طريق أسهل من هذه؟ فأجابه إقليدس بقوله ليس إلى العلم سكة سلطانية وعنى بها أن السلاطين والعامة سواءٌ في اعتبار العلم وتحصيله فذهب قوله مثلاً عند اليونان وأخذه عنهم الغربيون في هذا الزمان وجروا عليه بالعمل فوضع الملوك أولادهم في المدارس الكبرى والصغرى يتلقون العلوم مع رعاياهم ويأخذون الفنون عن الأساتذة كما يأخذها غيرهم ويحتملون القصاص ويأخذون الجوائز التي يستحقونها بجدهم ونشاطهم وآدابهم بدون أقل مزية على الفقراء الخاملين من الطلبة. بعد انصراف إقليدس برز أرخميدس الصقلي وهو يعد من أكبر الرياضيين القدماء إن لم يكن أكبرهم ( ٢٨٧ _ ٢١٢ ق. م) فقد أضاف إلى الفن قضايا كثيرة جديدة لم تكن معروفة قبله وتعمق في مباحث المجسمات إلى أن كشف حقائق جمة وأعد لعلماء المتأخرين قواعد نفيسة جعلوها أساساً لطرائقهم في قياس السطوح المنحنية والمجسمات. نعم إن إقليدس وضع في كتبه شيئاً من الأبحاث في الأشكال المنحنية غير أنه اقتصر منها على القليل ولم يتعرض لتمثيلها وقياسها بالآحاد المربعة من السطوح المستوية والمكعبة من الحجوم أما أرخميدس فقد وضع القواعد التي يقتضيها هذا التمثيل في مقالاته النفيسة التي ألفها في الكرة والاسطوانة وفي المقاطيع الكروية والمخروطة وفي قياس الدائرة وقضيته التي أثبتها في أن مساحة قطعة من سطح ثلجي تساوي ثلثي مساحة شكل متوازي الأضلاع محيط بها هي بالحقيقة أول القضايا التي وضعت في تربيع سطح محاط بخط منحنٍ. ومباحثه في اللولبيات بالغة من التدقيق والتعمق درجة عالية بحيث يعسر فهمها حتى على العلماء الراسخين في هذا الزمان. وتوسع في تفصيل الأشكال الإهليلجية المعروفة بالقطع الناقص وهو الذي أثبت النسبة بين محيط الدائرة وقطرها وأحسن استخدام الحقائق التي اتصلت إليه ممن قبله كما أنه أجاد في بسط أفكاره وآرائه وصبها في أسلوب قريب المنال على من بعده. واستخدم الهندسة في الميكانيكيات وكشف كثيراً من القواعد الأساسية اللازمة لهذا الاستخدام واكتشف ناموس الثقل النوعي واستعان به على ترويض القوى الطبيعية وهكذا صرف عمره في العلم والعمل إلى أن قتل وهو لاهٍ في الأشكال الهندسية التي رسمها على الرمل المنبسط أمامه في غرفته قتله الرومان يوم فتحهم مدينة سرقوسة في جملة من قتلوا غيره من العلماء والفلاسفة والخطباء في كل فتح فتحوه وبلادٍ دوخوها. قلت عندما وصلت إلى هذا الموضع من مقالتي وذكرت مقتل أرخميدس على يد الجند الروماني ألقيت القلم من يدي ووقفت برهة أجيل في خاطري تاريخ الدولة الرومانية التي يطنب الإفرنج بها ويفخرون بعرض جاهها وسعة سلطانها فما مررت للرومان على عمل جليل خدموا به الإنسانية ومهدوا فيه سبيل العلم. نقول عملاً جليلاً ونريد به عملاً يليق بمثل دولتهم ويذكر معهم فيعرف الإنسان حقهم عليه مادام ودامت الأرض بسكانها. ولم أعثر لهم إلا على جيوش متألبة وقوادٍ متنازعة وسيوف مخضبة بالدماء ومدن تركوها خراباً ودول اسكتوا نأمتها آخر الدهر وعلم أجهزوا على بقية القائمين فيه بدون أن يرثوه عنهم. فهم محقوا التمدن الفينيقي في قرطجنة وقوضوا عمران البطالسة في مصر واستأصلوا جرثومة العبرانيين من فلسطين وأجهزوا على الدولة السلوقية في سورية والعراق وحالوا دون ترقي العمران الساساني في بلاد فارس وأخمدوا شرارة التمدن الذي بدأ يظهر في آسيا الصغرى ونقضوا معاهد العلم والفلسفة والصناعة والسياسة في بلاد اليونان وما تفرع عنها في جزائر البحر المتوسط وبسطوا ظلهم الكثيف على أنقاض هذه الأمم والدول وملؤوها بملاعبهم ومراقصهم وساحاتهم التي شغلوها بصراع الأسود والثيران ومواقف الجنود والفرسان. ولولا أن قام العرب في أواخر دولتهم وأخذوا العلم اليونان واحتفظوا به إلى الخلف في العصور المتأخرة لما كان وصل إلينا من علوم المتقدمين شيءٌ ينقع الغلة. وأغرب من هذا أن كتاب الإفرنج في هذا العصر يغضون الطرف عن الأضرار التي ألحقها الرومان بالتمدن الإنساني ولا يعدونهم من المخربين الأشرار ولو كان الرومان دولة شرقية لأسرع كل كاتب فيهم إلى نعتها بالتخريب والتدمير والإضرار والفساد كما ينعتون دولة التتر التي رفعها جنكيزخان وتيمورلنك هذه جملة معترضة مرت في خاطري وأنا أكتب هذه المقالة فأثبتها وأنا أعلم أن ليس هذا موضعها ولكنه خاطرٌ عنَّ فأثبتناه وفكرٌ ألم فقيدناه. وبعد أرخميدس اشتهر أبولونيوس المولود حوالي سنة ٢٤٠ قبل الميلاد بما كشفه من أعمال الهندسة الوضعية وهي تعيين محال النقط والخطوط المجهولة وله مقالات في قطع المخروط جاءت في ثمانية كتب انتهى إلينا سبعة منها واستخرج الثامن هالي الفلكي في القرن السابع عشر للميلاد مستعيناً على استخراجه بما نقله بابوس من مكتشفات أبولونيوس منثوراً في فقر شتى. وهذه المقالات كان لها شأن باهر بين علماء الهندسة بعده حتى لقبوه بالمهندس الأكبر فقد أوضح فيها خصائص البؤر والمحترقات ووضع مبادئ المباحث في القطبيات والناميات والحدين الأعظم والأقل. والذي بقي إلى هذا العصر من مؤلفاته كان أكثره محفوظاً في الكتب اليونانية وكان قسم منه منقولاً إلى العربية فأخذ عنها. بعد ما تركه أرخميدس وأبولونيوس من الآثار في الهندسة صار يصعب على من يأتي بعدهما أن ينال نصيباً من الشهرة في هذا الفن فإنهما لم يتركا للخلف باباً مغلقاً إلا ما كان بالغاً حد الإعجاز فمر أكثر من قرن قبل أن ظهر نيفوميدس في أواخر القرن الثاني قبل الميلاد واشتهر بأبحاثه في المنحنيات وقياسها مستعيناً عليها بالطرق الميكانيكية وفي قضايا النسبة ذات الوسط المشترك وفي تثليث الزاوية. وظهر معه هبار كوس الذي هو أول علماء الفلك المعروفين ومخترع الإسطرلاب ومكتشف الاعتدالين وواضع التقاويم للنجوم بأطوالها وعروضها السماوية والذي هو مرجع بطليموس في علم الهيئة. أما في الهندسة فقد اكتشف عدة حقائق في المثلث الكروي والمرتسمات والأظلال وغيرها مما له تعلق في علم الهيئة وهو آخر من بقي له ذكر من علماء الهندسة قبل الميلاد. وفي آخر القرن الأول بعد الميلاد ظهر منالاوس فوضع مؤلفاً في الكرويات كشف فيه كثيراً من خواص المثلث الكروي وهو أقام القضية الأساسية في أبحاث القاطع وصفاته. وفي أوائل القرن الثاني بعد الميلاد قام بطليموس الذائع الصيت في فني الهيئة والجغرافيا ووضع عدة تآليف أهمها كتابه الذي سماه العرب المجسطي وعنوا بها الأعظم وعنهم أخذ الإفرنج الكتاب واسمه وفي النقول التي عثرت عليها رأيتهم يقولون أن العرب وضعوا له هذا الاسم ولعلهم أخذوه من اليونانية ثم أدخلوا عليه أداة التعريف. وهذا الكتاب يبحث في علم الفلك إنما فيه كثير من مباحث المثلثات المستوية والكروية وفيه حقائق كثيرة في خواص الكرة منها ما هو من مكشوفات بطليموس ومنها ما هو مأخوذ عن هبار كوس الفلكي. بعد بطليموس لم يشتهر أحد في فن الهندسة حتى أواخر القرن الرابع للميلاد حين ظهر بابوس ونشر كتابه الذي سماه المجموعة الرياضية وأثبت فيه كل القضايا والاكتشافات التي كانت في أيامه منقولة عن أشهر الرياضيين ونسب كل واحدة إلى صاحبها وأضاف إليها كثيراً من الحواشي تسهيلاً لفهمها وهو أول من ذكر التناسب غير الموسيقي. وفي القرن الماضي عثروا له على عدة قضايا في مسح السطح المتعرج الممتد الواقع بين خطين متعرجين مؤلفين من أقواس كثيرة مثل مجاري الأنهار والطرق غير المستقيمة وكان الأب غولدن اليسوعي قد نشر هذه القضايا في أوائل القرن السابع عشر وادعاها لنفسه وعبرت دعواه هذه على العلماء نحو قرنين حتى ظهرت الحقيقة عند العثور على كتب بابوس ووجود قضايا غولدن فيها قبل أن يولد هذا الأب اليسوعي بأكثر من اثني عشر قرناً. البقية تأتي النهضة الأميركية معربة من مبحث لأحد علماء فرنسا يقول بعض الباحثين أنه لم يعهد أن تحسنت الصلات السياسية بين الإسبانيين والأمريكيين في دور من أدوار التاريخ وأنه ما كانت صداقة بين الأمتين قط. حالة متسلسلة من عهد خريستوف كولمبس فاتح أميركا الأول فإنه اعتبر هذه القارة أرضاً مفتوحة فراح الاسبانيول من سهول قشتالة الوعرة والعجب أخذ من نفوسهم ينقضون على تلك الأراضي البكر ويسخرونها لأمرهم. فلم يحترموا معابد الشمس في بلاد الانكاس وربطوا خيولهم في قاعات القصور في المكسيك وراحوا يسفكون الدماء ويملؤون جيوبهم بالمال نهمين إلى أخذه وبذلك أصبحوا ملوكاً في العالم الجديد وأخضعوا أميركا الجنوبية إلا أقلها لسلطان قهرهم بالسيف والنار وأطاعتهم جزائر الأرخبيل الانتيل وجزءٌ عظيم من أميركا الشمالية حتى ساغ لشارلكان ملك إسبانيا أن يقول أن الشمس لا تغرب عن ممالكي ولكن لكل فجر شفق ولكل علو نزول. فقد تألفت في حجر البلاد المفتوحة على توالي القرون أجناس جديدة تنبه فيها فكر الاستقلال. وبينما كان ملوك إسبانيا في قصر الأسكوريال غارقين في فسادهم (كما كان أسلافهم ملوك الأندلس لما طردهم الإسبانيون منها) غافلين عما يدبر في تلك الأصقاع النائية من بلاد أميركا كانت حركة الأفكار على أتمها في هذه البلاد. ولم يكد يجتاز نابليون جبال البرينيه الفاصلة بين فرنسا وإسبانيا حتى قامت بلاد أميركا الجنوبية على ساق وقدم وحذت المكسيك حذوها فانسلخت عن إسبانيا تلك الزهرات واحدة بعد أخرى. وفي غضون ذلك كانت تنمو مملكة الشمال من أميركا قد تجسد فيها فكر التبسط والتوسع داعية إسبانيا عدوتها القديمة للقتال مستندة إلى طالع قوتها وكان نجماً ساطعاً على حين كان نجم إسبانيا قد خوى وهوى. وكان غير مذهب مونرو كيان تلك البلاد كما حرر سيف بوليفار أرض الجنوب من رق العبودية للدول الغربية. ولم يبق للإسبانيين من تلك الأصقاع المتنائية الأطراف بأسرها غير جزيرة كوبا فكانت لهم بمثابة جوهرة بديعة من بين تلك الحلي التي أضاعتها. فكوبا لؤلؤة الأرخبيل بلاد الأحلام والخيالات التي يمتد فيها سماط من الذهب الأخضر من حقول قصب السكر وتختلط بنجوم الأرض وسهوبها المعشبة وبحقول التبغ التي يعبث بهال النسيم وترنحها نسمات الغدو والآصال وبالغابات الغلباء الغبياء حيث يدوي الجراد الوردي الحاد ويطير وهناك بحيرات صافية تضطجع فيها التماسيح مستلقاة على فرش من النيلوفر المزهر. ظل العلم الأوربي خافقاً على تلك الجزيرة التي طالما تسكعت في العبودية ولم تبد نواجذ الشر وسكان الولايات المتحدة من وراء ذلك يحرقون الأرم غيظاً من ذلك. وما فتئ سكان الشمال منذ انتشر مذهب مونرو إلى أن انتشرت مذكرة ماكنلي سنة ١٨٩٨ يتربصون الدوائر بالاسبانيول ولا يكتمونهم العداء وقد دارت سياستهم في تلك الجزيرة على منع أية دولة أوربية مهما كانت قوتها من الاستيلاء على كوبا. واغتنمت الولايات المتحدة فرصة ضعف إسبانيا لتأخذ منها كوبا بالمال مباشرة أو بمعاضدة الثوار أو إشهار الحرب بالواسطة ودامت إسبانيا سنين طويلة ترقب وقوع هذه القنيصة في كفها. وما أشبه أميركا في مراقبتها إسبانيا إلا بنسر بالغ أشده ممتع بقواه ينقض على باز هرم لا منقار له ولا مخلب. وفي غضون ذلك تبايع الماسونيون في تلك الجزيرة على الموت أو الاستقلال وقامت من بعد ومن قبل ثورات طفيفة كان القائمون بأمرها يخافون لأول أمكرهم البوادر حتى إذا كان عام ١٨٦٠ قام ثلاثة رجال ممن أشربت قلوبهم حب الحرية الحقيقية يحاولون استقلال بلادهم وقد خص كل منهم بمزية لا يشاركه فيها صاحبه وكان ثالثهم قائد جموع الزنوج وهم ثلث سكان الجزيرة فاشتعلت بهم جذوة الفتنة وكانوا النافخين في ضرامها من أقصى البلاد إلى أدناها. وبيعت الأسلحة للثائرين ودامت الحرب بين الثائرين والإسبانيين والولايات المتحدة ترقب من طرف خفي ما يحل بالجزيرة وتشهد إسبانيا تنفق أموالها وتمزق رجالها. ثم فسدت أحوال الموظفين والإسبانيين في كوبا وصاروا ينالون وظائفهم بالرشى والمحاباة فضج السكان وراحوا يتألفون عصابات تحت راية القائم هناك وأتتهم النجدات من كل الجهات. واتفق أن أرسلت إسبانيا عليهم أحد قوادها فأجرى من الفظائع والفضائح ما أسود له وجه إسبانيا أمام العالم المتمدن فزادت نفوس الكوبيين شموساً واشمئزازاً وقويت شكيمتهم على دفع صائل الإسبانيين وخلع نير سلطتهم. وفي ١٢ أبريل نيسان سنة ١٨٩٨ أصدر رئيس جمهورية الولايات المتحدة بلاغاً أخيراً إلى إسبانيا أعلن فيه الحرب عليها وحجته أن انتشار الفوضى في الجزيرة وطول أمدها وحب الإنسانية والأضرار التي لحقت بمصالح حكومته التجارية دعته أن يضع حداً لهذه الفتن لئلا يكدر صفاء الجزيرة. وقد عرف الكوبيون ما انطوت عليه صدور الأمريكان من الرغائب فخاطبهم أحد رجال السياسة بقوله: أنتم الدولة التي فسحت للأيرلنديين والبولونيين مجال الرجاء في الاستقلال وظهرت هذه المرة حكومة أميركا بمظهر العظمة وأن القول قولها فيما تريد لا تنازعها دولة أوربية فيما تنويه من حماية حقوقها. وكانت حرب الأمريكان مع الاسبانيول ذات بال وهي في الحقيقة لا خطر فيها عليهم ولم تمض أيام حتى حطم أسطولهم أسطول الإسبانيين في سانتياغو وعقدت عهدة الصلح في باريس فتخلت إسبانيا عن جزائر الفليبين لقاء عشرين مليون دولار وعن بورتوريكو وكوبا بدون أن تتعهد الولايات المتحدة بدين كوبا. دخلت كوبا تحت حكم الولايات المتحدة سنة ١٨٩٨ وخرجت منها سنة ١٩٠٢ على وجه قل في الدول من يروقه العلم به. ذلك أنها لم ترغب في أن تحيد عن سنن الإنسانية فعملت بالحكمة المأثورة عن واشنطون مؤسسها الأول من أن المستقبل مضمون لأحسن الناس أخلاقاً فرأت أميركا أن ليس من الإنصاف أن يقاتل الأمريكان عن جزيرة تريد نزع السلطة الأجنبية ويأخذوها غنيمة باردة وهم أنصار الحرية الأقدمون ورجال السياسة المحنكون ولمستقبلهم باسمون وبعظمته مستبشرون. فمن ثم حافظوا على مصالحهم في الجزيرة وجعلوا لها حكومة جمهورية. ورفع تمثال إيزابيلا الكاثوليكية من المتنزه العام وكان قائماً فيه منذ مائتي سنة ونصب تمثال الحرية وغادر الحاكم الأميركي أرض الجزيرة بين الهتاف والدعاء لدولته بالنصر ولكوبا باشتداد الأزر في الشهر الماضي اضطرت الولايات المتحدة أن تعود فتجهز جيشاً على كوبا لقمع ثائرة الثائرين. دخلت الولايات المتحدة في مسألة فنزويلا سنة ١٨٨١ رغم إنكلترا ولم ترهب أساطيل هذه وعظمتها البحرية بل دفعها إلى ما تريد آمالها في النهضة الأميركية وما ترى لنفسها الحق فيه والاحتفاظ به من مثل مبدأ مونرو عدم مداخلة الأوربيين في أميركا تلك القارة التي لها حق التصدر فيها وأفضلية الحكم على سائر أقطارها وأهلها وأنها هي هي المرجع في كل المسائل الاجتماعية التي تعرض لأميركا والأمريكان يهددون إنكلترا ضمناً في المفاوضات السياسية الطويلة حتى ساغ لهم بها أن يجروا ما أرادوا في فنزويلا مشيعين أن المخترع أديسون الشهير قد اكتشف مدافع تطلق قنابل من الديناميت وسلاسل مهلكة وأدوات كهربائية تبيد جيوشاً. بمعنى أن أميركا إذا أعلنت حرباً على أية دولة من دول أوربا لابد أن ترجع مكللة بأكاليل النصر وتكون إنكلترا أو غيرها مثلاً في يد الولايات المتحدة كما كانت إسبانيا في يدها كالفارة بيد القط. ثم فضت المسائل وانتهت بدوي مدافع الأمريكان في كوبا على ما أرادت الولايات المتحدة وتخلصت إنكلترا من هذه الورطة أحسن تخلص خائفة أن يصيب مستعمرتها كندا ما أصاب مستعمرات غيرها في أميركا من قبل. ثم قامت الفتن بين الأحرار والمحافظين في كولومبيا دامت إلى سنة ١٩٠٠ فتداخلت الولايات المتحدة بواسطة أحد رجالها وكفت عوادي الشر فصار لها بذلك نفوذ أدبي متزايد وعلت مصلحتها فوق المصالح وكان لها الفضل في حقن الدماء وإغماد سيف الفتنة والعداء. وبينما كان الأمن يعود إلى نصابه في كولومبيا كانت حكومة فنزويلا تسيل دماً نجيعاً لاختلاف الكلمة على رئيسين لها يتنازعان السلطة. حرب قتل فيها نحو ثلاثين ألف رجل ومع هذا هونت بعض الجرائد أمر هذه الفتنة ودعتها بحرب الرواية الهزلية. وقد ساعدت الولايات المتحدة كولومبيا على فنزويلا في الباطن في مسألة التخوم بين تينك المملكتين وقامت أميركا الشمالية تدفع عادية من يريد كولومبيا بسوءٍ وحجتها أنها لا ترضى إلا باستتباب أسباب التجارة في برزخ باناما وأنها ما لجأت إلى القوة في هذا المعنى إلا لما عجزت كولومبيا عن ذلك. قضت الفتن الأهلية وتجييش الجيوش والتعويضات والنهب أن تكون خزانة حكومة فنزويلا أفرغ من فؤاد أم موسى وماليتها أضعف من جسم العليل بعلة قديمة حتى تضرر من ذلك أرباب الأموال من الأجانب النازلين فيها ولاسيما الإنكليز والألمان والطليان بل تضررت ثروة الغرباء من الأوربيين كلهم ورعايا الولايات المتحدة أيضاً وأنذرت ألمانيا حكومة الولايات المتحدة بسوء المصير. وسنة ١٩٠١ أعلن سفير جرمانيا الولايات المتحدة أن دولته تضطر إلى استعمال القوة في فنزويلا إذا لم تجب هذه مطالب الماليين الأجانب ثم عادت تلك الدول الثلاث والغضب آخذ منها مأخذه لسلب حقوق رعاياها حتى اضطرت السفن الألمانية أن تغرق سفينتين فنزويليتين وعندها قامت الولايات المتحدة تقول أنها ترضى بتحصيل المطاليب من فنزويلا ولكنها لا ترضى بأن تضم دولة أوربية إلى حكمها أرضاً أميركية تغنمها في حرب تشهرها على فنزويلا. وأصبحت هذا البلاغ وعززته بثلاث وخمسين بارجة حربية وأربعة عشر ألف جندي لإيقانها بأن غاية تلك الدول وألمانيا في المقدمة أن يحصرن مرافئ فنزويلا ويحكمن فيها بعد بما أردن. ثم قر رأي كل من ألمانيا وإنكلترا وإيطاليا على أن يحكمن المستر روزفلت رئيس الولايات المتحدة في هذه المهمة فأبى إباء تلطف ثم عهد إلى أحد رجاله فحل الأشكال سنة ١٩٠٣ وأرضى دول أوربا الثلاث الكبرى حتى اعترفن للولايات المتحدة بأنها صاحبة الشمال كما هي المسيطرة على الجنوب وأن بيدها تطبيق مفاصل مبدأ مونرو في كل ناحية من أنحاء القارة الأمريكية وأنها وإن كان منها الغيم والمطر في هذه الزعازع فقد أوردت الأشكال وجرى على يدها حله فحق لمونرو وأشياعه من بعده أن يهتزوا في قبورهم طرباً بهذا الظفر وبنجاح مبدأهم رغم أنف المعاند والحسود. التفاسير والمفسرون من كتاب التعليم والإرشاد التفسير من العلوم التي قارنت ظهور الإسلام ونزول القرآن على النبي ص إذ كان ما من آية تنزل على النبي ص إلا ويفسرها لأصحابه إلا أنه تأخر تدوينه إلى عصر تابعي التابعين استغناءً بالحفظ عن الكتابة ولندرة الكتاب فيهم مع اشتغالهم كافة بالحروب لنشر الدعوة الإسلامية ثم دون على ما ستراه بعد هذا. فالمفسرون من الصحابة الخلفاء الأربعة وأبي بن كعب وزيد بن ثابت وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس وأبو موسى الأشعري وعبد الله بن الزبير وابن عمر وأنس بن مالك وأبو هريرة وجابر وعبد الله بن عمرو بن العاص. وأكثر من نروي عنه في التفسير من الخلفاء الأربعة علي رضي الله عنه لتأخر وفاته وابن مسعود روي عنه أكثر مما روي عن علي لاشتغال علي بالخلافة ومحاربة الخوارج وغير ذلك وأما ابن عباس حبر الأمة وعالمها وترجمان القرآن فقد روي عنه في تفسير كتاب الله ما لا يحصى كثرة وأحسن الطرق عنه طريق علي بن أبي طلحة الهاشمي المتوفى سنة ثلاث وأربعين ومائة وعليها اعتمد البخاري في صحيحه وطريق قيس بن مسلم الكوفي المتوفى سنة عشرين ومائة عن عطاء بن السائب وطريق اسحق صاحب السيرة وأوهى طرقة طريقة الكلبي عن أبي صالح والكلبي هو أبو النصر محمد بن السائب الكلبي المتوفى سنة ست وأربعين ومائة فإن انضم إليه رواية محمد بن مروان السدي الصغير فذلك سلسلة الكذب. ومن الطرق الواهية عنه طريق مقاتل بن سليمان الأزدي المتوفى سنة خمسين ومائة إلا أن الكلبي يفضله لما في مقاتل من المذاهب الرديئة وطريق الضحاك بن مزاحم عن ابن عباس منقطعة فإن الضحاك لم يلقه فإن انضم إلى ذلك رواية بشر بن عمارة فضعيفة لضعف بشر وإن أخرج له ابن جرير وابن أبي حاتم وإن كان من رواية جرير عن الضحاك فأشد ضعفاً لأن جريراً شديد الضعف متروك الحديث ولذلك لم يخرج له ابن جرير في تفسيره. هذه طرق تفسير ابن عباس جيدها ورديئها نقلناها برمتها وميزنا غثها من ثمينها لئلا يغتر كل أحد بنسبتها إلى ابن عباس فإن لابن عباس منزلة في تفسير القرآن لا تضارع وليس كل من روى عنه شيئاً محقاً في روايته بل فيهم الضعيف والكذاب فينبغي لمن نقل له شيءٌ عن ابن عباس في التفسير أن يتبين الطريق التي روي له منها فإن كانت من الطرق الجيدة اعتمدها وإلا ردها. وأما أبي بن كعب المتوفى سنة عشرين فعنه في التفسير نسخة كبيرة يرويها أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية عنه وهذا الإسناد صحيح ولا أعلم لها وجود إلى يومنا هذا. وأما مفسرو التابعين فمنهم مجاهد بن جبر المكي المتوفى سنة ثلاث ومائة قال عرضت القرآن على ابن عباس ثلاثين مرة وعلى تفسيره اعتمد الشافعي والبخاري ومنهم سعيد بن جبير المتوفى سنة أربع وتسعين وعكرمة مولى ابن عباس المتوفى بمكة سنة خمس ومائة وعطاء بن أبي رباح المتوفى سنة أربع عشرة ومائة وطاوس بن كيسان المتوفى سنة خمس ومائة وهؤلاء كلهم أصحاب ابن عباس والآخذون عنه. ومنهم علقمة بن قيس المتوفى سنة اثنتين ومائة والأسود بن يزيد المتوفى سنة خمس وسبعين وإبراهيم النخعي المتوفى سنة خمس وتسعين والشعبي المتوفى سنة خمس ومائة وهؤلاء أصحاب ابن مسعود ومنهم عبد الرحمن بن يزيد ومالك بن أنس والحسن البصري وعطاء الخرساني ومحمد بن كعب القرظي المتوفى سنة سبعة عشر ومائة وأبو العالية رفيع بن مهران المتوفى سنة تسعين والضحاك بن مزاحم وعطية بن سعيد المتوفى سنة إحدى عشرة ومائة وقتادة والسري الكبير والربيع بن أنس. ثم جاء بعد هؤلاء طبقة دونوا التفاسير وجمعوا فيها بين أقوال الصحابة والتابعين كسفيان بن عيينة ووكيع ابن الجراح وشعبة ابن الحجاج ويزيد بن هرون وعبد الرزاق وآدم بن أبي إياس واسحق بن راهوبه وروح بن عبادة وعبد الله بن مجيد وأبو بكر بن أبي شيبة. ثم جاء بعد هذه الطبقة طبقة أخرى حذت حذو التي قبلها إلا أنها اتسعت في الرواية والطرق التي جاءت الرواية منها كابن جرير وعلي بن أبي طلحة وابن أبي حاتم وابن ماجة والحاكم وابن مردويه وابن المنذر وغيرهم. ثم انتصب من بعد هذه الطبقة طبقة أخرى فألفوا تفاسير مشحونة بالفوائد وأقاويل الصحابة والتابعين إلا أنها محذوفة الأسانيد كأبي اسحق الزجاج وأبي علي الفارسي وعلي بن أبي طلحة وأبي العباس المهدوي وحذا حذوهم أبو جعفر النحاس وأبو بكر النقاش إلا أنهما اقتصرا فاستدرك الناس عليهما. ثم ألف في التفسير طائفة من المتأخرين عن هؤلاء فاختصروا الأسانيد ونقلوا الأقوال بتراً فدخل من هنا الدخيل والتبس الصحيح بالعليل ثم صار كل من نسخ له قول يورده ومن خطر بباله شيءٌ يعتمده ثم تناقل المؤلفون ذلك خلفاً عن سلف واعتمدها الناس واندرست كتب الأئمة لعدم الباحث عنها فاندرست كتب التفسير وعلم التفسير ولم يبق في أيدي الناس شيءٌ مما يصح الوقوف به والاعتماد عليه. قال السيوطي رأيت في تفسير قوله تعالى غير المغضوب عليهم نحو عشرة أقوال مع أن الوارد عن النبي ص والصحابة والتابعين ليس غير اليهود والنصارى حتى قال ابن أبي حاتم لا أعلم لذلك خلافاً لأحد. ثم نبغ بعد هؤلاء قوم نبغوا في بعض العلوم فكل واحد منهم ملأ تفسيره بما غلب على طبعه من الفنون واقتصر على ما تمهر فيه كأن القرآن أنزل لأجل هذا العلم فقط فالنحوي ليس له إلا تكثير وجوه الإعراب وإن كان بعضها بعيداً ونقل قواعد النحو ومسائله وفروعه وخلافياته كالزجاج والواحدي في البسيط وأبي حيان في البحر والنهر والأخباري ليس له إلا القصص والأخبار عمن سلف من الأمم حقاً كان ذلك أو باطلاً كالخازن والبقلي. والفقيه يورد الأحكام الفقهية وربما استطرد إلى ذكر أدلتها ورد كلام المخالفين فيها إلى غير مما لا ارتباط له بعلم التفسير بوجه من الوجوه كما فعل القرطبي في تفسيره وصاحب العلوم العقلية يشحن كتابه بأقوال العلماء والفلاسفة ومناظراتهم والرد عليهم كما فعل فخر الدين الرازي في تفسيره الكبير. وصاحب البدعة من أهل كل مذهب يملأ كتابه ببدعه ويؤول كل ما يمكنه تأويله من آي القرآن للاستدلال به على بدعته فإن عرض له من الآيات ما يخالف بدعته عمد لصرفها عن ظاهرها واختلق لها معنى لا يعارض بدعته ولا يبطلها وإن لم يكن بيده حجة على تأويل القرآن وصرفه عن ظاهره الذي كلف الناس بالعمل به غير مخالفته لبدعته التي يرى أنها الحق الصراح وأن نصوص الشرع وإن خالفتها يجب أن ترد بالتأويل إليها. وهذه طريقة عامة المفسرين من أهل الكلام كل واحد منهم يستدل بالآية على ضد ما يستدل بها مخالفه عليه ومن قرأ تفاسيرهم رأى كيف يغلب حب النفس على الإنسان فيخرج به إلى نقض أساس دينه وتشويه محاسنه ويرحم الله أبا العلاء حيث يقول وكم من فقيه خابط في ضلالة وحجته فيها الكتاب النزل والملحد يشحن كتابه بالكفر والخرافات وأنواع الإلحاد ويجعل القرآن حجة على كفره ويؤول النصوص القرآنية للوصول إلى هذا الغرض كما فعل أهل التفسير من المتصوفة ومن قرأ تفاسيرهم لم يصدق أن القرآن أنزل بلسان عربي مبين. وأكثر الناس يقرؤون كل ما يبصرون ويعتقدون كل ما يقرؤون لا يفرقون في الأقوال بين حق وباطل ولا في الرجال بين مسلم ومبتدع وملحد والأمر لله العلي الكبير. ومجمل القول في علم التفسير أنه مهجور بين الطلاب طلاب العلوم الشرعية في الممالك الإسلامية كلها وأن من نظر منهم في كتاب من كتبه نظرة من غير قصد أو بقصد لا يصحبه شيء من الاعتناء والاهتمام وعنايتهم بالدواوين الشعرية على أنهم لا يتعاطون نظمه ولا يحسنون لو تكلفوه فوق اعتنائهم بعلم التفسير أضعافاً مضاعفة. والذي يقرؤون شيئاً من كتب التفسير يشتغلون بكل شيءٍ سوى التفسير فيضيع المقصود من الفن فيما بين تلك المباحث التي لها أول وليس لها آخر. والذي ينظر فيما طبع من نحو قرن في مصر وهي محط رجال العلوم الدينية وكعبة العلوم التي يفد إليها الحجاج من جميع الآفاق والقدوة لجميع أهل الأمصار يرى العجب العجاب. يرى أن الذي طبع منها إلى الآن تفسير الجلالين بحاشية الصاوي وبحاشية الجمل. البيضاوي بحاشية الشهاب. الكشاف بقطعة من حاشية السيد. تفسير فخر الدين الرازي. تفسير أبي السعود. النسفي. تاج التفاسير. ابن جرير الطبري طبع من نحو سنتين فقط. الدر المنثور للسيوطي. تفسير ابن عباس وبعض تفاسير ضئيلة. هذه هي كتب التفاسير التي تتداولها أيدي الناس اليوم وهي التي يعتمد عليها طلاب العلوم الشرعية في تفسير كتاب الله جل شأنه والوقوف على المراد منه. فأما تفسير الخازن وهو أكثر كتب التفاسير تداولاً وأعظمها انتشاراً بين عامة المسلمين وطلبة العلوم الشرعية فهو الكتاب الذي يقف القلم حائراً عند وصفه لا يدري ما يقول فيه وما الذي يحذر به المسلمين منه وخير ما يقال فيه أنه مجموعة الأكاذيب ولا أرى إلا أن الإنسان لو جرد ما فيه من الأكاذيب الموضوعة على لسان رسول الله ص والأقاصيص الكاذبة التي وضعها اليهود كقصة بابل والغرانيق وارم ذات العماد وغيرها لكانت فوق نصف الكتاب وبعد ذلك فأشياءٌ إن لم تضر لم تنفع. وهو على اشتماله على هذين الوصفين اللذين هما من أقبح أوصاف المؤلفات فهو العمدة لعامة المسلمين وأكثر طلبة العلوم الشرعية وأكثر انتشاراً بينهم. ولقد أرى أن نسخه التي نشرت في مصر لا تقل عن مائة ألف نسخة فسد بواسطتها عشرة أضعاف هذا العدد من المسلمين ودخل عليهم في دينهم ما ليس منه من حديث موضوع وتفسير مفترى. ومن العجيب أنه لا يوجد في علماء الإسلام من ينهى الناس عن نشر مثل هذه الكتب المفيدة للعلوم والشرائع المضرة بالأخلاق والعقائد وقد لا يخلو بلد من بلاد الإسلام عن قوم من أهل العلم ولو قليلين يعرفون ما في هذه الكتب من المفاسد ولا يحظرون على الناس استعمال هذه الكتب لاتقاء شرها بل ربما سئلوا عنها فأثنوا عليها خيراً مسايرة لأميال الناس عامة ومصانعة لهم فيما هو من أهم مهمات الدين. وأما تفسير الجلالين بحاشيتيه الجمل والصاوي فهما يساويان تفسير الخازن انتشاراً وكثرة تداول إلا أن انتشار الخازن بين العوام أكثر وانتشار هذين بين الخاصة نعني طلاب العلوم الشرعية أكثر. فأما الشرح فهو غاية في الاختصار لا يمكن الاستقلال به في فهم كتاب الله تعالى مع علل فيه أخر يعلمها من جمع بينه وبين بعض تفاسير المتقدمين الموثوق بها وبمؤلفيها وأما حاشيتاه الضخمتان فهما من مؤلفات متأخري أهل العلم بمصر وحسبك هذا في معرفة منزلتيهما بين المؤلفات. . . وأما الكشاف ومختصره للقاضي البيضاوي فهما المشكلة التي لا تحل إجمالاً وإغلاقاً وغموضاً ولشدة عراقتهما في ذلك أكثر المتأخرون من تعليق الحواشي والشروح عليهما لبيان عباراتهما وتوضيح مقاصدهما حتى لو جمعت الحواشي والشروح التي عليهما لا ربت على ألف مجلدة وما ذكره صاحب كشف الظنون مما كتب عليهما قليل من كثير ولولا أنهما بحيث يخفيان إلا على من ألف حل الرموز والطلاسم واستخراج المخبآت لم يعتن من جاء بعدهما بالتوسع في الكتابة عليهما والمبالغة في توضيح غوامضهما. وفوق هذا كله اشتمالها على مسائل كثيرة خارجة عن التفسير بالمرة لا ترتبط فيه بوجه من الوجوه كالمسائل الكلامية التي حشيا به كتابيهما وهي ليست من فن التفسير ولا من متعلقاته وإنما كان الغرض من ذكرها بيان معتقديهما والاستشهاد له بكتاب الله. ويلحق تفسير أبي السعود بهذين التفسيرين فإنه صورة أخرى لهما مع بعض تغييرات قليلة جداً ويلحق تاج التفاسير بتفسير الجلالين ونسبته إليه كنسبة تفسير أبي السعود إلى تفسيري الكشاف والبيضاوي وإن اختلف عنه فيسيراً. وأما تفسير فخر الدين الرازي وهو كتاب العامة والخاصة وعمدة الناس في هذا الموضوع فأبو حيان المفسر يقول في تفسيره تفسير الإمام فخر الدين فيه كل شيءٍ إلا التفسير. وما أحسن ما ترجم به أبو حيان هذا التفسير الكبير بل البحر العميق ولقد يفتح الإنسان جزءاً من أجزاء هذا التفسير للمراجعة والكشف فيه عن آية من آي كتاب الله فلا يشعر إلا وقد توسط بحراً لجياً لا يخلص الإنسان منه إلى ساحل. ويظهر مما كتبه الإمام فخر الدين في مقدمة كتابه أنه قد أودع كتابه كثيراً مما لا تعلق له بعلم تفسير كتاب الله ولا ارتباط له. ولقد رأينا لمتأخر من متأخري المصريين يدعى السحيمي حاشية على شرح عبد السلام على جوهرة التوحيد تقع في أربع مجلدات ضخام على أن الأمير وهو أطول باعاً منه في علم الكلام وأدق نظراً استوعب الكلام على شرح عبد السلام في مجلد صغير وكان في قدرة السحيمي أن يضيف إلى مجلداته الأربع أربعة أخر ولكن رأى أن الاقتصار على هذا المقدار كاف في البلاغ إلى ما قصده من البرهان على سعة اطلاعه. وجاء الألوسي من متأخري أهل العراق فأخذ تفسيره من تفسير الإمام فخر الدين إلا أنه حذف منه كثيراً من الزوائد وأضاف إليه وأحسن غاية الإحسان شيئاً من أقوال سلف المفسرين ومتقدميهم وإن لم يميز بين ما قوي سنده من هذه الأقاويل وما وهي فبقي في الأمر بعض لبس وإشكال وأضاف إليه أيضاً جملة كبيرة من تفاسير المتصوفة. وأما تفسير الدر المنثور للجلال السيوطي فقد زعم أنه اختصر به على حسب عادته تفسير ابن جرير الذي جمع فيه صحاح الأحاديث المتعلقة بتفسير كتاب الله تعالى وبيان أسباب النزول وأضاف السيوطي في مختصره أحاديث واهية الإسناد في هذا الموضوع نفسه ومزجها بتلك الأحاديث أحاديث الأصل فاختلطت بها حتى لا يمكن التمييز بينها وقلت الثقة في الجميع. وأما تفسير محيي الدين فهو مسخ للقرآن ونقض للدين من أساسه ويرى بعض الباحثين أنه ليس من مؤلفات محيي الدين وإنما هو من مؤلفات القاشاني أحد الملاحدة الباطنية نسبه لمحيي الدين لبروجه بين عوام المسلمين ومن يستميتون إلى ما يقوله محيي الدين مهما كان حاله. والظن بمحيي الدين أنه لا يضع مثل هذا الكتاب ولا يذهب هذه المذاهب الفاسدة في تفسير كتاب الله تعالى. وسواءٌ كان من مؤلفات محيي الدين أو غيره فإن انتشاره بين المسلمين بحت ضرر سيما ولا موقف يوقف الناس على الصحيح والفاسد من هذه الكتب. وأما تفسير ابن عباس فهو من مؤلفات مجد الدين الفيروز آبادي صاحب القاموس جمع فيه رواية محمد بن السائب الكلبي عن ابن عباس وقد علمت مما ذكرناه في المقدمة حال ابن السائب الكلبي وضعفه وقلة ثقة العلماء بمروياته. هذه كتب التفسير التي نقرأها اليوم وإن كان قد فاتنا ذكر شيءٍ منها فإنه لا يخرج عن مضارعة واحد من هذه الكتب التي ذكرناها فلم يبق بيدنا ما يصح الاعتماد عليه والثقة به غير تفسير ابن جرير وهو الحسنة الوحيدة للمطابع الإسلامية بعد قرن وأكثر من ظهور المطابع في الممالك الإسلامية ولوال أن بعض أمراء الأعراب من سكان الجزيرة العربية راسل بعض تجار الكتب بمصر في شأنه وأعانه على ذلك بمساعدات جليلة لم يظهر له ظل في عالم المطبوعات اكتفاءً عنه بالخازن والجمل. الاستشفاء بالموسيقى ملخصة من مقالة في المجلة الباريسية قال أفلاطون: لم يبعث الأرباب فن الموسيقى لإدخال السرور على البشر واللذة على حواسهم بل لتسطين اضطرابات نفوسهم وتهدئة تلك الحركات المشوشة التي لا مندوحة لجسد مليء بالنقص عن الشعور بها. فجعل الأطباء قديماً وحديثاً هذه الكلمات نصب أعينهم عرف ذلك من ثباتهم على المحاولة في شفاء مرضاهم بالأنغام فاستعملوا الموسيقى لشفاء أو تخفيف الصرع والسويداء والإب النزاع إلى الوطن والخبل وضيق الصدر والهوس والجنون والبلادة والسير والتكلم في حال النوم والخدر والنقطة والهستريا والسكتة والفالج والسرسام وداء الأعصاب والحميات والنقرس وعرق النسا والرثية روماتيزم والطاعون والحميراء والكلب وغيرها كما استعملوها لشفاء الجروح والقرصات السامة ولتقوية الهضم والتنفس وترشيح الأخلاط فللموسيقى أهمية في الطب وتستخدم للتمريض. كانت تتم في القديم معرفة فنون الشعر والموسيقى والطب لشخص واحد. يقول ألين الكاتب اليوناني من أهل القرن الثالث أن ترباندر وتاليت وترتي كانوا أطباء موسيقيين وأوصى كسينوكرات وأبقراط واسكلبيادس وكاليين وأرتي وسليوس اورليانوس وتيوفراست باستخدام الموسيقى في عدة أمراض عندما تنقطع الحيلة من العلاج في بعض الأدواء. وكان الأحياء والأموات يسمعون أدوات الطرب. قال مونارك أن القدماء كانوا يسمعون المحتضرين بعض الألحان وربما اسمعوها من قضوا نحبهم لعلهم تعود الحياة إليهم. وقال سليوس اورليانوس أن فيثاغورس كان أول من استعمل الموسيقى في شفاء الأمراض وأنه جرب ذلك في بلاد اليونان. وقال بورهاف ( ١٦٦٨ _ ١٧٣٨ ) لا بأس بنسبة جميع الخوارق التي رويت عن الرقيات والأشعار في شفاء الأمراض إلى الموسيقى التي كان قدماء الأطباء يجيدونها. استعملت الموسيقى في عصرنا لمعالجة عامة الأمراض فأصدر بونابرت أمره إلى أجواق موسيقى كتائب جيش الشرق أن تصدح كل يوم تحت نوافذ المستشفيات ولا تزال أجواق الموسيقى العسكرية إلى اليوم في كثير من الحاميات في الولايات تذهب مرة أو مرتين في الأسبوع لتنغم بأبواقها أما مرضى الجند. ولقد عزمت إحدى جمعيات الإحسان في إنكلترا على تحقق تأثير الموسيقى في تسكين الآلام الطبيعية والأدبية في كثير من الأسقام فألفت من مرضى الموسيقيين عصابة تقوم في مكان خاص بها تتناوب العمل فيه ليل نهار لنقل الأنغام الموسيقية بواسطة أسلاك التلفون إلى قاعات مخصوصة من كل مستشفى كبير في لندرا. فأسفر ما جرى من التجارب في هذا الشأن حتى الآن عن نتائج مهمة. وأقل ما نجم من الفوائد أن أخذ المضطربون من المرضى ينامون ملء جفونهم واستراحوا من التشويش والتبلبل. وتألفت في سهالنبورغ جمعية من النساء المريضات لتصدح كل يوم بالقرب ممن أجريت لهم العمليات بالأنغام الموسيقية صوتية كانت أو آلية فثبت أن درجة حرارتهم كانت تنزل وأن آلامهم تخف. ومثل ذلك جرب في مستشفى بلتون بإنكلترا. والكمنجة هي الآلة المستعملة في الأكثر. وأحسن الآلات استعمالاً في حال الأرق علبة موسيقية بسيطة تدور بحركة ساعة دقاق أو بمحرك كهربائي. بيد أن تأثير الموسيقى في المرضى يحتاج إلى درس طويل إذا أخذ بمجموعه لا على التعيين. نشر أحد أطباء الألمان كراسة في فعل الموسيقى في النفوس فقال أنها إذا أضعفت الأصحاء فهي تسكن حواس المرضى وأنها لتنفع في أوجاع الرأس والدوار والإغماء واستشهد على ذلك بامرأة كان صوت الأرغن يضيع رشدها فيعروها جذب وكانت تلك الآلة بعينها تحدث نفس التأثير في فتى طلياني كان مصاباً بالدودة الوحيدة. ذكر روسو الفيلسوف أن كاهناً كان إذا سمع صوت الأرغن يتأثر حتى ليضطر إلى مغادرة الهيكل وعلى العكس في رجل من قومه كان يستولي عليه وهو في حالة السماع ضحك عصبي يستلزم إخراجه من الكنسية. لاحظ الطبيب المشار إليه أن الموسيقى تعدل سير الدم وتحسن حالة التنفس فإذا كانت الأنغام الموسيقية حادة بهجة تبرق العين وتزيد حمرة الوجه ويسرع النبض وتنمو حرارة الجسد ويضرب القلب ويسعل الهضم وإذا كانت الأنغام الموسيقية كئيبة وبطيئة تحدث للعين غشاوة ويصفر الوجه وتقل رطوبة الجلد ويزداد تواتر الدم إلى القلب ويضعف ضرب النبض ويقل التنفس ويطول. قال وتفعل الموسيقى في المجموع العضلي فبها يتحمل الجنود الشدائد والمتاعب فتتضاعف قوتهم عندما يباشرون القتال وتؤثر أيضاً في التهييج العضلي فإنك ترى أناساً يرقصون من الليل ويطيلون الرقص وما كانوا ليقوموا بهذه الرياضة لولا سماع الأنغام. فالمرأة مهما بلغ من لطف مزاجها وتأثرها من أقل تعب ينالها يهون عليها الرقص ساعات على صوت آلات الطرب. ثم أن الملاح والمعدن والبحري يتغنون عندما يقومون بأعمالهم الصعبة. يحب صاحب المزاج الدموي من الموسيقى ما أفرح وجاز على السمع وكان طبيعياً في الوضع. ويفضل السوداوي من الموسيقى الشديد القاسي العالي. ولا يحب البلغمي شيئاً من أنواع الموسيقى. أما أهل الدعة والسكون والعلماء فلا يجيدون الشعر ولا يحسنون صنعة الغناء. على أن في هذا القول نظراً لأن القول بأن المزاج الفلاني لا يقبل النغم الفلاني هو ناشئ لا من المزاج فقط بل من الوراثة والمحيط والتربية ولقد عرف علماء لا يرتاحون للموسيقى ورأيت من لا يفضلون شيئاً عليها وشهدت من يتوفرون عليها ويعتدلون في سماعها. وضع الطبيب المنوه به ست قواعد لاستعمال الموسيقى في شفاء الأمراض أولها أنه كلما كانت الموسيقى طبيعية وأعربت عن اللغة الطبيعية في الفكر تؤثر في النفوس كثيراً ولاسيما في نفوس من لم يتعلموا التعليم الكافي. ثانيها لما كان لكل بلاد أنغامها الخاصة بها فإن الموسيقى تؤثر في الروح كلما قربت من هذه الأنغام. ثالثها ينبغي أن تكون الموسيقى متناسبة مع درجة تأثير الموضوع. رابعها ينبغي أن يحدث تأثير الموسيقى ببطءٍ فيبدأ مع السوداويين باستعمال ألحان يتدرج فيها من الخفيف إلى القوي ويستعمل من الألحان الشديد أمام أصحاب النفوس الغضبية. خامسها اختيار الآلات المستعلمة للغاية التي تطلب فصاحب المزاج السوداوي يرتاح لسماع الطبل والبوق ذي الأنبوبتين وكذلك المزمار والعود يناسبان مزاجه. سادسها تطرب الموسيقى الطبقات العالية أكثر مما تؤثر في الطبقات النازلة. ومن رأي هذا الطبيب أن الموسيقى تشفي صاحب السويداء كما تزول بها الكآبة والحزن وتبعد الخوف. ولقد أجمع الفلاسفة على أن شيئين إذا عادلا ثالثاً يكونان هما متعادلين فإذا كانت الموسيقى نافعة في إزالة الكدر والسويداء هما في الحقيقة شيءٌ واحد. فإن أبقراط حدد السويداء بأنها الكدر والخوف. وهنا أورد صاحب المقالة حوادث من التاريخ في أوربا ولاسيما في فرنسا تدل على ما نفع من الأنغام في مداواة بعض الأسقام ولاسيما الجنون والاختلال وداء النقطة مما دل على أنه أحاط بالموضوع من جميع أطرافه وقتله درساً واطلاعاً. ثم قال أن الإسلام انتفع من تأثير الموسيقى لتحريض أشياع الحسين الشهيد على الجذب والتهيج وذلك بقرع الطبول المتواتر على إيقاع متساوق سريع فيردد الشيعة على نغم الطنبور ألحاناً مقفاة حتى ينتهي الحضور بأن لا يعودوا يتأثرون للضرب ولا للجرح. وكذلك الحال في دراويش الهند فإنهم يستعملون كلمة واحدة ويكثرون من ترديدها فتؤدي بهم إلى الجذب مصحوباً بقلة التأثر. وبعد أن أفاض في إيراد حوادث القدماء وأخبار عنايتهم بالموسيقى في شفاء بعض الأمراض قال أن مراد الرابع ١٦٢٣ أثرت فيه الموسيقى فعقد النية على أن يبقي على أخوته الذين كان ينوي اهراق دمهم وأن فرنسيس الأول بعث إلى سليمان الثاني بجوق من الموسيقى فلاحظ هذا أن شراسة خلقه لطفت بسماع ألحانهم فأسف من جراء ذلك كثيراً ولم يلبث أن طرد للحال جميع الموسيقيين من حضرته. وجملة القول أن الموسيقى تؤثر في الدورة الدموية في الإنسان والحيوان ويزيد بها ضغط الدم وينقص وتتبع هذه التقلبات تأثير تهييج الأعصاب السمعية. وأن آلات الطرب والصفير ليظهر فعلها بتحسن في تشنج القلب خاصة. وتغيير الدم الناتج من تأثير الموسيقى يناسب تحول التنفس وإن كان يتجلى ذلك مستقلاً عن تحول التنفس. يزيد الستركنين في تأثير التهييج السمعي في الدورة الدموية والكورار على العكس يضعفه. والكلورال نوع من المخدرات والكحول والأفيون تضعف أيضاً تأثير التهييج السمعي في الدورة الدموية وتغيير الدورة الدموية تابع لارتفاع الصوت وشدته بل لارتفاع الجرس ونزوله. ولتغير الدورة الدموية دخل كبير في ذاتية الحيوان والإنسان ولاسيما في جنسية الإنسان وتابعيته. وعلى من أراد الوقوف على تأثير الموسيقى في أحد أعضاء الجسم سليماً كان أو سقيماً أن يفرق بين العناصر التي ينبعث منها ذاك التأثير. فالهزج واللحن والإيقاع تؤثر تأثيرات مختلفة بحسب تركيبها وتلحينها. وفي الختام نقول أن الاستشفاء بالموسيقى قديم العهد وقد ظل محتفظاً بأهميته العلمية والعملية على حالة واحدة رغم اختلاف العصور. مطبوعات ومخطوطات  كتاب التعليم والإرشاد ينقضي الشهر والشهران بل السنة والسنتان ومصر لا يكاد يصدر فيها كتاب ترجح حسناته على سيئاته ونفعه على ضره ولذلك ترانا عند نشر كتاب نافع في موضوع جدي نهلل له كثيراً ونبتهج به أيما ابتهاج. والكتاب الذي أمامنا لمؤلفه الكاتب الفاضل السيد محمد بدر الدين الحلبي هو من الكتب النافعة في الإصلاح الإسلامي. وأي إصلاح أجدى على مجتمعنا من إصلاح طرق التعليم بعد أن أجمع عقلاؤنا منذ قرون أنه مختل معتل ولا نهوض للأمة إلا برده إلى أصوله والسلوك به في مبيع السداد. تصفحنا الكتاب برمته فرأيناه يدور على ثلاثة أقطاب الأول في العلوم التي يشتغل طلاب العلوم الشرعية اليوم بها وبيان ما تمس حاجة المسلمين إلى الاشتغال به وما لا تمس وفي الإسلام غنية عنه لأنه دون لا لخدمة الدين بل لمصلحة دينية وقد مضى زمن تلك المصلحة ولم يبق من حاجة إلى النظر فيه. الثاني بيان حقيقة المؤلفات التي يشتغل بها طلاب العلوم الشرعية وذكر النافع منها من غيره والإشارة إلى ما يجب الاشتغال به من الكتب الجيدة النافعة والكتاب أحد الأستاذين. الثالث النظر في طرق التعليم وكيفيته في المدارس الإسلامية عامة في مصر والغرب والشام والهند وغيرها وبيان جيدها من رديئها وذكر طرق التعليم النافعة التي كان يجري عليها التعليم في القرون الأولى ليعمل به في أيامنا هذه. ولقد رأينا المؤلف تلطف في ما كتبه وغلب على ذهنه صحته فوصف عقم طريقة التعليم التي هي أحرى أن تسمى أزهرية لأنها منه نشأت وصف من ذاق فعرف ومما قاله في قلة الناجحين فيها: ولو أردنا أن نحصي عدد الناجحين من أولئك المستعدين لتعلم العلوم الدينية نجاحاً نسبياً لم يكونوا أكثر من واحد في كل مائة ولو طلبنا الناجحين حقيقة الذين يمكنهم القيام بوظيفة التعليم لم يكونوا أكثر من واحد في الألف إن كثر عددهم. وجاء في مكان آخر وأثبت بالإحصاء أنه لم ينجح في امتحان الفقه الحنفي سوى اثنين في المائة أو في المائتيني تكلم المصنف بدون مصانعة على فساد الكتب التي تدرس والطريقة المتبعة في التدريس وذكر علم المنطق وأبطل قول القائلين وجوب الاشتغال به وبين أنه لا جدوى منه في المطالب العقلية وتكلم على علم الأصول والفقه والتوحيد ومن رأيه في الاجتهاد أنه ليس بمحظور على أحد من الناس وليس بضربة لازب على كل إنسان بل أن من رأى منه ما يؤهله للقيام بأعباء هذه الخطة العظيمة فله أن يجتهد ويعمل بما أداه إليه اجتهاده قال وإنا لا نجيز لأحد يرى في نفسه صلاحية للاجتهاد أن يدعو الناس إلى العمل بقوله والأخذ بما أداه إليه اجتهاده لا لشيء سوى أننا نرى أن في ذلك توسيعاً لباب الخلاف بين المسلمين ونحن في حاجة إلى تضييقه إلى أن يقول وخير من الاشتغال بهذا وأجدى للمسلمين اختيار ما يوافق أهل كل عصر ومصر من أقوال الأئمة المجتهدين والعمل بها وترك التقيد بمذهب أمام واحد من الأئمة وفي هذا من التوسيع على المسلمين والنظر إليهم ما لا ينكر وقعه. وأطال في علم الكلام وسماه العلم المشئوم ودعا إلى وجوب تركه على نحو ما دعا إلى ذلك كبار رجال الإسلام في القديم قائلاً أن ليس من فائدة فيه سوى زعزعة أركان الدين ونقض أساسه. وتكلم على علوم البلاغة وأثبت أن لا حظ لأرباب المدارس الدينية منها وأفاض في أنه لا عذر للناس اليوم في استعمال كتب المتأخرين مع وجود كتب المتقدمين وقال أنه من أقبح آثار هذه الكتب أنها تضعف الفكر. وختم كتابه وهو في ٢٩٠ صفحة بالكلام على الأزهر وسوء حالته متعلقاً بأهداب الأدب الذي يشكر عليه وقد اقتبسنا منه في غير هذا الوضع فصلاً في التفسير والمفسرين دلالة على أسلوب المؤلف في الانتقاد وأخذنا عليه أنحاءه على المدارس النظامية وطرق تعليمها وإنكاره إدخال بعض العلوم كالتاريخ والجغرافيا إلى الأزهر مع أنه لا يتم علم العالم إلا بمعرفة تاريخ أمته وتقويم بلادها على الأقل كما رأيناه لم يصب المرمى في كلامه على علم الأصول ومهما يكن فإن الكتاب من جيد المصنفات النافعة وعساه يوفق إلى نشر الجزء الثاني المتعلق بالإرشاد في أقرب وقت جزاه الله عن العلم خير الجزاء.  المدونة الكبرى انتهى طبع الجزأين الخامس عشر والسادس عشر من هذا الكتاب الذي نوهنا به في بعض الأجزاء السالفة وبطبعهما تم طبع المدونة لإمام دار الهجرة مالك بن أنس الأصبحي وقد أورد طابعها الفاضل الحاج محمد الساسي المغربي في آخر الجزء سماع هذه المدونة عن أعلام من العلماء آخرهم عبد العزيز بن عامر وذلك في ذي القعدة سنة ثمان وعشرين وأربعمائة من الهجرة بالقيروان وقد كان على النسخة الأصلية النفيسة تقارير وفوائد لأكابر علماء المالكية كالقاضي عياض وابن رشد وغيرهما وهي مكتوبة بقلم عبد الملك بن مسرة بن خلف اليحصبي في أجزاءٍ كثيرة جداً وتاريخ كتابتها سنة ٤٧٦ . فنهنئ الطابع الذي ربح من هذا الكتاب مادة ومعنى ونأمل أن يطبع غيره من الأمهات النافعة ليستفيد بذلك ويفيد.  الأخلاق والسير هو كتاب مداواة النفوس لابن حزم الأندلسي عني بطبعه الفاضل الأديب الشيخ أحمد عمر المحمصاني الأزهري طبعه على نسخة قديمة ظفر بها فجاء به بعض زيادات عن الطبعة الأولى التي طبعت منه منها قوله كانت في عيوب فلم أزل بالرياضة واطلاعي على ما قالت الأنبياء صلوات الله عليهم والأفاضل من الحكماء المتأخرين والمتقدمين في الأخلاق وفي آداب النفس أعاني مداواتها حتى أعان الله عز وجل على أكثر ذلك بتوفيقه ومنّه. وتمام العدل ورياضة النفس والتصرف بأزمة الحقائق هو الإقرار بها ليتعظ بذلك متعظ يوماً إن شاء الله. فمنها كنف في الرضاء وإفراط في الغضب فلم أزل أداوي ذلك حتى وقفت عند ترك إظهار الغضب جملة بالكلام والفعل والتخبط وامتنعت مما لا يحل من الانتصار وتحملت من ذلك ثقلاً شديداً وصبرت على مضض مؤلم كان ربما أمرضني وأعجزني ذلك في الرضى وكأني سامحت نفسي في ذلك لأنها تمثلت أن ترك ذلك لؤمٍ ومنها دعابة غالبة فالذي قدرت عليه فيها إمساكي عما يغضب الممازح وسامحت نفسي فيها إذ رأيت تركها من الانغلاق ومضاهياً للكبر حتى ذهب كله ولم يبق له والحمد لله أثر بل كلفت احتقار قدرها جملة واستعمال التواضع ومنها حركات كانت تولدها غرارة الصبا وضعف الإغضاء فقصرت نفسي على تركها فذهبت ومنها محبة في بعد الصيت والغلبة فالذي وقفت عليه من معاناة هذا الداء الإمساك فيه عما لا يحل في الديانة الخ وهو في زهاء مائة صفحة صغيرة ويطلب من المكاتب الشهيرة في مصر والشام. وحبذا لو اعتمدته نظارة المعارف المصرية لتدريس الأخلاق.  تذكار ديوان راغب وصبري  هو آخر ما طبع الشاعر الأديب الشيخ رشيد مصوبع اللبناني من شعره اللطيف أهداه لعطوفة إدريس بك راغب وسعادة إسماعيل باشا صبري من أعيان مصر ومن شعره في وصف غني كبير توفي عن امرأة حسناء ولم يأت حسنة في عمره. ليس بدعاً إن لم يشيعك قوم في الحمى من خيارهم والعيون من يعش في الحياة غير ثمين يتولى للقبر غير ثمين لا تلم حاملي اليراع إذا ما فزت منهم بالندب والتأبين ليس بدع بأن يلاقى ضنين من أكف الكرام كف ضنين وقال في انقلاب الزمان: يعبس الدهر ثم يبسم حينا هكذا هكذا نقضي السنينا وتمر الخطوب تعدو غنيَّ النا س لكن ما فاتت المسكينا ويعيش الغني دوماً بشوشاً ويعيش الفقير دوماً حزينا كل دار يحلها المرءُ إن كا ن غنياً إنساً يرى وحدينا لا جمال ولا جلال ولا علم سوى درهم يرن رنينا وقال: وتأوي إلى أوكارها طير أيكةٍ وجنب فقير لا يلامس مرقدا ترى في وجوه البائسين تضاؤلاً وفي وجنات الموسرين توردا وهذا الجزء ٩٦ صفحة جيدة الطبع فنثني على همة الناظم الأديب ونحث الأدباء على اقتناء شعره. مجموع رسائل في أصول الفقه الأولى من أصول الشافعية للإمام ابن فورك الأصبهاني المتوفى سنة ٤٠٦ هـ والثانية من أصول الظاهرية للشيخ محيي الدين بن عربي الأندلسي المتوفى سنة ٦٣٨ والثالثة من أصول المالكية لنجم الدين الطوفي البغدادي المتوفى سنة ٧١٦ والرابعة للجلال الأسيوطي المتوفى سنة ٩١١ جمعها الأستاذ الفاضل الدراكة الشيخ جمال الدين القاسمي الدمشقي وعلق على بعضها شروحاً نافعة لطلابها في بابها وطبعت طبعاً جيداً فوقعت في ٨٠ صفحة منصفة القطع فنحث على اقتنائها.  تاريخ أساس الشريعة الإنكليزية أو سنة الارتقاء في نظام الحكومة الإنكليزية ومصدر القوانين الأساسية للحكومات الدستور كلها تأليف دافد وطسن وتعريب الكاتب البارع نقولا أفندي حداد وهو كتاب أجاد مؤلفه في وضعه ومعربه في نقله وطابعه في طبعه جاء فيه من الفوائد التاريخية الاجتماعية الموجزة ما لا يستغني عن الاطلاع عليه كل محب للاطلاع على تاريخ هذه الأمة العظيمة وقد وقع في ١٩٠ صفحة متوسطة فنحث الأدباء على مقتناه وهو يطلب من طابعه حضرة إبراهيم أفندي فارس صاحب المكتبة الشرقية بمصر وثمنه عشرة قروش أميرية.  كتاب معجم البلدان كادت تعد كتب الأسلاف التي طبعها الأوربيون في مطابعهم وصححوها بمعرفتهم على المواد التي لديهم في مقام المخطوطات النادرة لغلاء أسعارها وقلة الظفر بها ولذلك يشكر من أعاد طبعها وأجاده منا كالذي أحيا كتاباً مخطوطاً لم يكن معروفاً من قبل إلا عند الخاصة. ومعجم البلدان هو من أمهات الكتب الممتعة في الجغرافيا القديمة بل من أهم الكتب الأدبية والتاريخية وهو أشبه بقاموس بوليه الفرنسي في الجغرافيا والتاريخ إلا أن هذا كتاب حديث ومعجم البلدان قديم يمتاز على بوليه بالآداب والأشعار وذكر أبناء هذه البلاد الشرقية وأصقاعهم خاصة. طبع أحد علماء ألمانيا منذ عهد طويل هذا الكتاب فكادت تنفد نسخه وعز الظفر بها حتى على الغني وجعله في أربعة أجزاءٍ ضخمة ما خلا الفهرس البديع الذي كان ألحقه به وقد عني هذه السنة حضرة الأديب محمد أمين أفندي الخانجي بطبعه في القاهرة فأنجز منه حتى الآن سبعة أجزاءٍ ولم يبق سوى جزءٍ ثامن من الكتاب الأصلي وهو تحت الطبع وسيجعل له ذيلاً في مجلدين آخرين سماه منجم العمران فيما فات ياقوت من أسماء البلدان فيتم بذلك عشرة مجلدات في نحو خمسة آلاف صفحة لا يستغني عنه أديب ولا مؤرخ ولا جغرافي وفي يقيني أن هذا المعجم تنفد نسخه عما قريب بالنظر لما اشتهر عن ياقوت الحموي من العلم الزاخر والتحقيق الباهر بالنسبة لعصره. وقد تولى تصحيح الكتاب الأستاذ الفاضل الأديب الشيخ محمد بن الأمين الشنقيطي فنثني على مصححه وطابعه أطيب ثناءٍ والكتاب يطلب من هذا في القاهرة بثمانين قرشاً مصرياً قبل تمام الطبع وبمائة قرش بعده وعساه يوفق إلى طبع غيره من الكتب النافعة المهمة.  رواية موريس أو ابن الغريب عربها عن الإنكليزية بتصرف الأديب كامل أفندي بطرس وأهداها لصديقه الشاعر الكاتب البليغ محمد أفندي أمام العبد قال المعرب: فارتاحت نفسي إلى ترجمتها ترجمة لا تغضب اللغة ولا تسيء إلى الأسلوب العربي بقلم كالمرآة لا يخدع الناظر إليه وما أقدمت على ما أقدمت عليه إلا بعد ما ألفيتها كالبكر في خدرها لا تعيب ولا تعاب فكانت في معزل عن كثير من الروايات التي كتبت فكادت تغير من أخلاق البشر بقدر ما غيرته من الحقائق.  النهضة الشرقية وهي مقالات نشرها سعادة الوجيه عطا بك حسني من أعيان القاهرة في بعض الجرائد السيارة وعني بجمعها الكاتب الأديب ذي المعزة عبد المسيح بك انطاكي صاحب جريدة العمران الغراء فجاءت في زهاء ٢٨٠ صفحة صغيرة ووصف فيها رحلته إلى الأستانة وذكر أراءً له خصوصية بشأن حكومات الإسلام وثمن النسخة الواحدة عشرة قروش وهي تطلب من طابعها وجامعها في القاهرة.  وقائع الحرب عرف فارس الخوري في مصر بأنه عالم كاتب باحث ولم يشتهر عنه ما اشتهر به في الشام بأنه شاعر مجيد أيضاً وقد طبع له هذه الآونة صديقه الدكتور الفاضل حسين أفندي حيدر أربع قصائد في تاريخ حرب الروس اليابانية التي نشبت في ٨ فبراير شباط ووضعت أوزارها في ٥ سبتمبر أيلول ١٩٠٥ كان نظمها على ذاك العهد وألم فيها بالأسباب التي دعت إلى إشهار الحرب وذكر المعارك البحرية والبرية المهمة التي دارت بين الصفر والبيض وأتى على أسماء القواد والوزراء فصبها في قالب الشعر مع المحافظة على كيفية التلفظ بها في لغاتها الأصلية بدون تكلف وفسح للانفعالات النفسانية والتخيلات في الوصف مجالاً رحباً في تضاعيف الأبيات ومزج التقرير التاريخي مع الخيالات الشعرية بحيث لم تعد منظوماته تاريخاً مجرداً ولا وصفاً شعرياً مفرداً بل جمعت بين الاثنين ولقد كان من المتواتر على ألسن الناس في وصف الشعر بأن أعذبه أكذبه فلما تأملنا ملياً ما نظمه الناظم المشار إليه قلنا إن أعذب الشعر أصدقه لأنه لم يخرج عن الصدق فيما قال عن الحرب أو روى. وهذه المنظومات أجمل تاريخ يحفظ لأعظم حرب نشبت منذ عرف التاريخ إلى الآن. قال في وعيد الروس لليابانيين وعيد جله صوت جهور ومن ذا يرهب الصوت الجهورا ذوات الناب ليس تضر شيئاً إذا صخبت وأكثرت الهريرا وقال عند غرق الأميرال مكروف على الدارعة بتروبالسك مضى يجتاز فوق فخاخ طوغو كملاح يحاذر أن يجورا إلى أن شقت الغمرات فاها وأصعدت البلايا والسعيرا فشاهد تحت أخمصه جحيما وقد فتحت قذائفه حفيرا كأن جهنماً وجدت سبيلاً ومطوياتها لقيت نشورا كأن هناك بركاناً تلظى وأطلق في الفضا ناراً ونورا كأن البحر غضبان عليهم لما جروا على الدنيا شرورا طوى بضميره حنقاً فلما دنا مكروف كاشفه الضميرا هوت فيه السفينة في خليج وكانت قبل تخترق البحورا ومن وصفه اليابانيين في وقعة يالو أقام الروس في يالو قلاعاً على تحصينها صرفوا شهورا مسيل النهر دونهم فظنوا ال سعدى لا يستطيعون العبورا ومن خاض البحور إلى الأعادي أيأبى أن يخوض لهم نهورا مشى اليابان لا يخشون بؤساً وماء النهر يكتنف الصدورا بجيش كل من فيه جريءٌ تمنى للأعادي أن يطيرا إلى أن يقول ولا عجب لمختال مدل إذا أخلى الحواضر والثغورا إذا غفل الرعاة عن المواشي فمن ذا يدرأ الأسد الهصورا وأن الخاشع اليقظان يكوي بحد حسامه البطل الفخورا كذلك من توخي البغي متناً تراه بدون معثرة عثورا وقال في إعجاب الروس بقوتهم واحتقارهم خصومهم لقماءتهم لقد شمخوا على اليابان لما رأوا جنديهم قزماً زميرا وقالوا سوف نطحنهم فتغدو قبورهم الضواري والنسورا ولكنا على يالو وكنشو وجدنا القول بهتاناً وزورا فعرض الجسم لا يغني فتيلاً وطول القد لا يجدي نقيرا الست ترى الوليد وفيه حزمٌ يسوم الفيل خسفاً والبعيرا رهام الطير تنخلع ارتياعاً إذا رأت البواشق والصقورا وقال في انتصار اليابان في معركة شاهو ترى للعين من حنق شرارا وللأسنان من ألم صريرا وللأرواح من جزع غياباً وللأشلاء من عجز حضورا تمنى الجيش لو كانوا خشاشاً إذن ولجوا المخافر والوكورا ولو كان الخيار لهم بمتن ضمين للنجا اختاروا الطيورا تمنى الروس لو خلقوا إناثاً وسبوا اليوم إذ ولدوا ذكورا إذن ولي الرجال النضج عنهم وهم لزموا المنازل والخدورا وقد حسدوا الشيوخ على مشيب كما حسدوا المشوه والصغيرا وقد لعنوا الحروب وخائضيها ومن أضحى لجمرتها مثيرا وقالوا ليتنا كنا اتحدنا وقاتلنا المسبب والمشيرا إلا رحم امرؤٌ حر شجاع يجاهد ملكه أو يستشيرا وقدس سر سلطان تنحى تفرده وقال الأمر شورى ومما قاله في وصف وقعة مكدن ملائكة السلام خلت وأضحى شياطين الشرور مشمرينا كأن رذائل القتل استحالت فضائل فاعلوها يفخرونا كأن قذائف النيران رسل أتت توحي التهور والجنونا تجيء من السماء بمعجزات تؤيد ما ادعتهُ فيؤمنونا فما صعقات موسى فوق هذا ال هزيم يضعضع الجبل المتينا على ورع تمجس آل عيسى كأن النار نار جبال سينا كأن الهم فيها تجلى إذا ما استقبلوها يسجدونا وقال في هزيمة الروس عجب الأنام لشدة الغلب الذي ذاقوا ولو غلبوا فذلك أعجب فتغلب اليابان فيه غرابة لكن جهل الروس أمر غريب هجموا ولا علم لهم بخصومهم ماذا أعدوا للدفاع وألبوا من ذا يغول الليث وسط عرينه إلا الشقي الغمر من لا يحسب نصبوا حبائلهم وقد وقعوا بها إن الظلوم يصاد في ما ينصب إلى أن يقول ركبوا من البغي الوخيم حقائباً فرس البغاة حقيقة لا تنجب ما كان في الأسطول إلا غرة وخيانة وظلامة وتعصب فهوى والاستبداد كان رفيقه وفساد روسيا كذلك يصحب عرفوا بأن الظلم ليس بغالب عدلا ول اصدع التعسف يشعب والمستبد المستجيش عبيده إن نازل الأحرار لا يتغلب أيفوز مهضوم الحقوق بمن لهم حرية بصدورهم تتلهب ظفر الذي اعتاده جهل بمن اعتاده علم رجاءٌ مجدب فالعلم منصور اللواء مؤيد والجهل مشقوق الجبين مخيب والعدل ليث عاصم لجواره والظلم خصم أن تعرض ثعلب وقال في هذا المعنى كثرت شكاويهم وقالوا خانهم قدرٌ وغالبهم قضاءٌ أغلب ذو الحزم يتخذ النتائج راضياً والغمر يتهم الزمان ويعتب وقال في مولد ولي عهد روسيا أثناء الحرب مخاطباً أهل البلاط الروسي: طمحت إلى أرض السوى أبصارهم ولسلبها حشدوا الجيوش وجندوا أمروا بقتل النفس وهي بريئة وعصوا وصايا ربهم وتمردوا إلى أن يقول مخاطباً الطفل ها أنت تنمو في عناية والد حانٍ يذود السوء عنك ويطرد والبعض من أبناء جيلك لا ابٌ يحنو عليهم إن بكوا وتنهدوا آباؤهم سقطوا بساحات الوغى ليوسعوا لك دولة ويمهدوا فإذا نموا وملكت فارفق ذاكراً حق الذين على ولاك استشهدوا وعساك تنشأ عادلاً لا تدعي إن الجميع لأجل عرشك أوجدوا فالملك جسم والعدالة درعه درع بمجبوك الحديد مسرد والملك بستان أعز سياجه عدل به ريح المخاوف تركد يتوقع الإصلاح منك وليتنا نحيا لنعرف ما يجيء به الغد وقد ألحق الطابع بهذه القصائد كتاباً كان بعث به الفيلسوف تولستوي الروسي إلى القيصر الحالي يعظه وينصح له ويذكره بحال رعيته معربة بقلم الناظم أيضاً فجاءت هذه الرسالة حاوية من النثر والنظم وأرقه وأنفعه فنثني على الناظم والطابع بما هما أهله والرسالة تطلب من المكاتب الشهيرة في مصر وثمنها ثلاثة قروش صحيحة وهي جيدة الطبع والورق في ٦٨ صفحة منصفة القطع. سير العلم آثار مصرية اكتشفت بالقرب من أهرام أونياس ضريح يرد عهده إلى خمسمائة سنة قبل الميلاد وعثر فيه على جثة الكاهن هو كمنساف وعليه آثار كثيرة من الآنية الخزفية وغيرها وعثر في تل بالزقازيق على حلي أكثرها مرصع بالأحجار الكريمة مثل اسورة وأقراط وعقود وكؤوس ومشربيات من الفضة والذهب وكلها حسنة في صنعها ووضعها فنقلت إلى المتحف المصري. طلاب الشريعة يؤخذ من إحصاءٍ وضعه العالم ذي المعزة أمين بك سامي ناظر مدرسة الناصرية والمعلمين أنه كان عدد طلبة العلم في الأزهر هذه السنة ٩٧٥٨ وعدد المدرسين ٣١٧ وعدد طلبة الإسكندرية ٤٤٠ و ٣٩ مدرساً وعدد طلبة الجامع الأحمدي ٥١٦١ ومدرسيهم ٧٠ وأن مجموع طلاب الشريعة في القطر ٢١٣٥٢ والعلماء المدرسين ١٠٢٥ وأن في الأزهر ٦٦١ من الطلبة غير المصريين. الخدام يشكو أهل أوربا من تناقص عدد الخدام سنة بعد أخرى على توفر أسباب الرفاهية وما تقتضيه من الحاشية والغاشية وقد أفاض أحد الباحثين في هذا الموضوع فظهر له أنه كان في فرنسا ٨٩٢٧٥٩ خادماً و ١٣١١٤٧١ خادمة سنة ١٨٦٦ فنزل عددهم سنة ١٨٩٦ إلى ١٦٠١٨٣ رجلاً و ٧٠٣١٤٨ امرأة وإذا دامت الحال على ذلك تضطر أكثر حكومات الغرب إلى تأسيس مدارس للخدمة بعد قليل من السنين. الخطوط الحديدية في أميركا ذكرت مجلة المجلات النيويوركية بحثاً في الخطوط الحديدية التي أنشئت وتنشأ في خلال هذه السنة في الولايات المتحدة وكندا فكان مجموع طولها ٣٥ ألف كيلومتر تقتضي من ثلاثة إلى أربعة مليارات فرنك ومن جملة تلك الخطوط خط طوله ١٦٠٠ كيلومتر يجتاز غابات يستخدم خشبها للبناء ولصنع ورق الكتابة ومن جملة ما يستفيد بهذا الخط صقع مضيق هودسون فإنه لم يكن يسلكه قبل عشر سنين إلا بعض تجار يعطون الدراهم فيبتاعوا بها فراء. وبالسكة اليوم تفتح أبواب هذا المضيق للتجارة العامة. التربية العملية رأى أحد علماء الطليان أن بني قومه مقصرون في تربية أطفالهم ولاسيما الطبقة الوسطى منهم فارتأى أن يغرب الأطفال عن إيطاليا ويبعث بهم إلى إنكلترا أو ألمانيا أو أميركا ليتمكنوا من تغيير محيطهم وبيئتهم ويكون لهم من التنقل ما يساعدهم على تعلم الصناعات والتجارة بين تلك الشعوب الراقية. وكانت فرنسا منذ نحو أربعين سنة جرت مع أبنائها على هذه الطريقة لأجل تعليمهم اللغات الأجنبية فكانت تغر بهم لهذا الغرض إلا أنها عادت فضعفت عندها هذه الطريقة في التعليم وأصبحت عندها نظرية على حين أصبحت عند أميركا عملية. ويرى الأمريكان من متممات العلم والعمل أن يبعثوا بأولادهم إلى أشهر عواصم العالم ليطلعوا عليها ويصرفوا فيها زمناً لتطبيق العلم على العمل. شلالات نروج نروج من أكثر بلاد أوربا شلالات فقد قدروا قوتها بمليون وربع حصان بيع منها إلى شركات ونقابات أجنبية بما قوته نصف مليون وخمسون ألف حصان واقتضى للإنفاق على جر هذه القوة خمسمائة مليون كورون. المهندسون في ألمانيا وفرنسا أورد رئيس جمعية مهندسي الملكية في فرنسا إحصاءً مهماً بخصوص تأسيس مدرسة جديدة في باريس للصنائع والفنون فقال أن في فرنسا ١٦٠٠٠ مهندس تخرجوا في مدارس مختلفة و ١٣٨٠٠٠ محل في حاجة إلى مهندسين وعلى العكس في ألمانيا فإنك تجد فيها ٧٦٠٠٠ مهندس ولا تجد فيها غير ٥٥٠٠٠ مركز لهم ولذلك رأى أن تعنى فرنسا بإحداث مدارس عملية ينتدب للتدريس فيها أساتذة تمكنت الصنائع العملية من نفوسهم. التصعيد في حملايا جبال حملايا سلسلة من الجبال في آسيا تفصل بين بلاد الهند وتبت وقممها أعلى قمم في العالم فيبلغ ارتفاعها في كاوريزانكار ٨٨٣٩ متراً وفي كنشنجا ٨٥٨١ متراً وطولها ٢٢٥٠ كيلومتراً. وقد نشر لونكستاف سياحة سماها نزهة ستة أشهر في حملايا قام بها في العام الفارط فقال أنه توصل إلى صعود ٧٣٠٠ متر في صخور ناندا ديفي في غربي نبال فلفت بسياحته أنظار العالم إلى دعوى السائح غراهام الذي ادعى أنه بلغ في تصعيده سنة ١٨٨٣ ، ٦٨٦٣ متراً في جبل مونال و ٧٣٠٠ متر في كابروا وقد قضى السائح لونكستاف ليلة بطولها مع دليله وارتفع ٧٠١٩ متراً عن سطح البحر أي ٢٣ ألف قدم بعد أن سقط نحو ألف متر في الثلج ونجا بقضاءٍ وقدر من الموت. ثم قاسى من ألوان العذاب لقلة الطعام والمنام ما جرأه من الغد على اقتحام المصاعب والتصعيد إلى ٧٣٠٠ متر وبالجملة فقد أثبت هذا السائح ما كان ادعاه غراهام وكان العلماء في شك من دعواه بأنه بلغ ٧٧٢٦ متراً في هذا الجبل الشاهق. السلك البحري أنشأت أعظم شركة للأسلاك البحرية في العام الماضي أكبر سلك بحري بين أوربا وأميركا أنفقت عليه ٧٠٠ ألف كيلو من النحاس و ٣٥٠ ألف كيلو من الطبرخى الغوتابرشا و ٧٠٠ ألف كيلو من أسلاك الحديد والنحاس والقنب والمواد الواقية واقتصدت الشركة ١٥ في المائة من السرعة بالنسبة لبقية الأسلاك الأخرى فتمت به الأسلاك البحرية التي تربط أميركا بأوربا إلى خمسة خطوط وهي اليوم تنشئ خطين آخرين أحدهما من جزيرة مانيلا إلى الصين والآخر من غوام إلى اليابان ويتمان هذه السنة. مدارس التجارة في أوربا دهش أحد الأمريكان ممن زاروا أوربا مؤخراً من كثرة ما شاهد من المدارس التجارية في سويسرا قال أن مدنها الحقيرة لا تخلو من مدارس تجارية فإن لمدينة نوشاتل وسكانها ثمانية عشر ألف نسمة مدرسة تجارية يتعلم فيها سبعمائة صبي بينهم خمسة وعشرون من أبناء الأمريكان. وفي مدينة فينا ١٩ مدرسة للتجارة ولألمانيا المقام الأول في هذه المدارس والمدارس التجارية قليلة في إنكلترا ولذلك ترى الأجانب منهالين عليها من كل صوب يتقلدون الأعمال الحسابية في الغالب. البيض والسود أفاضت إحدى المجلات الإنكليزية في أفضلية الجنس الأبيض على الجنس الأسود وقالت أن هذه الفكرة المغلطة هي نتيجة كراهية طالما أثرت تأثيراً سيئاً في تاريخ الإنسانية وأن هذا التمييز لا يكون على أتمه إلا عند الشعوب القصيرة النظر فما يذهب إليه بعض الشعوب من تفضيل البيض على الزنوج والصفر والحمر هو من الأوهام التي لا تبرر إلا إذا كانت هذه الميزة من حيث العقل. وليس للأبيض أن يزعم أرجحيته على المتوحش وغير التمدن إلا إذا كان هو متمدناً بعقله واقتداره وبذلك تهيأت له القوة الاجتماعية وإذا حاد عن ذلك يرجع القهقرى ولا يمكن مما أراد إلا بالظلم وإبادة من فتح بلادهم وغلبهم على أمرهم. فليس في الواقع غير جنس واحد من البشر وهو الجنس البشري عامة ولا يكون اشتراك سياسي واجتماعي بين السود والبيض إلا إذا عدل هؤلاء عن اتخاذ قاعدة واهية في أعمالهم تشعر بأن قوى الأجناس أفعل من الوحدة البشرية. مكاتب الأطفال لا تزال الولايات المتحدة تكثر من تأسيس المكاتب ليختلف إليها الأطفال خاصة وقد جربوا في نيويورك بأن جعلوا في سقوف إحدى خزائن الكتب غرفاً للمطالعة فصرت عند ما تزور هذه السقوف بعد الظهر ترى فيها نحو ٤٠ أو ٥٠ طفلاً يطالعون الكتب والصحف في الهواء الطلق ولذلك ستكون سقوف المكاتب الثلاثة التي تنشأ الآن في نيويورك على أحسن وضع بحيث لا يضيع فراغ منها إلا فيما يفيد. سرعة التأثر والانفعال الايستزيومتريا آلة توضع على الرأس لمعرفة سرعة التأثر والانفعال وطرقه المختلفة اخترعها فبير أحد علماء ألمانيا في القرن الماضي وهي كالبركار في شكلها أنيطت بها دائرة ذات درجات وطرفاها رقيقان جداً فتجعل أطرافها على الجلد ريثما يشعر المصاب بألم ويختلف ابتعاد أطراف هذه الآلة بحسب الحالة العصبية وتكون الداء في عضو من الأعضاء. وبهذه الآلة يعرف مقدار التعب العقلي. وقد جرب الآن الأستاذ بينه من كلية السوربون في باريس بمعونة لجنة مؤلفة من عشرين عضواً فعل التأثر بواسطة هذه الآلة في عدة من مدارس باريس فتبين له أن التعب العقلي ناتج من طبيعة العمل ومدته والساعة التي يجري فيها فيبلغ تعب عقول التلاميذ في صفوف المساء أرقى درجاته وذلك لقلة الدم في الدماغ بعد الطعام وإن اشتغال التلميذ مساءً في منزله يحدث تعباً كثيراً كما يتعب في أثناء الامتحانات. وقد نشر الأستاذ غريسباش الألماني في هذه الآونة أيضاً بحثه في هذا الموضوع المهم فكان من نتائج تجاربه في أولاد من أبناء الرابعة عشرة اختبر حالتهم بواسطة آلة الايستزيومتريا فكانت حركتها الوسطى على جبهة الولد ٣ . ٥ مليمتر و ٥ قبل ابتداء الدروس في الصباح و ١٣ بعد قضاء أربع ساعات في الدرس ورجع مقياسها إلى ١٠ بعد الانصراف من المدرسة مساءً ويرتقي مقاسها إلى ٢٢ درجة بعد درس المساء في المنزل ومن رأي العالم الألماني أنه لا يقتضي مداومة اشتغال التلميذ بعد انصرافه من المدرسة فقد يحدث أن التلميذ عند منصرفه من المدرسة يعطى وظيفة فرضاً يعملها أو درساً يستظهره في بيته بعد أن تعب في النهار فيسقط من الإعياء فما هو إلا أن يغلبه النعاس وتتعرض صحته للخطر. وقد نصح هذا العالم أن يلغى الاستعداد للامتحان مرة واحدة وأن يستعاض عنه بأسئلة شهرية تجري بملاحظة مفتشي المدارس ونصح لآباء التلاميذ أن يعنوا بصحة أبنائهم العقلية وأن يطلبوا إلى المدارس أن تصحب شهادات الدروس والسلوك المألوف إرسالها إليهم من المدارس كل مدة بشهادات تؤذن بمقاس إجهادهم العقلي. الأديان والقضاء والقدر ذكر أحدهم في المجلة الكبرى الفرنسية حالة الأديان في العالم وقدرها بنحو خمسة آلاف دين وقال أن المرء يولد على دين آبائه وليس هو الذي يختار دينه وإن من ضعف عقول البشر ما يذهبون إليه من أن الدين يحل مسألة القضاء والقدر ولو كان لأحد الأديان أن يحل هذه المشكلة لأوضح غامضها على طريقة محسوسة جلية لا تختلف ولا تتناقض وتوافق العقل وقال أن كل ما يبت في أمور العالم إنما يبت بتأثير العلم لا الدين. طريقة ارتقاء الألمان ذكرت إحدى المجلات الألمانية أن الطريقة التي جرت عليها ألمانيا فكانت سبباً في نهوضها لم تكن كما يزعم بعضهم محصورة في ارتقاء التعليم فيها بل أنه أتى مما أتيح لها من النمو في صنائعها وتجارتها ذاك النمو الذي قضى بتغيير صورة المدارس لتصبح متناسبة مع ما تستلزمه دواعي هذه الأعمال وكثرت هذه التغييرات منذ نحو عشرين سنة وكانت إمارة ساكس في مقدمة المقاطعات الألمانية عملاً بهذا القلب والإبدال. مرض الحضارة هو المدعو بالفرنسية يتخوف المبتلى به من النظر إلى الناس عند اجتيازه ساحة عامة أو شارعاً كبيراً أو جسراً طويلاً ويصاب به في الأكثر أرباب الأمراض العصبية والهستريا والماليخوليا فلا يجرأ المصاب على المرور من تلك الأماكن ولو لم يكن في ذلك خطر عليه. يخاف المصابون بهذا المرض أن يتنقلوا من رصيف إلى آخر ولا يزالون يقدمون رجلاً ويؤخرون أخرى حتى إذا كان هناك خطر حقيقي من الاجتياز يقدمون على المرور ويذهلون فيركضون فيوشكون أن يسقطوا فيما حاذروه من الخطر. ولهذا المرض حوادث تجري كل يوم في باريس وغيرها من العواصم الكبرى. ولذلك دعوناه مرض الحضارة وإن لم تنطبق التسمية على المعنى الأصلي لأنه يكثر حيث يستبحر العمران وتزدحم أقدام السكان. قال أحد كبار الأطباء أن هذا المرض عقام عضال. وأشار غيره على المصابين به أن لا يسكنوا الحواضر الكبرى في هذا القرن قرن الحركة الدائمة. وارتأت إحدى المجلات الطبية أن هذا المرض قديم وربما عرف قبل أن يعرف التاريخ وصاحبه يخاف من الحصان والعربة السائرة في وسط الطريق. وأحسن ذريعة يعمد إليها في معاملة المصاب به أن يؤخذ من الطريق بيده كما يؤخذ الأعمى إلى مكان لا خطر عليه فيه وأن يعود النظر إلى أبناء السبيل وهم سائرون وعن الأخطار بعيدون. التعليم التجاري نشر أحدهم في مجلة العالمين الفرنسية مقالاً جاء فيه أن الشبان المستعدين في فرنسا للاستخدام أو لإدارة بيوت تجارية هم على جانب من الكثرة ولا ينبغي أن يصرف الفرنسيين عنايتهم إلا إلى المحال التي يعدونها ليشغلها أبناؤهم فقد كانت تجارة فرنسا الخارجية سنة ١٨٩٠ ثمانية مليارات و ١٩٠ مليون فرنك فبلغت سنة ١٩٠٥ تسعة مليارات و ٤٣٦ مليوناً ولكن تجارة ألمانيا الخارجية ارتقت في خلال السنين من تسعة مليارات و ٤٣٦ مليوناً إلى خمسة عشر ملياراً و ٩٢٤ مليوناً وارتقت تجارة إنكلترا الخارجية من ١٧ ملياراً إلى ٢٢ ملياراً و ٣٠٠ مليون وفي خلال هذه الخمس عشرة سنة تضاعفت صادرات الولايات المتحدة وزادت صادرات إيطاليا ٢٦ في المائة ولم تزد صادرات فرنسا سوى ٢٧ في المائة. بعد المدرسة كتب كاتب في مجلة المجلات الأميركية يقول أن المدارس كثيرة لمن يريد إتقان فن بعد خروجه من المدرسة الأولى في أميركا وهي المدارس الليلية المنتشرة في جميع أصقاع الولايات المتحدة وفيها تجري المذاكرات العلمية ويستعاض عن الشروح الشفهية باستعمال الطرق العملية مثل مدرسة الكهربائية في توبكا كانساس ومدرسة الصيدلية في بوستون ومدرسة المعادن في لوس أنجلوس كاليفورنيا ومدرسة الرسم في بورتلاند أوريغون ومدرسة الاوتوموبيل في نيويورك ومدرسة الحسابات وغيرها من المدارس العملية ومما تمتاز به جميع هذه المدارس على غيرها أنك ترى فيها ابن المثري الكبير في جانب ابن العامل والأجير لا تمييز بينهما في حال من الأحوال. تهزيل الإنسان قال ابن سينا في القانون فصل في التهزيل أن تدبير الهزال هو ضد تدبير التسمين وهو تقليل الغذاء وتعقيبه الحمام والرياضة الشديدة إلى أن يقول وليكن طعامهم من يراد تهزيلهم وجبة وليحمل عليهم بالرياضيات العنيفة والاستفراغات ووصف لذلك أدوية وأفاض في الكلام فيه بحسب ما ارتآه في عصره. ومن رأي الدكتور كارل بورنستين الذي عرضه أمام الجمعية الطبية في ليبزيك هذا الشهر أنه على من أراد تهزيل نفسه أن يقلل ما يتناوله يومياً من الهدروكربون والأغذية الدسمة فتخف بذلك حرارة الجسم وأن يزيد في استعمال آح زلال البيض أو المادة التي تشبهه وأن يكثر من العمل الدماغي والإقلال من اللحوم ويغتذي باللبن والبقول التي تطبخ بلا دسم والفواكه المطبوخة وأن يختار في المشي الصعود وارتقاء العقاب وأن يستعمل التغميز والألعاب الرياضية وأن يستحم بماءٍ حار على معدل ٤٥ من الحرارة مدة نصف ساعة وأن يستعمل كميات قليلة من الكينا والأدوية الحديدية. قال صاحب هذا الرأي أنه لا يتوقع أن ينتج للحال نتيجة لهذه الطريقة بل أنه ثبت له بأن من يستعمل هذه الضروب من الأطعمة والرياضة ينتهي جسمه بالنحول والنحافة ولابد مع ذلك من الرجوع إلى رأي الطبيب فإن من أحب أن يداوي نفسه بدون أخذ رأي المتطببين يضر في الغالب نفسه أكثر مما ينفعها. أبناء المحاويج ذكرت إحدى المجلات العلمية بحثاً في الجمعيات التي تستوكف أكف المحسنين لتستعين بما تجمع من الأموال للإنفاق على أبناء المحاويج المعوزين تخرج بهم للنزهة في الضواحي أياماً معلومة في الصيف لتبعث النشاط في صحتهم مما ينالها من الهواء الفاسد في المدن الكبرى. قال الكاتب أن إحدى الجمعيات في لندن بعثت إلى الضاحية سنة ١٩٠١ بـ ٣٤٢٥٩ طفلاً ليتنزهوا على نفقتها. وقد أحدثت الدنمرك منذ تسع وعشرين سنة مستعمرات لها في الخلاء خاصة بترويض الفقراء وهناك يفتح أصحاب الأملاك بيوتهم لقبول من ينزل عليهم من أبناء تلك الطبقة والسكك الحديدية تقلهم مجاناً. وقد قدم لهم إمبراطور النمسا أحد قصوره في الأرباض ينزلونها على الرحب والسعة. وبعثت جمعية واحدة من مثل هذه في برلين سنة ١٩٠٠ بـ طفلاً إلى الفلاة وزعتهم على ١٨٣ مصيفاً وأنفقت عليهم ١ . ٢١٦ . ٤٣٥ فرنكاً. وحذت هذا الحذو في تنزيه أبناء الفقراء كل من البلجيك وإيطاليا وروسيا والسويد ونروج وهولندا وإسبانيا وسرت هذه العادة الحسنة من ملبورن إلى كاما كورا فالولايات المتحدة. ولفرنسا المقام السادس بجمعياتها بين الحكومات التي ينفق أبناؤها على نزهة فقرائهم أما في هذه البلاد فلا قدرة للفقراء على الارتحال للنزهة والأغنياء عندنا إذا رحلوا فتكون في الغالب رحلتهم لارتكاب الموبقات التي لا تتيسر لهم على ما تشتهي أهواؤهم في مساقط رؤوسهم. احتفال بعالم كلية عليكرة الإسلامية هي أعظم كلية في الهند للمسلمين ينبغ منها تلاميذ أفاضل كل سنة ومن جملة رجالها الأستاذ الفاضل الدكتور السيد ضياء الدين أحمد. ذهب بعد إنجاز الدراسة إلى إنكلترا وألمانيا وفرنسا وقضى سنين في كلية كمبردج الإنكليزية وغوتنغن الألمانية والسوربون الفرنسية ولما حفل وطابه بالعلم عاد إلى بلاده لينفعها بفضل علمه واختباره فمن بهذا القطر لدراسة أحواله والاطلاع على سياسة التعليم فيه وربط صلات التعارف بين المصريين والهنود ولما عزم على الرحيل قام بعض أصدقائه وفي طليعتهم سعادة الأستاذ الفاضل الشيخ علي يوسف صاحب المؤيد الأغر فاحتفلوا بوداعه في نزل كونتننتال بحضور نحو ثمانين رجلاً أكثرهم من رجال العلم والأدب فألقى صاحب المؤيد خطبة عرفه بها إلى الحضور ثم قام المحتفل به وألقى خطبة بالإنكليزية قال فيها: في بلاد الهند أكثر من مائة مدرسة مثل كلية عليكرة لكن ما يجعل لكليتنا امتيازاً حقيقياً على غيرها أنها الشرقية الوحيدة التي يوجد فيها نظام خاص بإقامة الطلبة وسكناهم فيها إلى الطريقة الإنكليزية فيتولون شؤونهم بأنفسهم في السير والإدارة. ومن حسن حظنا في عليكرة أننا لا نعرف ولا نتبع الطريقة الفرنسية في ضبط الطلبة ونظامهم بواسطة ضباط فإنها طريقة عقيمة ولها مضار كثيرة ظاهرة في مصر. ومن أسرار نجاحنا أننا نتمسك كثيراً بالتربية الدينية والتربية الوطنية إذ يجبر الطلبة على تأدية الواجبات الدينية كلها وينشطون على الاهتمام والاشتغال بأحوال المسلمين في أنحاء العالم كافة. والكلية الآن تتبع خطة التعليم في الحكومة وتعد الطلبة لامتحان المدارس الجامعة الكبرى على أن الغاية من مبدأ الأمر أن تكون عليكرة مدرسة جامعة إسلامية مستقلة. وقد قال المرحوم السيد أحمد خان مؤسس الكلية منذ زمن طويل في خطبة ألقاها إن نجاتنا لا تكون إلا في الوقت الذي يصبح فيه أمر تعلمنا بيدنا ولا تسترقنا مدارس الحكومة الجامعة فنأخذ إذ ذاك العلوم بيميننا والفلسفة بشمالنا ونحمل تاج لا إله إلا الله محمد رسول الله فوق رؤوسنا. ثم قال أنه تم الاتفاق على تأسيس كلية عربية لا يقصد منها أن يتعلم الطلبة فيها اللغة العربية لتأدية امتحان مخصوص ولكن الغرض منها أن يتلقى الطلبة تاريخ الإسلام بتدقيق وإمعان للبحث في أسباب رقيه وانحطاطه. وإننا نؤمل أن تظهر هذه المدرسة الجواهر المختبئة في آداب اللغة العربية وتنشر الكتب النادرة بتفاسير وإيضاحات. وفي عزمنا أن نخصص بعض الطلبة بهذه الكلية العربية ونجعل لهم مرتبات لكي يستريح بالهم من جهة المعاش وليتفرغوا للدرس والبحث. ونحن الآن أيضاً ننشئ إزاء تلك الكلية العربية كلية أخرى للعلوم الطبيعية. ولطالما سألنا بعض الناس - لماذا يضيق بنا الفكر وحب الذات فننشئ مدرسة جامعة إسلامية ولا يبعثنا سمو النفس ومكارم الأخلاق والتسامح في الدين على جعل جامعتنا عامة مشتركة - ونحن نقول: لا نقصد منع غير المسلمين من الوجود في جامعتنا الإسلامية. فإن أبوابها مفتوحة كما هي الحال الآن في عليكرة لغير المسلمين وكل محب للعلم بلا تمييز بين الجنس والدين. وفيها الآن طلبة من اليهود والمسيحيين والوثنيين ولن نسعى مطلقاً في إخراجهم منها ولا نسميها جامعة إسلامية إلا بالمعنى الذي تنسب إليه اكسفورد وكمبردج إلى كنيسة إنكلترا الرسمية. وبعد أن قال أن تعليم الدين إجباري في عليكرة وقابل بينها وبين المدارس الثانوية في مصر وحث القوم على إرسال زمرة من الطلبة لتلقي العلوم فيها إلى غير ذلك من الأغراض الشريفة قام حضرة الفاضل حافظ أفندي عوض أحد صاحبي المنبر الأغر وترجم خطبته إلى العربية ثم نهض سعادة صاحب المؤيد وألقى خطبة موخزة نافعة قال فيها: ويقيني أن مصر لو رزقت مدرسة جامعة ذات مبادئ قويمة مثل كلية عليكرة وتناسب في عظمتها حالة مصر الحاضرة لكانت مصدر حياة أقوى وأعم نفعاً لا للمصريين فقط ولكن لمسلمي العالم كله الذين هم في حاجة كبرى للترقي الصحيح المبني على دعائم العلم والفلسفة. وإنني أتمنى من صميم فؤادي أن يقصد هذه الكلية بعض الطلاب المصريين لأنهم يستفيدون مع العلوم التي يكتسبونها مزيجاً من آداب التربية الإسلامية العالية ومن الأخلاق الإنكليزية التي تطابقها في كل ما هو شريف وعال ما لا يستفيدون مثله من كليات أوربا مهما ارتقت مبادئها. ثم ختم مقاله بالتعريف بالعالم الهندي وقال أنه أعظم نابغ شرقي في العلوم الرياضية والفلكية التي تلقاها في كمبردج وكان من مزايا نبوغه أنه سبق جميع مناظريه من أرجاء إنكلترا كلها ممن تقدموا للامتحان لنيل جائزة اسحق نيوتن العالم الفلكي الشهير وهي مائتا جنيه إلى أن قال: ولعلكم ترون مثلي أن السيد ضياء الدين أحمد هو رجل مخلص في مباحثه وآرائه قد وقف نفسه على العلم حتى كاد يفنى فيه وكل من يفنى في العلم يحيا به. وأنه لا يوجد مظهر حياة في الدنيا أقوى من مظهر الحياة العلمية للذين يتجلون بها للعالم. ثم ختمت الحفلة بتناول الحلواء والشاي وأبدى الحضور شكرهم للمحتفلين والمحتفل به فلما رأينا كل هذا وابتهاج الحضور بمقدم العالم الهندي بعد مقامه الطويل في بلاد الغرب ذكرت ما كان من انتشار العلم في بلاد الأندلس ولا سيما عندما ورد في الخطبة قول أحد حكام الهند أن كلية عليكرة ستكون قرطبة الشرق الحديث ذكرت هذا وانحطاط المسلمين الآن وأنهم تحت ظل حكوماتهم في الغالب أذلة وأن عقلاءهم وهم أندر من الكبريت الأحمر يذهبون في طلب العلم لنقله من مصادره إلى أهلهم ومواطنيهم كما فعل الأستاذ ضياء الدين وكما كان يفعل يهود أوربا فيأخذون العلم عن علماء المسلمين في الأندلس حتى إذا تشبعوا بآرائهم ومذاهبهم وقضوا زمناً في حلقاتهم واهتدوا بهديهم يغادرونهم لينشروا ما تلقوه في إيطاليا وفرنسا وغيرها من البلاد المجاورة فتأمل كيف دالت الدول وصار الغربيون يعطوننا ما كانوا يأخذونه عنا مع الزيادات التي زادوها عليه. ويا ليت شعري هل تكون عليكرة قرطبة الشرق حقيقة كما قالوا. وفاة عالم فجع العلم هذا الشهر بفقد أحد أساطينه الحجة الثبت الشيخ أحمد أبو خطوة رجل العلم الراجح والفضل الجم. ولد طاب ثراه في بلدة كفر ربيع من أعمال المنوفية وكان والده من أوساط الناس وحفظة الكتاب العزيز فلما ترعرع تعلم ما أمكنه تعلمه في بلده وحفظ القرآن ثم أتى إلى القاهرة سنة ١٢٧٩ وعمره قرابة خمس عشرة سنة لتلقي العلم في أزهرها فأخذ الفقه الحنفي عن الشيخ عبد الرحمن البحراوي والشيخ عبد الله الدرستاوي وحضر لأول أمره في مذهب المالكية على الشيخ الشعبوني وأخذ المعقولات عن الشيخ محمد البسيوني البيباني والشيخ أحمد الرفاعي الفيومي والشيخ حسن الطويل ولازم الأخير ملازمة متصلة فقرأ عليه المنطق والتوحيد والهندسة والأخلاق والتصوف والحكمة العالية القديمة وغيرها من العلوم التي لم تعهد قراءتها في الأزهر. واستمر على الاتصال بالشيخ الطويل وهو من أعظم فلاسفة المسلمين في هذا القرن بمصر حتى مضى هذا لسبيله كما استمر ملازماً الشيخ الدرستاوي حتى أتم عليه دراسة مذهب بأجمعه. هؤلاء هم مشايخ الفقيد الذين تخرج بهم ومنهم الشيخ الشربيني أيضاً. وفي سنة ٩٢ جاز الامتحان لنيل شهادة العالمية من الأزهر فحاز الدرجة الأولى وعد من نوابغ الأزهريين المتمكنين من الفروع والأصول الجامعين إلى المنقول والمعقول. ولقد أسعده الحظ بملازمة الشيخ الطويل فجاء منه رجل لم يجمد جمود الفقهاء ولم يطش طيش السفسطائيين من المتفلسفين. وكان متضلعاً من علمي الفقه والأصول يمزجهما معاً في درسه. وأكد لي عليم بأحواله أنه كان كنزاً مخفياً في هذين العلمين لم يعهد له فيهما قرين في علماء زمانه. درس زمناً طويلاً في الأزهر فانتفع الطلاب بعلمه وسعة مداركه وكثرة تحقيقه وكان مفتياً لديوان الأوقاف زمناً ثم عين قاضياً في المحكمة الشرعية في هذه العاصمة. حدثني صديق له أنشأ معه وراقب سيره وسيرته أنه كان سريع الفهم سريع القراءة سريع الكتابة قوي العارضة متينيالحجة بليغ القول حاد الذاكرة بيد أنه لم يكتب إلا نادراً لاشتغاله بمهام القضاء لما نضج علمه واشتد ساعده ولأنه كان بعيداً عن الظهور ولعل ذلك كان منه لحكمة اقتضتها التقية التي يضطر أكثر الموظفين في الحكومات الشرقية إلى اتخاذها شعارهم. ومن الأسف أن ٩٩ في المائة من النوابغ في الشرق ينصرفون جملة واحدة إلى التوظف فلا يعود في وسعهم خدمة أمتهم وبلادهم الخدمة المتوقعة منهم وهم في إبان قوتهم وشرخ شبابهم ودور كهولتهم. والموظفون في معظم الأمم كالآلات بيد رؤسائهم لا يهمهم إلا رضاهم ويعدون ما وراء ذلك من الواجبات الاجتماعية. كان يعد المرحوم من أخلص أصدقاء فقيد الإسلام الشيخ محمد عبده ونصيره في آرائه الإصلاحية سراً لا جهراً. ولما لغط بعضهم في مسألة الفتوى التي أفتى بها مفتي الديار المصرية المشار إليه جواباً على سؤال ورد إليه من الترنسفال في جواز لبس المسلم القبعات وضرب البقر بالبلط والذبح بدون تسمية وجواز صلاة الشافعية خلف الحنفية كان الفقيد في مقدمة من أيدوا الشيخ المفتي في فتواه وألف رسالة إرشاد الأمة الإسلامية إلى أقوال الأئمة في الفتوى الترنسفالية التي جمع بها من نصوص كتب المذاهب الأربعة ما دحض به آراء المخالفين المشاغبين فكانت من الأدلة على بعد غوره في الاطلاع على المذاهب وقد عرض ما جمعه على غير واحد من علماء كل مذهب فأجازوها فعزيت إلى جماعة مبهمين. وقيل أنه كتب في بعض الصحف اليومية مقالات لم تعز إليه لغرض اقتضى ذلك. وعلى الجملة فقد كان الفقيد على شرط العلماء الأقدمين من الإلمام بأحوال زمانه فهو علمَ علم وحجة حكم وفهم ولو أتيح له أن يهتم بالعموميات لواد الانتفاع به. ومن أخلاقه أنه كان رزيناً وقوراً لين الجانب فكان إذا اجتمع بأكبر أعدائه يحسن لقاءه والتأدب معه ولم يجد له المنتقدون ما يتطرقون منه إلى انتقاده بما يشينه إلا ما كان من قبوله شفاعات أصدقائه مدفوعاً إلى قضاء حوائجهم بعامل المروءة العظيمة الناشئة عن شدة ثقته بهم واعتقاده الصدق في أقوالهم وما يقصدون إليه. فلا عجب بعد هذا إذا عد فقده خسارة كبرى على القضاء والعلم في هذه الديار. رحمه الله. n=""</passage>
<license>Distributed under a Creative Commons Attribution-ShareAlike 4.0 International (CC BY-SA 4.0) license</license>
<source>https://github.com/tillgrallert/digital-muqtabas/blob/master/xml/oclc_4770057679-i_10.TEIP5.xml retrieved via Canonical Text Service http://cts.informatik.uni-leipzig.de/muqtabas/cts/ with CTS URN urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.10.TEIP5:</source>
</reply>
</GetPassage>
