<?xml version="1.0" encoding="UTF-8"?><GetPassage xmlns="http://relaxng.org/ns/structure/1.0" xmlns:a="http://relaxng.org/ns/compatibility/annotations/1.0" xmlns:tei="http://www.tei-c.org/ns/1.0">
<request>
<requestName>GetPassage</requestName>
<requestUrn>urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.1.TEIP5:</requestUrn>
</request>
<reply>
<urn>urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.1.TEIP5:</urn>
<passage>فاتحة السنة الأولى رب إليك المفزع، وفيك الرجاء، ومنك الهداية، فاحلل اللهم عقدة من لساني، وعلمني بالقلم ما لا أعلم، كما علمت عبادك المخلصين، واهدني صراطك المستقيم. وبعد فهذه نشرة تصدر على رأس كل شهر عربي تقتبس ما تتمثل فيه فائدة صالحة من كلام الثقات الأثبات من مشارقة ومغاربة ومحدثين. وقد سُميت المقتبس ولكل شيء من اسمه نصيب. وستتنكب في مسطورها مذاهب المذاهب والنحل، وتتجافى عن طرق طرق السياسات والدول، حتى تصفو مواردها من النزعات والنزغات، ولا يستهويها في جانب ما تعتقده الحق وازع ولا منازع. تتمحض للعلم المحض فلا يتحرج من تلاوتها الموافق والمخالف، ولا يتبرم بها العارف والعازف، وتنطلق في الفكر، وتتجوز في الاقتباس والنشر، وتدرج في مطاويها، ما يوافق أغراضها ومغازيها. فليتفضل من أوتوا حظاً من العلم فكان همهم نفع الإنسان من حيث هو إنسان، وخدمة المعارف لأنها مشاعة في الأمم نافعة للعمران، ويمنوا عليها من فيض قرائحهم وثمرات أبحاثهم بما تتألف منه ندوة علمية حافلة بالمطالب الممتعة الموجزة، ومجلس علم يختلف إليه العالم والمتعلم فيعود كل منهما ببغيته منه، ومعرض حكمة تعرض في أصونته ما يلائم أذواق أهل كل جيل وأفق من ضروب البضائع والأعلاق، وديوان إخوان تسوده أقلام المنوّرين والمفكرين، وتقرهم عليه طائفة العالمين والعاملين. والله المسؤول أن يربأ بهذا المقتبس عن أن يكون جعبة مشاغبة وأهواء، وصحيفة تبجح ورياء، وأن يبرئه من آفات التطويل والتكرار، ويدفع عنه عوادي المعايب والمعاير، ويجعله خير ذخر إذا الصحف نشرت، يوم تبيض وجوه وتسود وجوه سبحانه وسعدانه. صدور المشارقة والمغاربة ابن حزم ولد سنة ٣٨٤ وتوفي سنة ٤٥٦ هـ في الناس من يفادون بنفوسهم حباً بنفع يرجون أن يجنيه أهلهم وعشيرتهم ويتعزون عن ذلك بما يصيبونه من مغنم ديني أو دنيوي ومن هذه الفئة ابن حزم الأندلسي. فقد ترك وزارة المستظهر بالله اختياراً لما آنس من نفسه الغناء في العلم، وأقبل على القراءة وتقييد الآثار والسنن، فنال من ذلك ما لم ينله أحد قبله بالأندلس حتى عد قريع دهره، ووحيد قطره، وألف من كتب الأدب، والدين والنسب وغيرها، ما يبلغ نحو أربعمائة مجلد أو نحو ثمانين ألف ورقة. كان أبو محمد بن حزم على كثرة علمه وعقله، شديد اللهجة، صعب الطريقة، ولعل ذلك ناتج من العلة الشديدة التي كانت أصابته كما قال عن نفسه فولدت عليه ربواً في الطحال شديداً فولد ذلك عليه من الضجر، وضيق الخلق، وقلة الصبر والنزق، أمراً جاشت نفسه فيه، إذ أنه أنكر تبدل خلقه، واشتد عجبه من مفارقته لطبعه، وصح عنده أن الطحال موضع الفرح: إذا فسد تولد ضده. قال، ولكل شيء فائدة، ولقد انتفعت بمحك أهل الجهل منفعة عظيمة وهي أنه توقد طبعي، واحتدم خاطري، وحيي فكري، وتهيج نشاطي، فكان ذلك سبباً إلى تواليف عظيمة النفع، ولولا استثارتهم ساكني، واقتداحهم كامني، ما انبعثت لتلك التواليف. وما يشاهد إذاً في كتابه الملل والنحل من إفحاش الطعن على من خالفه قد دفعه إليه مزاجه، وكان هو السبب الذي دعا إلى تألب خصومه عليه في حياته. قال أبو مروان بن حيان مؤرخ الأندلس: كان أبو محمد حافظاً فنوناً من حديث وفقه وجدل ونسب، وما يتعلق بأذيال الأدب، مع المشاركة في كثير من أنواع التعاليم القديمة من المنطق والفلسفة. له في بعض تلك الفنون كتب كثيرة غير أنه لم يخلُ فيها من غلط وسقط، لجرأته في التسور على الفنون لاسيما المنطق، فإنهم زعموا أنه زلّ هنالك، وضلّ في تلك المسالك، وخالف أرسطاطا ليس واضعه مخالفة من لم يفهم غرضه، ولا أرتاض في كتبه. ومال أولاً به النظر في الفقه إلى رأي محمد بن إدريس الشافعي رحمه الله وناضل عن مذهبه، وانحرف عن مذهب سواه، حتى وُسم به، ونسب إليه، فاستهدف بذلك لكثير من الفقهاء، وعيب بالشذوذ، ثم عدل في الآخر إلى قول أصحاب الظاهر مذهب داود بن علي ومن اتبعه من فقهاء الأمصار، فنقحه ونهجه، وجادل عنه، ووضع الكتب في بسطه، وثبت عليه، إلى أن مضى لسبيله رحمه الله. وكان يحمل علمه هذا ويجادل من خالفه فيه على استرسال في طباعه، ومذل إفشاء بأسراره، واستناد إلى العهد الذي أخذه الله على العلماء من عباده، ليبيننه للناس ولا يكتمونه. فلم يكُ يلطف صدعه، بما عنده، بتعريض ولا يزنه بتدريج، بل يصك به معارضه صكّ الجندل، وينشقه متلقنه انتشاق الخردل، فينفر عنه القلوب، ويوقع به الندوب، حتى استهدف إلى فقهاء وقته فتمالؤوا على بغضه، وردوا أقواله، وأجمعوا على تضليله، وشنعوا عليه، وحذروا سلاطينهم من فتنه، ونهوا عوامهم عن الدنو إليه، والأخذ عنه، فطفق الملوك يقصونه عن قربهم، ويسيرونه عن بلادهم، إلى أن انتهوا به منقطع أثره بتربة بلده من بادية لبلة وبها توفي رحمه الله سنة ست وخمسين وأربعمائة وهو في ذلك غير مرتدع، ولا راجع إلى ما أرادوا به. يبث علمه في من ينتابه بباديته تلك من عامة المقتبسين منهم من أصاغر الطلبة الذين لا يخشون فيه الملامة يحدثهم ويفقههم، ويدارسهم، ولا يدع المثابرة على التعليم والمواظبة على التأليف والإكثار من التصنيف، حتى كمل من مصنفاته في فنون من العلم وقر بعير لم يعدُ أكثرها عتبة باديته بتزهيد الفقهاء وطلاب العلم فيها، حتى حرق بعضها باشبيلية، ومزقت علانية، لا يزيد مؤلفها في ذلك إلا بصيرة في نشرها، وجدالاً للمعاند فيها، إلى أن مضي لسبيله. وأكثر معايبه زعموا عند المنصف له، جهله بسياسة العلم التي هي أعوص من إيعابه، وتخلفه عن ذلك على قوة سبحه في غماره، وعلى ذلك كله فلم يكن بالسليم من اضطراب رأيه، ومغيب شاهد علمه عنه عند لقائه، إلى أن يحرك بالسؤال فيفجر منه بحر لا يكدره الدلاء، ولا تقصر عنه الرشاء، له على كل ما ذكرناه دلائل ماثلة، وأخبار مأثورة، وكان مما يزيد في شنآنه تشيعه لأمراء بني أمية ماضيهم وباقيهم. . . وبعد أن ذكر ابن حيان إدلال ابن حزم بأرومته ونسبه، مع أنه من عجم لبلة، وماله من المجالس مع أولي المذاهب المرفوضة من أهل الإسلام وأورد بعض تآليفه قال: ومن شعره يصف ما أحرق له من كتبه ابن عباد قوله: فإن تحرقوا القرطاس لا تحرقوا الذي تضمنه القرطاس بل هو في صدري يسير معي حيث استقلت ركائبي وينزل إن أنزل ويدفن في قبري دعوني من إحراق رقّ وكاغد وقولوا بعلم كي يرى الناس من يدري وإلا فعودوا في المكاتب بدأة فكم دون ما تبغون لله من سر وله: من ظلّ يبغي فروع علم يُدرى ولم يدر منه أصلا فكلما ازداد فيه سعياً زاد لعمري بذاك جهلا وقال: كأنك بالزوار لي قد تناذروا وقيل لهم أودى عليّ بن أحمد فيا ربّ محزون هناك وضاحك وكم أدمع تذرى وخد مخدد عفا الله عني يوم أرحل ظاعناً عن الأهل محمولاً إلى بطن ملحد واترك ما قد كنت مغتبطاً به وألقى الذي آنست دهراً بمرصد فوا راحتي إن كان زادي مقدماً ويا نصيبي إن كنت لم أتزود ويا لبدائع هذا الحبر عليّ وغرره ما أوضحها على كثرة الدافنين لها والطامسين لمحاسنها وعلى ذلك فليس ببدع فيما أضيع منه فأزهد الناس في عالم أهله. وقبله رُدي العلماء بتبريزهم على من يقصر عنهم والحسد داء لا دواء له - انتهى كلام ابن حيان في خبره. قلت أنا ابن بسام ولعمري ما عقه، ولا بخسه حقه، وقال ابن بشكوال: كان أبو محمد أجمع أهل الأندلس قاطبة لعلوم الإسلام وأوسعهم معرفة على توسعه في علم اللسان ووفور حظه من البلاغة والشعر والمعرفة بالسير والأخبار. وسننشر طرفاً صالحاً من جيد شعره. الأمية والكتاتيب ليس في التاريخ ما يصح الاعتماد عليه في حال الأمية في الصدر الأول اللهم إلا بضعة سطور مبعثرة في تضاعيف الأسفار. وغاية ما استخلصته أن الكتابة والقراءة والحساب انتشرت بين أهل الإسلام على الزمن ولم يكن تعليمها الناس إلزامياً حتماً بل كان اختيارياً على نحو ما أمر الرسول عليه السلام اسارى أصحابه في إحدى الوقائع أن يفتدوا أنفسهم إذا لم يكن لهم مال بتعليم عشرة من أولاد المسلمين القراءة والكتابة. والأُميّ والأُمان من لا يكتب أو من على خلقة الأمة لم يتعلم الكتاب وهو باقٍ على جبلته كما جاء في القاموس وزاد في التاج إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب أراد أنه على أصل ولادة أمهم لم يتعلموا الكتابة والحساب فهم على جبلتهم الأولى. وقال بعضهم ومجاز الأميّ على ثلاثة وجوه قولهم أميّ منسوب إلى أمة رسول الله ص ويقال رجل أمي إذا كان من أم القرى أي مكة والنبي الأُمي إنما أراد الذي لا يقرأ ولا يكتب والأمية في النبي فضيلة لأنها أدل على صدق ما جاء به. قال صديق حسن خان: في تفسير قوله تعالى ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني أي من اليهود. والأمي المنسوب إلى الأمة الأمية التي هي على أصل ولادتها من أمهاتها لم تتعلم الكتابة ولا تحسن قراءة المكتوب. ومن حديث إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب. وقال أبو عبيدة: إنما قيل لهم أميون لنزول الكتاب عليهم كأنهم نسبوا إلى أم الكتاب فكأنه قال: ومنهم أهل كتاب وقيل هم نصارى العرب وقيل هم قوم كانوا أهل كتاب فرفع كتابهم لذنوب ارتكبوها وقيل هم المجوس حكاه المهدوي وقيل غير ذلك والراجح الأول وقيل أميون أي عوام. على أن الكتابة العربية لم تنتشر في جزيرة العرب قبل الإسلام بكثير. وأول من كتب فيها مرامرة بن مرة من أهل الأنبار. قال الأصمعي: ذكروا أن قريشاً سئلوا من أين لكم الكتابة فقالوا من الحيرة وقيل لأهل الحيرة من أين لكم الكتابة فقالوا من الأنبار. والناقل لهذه الكتابة كما في رواية بعض المؤرخين حرب بن أمية القرشي الأموي والغالب أن واضعها مرامرة المشار إليه. هكذا شاعت الكتابة قبيل الإسلام كما نقل العرب الحساب عن الهند. وكانت لحمير على ما روى ابن خلكان كتابة تسمى المسند وحروفها منفصلة غير متصلة وكانوا يمنعون العامة من تعلمها فلا يتعاطاها أحد إلا بإذنهم فجاءت ملة الإسلام وليس في جميع اليمن من يقرأ ويكتب. قلت: وليس هذا شأن اليمانيين وحدهم في منع عامتهم من تعلم الكتابة والقراءة والخروج من دركات الجهل والأمية بل كانت هذه عادة الأمم القديمة إلا القليل منها يخصون العلم والتعلم بطبقة خاصة من الناس. فقد حصر قدماء المصريين والآشوريين العلم بخدمة الدين واحتكره أبناء الأشراف عند الغرناطيين والرومانيين واختصت به فئة معلومة منتخبة من الهنديين واليونانيين حتى إذا جاء الإسلام أطلق حرية التعلم وأباح تناول العلم لكل متناول وكان من أثره ما كان من الحضارة الراسخة. هذه زبدة ما يقال في معنى الأمية في الإسلام وقد تقلبت الأحوال بأهله حتى أصبح من لا يستحق منهم هذه الصفة أعزَّ من الغراب الأعصم وهبت على أهل هذا الشرق هبة من روح الارتقاء منذ نحو قرن وما برحت تختلف باختلاف الأيام حتى قام في العهد الأخير ناسٌ راغبون في إنهاض الأمة من حضيض الأمية رجاء تحسين أحوال المجتمع وانتقاء فئة من نوابغ المتعلمين ليكونوا بعد رجال العلم والقضاء والإدارة وسائر مذاهب المعاش. وما أظن مصر حتى اليوم قامت بعمل أعظم من اهتمام رجالها هذه الآونة بافتتاح كتاتيب يتعلم فيها عامة بنيها ما يخرجهم عن طور الأمية ويلحقهم بالمتعلمين النافعين. وقد شهد كل عاقل ينظر في العواقب من آثار هذه الهمة القعساء ما يرجى معها إذا دامت على أشدها زمناً أن يزيد عدد الدارسين في هذا القطر على عدد الأميين من أهله وهناك أبشر بالخير الذي يعود من فضل هذه العناية على القطر المصري بل على سائر الأقطار والأمصار. وعسى أن يعتبر بهذه النهضة المباركة رجال البلاد المجاورة فيجنون من كتاتيبهم ومدارسهم لو توفروا على إصلاحها والاستكثار منها ما لا يأتيهم به الأماني والتعللات والله الملهم والمسدد. سيئات القرن الماضي من القضايا التي استلفتت الأنظار انتشاراً الأمراض العصبية في القرن التاسع عشر وخصوصاً في النصف الثاني منه انتشاراً لم يعهد من قبل على ما دخل المجتمع من الإصلاحات والتقلبات في حالتيه الطبيعية والأدبية. فلو طاف الباحث نصفي الكرة الأرضية وراقب عن أمم شرقها وغربها شمالها وجنوبها، مدنها الصغرى والكبرى، أصقاعها الباردة والحارة، لسمع الإنسانية تئن من تزايد الأمراض العصبية كل يوم وقد أصيبت بها أرباب الصناعات والحرف على اختلاف الأعمار والجنس ولم تعمل فيها انقلاب العادات وطرق المعيشة وأساليب الفكر والحس على ما حصل من ارتقاء العلوم الطبيعية وعلوم الحياة التي بها عرف ما كان من قبل مجهولاً من أمراض الدماغ وما انتهى إليه العلم من طبائع الأمراض العصبية وعللها ودلائلها. وارتقاء العلوم الطبيعية في هذا القرن لا يرفع الملام عن أطباء القرون الماضية لسكوتهم عن الأمراض العصبية. فقد نراهم أحسنوا معرفة الأحوال الطبيعية وظواهرها وراقبوها أحسن مراقبة وإن لم يعقلوا عليها شرحاً مرضياً. عرفوا حق المعرفة حقيقة البول السكري والصرع والتشنج وغيرها من الأدواء ولم يعرفوا الخناق وأنواع الحميات والهزال العصبي وهذيان الشيوخ وغيرها من الأوصاب المنتشرة بين أهل جيلنا. لا جرم أن كثرة الأمراض العقلية تستدعي نظر الحكومات والباحثين في الصحة والأخلاق فقد زاد عدد المجانين في أوروبا وأميركا زيادة عظيمة في أواخر القرن الماضي. والجنون على الجملة أربع طبقات: جنون مطبق، وجنون خبل، وجنون ناتج من خبال الشيخوخة، والبلاهة والتغفل والجنون كما قالوا فنون ويكون جنون الخبل ناتجاً من تعاطي الكحول فإن المدمنين للشراب ما برحوا ينمون نمواً عجيباً. وإنكلترا أكثر البلاد التي زاد فيها الجنون في هذه الأثناء. فقد كان عدد المعتوهين فيها سنة ١٨٦٦ - ٥٣ ألفاً فصار سنة ١٨٩٧ - ٩٩ ألفاً فالمعتوهون الآن واحد في كل ٢٩٣ بإنكلترا. وقد ثبت لدى أدباء بريطانيا أن مجانينهم كثروا بكثرة انهماك القوم في تناول الأشربة الروحية فإن ٣٣ في المائة من المعتوهين هم ممن يتعاطون المسكرات عندهم. وقد نشر حديثاً أحد نُطس الأطباء بحثاً دقيقاً في الجنون بالولايات المتحدة فثبت عنده بالإحصاء أن أكثر الولايات عرضة للجنون هي التي كثر تعاطي الأعمال الصناعية فيها في جنوبي البلاد. أما البلاد الزراعية فإن المصابين بها أقل من ذلك فتجد في مقاطعة الماساشوست مجنوناً في كل ٣٤٨ ساكناً على أنك لا تجد غير مجنون واحد في كل ٩٣٥ من مقاطعة الأركانساس. والجنون بين السود أقل انتشاراً منه بين البيض. ومادام الزنوج نازلين في الأرياف فهم في مأمن من ضياع العقل ولكن متى نزلوا الحواضر وأخذوا في مجاراة البيض ومجاذبتهم حبل الجهاد الاجتماعي يكثر فيهم هذا الداء فيملؤون البيمارستانات والمستشفيات. ومن أمراض هذا القرن ما عرفه أطباء الأمريكان من مرض دعوه نوراستينا أو ضعف المجموع العصبي. مرض يكثر انتشاره في البلاد التي تزدحم فيها أقدام السكان. ولم يعرفه قدماء الأطباء فخلطه بعضهم بفقر الدم وبعضهم بالهستيريا ومعظم المصابين به ممن صرفوا قبل الوقت قواهم العصبية في الإفراط بالشهوات من الرجال وممن ضعف تركيبهن النامي من النساء بتعدد الحمل والرضاع وممن أصابتهم خطوب وأهاويل واستولى عليهم أرق متتابع. بل ويصاب به أيضاً من صرفوا أوقاتهم منذ طفولتهم في استعمال قواهم العقلية بما لا تسمح به تراكيبهم ولا يعوض الغذاء ما يصرفونه من دقائق الدماغ على نحو ما ترى شباناً أنجزوا دروسهم ولم يستطيعوا التغلب على مصاعب الحياة فخانتهم قواهم وجهادهم فأضاعوا الثقة بأنفسهم وظنوها عجزت عن الغلبة على ما صادفوه في طريق حياتهم من المشاق فسدت قلة القوة الحيوية في وجوههم سبل الأعمال، وقلبت لهم تقلبات الزمن ظهر المجن، فأمسوا ولا يرون الأمور إلا من وجهتها التي لا ينبغي أن ينظر إليها فيحدث عندهم كل ما يرتاح إليه نظراؤهم كدراً ولهفاً. وتختلف أعراض هذا الداء حتى في الشخص الواحد في كل دور من أدواره ويكثر شيوعه بكثرة الشقاء الاجتماعي وتعدد أسباب الجهاد في الحياة. ومن أمراض هذا القرن ابتلاء بعضهم بالحقن بالمورفين تخفيفاً لبعض آلام تصيبهم أو تفادياً من تصور عوارض يخشون الوقوع بها وقد ابتليت المدنية الغربية بهذه الوصمة كما ابتليت المدنية الشرقية في الهند والصين وتركيا بوصمة التخدر بالأفيون. ومعظم من يخدرون حواسهم بالمورفين تسكيناً للآلام والأوصاب هم أهل العقول الكبيرة وربما كانوا ممن يعجب الناس بمواهبهم العلمية. وثلث المصابين به من الأطباء. وفيهم قادة الجيوش ورجال السياسة. وقد أقيمت مستشفيات في إنكلترا وألمانيا وفرنسا وأميركا ليقلع الداخلون إليها عن عادة استعمال هذا المخدر بالوسائط العلمية والعملية. ومن مفسدات الجنس البشري في هذا القرن التسمم بالكحول فقد زاد صرف المشروبات الروحية في النصف الأخير منه حتى قدر أحدهم خمسة من المائة يموتون في مستشفيات باريس من فعل الكحول. وأوربا سواء في استعمال الخمور اللهم إلا الأقاليم الشمالية الباردة والرطبة منها مثل روسيا والسويد ونروج وبلجيكا فإن شرب الكحول مألوف فيها كل الألفة ويفرط السكان في تناوله وخصوصاً طبقات العملة منهم. فقد أصاب الفرد في فرنسا سنة ١٨٧٦ أربعة ليترات من الكحول في السنة وأصاب الفرد في ألمانيا خمسة وفي إنكلترا ستة وفي روسيا عشرة إلى اثنتي عشر إلى عشرين لتراً بحسب الولايات والصناعات. ولم يجد فرنسا إكثارها من وضع الضرائب على الكحول إذ لم ينقص شاربوه. والتسمم بالمسكرات أخف وطأة في البلاد التي تجود فيها الكروم مثل إسبانيا وإيطاليا والبرتغال وجنوبي فرنسا وقلما يصيب الفرد فيها غير لتر واحد أو لترين في السنة. واختلفت بلاد الغرب في وضع قوانين لبيع المشروبات فاكتفى بعضها بالاحتكار وبعضها بضرب الضرائب الفاحشة. ونشأت فيها عدة جمعيات تحض الناس على الامتناع عن المسكرات. وهذه الجمعيات تعظم فائدتها كلما كثرت في كل صقع وناد وساعدتها الإرادة الشخصية. وقد زاد عددها في إنكلترا ونورمنديا وسويسرا والسويد يعرف القائمون بأعبائها بني قومهم بمضار الكحول الطبيعية والأدبية والعقلية. وأن الحكومات لتحسن صنعاً إذا أرادت معلمي المدارس على أن يقرئوا الأطفال شيئاً في قواعد الصحة ويدلوهم على ما تحدثه الكحول من سوء الأثر في الجسم وما ينتج الامتناع عنها من سعادة المرء والأسرة. تعليم اللغات إن تعليم اللغات على الطريقة التي جرى عليها الغربيون واقتبسها المشارقة قد تكون نظرية أكثر مما هي عملية فيطول أمرها ويصعب تناولها. ولطالما رأينا من يترجم أشعار شكسبير الإنكليزي أو بوالو الفرنسي وإذا رمته الأقدار في شوارع لندن أو باريس لا يطاوعه لسانه أن يلفظ كلمات يهتدي بها لوجه طريقه. ذلك لأن الطريقة في تعلمه تلك اللغة الأجنبية هي عين الطريقة التي يستخدمها الأوربيون في تعليم الصم والبكم بل عين النهج الذي ينهجه المغاربة في تعليم إحدى اللغات الميتة من لاتينية ويونانية أو إحدى اللغات الحية من إنكليزية وفرنسية وإيطالية وغيرها. إذ يكون تدريس النحو والصرف والترجمة من الكتب هو العدة في إتقان اللغات ويسهل على المعلم أن يدرس تلميذه على هذا النحو وربما أخذ في تعليمه لغة وهو لا يحسن أن يؤلف بين جملتين صحيحتين في تلك اللغة التي عهد إليه تدريسها ولم يجود التلفظ بها فكان شغله الشاغل تعليم تلامذته أصول التصريف والإعراب والترجمة على حين قد ثبت أن الدارس قد يستظهر قواعد لغة وقوانينها ولا يبرع في اللغة نفسها. وأسقم المذاهب في تعلم لغة أن يتكلم المرء بلغته في خلال تعلمه لغة غيرها. من أجل هذا قضت الحال أن تكون دراسة قواعد الإعراب والتصريف بعد معرفة اللغة معرفة عملية لا نظرية ولا تفيد الترجمة والنقل إلا إذا توفرت للطالب بادئ بدء معرفة الأساليب في اللغة الغريبة. فعلى من رام أن يتكلم لغة ويكتب فيها أن يفكر في تلك اللغة ويكون شعوره شعور أهلها فيها لا أن يصيغ تراجم وينقل جملاً. فتستدعي الأفكار والانفعالات للحال ما يحتاج إليه الطالب من الألفاظ التي يعبر بها عنها فتصير اللغة التي يتعلمها لغة ثانية له ولا تكون الترجمة من لغته أو إليها إذا دعت الحال حرفاً بحرف بل على طريقة تنقل بها الصورة إلى التعبير عنها. وقلما يسمع المتعلم في معظم المدارس اليوم صدى اللغة التي يتعلمها ويقتضي له أن يربي عليها أذنه وذاكرته ما أمكن. وما أشبه المدرس وهو يشرح للدارس دروسه بلغته الأصلية الابام تود أن تعلم طفلها وهوالكن تمام قواعد الفعل الماضي وتصريف الأفعال الشاذة بدلاً من أن تعنى بتعليمه أن يحسن تلفظ الكلمات الأولى التي يحاول لفظها. وما فتئ تعلم اللغات يختلف باختلاف الاجتهاد في كل قوم ومعظمه دائر في الغرب منذ ثلاثين سنة على طريقتين وهما إما أن يقيم المتعلم زمناً في بلد اللغة التي يريد تعلمها أو أن يكون أهل الطفل في سعة من العيش فيتخذون له مؤدباً أو مؤدبة يعلمه اللغة بالعمل بين ظهراني أهله وأسرته. وقد ابتدع الأستاذ برليتز الأميركاني طريقة سهلة لتعليم اللغات جرى عليها بعضهم في أميركا وأوربا فأسفرت عن نجاح أكيد. وطريقته عبارة عن نظر عقلي وعلم عملي وبلفظ آخر نظرٌ في المحسوسات لا المجردات إذ اللغة عبارة عن أصوات محكية لا عن إشارات مكتوبة. والتعليم سماعي أولاً ثم نظري. ولا يعمد في طريقته إلى الترجمة ولا إلى النقل ولا يستخدم فيها الطالب معجماً ولا يستصحب كتاب قواعد يل يتعلم الإنسان القوانين بعد لإكمال المعرفة العملية على نحو ما يتعلم الطفل لغة أبيه وأمه. وليس في تعلم القواعد نفع حقيقي إلا متى عرف المرء اللغة فالقواعد تشرح اللغة شرحاً علمياً فتبحث عن علل يتأتى الاستغناء عنها بادئ بدءٍ وقلما تنفع في تلقين اللغة شأن مصور لا يحتاج إلى إتقان العلوم الطبيعية والكيماوية ليصنع صوراً شمسية بديعة. ما اللغة في الحقيقة إلا صورة محكية من الحياة فاقتضى في تعلمها أن يسير الإنسان من نفس الحياة لا أن يعمد إلى أشكال من التعبير لا تمس ولا تتحرك. وقلما تتلاءم الألفاظ وصور الأفكار بين لغة وأخرى كل التلاؤم فالبداءة بالترجمة الحرفية من لغة إلى لغة يراد تعلمها إضاعة للوقت وإتعاب للذهن على غير طائل. ومن العسر المتعذر أن يرسم المرء صورتين رسماً خفيفاً على حين لا يضع إحداهما على الأخرى وكذلك الحال في اللغات فقد امتنع أن يحكم وضع لغتين بعضهما على بعض. واللغة بموجب هذه الأصول الجديدة عبارة عن محادثة دائمة باللغة الغريبة فكل ما يقع نظر التلميذ عليه مباشرة يكون له منه مادة درس وموضوع تعلم. وذلك بتربية الأذن والحواس الصوتية. فيلقن الأستاذ تلميذه حسن اللفظ وسرعة التركيب فيدرس الأفعال الأولى بالأعمال والحركات يقوم ويذهب إلى اللوح الأسود فبكتب ويفتح الباب ويرفع الكتاب ويضعه ثم تعرض على سمعه مشاهد الحياة اليومية فيسهل عليه تأليف جمل صغيرة يتزايد كل يوم عددها بسرعة. فيكون للتلميذ بهذه الطريقة في تأليف الجملة ما يلزمه من أوليات القواعد والروابط. والأمم بأسرها تتعلم لغاتها بالعمل أولاً ثم بالنظر. فيتعلم المتعلم ما تمس حاجته إليه إلى أن يكتب بدون غلط ويتعلم التلميذ أولاً معاني الكلمات الغريبة ثم يلقن التمرينات العديدة بعد معرفة اللغة معرفة فطرية فمعرفة عقلية. ومن اللازم اللازب الاعتياد على الصور قبل القواعد. ثم يبدأ المعلم بالسؤال فيجيبه المتعلم ولا يزالان ينتقلان من البسيط إلى المركب ومن شرح المفردات إلى تفسير العبارات ويكون كل ذلك باللغة التي يراد إتقانها. وللفظ في هذه الطريقة المقام الأعلى. ولم يكن يعنى بتقويمه من قبل. والأساتذة الذين يحسنون التلفظ بلغة ما هم ممن تعلموها على الأسلوب الطبيعي في طفوليتهم أو أتقنوها بمقامهم في البلاد التي تتكلم فيها تلك اللغة. وجودة التلفظ هو روح اللغة على التحقيق. ولا تعد العبارة شيئاً مهما بلغت من الضبط متى قبح اللفظ وتجلت الأعجمية فيه عياناً. ومن الهجنة أن التلفظ لا يكاد يصلح إذا فسد لأول أمره. وصعب على الإنسان ما لم يعود. فالطريقة المشار إليها مغايرة لطريقة الترجمة المألوفة في الأغلب إذ كل معرفة يرشد إليها المتعلم على هذه الصورة لا تحسب ناقصة الجهاز مشوشة الأسلوب. وقلما تجد الألفاظ في لغة ما يقابلها في لغة ثانية ولكل لغة اصطلاحاتها الخاصة بها ليس للترجمة مهما أتقنت أن تنقلها على أصلها إذ التصورات التي تمثلها لغة لا تتحد مع تصورات تمثلها ألفاظ لغة أخرى اتحاداً ذاتياً معنىً ومبنىً. كتب أحد الغرباء إلى فنيلون العالم الفرنسي المشهور إن لي منك يا مولاي أمعاء والد يريد أن يقول قلب والد وقال الفونس الثاني عشر ملك إسبانيا وقد جاء قصره في يوم احتفال: أتود أن تتعب معي نحو النافذة يعني بذلك أن تقترب نحو النافذة. ولو تعلم ذاك الكاتب وهذا الملك أن يتكلما الفرنسية على طريقة الأستاذ برليتز إذاً لنجيا من هذا الغلط الشائن وكان شأنهما في سهولة التعبير وجودة التصوير شأن أولئك التجار والسوقة ممن ينزلون بلاداً لا يحسنون لغتها فما هو إلا قليل حتى يمرنوا على تكلمها زمناً فيحسنونها ولا إحسان من تعلموها على دكات المدارس وهم يقلبون المعاجم ويتأبطون كتب نحوها وصرفها وبيانها ناقلين ناسخين مستظهرين ناسين. وطريقة برليتز هذه أن يستعمل أولاً اللغة المتعلمة خاصة وأن يتابع التصور في اللغة الغريبة مباشرة بدون وساطة اللغة الأصلية وأن تُعلَّم أسماء الأعيان بقوة الحس وتعلم أسماء المعاني بتتابع التصور ويدرس النحو بالأمثلة والشواهد. هذا مذهب الأستاذ برليتز في إتقان ملكة اللغات وقد انتقل من نيويورك إلى باريس عام ١٨٨٩ فأسست في هذه العاصمة أول مدرسة على تلك الطريقة وانتقل هذا المذاهب في تلك السنة إلى إنكلترا وألمانيا فأسست في كل من لندن وبرلين مدارس لهذا الغرض. وما برحت مدارسها تتكاثر في الأصقاع الأوربية حتى كانت في بدء هذه السنة ٢٤٢ مدرسة في أوربا وحدها وكلها أسفرت عن ارتقاء واقتصاد في الوقت والمال وطريقة القائمين بهذا الأمر أن يكون لكل تلميذ أستاذه الخاص به فيأخذ هذا يعلم تلميذه ما يقع نظره عليه في قاعة الدرس من منضدة وكرسي وكتاب وباب ونافذة يلفظها بلغتها ولا يزال يكررها المتعلم حتى يتقن التلفظ فإذا نفذت المسميات لدى الأستاذ في الغرفة يعمد إلى صور سهلة واضحة رسمت على صفحات مجموعة رسوم فما هو إلا أن يتعلم التلميذ أسماء الأشياء الواقعة تحت حسه مع الألوان التي يمتاز بها كل منها ثم ينتقل إلى صفات الحجم وأفعال الحركات والأعداد. فإذا أنجز درس الأشياء يشرع المعلم في اختيار جمل يكون التلميذ قد عرف أكثر مفرداتها. فلا يمضي ثلاثون درساً إلا وقد عرف التلميذ الأفعال الشائعة في الاستعمال والمفردات التي تدخل غالباً في الأحاديث العامة ويتمكن في ستين درساً من بيان فكره أصح بيان ف يكل ما له علاقة بمجرى الحياة الاجتماعية العادي. ويحسن في اختيار المعلمين أن يكونوا ممن لا يعلمون لغة المتعلم. ومما يضحك ما وقع لولد أحد كبار المنشئين الفرنسيين وكان يدرس الألمانية على طريقة برليتز قيل أنه لما بلغ به المعلم إلى تمييز الفعل المتعدي من اللازم لم يفهم التلميذ المراد من المتعدي واللازم وأخذ معلمه يشرحهما له بالإشارة تارة والتشبيه طوراً فلم يفلح وكان تلميذه معه كأعجم طمطم لا يفهم ولا يُفهم. وأبى الأستاذ على تلميذه أن يفسر له شيئاً بلغته مع إلحاحه عليه في ذلك وراح الطفل إلى دار أبيه وقد بلغ منه الغيظ وأنشأ يقلب كتاب نحوه يفتش عن الأشكال فاهتدى بنفسه إلى حله وشكا أمره إلى والده فقال له: أي بني لقد أحسن الأستاذ أن أبى عليك شرح ما يريد تعليمك بلغتك ولو قاله لك لغرب عن ذهنك وأصبح لديك بعد زمن نسياً منسياً. أما الآن فإني على ثقة من أنك لا تنسى التفرقة بين الفعل اللازم والمتعدي ولو بعد مائة سنة. قال الكاتب الذي عربنا عنه هذا المبحث وقد كاد أرباب الأفكار والحصافة يجمعون على أن اللغات الحية لا تعلم كاللغات الميتة بل أنه لابد في الأولى من المران على التكلم بها من أول وهلة وأنه ما من لغة مهما تراءى من صعوبتها على المتعلمين بادئ بدء سواء كانت اللغة الروسية أو الهندية أو العربية أو الصينية إلا ويتيسر إتقانها على طريقة برليتز في مدة تختلف باختلاف ذكاء المتعلم وصعوبة اللغة والله أعلم. الأخلاق الفاضلة نعمنْ بنفسي وأشقينني فيا ليتهنَّ ويا ليتني خلال نزلنْ بخصب النفو س تروَّيتهن وأظمأنني تعودنْ مني إباء الكريم وصبر الحليم وتيه الغني وعودتهنَّ نزال الخطوب فما ينثنين وما أنثني إذا ما لهوت بليل الشباب أهبن بعزمي فنبهنني فما زلت أمرح في قدهنَّ ويمرحن مني بروض جني إلى أن تولى زمان الشباب وأوشك عودي أن ينحني فيا نفس إن كنت لا توقنين بمعقود أمرك فاستيقني فهذي الفضيلة سجن النفوس وأنت الجديرة أن تسجني فلا تسأليني متى تنقضي ليالي الأمسار ولا تحزني ماهية الحياة للشاعر بيلي الإنكليزي قدروا الحياة بأزمان وذا خطأٌ إن الحياة هي الأعمال والفكر إن الحياة شعور لا يراد بها وسم الضياء ولا أنفاس تنحصر لو فكروا جعلوها خفق أفئدةٍ من التأثر لكن فاتهم نظر وأطول الناس أعماراً أسدهم رأياً وحساً وأعمالاً لها خطر التمثيل في الإسلام للتمثيل يدٌ في تربية الملكات وترقيق الشعور والإحساس يعده الغربيون من العوامل في إنهاض الأمم، ويعده العامة من المسليات. وما هو إلا أُمثولات، ويراه فريق هزلاً، وما هو إلا عين الجد. وأيُّ نفس لا تتأثر بالفضيلة والرذيلة. والسعادة والشقاء. والماضي والحاضر. والمفجع والمطرب. وكأن الغرب خُصَّ بمزية التمثيل كما اختص بكثير من المزايا ولم ترج سوقه في الشرق في عصر من العصور إلا في مملكة الشمس المشرقة بلاد يابان فإن التمثيل فيها قديم كما نقل أحد الفرنجة وقد جاءت إلى بلاد الألمان ممثلة يابانية منذ بضع سنين اسمها سادايا كو من أعظم الممثلات اليابانيات فأدهشت القوم بتمثيلها. وليس من حجة تاريخية يستأنس بها على وجود التمثيل عند العرب غير عبارة كنت قرأتها في بعض أسفار كمال بك الشهير وأظن في مقدمة روايته جلال الدين خوارزمشاه تشعر بأن عرب الأندلس عرفوا التمثيل واشتغلوا به قليلاً. وما أدري على أي شيء بنى هذه الحادثة التاريخية على حين يكاد يكون في حكم الإجماع اتفاق الباحثين في مدنية المسلمين على أنهم ما عرفوا التمثيل على نحو ما كان عليه عند أمم الحضارة القديمة. قال أحد فضلاء الألمان أن التمثيل لم يشتغل به العرب بداعي غلظ حجاب النساء عندهم والحظر عليهم في الخروج والتمثيل لا يتم بدون مثول النساء فيه. ذاكرت مرة أحد الأئمة في معنى التمثيل عند المسلمين فقال أنه من خصائص الجنس الآري وأن الجنس السامي ومنه العرب لا يعرف التمثيل ولا شغل نفسه به لأن حالته لا تقتضي ذلك. ولعل الفرس ألفوا كتاب ألف ليلة وليلة لأنهم من جنس آري وفي هذا الكتاب شيء من التمثيل. والعلوم والفنون تحدث في الأمم بحسب الدواعي والبواعث وفي العربية شيء من الروايات وقطع تمثيلية ولكنها مبعثرة غير منظمة. وسألت أحد الحكماء عن ذلك فقال ليس التمثيل طبيعياً في الأمم والعرب يأنفون منه لما عرفوا به من الأخلاق فيرون من سقوط المروءة أن يمثل مجلس الأمير أو الوزير وإن كان لا يخلو من حكمة فكيف بمجلس صبابة وغرام. أما اليونان فقد ابتدعوا التمثيل لأن لهم خيالات وتصورات خصوا بها دون سائر الأمم ونقل الأوربيون التمثيل عن اليونان لأنهم أرادوا أن يتشبهوا بهم حذو القذة بالقدة. وهناك أسباب أخرى زهدت المسلمين في التمثيل ذلك لأنهم أمة لم تنقل عن غيرها إلا ما مست حاجتها إليه وانطبق مع عاداتها وليس العرب أمة خيال بل أمة حس وحقيقة. هذا ما قاله العالمان المشار إليهما. وأنت ترى أن التمثيل في بلادنا حديث النشأة. كانت بعثته الأولى سنة ١٣٨٢ هـ في سورية ومنها انتقل إلى مصر. وما برحت حاله تتقلب بين هبوط وصعود وإن لم يعد ذلك صعوداً بالنسبة للأمم الراقية. وليس ذلك فيما أحسب إلا لانقطاع الرغبات في الآداب العربية واقتصار القوم من التمثيل على الأغاني والمناظر لا على المعنويات والجواهر. التناسل الغريب سمعت وأنا صبيٌّ رجلاً من سراة بغداد يقول لوالدي يوماً أن في ضواحي مدينتنا شيخاً كبيراً له من الولد وولد الولد ما يربو عددهم على خمسمائة نسمة ذكوراً وإناثاً. قال وكان ربُّ هذه العيلة يدعو من ولدوا منه كل شهر إلى داره الخاصة به ويأدب لهم مأدبة يمنح في ختامها كل فرد من أفرادهم قطعة من الدراهم بثلاثة قروش. يريد بذلك اتصال الصلات الأبوية بين الأصل والفرع. وربما سأل أحدهم أو إحداهن وهو يستعرضهم عن اسمه أو اسم أبيه وأمه لأنه كان بلغ سناً تغرب فيها عن الذهن الأسماء. سمعت هذا واستعظمت العدد لكن مقال البغدادي لا يخلو من حقيقة وإن حوى شيئاً من المبالغة شأننا معاشر المشارقة في تكثير الأرقام. ومازلت أيضاً استعظم ما يُروى من أن أبا الطيب المتنبي كان يركب ويركب معه خمسون فارساً من ولده فإذا سُئل عنهم يجيب بأنهم عشيرته خشية عليهم من العين بزعمه. إلا أن حادثة أولاد المتنبي وهم عشر عدد ذاك العراقي يقبلها العقل سيما وإنا نرى لعهدنا ما يشفع بها من تكاثر الذرية فقد اتصل بي أن في إحدى بلاد الأقاليم في مصر أسرة من صلب واحد تتجاوز ثمانين نسمة على أن الأسرات التي يناهز عددها العشرات كثيرة في هذه الديار. وفي إحدى الصحف الإفرنجية أن للترنسفال من هذا المعنى حظاً وافراً قالت: إن قواد الترنسفاليين في حربهم الأخيرة لم يكونوا وحيدين في عيالهم وربما كان لأكثرهم من البنين ما يزيد على عشرة أو خمسة عشر. وإن دار الحرب صمت رجلاً وستة من أولاده يحملون السلاح حمله له. ويقاتلون أعداءهم مثل قتاله أو أشد. وفي الترنسفال أيضاً امرأة رزقت ثمانية عشر ولداً. ومن المشهودات اليوم أن المهاجرة الأول إلى أميركا قد ضعف تناسلهم حتى استدعى هذا الأمر نظر الرئيس روزفلت وأخذ يستطلع طلع آراء العلماء في ملافاة خطبه الجلل. ذلك لأن حياة المدن وما يلقاه أهلها من النصب وخصوصاً في الولايات المتحدة قد أضعفت مادة حياة أولئك الطوارئ مما لم يسبق له مثيل في تاريخ الجنس البشري. بيد أن من غيروا مساكنهم وراحوا إلى داخلية البلاد منهم أمسوا يرزقون من الأولاد كأكثر المتناسلين وكثير فيهم من بلغ ولده العشرة. وفي غاليسيا اليوم أسرة عدد أعضائها ٣٢٦ كلها من الجيل الأول والثاني وهي أكبر أسرة في العالم. وربها من شيعة المورمون القائلة بتعدد الزوجات. ويكثر بين اليابانيين حتى في المدن من يرزق عشرة بنين وبنات أما في القرى فيكثر من يكون له عشرون ولداً. والروس كثير نسلهم. وقد عرض أحدهم ذات يوم على الإمبراطورة كاترينا الثانية تسعين ولداً من صلبه. وفي قازان خمس وعشرون أسرة فيها ثلاثون ولداً أحياء. ومن الدلائل على كثرة تناسل الروسيين أن إحدى نسائهم ولدت ولدها الثامن عشر وهي في السنة السادسة والتسعين. ولو لم يثبت هذا الخبر عند العلماء بالبرهان الصحيح لعدوه من الأحاديث الموضوعة إذ مازال الناس يرون من المستحيل بل رابع المستحيلات حمل النساء في سن اليأس. ولئن خف بين أهل إسبانيا معدل التولد إلا أنك لا تزال ترى في بعض أقطارها أسرات يعد أفرادها بالعشرات. وفي العرب أسرات كبيرة العدد كثيرة الحصا وإن هلك بعض بنيهم صغاراً لقلة العناية بصحتهم ولعل ذلك قضى أن تكون حركة الجنس العربي على وتيرة واحدة لا قلب فيها ولا إبدال. وجماع الأمم الغربية تتناسل تناسلاً غريباً ما خلا فرنسا التي منيت بقلة النسل وعقلاء أهلها في المقيم المقعد من سوء عاقبة ذلك. التربية والتعليم العمل والعملة في الحديث كلكم حارث وكلكم همام. والحارث الكارث واحتراث المال كسبه والإنسان لا يخلو الكسب طبعاً واختياراً. والهمام مشتق من هم بالأمر يهم إذا عزم عليه. قال الراغب الأصفهاني: العمل كله فعل يصدر من الحيوان يقصده فهو أخص من الفعل لأن الفعل قد ينسب إلى الحيوانات التي يقع منها فعل بغير قصد وقد ينسب إلى الجمادات والعمل قلما ينسب إلى ذلك ولم يستعمل في الحيوانات إلا في قولهم الإبل والبقر العوامل. قال علماء اللغة: واعمله استعمله واعتمل اضطرب في العمل وقيل عمل لغيره ورجل عمِل وعمول ذو عمل ورجل عمول كسوب. والعُمالة رزق العامل الذي جعل له على ما قلد من العمل والعملة العاملون بأيديهم ضروباً من العمل في طين أو حفر أو غيره. والعامل هو الذي يتولى أمور الرجل في ماله وملكه وعمله. واستعمل غيره إذا سأله أن يعمل له واعمله أعطاه عمالته. قال باور: يشكو بعض العملة من حظهم وسوء طالعهم ويقولون لو كان لنا من الأمر شيء ما خلقنا عملة وما حالهم في شكواهم إلا حال من يشكو من كونه خلق إنساناً. فالعمل قانون الطبيعة البشرية وهو شريف بذاته في نظر العقل مقدس مبارك كيفما كانت الطرق التي يجري عليها والغاية التي يرمي إليها. والعملة صنفان: صنف يعمل ذكاؤهم فقط ويدعون عملة الفكر أو أرباب الصناعات الفكرية وهم الذين يتعاطون الأعمال الملقبة بالأعمال الحرة. والصنف الآخر طبقة العملة بأيديهم وأجسامهم وهم أوفر عدداً وأكثر سواداً. هؤلاء العملة هم الأولى يعملون في القرى والمدن ويتبارون في استخراج نتاج الطبيعة على اختلاف عناصرها ويكيفون تلك النتائج بحيث تصلح لما يتطلبه المجتمع من الحاجيات. وهذا الضرب من العملة قسمان أيضاً: زراع وصناع والفئة الثانية مفضلة إلا أن كلتيهما حريتان بالاعتبار والإكرام. حياة العامل أضمن مراتب الحياة الإنسانية بأسرها لأن له من فكره رأس مال لا يسلبه إلا بفقد صحته وزوال كيانه. وليس هذا النوع من الثروة عرضة للأخطار كسائر أنواع الثروة إذ العمل للمجتمع البشري بمثابة التنفس في الحياة ولا يتأتى توقيف حركة العمل والتنفس بدون أن يؤدي هذا الانقطاع إلى بحران عظيم قد يودي بصاحبه إلى الفناء إذا دام على أشده. وإن حياة الصناع لتستدعي نشاطاً أكثر وحركة دائمة وإذا حدث في الأحيان أن فترت الصناعة موقتاً في بلاد فإن بلاداً غيرها تتطلب نزول أهلها فيها. ومن اعتاد أن يستخدم قواه الطبيعية مدفوعاً بعامل العقل والذكاء يجد له بسطة في الرزق حيث حل من أرض الله. قال أحد عقلاء الأقدمين ليس للقدر سبيل إلي فيسلبني مالي لأني حيثما رمت بي تصاريفه لا أخاف الفاقة ولا اضطر إلى سداد من عوز إذ أحمل ثروتي كلها معي وهو كلام يصدق على العالم كما يصدق على العامل كل الصدق. لأن العامل لا يعدم من يحتاج إليه في أي ناحية رمته فيها يد الأقدار وكيفما قلبته صروف الدهر فعيشه أكثر ضماناً من عيش العالم مادام له من عمله مهارة، ومن جسمه قوة، وما عليه أن يتعلم لغة قوم ينزل عليهم لأن عمل يديه ينوب في خطاب من يود خطابه. وللعامل من الاستقلال ما يفوق به سائر طبقات الناس وإن لم يتأتَ لامرئ في العالم أن يستمتع بالاستقلال المطلق. وذلك لأن العامل في غنى عن التزلف والملق لا يحتاج إلى من يمد إليه يد المعونة إذ قلما يحاذر أن يكون له ممن يجاريه ما يحرمه التمتع بعمالته فإن من يعمل له محتاج للعامل الذي يفوق غيره في أمانته ومهارته. فكما أن العامل يحتاج لمن يعمل له فهذا محتاج للعامل أيضاً والحاجة بينهما متبادلة فليس في ذلك غضاضة على العملة البتة. صحف منسية نصائح ابن حزم باب عظيم من أبواب العقل والراحة وهو طرح المبالاة بكلام الناس واستعمال المبالاة بكلام الخالق عز وجل بل هو العقل كله والراحة كلها. من قدر أنه يسلم من طعن الناس وعيبهم فهو مجنون. من حقق النظر وراض نفسه على السكون إلى الحقائق وأن المها في أول صدمة كان اغتباطه بذم الناس إياه أشد وأكثر من اغتباطه بمدحهم إياه لأن مدحهم إياه إن كان بحق وبلغه مدحهم له أسرى ذلك فيه العجب فأفسد بذلك فضائله وإن كان بباطل فبلغه فسر فقد صار مسروراً بالكذب وهذا نقص شديد. وأما ذم الناس إياه فإن كان بحق فبلغه فربما كان ذلك سبباً إلى تجنبه ما يعاب عليه وهذا حظ عظيم لا يزهد فيه إلا ناقص. وإن كان بباطل فصبر اكتسب فضلاً زائداً بالحلم والصبر. لو لم يكن من فضل العلم إلا أن الجهال يهابونك ويحبونك وأن العلماء يحبونك ويكرمونك لكان ذلك سبباً إلى وجوب طلبه فكيف بسائر فضائله في الدنيا والآخرة. لو لم يكن من نقص الجهل إلا أن صاحبه يحسد العلماء ويغبطه نظراؤه من الجهال لكان ذلك سبباً إلى وجوب الفرار منه فكيف بسائر رذائله في الدنيا والآخرة. لو لم يكن من فائدة العلم والاشتغال به إلا أنه يقطع المشتغل به عن الوساوس المضنية ومطارح الآمال التي لا تفيد غير الهم وكفاية الأفكار المؤلمة للنفس لكان ذلك أعظم داع إليه. من شغل نفسه بأدنى العلوم وترك أعلاها وهو قادر عليه كان كزارع الذرة في الأرض التي يجود فيها البر وكغارس الشعراء شجرة من الحمض ليس لها ورق ولها هدب تحرص عليها الإبل حرصاً شديداً تخرج عيداناً شداداً حيث يزكو النخل والزيتون. نشر العلم عند من ليس من أهله مفسد لهم كإطعامك العسل والحلواء من به احتراق وحمى وكتشميمك المسك لمن به صداع من احتدام الصفراء. الباخل بالعلم ألوم من الباخل بالمال لأن الباخل بالمال أشفق من فناء ما بيده والباخل بالعلم بخل بما لا يفنى على النفقة ولا يفارقه مع البذل. من مال بطبعه إلى علم ما وإن كان أدنى من غيره فلا يشغلها بسواه فيكون كغارس النارجيل بالأندلس وكغارس الزيتون بالهند وكل ذلك لا ينجب. احرص على أن توصف بسلامة الجانب وتحفظ من أن توصف بالدهاء فيكثر المتحفظون منك حتى ربما أضر ذلك بك وربما قتلك. وطن نفسك على ما تكره يقلُّ همك إذا أتاك ولم تتضر بتوطينك أولاً ويعظم سرورك ويتضاعف إذا أتاك ما تحب مما لم تكن قدرته. الوجع والفقر والنكبة والخوف لا يحس أذاها إلا من كان فيها ولا يعلم قيمتها إلا من كان خارجاً عنها وليس يراه من كان داخلاً فيها. الأمن والصحة والغنى لا يعرف حقها من كان فيها. وجودة الرأي والفضائل وعمل الآخرة لا يعرف فضلها إلا من كان من أهلها ولا يعرفه من لم يكن منها. التهويل بلزوم زي ما والاكفهرار وقلة الانبساط ستائر جعلها الجهال الذين مكنتهم الدنيا أمام جهلهم. ثق بالمتدين وإن كان على غير ديتك ولا تثق بالمستخف وإن أظهر أنه على دينك. من استخف بحرمات الله فلا تأمنه على شيء تشفق عليه. وجدت المشاركين بأرواحهم أكثر من المشاركين بأموالهم وعلة ذلك طبيعية في البشر إنما تأنس النفس بالنفس فأما الجسد فمستثقل مبروم به ودليل ذلك استعجال المرء بدفن حبيبه إذا فارقته نفسه وأسفه لذهاب النفس وإن كانت الجثة حاضرة بين يديه. خطأ الواحد خير في تدبير الأمور من صواب الجماعة التي لا يجمعها واحد لأن خطأ الواحد في ذلك يستدرك وصواب الجماعة يضري على استدامة الإهمال وفي ذلك الهلاك. سوء الظن يعده قوم عيباً على الإطلاق وليس كذلك إلا إذا أدى صاحبه إلى ما لا يحل في الديانة أو إلى ما يقبح في المعاملة وإلا فهو حزم والحزم فضيلة. من عيب حب الذكر أنه يحبط الأعمال إذا أحب عاملها أن يذكر بها وكاد يكون شركاً لأنه يعمل لغير الله تعالى وهو يطمس الفضائل لأن صاحبه لا يكاد يفعل الخير حباً للخير لكن ليذكر به فواجب على المرء ترداد النصح رضي المنصوح أو سخط تأذى الناصح بذلك أو لم يتأذ إذا نصحت فانصح سراً لا جهراً أو بتعريض لا تصريح إلا أن لا يفهم المنصوح تعريضك فلابد من التصريح ولا تنصح على شرط القبول منك فإن تعديت هذه الوجوه فأنت ظالم لا ناصح وطالب طاعة وملك لا مؤد حق ديانة وأخوة. . . لا تنقل إلى صديقك ما يؤلم نفسه ولا ينتفع بمعرفته فهذا فعل الأرذال ولا تكتمه ما يستضر بجهله فهذا فعل الشر. الناس في بعض أخلاقهم على تسع مراتب فطائفة تمدح في الوجه وتذم في المغيب وهذه صفة أهل النفاق والعيابين. وهذا خلق فاش في الناس غالب عليهم. وطائفة تذم في المشهد والمغيب وهذه صفة أهل السلاطة والوقاحة من العيابين. وطائفة تمدح في الوجه والغيب وهذه صفة أهل الملق والطمع. وطائفة تذم في المشهد وتمدح في المغيب وهذه صفة أهل السخف والنواكة. وأما أهل الفضل فيمسكون عن المدح والذم في المشاهد ويثنون بالخير في المغيب أو يمسكون عن الذم وأما العيابون البراء من النفاق والقحة فيمسكون عن المدح وعن الذم في المشهد والمغيب. مما ينجع في الوعظ الثناء بحضرة المسيء على من فعل خلاف فعله فهذا داعية إلى عمل الخير وما أعلم لحب المدح فضلاً إلا هذا وحده وهو أن يقتدي به من يسمع الثناء ولهذا نوجب أن نؤرخ الفضائل والرذائل لينفر سامعها عن القبيح المأثور عن غيره ويرغب في الحسن المنقول عمن تقدمه ويتعظ بما سلف. وتأملت كل ما دون السماء وطالت فكرتي فوجدت كل شيء فيه من حي وغير حي طبعه إن قوي أن يقلع عن غيره من الأنواع كيفياته ويلبسه صفاته فترى الفاضل يودُّ لو كان الناس فضلاء وترى كل من ذكر شيئاً يحض عليه بقول أو فعل أمراً مداوماً وكل ذي مذهب يود لو كان الناس موافقين له وترى ذلك في الغياض إذا أحال بعضها على بعض أحاله إلى نوعيته وترى ذلك في تركيب الشجر وفي تغذي النبات والشجر والماء ورطوبة الأرض وإحالتها ذلك إلى نوعيتها. نكات الوهراني كتب الوهراني على لسان بغلته إلى الأمير عز الدين موسك فقال: المملوكة ريحانة بغلة الوهراني تقبل الأرض بين يدي المولى عز الدين حسام أمير المؤمنين، نجاه الله من حر نار السعير، وعطر بذكره قوافل العير، ورزقه من القرط والتبن والشعير، وسق مائة ألف بعير، واستجاب فيه صالح الأدعية من الجم الغفير، من الخيل والبغال والحمير، وتنهي كل ما تقاسيه من مواصلة الصيام، وسوء القيام، والتعب في الليل والدواب نيام، قد أشرفت مملوكته على التلف، وصاحبها لا يحتمل الكلف، ولا يوقن بالخلف، ولا يحل به البلاء العظيم، إلا في وقت حاجتي إلى القضيم، لأنه في بيته مثل المسك والعبير. . . فشعيره أبعد من الشعرى العبور، لا وصول إليه ولا عبور، وقرطه أعزُّ من قرط مارية، لا يخرجه بيع ولا هبة ولا عارية، والتبن أحبُّ إليه من الابن، والجلبان، أعز من دهن البان، والقضيم، بمنزلة الدر النظيم، والفصة، أجمل من سبائك الفضة، وأما الفول، فمن دونه ألف باب مقفول، فما يهون عليه أن يعلف الدواب، إلا بعيون الآداب، والفقه اللباب، والسؤال والجواب، وما عند الله من الثواب. ومعلوم يا سيدي أن البهائم، لا توصف بالحلوم، ولا تعيش بسماع العلوم، ولا تطرب إلى شعر أبي تمام، ولا تعرف الحارث بن همام ولاسيما البغال، التي تشتغل في جميع الأشغال، شبكة من القصيل، أحب إليها من كتاب التحصيل، وقفة من الدريس، اشتهى إليها من فقه محمد بن إدريس لو أكل البغل كتاب المقامات، مات، فإن لم يجد إلا كتاب الرضاع، ضاع ولو قيل له أنت هالك، إن لم تأكل موطأ مالك، ما قبل ذلك. وكذا الجمل، لا يتغذى بشرح أبيات الجمل، وحزمة من الكلاء، أحب إليه من شعر أبي العلاء، وليس عنده طيب، شعر أبي الطيب. وأما الخيل، فلا تطرب إلا لسماع الكيل، وإذا أكلت كتاب الذيل، ماتت في النهار قبل الليل، والويل لهاثم الويل. ولا تستغني الأكاديش، عن الحشيش، بكل ما في الحماسة من شعر أبي الحريش. وإذا أطعمت الحمار، شعر ابن عمار حل به الدمار، وأصبح منفوخاً كالطبل، على باب الإسطبل. وبعد هذا كله قد راح صاحبهما إلى العلاف، وعرض عليه مسائل الخلاف. وطلب من بيته خمس قفاف، فقام إليه بالخفاف، فخاطبه بالتقعير، وفسر عليه آية العير، وطلب منه ويبة كذا شعير، فحمل على عياله ألف بعير، فانصرف الشيخ منكسر القلب مغتاظاً من الثلب، وهو أنجس من ابن بنت الكلب، فالتفت إلى المسكينة، وقد سلبه الغيظ ثوب السكينة، وقال لها إن شئت أن تكدي فكدي، لا ذقت شعيراً ما دمت عندي: فبقيت المملوكة حائرة، لا قائمة ولا سائرة، فقال لها العلاف لا تجزعي من حباله ولا تلتفتي على سباله، ولا تنظري إلى نفقته، ولا يكون عندك أخس من عنفقته. وصف الجرائد لا يذهب عليك أن مثل هذه الصحف الخبرية وأوراق الحوادث الدورية، ليس من شأنها أن تختص بأمة معلومة من الناس، على رأي واحد من الاعتقاد، في بقعة مخصوصة من الأرض، حتى يتيسر لصاحبها أن يتقيد بعوائدهم، ويبني على قواعدهم، ويراعي ما يكون موافقاً لعقائدهم، بل الشأن فيها أن تنتقل من بلد إلى بلد، وتتداول من يد إلى يد، بين أقوام مختلفي الطباع، متبايني الأوضاع، متخالفين في العقائد، غير متفقين في العوائد، فالإتيان بما يوافق جميع الآراء، ويطابق عامة الأهواء، توفيق بين الأضداد، وأصعب من خرط القتاد، وإنما هي كالمطر ينزل على الأرض الطيبة والخبيثة، ثم تنبت كل بحسب طينتها، وكالمغني يقول ما ينطق به لسانه، وينبعث إليه خاطره، ثم كل سامع يذهب فيه مذهبه، ويأخذه على حسب ما عنده، ويتوجه منه إلى ما قصده، ويوجهه لما أراده، على وفق غرضه وهواه، وعلى حسب نظره ومرماه، وكالبضاعة المعرضة للبيع المعروضة على أنظار العامة، يأخذ منها كل واحد ما يعجبه ويستحسنه نظره، فربما كان الشيء الواحد مستحسناً عند واحد من الناس لوجه مخصوص مذموماً عند آخر لا يذمه إلا لذلك الوجه الذي استحسنه به الأول. والعاقل الكيس يستفيد من كل كتاب يراه ما يرضاه ويدع ما وراءه مما يجده خلاف ما يعتقده ولا يدع كثيراً ينفعه لقليل لا يضره. هذا تفسير الكشاف فيه مواضع من الاعتزال أفيترك اللبيب المحصل من أهل السنة ما فيه من المزايا الجمة، والفوائد المهمة، والأسرار التأويلية، لما معها من تلك المواضع الاعتزالية، لا بل يستفيد محاسن ما فيه، ويترك ما وراء ذلك مما لا يرتضيه، ولذلك عكف عليه المحصلون، واعتنى بخدمته العلماء العاملون، بل عدّ في مناقب بعض علماء السنة السنية، أنه عكف عليه أحقاباً مديدة من الدهر، وصرف عليه مدة طويلة من العمر، اغتناماً لما فيه من العلم النافع، ولم يتركوه من أجل تلك المواضع، ومصداق ذلك ما ورد من أن الحكمة ضالة المؤمن يلتقطها حيث وجدها فهو أولى بها كما قيل: إن العلوم كأثمار على شجر فاجن الثمار وخلّ العود للنار  مثاله رجل وجد في طريقه عقداً نفيساً فيه جوهر عظيم وفي أثنائه شيء من الخرز فإن كان فيه مسكة من العقل وذرة من التمييز أخذ العقد فانتفع بما فيه من الجوهر وما عليه مما في أثنائه من الخرز وإن كان أحمق سيئ النظر فاسد الرأي تركه لما في أثنائه من الخرز. الغزل المصري في التحول تقول أما ترضى مع الحب والجفا بأنك حيٌّ والحياةُ كثيرُ وكل الذي أبقاه مني غرامها بقيةُ نوم في الجفون تطيرُ كأنيَ من غاز الإنارة في الهوى فبينا يرى غازاً إذا هو نورُ في الرضا بعد مجلس العتاب حبيب يرينا قلبه ذا قساوة ويتبعها خوفاً علينا بلينه عواطفه يوم العتاب كأنما عقدن جميعاً مجلساً في جفونه فيأتي هواه ممسكاً بشماله فؤادي وأسباب الجفا بيمينهِ يقول انظري يا رقة النفس وجدَهُ ويا رحمة القلب اسمعي لأنينه فتحكم هاتيك العواطف بالرضا وتغريمه لي قبلةً في جبينهِ في صديق إذا مسه الخير كتم وإذا مسه الضر باح ولي صاحب أودعت سري حلمهُ ولم أدر أن الحلم فيه قريحُ إذا مسه مني على غير ريبة أذى خطاٌ أمسى بذاك يبوحُ أراه فنغرافاً فمن مسّ إبرةً وإن صغرت في جانبيه يصيح تدبير الصحة أوقات الطعام للتوقيت فائدة جلية في شؤون البشر وحياتهم الاجتماعية كما أن للنظام وحسن الترتيب شأناً في النهوض والحضارة. يعرف ذلك كل من له إلمام بحال الغربيين وما استفادوه من قوانينهم على اختلاف ضرر بها. والطعام كما علمت قوام الأبدان ولا تستقيم إلا بحسن تناوله واختيار الأوقات المناسبة له وفي ذلك تدبير الصحة وراحة العقل والجسم. ولا يتأتى تنظيم الأوقات إلا في بلاد غلبت عليها الحضارة وصفت موارد عيشها وحسنت أذواق أبنائها ومهما حاول الرجل في البلاد المنحطة أن يسير على مناهج المتحضرين فلا سبيل له إلى ذلك إذ يتعذر الجري على النظام الخاص إذا لم يتقدمه نظام عام وطيب العيش أشبه بسلسلة إذا حسن انتساق بعضها أمن انتساق الآخر والعكس بالعكس. قام منذ حين جماعة من رجال الفرنسيين أولعوا باختيار الأحسن وتوفروا على التفكر في استكمال أسباب الراحة فأنشأوا يخاطبون بني قومهم في معنى محاكاة الجنس اللاتيني للجنس الإنكليزي السكوني في عاداتهم وأخلاقهم وقوانينهم وأوضاعهم موقنين بأن لا سعادة لذاك العنصر إلا بنزع ما رسخ فيه من الملكات على غابر الدهر والاهتداء بهدي السكسونيين في منازع حياتهم الاجتماعية والسياسية والأدبية. ومن جملة ما ارتأوا إصلاحه عندهم تنظيم أوقات الطعام ومعاطاة الأشغال على الطريقة الإنكليزية النافعة. قال بعضهم لو ذهب ذاهب إلى لندن عاصمة الأعمال الصناعية والتجارية لما شهد للأشغال حركة إلا الساعة العاشرة قبل الظهر حركة تتصل اتصال الشؤبوب إلى الساعة الخامسة بعد العسر. أي أن القيام بالأعمال التجارية يجري في سبع ساعات وذلك ما خلا السبت فإن المستخدمين ينقطعون عن أعمالهم الساعة الثانية بعد الظهر ولا يتعاطون شيئاً من الأعمال أيام الآحاد. فيهبُّ الإنكليزي من فراشه كل يوم ويتغذى غداء كافياً كضلعين أو ثلاثة من أضلاع الغنم أو العجول وبيض نيمبرشت وقطعة من فخذ الخنزير أو كتفه وصحفة من البطاطس وهو طعام الصباح لا كما يفعل الفرنسيين ويجري عليه معظم أهل البلاد المتمدنة في الشرق من الاكتفاء صباحاً بالشاي أو القهوة أو اللبن أو تناول شيء من المربيات والحلويات مع قطعة من الخبز السميذ أو المحمر. فإذا ملأ المستخدم الإنكليزي معدته صباحاً بهذا الطعام لا يتناول الوجبة الثانية إلا الساعة الخامسة اللهم إلا مرة نصف النهار حيث يتناول قطعة من اللحم رقيقة في قطعة من الخبز الساندويش مع كأس من الجعة الخفيفة المعروفة عندهم ولا يقطع عمله لذلك إلا بضع دقائق ويظل هذه الساعات مكباً على عمله بلا انقطاع. ذلك لأنه ثبت للباحثين في الحياة البشرية أن الإكثار من تناول الطعام في الهاجرة ثم أخذ النفس بمعاطاة الأعمال وخصوصاً العقلية مما يمرض النفس والجسم فتكون المعدة ممتلئة لا يحتاج الجسم معها إلا إلى المحاورة والراحة ليسوغ الهضم ويأخذ الدم مجراه وهذا متعذر على أرباب الأشغال من الفرنسيين ومن حذا حذوهم من الأمم وخصوصاً إذا دعي أحدهم إلى طعام غيره وأريد على مخالفة عادته من الإكثار من الأطعمة والألوان. أما الإنكليزي فله من الغذاء الكافي الذي يقضمه ويفطر عليه ما لا يشتكي معه جوعاً ولا شبعاً ريثما ينجز أعماله اليومية. بل يكون له من طعامه ما يدب الحرارة الغريزية في جسمه على نحو ما يدبُّ الوقود في آلة التحريك والتنقيل في السكك الحديدية التي يقذف موقدها بالفحم الحجري أبداً. ولا يضيع وقته ويقطع سلسلة عمله في أبرك أوقات نهاره لأن الوقت من ذهب كما يقول المثل الإنكليزي. ومن دين كل إنكليزي أن يحتفظ بالنظام والانتظام ويرعى الواجب ويقوم بما يعهد إليه أحسن قيام وبهذا كان الهجوري في نظره مضيعة للوقت ومجلبة لصد صاحبه عن إنجاز واجباته ومفسدة للصحة. قال الكاتب الذي اقترح على قومه اختيار الترتيب السكسوني وعندي أن الفرنسيين يضيعون أوقاتهم ولا يسيرون في أعمالهم على وتيرة واحدة إذ أن البداءة بالعمل حوالي الساعة التاسعة صباحاً وجعل فاصلة فيه قدر ساعتين لتناول طعام الظهر ثم معاودة العمل إلى الساعة السابعة مما لا فائدة فيه كما هو الحال في طريقة الإنكليز فحبذا لو تقيلنا مثالهم ونسجنا على منوالهم في طعامهم وشرابهم وأعمالهم. أما نحن فنقول أننا معاشر المشارقة لو نظرنا في أحسن ما اعتاده زعماء الحضارة من الأمم في أمور معاشهم واخترنا أنفعه لنا وأمسه بحاجتنا مع تعديل يوافق كل قطر واعتدال ينطبق على مقتضيات العصر إذاً لأحسنا صنعاً وزدنا عائدة ونفعاً. تدبير المنزل استعمال السكر لنا كل يوم ممن يعنون بتدبير المنازل وراحة أهلها شكل جديد في تدبير الصحة فتجد فئة لا ترى غير أكل اللحوم وفئة تمتنع عنها وتكتفي بالبقول وفئة تؤثر استعمال السكر. فقد قال بعضهم أن السكر خبز الفقير وخمره. وقال غيره أن السكر هو جل ما ينتفع به المحاويج من الأدوية. وقد أكد بعضهم أن أهالي غربي الهند يستعملون قصب السكر كثيراً ولذلك تجد لهم أسناناً ناصعة البياض وكل من يستعمل القصب تأمن أسنانه العطب. والإنكليز والأمير كان أكثر الأمم استعمالاً للسكر ولذلك كانوا ممتعين بأسنان بيضاء صافية سالمة في الغالب. فالسكر هو بمثابة فحم تحمى به الأعصاب وتستعيد به الصحة قواها بعد العناء. وقد جرب استعماله مدة في عشرين جندياً في ألمانيا فكان من استعملوه أسمن وأحسن ممن انقطعوا عنه حتى أن المدمن له ليصعد العقبة الكؤود أسرع من كل من ألف التصعيد في الجبال والنجاد. ويحسن أن يذاب في الماء أو في شاي خفيف ولا بأس باستعماله مع الليمون وإذا أذيب ١٥٠ غراماً منه في لتر من الماء أو الشاي فينفع في الهضم ويدب النشاط في الجسم. حياة الفقير أفاض أحد المفكرين في تدبير مساكن العملة والطبقة الدنيا من الناس فقال إنها تتطلب حسن تدبير الصحة والجري على قواعدها من حيطان وسقوف يمكن غسلها وإزالة الأوساخ عنها ومن نوافذ كبيرة وماء على ما يحب وسرب قبو للمؤنة وهري أو أنبار لتنشيف الغسيل. ولعله اختار أن تكون النوافذ كبيرة حتى يتخلل المساكن الهواء والشمس فقد جاء في المثل الفرنسي يدخل الطبيب حيث لا تدخل الشمس وما أصحه من قول ولذلك ترى من يعنون بصحة البيوت يقومون على تهوية المنازل كل يوم. دواء الأرق بحث أحد أطباء مدرسة اكسفورد الجامعة في بلاد الإنكليز بحثاً دقيقاً في مداواة الأرق فارتأى أن أحسن علاج له أن يتلو المؤرق وهو على فراشة كتاباً يسهل عليه فهمه هنيهة من الزمن لا تقل عن نصف ساعة ولا تتجاوز الساعة من مثل كتب بلوتارك اليوناني أو ولتير سكوت الإنكليزي أو أناتول فرانس الفرنسي. وارتأى غيره أن المنوماث هي الأشعار وخصوصاً القصائد الكبيرة. ونحن نرى أن تلاوة شعر كثير من شعرائنا المحدثين تجلب النوم لا محالة. مطبوعات ومخطوطات مداواة النفوس لابن حزم الأندلسي تآليف كثيرة ضاع أكثرها بما لقيه من أضداده في حياته على ما يتمثل لك من ترجمته. وقد ظفر بعض رجال العلم في المكتبة الظاهرية بدمشق بنسخة من كتاب له في الأخلاق سماه مداواة النفوس وتهذيب الأخلاق والزهد في الرذائل فانتدب إلى طبعه الغيور محمد أفندي هاشم الكتبي فكانت من بعض ما أحيي بالطبع من مآثر السلف الصالح في هذا العصر. اقتبست منه صفحات قليلة في باب الصحف المنسية وعسى أن يتدارك الناشر بعض ما وقع فيه من الأغلاط في الطبعة الثانية. جمع المؤلف في كتابه هذا معاني كثيرة أفاده إياها واهب التمييز تعالى بمرور الأيام وتعاقب الأحوال والإشراف على أحوال الزمان وآثر تقييدها على جميع اللذات وعلى الازدياد من فضول المال وذم كل ما سبر من ذلك وأتعب نفسه وأجهدها ليكون ذلك أفضل له من كنوز المال وعقد الأملاك. وكتب الأخلاق مما ينبغي الحرص عليه اليوم وما أجمل ما قاله أبو محمد علي ابن أحمد في الأخلاق: إنما العقل أسا س فوقه الأخلاق سور فحلي العقل بالع لم وإلا فهو نور جاهل الأشياء أع مى لا يرى كيف يدور وتمام العلم بالعد ل وإلا فهو زور وزمام العدل بالج ود وإلا فيجور وملاك الجود بالنج دة والجبن غرور عف إن كنت غيو راً ما زنى قط غيور وكمال الكل بالتق وى وقول الحق نور ذي أصول الفضل عنه احدثت بعد النذور ومما ختم به ابن حزم رسالته وهو مما يقتضي أن يكون دستور العمل في كل علم وعمل قوله: وإذا ورد عليك خطاب بلسان أو هجمت على كلام في كتاب فإياك تقابله مقابلة المغاضبة الباعثة على المبالغة قبل أن تتبين بطلانه ببرهان قاطع. وأيضاً فلا تقبل عليه إقبال المصدق به المستحسن له قبل علمك فتظلم في كلا الوجهين جميعاً ولكن إقبال من يريد حظ نفسه في فهم ما سمع ورأى فالتزيد به علماً وقبوله إن كان حسناً أو رده إن كان خطأ فمضمون لك إن فعلت ذلك الأجر الجزيل والحمد الكثير والفضل العميم. منشآت الوهراني كتاب مخطوط في تسعة كراريس ظفرت به في بعض خزائن الكتب ولا أريد أن أدلَّ عليه إذ ما كل ما كتب تنبغي العناية بنشره. الكتاب جد في قالب هزل وعلم على مثال جهل وحقيقة في طرز خيال، تصفحته تصفح متفكه مستفيد فما رأيته خلواً من شاردة تنقل ونكتة تؤثر. كاتبه ركن الدين أبو عبد الله محمد الوهراني الجزائري من كتبة الرسائل والإنشاء في دمشق ومصر على عهد صلاح الدين يوسف وكان كما ترجمه ابن خلكان أحد الظرفاء قدم من بلاده إلى الديار المصرية في أيام السلطان صلاح الدين وفنه الذي يمت به صناعة الإنشاء فلما دخل البلاد ورأى بها القاضي الفاضل وعماد الدين الأصبهاني الكاتب وتلك الحلبة علم من نفسه أنه ليس من طبقتهم ولا تنفق سلعته مع وجودهم فعدل عن طريق الجد وسلك طريق الهزل وعمل المنامات والرسائل المشهورة به والمنسوبة إليه وفيها دلالة على خفة روحه ورقة حاشيته وكمال ظرفه. وقد تولى الوهراني الخطابة بداريا إحدى أمهات قرى الغوطة بدمشق وتوفي بها سنة ٥٧٥ هـ. هذا هو المؤلف ومصنفه أنموذج يقول بأن الرقاعة ارتقت في ذاك العصر كما ارتقت البلاغة وأن الدولة الصلاحية بما اشتهر عنها من الانطلاق وانتشار المعارف اتسع صدرها لمثل الوهراني اتساعه لأمثال البيساني للتين قوم وللجميز أقوام وكلام المؤلف على خلطه وخبطه يضحك العبوس وقلما تنقبض منه النفوس إلا لدن سماع بعض الألفاظ السخيفة التي تنبو عنها الأذواق السليمة في هذا العصر. وقد رأى القارئ أمثلة من كتابته ورقاعته في باب الصحف المنسية وهذا المؤلف أشبه بموليير ورابلي من شعراء الفرنسيين في النكات والأضاحيك ولكل أمة رجالها والناس كأسنان المشط في الاستواء. نصائح للعملة هو كتاب ألفه بالفرنسية أحد كتاب الفرنسيين المسيو بارو توخى البحث في إيجاد السبل لتحسين حال العملة فحاز استحسان الخاصة والعامة حتى منحه المجمع العلمي الباريسي جائزة الإجادة وتدارسه بعض الراغبين في النهوض. وقد كتبه بعبارة بسيطة ليفهمه طبقات القراء كافة ويتدبروه كل التدبر يقصد المؤلف مما كتب طبقة العملة خاصة من الصناع والزراع ولكن مصنفه البديع يستفيد به كل طالع محكمة بل كل عامل في الأرض موعظة حسنة. فيتناول منه عملة بولاق وترع النيل وسائر مزارعي أرياف مصر مثلاً كما يتناول منه العاقل أكثر من الجاهل والخاصي فضلاً عن العامي والكبير زيادة على الصغير في كل قطر ومصر. وقد بحث المؤلف فيما يحول دون العامل ونجاحه وسعادته من المصاعب وأن بيده التنكب عنها ووضع المبادئ التي تنتج له طريق الفلاح والسعادة وتطبيقها على أدوار العامل الثلاثة أي حالة كونه خريجاً وعاملاً مستقلاً ومدير معمل وذكر في خلال تطبيقه لهذه الحالات ما يمكن أن يحدث للعامل من الأحوال النادرة الخاصة ويلم بما عساه يكون له من هذه الأحوال من التأثير في حياته الخاصة وعلائقه مع عياله وبين الطرق التي يتقي بها العامل عادية الأمراض ويقتصد جانباً من المال الذي يحصله بعرق جبينه مشفوعاً ذلك بما هو شائع من الأوهام بشأن العملة ورفاهيتهم رفاهية متناسبة مع حالتهم لا رفاهية يتمتع بها الرؤساء والكبراء بل رفاهية نسبية تتم لهم بها رغائبهم المشروعة التي أباح الله لهم الاستمتاع بها في هذه الحياة. وسأحصل بعض فصوله في باب التربية والتعليم لينتفع بتلاوتها بعض أهل بلادنا كما انتفع به من ألف برسمهم ووسم باسمهم. في وادي الهموم رواية حقيقية لا خيالية كمعظم ما ينشر هذه الأيام نسج بردها الكاتب الأديب محمد لطفي أفندي جمعة أحد منشئي جريدة الظاهر الغراء وهي تبحث في الشقاء الاجتماعي المستحوذ على بعض النساء قال: إني أعتقد بأن المرأة تصلح لأن تكون ملكاً طاهراً أو ملكة عادلة أو أماً رحيمة أو زوجاً فاضلة أو مدبرة عاقلة أو بغياً ساقطة أو مجرمة قاتلة وكل ذلك في يد الرجل فليجعلها كما يشاء. والذنب على الهيئة الاجتماعية لأنها ترى كل تلك الأمور ولا تمديدها للمرأة وتساويها بالرجل في كل شيء فإنه عار على عصر العلم والمدنية والحرية والفلسفة أن تبقى فيه المرأة تفجر لتأكل . . وفي الرواية من دلائل الإقدام ما لا يستغرب ممن تعلموا العلم المدني الصحيح وتشبعوا بآداب العصر الحاضر فكان لهم من علمهم وتربيتهم ما يدفع بهم إلى قول الحق ولو أمر في بعض الأذواق. وإنا لنحمد الله على أن رأينا في الناشئة المصرية أمثال الكاتب الموما إليه ممن يضعون الهناء مواضع النقب ولا يحفلون بالفقاقيع الفارغة في خدمة العلم والأدب. سيرة العلم سفينة جديدة اخترع أحد الأمريكان باخرة تسير بمحرك كهربائي تقطع أربع عقد في الساعة ولها ست عشرة آلة دافعة تجعل في مؤخر السفينة وجناحها. وقد ثبتت صحة دعواه بالتجربة وستجتاز هذه الباخرة المسافة بين أوربا وأميركا في ثلاثة أيام بعد أن كانت تقطعها في عشرة وزيادة. أكبر دماغ في شبان الإنكليز اليوم شاب في الثلاثين من عمره اسمه دانا يعجب الإنكليز والأمريكان بقوة ذاكرته. وقال العلماء أن ذاكرته فريدة في العالم. وقد أكثر من إجهادها حتى صرح أهل الأخصاء بأنه لا يعمر أكثر من خمس وثلاثين سنة. ولذلك أخذ يتدارك الأمر وهو يربح في الأسبوع ثلاثة آلاف فرنك وباع دماغه بخمسين ألف فرنك قبض بعضها من أحد الباحثين ليفحص دماغه بعد موته وأوصى إذا هلك في إنكلترا أن يحزَّ رأسه للحال ويحنط ويبعث به إلى أميركا. ويقال أن دماغه يزيد نحو ثلثمائة غرام عن دماغ كوفيه الذي حاز الأولية في كبر الأدمغة. السل في القرى يقولون أن السل ينتشر بين سكان القرى والريف انتشاره في الأمصار والمدن وسببه الغبار والكحول وفساد المعيشة وإنهاك القوى والفحش ولا سبيل إلى تلافي ذلك الخطب إلا بأن تجعل الحكومات فئة من أطبائها يختلفون إلى الأرياف فيعزلون السقيم عن السليم ويقيمون للمسلولين مستشفيات. دجاجة حاضنة جرت حتى اليوم تجارب كثيرة بين أجناس الحيوانات في أمر التناسل ولكنه لم يعهد في حوادث التاريخ الطبيعي أن حضنت دجاجة أجراء كلاباً صغيرة فقد خطر لأحدهم في بلاد الإنكليز أن يستعيض عن البيض الذي تحضنه الدجاجة بصغار الكلاب فطاوعته الدجاجة وبذل لها ولما تحضنه من هذه الرضع عنايته كأن يسقيها بإبريق ذي زمولة مصاصة وغير ذلك من ضروب العناية فأفلح في تجربته. وقاية الكتب لما احترقت مكتبة تورين في إيطاليا في العهد الأخير وذهب فيها من أمهات الكتب العظيمة ما طالت له حسرة العلم والعلماء قام جمهور من رجال الغرب يفكرون في إيجاد طريقة تحفظ بها ثمرات العقول ولا تسطو عليها النار ولا غيرها من الآفات. وقد وفق أحد أساتذة مدرسة كاليفورنيا الجامعة بأميركا إلى أن أنشئ بفضله في الولايات المتحدة مكتب يعمل على ضم المنحس من الصحف المخطوطة وجعل أمهات للطوابع والنقود. وسيجعل من هذه الدفاتر نسخ يتناولها العلماء والباحثون بأقل ما يمكن من الأثمان. جزيرة مغمورة تركت إنكلترا لألمانيا سنة ١٨٩٠ جزيرة ايليكولاندا في البحر الشمالي وأخذت عوضاً عنها جزيرة زنجبار لكن تلك الجزيرة أخذت تغمرها المياه فلم يبق منها غير ربعها على ما بذل من العناية في كفّ عادية المياه عنها ولا تلبث ايليكولاندا أن تصبح في خبر كان يضمها اليمُّ إلى صدره ويدرجها في قاعه وقعره. ولوع اليابان بالمحسوسات ليس اليابان في ولوعهم بالمحسوسات بأقل من الصينيين إذا صحَّ الحكم على أخلاقهم من مطالعة الكتب التي تتداولها أيديهم وترغب في تصفحها نفوسهم. ففي خزانة كتب طوكيو عاصمة الإمبراطورية اليابانية قلما يطالع المختلفون إليها الروايات والقصص فقد يتداول القراء في السنة ١٦ في المائة من الكتب الدينية الموجودة في تلك المكتبة و ٢١ في المائة من الكتب الرياضية وعلوم الطب و ٢٠ في المائة من كتب الأدب و ١٨ في المائة من كتب الجغرافيا والرحلات. أخلاق الأمريكان نشر أحد أساتذة هارفرد الجامعة بأميركا كتاباً في علم النفس الأمريكية ذكر فيه ما أمتاز به الأمريكان على من سواهم وهو يرجع إلى أربعة فصول الإبداع والإقدام واعتبار الذات وحب الارتقاء والثقة بالنفس. وقال أن ما عرف به الأمريكي من الانطلاق قد يجعله يتغاضى عما يأتيه غيره ولذلك تجد لأهل السخف والضعف مجالاً واسعاً في أميركا وربما نشطوا وأخذ بأيديهم على نحو ما ترى لكل مقالة جديدة بينهم أنصاراً يقولون بها بادئ الرأي. اكتشاف مصري عثر العملة أثناء عمارة المرفأ الشرقي في الإسكندرية على قبر في سفح أكمة أم القبة بالقرب من البحر يرد عهده إلى زمن بعيد. وهو منحوت في الصخر وذو مدخل مساحته عشرون قدماً مربعاً يمتد منها ستة إلى داخله وعليها شيد المذبح والقبر قائم الزوايا وطوله تسع أقدام وعلوه كذلك أما أعلاه فمصور وفيه ٨١ أيقونة مربعة فيها صور ورسوم مجهولة في الأكثر والجدران مصورة أيضاً ومنقوشة ومعظمها إما بكرور الأيام أو بمعادل أرباب المقالع. وقد قام في أطراف الشمال الشرقي والجنوب الغربي من المدخل ناووس من صخر يشغل عرض القبر وأقيمت في طرفيه صخرتان عظيمتان جعلت إحداهما على الأخرى على شكل وسادة وهذه الصخور منقوشة كسائر ما في القبر وداخل الناووس. تاريخ العلم أفاض أحدهم في بعض المجلات الفرنسية في كونه أيتعذَّر وضع تاريخ للعلم. ومن رأيه أن تاريخ العلوم سيكون أولاً في دور فوضى وارتباك قبل أن ينظم سيره بنظام ثابت غير متزعزع وانه بعد الآن سيختم عصر الأمور العلمية العظيمة ويرتقي العلم على وتيرة واحدة وتلغى الأمور الاتفاقية من سبيله ويكون مجراه إلى الطبيعة أقرب. السحر بين الصفر حدَّث أحد الأطباء في مجلة فرنسية عن حالة السحر في الحياة الخاصة والعامة بين الصفر فقال أن أفكار الصينيين في الأرواح والقوى السحرية تشبه ما يعتقده سائر الشعوب فإن انتشرت أمثال هذه الخرافات فذلك لأن أعمال السحرة من الصينيين والأناميين تشبه أعمال سخرة الإفرنج ومشعوذيهم ولها كلها نتائج واضحة تجمعها كلمة التخريف والتضليل. ركاز الماس في مجلة القرن العشرين الفرنسية بحث في معادن الماس في أطراف العالم قال فيه كاتبه: يظهر أن معادن جنوبي إفريقية هي مستودع الأحجار الضخمة من الماس ولكن أجمل الماس ما جاء من الهند ثم من البرازيل. وهذا الفرق ناتج من اختلاف أصول الماء وفيما خلا ركاز رأس الرجاء الصالح في إفريقية يعثر على الماس مؤلفاً من انحلال الصخور المحتوية على ماس أما في إفريقية فإنه يتولد في الصخر ومنه يتراءى للعيان. منذر الحريق جرب المنذر الجديد الذي اخترع للإعلام بالحريق قبل وقوعه في مدينة نيويورك وأخص ما في هذا المنذر أن يمنع سوء القصد ويكشف الفاعل للحال. ولهذا المنذر علبة متى فتحت تأخذ ساعة دقاقة تدق دقاً لا ينقطع تنبه رجال المطافئ والمضخات وأماكن الإعانة ويوجد في داخلها بابان صغيران لهما ثقب تدخل فيه اليد لتنادي به وتنذر حتى إذا استصرخ من يلزم إسراعه تمسك يد معمولة من معدن الألمنيوم وحافاتها من المطاط كاوتشوك كفَّ ذاك الشخص المنذر وتقبض عليه كل القبض ريثما يصل رجال المطافئ ويقتضي أن يعينه أحد حتى تخلص يده ويفلت من هذا الشباك. أعلى جسر فيكتوريا نيانزا أعظم بحيرة في إفريقية الوسطى وثاني بحيرة في العالم وقد أنشأت جمعية إنكليزية خطاً حديداً على مصبها في نهر زامبير وأقامت عليها جسراً كان أعظم جسر في العالم علوه ١٤٠ متراً وقد بني في ٩٠ أسبوعاً. ومما جعلته الشركة في أسفله شبكة عظيمة تتلقى من يتفق سقوطهم من العملة من حالق لينزلوا بلا خطر. الصم البكم أثبت أحد الفرنسيين في أن الصم البكم ليسوا صماً لا يسمعون بتة وقد بين بواسطة آلة تنقل الاهتزازات الصوتية الأساسية أن بعضهم يحسون كثيراً بالأصوات الشديدة على حين ترى في آذانهم وقراً لا يسمعون تلك الحروف الصوتية المنبعثة من أصوات حادة على عكس ما تسمع الأذن المعتادة. قال ويصعب إسماع من أصيبوا بالصمم على هذه الصورة بخلاف غيرهم ممن لا ترى فيهم هذه العوارض فإنهم يتوصلون بواسطة السماعة وبعض تمرينات يقومون بها إلى سماع الصوت البشري أحسن سماع وهذه الملاحظات تفيد في أنها تدعم ما ادعاه هلمهولتيز في نظرياته. وهلمهولتيز من علماء منافع الأعضاء من الألمان توفي سنة ١٨٩٤ . المرأة الطليانية كتبت إحدى كاتبات الطليان وهي من أعداء المرأة الأشداء قالت: أنه لم يحدث في حال النسوة أقل ارتقاء حقيقي. وزعمت أن المرأة الطليانية ليس لها ما تأخذه عن الغريبات عن جنسها وذكرت بأنه ينبغي توفير العناية بتعليم البنات في إيطاليا وغيرها من الممالك التعليم العالي. النوام أو مرض النوم نشر الأميرالاي بروس الذي عهدت إليه الحكومة الإنكليزية منذ عام ١٩٠٢ بالبحث عن أسباب مرض النوام ودواعي انتشاره في أواسط إفريقية كتاباً قال فيه أنه لم يبق شك بأن هذا المرض ناتج من ذباب سام يتناول السم من دم الحيوان المصاب ويعض أو يقرص من هو عرضة له من الناس وتمتص الذبابة المادة المعروفة القتالة وتبقى في معدتها إلى أن تقذف بها بواسطة خرطومها عندما تمس جزءاً من جسم الإنسان. واللدغة تكاد لا يشعر بها بادئ بدءٍ حتى أن المرء لا يشعر بها في حينها إلا بعد مدة طويلة وربما بعد أن يمضي عليها حولان أو ثلاثة فتنسد الأوعية الدموية في الدماغ وتحرم جوهره من المادة وتصاب به الغدد الليمفاوية خاصة. علم ذلك من تجارب في هذا المعنى أجريت على القرود. وينتشر مرض النوام خاصة في أقاليم ذات بطائح على شاطئ الأنهار والبحيرات وذبابه قلما يبتعد عن مقره أكثر من مائة متر ولكنه غزير جداً بحيث أنه هلك في أوغندا من سنة ١٩٠١ إلى سنة ١٩٠٤ زهاء مائة ألف نسمة من هذا المرض. قال الباحث المشار إليه وسبب هذه الزيادة الهائلة أن أهل البلاد يحاذرون اتخاذ الأسباب الصحية ولا يعتقدون بخطر تلك اللدغة القتالة التي لا يشعرون بها أولاً حتى إنك ترى سكان إقليم فيكتوريا نيانزا لا يحفلون بالذباب الذي يغطي سوقهم عندما يغتسلون. وقد جرب السليماني في مداواة هذا المرض فخفف بعض الألم وإن لم يكن فيه الشفاء التام. وأحسن طرق الوقاية منه أن يباد الذباب بإبادة الأماكن التي تنبعث منها. وهذا ما يقوم به البيض الذي يحكمون تلك البلاد. بيد أن طرق الوقاية ليست عامة بين كل الطبقات فإن السكان لا يهتمون ولا يقلقون ويجهلون الداء والدواء. فاقتضت الحال أن تستعمل الأسباب الفعالة لإكراههم على التوقي وإبعاد من يسكنون مكاناً ملوثاً بجراثيم المرض عمن لدغوا بدون شعور منهم مدة سنين ولكن دون الوصول إلى هذا التدبير الصحي أهوال يتعذر عدم المبالاة بها مادام الأهلون يمانعون في إجرائها كل الممانعة ولذا ما برح النوام ينتشر فيهلك من يهلك ويسلم منه بالاتفاق من يسلم. إعارة الكتب في إحدى المجلات الروسية أنه أُسست منذ خمس سنين خزانة كتب في بلدة نيجني نوفكرود ليطالع فيها صغار المزارعين والحفاة العراة من الفقراء المنقطعين عن الأعمال فكانت رغبة المطالعين مصروفة أولاً إلى تلاوة الصحف ويليها الروايات وكتب التقاويم والرحلات والزراعة وانه أعير في هذه الحقبة من الزمن ١٧٥ ألف عارية لم يفقد منها سوى مجلدين مما يؤيد أن للكتب من قلوب الشعب الروسي مقاماً جليلاً وإن كان بعضهم يقول بسلب أرباب الأملاك أملاكهم. موظفو الأمريكان نشرت إحدى الصحف الروسية بحثاً مستفيضاً في وصف الموظفين في الولايات المتحدة فقالت أنهم يبلغون مليون موظف ومنهم ١١٧ ألف من حراس المدن يقبضون في الشهر من ٦٠ إلى ١٠٠ دولار أي من ثلثمائة إلى خمسمائة فرنك وأن للموظفين حقوقاً في النفوذ لا تشبه حقوق أمثالهم في بعض الممالك الأوربية. آثار ثيبة في بعض المجلات الطليانية بحث في المكتشفات الأثرية المهمة التي عثر عليها في ثيبة تلك المكتشفات التي تساعد خاصة على توضيح الأشكال المهم في مصادر الفلسفة اليونانية المتولدة من الفلسفة المصرية. مقالات المجلات المجلات الإفرنجية المرأة الشرقية في مجلة إنكليزية بحث في المرأة عند الأمم قالت فيه كاتبته في الجزء المختص منه بالمرأة الهندية والصينية واليابانية: أن النسوة في تلك البلاد الشرقية قد نزعن ما طالما قيده بهن الرجال من القيود وأنهن أنشأن جمعيات في ترك العادة المتبعة في بلادهن من تضييق أرجل البنات منذ ولادتهن بالأحذية الضيقة مخافة أن يغادرن بيوت أزواجهن إذا كبرن. وأن حالة النساء اليابانيات كادت تكون إلى السعادة. وللمرأة الحق في اليابان أن ترفض اقترانها مثلاً بزوج ينتخبه لها أهلها وأنها ترى أن تكون تربيتها متفقة مع تربية قرينها ومع أن الطلاق يسهل في برمانيا فقلما يتطلبه أحد الزوجين وأن للمرأة وحدها تربية ولدها والزوج طوع أمر زوجه يأخذ عنها نصائح وينتفع بما تلقيه عليه من الأحكام قالت الكاتبة: ولذلك كان نساء برمانيا أسعد النساء طراً. والمرأة في كوريا هي القوة الاقتصادية العظمى في البلاد. نوابغ الرجال في إحدى المجلات الإنكليزية بحث في الأجناس والأفراد رأى فيه صاحبه أن النابغة هو الذي تنجح به الطبقات على اختلاف أشكالها وارتأى أنه يحكم على جنس من أجناس البشر من صلاته مع الأفراد ولم يفصل فصلاً صريحاً بين فطرة الأفراد وفطرة المجتمع. وهذا الرأي أشبه برأي كارلايل الإنكليزي القائل بأن الأفراد هم العالم بأسره وبهم عليه يحكم. مكتبة الإسكندرية في إحدى المجلات الفرنسية مقالة للمسيو البرسيم أحصى فيها أعداء الكتب وعد من جملة من أحرقوا الكتب بالنار عمر بن الخطاب رضي الله عنه أمر عامله بمصر أن يحرق مكتبة الإسكندرية لما فتحت. قالت الجريدة بيد أن ما نسب إلى هذا الإمام من الأمر بإحراق خزانة الإسكندرية لا أصل له إذ لم تكن المكتبة موجودة على عهده. وعدَّ في جملة أعداء الكتب النساء لأنهن لا يشفقن عليها ويمزقن جلودها ليجعلنها صرراً أو رزماً. وسننشر رسالة في حريق المكتبة الإسكندرية بياناً للحقيقة التاريخية. المجلات العربية التمثيل العربي الهلال - بحث في أصل التمثيل قال فيه إنه شرقي المنشأ ظهر في الهند والصين واليابان وظهر في اليونان والرومان. وأن القدماء استخدموا التمثيل لمقاصد دينية ولإخضاع الشعب وتربيته ومن رأيه أن التمثيل قبل الإسلام لم يكن اللهم إلا إذا اعتبر ما كان العرب يقومون به في الكعبة وحولها من الطواف والرقص من قبيل التمثيل. وعدّ من التمثيل الديني ما يقوم به الشيعة من تمثيل مقتل الحسين كما عدّ ما يجربه بعض أرباب الطرق من التمثيل الديني أيضاً. وقال أن أول من أدخل التمثيل بالعربية مارون النقاش من أهل بيروت سنة ١٨٥٥ أدخله إلى بيروت وعمه سليم النقاش أول من مثل الروايات العربية في مصر سنة ١٨٦٧ . اختلاف الشرائع وغرائبها أنيس الجليس - نقلت بحثاً عن صحيفة إفرنجية قالت فيه: من الأحكام المستغربة حكم أصدرته إحدى مدن إنكلترا تمنع به ثقب عيدان الكبريت على حيطان المنازل في الشوارع وجعلت القصاص على من خالف ذلك غرامة وسجناً. وحرمت إحدى مقاطعات أميركا التدخين فمنعت من حمله وعدت ذلك ذنباً عظيماً وهو حكم يذكر بأحكام القرون الماضية إذ كان مدخن التبغ يجلد في إنكلترا أو سواها ويناله السجن والعذاب. ومنعت إحدى مقاطعات أميركا تعاطي الشراب في الأندية الجامعة ولم تسمح به في المنازل إلا لواحد فقط مخافة أن يشربا فيعربدا. وأصدرت إحدى شركات السكك الحديدية بأميركا أمراً بمنع التقبيل في محطاتها لأنه يضيع به الوقت فتتأخر القطارات. وفي بعض ممالك أوربا يمنع البصق في الشوارع ومن مستغرب الأحكام في أميركا حكم يقضي على كل رجل وامرأة وغلام بأن يذهب إلى الكنيسة ثلاث مرات على الأقل في الأسبوع. علوم الدعاة المنار - في مقالة دعوة اليابان إلى الإسلام أن الداعية ينبغي له فهم الكتاب العزيز والاطلاع على السنة ومعرفة ما فيها من حكم التشريع ومعرفة السيرة النبوية وتاريخ الإسلام والبصيرة في علم الاجتماع والتاريخ العام والإلمام بسائر العلوم العصرية والاطلاع على ضروب الأساليب المدنية وغير ذلك. محمد علي الكبير المقتطف - ما برح يكتب في تاريخ محمد علي الكبير وهو في الحقيقة بحث في تاريخ سورية ومصر في أوائل القرن الماضي وجل اعتماد كاتبه على تاريخ الجبرتي و تاريخ مشاقة وكلاهما ثقة. وما أحلى اعتراف مشاقة بأنه كان يساعد إبراهيم باشا وخصومه معاً على حسب طاقته واعتذر عن نفسه بأن خدمة إنكلترا واجبة عليه لأنه من مأموريها. شواذ الخلق الضياء - شواذ الحلق هو كل ما شذ عن المألوف في نوعه بزيادة أو نقص في أعضائه أو اختلاف في بعض أشكاله أو تخاذل في خلقته وهو أن لا يكون بعض أعضائه مناسباً لبعض غرابةٍ في منظره بأن يتجاوز الحد في الضخامة أو الدمامة. قسمها بعضهم إلى أربعة أنواع الشذوذ البسيط وهو ما كان في عضو واحد أو جهاز واحد أو حالة واحدة من أحوال التركيب والشذوذ المركب وهو ما يتناول عدة أعضاء من الجسم ولكنه لا يمنع شيئاً من الوظائف والشذوذ المتداخل وهو في الغالب يرى من الظاهر ويكون باجتماع أعضاء الجنسين أو بعض مميزاتهما في شخص واحد والشذوذ بحده وهو ما يشوه الأشكال الظاهرة إلى ما يخالف شكل بقية النوع وهو في الغالب يؤثر على وظائف الأعضاء بحيث تتعذر الحياة في خارج جوف الأم. نفاضة الجراب أسعار الأشعار قال الوهراني لبعض أصحابه وقد فارقه من الشام إلى مصر: فاجتمع يوماً ببعض المعارف الراسخين في المعارف، فسأله عن أسعار الأشعار فأخبره عنها بالكساد، والفساد، وعن أهلها بالحراف، والانحراف، وقال: كل كلام مسجوع، لا يسمن ولا يغني من جوع، وصاحب القصيد، كالباسط ذراعيه بالوصيد، وما عند الأمراء، أخسُّ من ذقون الشعراء، فلو بشر أحدهم بشار وهنأه ابن هانئ، وقصده أبو العلاء، ونزل به صريع الدلاء، ومدحه الدؤلي بداليته، والطائي بطائيته، والوأواء بواويته، لما أجازوه على ذلك بجوزة، ولا أثابوه بثوب خليع، ورد أمس الذاهب أهون عليه من أخذ ذهبه، وخلع الأكتاف أهون من خلعه، وحنوط الغاسل أقرب من حنطته، والشعرى أقرب من قرطه، والتبن مثل التبر. الشاعر والشعير كتب سبط ابن التعاويذي - الشاعر المطبوع الذي يقول فيه ابن خلكان أنه لم يكن قبله بمائتي سنة من يضاهيه في جودة الشعر ورقة المعاني ودقتها ٥٥٣ - إلى عضد الدين أبي الفرج محمد بن المظفر وهو من أبناء مواليه يطلب منه شعيراً لفرسه. مولاي يا من له أياد ليس إلى عدها سبيل ومن إذا قلت العطايا فجوده وافر جزيل إليه إن جارت الليالي نأوي وفي ظله نقيل إن كميتي العتيق سناً له حديث معي طويل كان شرائي له فضولاً فاعجب لما يجلب الفضول ظننته حاملاً لرحلي فخاب ظني به الجميل ولم أخل للشقاء أني لثقل أعبائه حمول فإن أكن عالياً عليه فهو على كاهلي ثقيل ازحل كالبوم ليس فيه خير كثير ولا قليل ليس له مخبر حميد ولا له منظر جميل وهو حرون وفيه بطئ ولا جواد ولا ذلول لا كفل معجب لراءٍ إذا رآه ولا تليل مقصر إن مشى ولكن إن حضر الأكل مستطيل يعجبه التبن والشعير ال مغسول والقت والقصيل إذا رأى عكرشا رأيت الل عاب من شدقه يسيل وليس فيه من المعاني شيء سوى أنه أكول فهب له اليوم ما تسنى وهبه من بعض ما تنييل ولا تقل إن ذا قليل فالجل في عينه جليل</passage>
<license>Distributed under a Creative Commons Attribution-ShareAlike 4.0 International (CC BY-SA 4.0) license</license>
<source>https://github.com/tillgrallert/digital-muqtabas/blob/master/xml/oclc_4770057679-i_1.TEIP5.xml retrieved via Canonical Text Service http://cts.informatik.uni-leipzig.de/muqtabas/cts/ with CTS URN urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.1.TEIP5:</source>
</reply>
</GetPassage>
